← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع عشر [٢]

стр. 317

رجم الزاني المحصن بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول علماء أصول التفسير: لماذا نسخ نص الحكم بالرجم؟ قالوا: تكريماً لهذه الأمة، فكأن الله سبحانه لم يرد أن يسجل عليها في كتابها زناً يقع من شيخ وشيخه، والمولى سبحانه ينهى الناس أن يشيعوا الفاحشة في المؤمنين، فكيف يسجله على الأمة في القرآن الذي يتلى في المساجد؟! فلما وقع الحكم بأمر النبي ﷺ وفعلوا ذلك، وعلم الجميع به؛ لم يعد هناك حاجة إلى بقاء النص بهذه الصفة في كتاب الله. وهذا الحكم هل يكون معه جلد ثم رجم كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أو يكفي الرجم دون الجلد كما هو مذهب الجمهور؟ استدل الجمهور بأن النبي ﷺ جاءه رجلان، زنى ابن أحدهما بزوجة الآخر، فقال زوج المرأة: (يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، وكان الآخر أفقه، فقال: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنى بامرأته، فافتديت ابني بمائة من الغنم وبأمة، وسألت العلماء فقالوا: إنما على ابنك الجلد، وعلى المرأة الرجم، فقال رسول الله: نعم، سأقضي بينكما بكتاب الله، أما غنمك والوليدة فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد -يا أُنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) ، ولم يذكر جلداً قبل الرجم. يهمنا هنا أن الإسلام يعصم دم الإنسان إلا بتلك الأمور الثلاثة، ولكن مسألة: لماذا يرجم؟ ومسألة: الفرق بين الرجم والجلد؟ تلك مسائل يجتهد فيها العلماء، وقد يصيبوا وقد يخطئوا.

стр. 318

قتل النفس بالنفس والخصلة الثانية: (النفس بالنفس) ، وهذا دليل على المساواة بين المسلمين، فأكبر إنسان في أكبر مجتمع إذا قتله أدنى إنسان في أدنى مجتمع، وكلاهما يشهد أن لا إله إلا الله؛ فليس في دم هذا العظيم أكثر من دم هذا الوضيع، وكذلك العكس: لو أن أعظم إنسان في أعظم مجتمع قتل أضعف إنسان في أضعف مجتمع، فدم هذا العظيم مقابل دم هذا الحقير، ولذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه في خطابه العام للأمة أول خلافته: أيها الناس! وليت عليكم ولست بأفضلكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. وليس كما يقولون: حكم النقض يسري على كل أحد، كالأمم التي تتحكم في العالم، فإذا كان قرار في غير مصلحتها تستعمل حق الفيتو وتنقض الحكم، لا وإنما هي المساواة بين الأنفس جميعاً، فالنفس بالنفس. واختلف العلماء في الرجل إذا قتل امرأة، فالجمهور على أنه يقتل بها، أي: في العمد، وقال بعض العلماء -وهي رواية عن علي رضي الله تعالى عنه-: إن أولياء المرأة إذا أرادوا قتل الرجل فعليهم أن يدفعوا نصف الدية لأولياء الرجل؛ لأن دية المرأة على نصف دية الرجل، والجمهور يقولون: قال الله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ، والمرأة نفس، والرجل نفس، فهما سواء. واتفقوا على أنه إذا اجتمع جماعة على قتل شخص، واشتركوا جميعاً في قتله، فإنهم يقتلون جميعاً بهذا الواحد، كما قال عمر: والله! لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً، وذلك لحفظ الأمن؛ لأنه إذا لم تقتل الجماعة بالواحد؛ لاتفق القاتل مع آخرين، وقتلوا من أراد صاحبهم أن يقتله، لعلمهم أنهم لا يقتلون، فتسفك الدماء، ويقع الهرج في الناس، أما إذا تحقق أنهم اتفقوا وتواطئوا على قتله، فإنهم يقتلون به، ولا يوقف القتل إلا القتل كما قال الله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] ، فإذا علم من أراد القتل أنه إن قتل يقتل، كف عن قتل خصمه، وسلم هو عن القتل، فيكون القصاص قد أحيا الشخصين معاً. وهل يقتل الحر بالعبد؟ التحقيق -وهو قول الجمهور- أن الحر لا يقتل بعبد. وهل يقتل المسلم بكافر؟ إن كان الكافر حربياً فلا يقتل به إجماعاً، وإن كان ذمياً أو مستأمناً أو له عهد وأمان من الإمام، فـ أبو حنيفة ﵀ قال: يقتل به المسلم؛ لأن من قتل المعاهد الذي له من الإمام عهد بالأمان فقد افتات على الإمام بنقض عهده مع هذا الذمي، والجمهور يقولون: لا يقتل به، وإنما لأوليائه الدية، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. فهذا الحكم: النفس بالنفس؛ لو عمل به الناس، لحفظت الدماء، وكانت لهم الحياة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] .

стр. 319

الردة الخصلة الثالثة: (التارك لدينه، المفارق للجماعة) ، التارك لدينه، أي: للإسلام؛ لأن أول الحديث: (لا يحل دم امرئ مسلمٍ) ، فالضمير راجع إلى الإسلام. يقول العلماء: كل من ارتد عن دينه قتل سواءً كان رجلاً أو امرأة، إلا الإمام أبا حنيفة ﵀ فيقول: المرأة إذا ارتدت لا تقتل، واستدل بأن الرسول ﷺ نهى عن قتل نساء المشركين، ونهى عن قتل الرهبان من أهل الكتاب، ونهى عن قتل الصبيان، وقال: (إنهم لم يقاتلوا، فلا تقتلوا إلا المقاتلة) ، فقال الإمام أبو حنيفة ﵀: فإذا ارتدت امرأة مسلمة، فهي لو كانت كافرة لا تقتل، فكيف تقتل إذا ارتدت؟ فترجع إلى ما كانت عليه قبل أن تسلم، وهو الحكم الأصلي، ولكن الجمهور يقولون: جاء في الحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) ، و (مَنْ) من صيغ العموم، فيشمل كل مرتد، وقال الجمهور: إن المشركة التي على شركها جاهلة لا تعلم شيئاً، ولكن بعد أن أسلمت والتزمت بالإسلام فجرمها في ارتدادها عن الإسلام كبير وخطير؛ لأنها لو تركت على ردتها بعد إسلامها، كأننا نقرها على ذلك، والمرتد لا يرتد إلا وهو ساخط عن الدين، وغير راض به، فلو ترك فكأننا نقر الطعن في الدين، أو نقر الأعداء بأن الدين لا يصلح لهم، ولذا فمن ارتد بعد إسلامه فهو أعظم جرماً ممن لم يسلم بعد.

стр. 320

بم تكون الردة ؟ الردة تكون بأن يرجع إلى الشرك، أو يرجع إلى اليهودية، أو يرجع إلى النصرانية، وهناك أمور أخرى تلحق الفرد بالكفار: مثل سب الله أو سب رسوله، حتى قال بعض العلماء: من فعل هذا لا تقبل توبته؛ لأنها زندقة، والزندقة خفية، فلا يُعلم حقيقة توبته، وكذلك من سب المصحف، أو أهانه، أو ألقاه في مكان نجس غير لائق به، وهكذا من أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، كأن ينكر شيئاً من أركان الإسلام، فهو مرتد حتى لو نطق بالشهادتين، وهكذا لو قال: الصلاة غير واجبة، أو الصوم غير واجب، أو الحج لا حاجة إليه، أو الزكاة غير مفروضة، أو أنكر أي شيء معلوماً من الدين بالضرورة، أو قال: لا عدة على المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، فكل ذلك ردة عن الإسلام؛ لأنه يرد شرع الله الثابت بالضرورة عند المسلمين. ومن الأسف أن بعض الناس قد يستخف ببعض السنن، وقد قال الحنابلة: من استخف بسنة من سنن رسول الله ﷺ ؛ لأنها سنة، فقد ارتد عن الإسلام عياذاً بالله! كمن رأى إنساناً قد وفر لحيته، وأكرمها، فهزأ به وقال: هذا رجعي، هذا متأخر، فإنها ردة عن الإسلام عياذاً بالله! فليحذر الإنسان أن يفعل شيئاً يوقعه في خطر لا يعلم مداه، أو يتكلم كلمة لا يلقي لها بالاً فيدخل بها جهنم، كما جاء في الحديث: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أربعين خريفاً) . وقد كان الصحابة في غزوة، وكان منهم بعض ضعاف الإيمان، فأخذوا يتكلمون ويسخرون من أصحاب رسول الله، وقالوا: ما رأينا أكبر بطوناً، وأجبن عند اللقاء، من أصحاب محمد!! فجاء الوحي إلى رسول الله ﷺ بأنهم كفروا، فقال تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ، فقالوا: كنا نتحدث حديث الركب، وما كنا جادين، فلم تقبل معذرتهم، فقد كفروا بالله عندما سخروا من رسول الله ﷺ وأصحابه. وهكذا كل من فعل فعلاً يضر بالإسلام أو ينقض الإسلام فهو ردة والعياذ بالله!

стр. 321

حكم تارك الصلاة ترك الصلاة يدخل في قوله: (التارك لدينه) ، وقد أجمع أكثر الأئمة على أن من ترك الصلاة فإنه يقتل، ويختلفون في التفاصيل، فالأئمة الثلاثة يقولون: يعطى مهلة ثلاثة أيام، ويأمره ولي الأمر بالصلاة، فإن صلى وتاب ورجع فالحمد لله، وإلا ضربت عنقه، وأحمد ﵀ يقول: لا يقتل حتى يخرج وقت الصلاة الموجودة، فإن صلاها وإلا قتل، وقال: أبو حنيفة ﵀: يضيق عليه ويحبس ولا يطعم حتى يموت جوعاً، فاتفقوا على أنه يموت إذا أصر على تركها. ومذهب الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأبي حنيفة ﵏ أن قتل تارك الصلاة حد من حدود الله، وأما الإمام أحمد ﵀ فيقول: يقتل تارك الصلاة ردة وكفراً عياذاً بالله! والنتيجة المترتبة على هذا الخلاف: أن الأئمة الثلاثة يعاملونه في تركته وفي زوجه معاملة المسلمين، أي: أنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه ذووه؛ لأنه مسلم عاصٍ قتل في حد من حدود الله، كما لو قتل نفساً فقتل بها، وأحمد ﵀ يقول: لا يشرع له تغسيل ولا تكفين، بل يدفن ويوارى، ولا يرثه أهله، وتركته وماله فيء لبيت مال المسلمين، ولا يصلى عليه؛ لأنه قتل ردة وكفراً والعياذ بالله! ومنهم من يقول: يدخل في عموم التارك لدينه، المفارق للجماعة الذي يخرج على جماعة المسلمين، ويقطع عليهم الطريق، ويسلب الأموال، ويعتدي على الأعراض، وقد يسفك الدماء، فهذا يقتل ويصلب، أو تقطع يده ورجله من خلاف، أو يغرب، وكل ذلك جاء في حد قاطع الطريق. وإذا بايع الناس إماماً، ثم جاء رجل يطلب البيعة لنفسه، فإنه يقتل؛ لأنه جاء ليشق عصا المسلمين.

