← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أثر الغضب في سريان الأحكام الشرعية الناحية الفقهية التي تترتب على آثار الغضب، لو أن إنساناً في حالة غضبه تصرف تصرفاً في غير محله، فبعض الناس يقول: اتركه يكسر، ويهدم، وينفس عن نفسه، لكن هذا أقوى علامات الضعف، فلا نقول: الغضبان إذا مزق شيئاً أو كسر شيئاً أو عمل شيئاً أو سب إنساناً فإنه بذلك ينفس عن نفسه ويرتاح؛ لأنه بذلك يتعدى على الناس، لكن المؤمن يضبط نفسه عن هذه الأشياء. فإذا فعل الغضبان شيئاً ماذا يكون الحكم؟ يتفق العلماء على أن الغضبان إذا أتلف شيئاً لغيره في حالة غضبه، فهو ضامن لما أتلف، ولا يقول: إني غضبان وما كنت في وعيي، فالعوض المالي ثابت بخطاب الوضع لا بخطاب التكليف، فخطاب الوضع يقول: من أتلف شيئاً لغيره فهو ضامن، هذا ما حصل لأم المؤمنين عائشة مع صفية رضي الله تعالى عنهما، فقد كانت صفية تجيد صنع الطعام، وكانت بنت ملك، فأرسلت يوماً بقصعة فيها طعام إلى رسول الله ﷺ في نوبة عائشة، فغارت عائشة رضي الله تعالى عنها فضربت القصعة وهي في يد الخادم، فسقطت فانكسرت وانتثر الطعام، فأمسك ﷺ قصعة صفية عند عائشة، وأخذ قصعة عائشة وأرسلها إلى صفية عوضاً عن قصعتها، وما الذي حمل عائشة على هذا؟ الغيرة، والغيرة غضب، والغيرة قد تقتل لأنها من أثر الغضب! وإذا تصرف الغضبان تصرفاً معنوياً فهل يلزمه نتائجه أو لا يلزمه؟ إذا أعتق عبداً أو إذا طلق زوجه، ونحو هذه الأمور المعنوية، فهل يقع طلاقه ويسري عتقه أم لا؟ يتكلم الفقهاء في هذه المسألة كثيراً، وليس هذا محل تحقيقها، ولكن خلاصة ذلك ما جاء عن الإمام ابن تيمية ﵀: إذا تملك الغضب على الإنسان بحيث أصبح لا يعرف الذي أمامه ولا يعرف هل هو ولده أو أبوه؟ ولا يميز بين ابنته وزوجته، وهذا كما يقول المالكية فيما يتعلق بالسكران الذي لا يعرف نعله في قدمه من نعل غيره، ولا يعرف رداءه من رداء غيره، فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقه، والشيخ الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان يقول: المولى سبحانه قال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ، فإن كان يحسن قراءة الفاتحة فهو صاح، وإن كان لا يحسنها فهو سكران، ويقول الإمام ابن تيمية في هذا: من استحكم فيه الغضب حتى أصبح لا يميز ولا يدرك فإنه يؤاخذ بتصرفاته التي عليه، ولا يؤاخذ بتصرفاته التي له، فالبيع والشراء عليه هو، ولكن الطلاق والعتق له هو، فيقول: لا يقع طلاقه ولا يقع عتقه، أما ما كان عليه من ضمان الأموال والاعتداء على الدماء ونحو ذلك فإنه ملزم به. فالغضب إذا وصل بإنسان إلى هذا الحد، فصار لا يميز بين ولده وأبيه، وبين زوجته وابنته،يقول: فهو في حالة يكون فيها مسلوب العقل والاختيار كالحيوان، فيضمن ما أتلف، ولا يؤاخذ بالعقود المعنوية كالطلاق والعتاق. فهذا الحديث الذي فيه مجيء الرجل إلى النبي ﷺ وطلبه منه الوصية الموجزة، فجمع له الخير كله، ودفع عنه الشر كله، بكلمة واحدة: (لا تغضب) . وأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .

стр. 352

شرح الأربعين النووية - الحديث السابع عشر

стр. 353

شرح حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... )

стр. 354

الإحسان من الكمالات التي دعا إليها الإسلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم. إن هذا الحديث لهو القمة في التوجيه النبوي الكريم، وفي بيان حكم ومحاسن الإسلام في كل شيء، (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) . والمتأمل في كتاب الله يجد الثناء العاطر على أهل الإحسان، وحديث جبريل ﵇ حينما جاء إلى النبي ﷺ في أحسن صورة، وجلس أمام النبي ﷺ في أكمل جلسة، وسأله عن الإسلام، والإيمان، وعن اليوم الآخر، ومما سأله عن الإحسان، وأجابه النبي ﷺ أجابة شاملة فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) بأي شيء؟ بكل العبادات، على أية حالة؟ فالإحسان هو: مراقبة الله في كل حال. وإذا جئنا إلى منطوق الحديث النبوي الكريم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، فيقول العلماء: هل هذا من قبيل الإنشاء أم من قبيل الإخبار؟ أي: هل هذه الجملة إنشائية أم خبرية؟ ومعنى خبرية أو إنشائية أي: هل الرسول ﷺ يخبر عن الله أنه فعلاً كتب الإحسان على كل شيء وأوقع الإحسان في كل شيء؟ كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] . فالله خلق كل شيء على أحسن ما يكون، وعلينا أن نحسن أعمالنا، وانظر في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] أحسن كل شيء خلْقه أو خلَقه، بالمصدر أو بالفعل الماضي. ولذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٢-٣] . وقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:١-٤] . فإن كان الحديث يراد به الإخبار فإن الله قد أحسن كل شيء، ولا شك في ذلك، فهاهو العالم علويه وسفليه يسير في نظام دقيق من أبدع ما يكون كما نحس ونشاهد: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] . يقول علماء الفلك: لو أن الشمس اختل ميزانها ودنت من الأرض دقيقة ضوئية لأحرقت العالم، ولو ارتفعت عن الأرض دقيقة ضوئية لتجمد العالم من الثلج. إذاً: قوله: (إن الله كتب الإحسان ... ) يمكن أن يكون على سبيل الإخبار. وإن كان على سبيل الإنشاء: أي: يأمرنا ﷺ أن ننفذ ما كتب الله، (وكتب) بمعنى: حكم وقضى وأمر: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاص﴾ [البقرة:١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] ، و (كتب) بمعنى فرض وأوجب، والذي يليق بالمسلم أن يكون كل ما يصدر عنه حسناً، سواء في صناعة أو في تجارة، أو في أي معاملة كانت، بل ورد: (أن النبي ﷺ مر بقوم يحفرون قبراً، فنظر إليه فرأى فيه اعوجاجاً، فأوصى بتسوية القبر، فقالوا: إنه ليهودي. قال: ألستم مسلمين؟!) أي: عليكم أنتم أن تحسنوا العمل؛ لأن العمل ينظر فيه إلى من صدر عنه، ولذا قال ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) ؛ لأنك إذا خنت من خانك صرت أنت وهو في الخيانة سواء، ولذا قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] ؛ لأنك إن قابلت السيئة بسيئة مثلها كنت معه في الإساءة سواء. ولذا يأتي الإسلام بالتسامي في مكارم الأخلاق، فيقول الله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ، ويقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦] ؟ يربطه بالسبب، ويقول: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] النتيجة معية الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] . إذاً: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، ولو أن الناس طبقوا هذا الحديث بالعموم والشمول المطلوب لاستغنينا عن القضاء والشرطة، وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أعطاها الله لنبيه ﷺ ، مثل حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) لو طبق هذا الحديث عملياً لأقفلت المحاكم، وسرح الشرط، وهدمت السجون؛ لأن كل إنسان سيعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ووجدنا تطبيق النبي ﷺ لهذا المبدأ مع الشاب الذي جاء وأسلم، واستأذن الرسول ﷺ في الزنا، فلما سمع هذا الصحابة هموا به، فقال ﵊: اتركوه، وقال له: ادن، فلما دنا، قال له: (أترضى ذلك لأختك؟ قال: لا، قال: فكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لبنتك؟ قال: لا. قال: فكذلك الناس لا يرضونه لبناتهم، أترضاه لأمك؟ قال: لا، قال: كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم) فخرج وما على وجه الأرض أكره إليه من الزنا. وهنا لو أن المسلمين طبقوا حديث الإحسان في كل شيء لاستغنينا عن القضاء، والشرطة، والمفتشين، والمراقبين، وكان كل إنسان على جادة الإحسان، إن كان صانعاً وأراد أن يغش تذكر هذا الحديث: (إن الله كتب الإحسان) ؟ أو كان عاملاً في أي مهنة وأراد أن يغش تذكر هذا الحديث، وإذا تذكر أيضاً: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، وعمل بالحديثين معاً سيحب لعملائه ما يحبه لنفسه وسيحسن عمله، وهكذا إذا جئنا للمزارع في زراعته، وللمهندس في ورشته، وكل ما فيه تخطيط وتنسيق داخل تحت هذا الحديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، تأتي بالعامل وتتركه يعمل لوحده بدون مراقبة؛ لأنه يعلم أن الله كتب الإحسان على كل شيء، ويعلم أنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وبذلك يستيقظ الضمير في نفوس البشر فلا تجد حقداً ولا حسداً، ولا غشاً، ولا سرقة، ولا تدليساً، ولا شيئاً مما تحاربه الحكومات بمبادئ الإسلام، واعتقد أن هذا الحديث يخاطب طلبة العلم في دراساتهم، وفي تنظيم أوقاتهم وكتبهم، وربما تدخل بيت الإنسان فتجد الكتب مبعثرة فينبغي أن يرتبها، وينسقها، كما جاء عن زيد بن ثابت، الصحابي الجليل الذي جمع القرآن، قالوا: كان في بيته مع أهله كالطفل، ومع الناس في مقابلتهم ومعاملتهم أدق ما يكون وأظرف ما يكون وأجمل ما يكون، ومصعب بن عمير كان فتى مكة في شبابه وجماله، وكان أعطر أهل مكة. إذاً: طالب العلم يكون عليه الإحسان في ذاته ويكون بقدر استطاعته أنموذجاً، (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، ويقال: إن مالكاً ﵀ كان يبيع خشب البيت في ثيابه وأكل اللحم، ولما جاء إليه هارون الرشيد ليسمع الموطأ نزل في بيت الإمارة، وأرسل إليه: هلم بكتابك لتقرأه علينا. فرد عليه مالك ﵀ وقال: العلم يؤتى إليه ولا يأتي، فجاء هارون إلى بيته فتأخر عليه، فلما أذن له بالدخول قال: ما هذا يا مالك! طلبناك إلينا فامتنعت علينا، وجئنا إلى بيتك فحبستنا على بابك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إن مجيء الملوك إلى العلماء يعلي قدرهم، ومجيء العلماء إلى الملوك يزري بقدرهم، فعلمت أنك لم تأت لمال ولا لدنيا، إنما جئت لتسمع حديث رسول الله، فتهيأت لحديث رسول الله، واغتسلت وتطيبت ولبست أحسن ما عندي. فعمله هذا كان من قبيل التكريم للحديث، وكان ﵀ يكره أن يسأل في الشارع، ويقول: هذه إهانة لحديث رسول الله!. فعلى طالب العلم أن يكون محسناً في ذاته ودراسته، فيرتب أوقاته مع دروسه، فإن كانت دروساً نظامية فعلى الجدول، وإن كانت غير نظامية فحسب الأولوية، وهكذا العامل في عمله يرتب أدواته، وكل ما يترتب عليه حياة الإنسان يدخل تحت الإحسان. فصاحب الحديقة والبستان إذا أراد أن ينشئ حديقة جديدة، فينبغي أن يرتبها بأبعاد متساوية وبقدر ما تسع من الشجر، ويحسن في كل شيء: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) . ثم يأتي الحديث في تتمته على سبيل المثال، ويأتي إلى القمة التي لا يتصور إنسان أنها محل إحسان، فإذا تفريع جزئيات: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، ومن كل شيء تلك الجزئية: (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) ، ثم بين بم تكون الذبحة حسنة؟.

