← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قصة عجيبة لرجل من المتأخرين ونورد قصة لو لم نسمعها من الثقات لما أبحنا ذكرها، وهي في الواقع نموذج من آيات الله التي يسمعها العبد فيزداد يقيناً بالله ، ولقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يشاهدون الآيات والمعجزات، فيزداد في يقينهم بالله، وإيمانهم بوعده سبحانه، وهذه القصة من هذا القبيل، تنفع كل مسلم يتعامل مع الله، وهي: أن رجلاً من وادي الدواسر في المملكة خرج في السيل يطلب الماء، فما وجد ماءً في الآبار التي حوله، وكان تحت الجبل مغارة يقال لها: الدحل، وهي معروفة عند أهل تلك الناحية، وإذا جاء المطر وجرى السيل غمرها الماء، فيمكث فيها السنة والسنتين، لكنها في متاهة ومفازة، فهي تحت الجبل، في ظلام دامس، وطرق متعددة، ولا يدخلها إنسان إلا بدليل، وبضوء أو بحبل يربطه على فم الدحل، وهذا الرجل دخل بدون شيء، فلما أبعد قليلاً وجد نفسه قد ضاع، فجلس، وعلم أن أهله سيأتون يبحثون عنه في هذا الدحل، وأخذ أهله يبحثون عنه أربعة عشر يوماً، في الآبار، وفي الغيران، وفي الكهوف، فما وجدوا شيئاً، وأخيراً قالوا: نذهب إلى الدحل، فجاءوا وبطريقتهم العادية، يأخذون ثوباً من القماش، ويشقونه على عرض الكف، ويشبّعونه بالشحم، ويلفه رجل على وسطه، ثم يشعل النار في طرفه كالشمعة، ويأخذ حبلاً، ويدخل إلى الدحل، والناس ينتظرونه في الخارج، فمشى رجل منهم كذلك، فلما دخل قليلاً إذا به يرى شبحاً من بعيد جالساً، فناداه: أنت فلان؟ قال: نعم، أنا فلان، فجاء إليه، وخرج به، وذهبوا به إلى بيته، وسألوه: متى جئت إلى الدحل؟ قال: من يوم خرجت من عندكم! قالوا: أربعة عشر يوماً؟! قال: نعم، قالوا: كيف عشت هذه المدة كلها؟! قال: قبل أن أجيبكم أخبروني ماذا فعلتم في منيحة أيتام فلان؟ والمنيحة عند العرب أن يكون عندك شيء من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وفيها الحلوب، فتسرح مع أنعامك، وإذا رجعت في المساء أخذت حليبها، وأرسلته إلى من منحته إياها، فهذا كان له جيران أيتام، وكان قد منحهم حليب بقرة من بقره، فكل يوم يرسلها إليهم، فقال: أخبروني عنها! فقالوا: وما علاقتها بذلك؟ قال: أخبروني أولاً! قالوا: كنا نرسلها كل يوم، وما قطعناها إلا بالأمس، قال: قد عرفت ذلك! قالوا: وكيف عرفت؟! قال: إني حينما دخلت، وتشعبت عليّ الطرق، وعرفت أني قد تهت، ووقعت في الهلاك إن لم يتداركني الله برحمته، جلست في مكاني بغية أن تأتوا إليّ فتأخذوني، فما جاءني أحد، فلما مضى زمن صرت أقوم للصلاة، وأتلو القرآن، ولما اشتد بي الجوع والعطش رفعت كفي إلى الله وسألته أن يغيثني، فإذا بإناء بين يدي، فرفعته إلى فمي فإذا بحليب البقر الذي أعرفه! وهكذا كل يوم لمدة ثلاثة عشر يوماً، وما انقطع عني إلا بالأمس!! ماذا نقول في هذا أيها الإخوة؟! هم كانوا يحلبون البقرة، ويرسلون حليبها إلى الأيتام، وهو هناك في الدحل تحت الجبل، ولا يعلم عنه أحد إلا الله، فمن كان يبعث إليه بحليب منيحته؟ مع أن الأيتام شربوا الحليب! وتأتي إليهم منيحتهم كل يوم، ولكن الله سبحانه عرفه في الشدة؛ لأنه كان متعرفاً إلى الله في الرخاء، فكان يمنح الأيتام هذا الرزق، فحينما وقع في الشدة لم يتخل عنه رب العزة، وهذا ليس ببعيد على قدرة الله، فالله سبحانه هو الذي يسوق الحليب في ضروع الأنعام كلها، ولكن أن يأتي هذا الحليب إلى هذا الشخص في تلك الظروف فهذه هي الآية والمعجزة. فما عدم مسلم خيراً أودعه عند الله قط، بل جاء في الحديث: (إن العبد إذا تصدق بالصدقة، وقعت أول ما تقع في كف الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون كجبل أحد) ، تعطي لقمة صدقة، تضعها في يد المسكين، فيتلقاها المولى سبحانه، وينميها لصاحبها حتى تصبح كجبل أحد، وهذا من فضل الله ، (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) . وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 387

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [٢]

стр. 388

معنى قوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) الجزء الثاني من الحديث: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ، ربط فيه جزئيات الحديث، فالنبي ﷺ يوجه الأمة كلها بوصيته لابن عمه ابن عباس؛ لأن قوله لواحد كقوله للأمة كلها، (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ما هو السبب ألا تسأل غير الله، وألا تستعين بغير الله؟ بيّن ذلك في قوله: (واعلم أن الأمة كلها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) . إذاً: الأمة قيمتها لا شيء، كما سيأتي بيانه، ويهمنا الربط: (إذا سألت فاسأل الله) يقول العلماء: السؤال طلب المسألة، والاستعانة: طلب العون، وكل منهما ينقسم إلى قسمين: سؤال للمخلوق فيما يقدر عليه، واستعانة بالمخلوق على ما في قدرته، وسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله، واستعانة على أمر لا يعين عليه إلا الله، فيقولون: لا مانع أن تسأل العبد بما يقدر عليه، فتقول مثلاً: أعطني قلمك، ففي قدرته أن يمد ويعطي، مع أن تقدير الله سابق على هذا، ويمكن أن يقول لك: لا، ما أعطيك، لكنك سألته بما في قدرته، أو تقول: أعطني ريالاً، أو أقرضني عشرة ريالات، يقولون: يجوز إن كان في مقدور المخلوق الذي تسأله أو تستعين به، ومثاله أيضاً أن تقول: أعني على حمل متاعي، كما جاء في الحديث: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو تحمل له عليها متاعه صدقة) ، وقال الله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ، فإذا كان سؤال العبد للعبد فيما بيده ويقدر عليه؛ فهذا من المشروع، ولكن سؤال العبد للعبد بما لا يقدر عليه، ولا يملك عطاءه؛ فهذا هو الممنوع، وقد يصل إلى حد الشرك بالله؛ لأنك تعطي المخلوق من القدرة والمكانة ما ليس من حقه، بل هو من حق الله .

стр. 389

سؤال العبد لله في كل شيء ويجب على العبد أن يسأل الله حتى ما كان في مقدور العبد، فتوجه بقلبك أولاً وقبل كل شيء إلى الله؛ لأنه الذي يملك قلب العبد، فيوفقه لأن يجيبك لما سألت، وهو قادر أن يصرفه عنك، فاسأل الله أولاً وقبل كل شيء، وقد روي في الأثر (أن موسى ﵊ قال له ربه: يا موسى! سلني كل شيء، صغيره وجليله وعظيمه، قال: والله! يا ربي! إنه لترد علي الحاجة، وأستحي أن أسألك إياها لصغرها، فقال: لا، بل سلني كل شيء، حتى شراك نعلك، وملح عجينك، وعلف دابتك) ونحن نعلم -يا إخوان- أنه إذا لم ييسر الله هذه الجزئيات اليسيرة للعبد، فلن يحصل عليها أبداً. ويروى في أثر أن المولى سبحانه عاتب خلقه فقال: (من ذا الذي سألني فلم أعطه؟! من ذا الذي استغفرني فلم أغفر له، وأنا الغفور الرحيم؟!) وفي الحديث الصحيح: (إذا كان الثلث الأخير من الليل، ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فينادي فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) فالمولى يتودد إلى عباده، ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟) . وقد أشرنا إلى إعجاز القرآن وبلاغته في السؤال والجواب، ففي القرآن: يسألونك عن كذا، قل: كذا، يسألونك عن كذا، قل: كذا، ولكن في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة:١٨٦] ما قال: قل، بل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] بدون واسطة أحد، فالمولى أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وقالوا: الله يحب عبده اللحوح في السؤال، والإنسان إذا ألححت عليه تضجر، حتى لو ألححت عليه وقلت: ما اسمك؟ وما اسم أبيك؟ وما اسم جدك؟ فإنه يغضب. قال الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسئل يغضب قال بعض العلماء: إن المولى سبحانه إذا سأله عبده الصالح قد يؤخر عليه الإجابة، فتقول الملائكة: (يا رب! عبدك الصالح يدعوك، فيقول: إني أحب أن أسمع هذا الصوت) ، فأخر حاجته، ليسمع صوته، يا سبحان الله! إلى هذا الحد المولى سبحانه الغني الحميد يتودد إلى الخلق ليكثروا السؤال عليه، وهو لا ينقصه شيء، خزائنه ملأى، وجاء في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر) فالمخيط ناعم أملس، ولو كان عود سواك أو عصا فيمكن أن يأخذ شيئاً من الماء، لكن المخيط أملس ناعم ما يعلق فيه الماء، وذكر هذا المثال لكي تأخذ الصورة العملية أنت بنفسك فتقتنع، وتقول: والله! ما نقص شيء، فخزائن الله ملأى لا تغيض، ولهذا عطاؤه كلام، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، والنبي ﷺ لما تراءت له الجنة في القبلة، وتقدم خطوة، سألوه: (ما لك تقدمت؟ قال: رأيت الجنة، فتقدمت لآخذ لكم منها قطف عنب، ووالله! لو أخذته لأكلتم منه إلى يوم القيامة!) ، فكلما تأخذ حبة من العنب تنبت أخرى محلها، فما دام كل حبة تستخلف بغيرها فإنه لن ينتهي أبداً، ففضل الله كبير، فإذا سألت فاسأل الله؛ لأن الله هو الذي يعطي، وإذا سألت العبد، فمن أين يأتيك بما سألت؟ يعطيك مما عنده، والذي عنده هو من الله، فهي تحويلة، أنت تسأل زيداً، وزيد سيعطيك مما أعطاه الله، فالذي أعطاه قادر أن يعطيك، وهو أقرب، فالسؤال عبادة، فإذا كان المسئول فوق قدرة الإنسان، وسألت إنساناً فهذه هي المصيبة، كيف تتوجه إلى مخلوق حياً كان أو ميتاً، ولو كان من ملائكة الرحمن؟ كيف يسأل إنسان عقيم إنساناً مثله أن يعطيه ولداً؟! هو لا يملك هذا، أو إنسان مريض يسأل إنساناً أن يعطيه العافية!! وهو لا يملك هذا، حتى الطبيب يأتيه بالدواء حسب علمه وتجاربه، وهذا الدواء قد يتفاعل مع هذا المرض بإذن الله، فهل يعطيه الشفاء بنفسه أو هو من عند الله؟ الشفاء من عند الله، فهو يشفي من شاء بلا شيء، ويمرض من شاء بلا شيء، قال الله: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩] فعلى العبد أن يتوجه إلى ربه في سؤاله.

стр. 390

مشروعية طلب الدعاء من الرجل الصالح إذا جئت تقول لرجل صالح: ادع الله لي أن يرزقني الولد، فمرحباً، أنا وأنت نتوجه إلى الله لتسأله وتدعوه، ذاك الرجل الذي كان يخدم النبي ﷺ ، فقال له: (سلني) أي: سلني أي شيء تريد، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة!! سبحان الله العظيم! ما قال: أسألك ولاية كذا، أو غير ذلك، فهو يعلم أن الله إذا أكرمه بمنزلة عالية في الجنة، فالذرية والأزواج يكرمهم الله معاً في الجنة، فقد قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم﴾ [الطور:٢١] ، فهو قال: (يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذاك) ، فقال له ﷺ : (أعني على نفسك بكثرة السجود) أي: الزم طريقاً يكون سبباً لذلك، فأكثر من صلاة النافلة، (أعني على نفسك بكثرة السجود) ، ثم تأتي شفاعة الرسول ﷺ متممة لذلك. فإذا رأيت رجلاً تتوسم فيه الخير، وسألته أن يسأل الله لك، وصرت أنت وهو تدعوان الله سبحانه، فهذا مظنة الإجابة، وروي: (أن الرسول ﷺ عندما جاءه عمر ﵁ جاء إلى الرسول ﷺ ، وقال: كنت نذرت اعتكاف ليلة في الجاهلية، ولم أوف بنذري، فقال: أوفِ بنذرك يا عمر! فلما أراد الخروج قال له النبي: لا تنسنا من دعائك يا أخي!) أي: من دعائك هناك عند الكعبة، فلا مانع في ذلك. وقوله: (وإذا استعنت فاستعن بالله) ، والاستعانة تكون على النفس، وعلى الغير، وعلى العبادة، وعلى امتثال الأوامر، وعلى اجتناب النواهي، وعلى النوائب التي تصيب الإنسان، وعلى كل ما يلم بالعبد، فالعبد ضعيف، فلابد له من إعانة، كما يتعاون الأفراد في الدنيا على أمور حياتهم، قال الشاعر: الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم ولكن فيما لا يملكه العبد، فلا تستعن إلا بالله!