стр. 322

الحكمة من قتل هؤلاء المفسدين وحل دمائهم هذا الحديث النبوي الشريف يحفظ على المسلم دمه، ويبين حماية الإسلام للمسلم بقوله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولا يحل دم هذا المسلم إلا بإحدى ثلاث، فواحدة من هذه الثلاث تبيح دمه؛ لأنه بواحدة من هذه الثلاث يوقع الفساد في المجتمع، فالزاني مفسد للأنساب، لاسيما المحصن، فإن البكر ولو تكرر منه الزنا عشر فحده الجلد، رجلاً كان أو امرأة، أما الثيب فإنه لأول مرة يقتل ويرجم، ولو قال إنسان: هذا زناً ووطء محرم، وهذا زناً ووطء محرم، فكيف يكون حد البكر الجلد بلا إزهاق النفس، وحد الثيب القتل والرجم؟ لو فكر الإنسان في وصف البكر الذي لم يتزوج رجلاً كان أو امرأة لعلم الحكمة، فالمرأة البكر التي لم تتزوج، لو زلت قدمها ووقعت في الزنا، فزناها أهون من المحصنة وقد جاء في الحديث: (إن الله كتب الزنا على كل شخص، فهو يصيب ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها اللمس، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ، وفي رواية: (والقلب يزني وزناه التشهي والهوى) ، فكل ذلك من الزنا، والفرج يصدق أو يكذب، فلو قدر أن فتاة بكراً زلت بها قدمها فزنت، فلو حملت من هذا الزنا هل يمكن أن تلصق هذا الولد بزوج سابق؟ لا، ويعلم الجميع أنه لا أب له، أما الثيب المرأة المتزوجة، فلو أنها زنت وحملت من الزنا، فولدها سيكون تحت مظلة الزوج، وتلحق بالزوج من ليس له، فتفسد الأنساب، ويكون هناك مفاسد كبرى، فولدها من الرجل الأجنبي يعيش مع بنات هذا الزوج كأخ لهن، وهو أجنبي عنهن، ويعيش مع هذه المرأة على أنها أمه، ويرثها، وإذا مات الزوج ورثه على أنه ابنه، وهو ليس ابناً له، ولا يحل له الميراث. إذاً: زنا الثيب يلحق أضراراً كثيرة بالمجتمع، ويوجد في الأسرة ولداً تحت مظلة الزوج، ولو كانت مطلقة، أو توفي زوجها، ثم بعد سنة ارتكبت الزنا وجاءت بولد، فممكن أن تقول: هو من الميت أو من الزوج المطلق، فتتعلق بوسيلة ما، أما البكر فليس لها طريق عذر، وإن قدر شيء فهو محدود ومحصور وقائم بذاته، وولدها لا يلحق ولا يناط بأحد. وكذلك حد قتل النفس فيه حكم عظيمة، فلو ترك الناس يقتل بعضهم بعضاً لانتشر الفساد في الأرض، ولما أمن أحد. وهكذا قتل التارك لدينه، فلو ترك لكل إنسان أن يلعب بالدين كيفما شاء، لعظم الفساد والشر، وقد يقول قائل: وماذا تقول في قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ، فيرتد أو لا يرتد فهو حر؟!! نقول: لا، آية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ سبب نزولها معروف، ولو ترك الباب مفتوحاً لكل من أراد التلاعب بالدين، لصار اليوم مسلماً، وغداً يهودياً، وبعدها نصرانياً، وعاش مع المسلمين، وورث من أموالهم، وتزوج من نسائهم، ثم ينتقل إلى النصارى بأموال وميراث المسلمين، وبعد أن علم بأحوالهم وانتقل إلى الآخرين، وهكذا ينتقل إلى الدين الثالث، ثم يرجع، ويصبح كاللولب يلعب بالأديان كلها، فهذا فساد عظيم، وإشارة إلى عدم صلاحية دين من هذه الأديان، فآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لا تتعارض مع هذا الحديث، ولا مع هذه القضية، فنزولها كان في أول الأمر، فكان لا يكره أحد، بل يترك له الاختيار إلى أن يقتنع ويرى وينظر، ثم بعد ذلك نسخت بهذا الحديث، وبقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ... ) ، ولم يقل: حتى يتخيروا، وأتركهم على اختيارهم، وكان إذا بعث جيشاً أو سرية قال لقائدها: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فكف عنهم، وإن هم أبوا فأعلمهم أن عليهم الجزية، فإن دفعوها فكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم) ، فما ترك الناس على اختيارهم بل يلزمهم أن يختاروا الإسلام أو الجزية أو السيف، فهذا الحديث عظيم بين حرمة المسلم في الإسلام، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 323

شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس عشر

стр. 324

شرح حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)

стр. 325

الحث على مكارم الأخلاق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه في الدارين آمين: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) رواه البخاري ومسلم. أكثر الأحاديث التي تقدمت تتعلق بالإسلام وأصوله، وهذا الحديث يتعلق بمكارم الأخلاق، ومكارم الأخلاق من صلب الشريعة الإسلامية، بل سر الشرائع كلها، كما أخبر ﷺ أن الرسالة كلها، والبعثة بأكملها؛ من أجل مكارم الأخلاق، فقال ﷺ : (إنما) وإنما أداة حصر، (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، وقال ﷺ : (البر حسن الخلق) ، وقضية منطقية -كما يقولون- بين آية من كتاب الله وحديث عن رسول الله ﷺ ، تبين أن كل جهات وجوانب التشريع في حسن الخلق، قال الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ، وكل هذه الجوانب الخيرية من الإيمان باليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، خبر عن البر، فالبر من مجموع تلك السلسة من فضائل الأعمال والواجبات، وكلها تندرج تحت عنوان: (البر حسن الخلق) . إذاً: حسن الخلق هو البر، والبر هو كل الخصال الكريمة التي قد تكون أصولاً أو فروعاً. وهذا الحديث يشتمل على كثير من تلك النواحي.

стр. 326

أهمية الإيمان في امتثال الأوامر الشرعية قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) يقولون في علم اللغة: (من) مِن أدوات الشرط، وفعل الشرط هنا: (كان يؤمن بالله اليوم الآخر) ، وجواب الشرط: (فليقل خيراً أو ليصمت) ، ثم مرة أخرى: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ثم أعاد الشرط مرة ثالثة: (فليكرم جاره) ، ولو تأملنا في نصوص الشريعة لوجدنا أن الإيمان بالله واليوم الآخر قاعدة الانطلاق في العمل الإسلامي من فعل أو ترك، فما صلى إنسان، ولا صام، ولا زكى، ولا حج، ولا جاهد، ولا فعل فعلاً من أفعال الخير، ولا عف عن زنا، ولا كف عن سرقة، ولا صان دماً؛ إلا انطلاقاً من إيمانه باليوم الآخر، لماذا؟ لأنه في اليوم الآخر يجازى على فعل الخير، ويعاقب على فعل الشر، ولولا إيماننا بالبعث والجزاء والحساب، لصرنا أشبه ما نكون في غابة، فمنطلق أي عمل هو الإيمان باليوم الآخر؛ ولو أخذنا المصحف الشريف فأول ورقة فيه بعد الفاتحة، فيها قوله سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] ، ومن هم المتقون؟ (الذين) ، وفي علم البيان في البلاغة أن مجيء الجملة بعد الجملة معطوفة بواو فهي مغايرة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، ولكن إذا جاءت بدون واو، فالجملة الثانية إما تفسير لما قبلها، أو جواب على سؤال فيها، أو جزء منها، فهنا قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢-٣] ، فالمتقون هم الذين يؤمنون بالغيب، إذاً: الآية جاءت مفسِّرة لما قبلها، وهي مفسرة بما قبلها أيضاً بينت من هم المتقون، وكلمة المتقين تبين لنا الذين يؤمنون بالغيب. إذاً: علة وجود التقوى عند المؤمن هو إيمانه بالغيب، وعطف على الإيمان بالغيب توابع: يقيمون الصلاة، يؤتون الزكاة، ومما رزقناهم ينفقون، والإيمان بالماضي، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] ، فكأنهم يرون القيامة بين أعينهم يقيناً، ما هو مجرد تصديق، بل يقين، ومراتب علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.

стр. 327

حفظ اللسان الإيمان بالغيب، واليقين باليوم الآخر، هو سبيل الهداية، ونتيجته الفلاح، من كان بهذه الصفة يؤمن بالله، ويوقن باليوم الآخر، ويريد أن يكون على هدىً ثابت، ومن الفالحين، فليقل خيراً أو ليصمت، يا سبحان الله! المقدمة الكبيرة، وفعل الشرط هو (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) ، ماذا يصير في الدنيا؟ كلمة بسيطة: (فليقل خيراً أو ليصمت) ، وهذا يعطي المسلم مدى خطورة الكلمة التي يتكلم بها، فإذا كنت بهذه المثابة من الإيمان بالله وباليوم الآخر، فانتبه! وحاذر من الكلمة التي تتكلم بها، وانظر ماذا تقول؛ لأنك ستسأل عنه، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، (فليقل خيراً أو ليصمت) لأن السكوت خير من الكلام بغير فائدة، والحديث عن الكلمة الخيرة والكلمة السيئة باب واسع، والله ضرب المثل الملموس المحسوس، ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤-٢٥] ، أكبر شجرة يمكن أن تثمر في السنة مرتين، إذا كانت التربة خصبة، والنوع جيداً، لكن هذه كل حين، لا بخصوبة التربة، بل بإذن ربها؛ ولذا قالوا: هي كلمة لا إله إلا الله، اللسان أخطر ما يكون على الإنسان كما جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، عندما قال له ﷺ : (احفظ عليك لسانك، فقال: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!) وبعض السلف كان يخرج لسانه ويمسكه ويقول: اتعبتني، وفي بعض الآثار أن الإنسان حينما يصبح فكل الأعضاء تناشد اللسان أن يقيها النار، وتخاطب اللسان وتقول: اتق الله فينا! ويقول علماء التربية الإسلامية: كل عضو خارجي مفتوح ما عدا اللسان فعليه قفلان: فك الأسنان والشفتان، ومع هذا يتفلت منهما، وقال ﷺ مبيناً خطر الكلمة: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً) ، يستهين بها ولعل فيها هلاكه! كالذين تناولوا أصحاب رسول الله ﷺ بكلام أهلكهم وأوبقهم، فقد يصاب الإنسان ويقتل بكلمة يقولها بلسانه، وكما قالوا: جرح اللسان ليس له التئام، وجرح السنان قد يلتئم. ومن تعاليم الإسلام تعويد هذا اللسان على نطق الخير، وزجره والحذر منه، حتى لا ينطق بكلمة سوء ولو كانت في محلها، كما قال ﷺ : (لا تلعنوا الشيطان، واستعيذوا بالله منه) ، يقول بعض العلماء: هو ملعون فلن تأتي بشيء جديد، بل يخاف عليك أن تتعود هذا اللفظ فتوقعه في غير محله، فتبوء بإثمه عياذاً بالله! وفي بعض الروايات: (فإنه يتعاظم في نفسه) ، فلا تعود لسانك النطق بهذه الكلمة، وإذا كان الإنسان يتحرى قول الخير أو يصمت عن الكلام، فلن يقع في غيبة، ولن يقع في نميمة، ولن يقع في كذب، ولن يقع في تدليس، وكل المخاطر يتجنبها.