стр. 355

الإحسان في القتل فقوله: (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) تحتها مباحث اجتماعية وفقهية. والقتل يكون بأحد هذه الأمور: إما جهاد في سبيل الله، وإما قصاص، وإما حد كما تقدم في الحديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ، فإذا ارتكب المسلم ما يوجب قتله سواء كان نفساً بنفس، أو ارتد عن دينه، أو كان ثيباً وزنى، أو قتل يقتل، وقد يقتل في ميدان الجهاد عند مجاهدة العدو الكافر المشرك بالله، وفي هذه يتجلى أدب الإسلام حتى مع الكافر المشرك والمحارب، فلو قتل في المعركة فلا ينبغي أن يمثل به، وقد نهى ﷺ عن ذلك فقال: (قاتلوا على بركة الله باسم الله، لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا تمثلوا) ، فإذا كان هذا في حق المشرك بالله المحارب للمسلمين، فكيف بغيره؟! فإذا كان القتل في الإسلام، وكان القتل لحد من حدود الله فقد بين ﷺ أن إقامة الحد إن كان موجباً للقتل فيجب أن تكون القتلة حسنة، ولا تكون على سبيل التعذيب، واتفقوا بأن الحدود ضربة بالسيف من خلف العنق؛ لأنها أقرب للنخاع الشوكي، وإذا قطع النخاع مات الإنسان، وكان الناس يستعملون المشنقة والخنق أو غير ذلك، لكن السيف أسرع ما يكون. ويقال: القصاص مأخوذ من المقص، وإذا قصصت الثوب بالمقص تساوى طرفا القماش المقصوص، فإن كان في المقص اصطلامات وانحناءات فستظهر تلك الانحناءات في طرفي القماش. أي: يجب أن يكون القصاص مماثلاً، بمعنى: لو أن إنساناً قتل إنساناً بحجر في رأسه فيقتل بحجر في رأسه، ولو أن إنساناً خنق إنساناً وكتم نفسه، فيقتص منه بالخنق وكتم النفس وهكذا عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، إلا إذا كان قتله بمحرم فلا ينبغي أن ينفذ حكم الله بمحرم، كأن يكون سقاه خمراً مسكراً، أو سقاه شيئاً مما هو محرم حتى قتله، ومعلوم عند الأطباء أن من شرب الخمر وزادت نسبة الكحول في دمه إلى ستة في المائة فإنه يموت في الحال، وعلى هذا قالوا: فلا يقتل بخمر؛ لأن الخمر حرام، ولكن يمنع عنه كل الطعام ويسقى بخل حتى يحترق الكبد ويموت؛ لأن الخل حلال ويأتي بالنتيجة. لكن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول: كل قصاص ضربة بالسيف، والذي ضرب أو خنق أو رض آثم وخطؤه على نفسه ونحن لا نخطئ مثله، لقول رسول الله ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) ، وقال أبو حنيفة ﵀: هذا حكم عام في كل قتل ولو كان قصاصاً. والجمهور يستدلون بقضية اليهودي الذي وجد جارية وعلى رأسها أوضاح، -يعني: شيء من الحلي- وفي بعض الروايات: (بأطراف المدينة) وفي بعضها: (بخربة من خربات المدينة) فرض رأسها بين حجرين وأخذ الأوضاح، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فكانوا يسألونها: فلان فعل بك هذا؟ فترفع رأسها كأنها تقول: لا، فيسألونها: فلان؟ فترفع رأسها، حتى ذكر ذاك اليهودي فخفضت رأسها، فجيء به فاعترف فرض رأسه بين حجرين، فقال الجمهور: فهذا قتل بما قتل به فقد رض رأس الجارية بين حجرين، -بمعنى: أضجعها وجعل تحت رأسها حجراً، وجاء بحجر آخر ورض رأسها فماتت- ففعل به مثلما فعل. وهنا نقف مع قضية هذه الفتاة، ونخاطب بها الشرطة، والمجتمع، والأبوين. فاليهودي وجد الجارية في أطراف المدينة في خربة، وقتلها لأن عليها أوضاحاً، أي: قطع من الذهب والفضة، فنقول للشرطة وعمد الحارات: لا تتركوا الخربات في أطراف المدينة فتكون مأوى للمجرمين، بل عمروها، أو اهدموها؛ لأن تلك الخربات يأوي إليها أصحاب الجرائم. ونقول للأبوين: تبذلوا المال للأطفال، فهذه فتاة صغيرة سبب قتلها حليها، فما حاجة الفتاة الصغيرة للأوضاح؟ فلا تلبسوها الذهب والفضة وتسرحوها في الشارع، وإلا فأنتم تشاركون في قتلها. إذاً: على الأبوين أن يصونوا أولادهم، وألا يكونوا سبباً في إلحاق الضرر بهم في زيادة التنعيم. نرجع إلى القضية نص الحديث حيث يقول: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) هل القتل ضربة بالسيف في جميع الحالات، أم أن الإحسان في القتل أن يكون بالمماثلة؟ فحينما يرى أهل الجارية جاريتهم مقتولة بهذه الصورة البشعة يتألمون، وحينما يتذكرون أن رأس قاتلها رض بين حجرين كما فُعل بها فإن ذلك يخفف عليهم من المأساة، لكن بخلاف ما لو ضرب عنقه بالسيف فهذا لا يساوي عندهم قتل جاريتهم، فالجمهور ﵏ والأئمة الثلاثة قالوا: (كتب الإحسان) صحيح، وإحسان القتلة صحيح، والقتلة: بمعنى فِعلَة، أي: هيئة القتل، ومن الإحسان فيها: أن نشفي صدور أولياء الدم، وأن يفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه. ولكن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) فلا يكون القتل إلا ضربة بالسيف.

стр. 356

الإحسان في الذبح قال ﷺ : (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) ، الذبح يكون للشياه وللدجاج مأكول اللحم، وروي عن علي، أو عمر: أنه رأى جزاراً يسحب الشاة من أذنها ليذبحها، فقال له: اسحبها إلى الموت برفق، فقال: أرفق بها وأنا أريد ذبحها؟ واستل الشفرة. فقوله ﷺ : (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) ، يعني: أن الذبح فوق كل شفقة، ومع ذلك فأحسن الذبحة، فهذا الرجل لما قيل له: اسحبها إلى الموت برفق، قال: كيف أرفق بها؟ فمهما فعلت بها قبل الذبح فهو بسيط، -هذا في تصوره- ولكن جاء في الأثر: (بأن الشاة تعرف الموت ولكنها تؤمن بالله وتصبر) . ويذكر ابن رجب: (أن جزاراً فتح باباً على شاة فهربت، فجرت حتى جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ برجلها، فنظر إليه ﷺ وقال: أحسن في ذبحها، ثم نظر إليها وقال: اصبري لقضاء الله) . ومن إحسان الذبحة: (فليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) يحد الشفرة -السكين- ولكن لا يحدها أمام الذبيحة، ولا يسمعها صوت الشفرة (وقد مر ﷺ برجل يحد الشفرة أمام الشاة وهي تنظره بعينيها، فقال: هلا كان قبل ذلك) أي: هلا حددت الشفرة قبل أن تضجعها وهي تنظر إليك. ومن إحسان الذبحة: ألا يذبحها أمام أمها أو أمام أولادها، ويذكر أيضاً أن رجلاً ذبح عجلاً أمام أمه وهي تنظر إليه فخبل في عقله. فمشى يوماً في طريق فنام تحت شجرة، فإذا بعش طائر سقط منه فرخ على الأرض، فأشفق عليه ورده إلى عشه، فرد الله عليه عقله، وجاء عنه ﷺ أنه مر ببيت للنمل محترق فنهى ﷺ أن يعذب بالنار وقال: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) ، ولهذا نهى ﷺ أن يعذب أحد بالنار، وتروى روايات عن بعض السلف أنهم حرقوا بعض الأشخاص في الردة أو في فعل كذا أو كذا، وجاء النهي صريحاً: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) . ومن إراحة الشاة الذبيحة: حد الشفرة بعيداً عن الشاة، وعرض الماء عليها قبل أن يذبحها، ولا يذبحها أمام حيوان آخر ينظر إليه، والحديث المتقدم: (هلا كان قبل ذلك؟ أتريد أن تميتها موتات عديدة) ، فهي كلما رأت الشفرة تحد كأنها ماتت موتة، لكن إذا أخذها بغتة وفاجأها بالذبح انتهى الأمر. قوله: (وليرح) يتفق العلماء أنه يرفق بها حينما يضجعها، وإن كان تحتها من الأحجار أو من النواتئ أو من الأشواك فيجب أن يزيلها ويضجعها مستريحة: (ورأى النبي ﷺ رجلاً واضعاً رجله على صفحة الشاة متكئاً عليها ليذبحها، فقال: أتميتها موتتان أو عدة موتات) . إذاً: في هذا الحديث يخاطب النبي ﷺ الأمة في أن تحسن في كل شيء حتى القتلة والذبحة.

стр. 357

الإحسان في كل شيء بحسبه وجوباً وندباً يقول العلماء بعد هذا: على المسلم أن يحسن في كل شيء، وأول إحسان يتوجب عليه: أن يحسن على نفسه بترك المعاصي، قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦] ، وأول إحسان هو أن تبعد نفسك عن النار، وكما يقولون: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، يلي ذلك الإحسان في طاعة الله؛ وأعلى درجات الإحسان في طاعة الله، أداء الواجبات، فمن ترك واجباً عليه لم يحسن إلى نفسه، فإذا أدى الواجبات فيؤديها على أحسن وجه، ويلي ذلك النوافل، فيحسن إلى نفسه في عبادة ربه في نوافل العبادات، وكلنا يعلم أن لكل فريضة من فرائض الإسلام نافلة، فالصلاة لها نوافل سواء كانت الراتبة أو غير الراتبة، والصيام له نوافله، وهكذا الزكاة منها ما هو نافلة؛ كالصدقة، والمرء في ظل صدقته، وكذلك الحج والعمرة، وكذلك ذكر الله، وكل ما هو عبادة لوجه الله تعالى، فإحسان العبد في ذاته أول ما يكون بتجنب المعاصي، ثم بعد ذلك في فعل الطاعات. وقوله: (كتب الإحسان) هل الكتابة للفرض أم للندب والتوجيه؟ يقولون: كلا الأمرين، فالإحسان واجب فيما لا يتم الواجب إلا به، وتعلمون قصة المسيء صلاته -والإساءة ضد الإحسان- الذي رآه النبي ﷺ يصلي فجاء يسلم على رسول الله فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ، يعني: عدم الإحسان ألغى العمل، ورده ﷺ مراراً حتى جاء وقال: (علمني يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أحسن إلا هذا، فعلمه: وقال: إذا توضأت فأسبغت وضوءك، وجئت واستقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع من الركوع حتى تطمئن رافعاً ... ) ، وهنا نخاطب بعض الناس الذين تراهم يركعون ولا يطمئنون في ركوعهم، فترى الواحد منهم كأنه ينفض شيئاً عن ظهره، وكذلك الجلسة بين السجدتين، ويقولون: مذهبنا أنه ركن خفيف، فنقول: ليس في الأركان خفيف وثقيل، فالرسول ﷺ كان يركع حتى يطمئن راكعاً، ويرفع حتى يستقر ويعود كل فقار في مقره، ويعود كل عظم في مكانه، والحركة الخفيفة ليست استقراراً. فالإحسان هنا واجب؛ لأنه إذا تغيب الإحسان بطلت العبادة، فقد رده ﷺ مراراً ليحسن صلاته، إذاً: الإحسان في الواجبات من حيث إتمامها وكمالها واجب، وإن كان الأصوليون يناقشون مداعبة للطلاب: القدر الذي به يتم الواجب من الطمأنينة، وما زاد عنها، وهل الزيادة واجبة أم القدر الذي تصح به الفريضة هو الواجب والباقي مندوب؟ فيقولون: أقل شيء فيه الطمأنينة في الركوع سبحان الله ثلاث مرات وهي الفريضة، وإذا سبح عشر مرات فهي إحسان، وزيادة في الإحسان. إذاً: الإحسان قد يدخل الفريضة وقد يدخل النافلة، وكما يقولون: (الإحسان في كل شيء بحسبه) . وإذا رجعنا إلى تتمة الحديث وأمر الذبح والقتل والإرفاق بالمخلوقين حتى الحيوانات، نجد قوله ﷺ لما قال في قضية المرأة التي سقت الكلب، والمرأة التي حبست الهرة فقال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ، وقال في الحديث الآخر: (إن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فغفر لها) فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا الحديث بعمومه وشموله لو طبقه الإنسان في فعل الواجبات وترك المحرمات، وفي كل ما طلب منه لكانت الحياة كلها على أحسن ما تكون. إذاً: على كل إنسان أن ينظر في منهج حياته، أولاً: في كسبه الذي يقتات به، هل اكتسبته من طريق إحسان أم لا؟ ولينظر في الطريق الذي ينفقه فيه، هل هو طريق إحسان واضح جلي أم فيه ما فيه؟ ونقول لأولئك الذين يبذرون الأموال في المحرمات كالدخان: هل أحسنتم؟ لا. بل أسأتم عدة مرات، أسأتم في ضياع المال، وفي فعل ما حرم الله، وفي إفساد البدن والمجتمع. إذاً: هذا الباب لا يستطيع إنسان أن يوفيه منتهاه، ولكن القواعد العامة فيه: ما ذكر ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ، و (كل شيء) لا يخرج منها شيء: (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) هذا على سبيل التمثيل في أقسى المواقف في الحياة، ومع ذلك لابد أن يكون مع الإحسان. وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .

стр. 358

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن عشر

стр. 359

وصية الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: [عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: (اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح. ] . هذا الحديث الذي يسوقه النووي ﵀ في هذه المجموعة المباركة عن الصحابيين الجليلين رضي الله تعالى عنهما أبي ذر ومعاذ بن جبل. أما أبو ذر فتقدمت الإشارة إلى ترجمته بإيجاز وذكر قصة إسلامه وقدومه على النبي ﷺ مكة، ثم مجيئه إلى المدينة، ثم ما كان من أمره، وسفره إلى الشام، واختلافه مع معاوية رضي الله تعالى عنهما، وإقامته بالمدينة، ثم طلبه من الخليفة عثمان رضي الله تعالى عنه الاعتزال، وذهابه إلى الربذة، وبقي بها إلى أن وافاه أجله رضي الله تعالى عنه، وصدُق فيه قول رسول الله ﷺ : (يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة وحده) . أما معاذ بن جبل فهو الأنصاري الخزرجي البدري، جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (معاذ أمام العلماء يوم القيامة برَتْوَة) أي: يتقدمهم برمية حجر. وقال عنه ﷺ في مجموعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم مبيناً خصائص بعض أصحابه: (أرحم هذه الأمة بأمتي أبو بكر ﵁، وأشد هذه الأمة في الله: عمر، وأشد الناس حياءً عثمان، وأعرف الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة) وهكذا ذُكر مع هؤلاء الأكارم. كما قال ﷺ عن زيد بن ثابت: (أفرضكم زيد) . وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي دعا له بقوله: (اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين) . مما يدل لأول وهلة على أن الاختصاص في العلم والتخصص في بعض مواده له أصل، وقد يفيد الأمة أكثر من غيره، وقد كانت نتائج هذا التخصص أو تلك الخصوصيات أنهم رضي الله تعالى عنهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة من تلك العلوم رجعوا لصاحب الاختصاص فيها، فإذا اختلفوا في مسألة فرضية رجعوا إلى رأي زيد، وتقرءون في الرحبية: عن مذهب الإمام زيد الفرضي إذ كان ذاك من أهم الغرض وإن زيداً خُص لا محالة بما حباه صاحب الرسالة من قوله في فضله منبهاً أفرضكم زيد وناهيك بها فاختار صاحب الرحبية مذهب زيد الفرضي؛ لأن النبي ﷺ قال: (أفرضكم زيد) . وحينما كان عمر رضي الله تعالى عنه يجمع الشيوخ في مجلسه لمشاورته ومجالسته، كان ابن عباس وهو غلام يدخل معهم فيرى عمر أثر ذلك في وجوههم ولهم غلمان، فأراد أن يبين لهم موجب ذلك، فقال لهم ذات يوم: (ما معنى قوله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١-٣] . قالوا: إنها بشرى من الله لرسوله بالفتح، بشرى للمسلمين بمجيء النصر ودخول الناس في الدين أفواجاً. وابن عباس ساكت. قال: ما تقول يا ابن عباس؟! قال: أقول: إنها نعت إلينا رسول الله ﷺ وهو حي بين أظهرنا. قال: وكيف ذلك؟! قال: إن الله أرسل رسوله برسالة وكلفه بمهمة أدائها، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، فإذا انتهت المهمة ودخل الناس في دين الله أفواجاً فما عليه إلا أن يتهيأ لملاقاة ربه، ليلقى وافر جزائه. قال: وأنا أرى ذلك) . ومصداق هذا من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ يتأول القرآن) . وكذلك حينما اختلفوا في ليلة القدر. إلى آخره.

стр. 360

علم معاذ بن جبل ﵁ وفقهه ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه كان أعلم الأمة بالحلال والحرام ومن أفقه الصحابة، ورد عنه موقفان يدلان على فقهه وإمامته وألزم ما يكون لطالب العلم معرفتهما: أولاً: ما يذكره ابن كثير في تفسيره، والذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ: كانت الصلاة في أول الأمر إذا أقيمت وجاء مسبوقٌ، لا يدري كم صلوا، يسأل الذي بجانبه: كم صليتم؟ فيشير واحدة أو اثنتين، فيصلي ما فاته بسرعة، ثم يدخل مع الرسول ﷺ ، فإذا ما سلم رسول الله سلم معهم؛ لأنه أتى بما فاته قبلاً. فجاء معاذ رضي الله تعالى عنه يوماً فإذا بالرسول ﷺ ساجد، فلم ينتظر رفعهم من السجود ويسأل؛ ولكن كبر وسجد، ولما سلم رسول الله ﷺ وقد عرف معاذ ما فاته قام وقضى ما فاته وسلم بعد ذلك. فقال له جاره: (لم تعتد بالركعة -يعني: سجدت ولم تأتِ بالركعة كاملة- فقال: ما كنت لأرى رسول الله ﷺ على حالة إلا وأحببت أن أكون عليها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ -أي: ما فعل معاذ - فقال: هي سنة لكم) فصارت السنة إلى الآن أن المسبوق إذا جاء وجب عليه أن يدخل مع الإمام على الحالة التي هو عليها ولا ينتظر، فإن كان قائماً قام معه واستمع أو قرأ، أو راكعاً ركع، أو رافعاً قائماً، أو ساجداً، أو جالساً، أو في التشهد، على الحالة التي يدرك الإمام فيها. الموقف الثاني: حينما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه ﷺ يوادعه ويوصيه، ثم قال: (يا معاذ! كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ . وفي بعض الروايات: فبقضاء رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب ﷺ بصدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) . قد نجد بعض الناس يتكلم في سند هذا الحديث، ولكن عامة علماء المسلمين وقضاتهم يعتبرون حديث معاذ هذا الأصل الأصيل في باب القضاء، وعليه فإن أول ما يلزم القاضي أن يطلب الحكم من كتاب الله، وهذا أمر حق، فإن لم يجد في مجمل كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﷺ -إما الخاصة في أقضية رسول الله ﷺ ، وإما العامة في نصوصه- فإن لم يجد في كتاب أو سنة فهنا يتعين عليه الاجتهاد، ولا يصح له التقليد، بمعنى: ألَّا يحكم حكماً إلا ويعرف دليل هذا الحكم على ما استند. هذا هو معاذ. أما أثره في الإسلام، فإنا نعلم بأن مصعب بن عمير أول من قدم المدينة يعلم أهلها الإسلام ويقرئهم القرآن ويفقههم في الدين. ومعاذ خلفه رسول الله ﷺ في مكة عام الفتح حينما خرج إلى حنين يفقه أهل مكة في الدين. ثم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه بعثه إلى الشام، فـ معاذ علم أهل مكة الإسلام، ومعاذ ذهب إلى اليمن معلماً وقاضياً فيها، ومعاذ بُعث إلى الشام، فلكأن معاذاً كان بعثة علمية متنقلة في العالم الإسلامي. وما يهمنا في هذا كله هو أخذ نبذة عن هذا الصحابي الجليل، كما أنه يروي لنا حديث (اتقِ الله حيثما كنت) قيل: إنه جزء من الوصية التي أوصاه بها ﷺ وهو ذاهب إلى اليمن. وفي بعض الروايات قال له ﷺ : (يا معاذ! لعلك ترجع فلا تلقاني، ولعلك تمر بمسجدي وبقبري. فبكى معاذ رضي الله تعالى عنه خَشَعاً لفراق رسول الله وألَّا يراه) . وقد جاء مثل ذلك عن بعض الصحابة -ولعله عبادة بن الصامت - حينما أراد النبي أن يرسل بعثاً إلى نخلة لاستطلاع أهل مكة، فأعطاه كتاباً مختوماً وقال: (لا تفضن كتابي هذا إلا بعد مسيرة ثلاثة أيام فأخذه ونظر إلى رسول الله وبكى قال: ما يبكيك؟! قال: لفراقك يا رسول الله! فأعفاه وأخذ الكتاب وأعطاه لـ عبد الله بن جحش، ومضى في طريقه وما فض الكتاب إلا بعد ثلاثة أيام) كما يقولون في الوقت الحاضر: تعمية الأخبار، والحرب الخاطفة. فـ معاذ رضي الله تعالى عنه بأي شيء أوصاه رسول الله ﷺ بأي شيء؟ قال له: (اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) : ثلاث جمل، كل جملة وحدها تستوقف طالب العلم؛ يجمع أطرافها، وينظر كنهها، ويبحث في آثارها على الشخص وعلى المجتمع، ولا أعتقد أن إنساناً يستطيع أن يستوفي الثلاث كلها.

стр. 361

الوصية الأولى: لزوم التقوى إذا نظرنا إلى الفقرة الأولى: (اتقِ الله حيثما كنت) علماء اللغة يقولون: أصل التقوى: الوقاية، اوْتَقَى: افتعل، من اتخذ وقاية، من أي شيء؟ يأخذ حاجزاً ساتراً يقيه مما يخافه، (اتقوا النار ولو بشق تمرة) ، يعني: اجعل حاجزاً ووقاية بينك وبين النار، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] . وقالوا: (اتقِ الله) : إضافة التقوى إلى الله أي: ما يصيبكم من عذاب الله أو ما يأتيكم من الله بسبب ذنوبكم، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] أي: اتقوا ما يقع من أحداث في ذلك اليوم. إذاً: (اتقِ الله) : اتخذ الوقاية بينك وبين ما يأتيك من الله مما تكره. أربع نقاط يبحثها طالب العلم في مجال تقوى الله: بِمَ يتقي الله؟ وفيمَ يتقي الله؟ ومن هم أتقياء الله؟ ونتائج التقوى! ولا أستطيع أن أقول: إنه يمكن إحصاء ذلك؛ ولكن سنمر بكتاب الله في مواطن أو موطن واحد من المصحف الشريف في سورة الشعراء لنرى ما يتقيه الإنسان، وقبل ذلك: من هم المتقون؟

стр. 362

وصف المتقين وأعمالهم إذا جئنا إلى أول المصحف لتعريف المتقين نجد افتتاحية الكتاب الكريم في أول سورة البقرة: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] ، من هم أولئك المتقون؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٣-٤] ، هذه صفة المؤمنين. وإذا جئنا إلى موطن آخر: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] . من هم المتقون؟ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤-١٣٦] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] . هؤلاء هم المتقون، وتلك هي صفاتهم. والتقوى في حقيقتها وفي ذاتها وفي عمومها: إن جئنا إلى زاد في الدنيا فالتقوى خير زاد يوصل إلى الآخرة: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] . مفاضلة الخلق وميزان تقويم البشر، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، ولكأن التقوى في كل شيء هي المثل الأعلى وهي الغاية القصوى. بل نجد في بعض الأشياء الأخرى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] . إذا جئنا إلى بعض القربات أو الأعمال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] . سبحان الله! تلك هي التقوى في التعريف المستقيم، والتقوى في معاملة الإنسان وما يرجع إليه من لباس التقوى، ومن زاد التقوى، ومن مقياس ورفعة وعزة التقوى.

стр. 363

التقوى وصية الله للأولين والآخرين ومن هنا كانت التقوى، وصية الله لجميع الأمم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] . لماذا الحث على التقوى؟ والندب على التقوى؟ كل ذلك لمن؟ (لو أن أولكم وآخركم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) . ولذا تجد قبل ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ [النساء:١٣١] قوله : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٣١] . وبعد ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ [النساء:١٣١] . كأنه يقول: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٣١] ومع هذا ﴿وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ثم يبين: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: بعدم التقوى، فاعلموا بأن ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٣١] ، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ بهذه التقوى فإن الله غني حميد، يعني: غني عن تقواكم، فإذا كانت الوصية للأمم قبلنا، ولنا من بعدهم فليس الله بحاجة إلى تقوانا، فهو غني عنا حميد بذاته . ومن وصيته سبحانه لمن قبلنا وإيانا نجد ابتداءً من نوح ﵇ في سورة الشعراء. انظر في كتاب الله، بعد عرض قضية قوم نوح معه يأتي إلى قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٠٦-١١٠] : هذا بيان من الله لموقف نوح ﵇ مع قومه، ثم بين موقفهم وما هو المطلوب من تقوى الله فيهم. أعتقد أن قضية نوح ﵇ مع قومه قضية واحدة وهي الشرك؛ لأن نوحاً ﵇ على ما قص الله سبحانه أنه مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى عبادة الله وحده. وكما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] أي: على التوحيد، فوقع الشرك، أي: فجاء نوح ﵇ ونهاهم عن هذا الشرك، وذكر الله ما واجهه به قومه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدَّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣] . فنوح ﵇ إنما كان يدعو قومه إلى التوحيد، ولهذا ذكر مع قومه أنهم كذبوه، وهذه جريمة قومه. يأتي بعد نوح ﵇ هود ﵇ وقومه. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٣-١٢٤] : ما قاله نوح لقومه قاله هود لقومه. أيضاً: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٥-١٢٦] كما قال نوح ﵇. ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء:١٢٧] كما قال نوح لقومه، ثم بين حياتهم وقوتهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨-١٢٩] أي: عدم الإيمان بالبعث. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾ [الشعراء:١٤٩] . وهذه علامة على القوة، ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] : عدم الإيمان بالبعث والإفساد والبطش في الأرض، تلك من جرائمهم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣١] كما قال نوح أيضاً لقومه. ثم يذكرهم بنعم الله عليهم: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ [الشعراء:١٣٢] : بماذا؟ ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء:١٣٢] بالذي أنتم تعرفونه، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٢-١٣٥] لماذا؟ لأنكم لم تشكروا نعمة الله التي أمدكم بها، ولأنكم تبطشون في الأرض بطش الجبارين. ثم ذكر سبحانه رد قومه عليه وعنادهم واستكبارهم فقال تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦-١٣٩] . ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٤٠] ، تتكرر هذه الجملة وهذه الآية في نهاية سرد السورة لقصة كل نبي مع قومه، وسيأتي التعليق عليها إن شاء الله. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١] أي: كما كذبت الأمم المتقدمة كذلك ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إذ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٤١-١٤٢] ثم قال كما قال نوح وكما قال هود ﵉. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٤٣] . وقال أيضاً ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٤٤] نفس الأسلوب والمنهج ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] . وأيضاً على أي أساس؟ على أساس ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٤٥] ، وهذا هو الذي قاله نوح لقومه وقاله هود لقومه أيضاً هنا قاله صالح لثمود. أتظنون أنكم ماذا؟ متروكون هنا وكفى؟! ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٤٦] . في هذه النعم ﴿في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء:١٤٧-١٤٨] في هذه الزروع وهذه الثمار والنخيل إلى غيرها؟! ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:١٤٩] . وكذلك تنحتون من الجبال بيوتاً. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٥٠] عوداً على التقوى بعد هذه النعم التي يذكرهم بها. ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء:١٥١] أول خطيئة لهم: أنهم يطيعون أمر المسرفين، وفعلاً أطاعوا أمر المسرفين المتجاوزين للحد، فعقروا الناقة، وما كان عقرهم للناقة إلا باتباع أمر المسرفين، ﴿هذه نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف:٧٣] ، تقترحون على الله أو على نبي الله صالح بأن يخرج الله لكم من هذا الجبل ناقةً عشراء؟ أي تعنت بعد هذا؟ فالله يحذرهم وينذرهم، فقالوا: لابد من هذه الآية، والله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، فإذا بالصخرة أو الجبل يهتز ويتمخض كما تتمخض الأنثى، وإذا بالناقة تخرج من بطن الصخرة. وكانت لهم آية ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥] . فماذا كان أمرهم مع الناقة؟ ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف:٧٧] سبحان الله! ثم قالوا لنبيهم متحدين ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٧٧] وإذا جاءكم به ماذا تفعلون؟ هؤلاء ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:١٥٢] ، إذاً: التقوى من الإفساد في الأرض، والتقوى من بطش الجبارين، والتقوى كذلك من كفران النعم، إلى آخر ذلك، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٥٩] . ثم يأتي ذكر قوم لوط، أيضاً ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٦٠-١٦١] نفس العبارة التي قالها من سبقه من الأنبياء: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٦٢-١٦٣] بطاعة ما جئتكم به، وأطيعوني فيما أرسلت به إليكم. ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء:١٦٤] كل هذه العبارات تتكرر في كل دعوات الرسل. ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] . وهنا يبين فاحشتهم، وماهية خطيئتهم؟ كما قال عن قوم عاد: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] ، وكما قال نبي الله صالح لقومه: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:١٥١-١٥٢] وهنا يبين الله تعالى خطيئة ال