стр. 391

ورود الاستعانة في أول سور القرآن دليل على أهميتها ولعظم قضية الاستعانة، ولعظم حاجة العبد إليها، صُدرت في القرآن، وتعبدنا الله بسؤالها في كل ركعة من الصلوات في سورة الفاتحة،: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢-٤] . فبعد البسملة الحمد والثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، ولا يكون ذلك إلا لله، ثم جاء الوصف العام (رَبِّ) والرب هو: الخالق، المدبر، المربي، الحافظ، الرازق، فالرب هو: الذي يربي، ويصلح المسألة، عشرة معانٍ في اللغة لمعنى الرب، وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، جمع: عالم، فمنهم: الإنس، والجن، والملائكة، والحيوان، والوحش، والطير، والحوت، والنبات، والجبال، والجماد، والهواء، والماء، فكل ذلك عوالم لله، خاضعة لقدرته وإرادته، وهو المسير لها والمسيطر عليها، وهو ربها، خلقها ويدبرها، لا الماء يطغى على اليابس، ولا اليابس يغرق في الماء، ولا الليل سابق النهار، قال الله ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] كل في نظام عجيب، فالله هو رب هذا العالم كله، الشجر لا يزهر ولا يثمر ولا ينبت إلا بإذنه، والأنثى من كل المخلوقات لا تحمل ولا تضع إلا بإذنه، وكل هذه الكائنات تحت تصريف وتدبير الله، فالحمد لله؛ لأنه رب العالم كله، فاستحق الحمد بذاته، وربوبيته للعالمين من رحمته كما قال: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ولم يقل: رب العالمين، الملك الجبار، مع أنه قادر قاهر جبار، ولكن ذكر الرحمة في معرض التربية، وفي معرض الرعاية، فهو رحمن رحيم، وهذا في أمور الدنيا، وفي الآخرة هو الملك الواحد الأحد، كما قال الله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] . إذاً: أيها العبد! إذا كنت فرداً من عوالم هذا الكون، وكلها تحت ربوبية الله، والله رب العالمين بيده نواصي المخلوقين، سماءً وأرضاً، وجبالاً وبحاراً، وفي الآخرة الملك يكون لله، فأنت في الدنيا تحت ربوبية الله، وفي الآخرة تحت سلطان وقهر وملك الله، فأين تفر عن الله؟ فتقول: حقاً ويقيناً إياك وحدك نعبد، وإياك وحدك نستعين، وهل أحد له مكانة في هذا الوجود يستحق بها أن يتوجه إليه غير الله؟! لا، ومن هذا الذي ستتوجه إليه؟ وبأي سلطة وبأي استحقاق يعبد من دون الله؟ فالعالم كله مربوب لله، ويوم الآخرة الملك لله، فأين تذهب؟! فتقول: إياك وحدك نعبد؛ لأنك المستحق للعبادة يا رب العالمين! ولا نعبد غيرك، لا بسؤال ولا باستعانة، ولا بخوف ولا رجاء، ولا بشيء، ونستعينك على تلك العبادة؛ لأن من لم يعنه الله على الطاعة فلا طاعة له، وحقاً: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولهذا فإن هذه الكلمة جاءت من كنز تحت العرش، ويذكر بعض العلماء عند هذا الحديث قصة، وهي: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: (إن ابني أخذ أسيراً، وربط بالقد) والقد جلد البعير اللين، إذا شُد على شيء فيبس كان كالحديد، وهذا يفعلونه مع العتاة الذين لا يقدرون عليهم، وصارت أمه تبكي حينما علمت بذلك، فجاء أبوه إلى الرسول ﷺ فقال: (أرسل إليه من يخبره أن يكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله) ، فبلغ الابن ذلك، فأكثر من قولها، فإذا بالقد يتساقط عنه، ثم رأى ناقة قريبة منه فركبها وهرب، فمر بسرح القوم - أي إبلهم - فنادى بها فتبعته، فما فجأ أبويه إلا وهو يطرق الباب، فقالوا: هذا صوت مالك والله! وأمه تقول: مالك في القد هناك يئن، فلما خرج أبوه والخادم وجدوه قد جاء ومعه الإبل، فذهب أبوه إلى رسول الله فسأله. فقال: (هي إبلك فاصنع بها ما شئت) ، بصرف النظر عن صحة هذا الحديث أو ضعفه، يهمنا أثر (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، ومعناها كما يقول العلماء: لا حول عن المعصية، ولا قوة على الطاعة إلا بالله، والعزيمة والإرادة والتوفيق كله من الله .

стр. 392

معنى قوله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء ... ) ثم قال: (واعلم (تقدم أنه قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات) ، ومما علمه (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ، وكل هذا يدخل في قوله: (أعلمك) ، ثم قال: (واعلم) فجدد ذكر العلم مرة ثانية، ولم يجدده فيما قبلها عند كل كلمة، وهذا يدل على تجديد الإدراك والعلم لأمر جديد له أهمية، وتعريف العلم أتعب العلماء، وأحسن ما يقال: العلم ضد الجهل، وبعضهم يقول: العلم هو معرفة الشيء حقيقة على ما هو عليه، هذه أشياء لا ندخل فيها، ويقال: إدراك، والإدراك يحتاج إلى تفسير أيضاً، فما كان معلوماً بداهة لا يحتاج إلى تعريف. قال: (واعلم بأن الأمة) الأمة في اللغة تأتي بمعنى: الجماعة، وتأتي بمعنى: الرجل الفاضل القدوة كما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] ، فهو وحده كان أمة، وتأتي بمعنى: المدة من الزمن كما قال الله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥] ، والأمة تطلق على جماعة، وتطلق على جميع المعاصرين فتشمل أمة الإجابة، وأمة الدعوة، والمراد بالأمة هنا: جميع الخليقة من بني آدم، قال: (واعلم بأن الأمة لو اجتمعت -أي: وتعاونت- على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) ، والعكس كذلك، (وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) ، فالأمة كلها لا تستطيع أن تنفع أو تضر إلا بما قدر الله، فهناك خطة مقدرة لن تخطئها، ما كان لك فسوف يأتيك، (وما أخطأك لم يكن ليصيبك) ، فالمقادير موجودة، والتقديرات سابقة، وتقدم معنا أن الله وكل بالجنين ملكاً، يكتب: عمره، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، وقال الله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، وبعضهم يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] : النون: هي الدواة، والقلم هو قلم القدرة، وبصرف النظر عن هذا التفسير، فقد جاء في الحديث: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب) ، أو (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب) ، على رواية الرفع يكون مبتدأ، أي: أول ما خلق الله من المخلوقات كلها القلم، وأولَ -بالفتح- تكون على الظرفية، أي: أول لحظة خلق الله فيها القلم قال له: اكتب، ومتى كان خلقه؟ لم يتعرض له سواء كانت على الابتدائية، أو كانت على الظرفية، فالله سبحانه أمره أن يكتب فقال: (ماذا اكتب؟ قال: كل ما هو كائن، إلى يوم القيامة) ، فجلوسك، وغمضة عينك، وحركة لسانك، وابتلاع ريقك، وأخذ نَفَسِك، وإخراج نَفَسِك، وحركة الذر في ظلام الليل، كل ذلك مكتوب قبل أن يوجد هذا العالم، فسبحان الله لا تخفى عليه خافية، فإذا كان كل شيء مكتوباً، فالأمة لا تستطيع أن تغير مما كتب الله شيئاً، ونذكر قصتين لنبيين كريمين، يتبين منهما أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لن يستطيعوا أن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك:

стр. 393

قصة إبراهيم ﵊ وإلقاؤه في النار أولاً: قصة خليل الرحمن عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كان يدعو بمفرده أمة إلى الله، وتحداها وحطم أصنامها، وأذلها، وسخر منها، وعندما سألوه عن ذلك قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] فقالوا: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥] إلى آخر الآيات، ثم أجمعوا كيدهم على أن يحرقوه، وذكروا أن الرجل منهم كان يوصي عند موته بجزء من ماله لحطب النار التي سيلقى فيها إبراهيم، ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٨] ، إبراهيم ﵇ كان وحده في تلك الأمة، وأجمعوا على ضره، ولكن الله ما قدر عليه الضر، وهم قد جمعوا كل ما في إمكاناتهم، وعند إلقائه تحيروا كيف يلقونه في النار في الوقت الذي لم يكن أحد يقدر أن يقرب منها لشدة حرها، فجاءهم أستاذهم إبليس ورسم لهم خطة المنجنيق، فصنع المنجنيق ووضع إبراهيم فيه، وما بقي إلا أن يرمى، فجاءه جبريل ﵇ يسأله: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ الوقت ضيق، ولا يوجد فرصة للكلام الكثير، فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، هذه أخصر برقية في العالم، (إليك فلا) ، (إليه بلى) ، (علمه بحالي أغنى عن سؤالي) ، وبعض الناس يعترض على هذه الجملة ويقول: إذاً: لا ندعو، ولا نسأل، فهذا غفل عن الظرف، والعرب من بلاغتهم يقولون: لكل مقام مقال، هل كان وقت إبراهيم متسعاً؛ لأن يقول: يا رب! يا رب؟! لا يوجد وقت، فهو رمي بالمنجنيق وصار في الهواء، وليس هناك وقت ليرفع كفه ويدعو ويستجير، ولو كان في الوقت متسع، فعليك أن تلجأ إلى الله، وتسأل الله، وتدعو الله، لعل القضاء والقدر معلق بسؤالك، قال الله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩] ، لكن من الخطأ أن تكف عن الدعاء، قال الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] ، وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، فالإعراض عن الدعاء إعراض عن الله، لكن إبراهيم لم يجد وقتاً للدعاء. هل ضرت تلك الأمة بجمعها إبراهيم؟! لا، مع أنهم فعلوا كل ما في إمكاناتهم، والعجيب -كما قال بعض العلماء- أن المولى يعلم بأنهم لن يصلوا إليه، ومكنهم من إيقاد النار، وما أرسل سحابة على قدر النار تمطر وتطفئ عليهم النار، ولم يجر سيولاً على النار، وما أنزل عليهم صواعق تهلكهم، وكل هذا في قدرة الله، لكن لم يقدره لتكتمل المعجزة، وتظهر الآية، وتكون لنا عبرة، فتركوا على مهلهم؛ جمعوا الحطب، وأتوا بآلة النفخ، فنفخوا حتى تأججت النار، حتى بلغ من شدتها أن الطير لا تستطيع أن يطير في سمائها، ثم أتوا بالمنجنيق، ففعلوا كل ما عندهم، ووصلوا إلى أقصى غاية في إمكاناتهم، ثم قال الله كلمة: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] ، هل يوجد عقل للنار؟! هل في النار دماغ أو أذن تسمع به؟! لكن خالقها الذي أذن بتأججها وأعطاها القدرة على الاشتعال، سلبها القدرة على الإحراق بكلمة، فالآية تظهر حينما يأتي السبب، وينتفي المانع، ويقف الأثر، فالسبب موجود وهو النار المحرقة، وانتفى المانع، فلا ماء يطفئها، ولا هو لابس ثياباً ضد الحريق، وما عليه شيء من هذا، فما الذي منع النار أن تحرق إبراهيم بطبيعتها؟ ليس هناك مانع إلا قوله: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] . إذاً: لو أن الأمة اجتمعت على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وإذا لم يكن قد كتبه عليك فلن لم يستطيعوا أن يغيروا ما كتب الله، وها هو إبراهيم ﵇ أنجاه الله من النار بعدما فعلوا ما بوسعهم وبعدما خمدت النار، نظروا إلى إبراهيم ليروا كيف حرق، ففوجئوا به حياً!! ولو كانت عقولهم سليمة لآمنوا، فهذه نار كبيرة ماذا كانت ستبقي من إبراهيم لو خلي بينها وبينه لن تبقي منه شيئاً، لكن عقولهم سخيفة فلم يؤمنوا!! يقول بعض العلماء في قوله سبحانه: (كُونِي بَرْدًا) حفظ من شدة البرد بقوله: (وَسَلامًا) ، ولولا هذا لكانت (كالفريزر) فيتجمد، فرحمه الله من بردها بسلام فقال: ((يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ((.