стр. 328

إكرام الضيف يأتي القسم الثاني من الحديث بتلك المقدمة أيضاً: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، إكرام الضيف من مكارم الأخلاق والمروءة، والشخص كريم المعدن لا شك أنه يؤثر ضيفه على نفسه، وغير خافٍ علينا قصة أبي طلحة حينما جاء ضيف إلى النبي ﷺ ، فأرسل إلى بيوت زوجاته أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن أجمعين يسأل عن قرى للضيف، وكل واحدة تعتذر بأنه ليس عندها عشاء، الله أكبر! زوجات رسول الله وما عند واحدة منهن قرى للضيف!! لا إله إلا الله! فيقول ﷺ : (من يستضيف ضيفي الليلة وله الجنة؟) ، فقام أبو طلحة وأخذ الضيف إلى بيته، وقال لزوجه: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، قالت: ليس عندي ما أكرمه، إنما يوجد عشاء عيالي، وهي معذورة، فالنبي ﵊ يقول: (ابدأ بنفسك) ، فقال: علليهم حتى يناموا، وإذا ناموا فأحضري العشاء، فأجلس أنا والضيف للأكل، وقومي أنتِ واعمدي إلى السراج كأنك تصلحينه فأطفئيه، وأنا سأمد يدي مع الضيف ليشعر أني أشاركه الأكل، وسأرفع يدي خالية من الطعام، وأوفر الطعام للضيف، فتطيع المرأة الكريمة زوجها، وتعين الزوج الصالح على فعل الخير، ولم تضع العقبات، ولم تتوجع لأطفالها، إنما فعلت كل ما طلب منها، فأكل الضيف وشبع، وباتوا جائعين! فماذا كانت النتيجة؟ لا يخفى على الله شيء، فهو عالم بكل شيء، سميع بصير، فإذا برسول الله ﷺ يستقبل الرجل ويبتدئه بقوله: (لقد ضحك ربنا من صنيعكما البارحة!) وهو صنيع ليس بالهين، وحيلة لكن لمرضاة الله. ولو قلبنا صفحات الماضي لوجدنا اليهود يحتالون على استحلال ما حرم الله، حينما حرم عليهم الشحوم، جملوها وأذاوبها وباعوها، واشتروا بثمنها ما يأكلونه، فلما أنكر عليهم قالوا: نحن ما أكلنا الشحوم أبداً!! ولما منعوا من العمل يوم السبت، وامتحنوا بالحيتان ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] احتالوا، فألقوا الشباك يوم الجمعة، وعلقت فيها الحيتان يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد، وقالوا: ما عملنا شيئاً يوم السبت! حيلة يتوصلون بها إلى استحلال ما حرم الله. وأما حيلة ذاك الصحابي فليتوصل بها إلى مرضاة الله، حقاً قال الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ؛ لذلك قال ﷺ : (لقد ضحك ربنا من صنيعكما البارحة) ، وفي حديث آخر أن رجلاً قال: (أويضحك ربنا يا رسول الله؟! قال: نعم قال: ما عدمنا خيراً من رب يضحك) . وأحذرك ثم أحذرك! أن تفتح المجال لمخيلتك وذهنك وتفكر كيف يضحك، لا تفكر في ذات الله، ولا يتوجه السؤال إلى الله بالكيفية أبداً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، إنما نثبت لله ما أثبته لنفسه، وهو أعلم بذلك، ونثبت لله ما أثبته له رسوله ﷺ ؛ لأنه لا أحد أعلم بالله من رسول الله ﷺ ، والأسماء والصفات توقيفية، قال الإمام الشافعي ﵀: نؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، ونؤمن برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله، والإمام ابن تيمية ﵀ الذي ولد في القرن السابع يقول: نحن أمرنا بإيمان إثبات، لا بإيمان تكييف، وكما قال الإمام مالك لما سأله رجل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك مبتدعاً أخرجوه عنا.

стр. 329

حد إكرام الضيف يذكرون في كتب الفقه أن للضيف ثلاثة أيام، ولكن متى؟ حينما لا يكون للضيف مأوى، أما في المدن فإنه توجد فيها الفنادق، وشقق مفروشة، فليس من حق الغريب أن يطرق أي باب ويقول: أعطني حق الضيافة ثلاثة أيام!! نقول له: لا، أبواب الفنادق مفتحة عندك هناك، لكن إذا كان في البادية وفي القرى، وليس هناك مأوى له، فيجب على أهل القرية كلهم، أن يستضيفوه ثلاثة أيام. إذاً: مكارم الأخلاق في الإسلام قد تصعد إلى درجة الواجب، ومما جاء في عهود أهل الصوامع، أنهم يُقْرون من يمر بهم في الطريق، وكانوا يفعلون ذلك، والكرم من أفضل خصال الخير، وكما يقول علماء الأدب: الكرم يغطي كل نقيصة. ويقول علماء الأخلاق: الكرم والشجاعة صنوان، ولا تجد كريماً جباناً أبداً، ولا تجد شجاعاً بخيلاً أبداً؛ لأن الشجاع: يجود بالنفس إن ظن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود فإذا كان يجود بنفسه فهل سيبخل بالمال أو بالحيوان؟ لا، ومن حق الضيف على مضيفه أن يقدم له طعامه وشرابه، وأن يدله على موضع وضوئه، وأن يحضر له الماء وكل ما يحتاجه، ومن حق المضيف على ضيفه ألا ينتقص طعامه، وألا يتكلم على نواقص وقعت عليه، وأن يستر ما يرى من أهل البيت، إلى غير ذلك مما يذكره العلماء في آداب الضيافة.

стр. 330

إكرام الجار القسم الثالث من الحديث هو أعظمها وأخطرها، قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) ، حق الجار عظيم في الإسلام، ولا أعتقد أن هناك قضية أوسع منها، اللهم إلا قضية بر الوالدين، فينبغي تأمل الأحاديث الواردة فيما يتعلق بالجار، وفي مقدمة الآثار الواردة في ذلك قوله ﷺ : (لا زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، وهذا الحديث مذكور في كتب السنن كلها، وفي بعض الروايات عن بعض الأنصار قال: ذهبت إلى النبي ﵊ مع أهلي لحاجة يريدونها، فوجدته قائماً مع رجل يحادثه ويغاير بين قدميه من طول القيام حتى أشفقت على رسول الله ﷺ من طول القيام، ثم قلت: يا رسول الله! من هذا الرجل الذي أطال القيام معك؟ والله! لقد أشفقت عليك من طول قيامك، وأنت تغاير بين قدميك! فقال: (أورأيته؟) قلت: نعم، قال: (هذا جبريل لا زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، وقف طويلاً حتى جعل يغاير بين قدميه، ولماذا هذه الوقفة الطويلة؟! ليوصيه بالجار.

стр. 331

حق الجار الكافر قال عبد الله بن عمرو بن العاص -كما في الأدب المفرد للبخاري -: (ذُبحت شاة في بيته فقال لغلامه: أعط فلاناً، وأعط جارنا اليهودي، فقال الحاضرون: اليهودي يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يوصي بالجار، ويقول: (لا زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) .

стр. 332

أقسام الجيران الجار على ثلاثة أقسام: القسم الأول: الجار المسلم القريب، وله ثلاثة حقوق: حق الإسلام -الأخوة الإسلامية- وحق الجوار، وحق القرابة -صلة الرحم-. القسم الثاني: المسلم غير القريب، وله حقان: حق الإسلام -الأخوة الإسلامية-، وحق الجوار. القسم الثالث: الجار غير المسلم، كيهودي أو غيره: له حق واحد، وهو حق الجوار. ومما يروى في ذلك أن الإمام أبا حنيفة كان له جار يؤذيه، وفي يوم من الأيام لم يجد علامات الإيذاء التي تعود عليها، فسأل عن جاره، فقالوا: إنه في السجن، فسأل عن السبب؟ فقالوا: سجنه الوالي لأمر ما، فذهب إلى الوالي وشفع عنده بأن يطلق هذا الشخص، ولم يعلم الجار بالذي شفع له، فجاءه أمر الإطلاق من السجن، فذهب يسأل لأي شيء أطلقت؟ فقالوا: جاء جارك فلان، وشفع فيك، وعفا عنك الوالي، قال: جاري فلان!! وتذكر إيذاءه له، وكيف قابل إساءته بالإحسان، فذهب يعتذر إليه، وعاهد الله ألا يؤذيه. ويذكر لنا بعض شيوخنا في المدينة، وهو الشيخ عبد الرحمن الإفريقي ﵀، أنه كان يسكن في المدينة، وأولاده يلعبون مع أولاد الجيران، فتشاجر الأولاد مع بعض، فجاء والد أحد الأولاد وضرب ولد الشيخ، وذهب الأولاد واشتكوا، فأخذ الرجل وحبس، وفي الظهر علم الشيخ بذلك، فقال: أين الرجل؟ قالوا: محبوس، فذهب بنفسه إلى الشرطة وقال: هذا ولدي، وأنا وليه، وليس لنا دعوى على أحد. والذي يهمنا التأكيد على حقوق الجار، سواء كان أجنبياً أو كان قريباً مسلماً، أو غير مسلم، وجاء عنه ﷺ أنه كان له خادم يهودي، فمرض هذا الخادم، فسمع ﷺ بأن خادمه اليهودي مريض، فقال لمن عنده: (هلموا بنا نزوره) ، سيد الخلق يزور خادماً يهودياً، فالعوام يقولون: اجتمعت فيه الخستان، كونه خادماً، وكونه يهودياً، ولكن مكارم أخلاقه ﷺ تطغى على هذا كله، فذهب ومعه أصحابه، فوجد الخادم في النزع، فقال ﷺ : (يا غلام! قل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه وكان عند رأسه، فقال الأب للغلام: أطع أبا القاسم يا بني! فنطق بالشهادتين ومات في الحال، فقال ﷺ لمن معه من أصحابه: تولوا أمر أخيكم) ، لأنهم صاروا أولى به من أبيه؛ لأنه دخل في جماعة المسلمين.