стр. 364

حقيقة التقوى إذاً: حقيقة تقوى الله كما قال الحسن البصري وغيره، أو كما قال عمر بن عبد العزيز: (أن تجتنب ما نهى الله عنه، وتمتثل ما أمر الله به، وما زاد على ذلك من خير فهو خير) . أساس وأصل التقوى المطلوب هو: أن تجتنب المنهيات وتفعل المأمورات، وما جاء بعد تلك الواجبات من امتثال الأوامر واجتناب النواهي فهو زيادة خير. ولكن كما يقول السلف: إن من حقيقة التقوى أن يترك ما لا بأس به مخافةً مما به بأس. وكما يقول الآخرون: إن محاسبة الأتقياء لأنفسهم أشد من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، يحاسب على الصغيرة والكبيرة. ولذا كان الورع وكان الخوف من الله نابعاً عن التقوى. وجاء عن سعيد بن المسيب، حينما جاء إنسان وقال له: كيف التقوى؟ قال: أرأيت لو كنت تمشي في أرض بها شوك ماذا تفعل؟ قال: أنظر وأتجنب الشوك أن أطأ عليه. قال: كذلك التقوى، أن تتجنب المعاصي. فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء الزهاد العلماء الدعاة إلى الله ونَظَمها في هذه الأبيات: خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍِ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى يقول الحسن البصري: (التقوى لا تحصل إلا بسبق العلم) ؛ لأنك إذا لم تعلم ما تتقي ارتكبت المعاصي وفرطت في الواجبات، فمثلاً إذا لم تعلم حرمة الزنا ورأيت امرأة فلن تغض بصرك عنها، وإذا لم تعلم أحكام البيع والشراء وقعت في الربا، إلى آخر ما في الإسلام من فقه وحلال وحرام. ولهذا فأساس التقوى العلم والمعرفة ثم العمل، وهي منحة من الله ، كما قال بعض السلف: كثير من يتكلم بالتقوى، وقليل من يعمل بها. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتقين، وأن يرزقنا وإياكم ثمرة هذه التقوى.

стр. 365

ثمار التقوى وقد بين سبحانه أن أعلى منزلة للتقوى معية الله بتأييده ونصرته: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] . ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:٥٤] أين؟ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] . ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً﴾ [النبأ:٣١-٣٦] انظر! (عَطَاءً) ! لا تقل: بتقواي، لا. بل عطاء من الله، (حساباً) بمعنى: كافياً، ليس بمعنى: محاسبةً، أخذاً من قولك حينما يعطيك إنسان: حسبي حسبي، يعني: يكفيني، ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً﴾ [النبأ:٣٦] كافياً وافياً حتى يقول المعطَى: حسبي حسبي. وأظن أن هذا القدر كاف في التنبيه على هذه الجزئية من هذا الحديث وهي الوصية أو الفقرة الأولى: (اتقِ الله) . وبعد ذلك قال: (حيثما كنت) : (حيث) يقولون: إنها للمكان، وتكون للزمان، مثل: اجلس حيث جلس فلان، صلِّ حيث ينتهي بك الصف. كأنه ﷺ يقول ذلك لـ معاذ مشعراً إياه وهو خارجٌ من المدينة ذاهباً إلى اليمن؛ أن تقوى الله ليست في المدينة فقط، لنزول الوحي فيها، ولوجود الرسول ﷺ ، وللقرب من المسجد النبوي، لا. بل حيثما كنت، وهذا التعميم من خصائص التشريع في الإسلام، والتعميم هو: العموم والشمول، فإن كنتَ في أقصى العالم، وإذا ذهبتَ إلى القطب المتجمد الشمالي، وإذا طرت في مركبة فضاء، وإذا نزلت في غواصة تحت الماء، وإذا كنت في منجم تحت الأرض، وإذا كنت في أي مكان فاتقِِ الله حيثما كنت، لماذا؟ لأن الله مطلع عليك أينما توجهت، وأنت إنما تتعامل مع الله، ولذا خرج أصحاب رسول الله ﷺ إلى الأمصار ودعَوا إلى الله، ولما كتب بعض السلف إلى إخوانه في الشام: هلم إلى الأرض المقدسة، قال: إن الأرض لا تقدس أهلها؛ ولكن يقدسهم العمل. (اتقِ الله حيثما كنت) : وأيضاً (كيفما كنت) أي: على أية حالة تكون فيها مع الناس يجب أن يكون معيارك تقوى الله. وأعتقد أن المجال هذا واسع جداً، ولا يستطيع إنسان مثلي أن يوفي هذا الموضوع حقه فيما يتعلق بالتقوى؛ في تحصيلها وبيانها وآثارها. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] . ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥] . فجاء قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ) ثلاث مرات في سورة الطلاق وحدها. إذاً: أمر التقوى عظيم.

стр. 366

الوصية الثانية: إتباع السيئات بالحسنات يأتي بعد ذلك القسم الثاني من الحديث: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) : هو يوصيه بتقوى الله، والتقوى ليس معها سيئة؛ ولكن هل الإنسان معصوم؟! لا. ومع أنك تتقي الله كيفما كنت وحيثما كنت، فإن وقعت منك زلة، أو أسأت إساءة فأتبعها بحسنة، وفي بعض وصايا النبي ﷺ : (وإذا عصيت ربك في مكان فأطعه فيه) ، أي: المكان الذي عصيت فيه أحدث فيه طاعة؛ لأن المكان سيأتي ويشهد للإنسان أو عليه، فإذا جاء المكان وشهد عليك بمعصية يكون عنده شهادة لك بحسنة، فمن وصاياه ﷺ : (وإذا عصيت بمكان فأحدث به طاعة) . فقوله: (أتبع السيئة الحسنة) في أي شيء؟ في كل تصرفات الإنسان، أخطأت على شخص وأسأت إليه، تتبع هذا الخطأ والإساءة بإحسان. ما أثر الإحسان مقابل السيئة؟ إن الإحسان يمحو السيئة (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) . وقد ثبت مثل هذا في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وأخبره بما وقع منه وما كان بينه وبين امرأة، حيث جاء في بعض الرويات: (أصاب رجل من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ، فدعاه رسول الله ﷺ وقرأها عليه، فقال الرجل: يا رسول الله هذا لي خاصة؟! قال: بل لجميع أمتي) . وهذا من سعة فضل الله على هذه الأمة، ويقول العلماء في موجب ذلك: أن السيئة تكتب واحدة، والحسنة تكتب عشراً، والحسنات تقدر على محو السيئة؛ ولكن -والله- هو فضلٌ من الله أن ضاعف الحسنة، وفضلٌ من الله أن لم يضاعف السيئة، بل في بعض الآثار: أن ملَك الحسنات يبادر بكتابة الحسنة، وملَك السيئة حينما يريد أن يبادر يمنعه الآخر يقول: اصبر! لعله يتوب! لعله يستغفر! لعله. ! فإذا سوَّف وطال الوقت ولم يتب كتبها، فإذا استغفر وتاب ورجع، فالتوبة تجب ما قبلها. وقد بين مقابلة السيئة بالحسنة منك وعليك: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ؛ ولكنها منزلة عظيمة، ما كل إنسان يقدر عليها، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] .

стр. 367

الوصية الثالثة: حسن الخلق قال ﷺ : (وخالق الناس بخلق حسن) : الحديث جمع التقوى وجمع حسن الخلق، حسن الخلق ألفت فيه الكتب، وأدق ما في ذلك كتاب ابن مسكويه في فلسفة الأخلاق، يبحث عن الغرائز النفسية وأحوالها وعن نتائجها، فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه؛ ولكن يهمنا ما أوتيه ﷺ من مجامع الحكم مع جوامع الكلم. الله في كتابه الكريم يقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ. ﴾ [البقرة:١٧٧] . ويقول: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:١٨٩] . فجعل القرآن الكريم ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى. ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخره؛ هو البر، وهنا جعل البر التقوى، فكأن التقوى هي بر، أو أن البر بعموم أنواعه هو التقوى. وجاء الحديث: (البر حسن الخلق) : فلَكأن البر يتفق ويجتمع مع حسن الأخلاق ومع تقوى الله، ولذا جمع ﷺ الأمرين وهما القمة في التوجيه الإسلامي، وهما الذروة في مكارم أخلاق الإسلام: (اتقِ الله حيثما كنت) . (خالق الناس بخلق حسن) . ولعل هذا القدر يكفي. وأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم جميعاً إلى تقوى الله، وأن يجعلها غايتنا، وأن يملأ قلوبنا بتقوى الله وخوفه وعظيم رجائه، وأن يوفقنا وإياكم إلى اجتناب السيئات، وأن يعيننا وإياكم على فعل الحسنات، وأن يجملنا وإياكم بمكارم الأخلاق. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ ، الذي مدحه الله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] .

стр. 368

الأسئلة

стр. 369

حكم الإقامة في غير ديار الإسلام السؤال ما حكم الإقامة في غير بلاد المسلمين؟! الجواب لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أولاً: يا إخوان! من حسن الإسلام: استقلال ذاتية المسلم، ومن أهم استقلال ذاتية المسلم: ألَّا يقيم في بلد الكفر، وبلد الكفر قسمان: دار كفر وحرب. ودار كفر بغير حرب. ودار الحرب: هي التي تعلن الحرب على المسلمين، وبينها وبين المسلمين قتال. ودار الكفر فقط هي المهادنة التي لم تقاتل. وكلا البلدين لا يحق للمسلم أن يقيم فيها، وللعلماء في إقامة المسلم في دار الكفر -أي: بدون حرب- خلاف. إن كانت هناك مصلحة، كتجارة أو دعوة، والمقيم آمن على نفسه وماله وعرضه من أهلها، كما أن دار الإسلام يأتيها الشخص من دار الكفر لا من دار الحرب، فيأخذ الأمان لتجارة أو لحاجة بإذن ولي أمر المسلمين، فهو آمن على نفسه وماله مدةً محدودة، كما كان يفعل عمر رضي الله تعالى عنه، إذا كان يعطي تجار اليهود أو النصارى أو غيرهم كالمجوس ثلاثة أيام، يأتون يبيعون ما عندهم من التجارة ويذهبون، وقد يعطون أكثر حسب المصلحة، والرسول ﷺ قال في حق الكفار: (لا يسكن الإنسان في دار الكفر؛ لا تتراءا ناريهما) ، فإذا كان لحاجة وهو في مأمن فلا بأس، ومثل هذا ما نتج عن المعاهدات والقوانين الدولية الدولية في الوقت الحاضر، حيث أن من دخل بلداً بتأشيرة دخول فله حق الإقامة المحددة له في جوازه. فليكن المسلم مسلماً، وليكن كما كان السلف شمعةً يضيء ما حوله، وليعلم الجميع أن الإسلام لم يدخل إندونيسيا بقتال، وما حارب المسلمون في تلك البلاد أبداً، إنما دخلها بوجود المسلمين وبتميزهم بأخلاقهم وعباداتِهم. أما بعض الشباب وللأسف إذا جاء إلى أوروبا أو إلى آسيا أو غيرها من البلاد وجاء وقت الصلاة فإنه يستحي أن يقيم الصلاة ويصلي! لماذا؟ أين شخصية المسلم؟! الشخص إذا ذاب في غيره؛ ذاب معه دينه وعقيدته، فما قيمته إذاً؟! لا أريد أن أتطرق إلى أشياء يذيب بها شخصه قبل أن يغادر حدود بلده. لا. المسلم مسلم حيثما كان، والإسلام لا يرخِّص للمسلم في معصية أياً كان مكانه، أما إن كان ممن قال الله فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ، فهذا شيء آخر. فإذا كان يُكرَه في بلد الكفر على مخالفة أو ترك دينه، فلا يحق له أن يقيم، وتعينت عليه الهجرة، ولذا اختلف العلماء في حكم الهجرة هنا هل هي واجبة أو مندوبة؟ فبعضهم يقول: (لا هجرة بعد الفتح) ؛ ولكن إذا ضُيِّق عليه في بلد الكفر، ولا يستطيع أن يقيم شعائر دينه تعينت عليه الهجرة كما يتعين عليه أن يصلي ويصوم. والله تعالى أعلم.