стр. 394

قصة محمد ﷺ وكيد قريش له ليلة الهجرة ثانياً: قصة الرسول ﷺ في ليلة الهجرة، كان وحده في بيته، فاجتمع على باب بيته عشرة رجال أشداء بسيوفهم ليقتلوه، وقد تآمرت قريش -كما علمنا- في دار الندوة، فقيل: نقتله، فقال بعضهم: لا تستطيعون، فقيل: نحبسه، فقال بعضهم: يفكونه، فقيل: نخرجه من مكة، فقال بعضهم: سيأتيكم بقوم فيحاربونكم، فكل الآراء تعارضت، ولكن الشيخ النجدي -وهو الشيطان- دخل عليهم، وقال: القول ما قال فلان، اجمعوا له عشرة رجال من القبائل، وأعطوا كل واحد منهم سيفاً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يستطيع بنو هاشم أن يحاربوا القبائل كلها، فيقبلون بالدية ويسكتون، فقريش كلها -والعرب تبع لأهل مكة- تآمروا واجتمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، وهو وحده، وجاءوا فعلاً بالفتية ومعهم السيوف على باب البيت، فالمولى سبحانه أرسل جبريل فقال: يا محمد! لا تبت في فراشك الليلة، سبحان الله العظيم! محمد وهو في بيته يدبره رب العرش، ويصرفه ويحفظه ، وكان الله قادراً أن يرفعه من سقف البيت كما في ليلة الإسراء والمعراج، عندما كان في بيت أم هانئ مستلقياً على ظهره، فإذا بالسقف ينفرج وينزل منه ملكان، فيأخذانه إلى زمزم، فكان يمكن أن يأتي ملك واحد يأخذه من سقف البيت، ويأتي له بالبراق، كما أتي له به في الإسراء، لكن حتى في الهجرة ما أتي له بالبراق، بل خرج من بيته واختفى في الغار، لتكون آية ومعجزة، وتظهر قدرة الله، ولتكتمل المعجزة، وكان من الممكن أيضاً أن يلاقوا أسداً أو فحل إبل على باب بيته فيشردوا، وكان من الممكن أن تأتيهم الزلازل والقلاقل أو الحيات والعقارب فيشردوا، لكن تركهم الله يأتون ويصطفون بأكمل استعداد، ويخرج ﷺ من نفس الباب، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] ، فأعمى الله أبصارهم وزاد إمعاناً في إذلالهم أن أخذ التراب من تحت أقدامهم ووضعه على رءوسهم، ولو كان خرج من السقف، لقالوا: والله! هذا شيء ما نقدر عليه، والله! هذا من السحر الكامل، لعل الجن أتت معه، لكن لا، هم على ما هم عليه، وأنجاه الله من الطريق المعتاد من بين عشرة فرسان، ولا أحد منهم فتح طرفه ورآه وهو خارج، فهذا من الإعجاز الذي يبين قدرة الله، وما خرج وهو يجري، بل على مهله، وجعل التراب على رءوسهم واحداً واحداً، فبينما الخائف يجري خوفاً أن يلحقه أحد، إلا أن النبي ﵊ خرج وهو مطمئن القلب ومستقر الفؤاد، موقن بحفظ الله، وبرعاية الله، ويعلم بأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بما كتب الله عليه، والله قد وعده بإبلاغ الرسالة. فلو أن الإنسان وقف عند هذه المسألة، وعلم علم يقين أن الأمة كلها لو اجتمعت على نفعه أو ضره فلن تقوى عليه لطابت نفسه، ولما توجه مازحاً ولا صادقاً في صغيرة ولا كبيرة لغير الله، وأي غنى، وعز، ورفعة، أعظم من أن تكون مرتبطاً بالله، فيما ترجو أو تخشى؟ وأي ملك واستغناء أن تشعر بأنك غني عن الناس كلهم غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم؟ لا، والله! لا يوجد أعظم من هذا.

стр. 395

الإيمان بالقدر خيره وشره يبعث في نفس المؤمن الطمأنينة فالواجب على العبد أن يكون ربانياً، أي: مع ربه في علمه، وفي طاعته، وفي معرفته، وفي تعريف الناس بربهم، وبهذا يكون أسعد الناس، وأغنى الناس، وأقوى الناس، يسعد في دنياه ويرتاح، ما عنده هم، ولا عنده مذلة لأحد، ولا في عنقه منّة لأحد، فيكون دائماً مع الله ، (وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) ، وإذا كان الله قد كتب على الإنسان شيئاً، فالمؤمن كل ما يقدره الله عليه هو خير له، كما في الحديث: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير: إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له) ، وهذا للمؤمن فقط؛ لأنه يعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولذا يقولون: إن ظاهرة التخلص من مشاكل الدنيا بالانتحار -عياذاً بالله- أقل ما تكون في المسلمين، وأكثر ما تكون في غير المسلمين؛ لأن الكافر لا يؤمن بقضاء الله ولا بقدره، فإذا أصيب في تجارة، أو أصيب بعاهة، أو أصيب في ولده، أو غير ذلك، فلا يجد أمامه إلا أن يهرب من الدنيا، أما المؤمن فيعلم أن هذا قدر الله عليه، فإن صبر عليه فله الأجر. يقول بعض العلماء: لو قيل: إن هذا الحديث نصف الإسلام، أو قال: هو الإسلام -لأنه يجمع للإنسان أطراف كل الفوائد والمعارف- لما كان في ذلك مبالغة.

стр. 396

معنى قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) ثم قال: (رفعت الأقلام، وجفت الصحف) ما هي الأقلام؟ الجواب قال ﵊: (أول ما خلق الله القلم) ، وهناك أقلام أخرى الله تعالى أعلم بها، وهل هذا هو قلم القدر الفردي أو قلم القدر السنوي أو قلم القدر العام الكوني؟ كل هذه أقلام جرت للإنسان، أما القلم العام الكوني، فهو القلم الذي أقسم الله تعالى به، وهو القلم الذي أمره الله أن يكتب كل شيء، وكتب كل شيء في اللوح المحفوظ، والعالم كله يجري على مقتضى ما كتب أولاً، يليه بعد ذلك من الأقلام العامة القدر السنوي، وهو ما جاء في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٣-٤] وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] ومعنى: ليلة القدر أي: الرفعة والشأن، وقيل: أي: المقدار والتقدير، وقالوا: ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا مقادير السنة الجديدة، أو بمعنى أوضح: المنهج المختص للعالم في تلك السنة، فتطلع عليه الملائكة الموكلة به، وتنفذ ما في هذا القدر في هذه السنة إلى أن يأتيها نظام آخر. والقلم الثالث: هو الذي يجري على كل فرد فيما يخصه، وكل ذلك مما قدر الله، وقد قيل: (يا رسول الله! علام نعمل، على أمر قدر ومضى، أو على أمر مستأنف جديد؟ فقال: بل على أمر قد قدر ومضى، قالوا: فلماذا نعمل إذاً؟ -أي: ما دام الأمر مقدراً فلماذا نعمل؟ - فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ، هل جاءك بيان بعملك؟ هل جاءك بيان بمصيرك؟ هل جاءك بيان بما يخصك؟ لا، بل جاءك كتاب من الله فيه أوامر ونواه، فعليك أن تمتثل الأوامر، وتجتنب النواهي، والنتيجة والنهاية إلى الله، ومن هنا أجابهم ﷺ بقوله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ، والأمر خطير ومخيف، قال ﵊: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ومنكم من يعمل بعمل أهل النار، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذارع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) ، وتعرفون قصة الرجل الذي لقي رسول الله ﷺ ، وهو في طريقه إلى الغزو، فأسلم ضحى النهار، ثم غزا مع رسول الله ﷺ ، واستشهد في المعركة، ولم يكن قد صلى ركعة واحدة، وكان مآله إلى الجنة! إذاً: (رفعت الأقلام) عن الكتابة والتغيير، إلا ما شاء الله، (وجفت الصحف) ، وهل هناك صحف حقيقة؟ وهل هناك مداد؟ وهل هناك قلم؟ وهل هناك كتابة؟ العلم لله، وقد أخبر ﷺ بالكتابة والصحف فنؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وبعض الناس يقول: هذا اللوح الذي يسع مقادير العالم من أولها إلى آخرها، ويسع الطيور في الهواء، والحيتان في الماء، وكذا وكذا، فكيف يمكن ذلك؟! فنقول: الآن جاء الكمبيوتر، وفيه رقائق يحمل السنتيمتر المربع منها أكثر من مائة صحيفة من كتاب، واكتشفوا أن عقل الإنسان في حياته كلها لا يملأ خمسة في المائة من مقياس حجم سعته لمعلوماته! فهذه أمور نردها إلى القادر سبحانه، ونؤمن بأن هناك أقلاماً، وأن هناك صحفاً، ونقول: إذا كان المولى -وهو العالم بكل شيء، والقادر على كل شيء- قد قدر، وكتب، وأملى ذلك، وأثبت ذلك في الصحف، فنحن في حياتنا يجب أن نكون منظمين، ولا نأتي بالأمور عفوياً وارتجالاً، فيجب أن يسبق العمل علم وتقدير، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 397

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [٣]

стр. 398

ارتباط العبد بالله تعالى سبب لحفظ الله له قوله ﷺ في هذا الحديث: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) وهذا محط الرحل، يعلمنا ﷺ أن يكون العبد مرتبطاً بربه؛ لأن جميع الكائنات في قبضة يده، وهو المسخر لكل شيء، فإذا سألت حاجة كبيرة أو صغيرة فسل خالقها ومالكها الذي يملك أن يوصلها إليك، وإذا كنت في حاجة إلى طلب المعونة -لأنك لا تستطيع أن تعيش وحدك، ولا تستطيع أن تهيئ لنفسك كل ما تحتاج- فاستعن بالله. وقد ذكرنا أن الآية الكريمة في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، جاءت بعد مقدمة تثبت ذلك وتستلزمه، فقوله: (الحمد لله) أي: الثناء بالجميل على الله سبحانه، (رب العالمين) فربوبية العالم ومصلحة العالم راجعة إلى الله، هو الذي خلق، ورزق، ودبر، وربى، فإذا كان هو رب العالمين، فأي شيء تسأله لا يخرج عن عالم من عوالم هذا الكون، فاسألها من رب العالمين، الذي ربوبيته، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] ، وفي الآخرة هو ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ، فأين تذهب؟ وأين تتوجه؟ إذا كانت الدنيا لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٨٣] ، وإذا كنت في الآخرة فمرجعك إلى الله، وله الملك، وله الأمر، كما قال الله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ، فلا ينبغي لك أن تصرف وجهك عنه . ثم قال: (واعلم أن الأمة) . فقوله: (واعلم) أعاد ذكر العلم مرة أخرى؛ لزيادة التنبيه والتأكيد، (أن الأمة) ، جميع الخلق، ويمكن أن نتوسّع في معنى الأمة، فالأمة الجماعة، والأمة الزمن، والأمة الشخص القدوة، ويمكن أن يقال: العالم كله؛ إنسه وجنه وملائكته، فالأمة لو أرادت أن تصيبك بخير أو بشر لن يصلوا إليك إلا بشيء من الخير كتبه الله لك أو من الشر كتبه الله عليك. إذاً: المقادير بيد الله، والكائنات في قبضته، والأمر كله راجع إليه، فإذا كان الأمر كذلك فلمن تتوجه؟ لله؛ لأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بخير لن ينفعوك بخير إلا كتبه الله لك، وما قُدر لك لن يخطئك، وإن أرادوك بسوء لن يصلوا بهذا السوء إليك إلا إذا قدّره الله عليك. وقوله: (لن يضروك بشيء ... ) لن هذه أبدية، أي يضرونك بشيء إلا بشيء قد قدره الله عليك، وإذا كان مقدراً عليك فقدر الله ماضٍ، إلا إذا رفع بقضاء آخر، بدعاء أو فعل خير. الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، اجتمع عليه أبوه وقومه ومعهم النمرود، على أن يجعلوه في النار ورموه بالمنجنيق، لأنهم عجزوا أن يدنوا من النار ويقتربوا منها لشدة حرها وعلو لهبها، فماذا كانت النتيجة؟ قال الله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٨] ، فالمولى سبحانه الذي خلق النار، وسلطانها بيده، وهو الذي أعطاها خاصية الإحراق قال لها: ((كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) ، هل في العالم قوة تستطيع أن تسلب النار خاصيتها؟ لا يمكن، لكن قدرة الله فوق كل شيء.