стр. 333

حد الجوار من هو الجار؟ ذكر البخاري في الأدب المفرد عن بعض السلف مرفوعاً وموقوفاً أنه إلى أربعين بيتاً، أربعين عن يمينك، وأربعين عن يسارك، وأربعين من أمامك، وأربعين من ورائك، وإذا نظرنا إلى دائرة قطرها أربعون بيتاً، فهي حد الجوار، ولو نظرنا إلى جيران آخر بيت في هذه الدائرة، لوجدنا أن كل المدينة ستدخل في الجوار، ولا يبقى في المدينة العظمى بيت إلا وله جيران إلى أربعين بيتاً، وحد الجوار يشمل القرى، فكل قرية مجاورة للقرية الأخرى لها عليها حقوق الجوار، وكذلك حد الجوار يشمل الدول والأقطار، فتدخل كل دول العالم تحت هذا الحديث، ولو أدى كل جار حق جاره، لكان العالم كله متواصلاً كخيوط الشبكة.

стр. 334

من الأولى بحق الجوار ؟ الأولى بحق الجوار الأقرب، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله! عندي جاران، فلمن أهدي منهما؟ قال: (لأقربهما باباً) . بماذا يكرم الجار؟ إذا رجعنا إلى مصالح المجتمع، نجد كل إنسان يعمل لجلب نفع له، ولدفع ضر عنه، فكل ما فيه نفع لجارك فيجب أن تبذله له ما استطعت، وكل ما فيه مضرة عليه فمن حق جارك عليك أن تدفعه عنه؛ ولهذا رأى ابن مسعود رجلاً يجري فقال له: ما لك؟ قال: أستدعي الشرط -الشرطة- قال: لماذا؟ قال: لجاري، قال: ما به؟ قال: يشرب الخمر، قال: هل نصحته؟ قال: لا، قال: ارجع فانصحه أولاً بينك وبينه، فمن حق الجار النصيحة. ومن حق الجار على جاره أن يحفظ له ماله، كما يحفظ مال نفسه، فلا تجوز إساءته في دوابه ومتاعه، ذكر البخاري في الأدب المفرد أن امرأة جاءت إلى عائشة ﵂ وقالت: إن أحدانا يطلبها زوجها فتمتنع -إما مريضة وإما متعللة- فهل عليها من شيء؟ قالت: نعم، لو دعاها زوجها وهي على رأس جبل، لكان عليها أن تجيب، وأحدثك أني كنت بجوار رسول الله ﷺ في فراشه، وكان رسول الله ﷺ صائماً، وعندي قدح شعير، فطحنته وصنعت قرصاً لرسول الله ﷺ ، وكان من عادته إذا خرج أن يقفل الباب معه، فخرج وترك الباب مفتوحاً، ودخلت داجنٌ لجارنا، ثم جاء ﷺ إلى فراشه، وجئت جواره، فنهضت الداجن إلى قرص الشعير فنهضت إليها، فقال: (على رسلك يا عائشة! خذي ما أدركت من قرصك، ولا تؤذ جارك في شاته) ، فهذا قرص واحد، والرسول صائم، ومنتظر للمغرب، وتأتي الداجن -وهي الشاة- وتخطف القرص، وعائشة أخذته منها، وأرادت أن تؤذيها، فقال: لا، لا، بالرفق، (خذي ما أدركت من قرصك، ولا تؤذ جارك في شاته) ، وهذا يعني أن دواب جارك لو جاءت لزرعك، أو دخلت بيتك، فلا تؤذها، وإنما كف أذاها عنك بالرفق. إذا كان الحفاظ على الجوار إلى هذا الحد، فكيف يكون ما عدا ذلك؟! لو غضب جارك عليك، لو أساء إليك، لا تبادر بالانتقام. إذاً: حقوق الجار من الحقوق الاجتماعية العامة التي يجب أن تكون بين الأسر والبيوت والأفراد، ليرتبط المجتمع كله بعضه مع بعض، وهذا الجوار ليس في البيوت فقط، بل حتى في الدكاكين وفي الوظائف والعمل إلخ. والمفهوم من قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) ، أن من لم يكرم جاره، ومن لم يكرم ضيفه، فليس إيمانه مكتملاً باليوم الآخر، وكذلك من لم يحفظ لسانه! الخلاصة: هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، وينبه فيه ﵊ على نقاط ثلاث: حفظ اللسان، والحذر من مساوئه قدر المستطاع، وألا يتكلم العبد إلا فيما هو خير، وكذلك ترابط المجتمع وتأمين السبيل لذلك بإكرام الجار وإكرام الضيف، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة والله وبركاته.

стр. 335

شرح الأربعين النووية - الحديث السادس عشر

стр. 336

شرح حديث: (إن رجلاً قال للنبي ﵌: (أوصني ... )

стр. 337

التعليم بالسؤال والجواب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: [عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً قال للنبي ﵌: أوصني، قال: لا تغضب، فردد مراراً، قال: لا تغضب) رواه البخاري] . إن هذا الحديث النبوي الشريف من أبين وأظهر الأدلة على أنه ﷺ أوتي جوامع الكلم، وذلك أنه حديث في كلمة دخل عليها حرف النفي، ومدلولها ومعطياتها يعجز الإنسان أن يوفيه حقه. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً) ، من هو هذا الرجل؟ لا يعنينا، لأنه صحابي، والراوي صحابي، والحادثة وقعت بين يدي رسول الله ﷺ ، والجواب سمعه أصحابه رضي الله تعالى عنهم. رجل صحابي سأل النبي، وهذه نعمة كبرى على أصحاب رسول الله، فما إن تعرض لهم حاجة، أو يقعون في مشكلة، أو تتجدد لهم الأحداث إلا ويهرعون إلى رسول الله ﷺ يسألونه فيجابون. والسؤال والجواب من أعلى أساليب التعليم والتربية، وقد جاء هذا الأسلوب في كتاب الله، واعلم أن السؤال إما أن يكون عن حاجة واستفهام وطلب المعرفة، وإما عن تعنت وتعجيز، وكل ذلك جاء في القرآن الكريم، والله سبحانه أجاب على تلك الأسئلة كلها، وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (إن هذه الأمة أقل الأمم سؤالاً لنبيها، سألوه اثني عشر سؤالاً) ، والمتتبع لهذه الأسئلة في كتاب الله يجدها عملية واقعية إلا ما تدخّل فيها عنصر اليهود.

стр. 338

أسئلة الصحابة المذكورة في القرآن فمن الأسئلة العملية التي جاءت في القرآن: قال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢١٥] سألوه مرتين: مرة بنوعية الإنفاق، ومرة بمصرف هذا الإنفاق، فقال الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] أي: ليس كل المال، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:١٤١] ، قالوا: (وَلا تُسْرِفُوا) في الحق الذي تخرجونه، فلا تتصدقوا بكل الثمرة، فتتركون الأهل والولد جياعاً، وقيل: (وَلا تُسْرِفُوا) راجعة على الأكل المتقدم ذكره، أي: كلوا بدون إسراف، بل بتوسط، وكما قال الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٩] والسؤال الآخر: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:٢١٥] ، فبين الله الأصناف الذين هم أحق بالبداءة والأولوية، وهو أمر عملي. وقال الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]-وهو أمر يخالط البيوت- ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] . وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧] وهذه أمور واقعية. وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْر﴾ [البقرة:٢٢٠] واليتيم فرد من المجتمع. وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ، فقارن بينهما ورجح الإثم. وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥] ، وهنا قال: (فَقُلْ) ولم يقل: قل.

стр. 339

من أسئلة المشركين المذكورة في القرآن وقد دل اليهود المشركين على أسئلة التعنت والتعجيز لما جاء المشركون إلى اليهود فقالوا: أنتم أهل كتاب؟ فأعطونا شيئاً نسأل به هذا الرجل لنسكته، فقالوا: سلوه عن ثلاث: عن رجل في سالف الزمن خرج من المشرق إلى المغرب، ما شأنه؟ وعن فتية آمنوا بربهم وخرجوا، ما شأنهم؟ وعن الروح؟ فإن سكت عن الجميع فهو كاذب فشأنكم به، وإن أجابكم عن بعضها وسكت عن بعضها فهو صادق، فجاءوا وسألوه، وجاءت الإجابة بقدر السؤال ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] ، وبيّن سبحانه قصتهم وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبي﴾ [الإسراء:٨٥] ، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٣] ، وكان رجلاً في سالف الزمن، والرسول ﷺ لم يقرأ التاريخ، ولم يعاصره، ولم يبلغه عنه شيء، فقص الله قصته للتحدي وللإعجاز، وسؤالهم ليس عن رغبة في فائدة يتحصلون عليها من وراء هذا السؤال، فجاء الجواب دون كل الأسئلة: ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣] ، أي: سأقرأ وحياً ينزل عليّ، ويكون هذا الذكر باقياً إلى الأبد: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ﴾ [الكهف:٨٤] إلى آخر السياق، وفيها طوافه من المشرق إلى المغرب، وما كان منه في الطرفين، وما فعل مع يأجوج ومأجوج، إلى آخر قصته وفيها ما لم يكن عند اليهود من خبره في ذلك.

стр. 340

سؤال النبي ﵊ لأصحابه وقد يكون السؤال من رسول الله ﷺ لأصحابه، ليفتح الذهن، ويختبر الذكاء، ويجعلهم يتطلعون إلى الجواب، ويفتشون عن الإجابة، وقد جاء أن النبي ﷺ قال: (أخبروني بشجرة تشبه المسلم لا يتحات ورقها) قال ابن عمر: وأخذ الناس يخوضون في شجر البوادي، وخطر ببالي أنها النخلة، واستحييت أن أتكلم مع كبار الناس، فقال له أبوه: والله! لو كنت تكلمت بها، لهو خير لي من الدنيا وما فيها، والرسول كشفها عندما عجزوا عنها فقال: (هي النخلة) . وقال ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! أتدري -وهذا سؤال استفهام- ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟) ، والرسول ﷺ يسأل معاذاً: (أتدري؟) ، وهو يعلم أن معاذاً لا يدري، ومن له علم بذلك، فلماذا السؤال وهو يعلم أنه لا يعلم الجواب؟ يقولون: حينما يأتيك جواب عن قضية عابرة يمر الجواب بسمعك عابراً، ولكن حينما تُسأل وأنت لا تعلم، تتفاعل في نفسك وتطلب الجواب والمعرفة فلا تجد، فتقف وكلك استعداد لتلقي وقبول الجواب الذي يأتيك، فيرسخ في قلبك. ومن هنا نعلم جميعاً أن معاذاً تشوق إلى الجواب، فأخبره ﷺ بعدما استجمع حسه وقواه لتلقي الإجابة، فقال: (حق الله على العباد كذا، وحق العباد على الله كذا) .