стр. 370

حكم وضع المصحف على الأرض السؤال ما حكم وضع المصحف على الأرض؟! الجواب بعض الإخوة -للأسف- يريد أن يصلي فيضع المصحف أمامه على الأرض. وقد يقول الإنسان: الأرض طاهرة ونسجد عليها. فأقول: نعم؛ ولكن تعظيم القرآن وتعظيم حرمات الله: من تعظيم القرآن أن ترفعه وأن تكرِّمه. وحصل للشيخ محمد المختار -الله يغفر له- أنه كان في مسجد وقام يصلي، وجاء بجواره رجل وصف نعليه بين قدميه، ووضع المصحف على النعلين وقام يصلي. فقال: يا أخي! كيف تفعل هذا؟! قال: هما هطارتان وليس فيهما نجاسة. فقام وأخذ المصحف ووضعه في حجره، وأخذ النعلين ووضعهما على رأسه. فقال: كيف تفعل هذا؟ قال: أليست طاهرة؟ إذا كنت تشمئز من وضع النعلين على رأسك وهي طاهرة، وهما نعلاك أنت، فكيف تقرن بين النعلين والمصحف؟! تلك مسائل شفافة، ليس فيها حد هندسي، وليس فيها مسطرة؛ ولكن شعور وإحساس. والله الموفق. والسلام عليكم.

стр. 371

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [١]

стр. 372

مكانة ابن عباس عند رسول الله وعند الصحابة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: [عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسراً) ] . إن هذا الحديث العظيم، يبين مكانة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد اختص بخصائص من بين أصحاب رسول الله ﷺ ، ويطيل علماء الرجال والتراجم في ترجمة ابن عباس ﵄، فقد حظي بدعوة المصطفى ﷺ : (اللهم! فقه في الدين، وعلمه التأويل) ، وها هو في هذا الحديث غلام دون البلوغ، ويلقي عليه رسول الله ﷺ هذا الحديث العظيم، وقالوا: إن سبب دعوة رسول الله له، أنه كان ذات ليلة عند خالته ميمونة، ونام النبي ﷺ على طرف الوسادة، وجاء ابن عباس وهو غلام ونام على طرفها الآخر، فلما استيقظ النبي ﷺ من الليل، قام ودخل الخلاء، ثم خرج ﷺ فوجد أداوة من ماء عند باب الخلاء فقال: (من وضع هذا؟ قالت له ميمونة: وضعها ابن عباس) أي: أن ابن عباس فطن أن خروجه ﷺ يقتضي ماء لوضوئه، وهذا من الفهم والفطنة والفقه، فقال ﷺ : (اللهم! فقهه في الدين، وعلمه التأويل) ، والتأويل هو: التفسير. روى البخاري ﵀ أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يدنيه، وكان يدخله في مجلسه، وفيه شيوخ المهاجرين والأنصار، فرأى في وجوههم استنكار ذلك، وقالوا لـ عمر: كيف تدخل هذا الغلام، ولنا غلمان مثله لم نحضرهم؟ فجمعهم ذات يوم وسألهم، عن تفسير سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١-٣] ، فخاضوا في معانيها من ظواهر لفظها، فسأل عمر ابن عباس، فقال: إنها نعت لنا رسول الله ﷺ وهو بين أظهرنا، فوافقه عمر على ذلك، وظهر للناس فهمه لكتاب الله، وصاروا يرجعون إليه في ذلك.

стр. 373

طلبه للعلم في صغره نشأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه نموذجاً حياً لطالب العلم في كل زمان ومكان، ولزاماً على كل شخص يسلك طريق طلب العلم أن يدرس ترجمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ذكرنا في برنامج إذاعي أن تراجم الرجال مدارس الأجيال، وفي ترجمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما شب وصار يافعاً بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ذهب إلى أحد أصدقائه فقال له: هلم نجمع حديث رسول الله ﷺ ، فقال: أوترى -يا ابن عباس - أن الناس يحتاجون إلى ما تجمعه مع وجود كبار أصحاب رسول الله؟! فمضى ابن عباس في طريقه، قال ابن عباس: كنت أتبع الرجل الذي عنده حديث رسول الله من المسجد إلى بيته، وأستحي أن أوقفه في الطريق، فأتبعه وأقول: لعله يلتفت فيراني فأسأله، قال: مرة اتبعت فلاناً فلم يلتفت، ودخل بيته ولم يلتفت، ورد الباب دوني، وذلك بعد صلاة الظهر، قال: فجلست على باب بيته أنتظر خروجه، ووضعت ردائي على وجهي، والريح تسفي عليّ، فأخذني النوم، حتى خرج الرجل لصلاة العصر، فقال: ابن عباس على باب بيتي! قلت: نعم، جئت أسألك عن حديث كذا، قال: لو آذنتني فآتيك إلى بيتك! قال: إن العلم يؤتى إليه. وكان ابن عباس، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، يأخذ بركاب زيد بن ثابت وهو راكب، وابن عباس يمشي، فيقول له: إما أن تركب، وإما أن أنزل، فيقول: لستَ بنازل، ولستُ براكب، هكذا أمرنا أن نعظم علماءنا. هذا حال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في طلب العلم، ثم دارت الأيام، وصار صاحبه الذي قعد عن مرافقته في طلب العلم، يرجع إليه ويسأله عن أحاديث رسول الله ﷺ . وكان يفتي الناس بمكة، ثم إنه خرج من مكة وقال: لا أستطيع أن أسكن بلدة تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف فيها الحسنات، ولكني أتخذ من الطائف مسكناً، ثم أنزل إلى الناس يوم الحج، وبقي ساكناً في الطائف، وينزل مكة في وقت الحج. ولقد ذكروا من مناقبه رضي الله تعالى عنه أنه رأى جبريل ﵇ مرتين، وأن رسول الله ﷺ عندما أخبر بذلك فأخبر أنه سيفقد بصره، وقد ابتلي في آخر حياته بفقد البصر، قالوا: لأنه رأى جبريل مرتين، إحداهما لما جاء العباس يستأذن على رسول الله ﷺ ظهراً، فاستأذنه ثلاث مرات، فلم يأذن له، فرجع مغاضباً، وكان في بني هاشم بعض الحدة، فقال ابن عباس لأبيه العباس: يا أبت! لا تغضب فهو مشغول عنك بالرجل الذي كان يجلس إليه يحدثه، فقال: أوعنده رجل؟! قال: نعم، قال: ما رأيته! وأخذ بيد ابنه ورجع مرة أخرى إلى بيت رسول الله ﷺ ، فلما وصل استأذن فأذن له رسول الله ﷺ من أول مرة، ولم يكن هناك رجل، فقال العباس: (يا ابن أخي! ما بالك استأذنتك ثلاث مرات فلم تأذن لي؟ قال: ما علمت، قال: إن هذا الغلام يقول: إنك كنت مشغولاً برجل عندك، وما رأيت عندك أحداً، فالتفت ﷺ إلى عبد الله وقال: أرأيت الرجل يا غلام؟! قال: نعم، قال: ذاك جبريل ﵇ .

стр. 374

سرعة حفظه ومناقب ابن عباس وافرة، ويهمنا منهجه في العلم والتعليم، ولقد كانت له بمكة مدرسة نشأت عنه، وكذلك في البصرة، وانتشر علم ابن عباس بتلاميذه رضي الله تعالى عنهم، وجزاهم الله عنا أحسن الجزاء. ها هو ابن عباس ينظر إليه رسول الله صلى الله وهو غلام، فيرى فيه الفراسة، ويرى فيه الأهلية، لكي يلقي عليه هذا الحديث، وكان ابن عباس يحفظ من أول مرة، فلقد ذكر علماء الأدب، مثل الرافعي في تاريخ الأدب أن ابن عباس كان جالساً عند الكعبة، وعنده بعض الخوارج من أهل الشدة والشوكة، فإذا بـ عمر بن أبي ربيعة يمر عليه، فقال عبد الله: هيه هيه يا عمير! هل من جديد؟ فقال: نعم، وأنشده قصيدة من تسعين بيتاً، فلما انتهى قال الخارجي: يا ابن عباس! أما تخشى الله فينا؟ جئناك عند بيت الله نسألك عن الحلال والحرام، فتتركنا وتسمع لهذا الشاعر الماجن! أوأعجبك شعره؟! قال: نعم، وحفظته، قال: أحفظت ما قال؟! قال: نعم، وإن شئت أعدته عليك منكسّاً فعلت، قال: نعم -والله- شئت، فأعاد عليه القصيدة، وبدأ من آخر بيت فيها حتى جاء إلى أولها، وهذا يدل على عظم ذاكرة ابن عباس، فالرسول ﷺ خصه بهذا الحديث عندما رأى فيه أهلية التعليم، فألقى عليه هذا العلم. ويذكر علماء الحديث مسألة: الغلام الذي دون البلوغ هل يعتمد على روايته؟ يقولون: إن العبرة في رواية الحديث بوقت الأداء؟ فلو أن غلاماً سمع ووعى، ثم أدى ما سمعه بعد البلوغ، كانت روايته حجة، ولو أن كافراً مشركاً سمع وقت الكفر والشرك ثم أدى بعد الإسلام كانت روايته معتمدة؛ لأنه عند الأداء مؤتمن على ما يؤديه، وهكذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه حفظ هذا الحديث العظيم.

стр. 375

تحمله لهذا الحديث وهو غلام وقوله: (يا غلام) ، ما سن الغلام؟ يقولون: من أول ولادته إلى قبل الاحتلام، هذا لغة واصطلاحاً، وقد يطلق الغلام على اليافع الأشد إذا بلغ الأربعين سنة، كما قالت الخنساء: غلام إذا هز القناة سقاها. ولا يستطيع أن يسقي القناة بدماء الأعداء إلا القوي الأشد. إذاً: غلام هنا على بابها اللغوي الأصلي، وهو: ما كان دون البلوغ؛ لأن ابن عباس ولد قبل الهجرة بعدة سنوات، وكان مع النبي ﷺ في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، وكان ممن قدّمهم رسول الله ﷺ مع الضعفة، ويقول عن نفسه: (وكنت معهم حينئذٍ، وجاء رسول الله ﷺ إلينا فضرب على أفخاذنا، وقال: يا أغيلمة بني هاشم! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) ، فكان غلاماً أو أغيلماً حينما نزل مع الضعفة من الحجاج حين حج النبي ﷺ ، فكان في سنة عشر من الهجرة غلاماً مع الضعفة والنسوة، ووعى هذا الوعي وهو غلام، وأخذ عنه العلماء هذا الحديث، ورواه الترمذي وغيره بروايات مختلفة، فحديثه موضع قبول عند العامة والخاصة. يقول رضي الله تعالى عنه: (كنت خلف النبي ﷺ ، وهل كان راكباً أو ماشياً؟ جاء في بعض الروايات: (كنت رديف النبي ﷺ أي: راكباً خلف النبي ﷺ ، قالوا: كان راكباً على حمار، وقيل: على بغلة أهداها إليه المقوقس، وأخذ من ذلك يستنتج العلماء جواز الإرداف على الراحلة إذا كانت تحتمل ذلك، وقد جاء في حديث معاذ قال: (كنت رديف النبي ﷺ بهذا التصريح، فقال: (أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟) إلى آخره.

стр. 376

معنى قوله: (أعلمك كلمات) قال: (يا غلام!) ، فيه جواز نداء الغلام بوصفه، وإن كان يُعلم اسمه وعلمه، (إني أعلمك كلمات) أي: كلمات معدودات، موجزة، والتحفيظ والتعليم سواء، ثم بدأ ﷺ يفصّل المجمل من الكلمات، والكلمات: جمع كلمة، والكلمة: تطلق على اللفظ، كما قال الناظم: كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كَلِمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم فالكلمة تطلق على أحد أقسام الكلام، فإذا قلت: (قد) فهي كلمة، وإن كانت حرفاً، وإن قلت: (جاء) فهي كلمة، وإن كانت فعلاً، وإن قلت: (زيد) فهي كلمة وإن كان إسماً، فكل واحد من هذه يقال لها: كلمة، والموضوع الطويل الذي تخطب به في أمة يقال له أيضاً: كلمة، فيقال: ألقى فلان كلمة، ونشر فلان كلمة، فكلمة تطلق على اللفظ المفرد، وتطلق على مجموع الكلام، فكلمة الإخلاص هي: لا إله إلا الله، وهي عدة ألفاظ وسميت: كلمة، وهنا قال: (أعلمك كلمات) جمع: كلمة، فهي جُمل، وكل جملة من تلك الجمل، يقال لها: كلمة.