стр. 399

قصة موسى ﵊ مع فرعون وجنوده في البحر وفي تاريخ الأنبياء من المعجزات والدلائل ما يقنع العبد بأن كل أمر يأتيه أو يصرف عنه فإنما هو من عند الله، فبعد إبراهيم ﵇ جاء نبي الله موسى ﵊، في وقت فرعون الذي قال الله عنه وعن قومه: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [الأعراف:١٤١] ، وذلك: زيادة وإمعاناً في التنكيل؛ لأن النسوة إذا نشأن بدون رجال يحمونهن، يكن في أيدي العدو إماء وخدماً، ولو كان قتّل الجميع لكان أهون، لكن كان يستحيي النساء حتى يكن خدماً عنده وعند قومه، ويقتّل الأبناء حتى لا يدافعوا عن النساء، وفي تلك اللحظات يولد موسى ﵇، وتخاف عليه أمه، قال الله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] ، إذا خفت عليه فألقيه في البحر، ومن سيأخذه؟ ﴿عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه:٣٩] ، يا سبحان الله! هي خائفة عليه، وتعطيه لعدوه؟! قال الله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] ، سبحان الله العظيم! طفل رضيع يوضع في التابوت، ويلقى في اليم!! ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١] ، فقصته أخته، ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] ، يأتيهم عدوهم إلى بيتهم وهو طفل رضيع، وفرعون يتحدى العالم ويقتّل ويذبح، والله يتحداه بطفل رضيع يتربى في حجره، فضلاً عن أن يذبحه. !! فنشأ موسى وشب، وكان من أمره مع خصمه ما كان، فقضى عليه، وخرج خائفاً يترقب، ثم رجع إلى فرعون يدعوه إلى الله، وقال: ﴿َأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٠٥] ، فقال: ألم تكن فينا وليداً، وربيناك؟ والآن جئتنا بدعوة، فماذا كانت النتيجة؟ خرج موسى ﵇ -وهذا محل الشاهد- ببني إسرائيل، وأمره الله أن يسير حيث تسير السحابة في السماء، فإذا بالسحابة تسير به وتوقفه على شاطئ البحر، وإذا بفرعون من ورائه، فكان الموقف شديداً، وقال الذين مع موسى) إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (، البحر أمامنا، والعدو وراءنا، فأين نذهب؟ هل نطير في السماء؟ لا يوجد طيران، هل ننزل في الأرض؟ لا يوجد مغارات ولا شيء، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ، فأجابهم بسرعة بكلمة تزلزل الأرض: (كلا) ، لو توجهت إلى جبل لزلزلته، انظر إلى نطقها، ما قال: (لا) ، وما قال: (لا تخافوا) ، بل قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ، وهذه المعية الخاصة، (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) ، (تعرف إلى الله تجده تجاهك) ، قال: ((مَعِيَ رَبِّي)) ، وهذه معية النصر والتأييد، فماذا فعل ربه؟ هل أرسل ملائكة لتصد فرعون؟ لا، انظر إلى المعجزة، قال: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣] ، ماذا تفعل هذه العصا؟! ما طولها؟ وما ثقلها؟ وما تأثيرها؟ ليس فيها تيار مغناطيسي، ولا فيها أدوات زائدة، عصا يتوكأ عليها، ويهشُ بها على غنمه، ولكن لا يعلم قدرها إلا الله، فضرب البحر، ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] يا سبحان الله! ماء لجاج تتلاطم أمواجه، ينفلق ويصير كل فرق -أي: طريق- كالطود شامخاً، وبين كل طريق حاجز، وينقسم بنو إسرائيل في تلك الطرق، ويمشون على أرض يابسة ما فيها لجة، فأرضية البحر جفت، فيمشون في قعر البحر، وفتح الله لهم منافذ ليرى بعضهم بعضاً حتى لا يخاف بعضهم على بعض، ويعرفون أن جماعتهم يمشون في نفس الطريق مثلهم، حتى خرجوا كلهم، وبهذه المناسبة نقول: الطغيان يعمي، والظلم يلهي، ففرعون طاغية، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] فيأتي إلى البحر، وهو يعرف البحر وطبيعته، ويجد موسى الذي كان يطلبه قد انشق له البحر، لكنه دخل ليدركه، لو أنه نظر بعقله لما دخل، لكن الله طمس بصيرته ليقضي أمراً كان مفعولاً، يا فرعون! رأيت البحر قد انفلق وهل في حياتك رأيت البحر انفلق؟! هل سمعت في التاريخ قبل هذا أن البحر انفلق؟! إنك لما رأيت آية عظمى كهذه أفلا ترعوي؟ ألا تنزجر؟ ألا تقف وتفكر؟ موسى الذي تطلبه أراك في تلك العصا الآيات الكبرى، فقد بلعت الحبال والعصي وأنت تنظر موسى يدعوك إلى الله موسى آمنت به السحرة الذين يعرفون حقيقة السحر، وهذا البحر صار طريقاً له، فهل بقدرة موسى أن يفعل ذلك؟! ألا تعلم أن هذا من عند الله؟! ولكن مادام فرعون متلبساً بطغيانه، فعماه مستمر، فخاض البحر وراء موسى، وحينما كان موسى خارجاً من الشاطئ الثاني؛ كان فرعون وقومه في وسط البحر، فهل بقي البحر كل فرق كالطود أم رجع إلى ما كان عليه؟ رجع البحر وهم في وسط ذلك الطريق، فغرقوا، قال الله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] ، ماذا فعل فرعون وقومه بموسى؟ ما استطاعوا أن يضروه بشيء؛ لأن الله كتب لموسى النجاة.

стр. 400

قصة غلام بني إسرائيل مع الساحر والملك وكما سخر الله لموسى البحر، وأنجاه من فرعون وقومه، نجد في قصة غلام بني إسرائيل مثل تلك العجائب، فكان بعض الملوك له ساحر يستخدمه أو ينبئه أو يخبره، فكبر هذا الساحر، فقال للملك: ائتني بغلام أعلمه ليكون محلي، فاختار غلاماً، فكان يأتي إلى الساحر فيعلمه، وحينما يرجع إلى أهله يمر براهب في صومعته، فسمع منه كلاماً يغاير كلام الساحر، فإذا بالراهب مؤمن برب وبإله سوى هذا الملك، فأعجبه كلامه، فكان يجلس إليه ثم يذهب إلى الساحر، فكان إذا مكث عند الراهب وجاء إلى الساحر متأخراً يضربه، ويسأله: أين كنت؟ وإذا رجع وجلس عند الراهب وتأخر على أهله ضربوه، وسألوه: أين كنت؟ فشكا ذلك للراهب فقال: إذا سألك الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا سألك أهلك فقل: حبسني الساحر، ففعل ذلك وسلم من الضرب، وذات مرة سمع الراهب يسأل الله باسمه الأعظم، فقال: علمنيه؟ قال: لا ينبغي لك يا ولدي! قال: علمنيه فإني سأتبعك؟ قال: لا تقوى عليه، وفي يوم رجع إلى أهله فوجد دابة حصرت الناس، فأخذ حجراً وقال: اليوم أعلم هل الراهب أصدق أم الساحر؟ اللهم! إن كنت تعلم أن أمر الراهب حقٌ فاقض على تلك الدابة ليسير الناس، ورمى بالحجر، والناس كلهم محصورون، فقتل الله الدابة بالحجر الذي رماه الغلام، فعرف أن الراهب على حق، فذهب وتعلم أسماء الله من الراهب، وكتبها في أوراق، قيل: إنه ألقاها في البحر، فغرقت إلا واحداً، وقيل: ألقاها في النار فاحترقت إلا واحداً، وهو الاسم الأعظم، فجاء إلى الراهب وأخبره، فقال: يا بني! إذا عرفت الاسم الأعظم فإنك ستبتلى، وإذا ابتليت فاصبر، ولا تدلن عليّ أحداً، فذهب الغلام إلى جلساء الملك، فوجد رجلاً أعمى فقال: ألا تؤمن بالله، وأدعو ربي، فيشافيك؟! قال: ألك رب غير الملك؟ قال: نعم، الذي يملك أن يرد عليك بصرك، قال: فإني آمنت بربك فادعه لي، فدعا ربه فرد عليه بصره، وجاء يجلس عند الملك وهو يُبصر، فقال: عجباً، من رد عليك بصرك؟! قال: ربي، قال: وهل لك رب غيري؟ قال: نعم، دلني عليه الغلام، فدعا بالغلام وسأله يا غلام! ألك رب غيري؟ قال: نعم، الذي رد إليه بصره هو ربي، فزجره وقال: إنك غلام صغير، فأتي برجل أبرص وغيره من أصحاب العاهات في مجلس الملك، فدعا الله لهم، فعافاهم الله جميعاً، وأصر الغلام على أن له رباً غيره، وأن الملك مخلوق، فيئس من إرجاعه، فدعا زبانيته وقال: إن قتلته أمام الناس قالوا: هذا قتل غلاماً، فاذهبوا به في قارب في البحر، حتى إذا أبعدتم عن الشاطئ ألقوه في الماء وارجعوا، فذهبوا به، وحينما أرادوا أن يلقوه في الماء قال: اللهم! اكفنيهم بما شئت، فاضطرب القارب وغرقوا كلهم ورجع هو بسلامة الله، فجلس في مجلس الملك، فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله، فجاء بزبانية آخرين وقال: اذهبوا به، وألقوه من شاهق جبل، فذهبوا، فلما علوا القمة، قال: اللهم! اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل واضطرب، يا سبحان الله! البحر يضطرب ويهتز ويبتلعهم، من الذي يقدر أن يهز الجبل؟! من يقدر على هذا؟! هو الله المولى سبحانه، ويأتي الغلام يمشي سالماً إلى الملك، ماذا فعل هذا الملك؟ ماذا فعل أولئك الزبانية؟ والله! لا شيء، وماذا كان يريد الغلام؟ كان يريد أن يعرف الناس أن لهم رباً خالقاً، فجعل نفسه فداء لدعوته فقال: أيها الملك! لا تتعب نفسك، إنك لن تسلط عليّ -غلام يتحدى ملكاً في ملكه وسلطانه- ولكن أدلك على شيء إذا فعلته قتلتني؟ والملك يريد هذا، فقال: نعم، فقال: عليك أن تجمع الناس في صعيد واحد، وتأتي إلى منصة وتضعني، ثم تأخذ سهماً من كنانتي وتضعها في قوس وترميني به وتقول: باسم الله رب هذا الغلام، فإن فعلت ذلك فإني أموت، والملك مغفل؛ لأن الطغيان يعمي، ففعل ما قاله الغلام، ومات الغلام، وجميع من حضر قال: آمنا برب هذا الغلام؛ لأن الملك قال: باسم رب هذا الغلام، فألغى ربوبيته، وهو لا يدري! فآمن جميع الحاضرين، فقام الملك وخد الأخاديد، وأحرق المؤمنين في النار، وهي قصة الأخدود التي وقعت في اليمن.

стр. 401

قصة يوسف ﵊ ونجاته من كيد إخوته فالأمة لو اجتمعت على أن يضروا العبد بشيء لم يكتبه الله عليه لن يضروه، فإخوة يوسف ألقوه في غيابة الجب -أي: في جب بعيد، غائب كل ما فيه- فألقوه فيه إلقاءً، يا سبحان الله! صغير يرتع ويلعب ويرمى في البئر! لم ينزلوه فيه إنزالاً، بل رموه مرياً وإذا به يسلم، ثم كان من أمره أن آتاه الله الملك، ثم جاءه إخوانه يستغفرون عنده، ويطلبون منه العفو، فما استطاعوا أن يضروه بشيء.

стр. 402

قصة النبي ﷺ يوم هجرته وقد ذكرنا قصة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه حينما أراد الهجرة، وما كان من أمر المشركين حينما تآمروا على قتله، وجمعوا عشرة رجال بسيوفهم على باب بيته، فجاءه جبريل ﵇ -لأن الله يرعاه- فقال: لا تبت في فراشك الليلة، فنام علي رضي الله تعالى عنه في برده، وخرج ﷺ أمامهم وسيوفهم في أيديهم، ولكن الله ألقى عليهم النعاس، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] ، فيخرج من بين أيديهم فلا يرونه، ويحجبه الله عنهم، ويمعن في إذلالهم فيأخذ التراب من تحت أقدامهم ويذروه على رءوسهم، ثم يتوجه إلى الغار، فيأتون إلى فم الغار، وهم يريدونه حياً أو ميتاً، وجعلوا مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فيقفون على فم الغار، ويقول الصديق: (يا رسول الله! والله! لو نظر أحدهم إلى أسفل نعليه لأبصرنا، فقال ﷺ : ما بالك باثنين الله ثالثهما؟!) ، وقال الله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، وهي مثل كلمة موسى ﵇: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي) ولكن -وهنا لطيفة ننبه عليها- موسى ﵇ قال: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي) ، ومحمد ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) فـ (نا) هذه للجمع، ومن هم الجمع الذين في الغار؟ أبو بكر مع رسول الله، فهذا يدل على فضل أبي بكر حينما شركه القرآن مع رسول الله ﷺ في قوله: (مَعَنَا) ، فموسى كان معه أمة كاملة من بني إسرائيل، وكان معه أخوه ووزيره هارون، فقال القوم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ، وأين يقين القوم من يقين موسى؟ وكان أبو بكر ﵁ مع رسول الله ﷺ في الطريق، يقيه بنفسه، فقال النبي ﷺ : (ما بالك يا أبا بكر! تارة تمشي أمامي، وتارة تمشي من ورائي؟!) ، وذلك لما خرجا من البيت في طريقهما إلى الغار، فقال: (يا رسول الله! أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون من ورائك، فقال: أتود لو كان شيئاً أن يكون فيك أنت؟ فقال: نعم، إن أهلك أنا أهلك وحدي، أما أنت فمعك الرسالة) ، فـ أبو بكر كان يهتم بالرسالة، فكان جديراً بأن يشارك مع رسول الله في قوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) . وخرج ﷺ من الغار ومشى في الطريق، وأدركهم سراقة في الصحراء، وهم مكشوفون للعيان، فماذا كان من أمره؟ ساخت قوائم فرسه تسيخ، وسقط عنها عدة مرات، وإذا به يطلب الأمان لنفسه، ويكتب له أبو بكر بأمر رسول الله ﷺ ، ثم يقول له النبي ﷺ : (كيف بك يا سراقة! إذا أنت لبست سواري كسرى) ، أي: أنت جئت تطاردنا بعد أن رأيتنا خارجين من مكة، فأخبرني حينما ينصر الله دينه، ويعلي كلمته، وينتشر الإسلام، وتقطع رءوس أولئك الظلمة، (كيف بك إذا أنت لبست سواري كسرى؟!) ، وكسرى كان اسمه يرعب العرب، وكانوا يخشونه أشد ما يكون، فـ سراقة يلبس سواري كسرى، وكسرى يقضى عليه، يقول بعض العلماء: كان يقينه ﷺ بربه من أعظم اليقين، وهو شخص خارج في الصحراء على تلك الحالة، واثق بوعد ربه، حتى بلغ به اليقين أن يعد سراقة بسواري كسرى، وقد حقق الله ذلك، ففي خلافة عمر رضي الله تعالى عنه فتحت المدائن، وجيء بلباس كسرى، فنظروا أي الرجال أطول ليروا عليه حلة كسرى؟ فنظروا في جميع الحاضرين فلم يجدوا أطول من سراقة، فجاء سراقة ولبس الحلة والسوارين، فقال له عمر: انزعها؟ فقال: لا انزع هذا اللباس! قال: لماذا؟ قال: أعطانيها رسول الله ﵊ حينما خرج مهاجراً ولحقت به، فقال لي: (كيف بك إذا أنت لبست سواري كسرى؟!) ، فضحك عمر وقال: هل قال لك: امتلكت، أو قال: (لبست) ؟ قال: (لبست) ، قال: ها أنت لبستها، فانزعها، وهذا من فقه عمر.