стр. 341

سؤال الصحابة لزوجات النبي ﵊ وقد كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ ، ويرسلون مع زوجات رسول الله أسئلة مما يتعلق بشأن البيوت، فكان السؤال والجواب أقوى وسيلة لتلقي أصحاب رسول الله العلم عن الله وعن رسول الله وعن زوجات رسول الله. وكان عمر رضي الله تعالى عنه في مسجد رسول الله فاختلف عنده رجلان من الصحابة، فيمن يأتي أهله فيكسل ولم ينزل، أيغتسل، أم لا؟ فقائل يقول: لا غسل عليه، لحديث: (إنما الماء من الماء) ، وقائل يقول: عليه الغسل لحديث: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) . فسأل علياً رضي الله تعالى عنه: ما تقول أنت -يا علي! - في هذه المسألة؟ فقال علي: لا تسألني ولا تسأل غيري، دونك زوجات رسول الله فأرسل إليهن وسلهن، فيرسل إلى عائشة رضي الله تعالى عنها، فأخبرتهم بأن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ويغتسل، قالت: وسمعته يقول: (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل) ، فرجع الرسول وأخبر عمر، فقال: لئن سمعت أحداً يقول: لا غسل عليه، لأجعلنه مثلة لغيره، وانتهى الخلاف، وقال أُبي: يا أمير المؤمنين! لا تعجل، أنا أخبرك عن هذا: في بادئ الأمر لم يُعزم علينا بالغسل، ثم في آخر الأمر عزم علينا به.

стр. 342

البحث في سبب الخلاف من وسائل ترجيح الروايات وهذا منهج من مناهج البحث في سبب الخلاف، وترك التعصب للرأي، وجمع الأحاديث بعضها مع بعض، فالذين قالوا: لا غسل، دليلهم ما كان في أول الأمر، والذين قالوا بالغسل، دليلهم ما استقر عليه الأمر بعد ذلك، ولا مانع في ذلك. وفي زمن مروان بن الحكم، وهو أمير على المدينة، اختلفوا عنده فيما يتعلق بالصائم في رمضان إذا أصبح جنباً -أي: أجنب بالليل، ولم يغتسل حتى طلع الفجر وهو جنب- والجنابة أثر من الوطء، فهل الأثر له فعل المؤثر، وصيامه باطل لأنه أثر الجنابة، والجنابة تبطل، أم لا؟ فتساءلوا، وقال قائل: إن أبا هريرة أخبرني أنه لا صيام له، فأرسل رجلاً إلى أم المؤمنين عائشة وسألها: فقالت: (كان ﷺ يصبح جنباً من جماع لا احتلام ويصبح صائماً) ، فأرسل الرجل إلى أبي هريرة، وهو بوادي العقيق، ليسأله عن رأيه، ويخبره بما قالت أم المؤمنين، وهذا منهج عملي في تتبع الخلاف في الروايات، فلما جاءوا إلى أبي هريرة وأخبروه، قال: أوقالت ذلك؟ قالوا: نعم، قال: أنا أخبرني مخبر، يعني: ما سمعت ذلك مباشرة عن رسول الله ﷺ . فهل ترجح رواية من قال: أخبرني مخبر، أو رواية عائشة عن رسول الله؟ هكذا يكون ترجيح الروايات، وهذا منهج عملي لمعرفة الراجح من الخلاف فيما يصلنا من الروايات المتعارضة في الظاهر.

стр. 343

طلب الصحابة للوصية من رسول الله من وسائل التعلم فأصحاب رسول الله يسألونه عن الحلال والحرام، ويطلبون منه التوجيه في كل ما يعرض لهم، وهذا الرجل طلب من رسول الله ﷺ النصيحة، وجاء في بعض الروايات أنه أبو الدرداء، وقال: (يا رسول الله! أوصني وأوجز) ، أي: أوصني بوصية ولا تكثر لعلي أعقل، أو لعلي أحفظ، والوصية من وصى، والمادة اللغوية وَصِيَ، وصية، على وزن فعيلة، والوصية من وَصِيَ، فحروف مادتها: الواو والصاد والياء. وتجد كلمة أخرى شبيهة بها في مادتها، وهي: وَصَلَ، فالواو والصاد موجودتان في الكلمتين، وتختلف الوصية من أنها تنفرد بالياء، والوصل ينفرد باللام. يقول علماء فقه اللغة: إذا وجدت كلمتان تتفقان في أكثر الحروف، وتختلفان في حرف واحد، فبينهما صلة قرابة، والفرق بينهما هو الفرق بين الحرفين المختلفين، ويمثلون لذلك بقولهم في اللغة: خَبَنَ وغَبَنَ، فالخبن هو: التقصير من طول الثوب، والغبن: النقص في القيمة، فيقال: فلان مغبون في السلعة، أي: اشتراها بعشرة وهي تساوي خمسة، فنقص عليه من الثمن وصار بدون مقابل، أو باع السلعة بخمسة وهي تساوي عشرة، فهذا غُبن في خمسة ذهبت عليه، فالغبن والخبن كلاهما يشترك في معنى النقص. لكن الخبن: في نقص الثوب وتقصيره، والغبن: في نقص القيمة وتقديرها. ومن دقة اللغة العربية وبلاغتها أنهم غايروا بين الغين والخاء، فنظروا إلى أن الغين أدخل في الحلق، والخاء أظهر، وكلها من حروف الحلق، وهي: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء، فلما كان الغبن أمراً معنوياً، والغين أدخل في الحلق، جعلوا الغين مع الغبن من النقص المعنوي، ولما كان الخبن في المحسوسات، جعلوا الخاء التي هي أظهر من الغين في المعنى الملموس. إذاً: وصى ووصل متقاربتان، والوصية صلة للموصى إليه، ولذا قال الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] ، وقال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] ، والوصية للوالدين والأقربين هي صلة لهم بما يوصي به، ومن هنا فمعنى: أوصني، أي صلني بمعروفك يا رسول الله! تقول: أوصيك يا فلان! أي: أصلك بخير وأمنحك إياه.

стр. 344

من وصايا الرسول ﵊ الوصية صلة لمن توجهت إليه، سواء وصايا الله لخلقه أو وصايا النبي ﷺ لأمته، ولا تصدر الوصية بين الناس إلا في معرض الشفقة والرحمة، فلا تجد عدواً يوصي عدوه، إنما تجد الموصي هو الصديق المشفق القريب، كما قال ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ إني أحبك) ، فقدم قوله: (إني أحبك) ومن محبته قال له موصياً: (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، وكانت فاطمة رضي الله تعالى عنها تعمل على الرحا حتى اشتكت من أثرها في يديها، فسمع علي أن النبي جاءه سبي فقال لها: اذهبي لأبيك ليمنحك خادماً، فجاءت إلى النبي ﷺ ، فقال (ما الذي يمنعك أن تعملي بما أوصيك به؟ لا تدعي دبر كل صلاة أن تقولي: يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) ووصية الرسول لـ فاطمة أخص من وصية أي والد لولده؛ لأن الوالد هنا ليس ككل الوالدين، والولد ليس ككل الأولاد، وقد قال: (فاطمة بضعة مني) . إذاً: الوصية مصدرها الشفقة والرحمة وحب الخير.

стр. 345

استيعاب قليل العلم خير من تضييع كثيره هنا أبو الدرداء أتى إلى رسول الله ﷺ يطلب منه أن يوصيه، فبماذا أوصاه؟ هناك قال لـ معاذ: (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، وهناك وصايا عديدة لرسول الله ﷺ بأمور متعددة، ويهمنا في هذا الموقف وصيته لهذا الرجل الذي طلب وصية رسول الله، وتحفظ في طلب الوصية فقال: لا تكثر عليّ لعلي أعقل، والمراد بالعقل هنا: الإدراك، والحفظ، قال ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، ولم يقل: يحفظه؛ لأن الفقه هو: الفهم، والفهم ثمرة الحفظ، كما جاء في الحديث: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) . فالنبي ﷺ تحقيقاً لرغبة السائل لم يكثر، فقال: (لا تغضب) ، فكأن لسان حال السائل يقول: أهذه الوصية التي جئت من أجلها، وتعبت لأسألك، وأهتم لذلك، ثم تقول لي: (لا تغضب) ، فكرر: (يا رسول الله! أوصني، قال: لا تغضب) . وفي بعض الروايات أنه جاءه عن يمينه ثم جاءه عن يساره ثم جاءه من أمامه، قال: (ألا تعقل! لا تغضب) ، وفي بعض الروايات أنه قال: أوصني، علمني حسن الخلق، فقال: (لا تغضب) ، وكل الروايات جاءت بالتأكيد على عدم الإكثار، فقال: (لا تغضب) فهذه كلمة كل من يسمعها يتقالها، وفي بعض الروايات أن السائل قال: (فتأملت في الغضب فوجدت تركه ترك الشر كله) . وفي بعض الروايات: (فتأملتها فإذا هي جامعة الخير كله) ، هذه الكلمة يقف عندها علماء الأخلاق، كما فعل ابن مسكويه، ويقف عندها علماء التشريع في الفقه، في آثار فعل الغضبان، ويقف عندها علماء التربية والتوجيه.