стр. 377

معنى قوله: (احفظ الله يحفظك) (احفظ الله يحفظك) ، يحفظك جواب فعل الأمر، أي: احفظ الله فإن تحفظه يحفظك، (احفظ الله تجده تجاهك) ، الفعل واحد، وأسند مرتين: مرة إلى العبد، ومرة إلى المولى سبحانه، فما هو الحفظ بالنسبة إلى العبد؟ وما هو الحفظ بالنسبة إلى الله ؟ قالوا: المراد بقوله ﷺ : (احفظ الله) ، ما يدل عليه الحال، وقرائن الحال، أي: احفظ الله في أوامره ونواهيه وحقوقه عليك؛ لأن الله غني عن حفظك ، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فهو الحافظ الحفيظ للعالم كله.

стр. 378

حفظ الله في أسمائه وصفاته فأنت أيها العبد مطالب أن تحفظ الله في كل شيء، فيما توجه إليك من أوامره، وفيما توجه إليك من نواهيه، ومما يجب له عليك أن تحفظه من أن تنسب إليه ما لا يليق بجلاله، فحفظ العبد لربه في ذات الله بأن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فإذا عطل شيئاً مما وصف الله به نفسه، أو عطل شيئاً مما وصفه به رسوله ﷺ ، فما حفظ الله في ذاته، ولا في صفاته، فأول شيء تحفظ الله في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، فتصف الله بكل ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، كما قال الشافعي ﵀: نؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، ونؤمن برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ ، وكما قال ابن تيمية ﵀: نحن مأمورون بإيمان إثبات، لا بإيمان تكييف قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . فأول واجب على العبد في حفظه لله، أن يحفظه سبحانه فيما وصف به نفسه فيصفه به، وفيما نزه عنه نفسه فينزهه عنه، فإذا عطل صفة من صفاته، أو أسند إليه ما لا يليق بجلاله، فإنه لم يحفظ الله، فأول باب في هذا الحديث، وأول واجب في هذا الموضوع، أن يحفظ العبد ربه فيما وصف به نفسه، وفيما نزه عنه نفسه ﷻ .

стр. 379

حفظ الله في العبادات بعد هذا يحفظ الله فيما توجه إليه من ربه سبحانه من العبادات والمعاملات، وكل ذلك تشريع من الله، فمثلاً فرض الله على العباد الصلوات كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، فالواجب على العبد في الصلاة أن يحفظها كما قال الله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] ، وقال ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن حفظهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن ضيعهن لم يكن له عند الله عهد، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) ، فالصلاة من العبادات، وقس عليها غيرها، وقال الله كما في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به) وجاء في الحديث: (الصوم جُنة ما لم يخرقها) والجُنة: ما يقي الإنسان، ويجنه من الأعداء، وتكون وقاية بينه وبين الآخرين، فإذا خرّق هذه الجُنة؛ توجهت إليه السهام من تلك الخروق، (قيل: بم يخرقها يا رسول الله؟! قال: يسب هذا، ويغتاب هذا، ويظلم هذا) ، فالجنة كانت من الخير وفعل الخير، وهو مزقها بأفعال الشر. وفي الزكاة قال : ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، وقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، فالذي أتبع الصدقة بالمن، وأساء في إعطاء الزكاة، هل حفظها أم ضيعها؟ ضيعها وأبطلها بما أتبعها من المن على المسكين الذي دفعها إليه، ولماذا تمن عليه؟ هل ولدت ومعك هذا المال؟ هل هو حق لك من أجدادك وآبائك؟ المال مال الله، وجعله الله وديعة في يدك، وهو قادر أن يأخذه منك ويسوقه إلى غيرك، ويأخذ من غيرك ويسوقه إليك، وإنما هو ابتلاء وامتحان. والحج كذلك يحفظ في نيته وقصده، وفي أعماله، فيقيم المناسك، ويعظم شعائر الله وغير ذلك. فكل العبادات حفظها أداؤها كما أوجب الله ، فمن حج من مال حلال، وزاد حلال، فإذا وضع رجله في الغرز، وقال: لبيك اللهم لبيك! قيل له: لبيك وسعديك، حجك مبرور، وذنبك مغفور. وإن حج بمال حرام وزاد حرام، فوضع رجله في الغرز، وقال: لبيك، قيل له: لا لبيك ولا سعديك، ارجع مأزوراً لا مأجوراً، ما الفرق بين هذا وهذا؟ هذا ماله حلال كما أوجب الله، وهذا ماله حرام مما نهى الله، فكيف يأتي بيت الله بما حرم الله؟ فكأنه يجاهر بالمعصية، ويتحدى الله في بيته بماله من الحرام.

стр. 380

حفظ الله باجتناب المعاصي وهكذا من حفظ الله ترك المحرمات والمعاصي، فلا يقدم عليها عمداً، بخلاف من زلت به قدمه، والإنسان غير معصوم، وبعدما تزل به القدم في المعصية، يحس بأوساخه فيقوم فينفض الغبار عنه، ويغسل درنه بتوبة واستغفار، فهذا عبد الله حقاً. أما إذا كان لا يبالي بما وقع فيه، ولا يخشى الله، ولا يخاف مما وقع فيه من الذنب، ولا يستحيي من الله، وقد جاء في بعض الأحاديث: (استحي من الله كما تستحيي من رجلين من ذوي المروءة في قومك) ، وجاء في الحديث القدسي: (لا أكون أهون من تستحيي منهم!) ، أي: تستحيي من الناس ولا تستحيي من الله!! فجعلت الله في نظرك أهون من الناس! نسأل الله السلامة والعافية، وليس هناك إنسان معصوم، ولكن يجب على العبد إذا سقط، أن يتوب، مثل إنسان ماشٍ في الطريق تعرقلت رجله في عود فسقط على الأرض، فهل يظل على سقطته أو ينهض ويزيل السبب الذي أسقطه حتى يمضي في طريقه سالماً؟ فيجب على العبد إذا زلّت به القدم، ووقع فيما حرم الله عليه، أن يسارع في الرجوع إلى الله، ويستغفر من ذنبه، ويغسل الخطيئة بهذه الحسنة، كما تقدم في الحديث الماضي: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) . فقوله: (احفظ الله) هذا هو حفظ العبد لله ، والجزاء من جنس العمل، فمقابله (يحفظك) ، كما قال الله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] ، يحفظونه من كل سوء يخشى منه، ولولا هؤلاء الحفظة المعقبات لتخطفتهم الجن، ولاجتالتهم الشياطين عن الأرض، فقوله: (يحفظك) أي: حفظ أمن، وهناك حفظ أعظم منه، فإذا حفظت الله في حقه، وفي أسمائه وصفاته، وفي أوامره ونواهيه؛ حفظك أن تهدم ذلك، وحفظك من أن تقع في السوء، وحفظك من أن تحيد عن الطريق، وحفظك على الجادة السوية، وحفظك على الصراط المستقيم، وحفظك أن تتلاعب بك الشياطين، وحفظك أن تميل بك الأهواء، وحفظك من وساوس النفس، وحفظك من كل سوء لا ترضاه، فيعاملك بالمثل؛ فإذا حفظت الله في ذاته حفظك في بدنك وفي ذاتك، وإذا حفظت الله في أوامره ونواهيه حفظك في سلوكك، وحفظك عن المعاصي، مثل يوسف ﵇ في ذلك الموقف الرهيب عندما غلقت سيدته الأبواب كلها وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ، أي موقف أشد حرجاً من ذلك؟! وهو في بيتها محكوم عليه، وهي سيدة الموقف وملكة، فماذا كان الموقف؟! حفظ الله فحفظه، قال الله: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] ، والله هو الذي كشف له هذا البرهان، وكانت رؤيته لبرهان ربه هي سبب الوقاية والحفظ عن أن يقع فيما يراد منه. وهكذا لو نظر الإنسان في تاريخ الأمم، وفي الأحداث، وفي حياته، فلابد له من موقف مر به، أو مأزق وقع فيه، ولم يقدر أحد على إنجائه وحفظه إلا الله سبحانه، وشعر بنعمة الله عليه في ذلك.

стр. 381

معنى قوله: (تجده تجاهك) ثم قال: (احفظ الله تجده تجاهك) تجاه ويقولون: وجاهه، فأصل التاء من واو، يقال: فلان اتجه إلى كذا، أصلها من الوجه، فاتجه بمعنى اوتجه، والواو إذا جاءت بعدها تاء الاستفعال تبدل تاء وتدغم التاء في التاء، مثل: اتقى، أصلها: اوتقى، فالواو أبدلت تاء، وأدغمت التاء في التاء، فأصلها: (تجد الله توجاهك) ، فالاتجاه هو قصد العبد، وأخذ من الوجه أساساً؛ لأن القاعدة في اللغة العربية أن أصول موادها يوضع للمادة المحسوسة، ثم يُنقل إلى الأمور المعنوية، فالوجه مادة محسوسة، والوجهة أمر معنوي، كما قال الله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] ، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فالوجهة هي: الجهة والمقصد. وقوله: (احفظ الله تجده تجاهك) ليس معناه: أمامك وليس وراءك، أو ليس يمينك، أو ليس يسارك، لا، إنما المعنى: تجد الله في كل اتجاه لك تقصده، سواء كان قصداً محسوساً، أو كان قصداً معنوياً، فلو اتجهت إلى طلب العلم تجد الله تجاهك، ولو اتجهت إلى فتح محل للتجارة تجد الله تجاهك، ولو اتجهت إلى حرث أرض لتزرعها تجد الله تجاهك، ولو اتجهت إلى صنعة تحكمها تجد الله تجاهك، وهكذا بصفة عامة؛ ونحن نعلم أن العبد مهما كانت وجهته فهي تحت سلطان الله، لكن المراد بهذا أنك إذا حفظت أوامر الله -على الوجه الذي بينا- كان الله معك في كل أحوالك.

стр. 382

معية الله وقيل: تجاهك بمعنى: معك، والمعية من الله على قسمين: معية عامة لجميع الخلق، قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [المجادلة:٧] فهذه معية عامة، فلا يخفى على الله من خلقه شيء، ولا يغيب عن علمه وعن نظره شيء فهو مع الجميع. ومعية خاصة: وهذه المعية الخاصة لمن أحبهم الله، أما من لم يحبهم فيتركهم، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل:١٢٨] ، وغير المتقين لا يستحقون هذه المعية، وقال: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، ولما قال قوم موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] . إذاً: قوله هنا: (تجده تجاهك) المقصود بها المعية الخاصة، فالله مع المتقين معية خاصة، وكان مع موسى وقومه معية خاصة، وكان مع النبي ﷺ والصديق وهما في الغار معية خاصة، وقد قال النبي ﵊ لـ أبي بكر: (ما بالك باثنين الله ثالثهما؟!) ، فجاء العدو لينظر، فإذا به تُعمى بصيرته، ويكذب نظره، ويرجع خائباً، والأثر قد دخل إلى الغار، وأمامهم حمامة باضت، وعنكبوت نسج، ونبات نبت، فقالوا: كيف يدخلان في هذا الغار وهذه الآثار موجودة؟! فردهم الله بنسج العنكبوت البالي المهين الضعيف، مع حقد قلوبهم، وسيوفهم بأيديهم، ويقول الصديق: والله! لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا، فقال ﵊: (ما بالك باثنين الله ثالثهما؟!) ومن كان الله معه فلا يخاف أحداً، ومن يتخلى الله عنه فهل يأمن من الله؟! لا، والله! إذاً: المعية الخاصة هي: معية التكريم، ومعية النصر، ومعية الحفظ، ومعية التأييد، ومعية التوفيق، ومعية السعادة في الدنيا والآخرة، ومن حفظ الله لرسوله ﵊ ما أخبر به الصديق رضي الله تعالى عنه أنه كان جالساً عند رسول الله في مكة لما نزلت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ، فجاءت زوجة أبي لهب ومعها فهر، أي: حجر كبير في يدها، وهي تبحث عن رسول الله ﷺ ، فقالوا لها: هو مع أبي بكر في ذلك المكان، فلما جاءت رآها أبو بكر من بعيد فقال: (يا رسول الله! فلانة جاءت وبيدها فهر، أخشى عليك منها، فقال: لا تخف إن الله منجيني منها!) ، وقرأ ﷺ آيات من كتاب الله، فجاءت ووقفت على أبي بكر فقالت: أين محمد؟ أين صاحبك؟ وهو جنبها!! قال الله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥] ، وجاء في بعض كتب البلاغة المتأخرة في قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى: ساتر، مفعول بمعنى: فاعل، ولو كان مستوراً بمعنى ساتر، فهل رأت الحجاب؟! ما رأته، إذاً: مستور على الحقيقة لا على المجاز، فهو ساتر ومستور، ولو كان حجاباً مستوراً بمعنى ساتر، لكان ظاهراً لها، والمعجزة في كونه مستوراً، ومعنى ساتر يفهم من كلمة حجاب؛ لأن الحجاب للحجب والستر، فجمع القرآن بين المعنيين: فهو ساتر ومستور في وقت واحد، والمعجزة في كونه مستوراً عن عينيها. ولما خرج ﷺ من بيته ليلة الهجرة، كان على باب بيته عشرة رجال، ليس فيهم امرأة، ليس واحداً، ولا اثنين، بل عشرة رجال بسيوفهم قائمين على باب بيته ينتظرون خروجه ليقضوا عليه بضربة رجل واحد، لكن معية الله كانت مع رسوله في ذاك الوقت، فخرج عليهم علانية، وأخذهم النعاس، وأعمى الله أبصارهم، وقرأ الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] ، وأخذ التراب من تحت أقدامهم، ووضعه على رءوسهم، فمن كان الله معه فلا يخشى أحداً، (احفظ الله تجده تجاهك) . فينبغي للعاقل أن يفكر، فالفلاسفة أو علماء الاجتماع يقولون: الإنسان مدني بطبعه، بمعنى: لا يعيش وحده، فأنت لا تستطيع أن تعمل كل شيء وحدك؛ من زراعة، ونسيج، وصناعة، فالثياب التي تلبسها لا تستطيع أن تغزلها، فلابد من جماعة من البشر تتعاون على الحياة، لقمة العيش لا تصنعها وحدك، فحرث الأرض، يحتاج إلى محراث، والمحراث يحتاج إلى ورشة تعمل الحديد، وهكذا الآلات والمكائن تحتاج إلى ورشة وعمال، وعند الحصاد تحتاج إلى منجل ليحصد، وهكذا فلا تطحن وتعجن وتخبز إلا وآلاف الأيدي قد عملت معك، فأنت لن تستطيع أن تعيش وحدك، ولابد أن يكون لك مُعين، وأنت بين أحد أمرين: إما أن تتخذ معينك رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء، وإما أن تتخذ معيناً يحتاج إلى من يعينه، فالعاقل قبل كل شيء يجعل وجهته إلى الله، فإن كان في عبادة فليخلصها لله، وإن كان في عمل مع خلق الله فليعامل الله، وهذا من قبيل الصدقة، كما قال الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] ؛ لأنك بإعطائك المسكين الذي لا يستطيع أن يكافئك، فإنما تعطي الله، وتدخر الأجر عند الله، وهذا رصيد مضمون، الحسنة بعشر، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] .