стр. 403

معنى قوله: (واعلم أن النصر مع الصبر) هذا الحديث الجليل الذي يقول فيه بعض العلماء: لو قيل: إنه نصف الدين أو الدين كله، لكان حقاً؛ لأنه يربط العبد بربه بدون واسطة. ثم قال بعد ذلك: (واعلم أن النصر مع الصبر) ، يعلم الجميع أن الصبر هو أغلى خصلة يمنحها الله للعبد، ويقولون في الإحصائيات: الصبر ذكر في القرآن حوالي سبعين مرة، وجاء في السنة: (الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد) ، وفي الحديث: (الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء) ، يقول علماء المنطق: نور مع نور آخر النسبة بينهما التشكيك، كما لو أشعلت عود كبريت في صحراء، وجئت بلمبة ألف شمعة، فهذا نور، وهذا نور، ولكن إذا نظرت وجدت أحدهما ضعيفاً، والآخر قوياً، فالنسبة بينهما التشكيك. قال: (الصلاة نور) وقال: (الصبر ضياء) ، الله لما ذكر الشمس والقمر قال: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس:٥] ، فأيهما أقوى؟ الشمس أقوى، فالحديث جعل الصبر ضياء، وجعل الصلاة نوراً، والصلاة هي عماد الدين، فكيف يكون الصبر أكثر إشعاعاً، وأكثر إضاءة، وأكثر فعالية في قلب المؤمن؟! لأنك لو تأملت في التشريع كله من الأوامر والنواهي، لوجدت قوام ذلك كله على الصبر، قال الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ، فقدم الصبر ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] ، لولا الصبر لما توضأ أحد بالماء البارد في الشتاء وخرج من بيته إلى المسجد، ولولا الصبر لما صبر أحد على الحر في القائلة وخرج في الظهيرة إلى المسجد، ولولا الصبر لما صبر أحد على المال والنفس شحيحة، فأخرج جزءًا من المال وهو صنو النفس، ولولا الصبر لما حمل أحد سيفه في يد، والروح في اليد الأخرى، وقاتل الأعداء، ولولا الصبر لما صبر أحد على فعل طاعة، ولا صبر على ترك معصية، (فالصبر من الإيمان كالرأس من الجسد) كما في الحديث، وإذا فصلنا الرأس عن الجسد صار جثة نواريها. إذاً: النصر مع الصبر، وقيل لبعض شيوخ العرب: بما غلبتم كذا؟ قال: غلبناهم بالصبر، يقاتلوننا ونقاتلهم، ونفوز عليهم ونتميز بالصبر، وقالوا: (الشجاعة صبر ساعة) ، قال الله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] ، الصبر معه النصر، ويقول ابن القيم في بعض ما كتبه على هذا الحديث: الصبر على قتال العدو يجلب النصر، والصبر على النفس، يكون بالصبر على هواها، والصبر على مطالبها، والعوام عندهم مثل عجيب يقولون فيه: صبري على نفسي، ولا صبر الناس عليّ، فإذا كنت في فاقة تصبر على نفسك خير من أن تقول: يا فلان! اعمل معروفاً، وأقرضني واصبر عليّ؟ لا، ما دمت تستطيع الصبر فاصبر.

стр. 404

معنى قوله: (وأن الفرج مع الكرب) ثم قال هنا ﷺ : (وأن الفرج مع الكرب) ، الكرب هو: شدة الإيلام، وشدة الضيق في حياة الإنسان، لكن كلما اشتد الكرب كلما قرب الفرج، فما السر في هذا؟ لو تأملنا بعض القضايا لكشف لنا النقاب، فالمولى سبحانه قريب كما قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ، وقرب الله من عباده قرب خير وعطاء ونصر وعناية، ولكن (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) لو تساءلنا -وكل إنسان جرب في حياته- هل اتجاهك إلى الله في وقت سعتك وغناك وعافيتك كاتجاهك إلى الله في وقت الضيق والحرج والمرض أو هما سواء؟ لا، والله! حينما يكون الإنسان محتاجاً شديد الاحتياج، فليس عنده إعراض عن الله ولا حتى بمقدار شعرة، ولكن حينما يكون في غنى وفي سعة فيمكن أن يطغى كما قال الله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] . فتعرفك إلى الله في الرخاء -وأنت لست في ضيق ولا كرب- سبب لأن يعرفك الله في شدتك، وأنت لا تغيب عنه في كلتا الحالتين، ولكن يتعرف إليك بالإجابة. إذاً: عند شدة الكرب تكون قوة الإيمان، والإخلاص، وصدق التوجه إلى الله، وربك يحب منك هذا، وهو لا يريد منك شيئاً، فخزائنه ملأى، وعطاؤه كلام، لكن يريد من عبده صدق التوجه إليه، وثق بأنك إذا توجهت إلى الله بصدق فمهما كانت حاجتك فإنه يقضيها، فهو لا يخيب ظن عبده أبداً، وفي الحديث: (إن الله ليستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم يردهما صفراً) لكن لابد أن يكون مطعمه حلالاً، ومشربه حلالاً.

стр. 405

حسن ظن هاجر ﵍ بربها أُمنا هاجر ﵍ جاء بها إبراهيم ﵊ ومعها إسماعيل فوضعهما في وادي مكة كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧] أي: ولا ماء، وإذا لم يكن عنده زرع ولا ماء، فلا أنيس عنده ولا ونيس، وكان معها سقاء من ماء، وقال: في أمان الله ومشى، فنادته: يا إبراهيم! لمن تدعنا هاهنا؟ قال: لله، قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: فاذهب فلن يضيعنا الله! الله أكبر! نريد بهذا بيان اليقين الذي عندها من أول لحظة، فذهب إبراهيم، وانتهى الماء، وبكى ولدها، وهي امرأة ضعيفة في فلاة، ليس عندها طعام ولا شراب، وبكاء ولدها يحز في قلبها، فماذا تفعل؟ هل تقعد أمامه تبكي؟ لا، بل تقوم وتطلب وتسعى، فذهبت فلم تجد شيئاً، فنظرت إلى مكان مرتفع يكشف ما وراءه، فكان أقرب مرتفع عندها الصفا فصعدت عليه، ونظرت في الجهات الأربع فلم تجد شيئاً، فنظرت إلى مرتفع آخر، فكان من المروة أقرب مرتفع إليها، ومكة تحيط بها الجبال من كل جانب، وهي على جبل أبي قبيس، لكن كيف تترك ولدها وهو في بطن الوادي، فتريد أن تجمع بين الأمرين: رعاية ولدها، وطلب الماء له، فذهبت إلى المروة فتلفتت فلم تجد ماءً، وكانت إذا انصبت قدماها في بطن الوادي أسرعت لترتفع وترى ولدها، والمولى سيغيثها، وهي قد أعلنت قوة التوكل عليه: بقولها: (لن يضيعنا الله) ، فتركها المولى تسعى يميناً ويساراً، تصعد الصفا تارة وتصعد المروة تارة؛ وهي في كل مرة عندها أمل في الخلق، فكانت ترجو أن ترى إنساناً يمشي، لكن بعد سبع مرات من السعي، وبعد أن انقطعت آمالها من الخلق؛ وتوجهت بصدق إلى الخالق، فما كان إلا أن جاء جبريل وشق الصخرة، فنبع الماء، ولماذا لم ينزل جبريل من أول مرة؟ لأنه كان في قلبها تعلق بأسباب من الخلق، فتركها الله لتنظر ما يفعله بها الخلق، فجربت فلم تجد شيئاً، فلما يئست من الخلق، وأيقنت فعلاً بأنه لا مغيث لها إلا الخالق، كان توجهها إليه توجهاً صادقاً دون منازعة، ودون مشاحة، ودون مشاركة مع الخلق، فكانت إغاثة الله ليست لها وحدها، بل ولنا إلى اليوم، وإلى ما شاء الله، فهي عين نابعة يشرب منها الحجيج والعالم كله، وماؤها يصل إلى أنحاء المعمورة، ففي كل مكان يوجد ماء زمزم. وهكذا النفر الثلاثة الذين من بني إسرائيل، الذين آواهم المبيت إلى الغار، هل كان عندهم رجاء في الخلق؟ نزلت صخرة فسدت عليهم الغار، فهل كانوا يطمعون في أحد من الناس يأتيهم؟ هل كان يعلم بهم أحد؟ لا، أبداً، فهم يئسوا من الخلق من أول لحظة، فماذا قالوا؟ قالوا: ارجعوا إلى ربكم، ولينظر كل منكم ما كان بينه وبين الله من خبيئة سر، فيتوسل إلى الله بها، فحينما قام قائم منهم وقال: كان لي أجير. إلخ، وقام الثاني وقال: كان لي أبوان. إلخ، وقام الثالث وقال: كانت لي ابنة عم أحبها، إلى آخر الحديث، فهل كان قيام أحدهم يشوبه شائبة رياء مع أحد من الخلق؟ لا، والله! لأنهم أيقنوا بالموت، وعلموا يقيناً دون شك أنه لا ينجيهم مما هم فيه سوى الله، فلما حصل هذا اليقين منهم تحركت الصخرة شيئاً فشيئاً، ومن يقدر أن يزحزح الصخرة إلا بأمر الله. ودائماً نقول لمن جاء للعمرة أو الحج: في كل نسك من أنساك العمرة والحج آية وعبرة ومنهج، فسعيك بين الصفا والمروة تجديد اليقين مع الله، فإذا ناب العبد شيء، توجه إلى الله خالصاً مخلصاً قلبه لله، والله أقرب إليه من حبل الوريد، فلا شيء أقرب من فَرَج الله؛ لأنه يقول للشيء: كن فيكون.

стр. 406

معنى قوله: (وأن مع العسر يسراً) وقوله: (وأن مع العسر يسرا) ، هو كما قال ﷺ : (لن يغلب عسر يسرين) ، يقول علماء البيان: النكرة إذا تكررت فهي متعددة، والمعرفة إذا تكررت فليست متعددة، قال الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥-٦] فاليسر هنا متكرر، وهو نكرة، والعسر معرف بأل، فيكون تكراره لا يستوجب تعدده، ولكن اليسر لما كان منكراً كان تكراره يقتضي تعدده، وبهذا يظهر لنا عظمة هذا الحديث، ومدى دلالته وآثاره، نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يملأ قلوبنا يقيناً بالله .

стр. 407

اليقين بما عند الله سبب لسعادة العبد في الدنيا وجاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: والله! لا يكمل ولا يتم يقين العبد حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في يده، ويرد عند العوام مثل يقول: تضرب يدك، وتقسم لغيرك! فلعلها تكون في يدك وتستعصي عليك أو تأخذها في حلقك وتكون غصة وترجع، ولكن ما كان عند الله سوف يأتيك، وعائشة تقول ذلك عن تجربة، وعن عمل، إيمان ويقين، كانت صائمة، وعندها قرص شعير فقط، فجاء مسكين يقول: يا آل بيت محمد! مسكين بالباب، فقالت عائشة لـ بريرة: أعطي المسكين، فقالت: ليس عندي ما أعطيه، قالت: أليس عندك شعير؟ قالت: هو قرص واحد لك لتفطري عليه، قالت: أعطي المسكين، وعند الفطور سيرزق الله، فراحت بريرة تمشي خطوة، وترجع خطوة، كيف عند الفطور يرزق الله؟ ما أعجبها هذا الكلام، وفرق بين بريرة وبين عائشة، فأعطت المسكين وهي كارهة، وجاء المغرب ولم يأت رزق الله، فقامت عائشة تصلي، وقبل أن تفرغ من صلاتها، إذا بقارع يقرع الباب، وفتحت بريرة وأخذت ما أعطيت، ولما سلمت أم المؤمنين، فإذا بشاة بقرامها مشوية، والقرام هو الذي تلف فيه الشاة من العجين، وكل بقايا أجزاء الشاة كاملة، قالت: ما هذا يا بريرة؟! قالت: رجل أهداه إلينا، والله! ما رأيته يهدي إلينا قبلها قط، تعني: ما هي بحسب العادة، لكن حالة حادثة نادرة، لو كان ممن يهدي كل مرة، لقلنا: على حسب العادة، لكن هذا لم يأت من قبل أبداً، فأيقنت بريرة بما قالت أم المؤمنين، وقالت لها: يا بريرة! كلي فهذا خير قرصك، والله! لا يكمل يقين العبد حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في يده، فأم المؤمنين كان يقينها فيما عند الله أكثر من قرص الشعير الذي عندها، وهذا الواجب على كل مسلم؛ لأن الذي عند الله محفوظ، والذي في يدك غسؤ محفوظ، والله سبحانه أعلم. أسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الإيمان واليقين، وأن يفقهنا في الدين، وأن يرزقنا وإياكم حسن التوكل عليه، كما قال ﷺ : (لو توكلتم على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) ، ما عندها زراعة، ولا مستودع، ولا تجارة، ولا شيء، ولكن تتوكل على الله . وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 408

شرح الأربعين النووية - الحديث العشرون

стр. 409

شرح حديث: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ... ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري -قيل: البدري: لأنه سكن بدراً- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) رواه البخاري.