стр. 346

تهذيب الإسلام للغرائز فالغضب غريزة، والأخلاق مجموعة غرائز، مثل: الحلم والغضب والشجاعة والجبن والكرم والبخل، فكل هذه غرائز جبل عليها الإنسان، ولا يمكن لإنسان أن يغير غريزة في نفسه، والإسلام ما جاء لينتزع الغرائز، ولكن جاء ليهذبها، ولذا لما جاء وفد عبد القيس من البحرين، تسارعوا إلى رسول الله ﷺ ، وتأخر أشج عبد القيس، فجمع الرواحل وعقلها، وجمع المتاع وحفظه، ثم جاء إلى عيبته، وأخرج حلته، ولبس أحسن ثيابه، ثم جاء إلى النبي ﷺ في المسجد الشريف، فهو قد تأخر عن أصحابه، بينما أصحابه أول ما وصلوا المدينة أسرعوا إلى رسول الله، حيث جاءوا من مسافة شهرين ليروا رسول الله ﷺ ، وفي قلوبهم المحبة العظيمة، والأشواق الكبيرة للالتقاء برسول الله ﵊، لكن هو تأخر، فلما رآه ﷺ قادماً، أفسح له مكاناً بجواره، وقال له: (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، فقال: يا رسول الله! خلق تخلق به أم جبلة جبلني الله عليها؟ قال: بل جبلة جبلك الله عليها) والجبلة: الخلقة. إذاً: الغرائز جبلات لا يمكن أن تنتزع، والإسلام ما جاء لينتزع الغرائز ولكن جاء ليهذبها، ويقال: إن الغضب محله القلب، وهو غريزة سبعية، فالأسد يغضب، وكلٌ من الرحمة والرضا غريزة إنسانية وحيوانية، ومحلها الكبد كما يقولون، والفكر والإدراك والذاكرة والتريث والتعقل محلها العقل، وهل العقل في الدماغ أو في القلب؟ هذه مسألة مختلف فيها بين الفلاسفة والفقهاء.

стр. 347

في الإنسان ضابط لغرائزه تميز الإنسان بغريزة العقل وقالوا عنه: حيوان ناطق، أي: مفكر، واشترك مع الحيوانات في غريزتين: الغضب في السبعية، والرحمة والصلة، فإذا غلب على الإنسان جانب الحيوانية كان كالسبع، وإذا غلب على الإنسان جانب العاطفة كان أقرب إلى عالم آخر هو عالم الملائكة، والذي يتحكم في ذلك هو العقل، كما قال عنه ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة -أي الذي يصرع الناس- ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) ، ولذا قال ابن المبارك: القوي الناجح التقي -فعلاً- من يملك نفسه عند أربع: الرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب، أعتقد أنه لا يقوى على هذا إلا الأبطال، فالرغبة: حينما ترى موضع الطمع؛ تجلد، اصبر، لا تندفع، يقول الشاعر: إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل والرسول ﷺ مدح الأنصار بصفة كاملة، فقال: (إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع) ، قياس عجيب، ومقابلة بديعة، عند الطمع حينما تستشرف النفوس، وعند العطاء، وعند وجود الخير، حينما يتطلع كل إنسان ليحصل على أكثر ما يكون؛ يقلون، ولا ظهور لهم، تعففاً واستغناءً، وعند الفزع والنجدة يكثرون، الواحد منهم كعشرة من غيرهم، والله امتدحهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يوقى هذه الغريزة وهي شح النفس ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] . وامتلاك النفس عند الشهوة، كحديث النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وجاءت الصخرة وسدت عليهم فم الغار، فما أنجاهم الله إلا بعد التوسل بخالص أعمالهم، لا بزيد ولا بعمرو، فلم يكن يعلم بمكانهم أحد، ولا يقوى مخلوق على إسعافهم، فقاموا وبينوا لنا الطريق السليم في التوسل إلى الله، وهو التوسل بالعمل الصالح، فيتوسل أحدهم بإيتاء الأجير حقه، ويتوسل الآخر ببر والديه وتقديمهما على أولاده، ويتوسل الآخر بهذا الموقف الخطير حيث قال: إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها أشد ما يحب الرجل المرأة، فراودتها عن نفسها فامتنعت، فأخذتها سنة من السنين المجدبة، فجاءت تطلب عشرين ديناراً، فقلت لها: أعطيك على أن تخلي بين وبين نفسك!! ثم دفعتها الحاجة، قال: فلما أجابت وجلست منها مجلس الرجل من المرأة، غطت وجهها حياءً وقالت: يا هذا! اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وتركت لها الدنانير، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فتدحرجت الصخرة، وخرجوا يمشون في الفضاء، موقف عجيب! لو جيء (بونش) ليقيم الإنسان وهو تحت تأثير رغبته وشهوته ما استطاع أن يرفعه إلا وهي معه، ولكن مخافة الله أيقظت فيه الضمير عندما قالت له: (اتق الله) ، وتقوى الله هي كل شيء. فليملك الإنسان نفسه عند الشهوة، وعند الغضب كذلك، ففي هذا الحديث قال ﵊: (لا تغضب) ، وفي بعض الروايات: (لا تغضب فإن كثرة من في القبور من الغضب) نعم، فتشوا، وشكلوا لجاناً، وكل منكم يسأل: هل طلق زوج زوجته إلا بغضب؟! وهل قتل القاتل إلا بغضب؟! وهل اغتصب غاصب مغصوباً إلا بغضب؟! وهل اعتدى إنسان على إنسان إلا بغضب؟!

стр. 348

أنواع الغضب الغضب هو الدافع لكل شر، والعبد إذا غضب خرج عن طوره، ولم يعد يعقل. أذكر قبل حوالي عشرين سنة أني كنت قرأت مقالاً لبعض الأطباء، يقول: الغضب ثلاثة أقسام: غضب أخضر، وأسود، وأحمر. الغضب الأخضر: وهو ممدوح ومطلوب، وذلك إذا كان لحرمات الله، ويكون في محله، ويكون لمصلحته، فالرسول ﷺ (كان إذا رأى حرمات الله تنتهك يغضب لله) فلما جاء أسامة -حب رسول الله وابن حبه- يشفع في المخزومية التي سرقت، غضب وقال: (أتشفع في حد من حدود الله؟ والله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها!) فكان يغضب ولا يقول إلا حقاً، كما قالوا لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: إنك تكتب كل أحاديث رسول الله وهو بشر يغضب ويرضى، فذهب إلى رسول الله فقال: يا رسول الله! يقولون: كذا، وكذا، قال: (اكتب كل ما سمعت، والله! إني لا أقول إلا حقاً في غضب أو رضا) . والغضب الأحمر هو: الغضب على الأشياء التوافه الذي يثير الإنسان لكنه في حدود التمكن. والغضب الأسود هو: الذي يعمي البصيرة ويطمس البصر، ويذهب عن الإنسان إدراكه، ولا يدري ماذا يفعل؟ فيضر نفسه، وهذا القسم من الغضب قد يرجع على صاحبه بالأذى، فقد يصاب بنزلة معوية، فتتضرر أعصاب المعدة فيمرض، وقد يثور عليه ضرس، وقد تثور عليه عينه، وأقل آثاره أن يصاب بصداع شديد، وقد يحصل عليه شلل في المخ.

стр. 349

ضرر الغضب على البدن وحدثنا بعض مشايخنا قصة حدثت قبل حوالي ثلاثين أو خمس وعشرين سنة، قال: كان فلان يمشي معي، وفي ميدان كذا من مدينة كذا، وسماهما، وكنا نتحدث في قضية كذا، وذكرها، وكان منفعلاً للغاية، وأنا أقول له: لا تعجل، الزمن كفيل بكذا إن شاء الله الصبر جميل، وهو منفعل إلى أقصى حد، وجئنا لنعبر الطريق، والميدان دائرة كبيرة، ونريد أن نعبر من الرصيف الأيمن إلى الرصيف الأيسر، وفي منتصف الطريق وفي زحمة السيارات توقف وقال: خذ بيدي! فانتهرته وقلت: ليس هذا وقت المزح! ابتعد عن السيارات، فقال: لم أعد أبصر! فنظرت إلى عينيه، وهما قائمتان، فنهرته وسحبته، فقال: أقسم بالله! إني لا أراك! وبكى، فذهبنا مسرعين إلى طبيب مختص، ودفعنا أجرة كشفيته مضاعفة -والمستعجل يدفع مالاً مضاعفاً- وحالاً بعد الكشف المستعجل على العينين أمر الطبيب بتهيئة غرفة العمليات حالاً وقال: قبل ساعتين يجب أن تنتهي، قال صاحبه: أخبرني أيها الطبيب! ما الذي حدث؟ قال: انعزلت الشبكة القرنية عن محلها، أي: التوصيلة التي بين العين والدماغ انفصلت، مثل التيار الكهربائي عندما ينقطع يتوقف الجهاز حالاً، قال: ما السبب يا دكتور؟ قال: أخبرني أنت، ما الذي كان يفعل صاحبك قبل أن تأتي به؟ لو تأخرت ساعة لجف العرق وذهبت العين، فما الذي كان يفعل؟ قال: لا شيء، غير أنا كنا نمشي ونتحدث، وفجأة أوقفني، قال: فيم كنتما تتحدثان؟ قال: كنا نتحدث في كذا وكذا وكذا، قال: أكان منفعلاً للغاية؟ قال: نعم، في أشد الغضب، قال: هذا الانفعال هو سبب فصل الشبكة القرنية!! إذاً: عليك ألا تغضب لتسلم من الأمراض، فبالغضب قد تنفجر الطبلة في الأذن، وقد تتخلخل الأسنان، وقد ينشل المخ لسرعة التفكير وقوته، وقد يتعطل مركز من مراكز المخ فينشل عضو من أعضاء الجسم، فلا تغضب، فإن كثرة من في القبور من الغضب. إذا كان الغضب غريزة وهذه أخطاره، فهل نتخلص من غرائزنا؟ لا، ليس المراد بقوله: (لا تغضب) أن تنتزع هذه الغريزة من نفسك، وأن تتجرد من إحساسك، لا، فإن الغضب من شيمة الرجال، والشخص الميت لا يغضب بالكلية، فالغضب دليل الإحساس، لكن إذا أحسست بدوافع الغضب، فلا تسترسل معه، ولا تستجب لدعائه، فإذا غضبت من إنسان فالنفس تدعوك إلى البطش وإلى الانتقام، فلا تنفذ ما يدعوك إليه الغضب، إذاً: ليس المراد بقوله: (لا تغضب) أن تكون ميتاً، فالحيوان لو اعتدي عليه فإنه يغضب لنفسه، وليس معنى ذلك أن تسلب نفسك الإحساس بالغضب، ولكن معناه: أنك لا تمكنه من نفسك، معناه: أنك لا تستجيب لنزعات الغضب. فكيف نعالج الغضب؟ ثبت عنه ﷺ أنه كان في مجلسه، وقام رجلان يستبان، كل واحد منهما يسب الثاني، وأقول: سامحهما الله! يستبان أمام رسول الله! فغضب أحدهما جداً حتى انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه. وهذا هو أثر الانفعال، فإذا انتفخت الأوداج فمعناه: أن الدم يجري بكثرة في العروق، هناك أوردة شعرية دقيقة مثل الشعرة تغذي ما تحت جلدك، فإذا ما غمزت بطرف الدبوس في أي محل في جسدك فإنك تحس به؛ لأن خلية الإحساس موجودة، والخلية يغذيها الدم، والشعرة يغذيها عرق مثل الشعرة تحتها. إذاً: هناك أوردة شعرية في الجسم، وأكثر ما تكون وأدق ما تكون تحت حاجب العين، وفي الدماغ، فإذا زادت كمية الدم في العروق، وزاد القلب في ضرباته ودفعاته، فتلك العروق الدقيقة لا تحتمل الضغط العالي فتنفجر، فيتعطل المخ، فالرجل المذكور انتفخت أوداجه واحمرت عيناه؛ لأن العين -كما يقول أطباء العيون- فيها ما يقرب من مليون خلية تنقل الألوان إلى المخ، فالعين أسرع ما تكون تأثراً عند الغضب، فقال ﷺ لما رأى حال الرجل: (إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ، فسمعها رجل فذهب وهمس بها في أذن ذاك الرجل، فقال: أمجنون أنا؟! ما قبلها وهو غضبان، ولو كان مالكاً لنفسه لسمع وعمل بمقالة رسول الله ﷺ .