стр. 383

معنى قوله: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) وقوله: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) هو بمعنى: (احفظ الله تجده تجاهك) ، وكل إنسان معرض لرخاء وشدة، وكما جاء في كتاب الله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٦] ، فإذا كنت تتعرف إلى الله في الشدة فقط؛ فأنت أناني، وإذا كنت تتعرف إلى الله في الرخاء؛ فأنت شاكر النعمة، وإذا أنعم عليك تعرفت عليه وشكرته، والشخص الذي يشكر النعمة خير من الأناني الذي لا يعرف المنعم إلا وقت الشدائد. هذا الحديث يعطينا أحوال الحياة، فأنت لابد أن تتقلب بين شدة ورخاء، ورب العزة سبحانه هو ملجؤك في الشدة، وهو معينك في الرخاء، فإذا كنت تتعرف إلى الله في الرخاء، فتعرفك شكر للنعمة، وهذا يزيدها، وقد كان الرسول ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فهل العبادة التي جاءت بعد هذا الإخبار أعظم أم العبادة التي قبل الإخبار، وهو يرجو رحمة الله؟ التي قبلها فيها طلب ومعاوضة، لكن التي بعدها محض شكر، ولذا قال لـ عائشة حينما كلمته في ذلك: (أفلا أكون عبداً شكوراً؟!) . إذا كان لإنسان عليك منّة، ثم دقمت له يداً أو شيئاً، فمهما كان الذي تعطيه فأنت في ظل التي له عليك، لكن إذا لم يكن له عليك يد، وقدمت له شيئاً لغير مقابل من قبيل حفظ العهد؛ فهذا أكمل، فإذا كنت تتعرف إلى الله في الرخاء، فهذه معرفة شكران، لا أقول: صحبة أو صداقة، بل أقول: معرفة شكران لنعم الله، وتعظيم الله دليل على محبتك لله؛ لأن محبتك لله هي التي ربطتك بالله، وإن كنت تشعر أنك لست في حاجة إلى أن تسأل الناس شيئاً، لكن العبد لا يستغني عن الله لحظة، كما أوصى الرسول ﷺ عندما طلبت فاطمة منه خادماً؛ لأنها تعبت من العمل على الرحا، واشتكت لـ علي فقال: سمعت أن النبي ﵊ أتي بجوارٍ وعبيد، فاطلبي منه خادماً، فطلبت منه ذلك، فقال: (ما يمنعك أن تفعلي ما أوصيك به؟ تقولين دبر كل صلاة: يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله) ، والله! لو وكل الله العبد لنفسه طرفة عين لخر ميتاً هامداً، فالقلب إذا توقف لحظة يموت الإنسان؟ والدماغ إذا توقف لحظة أصيب بالشلل والموت، فالله سبحانه يرعى هذا العبد وهو غافل، وإيمانه ينقص وهو غافل، والمولى يدبر قلبه ويحركه، ولولا ذلك لخر ميتاً. فحينما تكون في الرخاء تفعل الخير لوجه الله شكراً لله على نعمه، ولا تقوى أن تقطع نفسك عن الله، وصارت صلتك بالله كأنها سجية، فإذا جاءتك شدة، فمن كنت متعرفاً إليه سابقاً بالشكر هل يتخلى عنك؟ لا يمكن أن يتخلى عنك؛ لأنك ما تخليت عنه وقت السعة، فلا يتركك أبداً وقت الشدة، والله! لو كان لك صديقك دائماً تغدق عليه بالخير بدون منة له عليك، فإذا رآك في شدة فإنه من باب المروءة يفزع لك، فإذا كان الأمر فوق هذا، فكنت توليه بخيراتك دائماً، فإذا شعر أنه ألمت بك حاجة، فكم يبادر إليك، وهو إنسان، فما بالك بفضل المولى سبحانه؟ فالعبد ينبغي أن يكون عاقلاً، قال بعض علماء السلف: الكيس من كانت له عند الله خبيئة سر، كل واحد منا سيرجع إلى بيته، ويضع رأسه على الوسادة، ويطفئ الأضواء، ويغمض العينين، فليحاسب نفسه، كم له من خبيئة سر عند الله؟ وكم عليه من غدرة مع الله؟ وكم عليه من سيئة؟ وكم له من حسنة لا يعلمها إلا الله؟ فحاسب نفسك ساعة فيما لك وما عليك، وعد السيئة والحسنة حتى تنجو، فالتاجر الحاذق ما يبيت ليلة إلا وقد كتب حسابه الذي له والذي عليه، حتى يعرف مكسبه من خسارته، فالإنسان منا لماذا لا يحاسب نفسه على هذا؟ يا إخوان! هذا الباب واسع، ويصعب عليّ أن أطيل فيه، ولكن أكتفي بهذا القدر.

стр. 384

قصة الثلاثة النفر الذين آواهم المبيت إلى غار قال ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهو لا ينكرك في الشدة بل يعرفك في الشدة، معرفة خير، ومعرفة رحمة، ومعرفة إنقاذ، كما جاء في الحديث الثابت الصحيح: (أن ثلاثة نفر آواهم المبيت إلى غار، فتدحرجت صخرة وسدت عليهم فم الغار) ، نتصور ثلاثة رجال داخل الغار، وصخرة كبيرة على فم الغار، وهم لا يستطيعون دفعها، لو كنت أنت واحداً من هؤلاء الثلاثة، ما إحساسك تجاه هذا؟ لو كنت في بيتك وجاء أحد الأولاد وأغلق الباب عليك ظاناً أنك غير موجود، فقمت لتفتح الباب فإذا بالباب مغلق عليك! فضربت الباب لكن لم يفتح لك أحد، فعندها ستقلق وتغضب وأنت في بيتك وعندك فراشك، وبعد قليل سيأتون إليك، وعندك أمل في مجيئهم ولو بعد يوم، ولو علمت أن الغيبة طويلة فيمكن أن تكسر الباب، لكن هذه الصخرة ما يمكن أن تكسر، فتصوروا شعورهم بالموت وهم أحياء، وإحساسهم أنهم قبروا وهم أحياء، وليس هناك هاتف، وليس هناك تلكس، وليس هناك جرس، وليس هناك أي وسيلة للإعلام عنهم، انقطعوا عن العالم كله، ولا يقوى العالم كله أن يعلم بحالهم، فماذا كان موقفهم؟ (قالوا: ليس لنا إلا أن نرجع إلى الله) وبأي شيء يرجعون؟ بسود الصحائف الأولى، أو بخبيئة السر؟ في هذا الموقف هل رجعوا بعدم تعرفهم إليه في الرخاء، وبنسيانهم ذكر الله في تلك الحالات الواسعة، وفي ذلك الفضاء، أو رجعوا إلى الله بما كان لهم عند الله من صالح الأعمال السابقة؟ تساءلوا: هل يعلم بحالهم أحد ممن لهم به صلة؟ ثم أيقنوا أن كل من يعرفهم يجهل حالهم إلا الله سبحانه، فقالوا: فتشوا في دفاتركم، وفتشوا عن خبايا أسراركم مع الله، فقاموا بالتوسل بالعمل الخالص لله لا بعمرو ولا بزيد، ولا بكبير ولا بصغير، فقام أحدهم يقول: (اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان كبيران، وكنت آتي بالحليب في المساء فأسقيهما، ثم أسقي أولادي، وفي يوم نأى بي المرعى، فجئت متأخراً، فحلبت لهما فإذا بهما قد ناما، فكرهت أن أوقظهما، وأولادي صغار يتضاغون جوعاً عند قدمي، وكرهت أن أقدمهم عليهما، فقمت بالإناء عند رأسيهما أنتظر قيامهما حتى طلع الفجر! اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه) ، ماذا تقولون في هذا التوسل؟ ماذا تقولون في هذا العمل؟ ما قعد إلى أن يستيقظا وينادياه، وما سقى الأولاد، وما قال لهم: اشربوا بكيفكم فمن نام تركناه! ولم ينقض عليهما نومهما، بل تركهما في راحتهما ما إلى أن استيقظا بنفسيهما فسقاهما، فهذا العمل شديد، وليس بسهل، (فانزاحت الصخرة قليلاً) أي: تحركت، وظهر لهم أثر الدعاء، فهم -إذاً- على طريق صحيح، وفي عمل سليم، فقام الثاني وقال: (اللهم! إنه كان لي أجير، يعمل لي وأعطيه أجره يومياً، فأعطيته أجره يوماً قدحاً من شعير فاستقله، ومضى مغضباً، فنميته له، وبعد سنوات جاء وقال: أعطني ذلك الأجر، فقلت: اذهب إلى بطن الوادي، وخذ ما فيه فإنه أجرك! فقال: أتسخر مني؟ الوادي مليء بإبل وبقر وغنم، قال: والله! هو أجرك، فإني نميته لك، فذهب فأخذ كل ما رأى، ولم يترك شيئاً، اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانزاحت الصخرة قليلاً -جزءاً آخر- وقام الثالث فقال: اللهم! إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجل المرأة، فراودتها عن نفسها؛ فامتنعت حتى أخذتها السنون، -أي الشدة- فجاءت تطلب مني عشرين ديناراً، فقلت: ذاك الذي تعلمين، فامتنعت، ثم أجابتني لشدة الحاجة، فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة، غطت وجهها وقالت: يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وتركت لها المال، اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانزاحت الصخرة، وخرجوا يمشون في الأرض) . هذا خبر رواه رسول الله ﷺ ، ووالله! لولا خبر رسول الله ﷺ لكان العقل يتوقف في تصديقه، ولكنه خبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، فهذه نتيجة التعرف إلى الله في الرخاء، وجدوها عند الشدة، والعجيب أن هذا الحديث يجمع ثلاث حالات: واحدة اجتماعية في بر الوالدين، وواحدة أخلاقية في العفة عن المرأة، وواحدة اقتصادية فيما يتعلق بالأجير، فكأنه جمع أطراف العلاقة بين العبد وبين ربه، وبين العبد وبين الخلق، وهذا الباب واسع.

стр. 385

قصة يونس ﵊ في بطن الحوت وهناك نماذج أخرى في ذلك، فنبي الله يونس ﵊ كما قال الله عنه: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤١-١٤٤] ، فيونس ﵇ كان كثير التسبيح قبل أن يأتي إلى البحر، فلما ألقي في البحر، والتقمه الحوت، تداركه الله بسبب تسبيحه من قبل، وهذا مصداق قوله ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) .