стр. 410

إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق قوله ﷺ : (إن مما أدرك الناسُ) بالرفع، ورواية أخرى بالنصب: (إن مما أدرك الناسَ) وفاعل (أدرك) في الأولى: الناسُ، وفي الثانية: ما حُكي من كلام النبوة الأولى. ومهما يكن فالرسول ﷺ يخبرنا أن من كلام النبوة الأولى ما أدرك الناس أو أدركه الناس -أي: في زمنه ﷺ ومن هذا الكلام هذه العبارة: (إذا لم تستح) قيل: بحذف الياء وبإثباتها؛ لأنها إما من الحياء، وإما من الاستحياء. الحيا: ضد الموت، والحياء: هو الخلق والغريزة، فمن أثبت ياءً يكون حذف الياء الأخرى: استحييتُ، ومن أثبت الياء يكون حذف الياء الأولى لحرف الجزم (لم) ، ومن حذف الياءين ولم يثبت شيئاً (من الحياء) . وقوله ﷺ هنا يشعر بارتباط النبوات كلها، وأن مما وصلنا وأدركناه من ذاك الكلام مما لم يُغير أو يُحرف أو يُبدل هذا الذي أخبر به ﷺ . ومن جانب آخر: الحديث في جملته حثٌ على الحياء، وهو عند العلماء من أعلى الأخلاق ومكارمها وذروتها، مما يُعطي لنا دلالةً واضحة أن مكارم الأخلاق قدر مشترك بين النبوات وبين جميع الرسالات، ويؤيد هذا ما صح عنه ﷺ من قوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) هناك مكارم أخلاق في الرسالات الأولى، وهناك مكارم أخلاق جاء بها الأنبياء المتقدمون، والرسول ﷺ إنما جاء يتمم ما جاء به من قبله. وإذا نظرنا إلى هذا الحث الشديد منه ﷺ على لزوم الحياء وهو قمة الأخلاق نجد أن أهم ما في سلوك المسلم وأهم ما في تعاليمه هو مكارم الأخلاق، ولذا المولى سبحانه مع تكريمه لسيد الخلق ﷺ بكل أنواع التكريم حينما وصفه سبحانه في ذاته، وصفه بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] . وهكذا يقول العلماء: من كرمت أخلاقه، وحسن سلوكه، ربما ترك المعاصي حياءً من الله. ومن الناس من لم يعص الله مروءةً، كما قال ﷺ : (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) يعني: يترك عصيان الله حياءً من الله، وقد يترك المعصية مروءةً وإباءً، كما جاء عن هند عند بيعة النسوة لرسول الله ﷺ في قوله: (ولا يزنين) ، قالت: (يا رسول الله! أوتزني الحرة؟!) تستبعد وتستنكر، ولا يخطر في بالها أن الحرة الأبية ترضى أن يعلوها رجل غير بعلها!. إذاً مكارم الأخلاق هي حفاظ الأمم والأفراد. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ودريد بن الصمة في أول ظهور النبي ﷺ أرسل ولده من الطائف، وقال له: انزل إلى مكة واسمع من هذا الرجل الذي يذكرونه، واعقل لي ما يقول، فذهب ورجع وقال: يا أبت! إنه يأمر بالصدق في الكلام، وبصلة الأرحام، وبإطعام الطعام، وأداء الأمانة، وكذا وكذا، فقال: يا بني! إن لم يكن ديناً فهو من مكارم الأخلاق. إن لم يكن ما يقوله ديناً بعث به من الله ووجب اتباعه عليه طاعة لله فهو مكارم أخلاق لا يعيبها العقلاء، وجميع الأديان مما وصل إلينا تدعو إلى تلك الأخلاق الفاضلة، كما اتفقت جميع الديانات على الحفاظ على الضروريات (الكليات) الخمس: الدين، والعقل، والنفس، والعرض، والمال.

стр. 411

الحياء شعبة من شعب الإيمان وقوله ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) يقول العلماء على سبيل الإجمال: هذا الحديث يدل على أحد أمرين: الأمر الأول: إذا أردت أن تعمل شيئاً فانظر هل هذا العمل يستحى منه عند الناس أم لا؟ فإن كان لا يستحى منه عند الناس فاصنعه، أي: أنه حسن وليس قبيحاً، وهذا الوجه ضعيف. الأمر الثاني: (إذا لم تستح) أي: إذا فقدت الحياء، وإذا لم يكن عندك هذه الخصلة وهذه الغريزة وهذا الخلق الفاضل، فحينئذ لا عليك، كأنه يقول: إذا لم يستح فحينئذ كل شيء لا يستنكر منه. وجاء في حديث -وإن كان ضعيفاً-: (إن الله إذا أراد هلاك عبد نزع منه الحياء فلا تلقاه إلا مقيتاً ممقتاً أو بغيضاً مبغضاً، فإذا كان مقيتاً ممقتاً نزع منه الأمانة، وإذا نزع منه الأمانة فلا تلقاه إلا خائناً مخوناً، وإذا أصبح خائناً مخوناً نزع منه الرحمة، فإذا نزع منه الرحمة أصبح غليظاً مغلظاً، وإذا أصبح غليظاً مغلظاً نزع من رقبته ربقة الإيمان فلا تراه إلا شيطاناً ملعنا) وإن كان الحديث ضعيفاً إلا أنهم يذكرونه في بيان نتائج عدم الحياء. إذاً الحياء هو رداء الكمال في الإنسان، ولذا جاء عنه ﷺ : (الحياء شعبة من الإيمان) ولما سمع النبي ﷺ رجلاً ينصح أخاه في الحياء يقول: أنت كثير الحياء وتترك العمل، كثير الحياء ويترتب عليه كذا، فقال له ﷺ : (دعه! إن الحياء لا يأتي إلا بخير) وفي رواية: (الحياء خير كله) . نعلم الحديث العام: (الحياء بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) والحياء شعبة من بضع وسبعين شعبة، إذا نظرنا إلى آثاره في العبد فما هي؟ ويقال في علاقة الحياء بالإيمان: إن حقيقة الحياء في العبد أول ما يجب عليه أن يكون أشد حياءً من الله، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله! إننا لنستحيي، قال: ليس ذاك، لكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن يذكر الموت والبلى) فإذا حفظ الرأس وما حوى، فماذا يحفظ في الرأس؟ يحفظ العين من أن تنظر إلى محرم، ويحفظ الأذن من أن تسمع إلى محرم، ويحفظ اللسان من أن يغتاب أو يكذب أو يتكلم بمحرم، أو يتناول طعاماً محرماً أو شراباً محرماً، فإذا حفظ الرأس بما فيه من أعضاء، وحفظ البطن وما حوى، وهذا كناية عما يتبع البطن مما فيه من اتصال غير مشروع، وهكذا، ويذكر الموت والبلى، وإذا تذكر الموت والبلى، وحفظ جوارحه من المعاصي فإنه حقاً يعيش على حذر مما بين يديه، وإذا تذكر الموت وما وراء الموت عمل لليوم الآخر. ومن هنا كان الحياء شعبة من الإيمان، ولذا جاء في الحديث المتقدم: (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وجاء في الحديث عند الترمذي أن رجلاً سأل النبي ﷺ الوصية فقال: (استحي من الله أشد مما تستحي من ذي المروءة من قومك) وقالوا: معنى ذلك: حقيقة الحياء من الله أن لا يراك حيث نهاك، وأن لا يفتقدك حيث أمرك، أمرك بالصوم فلا يفتقدك في الصيام، وتكون متفلتاً مع المفطرين، أمرك بالصلاة فلا يفتقدك عندما يقول المؤذن: قد قامت الصلاة، نهاك عن السرقة، نهاك عن أكل مال الناس بالباطل فلا يراك تهتك الستر وتسرق المال، فلا يراك تغش وتدلس، وغريمك جاهل ومسكين لا يدري عن طرقك، أمرك بوفاء الكيل ونهاك عن تطفيفه، فإذا جاءك رجل لا يعرف شيئاً إذا بك تستغل غشامته وجهالته، وتطفف الكيل وتبخس الوزن، ونسيت أن عليك رقابة من الله.

стр. 412

حقيقة الحياء من الله تعالى حقيقة الحياء من الله: مراقبة الله، وكما قالوا: أشد ما يكون الحياء لكي تشعر بذلك -كما ذكروا عن الجنيد ﵀ أن تتذكر نعم الله عليك، وتنظر شكرك لنعم الله، فإذا تذكر العبد ما أنعم الله به عليه أولاً في ذاته، نعمة بصره، ونعمة سمعه، ونعمة ذوقه، ونعمة نطقه، ونعمة شمه، ونعمة بطشه وحركته، وكل ما أنعم عليه بذلك، فلينظر هل أدى شكر تلك النعم أم أنه قصّر في شكرها؟ بل إنه تجاوز التقصير واستعمل نعمة الله في معصية الله. أول ما يكون الحياء أن تعترف بنعم الله عليك، وتقدرها في نفسك، وتعظم عطاء الله عندك، ثم بعد ذلك تفكر فيم صرفت هذه النعم، هل هي في طاعة الله، أم في معصية الله؟ وكما جاء الحديث: (أنا والملأ في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد) . إذاً: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) إذا أردت أن تفعل شيئاً هل هذا الفعل قبيح يستقبحه الناس، وصاحب المروءة والإباء يستحي من الناس أن يفعل ما ينكرونه عليه؟ إذاً الحياء يرد الشخص، فإذا نزع منه قناع الحياء لم يبق فيه خير، فربما الحيوانات تكون أشد امتناعاً منه. وعلى هذا يكون هذا الحديث كما قيل: يشمل جميع تعاليم الإسلام؛ لأن تعاليم الإسلام إما أمر بفعل واجب أو مندوب، أو نهي عن أمر محرم أو مكروه، وإذا كنت تفعل شيئاً محرماً أو مكروهاً هذا فعل يستحى منه، فإذا كنت لا تستحي فإنك ستفعل كل ما حرم الله وتقصر في كل ما أوجب الله عليك.

стр. 413

قوله: (فاصنع ما شئت) للتهديد قوله ﷺ : (فاصنع ما شئت) هل هو للإباحة في أن يصنع كل شيء؟ لا، إنما هو على سبيل الوعيد والتهديد كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] باختياركم! الذي يريد أن يؤمن فلنفسه، والذي يريد أن يكفر فعلى نفسه ومآله إلى النار، هل هذا تخيير أو تهديد؟ يكون تهديداً.