стр. 350

علاج الغضب ومن الوسائل التي يتم بها علاج الغضب وإسكات ثورته بالتدرج: أولاً: ذكر الله، وخاصة هذا الذكر الوارد. ثانياً: جاء في الحديث: (الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، فأطفئوه بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) ، والحكمة أنه إذا توضأ حبس الغضب في أطرافه، فلم يجد له منفذاً فيهدأ، فإن لم يذهب فليغتسل. ثالثاً: إذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً فليضطجع، ومما أثبته علم التشريح أن الإنسان إذا كان قائماً فالقلب يعمل أكثر، فإذا جلس قلت المسافة التي بين القلب وبين الأعضاء، فإذا وقفت وكان طولك مترين، فالقلب يوزع الدم على منطقة طولها متران، لكن إذا جلست صرت متراً واحداً، وبسبب تقارب الأعضاء يكون الضخ أقل، فإذا استلقيت فلا يوجد مجهود كبير، لأن الجسم يكون على مستوى واحد، وأظن هذا معروفاً، ولهذا عندما تذهب المريض إلى الطبيب من أجل ضغط الدم -الله يعافينا وإياكم جميعاً- فالطبيب يقيس الضغط للمريض وهو جالس؛ لأن الضغط يكون أعلى في حال الوقوف، وإذا كان المريض تعبان من الطريق فإنه يتحدث معه قليلاً قبل قياس ضغطه، وإذا كان منفعلاً يهدئ باله، حتى يكون في الوضع الطبيعي ثم يقيس له الضغط. وأثر الغضب كبير، فالشخص الغاضب إذا كان قائماً وبجانبه عصا، والذي أغضبه أمامه فإنه تلقائياً سيأخذ العصا ويضربه، ولو كان قائماً ولا يوجد عصا أمامه، فإنه سيبحث عن شيء يمكن أن يضربه به، فإذا كانت أسباب الانتقام موجودة، فتكون الاستجابة للغضب أسرع، فإذا كان قائماً فهذا أمكن لتنفيذ دعوة الغضب، وإذا كان جالساً وأراد أن يضرب فإنه يحتاج إلى أن يقوم، ويحتاج إلى أن يأخذ ما يضرب به، فتكون الفرصة في حال الجلوس أضيق، وإذا اضطجع كانت الفرصة أضيق وأضيق. فمن علاج حالة الغضب حتى لا يتحكم بالإنسان، أن يذكر الله، وأن يبادر إما بالوضوء أو الغسل، وأن يغير هيئته التي هو عليها، فإن كان قائماً جلس، وإن كان جالساً اضطجع.

стр. 351

أثر الغضب في سريان الأحكام الشرعية الناحية الفقهية التي تترتب على آثار الغضب، لو أن إنساناً في حالة غضبه تصرف تصرفاً في غير محله، فبعض الناس يقول: اتركه يكسر، ويهدم، وينفس عن نفسه، لكن هذا أقوى علامات الضعف، فلا نقول: الغضبان إذا مزق شيئاً أو كسر شيئاً أو عمل شيئاً أو سب إنساناً فإنه بذلك ينفس عن نفسه ويرتاح؛ لأنه بذلك يتعدى على الناس، لكن المؤمن يضبط نفسه عن هذه الأشياء. فإذا فعل الغضبان شيئاً ماذا يكون الحكم؟ يتفق العلماء على أن الغضبان إذا أتلف شيئاً لغيره في حالة غضبه، فهو ضامن لما أتلف، ولا يقول: إني غضبان وما كنت في وعيي، فالعوض المالي ثابت بخطاب الوضع لا بخطاب التكليف، فخطاب الوضع يقول: من أتلف شيئاً لغيره فهو ضامن، هذا ما حصل لأم المؤمنين عائشة مع صفية رضي الله تعالى عنهما، فقد كانت صفية تجيد صنع الطعام، وكانت بنت ملك، فأرسلت يوماً بقصعة فيها طعام إلى رسول الله ﷺ في نوبة عائشة، فغارت عائشة رضي الله تعالى عنها فضربت القصعة وهي في يد الخادم، فسقطت فانكسرت وانتثر الطعام، فأمسك ﷺ قصعة صفية عند عائشة، وأخذ قصعة عائشة وأرسلها إلى صفية عوضاً عن قصعتها، وما الذي حمل عائشة على هذا؟ الغيرة، والغيرة غضب، والغيرة قد تقتل لأنها من أثر الغضب! وإذا تصرف الغضبان تصرفاً معنوياً فهل يلزمه نتائجه أو لا يلزمه؟ إذا أعتق عبداً أو إذا طلق زوجه، ونحو هذه الأمور المعنوية، فهل يقع طلاقه ويسري عتقه أم لا؟ يتكلم الفقهاء في هذه المسألة كثيراً، وليس هذا محل تحقيقها، ولكن خلاصة ذلك ما جاء عن الإمام ابن تيمية ﵀: إذا تملك الغضب على الإنسان بحيث أصبح لا يعرف الذي أمامه ولا يعرف هل هو ولده أو أبوه؟ ولا يميز بين ابنته وزوجته، وهذا كما يقول المالكية فيما يتعلق بالسكران الذي لا يعرف نعله في قدمه من نعل غيره، ولا يعرف رداءه من رداء غيره، فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقه، والشيخ الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان يقول: المولى سبحانه قال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ، فإن كان يحسن قراءة الفاتحة فهو صاح، وإن كان لا يحسنها فهو سكران، ويقول الإمام ابن تيمية في هذا: من استحكم فيه الغضب حتى أصبح لا يميز ولا يدرك فإنه يؤاخذ بتصرفاته التي عليه، ولا يؤاخذ بتصرفاته التي له، فالبيع والشراء عليه هو، ولكن الطلاق والعتق له هو، فيقول: لا يقع طلاقه ولا يقع عتقه، أما ما كان عليه من ضمان الأموال والاعتداء على الدماء ونحو ذلك فإنه ملزم به. فالغضب إذا وصل بإنسان إلى هذا الحد، فصار لا يميز بين ولده وأبيه، وبين زوجته وابنته،يقول: فهو في حالة يكون فيها مسلوب العقل والاختيار كالحيوان، فيضمن ما أتلف، ولا يؤاخذ بالعقود المعنوية كالطلاق والعتاق. فهذا الحديث الذي فيه مجيء الرجل إلى النبي ﷺ وطلبه منه الوصية الموجزة، فجمع له الخير كله، ودفع عنه الشر كله، بكلمة واحدة: (لا تغضب) . وأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .

стр. 352

شرح الأربعين النووية - الحديث السابع عشر

стр. 353

شرح حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... )