стр. 386

قصة عجيبة لرجل من المتأخرين ونورد قصة لو لم نسمعها من الثقات لما أبحنا ذكرها، وهي في الواقع نموذج من آيات الله التي يسمعها العبد فيزداد يقيناً بالله ، ولقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يشاهدون الآيات والمعجزات، فيزداد في يقينهم بالله، وإيمانهم بوعده سبحانه، وهذه القصة من هذا القبيل، تنفع كل مسلم يتعامل مع الله، وهي: أن رجلاً من وادي الدواسر في المملكة خرج في السيل يطلب الماء، فما وجد ماءً في الآبار التي حوله، وكان تحت الجبل مغارة يقال لها: الدحل، وهي معروفة عند أهل تلك الناحية، وإذا جاء المطر وجرى السيل غمرها الماء، فيمكث فيها السنة والسنتين، لكنها في متاهة ومفازة، فهي تحت الجبل، في ظلام دامس، وطرق متعددة، ولا يدخلها إنسان إلا بدليل، وبضوء أو بحبل يربطه على فم الدحل، وهذا الرجل دخل بدون شيء، فلما أبعد قليلاً وجد نفسه قد ضاع، فجلس، وعلم أن أهله سيأتون يبحثون عنه في هذا الدحل، وأخذ أهله يبحثون عنه أربعة عشر يوماً، في الآبار، وفي الغيران، وفي الكهوف، فما وجدوا شيئاً، وأخيراً قالوا: نذهب إلى الدحل، فجاءوا وبطريقتهم العادية، يأخذون ثوباً من القماش، ويشقونه على عرض الكف، ويشبّعونه بالشحم، ويلفه رجل على وسطه، ثم يشعل النار في طرفه كالشمعة، ويأخذ حبلاً، ويدخل إلى الدحل، والناس ينتظرونه في الخارج، فمشى رجل منهم كذلك، فلما دخل قليلاً إذا به يرى شبحاً من بعيد جالساً، فناداه: أنت فلان؟ قال: نعم، أنا فلان، فجاء إليه، وخرج به، وذهبوا به إلى بيته، وسألوه: متى جئت إلى الدحل؟ قال: من يوم خرجت من عندكم! قالوا: أربعة عشر يوماً؟! قال: نعم، قالوا: كيف عشت هذه المدة كلها؟! قال: قبل أن أجيبكم أخبروني ماذا فعلتم في منيحة أيتام فلان؟ والمنيحة عند العرب أن يكون عندك شيء من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وفيها الحلوب، فتسرح مع أنعامك، وإذا رجعت في المساء أخذت حليبها، وأرسلته إلى من منحته إياها، فهذا كان له جيران أيتام، وكان قد منحهم حليب بقرة من بقره، فكل يوم يرسلها إليهم، فقال: أخبروني عنها! فقالوا: وما علاقتها بذلك؟ قال: أخبروني أولاً! قالوا: كنا نرسلها كل يوم، وما قطعناها إلا بالأمس، قال: قد عرفت ذلك! قالوا: وكيف عرفت؟! قال: إني حينما دخلت، وتشعبت عليّ الطرق، وعرفت أني قد تهت، ووقعت في الهلاك إن لم يتداركني الله برحمته، جلست في مكاني بغية أن تأتوا إليّ فتأخذوني، فما جاءني أحد، فلما مضى زمن صرت أقوم للصلاة، وأتلو القرآن، ولما اشتد بي الجوع والعطش رفعت كفي إلى الله وسألته أن يغيثني، فإذا بإناء بين يدي، فرفعته إلى فمي فإذا بحليب البقر الذي أعرفه! وهكذا كل يوم لمدة ثلاثة عشر يوماً، وما انقطع عني إلا بالأمس!! ماذا نقول في هذا أيها الإخوة؟! هم كانوا يحلبون البقرة، ويرسلون حليبها إلى الأيتام، وهو هناك في الدحل تحت الجبل، ولا يعلم عنه أحد إلا الله، فمن كان يبعث إليه بحليب منيحته؟ مع أن الأيتام شربوا الحليب! وتأتي إليهم منيحتهم كل يوم، ولكن الله سبحانه عرفه في الشدة؛ لأنه كان متعرفاً إلى الله في الرخاء، فكان يمنح الأيتام هذا الرزق، فحينما وقع في الشدة لم يتخل عنه رب العزة، وهذا ليس ببعيد على قدرة الله، فالله سبحانه هو الذي يسوق الحليب في ضروع الأنعام كلها، ولكن أن يأتي هذا الحليب إلى هذا الشخص في تلك الظروف فهذه هي الآية والمعجزة. فما عدم مسلم خيراً أودعه عند الله قط، بل جاء في الحديث: (إن العبد إذا تصدق بالصدقة، وقعت أول ما تقع في كف الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون كجبل أحد) ، تعطي لقمة صدقة، تضعها في يد المسكين، فيتلقاها المولى سبحانه، وينميها لصاحبها حتى تصبح كجبل أحد، وهذا من فضل الله ، (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) . وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 387

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [٢]

стр. 388

معنى قوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) الجزء الثاني من الحديث: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ، ربط فيه جزئيات الحديث، فالنبي ﷺ يوجه الأمة كلها بوصيته لابن عمه ابن عباس؛ لأن قوله لواحد كقوله للأمة كلها، (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ما هو السبب ألا تسأل غير الله، وألا تستعين بغير الله؟ بيّن ذلك في قوله: (واعلم أن الأمة كلها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) . إذاً: الأمة قيمتها لا شيء، كما سيأتي بيانه، ويهمنا الربط: (إذا سألت فاسأل الله) يقول العلماء: السؤال طلب المسألة، والاستعانة: طلب العون، وكل منهما ينقسم إلى قسمين: سؤال للمخلوق فيما يقدر عليه، واستعانة بالمخلوق على ما في قدرته، وسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله، واستعانة على أمر لا يعين عليه إلا الله، فيقولون: لا مانع أن تسأل العبد بما يقدر عليه، فتقول مثلاً: أعطني قلمك، ففي قدرته أن يمد ويعطي، مع أن تقدير الله سابق على هذا، ويمكن أن يقول لك: لا، ما أعطيك، لكنك سألته بما في قدرته، أو تقول: أعطني ريالاً، أو أقرضني عشرة ريالات، يقولون: يجوز إن كان في مقدور المخلوق الذي تسأله أو تستعين به، ومثاله أيضاً أن تقول: أعني على حمل متاعي، كما جاء في الحديث: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو تحمل له عليها متاعه صدقة) ، وقال الله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ، فإذا كان سؤال العبد للعبد فيما بيده ويقدر عليه؛ فهذا من المشروع، ولكن سؤال العبد للعبد بما لا يقدر عليه، ولا يملك عطاءه؛ فهذا هو الممنوع، وقد يصل إلى حد الشرك بالله؛ لأنك تعطي المخلوق من القدرة والمكانة ما ليس من حقه، بل هو من حق الله .

стр. 389

سؤال العبد لله في كل شيء ويجب على العبد أن يسأل الله حتى ما كان في مقدور العبد، فتوجه بقلبك أولاً وقبل كل شيء إلى الله؛ لأنه الذي يملك قلب العبد، فيوفقه لأن يجيبك لما سألت، وهو قادر أن يصرفه عنك، فاسأل الله أولاً وقبل كل شيء، وقد روي في الأثر (أن موسى ﵊ قال له ربه: يا موسى! سلني كل شيء، صغيره وجليله وعظيمه، قال: والله! يا ربي! إنه لترد علي الحاجة، وأستحي أن أسألك إياها لصغرها، فقال: لا، بل سلني كل شيء، حتى شراك نعلك، وملح عجينك، وعلف دابتك) ونحن نعلم -يا إخوان- أنه إذا لم ييسر الله هذه الجزئيات اليسيرة للعبد، فلن يحصل عليها أبداً. ويروى في أثر أن المولى سبحانه عاتب خلقه فقال: (من ذا الذي سألني فلم أعطه؟! من ذا الذي استغفرني فلم أغفر له، وأنا الغفور الرحيم؟!) وفي الحديث الصحيح: (إذا كان الثلث الأخير من الليل، ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فينادي فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) فالمولى يتودد إلى عباده، ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟) . وقد أشرنا إلى إعجاز القرآن وبلاغته في السؤال والجواب، ففي القرآن: يسألونك عن كذا، قل: كذا، يسألونك عن كذا، قل: كذا، ولكن في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة:١٨٦] ما قال: قل، بل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] بدون واسطة أحد، فالمولى أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وقالوا: الله يحب عبده اللحوح في السؤال، والإنسان إذا ألححت عليه تضجر، حتى لو ألححت عليه وقلت: ما اسمك؟ وما اسم أبيك؟ وما اسم جدك؟ فإنه يغضب. قال الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسئل يغضب قال بعض العلماء: إن المولى سبحانه إذا سأله عبده الصالح قد يؤخر عليه الإجابة، فتقول الملائكة: (يا رب! عبدك الصالح يدعوك، فيقول: إني أحب أن أسمع هذا الصوت) ، فأخر حاجته، ليسمع صوته، يا سبحان الله! إلى هذا الحد المولى سبحانه الغني الحميد يتودد إلى الخلق ليكثروا السؤال عليه، وهو لا ينقصه شيء، خزائنه ملأى، وجاء في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر) فالمخيط ناعم أملس، ولو كان عود سواك أو عصا فيمكن أن يأخذ شيئاً من الماء، لكن المخيط أملس ناعم ما يعلق فيه الماء، وذكر هذا المثال لكي تأخذ الصورة العملية أنت بنفسك فتقتنع، وتقول: والله! ما نقص شيء، فخزائن الله ملأى لا تغيض، ولهذا عطاؤه كلام، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، والنبي ﷺ لما تراءت له الجنة في القبلة، وتقدم خطوة، سألوه: (ما لك تقدمت؟ قال: رأيت الجنة، فتقدمت لآخذ لكم منها قطف عنب، ووالله! لو أخذته لأكلتم منه إلى يوم القيامة!) ، فكلما تأخذ حبة من العنب تنبت أخرى محلها، فما دام كل حبة تستخلف بغيرها فإنه لن ينتهي أبداً، ففضل الله كبير، فإذا سألت فاسأل الله؛ لأن الله هو الذي يعطي، وإذا سألت العبد، فمن أين يأتيك بما سألت؟ يعطيك مما عنده، والذي عنده هو من الله، فهي تحويلة، أنت تسأل زيداً، وزيد سيعطيك مما أعطاه الله، فالذي أعطاه قادر أن يعطيك، وهو أقرب، فالسؤال عبادة، فإذا كان المسئول فوق قدرة الإنسان، وسألت إنساناً فهذه هي المصيبة، كيف تتوجه إلى مخلوق حياً كان أو ميتاً، ولو كان من ملائكة الرحمن؟ كيف يسأل إنسان عقيم إنساناً مثله أن يعطيه ولداً؟! هو لا يملك هذا، أو إنسان مريض يسأل إنساناً أن يعطيه العافية!! وهو لا يملك هذا، حتى الطبيب يأتيه بالدواء حسب علمه وتجاربه، وهذا الدواء قد يتفاعل مع هذا المرض بإذن الله، فهل يعطيه الشفاء بنفسه أو هو من عند الله؟ الشفاء من عند الله، فهو يشفي من شاء بلا شيء، ويمرض من شاء بلا شيء، قال الله: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩] فعلى العبد أن يتوجه إلى ربه في سؤاله.

стр. 390

مشروعية طلب الدعاء من الرجل الصالح إذا جئت تقول لرجل صالح: ادع الله لي أن يرزقني الولد، فمرحباً، أنا وأنت نتوجه إلى الله لتسأله وتدعوه، ذاك الرجل الذي كان يخدم النبي ﷺ ، فقال له: (سلني) أي: سلني أي شيء تريد، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة!! سبحان الله العظيم! ما قال: أسألك ولاية كذا، أو غير ذلك، فهو يعلم أن الله إذا أكرمه بمنزلة عالية في الجنة، فالذرية والأزواج يكرمهم الله معاً في الجنة، فقد قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم﴾ [الطور:٢١] ، فهو قال: (يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذاك) ، فقال له ﷺ : (أعني على نفسك بكثرة السجود) أي: الزم طريقاً يكون سبباً لذلك، فأكثر من صلاة النافلة، (أعني على نفسك بكثرة السجود) ، ثم تأتي شفاعة الرسول ﷺ متممة لذلك. فإذا رأيت رجلاً تتوسم فيه الخير، وسألته أن يسأل الله لك، وصرت أنت وهو تدعوان الله سبحانه، فهذا مظنة الإجابة، وروي: (أن الرسول ﷺ عندما جاءه عمر ﵁ جاء إلى الرسول ﷺ ، وقال: كنت نذرت اعتكاف ليلة في الجاهلية، ولم أوف بنذري، فقال: أوفِ بنذرك يا عمر! فلما أراد الخروج قال له النبي: لا تنسنا من دعائك يا أخي!) أي: من دعائك هناك عند الكعبة، فلا مانع في ذلك. وقوله: (وإذا استعنت فاستعن بالله) ، والاستعانة تكون على النفس، وعلى الغير، وعلى العبادة، وعلى امتثال الأوامر، وعلى اجتناب النواهي، وعلى النوائب التي تصيب الإنسان، وعلى كل ما يلم بالعبد، فالعبد ضعيف، فلابد له من إعانة، كما يتعاون الأفراد في الدنيا على أمور حياتهم، قال الشاعر: الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم ولكن فيما لا يملكه العبد، فلا تستعن إلا بالله!
следующие страницы →