стр. 414

الحياء فضل من الله وهبة وهنا مبحث يبحثه علماء الأخلاق والشريعة، فعلماء الأخلاق يقولون: ما هو الحياء؟ وهل هو مكتسب أو موهوب؟ ومعنى (مكتسب) : يتخلق به الإنسان حتى يصبح خلقاً له، أو موهوب هبة من الله، والتحقيق في ذلك أن أصله هبة من الله، ولكن العبد يزكيه وينميه باكتسابه، أي: بالحفاظ عليه وبالتأدب والتعلم. وأكثر خصال الأخلاق هبة من الله، وفي الحديث: (عودوا أبناءكم البر فإن البر عادة) إذا لم يكن خُلقاً للإنسان وأخذ يتعود عليه انطبع فيه، كأن يكون إنساناً بخيلاً فإذا جاء وعاشر كرماء وتعود منهم البذل قد يجاريهم مجاملةً وحياءً، ثم مع طول الزمن يصبح كريماً مثلهم، وهكذا الشخص قليل الحياء إذا خالط من هو أشد حياءً منه وعاشر من هو أحسن منه، فقد يجامل ويكتسب الخلق مع طول الزمن فيصبح الحياء خلقاً له. وهكذا لما جاء وفد عبد القيس إلى المدينة بادروا بالإسراع إلى رسول الله ﷺ وتركوا رواحلهم وأوعيتهم وأمتعتهم، وكان أميرهم أشج عبد قيس وكان رجلاً عاقلاً كيساً، تأنّى وقام على رواحل القوم وعقلها، وقام على أمتعتهم وجمعها وحفظها، وجاء إلى عيبته وأخرج ثياباً نظيفة وغيّر ثياب السفر، وجاء إلى النبي ﷺ بثياب حسنة يمشي بتؤدة، فلما رآه النبي ﷺ أفسح له بجواره، وقال: (هاهنا يا أشج!) وهم معذورن؛ لأنهم يمشون مسيرة شهرين على أمل أن يروا رسول الله ﷺ ، فلما وصلوا المدينة ما طاقوا صبراً حتى أسرعوا للقاء النبي ﷺ ، وهو بعقله وحلمه وصل والحمد لله، فأفسح له ﷺ بجواره وقال: (ها هنا، ثم قال: إنك رجل فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، فقال: يا رسول الله! خلق تخلقت به أم جبلة جبلني الله عليهما؟) سؤال لطيف، هل هذا خُلق اكتسبته بالتخلق والتعود وأدب قومي إليّ أو جبلة جبلني الله عليها؟ قال: (بل جبلة جبلك الله عليها، قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله) . ولذا أيها الإخوة! مما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن أعطيات الله لخلقه جميعاً على قدر المساواة) الله ما أعطى مخلوقاً أكثر من مخلوق، كيف وفيهم الغني والفقير؟ قال: لا. إن الأخلاق أرزاق، فإذا منح إنساناً غنىً بمال ولم يمنح الآخر قد يعوض ذاك قليل المال وافر الأخلاق، ولذا في الحديث هناك في السؤال (مرني بأمر يا رسول الله! يدخلني الجنة، أو بعمل يدخلني الجنة، أو يحبني الله ورسوله، قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس، واستغن عمن شئت تكن أميراً، واحتج لمن شئت تكن أسيراً) الشخص إذا كان مولعاً بشيء لا يستطيع أن يستغني عنه، وإذا افتقد ذلك الشيء كان أسيراً له، قل أو كثر مهما كان، وإذا استغنى عن كنوز العالم واستغنى عن الملوك كان ملكاً بينهم. إذاً: الغنى بالمال أمر نسبي، ولذا يقول علي رضي الله تعالى عنه: لو نظرت في أعطيات الله لعباده لوجدتهم متساوين، إن نقص على هذا في ماله زاد في صحته، وإن نقص في صحته زاد في عياله، وإن نقص في عياله زاد في هدوء باله وعقله وحلمه وطمأنينته، وإن نقص من هذا أو ذاك زاد في توفيقه لعمل الخير، ولو جمعت كل ما أعطى الله العبد بجميع معانيه وجمعت غير ذلك في غيره لوجدتها متقاربة. إذاً: الأخلاق أرزاق، فكما يرزق الله العبد مالاً وفيراً، كذلك يرزق العبد خلقاً واسعاً، وكما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم) قد تسع الدنيا كلها بمكارم أخلاقك، تلقى كل واحد بوجه طلق، وتخاطبه بأسلوب حسن، وتعده خيراً، فيتقي منك بذلك، ولو أردت أن تُعطي جميع الناس وترضيهم من مالك لعجزت عن هذا. يذكرون عن معاوية رضي الله تعالى عنه: (أنه جاءه أعرابي وقال: يا أمير المؤمنين! صل الرحم الذي بيني وبينك، قال: أنت لك رحم معي؟ قال: نعم، قال: وأي رحم هذه؟ قال: من آدم وحواء -رحم آدم وحواء يجمع بيني وبينك ألسنا كلنا من حواء وآدم- قال: نعم، والله إنه لرحم كريم وحق له الصلة أبشر، وأخذ وكتب لخازنه كتاباً ودفعه إليه وقال: اذهب إلى بيت المال يعطيك صلة الرحم، فذهب ومعه خطاب من أمير المؤمنين، فلما فتح الخازن الكتاب قال: مرحباً، وجاء وأعطاه درهماً واحداً، قال: عجيب! أمير المؤمنين يصل رحمه بدرهم! قال: هذا خطاب أمير المؤمنين، قال: أعطني الكتاب، أخذ الكتاب ورجع إلى معاوية، قال: يا أمير المؤمنين! تصل رحمك بدرهم واحد! وقال: يا أخا العرب! والله لو وصلت هذه الرحم التي بيني وبينك لجميع الناس ما بقي في بيت المال درهم) فهل معاوية يستطيع أن يصل الناس بالمال؟ لا يستطيع، ولكن بكلمة طيبة قد يسعهم، وكما قال: (لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انفصلت، إن شدوا أرخيت، وإن أرخوا شددت) ، الملاينة في المعاملة، والمجاملة في المعاملة، وليس من باب النفاق ولكنه المجاملة والمسايرة وفرق بينهما بعيد.

стр. 415

الحياء كله خير إلا ما استثني علماء الشريعة يقولون: الحياء خير كله إلا في مسائل، وهي: إن هناك من الأمور ما ينبغي ألا يتركه الإنسان ولا يقول: أستحي أن أفعله، فإذا رأى منكراً من شخص وله مقومات تغيير المنكر، وعلى ما بيّن ﷺ باللسان لمن يقدر على ذلك، وبالقلب لمن لا يستطيع هذا ولا ذاك، فإذا رأى منكراً ورأى إنساناً ذا هيئة يقول: أستحي أن أكلمه، ليس هذا محل الحياء ولكنه الضعف، وكذلك قالوا في طلب العلم كما جاء في الأثر: إن ديننا هذا -يعني العلم- لا ينفع فيه أمران: الحياء والكبر، ولذا قالوا: اثنان لا يتعلمان أبداً: مستحٍ ومتكبر، يتكبر أن يسأل فلا يحصل على علم أبداً. ولذا روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (نِعمَ النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن في أمور دينهن) . وهكذا كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، له صاحب قال له ابن عباس: هلمّ نجمع أحاديث رسول الله ﷺ والصحابة كثر بالمدينة، قال: أترى أن الناس يأتي عليهم وقت ويحتاجون إليك يا ابن عباس؟! يقول ابن عباس: فترك ومضيت) . وجاء عنه رضي الله تعالى عنه أنه كان يجمع بين الأمرين، الحياء بتوقير العلماء، والحياء في ترك السؤال فيما يحتاجه، وذلك في موقفين: الموقف الأول: يقول: (إنه رأى رجلاً سمع عنده حديثاً لرسول الله، وخرج الرجل من المسجد بعد صلاة الظهر، يقول ابن عباس: فتبعته واستحييت أن أوقفه في الطريق، ومضيت خلفه لعله إن وصل بيته يلتفت وراءه فيراني، قال: فولج البيت ولم يلتفت ورد الباب، فجلست عند الباب أنتظر خروجه أو خروج صبية له، فلم يخرج أحد، وأخذ التراب يسفي عليه فتغطى بردائه، إلى أن خرج الرجل لصلاة العصر، فوجده فقال: ابن عباس ابن عم رسول الله على باب بيتي! هلاّ آذنتني فأتيتك، قال: العلم يؤتى إليه ولا يأتي، ما حاجتك يا ابن عم رسول الله؟! قال: حديث سمعته عنك هو كذا وكذا، قال: نعم) . الموقف الثاني: يروي الذهبي في ترجمة زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (أنه ركب ذات يوم وجاء ابن عباس رضي الله تعالى عنه فأخذ بركاب زيد، فقال زيد: تنح يا ابن عم رسول الله! عن الركاب، قال: هكذا أُمرنا أن نعمل مع علمائنا، فقال زيد: أخرج يدك يا ابن عباس! فأخرج يده فأخذها زيد وقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل مع آل بيت رسول الله) . يهمنا في هذا توقير ابن عباس للعلماء، وهكذا طالب العلم وجب ألا يستحي في طلب العلم، ولكن مع توقير العلماء وليس مع تجهيلهم، أو قصد إظهار عجزهم، ولا الإتيان بالمعضلات والألغاز، لا، إنما يريد العلم والاستفادة ويحصل على ما حصل عليه هذا الشيخ أو ذاك. وهكذا أيها الإخوة! يتبين لنا من هذا الحديث على إيجازه من معجزات النبي ﷺ فيما أعطي من جوامع الكلم، وما أعطي من مكارم الأخلاق في هذا الحديث الموجز: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) وقالوا في حقه ﷺ : لقد كان في الحياء الغريزي أشد حياءً من البكر في خدرها، وفي الحياء المكتسب -أي: مع الناس ومعاملات الناس- ما سئل شيئاً إلا وأعطاه حياء من أن يمنع، أما إذا رأى انتهاك حرمات الله غضب لذلك، ولا يقبل لأحد كلاماً في هذا، وهذا هو المقياس في هذا الحديث وبالله تعالى التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 416

الأسئلة

стр. 417

الفرق بين الخجل والحياء السؤال ما الفرق بين الخجل والحياء؟ الجواب أقول: يا إخوان! وخاصة طلبة العلم من أراد أن يعرف حقائق مفردات الأخلاق فليرجع إلى ابن مسكويه في كتابه: فلسفة الأخلاق. الخجل والوجل متضادان؛ الوجل الخوف، والخجل الحياء من كل شيء، والأكثر ما يكون للنساء، ولذا الخجل للرجال ليس ممدوحاً، بخلاف الحياء، فإنه من الغرائز والأخلاق الفاضلة. فالحياء يمكن أن يراعي فيه الإنسان الإقدام والإحجام، ولكن الخجل لا يتملك المرء فيه، والحياء قابل للمقياس العقلي، أما الخجل فلا يقبل ذلك، فالشخص الخجول -كما يقولون- هو أشد ضعفاً من الشخص الذي يقال فيه حيي؛ لأن الذي يستحي يأتي في أوقات وهو أشد ما يكون قوة وجرأة، بخلاف الذي يخجل، الخجل ضعف شخصي ولكنه في النساء كمال. إذاً: هناك فرق بين الخجل والحياء فيكون دقيقاً جداً وهو: أن الخجول لا يملك من نفسه تصرفاً، ولكن الحياء صاحبه قد يستحي ويقف عند حيائه، وقد يتخطى حواجز هذا الحياء فيما هو واجب عليه، والله تعالى أعلم. فالذي أشرنا إليه أن الحياء قسمان: قسم مذموم وقسم ممدوح، وأشرنا إلى أن المذموم هو الذي يمنعك من فعل واجب عليك. فبعض الناس يخرج عن بلده ويأتي إلى بلد غير مسلم ويرى الساعة في يده، ويعلم أنه قد حان وقت الصلاة، وهو عنده زملاؤه في منتزه أو في بيت أو في مكان وعنده الآخرين يستحي أن يؤذن ويقيم ويصلي، لماذا؟ سمعنا بمن يفعل هذا، وأي شيء هذا! يقول: أستحي، يا سبحان الله! تستحي أن تؤدي حق الله؟ قد تكون صلاتك هذه أقوى فعالية مما لو وقفت محاضراً أسبوعاً كاملاً. وكذلك يدخل المطاعم نحو ذلك، وتقدم له الأطعمة والأشربة ويستحي أن يمتنع مما حرم الله، يخشى أن يُقال: متخلف! رجعي! يا سبحان الله! إذا تمسك الإنسان بدينه يقال: متخلف ورجعي! نعم رجعي عن هذا التيار الفاسد. ومن عجب أيها الإخوة! أن أولئك القوم إذا وجدوا مسلماً متمسكاً بدينه وامتنع عن تلك المحرمات تديناً كان أعظم ما يكون في نفوسهم. وبالمناسبة كنا مرة في رحلة على طائرة فرنسية في إفريقيا مع الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، وكان مدة الرحلة ثلاث ساعات، فأقلعت قبل الفجر بربع ساعة، والمدة ثلاث ساعات، معنى ذلك ستنزل بعد طلوع الشمس، وكنا متوضئين، فقلت للشيخ: ماذا نفعل؟ أنتم المالكية تقولون: لا تصح الصلاة إلا على شيء متصل بالأرض، أتترك الصلاة في الطائرة؛ لأنها غير متصلة بالأرض أو تصلي الآن على خلاف المالكية؟ قال: لا، أصلي وأنا على مذهب المالكية، قلت: كيف؟! قال: إن الطائرة متصلة بالأرض بواسطة الهواء؛ لأن الفراغ الذي بينها وبين الأرض مملوء بالهواء والهواء هو الذي يرفعها، فقلت: الحمد لله! هل نؤذن؟ قال: يكفي أن نقيم الصلاة، فقمنا نصلي عند الباب، ولما رأونا وهم فرنسيون عند باب الطائرة وهي كبيرة جاءوا حالاً بالفراش الذي يتغطى به الركاب وفرشوه لنا، وصلينا الصبح جماعة، ثم جاء وقت الإفطار فإذا بما قدموه شكل غريب، وليس فينا من يحسن الإنجليزية إلا بعض الكلمات، فسألنا أحدهم، فإذا هو لحم الخنزير فقلنا له: خذه، فقال: مسلم! فقلنا: نعم، فأصبح خجلاً من نفسه، وفي أقرب وقت جمع كل الأطعمة التي أمامنا كلها وذهب بها، وجاء بفطور جديد ليس فيه ميتة، فهل نستحي ونأكل لحم خنزير أمامهم؟ هل نستحي ونترك الصلاة؟ لقد كان أداء صلاتنا تلك، وامتناعنا عن ذاك الطعام خيراً عظيماً، يقول الشيخ ﵀: هذا الموقف مكننا من العمل بآية من كتاب الله بين السماء والأرض: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] فهل نقول: استحينا ونقول: مسلمين ونأكل؟ يعني: إذا وقع لبعض الأشخاص ظرف ما أمام زملاء أو أمام أصدقاء أو أمام غرباء، فإنه يأكل ويشرب ويستحي منهم، تستحي من الناس ولا تستحي من الله! سبحان الله العظيم! وهناك أشياء عديدة من هذا القبيل لا ينبغي للإنسان أن يقول: استحيت، لا والله ليس حياء ولكنه خور وضعف. إذاً: الحياء منه المذموم ومنه الممدوح، الحياء الممدوح أنك تستحي أن تأكل وأنت تمشي في الطريق، ما الذي منعك؟ الحياء، ويذكر بعض العلماء أن شخصاً دخل على رسول الله ﷺ فطلب ماء يشرب، فستره النبي ﷺ حتى يشرب، قالوا: (ما هذا يا رسول الله؟! قال: هؤلاء قوم يستحون) إلى هذا الحد، وكان يوجد جماعة في موريتانيا أو في أفريقيا لا يأكلون أمام الناس، ويقولون: الذي يأكل أمام الناس هذا (دهنيس) ، الذئب هو الذي يأكل أمام الناس، أما الآدمي الذي يأكل أمام الناس ويرونه فهذا ليس من المروءة، قد يكون هذا الأمر زائداً عن العادة، لكن العلماء رأوا بأن الشخص إذا كان لا يبالي بصغار الأمور قد يتدرج إلى كبارها، وإذا كان يستحي من صغارها ما يمكن أن يعمل الأشياء الكبار، الآن لو في جيبك تفاحة تقدر تخرجها وتأكلها أمام الناس! هل هو حرام، سواء كانت حارة أو مرة أو مالحة؟ لا، ما الذي يمنعك أن تأكلها أمامنا الآن؟ الحياء، فهذا هو الحياء الممدوح، ويكفي هذا القدر في بيان الحياء الممدوح والحياء المذموم، والله أعلم.