стр. 354

الإحسان من الكمالات التي دعا إليها الإسلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم. إن هذا الحديث لهو القمة في التوجيه النبوي الكريم، وفي بيان حكم ومحاسن الإسلام في كل شيء، (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) . والمتأمل في كتاب الله يجد الثناء العاطر على أهل الإحسان، وحديث جبريل ﵇ حينما جاء إلى النبي ﷺ في أحسن صورة، وجلس أمام النبي ﷺ في أكمل جلسة، وسأله عن الإسلام، والإيمان، وعن اليوم الآخر، ومما سأله عن الإحسان، وأجابه النبي ﷺ أجابة شاملة فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) بأي شيء؟ بكل العبادات، على أية حالة؟ فالإحسان هو: مراقبة الله في كل حال. وإذا جئنا إلى منطوق الحديث النبوي الكريم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، فيقول العلماء: هل هذا من قبيل الإنشاء أم من قبيل الإخبار؟ أي: هل هذه الجملة إنشائية أم خبرية؟ ومعنى خبرية أو إنشائية أي: هل الرسول ﷺ يخبر عن الله أنه فعلاً كتب الإحسان على كل شيء وأوقع الإحسان في كل شيء؟ كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] . فالله خلق كل شيء على أحسن ما يكون، وعلينا أن نحسن أعمالنا، وانظر في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] أحسن كل شيء خلْقه أو خلَقه، بالمصدر أو بالفعل الماضي. ولذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٢-٣] . وقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:١-٤] . فإن كان الحديث يراد به الإخبار فإن الله قد أحسن كل شيء، ولا شك في ذلك، فهاهو العالم علويه وسفليه يسير في نظام دقيق من أبدع ما يكون كما نحس ونشاهد: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] . يقول علماء الفلك: لو أن الشمس اختل ميزانها ودنت من الأرض دقيقة ضوئية لأحرقت العالم، ولو ارتفعت عن الأرض دقيقة ضوئية لتجمد العالم من الثلج. إذاً: قوله: (إن الله كتب الإحسان ... ) يمكن أن يكون على سبيل الإخبار. وإن كان على سبيل الإنشاء: أي: يأمرنا ﷺ أن ننفذ ما كتب الله، (وكتب) بمعنى: حكم وقضى وأمر: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاص﴾ [البقرة:١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] ، و (كتب) بمعنى فرض وأوجب، والذي يليق بالمسلم أن يكون كل ما يصدر عنه حسناً، سواء في صناعة أو في تجارة، أو في أي معاملة كانت، بل ورد: (أن النبي ﷺ مر بقوم يحفرون قبراً، فنظر إليه فرأى فيه اعوجاجاً، فأوصى بتسوية القبر، فقالوا: إنه ليهودي. قال: ألستم مسلمين؟!) أي: عليكم أنتم أن تحسنوا العمل؛ لأن العمل ينظر فيه إلى من صدر عنه، ولذا قال ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) ؛ لأنك إذا خنت من خانك صرت أنت وهو في الخيانة سواء، ولذا قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] ؛ لأنك إن قابلت السيئة بسيئة مثلها كنت معه في الإساءة سواء. ولذا يأتي الإسلام بالتسامي في مكارم الأخلاق، فيقول الله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ، ويقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦] ؟ يربطه بالسبب، ويقول: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] النتيجة معية الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] . إذاً: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، ولو أن الناس طبقوا هذا الحديث بالعموم والشمول المطلوب لاستغنينا عن القضاء والشرطة، وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أعطاها الله لنبيه ﷺ ، مثل حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) لو طبق هذا الحديث عملياً لأقفلت المحاكم، وسرح الشرط، وهدمت السجون؛ لأن كل إنسان سيعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ووجدنا تطبيق النبي ﷺ لهذا المبدأ مع الشاب الذي جاء وأسلم، واستأذن الرسول ﷺ في الزنا، فلما سمع هذا الصحابة هموا به، فقال ﵊: اتركوه، وقال له: ادن، فلما دنا، قال له: (أترضى ذلك لأختك؟ قال: لا، قال: فكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لبنتك؟ قال: لا. قال: فكذلك الناس لا يرضونه لبناتهم، أترضاه لأمك؟ قال: لا، قال: كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم) فخرج وما على وجه الأرض أكره إليه من الزنا. وهنا لو أن المسلمين طبقوا حديث الإحسان في كل شيء لاستغنينا عن القضاء، والشرطة، والمفتشين، والمراقبين، وكان كل إنسان على جادة الإحسان، إن كان صانعاً وأراد أن يغش تذكر هذا الحديث: (إن الله كتب الإحسان) ؟ أو كان عاملاً في أي مهنة وأراد أن يغش تذكر هذا الحديث، وإذا تذكر أيضاً: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، وعمل بالحديثين معاً سيحب لعملائه ما يحبه لنفسه وسيحسن عمله، وهكذا إذا جئنا للمزارع في زراعته، وللمهندس في ورشته، وكل ما فيه تخطيط وتنسيق داخل تحت هذا الحديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، تأتي بالعامل وتتركه يعمل لوحده بدون مراقبة؛ لأنه يعلم أن الله كتب الإحسان على كل شيء، ويعلم أنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وبذلك يستيقظ الضمير في نفوس البشر فلا تجد حقداً ولا حسداً، ولا غشاً، ولا سرقة، ولا تدليساً، ولا شيئاً مما تحاربه الحكومات بمبادئ الإسلام، واعتقد أن هذا الحديث يخاطب طلبة العلم في دراساتهم، وفي تنظيم أوقاتهم وكتبهم، وربما تدخل بيت الإنسان فتجد الكتب مبعثرة فينبغي أن يرتبها، وينسقها، كما جاء عن زيد بن ثابت، الصحابي الجليل الذي جمع القرآن، قالوا: كان في بيته مع أهله كالطفل، ومع الناس في مقابلتهم ومعاملتهم أدق ما يكون وأظرف ما يكون وأجمل ما يكون، ومصعب بن عمير كان فتى مكة في شبابه وجماله، وكان أعطر أهل مكة. إذاً: طالب العلم يكون عليه الإحسان في ذاته ويكون بقدر استطاعته أنموذجاً، (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، ويقال: إن مالكاً ﵀ كان يبيع خشب البيت في ثيابه وأكل اللحم، ولما جاء إليه هارون الرشيد ليسمع الموطأ نزل في بيت الإمارة، وأرسل إليه: هلم بكتابك لتقرأه علينا. فرد عليه مالك ﵀ وقال: العلم يؤتى إليه ولا يأتي، فجاء هارون إلى بيته فتأخر عليه، فلما أذن له بالدخول قال: ما هذا يا مالك! طلبناك إلينا فامتنعت علينا، وجئنا إلى بيتك فحبستنا على بابك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إن مجيء الملوك إلى العلماء يعلي قدرهم، ومجيء العلماء إلى الملوك يزري بقدرهم، فعلمت أنك لم تأت لمال ولا لدنيا، إنما جئت لتسمع حديث رسول الله، فتهيأت لحديث رسول الله، واغتسلت وتطيبت ولبست أحسن ما عندي. فعمله هذا كان من قبيل التكريم للحديث، وكان ﵀ يكره أن يسأل في الشارع، ويقول: هذه إهانة لحديث رسول الله!. فعلى طالب العلم أن يكون محسناً في ذاته ودراسته، فيرتب أوقاته مع دروسه، فإن كانت دروساً نظامية فعلى الجدول، وإن كانت غير نظامية فحسب الأولوية، وهكذا العامل في عمله يرتب أدواته، وكل ما يترتب عليه حياة الإنسان يدخل تحت الإحسان. فصاحب الحديقة والبستان إذا أراد أن ينشئ حديقة جديدة، فينبغي أن يرتبها بأبعاد متساوية وبقدر ما تسع من الشجر، ويحسن في كل شيء: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) . ثم يأتي الحديث في تتمته على سبيل المثال، ويأتي إلى القمة التي لا يتصور إنسان أنها محل إحسان، فإذا تفريع جزئيات: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، ومن كل شيء تلك الجزئية: (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) ، ثم بين بم تكون الذبحة حسنة؟.

стр. 355

الإحسان في القتل فقوله: (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) تحتها مباحث اجتماعية وفقهية. والقتل يكون بأحد هذه الأمور: إما جهاد في سبيل الله، وإما قصاص، وإما حد كما تقدم في الحديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ، فإذا ارتكب المسلم ما يوجب قتله سواء كان نفساً بنفس، أو ارتد عن دينه، أو كان ثيباً وزنى، أو قتل يقتل، وقد يقتل في ميدان الجهاد عند مجاهدة العدو الكافر المشرك بالله، وفي هذه يتجلى أدب الإسلام حتى مع الكافر المشرك والمحارب، فلو قتل في المعركة فلا ينبغي أن يمثل به، وقد نهى ﷺ عن ذلك فقال: (قاتلوا على بركة الله باسم الله، لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا تمثلوا) ، فإذا كان هذا في حق المشرك بالله المحارب للمسلمين، فكيف بغيره؟! فإذا كان القتل في الإسلام، وكان القتل لحد من حدود الله فقد بين ﷺ أن إقامة الحد إن كان موجباً للقتل فيجب أن تكون القتلة حسنة، ولا تكون على سبيل التعذيب، واتفقوا بأن الحدود ضربة بالسيف من خلف العنق؛ لأنها أقرب للنخاع الشوكي، وإذا قطع النخاع مات الإنسان، وكان الناس يستعملون المشنقة والخنق أو غير ذلك، لكن السيف أسرع ما يكون. ويقال: القصاص مأخوذ من المقص، وإذا قصصت الثوب بالمقص تساوى طرفا القماش المقصوص، فإن كان في المقص اصطلامات وانحناءات فستظهر تلك الانحناءات في طرفي القماش. أي: يجب أن يكون القصاص مماثلاً، بمعنى: لو أن إنساناً قتل إنساناً بحجر في رأسه فيقتل بحجر في رأسه، ولو أن إنساناً خنق إنساناً وكتم نفسه، فيقتص منه بالخنق وكتم النفس وهكذا عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، إلا إذا كان قتله بمحرم فلا ينبغي أن ينفذ حكم الله بمحرم، كأن يكون سقاه خمراً مسكراً، أو سقاه شيئاً مما هو محرم حتى قتله، ومعلوم عند الأطباء أن من شرب الخمر وزادت نسبة الكحول في دمه إلى ستة في المائة فإنه يموت في الحال، وعلى هذا قالوا: فلا يقتل بخمر؛ لأن الخمر حرام، ولكن يمنع عنه كل الطعام ويسقى بخل حتى يحترق الكبد ويموت؛ لأن الخل حلال ويأتي بالنتيجة. لكن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول: كل قصاص ضربة بالسيف، والذي ضرب أو خنق أو رض آثم وخطؤه على نفسه ونحن لا نخطئ مثله، لقول رسول الله ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) ، وقال أبو حنيفة ﵀: هذا حكم عام في كل قتل ولو كان قصاصاً. والجمهور يستدلون بقضية اليهودي الذي وجد جارية وعلى رأسها أوضاح، -يعني: شيء من الحلي- وفي بعض الروايات: (بأطراف المدينة) وفي بعضها: (بخربة من خربات المدينة) فرض رأسها بين حجرين وأخذ الأوضاح، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فكانوا يسألونها: فلان فعل بك هذا؟ فترفع رأسها كأنها تقول: لا، فيسألونها: فلان؟ فترفع رأسها، حتى ذكر ذاك اليهودي فخفضت رأسها، فجيء به فاعترف فرض رأسه بين حجرين، فقال الجمهور: فهذا قتل بما قتل به فقد رض رأس الجارية بين حجرين، -بمعنى: أضجعها وجعل تحت رأسها حجراً، وجاء بحجر آخر ورض رأسها فماتت- ففعل به مثلما فعل. وهنا نقف مع قضية هذه الفتاة، ونخاطب بها الشرطة، والمجتمع، والأبوين. فاليهودي وجد الجارية في أطراف المدينة في خربة، وقتلها لأن عليها أوضاحاً، أي: قطع من الذهب والفضة، فنقول للشرطة وعمد الحارات: لا تتركوا الخربات في أطراف المدينة فتكون مأوى للمجرمين، بل عمروها، أو اهدموها؛ لأن تلك الخربات يأوي إليها أصحاب الجرائم. ونقول للأبوين: تبذلوا المال للأطفال، فهذه فتاة صغيرة سبب قتلها حليها، فما حاجة الفتاة الصغيرة للأوضاح؟ فلا تلبسوها الذهب والفضة وتسرحوها في الشارع، وإلا فأنتم تشاركون في قتلها. إذاً: على الأبوين أن يصونوا أولادهم، وألا يكونوا سبباً في إلحاق الضرر بهم في زيادة التنعيم. نرجع إلى القضية نص الحديث حيث يقول: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) هل القتل ضربة بالسيف في جميع الحالات، أم أن الإحسان في القتل أن يكون بالمماثلة؟ فحينما يرى أهل الجارية جاريتهم مقتولة بهذه الصورة البشعة يتألمون، وحينما يتذكرون أن رأس قاتلها رض بين حجرين كما فُعل بها فإن ذلك يخفف عليهم من المأساة، لكن بخلاف ما لو ضرب عنقه بالسيف فهذا لا يساوي عندهم قتل جاريتهم، فالجمهور ﵏ والأئمة الثلاثة قالوا: (كتب الإحسان) صحيح، وإحسان القتلة صحيح، والقتلة: بمعنى فِعلَة، أي: هيئة القتل، ومن الإحسان فيها: أن نشفي صدور أولياء الدم، وأن يفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه. ولكن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) فلا يكون القتل إلا ضربة بالسيف.
следующие страницы →