стр. 418

الفرق بين المجاملة والنفاق السؤال ما هو الفرق بين المجاملة والنفاق؟ الجواب هناك كتيب لـ ابن رجب يتحدث عن هذا الموضوع، والمجاملة والنفاق قضية كانت أثيرت في عام (٧١م) في النادي في الرياض، والحقيقة أن بين المجاملة والنفاق شعرة، فالمجاملة هي: أن تفعل شيئاً قد لا يكون في مرادك، والنفاق: هو أن تظهر خلاف ما تبطن، ولكن النفاق لؤم وخسة وضعف في المنافق؛ لأنه عجز أن يظهر ما في باطنه، ولكن المجاملة قد تكون مع القدرة ومع السعة، وتكرم من لا تريد أن تكرمه، لكن تكرمه كرماً منك أنت، تنظر إلى مكارم أخلاقك أنت لا إلى ما يستحقه هو. إذاً: المجاملة تكون في موقف القوة والقدرة، وتجامل من هو أضعف منك، أما النفاق فيكون مع الضعف واللؤم، ومع إرادة المضرة، وفرق بينهما -كما قلت- كالشعرة، فالمؤمن يجامل لكن لا ينافق، والله تعالى أعلم.

стр. 419

عدم صحة مراجعة المختلعة أثناء العدة السؤال امرأة خالعت زوجها، وأعطته المال، هل يصح له أن يراجعها أثناء العدة؟ الجواب امرأة خالعت زوجها، بمعنى: خلعت نفسها منه، كان يلبس ثوباً: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] فطلبت منه أن ينزع هذا اللباس فامتنع، فأعطته المال لينزع هذا اللباس وانتزعت منه لباسها على عوض، وحصلت المفارقة بالمخالعة مقابل عوض، فعليها أن تعتد، حتى إذا خرجت من عدتها كان لها حق أن تتزوج غيره، وهو لا يحق له أن يراجعها، أي: لا يحق أن يقول: راجعتك لعصمتي؛ لأنها دفعت مالاً فلم يبق له حق الإرجاع طواعية، ولكنه يعتبر خاطباً من الخطاب بعد انتهاء العدة، فمن حقه أن يرجعها إليه إذا رضيت بعقد جديد. ثم نقول: كم عدة المختلعة؟ هناك من يقول: حيضة، والجمهور على أنها ثلاث حيضات، وبعد أن تحيض حيضة إذا أراد أن يرجع إليها يخطبها كما خطبها زيد وعمرو وينكحها إذا رضيت على صداق جديد، وهل يعقد عليها العقد الجديد وهي لم تكمل عدتها ثلاث حيضات أو لا يعقد؟ ماذا تقولون؟ سبحان الله! هذه من البدهيات، المرأة لأي شيء تعتد من زوجها؟ لنعلم هل هي حامل فيكون الحمل منه أو ليست بحامل فتتزوج غيره أليس كذلك؟ فإذا كان هو صاحب الماء الأول وسيكون صاحب الماء الثاني، إذاً لا حاجة إلى عدة، له أن يعقد عليها بعد أن طلقها ولو بيوم أو يومين أو بأسبوع أو بشهر أو بأكثر أو بأقل، فليس هناك وجوب إكمال العدة؛ لأنها تعتد منه إليه، ليس هناك حاجة إلى العدة.

стр. 420

الدعوة إلى وحدة الأمة وإزالة الفوارق الدنيوية السؤال متى تزال الحواجز وتمنع وترفع الفوارق بين العالم الإسلامي كله ونرجع إخواناً أمة واحدة على كتاب الله وسنة رسوله؟ الجواب هذا السؤال يجيب عنه واحد أو العالم الإسلامي كله مسئول عن هذا الجواب؟ العالم الإسلامي كله مسئول عن هذا، وليست المسألة نظرية، نرجع إلى كتاب الله! كل إنسان يقدر يقول هذا الكلام، ولكن الحلول الإجمالية لا توصل إلى نتيجة أبداً، هناك عوائق شديدة هل يمكن أن تزال أم لا؟ وأنا أقول: أقترح -وأستغفر الله من كلمة أنا- لو صدق العالم الإسلامي في العودة إلى الوحدة لوصلوا، وهناك سُلم لو تدرج العالم عليه لوصلوا، ولنأت الآن إلى وزارات التربية والتعليم فنوحد مناهج التعليم الإسلامي في العالم الإسلامي، العالم العربي والإسلامي يدرس اللغة العربية أو لا؟ نوحد المناهج، الفقه نوحد المناهج، الحديث نوحد المناهج، التفسير! كل الدروس الإسلامية التي تدرس في المعاهد والجامعات نجعلها موحدة، أظن هذه ما فيها خسارة على الناس بشيء. ثم ننتقل خطوة ثانية نحو التعرفة البريدية، فنجعل بريد العالم الإسلامي كله بريداً واحداً، كذلك الجمارك ووزارات الصحة يكون فيها تبادل العلاجات، وتبادل المرضى والدكاترة والخبرات، وكل ما يمكن توحيده فيما بين الأمم يوحد، ثم توحيد للجيوش، وهذه آخر خطوة تكون. فممكن أن تكون هناك خطوات، ولكن أقول: إذا لم يكن هذا وبقي كلٌ على ما تحت يده فليكن توحيد الوزارات الخارجية، السياسة الخارجية تكون موحدة، إذا كانت هناك قضية لدولة مسلمة يتبناها الجميع، ويكافح دونها الجميع، إذا عرضت القضايا في مجمع دولي يكون التصويت للجميع، إذا تقاربوا في وجهات نظرهم في الأمور العملية أعتقد أنهم على سُلّم التقارب سيلتقون عند نقطة نهائية فيما يرضاه الجميع، وهذا المجلس الذي أنشئ في دول التعاون الخليجي، أليست هذه تجربة بين مجموعة دول وأصبحت كأنها بلد واحد؟ هذه التجربة موجودة أو لا؟ الآن هناك تجربة جديدة، وهي في طريق خطواتها الأولى أظنكم تعرفونها وتسمعون عنها، ونحن ننتظر حتى تبرز إلى الوجود إن شاء الله.

стр. 421

حكم تقبيل أيدي الوالدين والعلماء السؤال ما حكم تقبيل اليدين للوالدين والعلماء؟ الجواب اتفق الجميع على جواز تقبيل الوالدين والعالم الذي تستفيد منه وما عدا ذلك لا، وزيد بن ثابت لما قبّل يد ابن عباس؛ لأنه حبر الأمة، ولصلته برسول الله ﷺ ولم يُقبّل زيد كل شخص قريب لرسول الله، وإنما قبّل ابن عباس؛ لأنه جمع الفضيلتين العلم والنسب الشريف لرسول الله ﷺ .

стр. 422

شرح الأربعين النووية - الحديث الحادي والعشرون

стр. 423

شرح حديث: (قل آمنت بالله ثم استقم)

стр. 424

حرص الصحابي على طلب النصيحة من النبي ﵊ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. [عن أبي عمرو وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم) رواه مسلم] . إن هذا الحديث المبارك الذي فيه الجواب عن هذا السؤال الحكيم يعتبره العلماء جامعاً شاملاً لمهام الإسلام، وإنه لتظهر فيه حكمة وحصافة ولب السائل رضوان الله تعالى عليه، وهو أبو عمرة سفيان الثقفي، وهو من ثقيف من سكان الطائف، يسأل هذا السؤال ليتعلم، ويقول الإمام أبو حنيفة ﵀: السؤال نصف العلم، أو هو العلم، ويقال: تعلم كيف تسأل كما تتعلم كيف تستمع، والسؤال ينبئ عن عقل صاحبه. فهذا الصحابي الجليل أتى إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله!) يستحضر في نفسه أن المسئول أمامه هو رسول من عند الله لا ينطق عن الهوى، ويستحضر في نفسه أن المسئول أمامه قد أوتي جوامع الكلم، ويستحضر في نفسه أن المسئول أمامه مبلغ رسالة الله لخلق الله، فهو النبراس، وهو القدوة، وهو السراج المنير الذي يضيء للخلق سبيلهم، يستحضر كل تلك المعاني حينما قال: (يا رسول الله! قل لي) ، وهذا السؤال له ولغيره ممن يبلغه. قال: (قل لي في الإسلام) لا في الدنيا ومتاعها وزخرفها، ولا في السلطة وعزتها، ولا في منصب وجاهه، لا، بل في الإسلام، كان الإسلام ممتزجاً بدمائهم، وأصبح يسري في عروقهم، وأصبح هو ديدنهم ومقصدهم، وهذا مما ينبئ عن قوة إخلاصه، وحسن مقصده، وشدة تيقظه لما يسأل عنه، فالإسلام به عزة الخلق، وفيه سعادة الدنيا والآخرة. والسائل يعلم يقيناً أن الرسول جاء برسالة الإسلام، وقد نفض الدنيا عن يديه، وقال: (أنتم أعلم بدنياكم مني) ، فليسوا في حاجة إلى توجيه فيها، أمر الدنيا يستوي فيه المسلم والكافر، وقد يكون الكافر أشد حذقاً في أمور الدنيا من المسلم، وقد توصل الكافر في أمور دنياه إلى مخترعات، وإلى مستحدثات، وإلى مستجدات لم يصل إليها المسلم حتى اليوم، والدنيا مبناها على التجارب، فطالما يوجد فكر وتجربة توجد نتائج تقدمية، ولكن السائل يهتم بالإسلام، والسؤال عن الإسلام، ولا يمكن أن يجاب عليه إلا من طريق الوحي، ولذا قال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام) ، والإسلام إذا انفرد يشمل الإيمان، فمراده: الرسالة التي حملتها وبلغتنا إياها. قوله: (قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك) ومن بعد رسول الله يسأل؟ ومن بعد رسول الله يستطيع أن يجيب؟ ومن بعد رسول الله يملك أن يزيد على جواب رسول الله؟ لا أحد. قال: (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك أحداً غيرك) ، علم أنه لا يوجد غير رسول الله أعلم بدين الله، فهو يطلب الإيضاح، ويطلب التفصيل، ويطلب البيان، بلا إشكال ولا لبس ولا غموض ولا خفاء، ومن بعد رسول الله أوتي جوامع الكلم؟ فهو أفصح العرب ﷺ . عرف السائل كيف يكيف سؤاله مع رسول الله ﷺ ، ونجد الرسول ﷺ قدر للرجل سؤاله، وعرف حقيقة حاله، وأجابه الجواب الذي لا يوجد مثله أبداً، ولو اجتمع الخلائق كلهم ما استطاعوا أن يضيفوا إلى هذا الجواب حرفاً واحداً، وكان الجواب على مقتضى سؤال السائل من الإيضاح والشمول والبيان والمعرفة والتوجيه، فقال: (قل: آمنت بالله، ثم استقم) ، كلمتان: (آمنت بالله) وحرف العطف (واستقم) ، وفي بعض الروايات: (قل: الله ربي، ثم استقم) ، ذكر بعض العلماء زيادة: أنه سأل أيضاً: (ما أشد ما تخافه عليّ يا رسول الله؟! فأخرج ﷺ لسان نفسه وأمسكه بيده وقال: أمسك عليك هذا) .

стр. 425

حسن جواب الرسول ﵊ وبلاغته وحكمته نرجع إلى هذا الحديث على إيجازه، ونتكلم فيه من جهتين: جهة منهجية، وجهة موضوعية. أما الجهة المنهجية فهي تطابق الجواب مع السؤال، ليشبع رغبة السائل ويكفي حاجته، بكل وضوح وبيان، وبكل شمول واستغراق، وليس ذلك إلا لرسول الله ﷺ . أما الناحية الموضوعية فنجد هذا الترتيب: (قل: آمنت بالله) فالقول يقتضي مقول، وكأنه ﷺ يأمره أن ينطق قائلاً قولاً مسموعاً (آمنت بالله) ، ولم يقل له: آمن بالله ثم استقم؛ لأنه لو قال: آمِن بالله، فالإيمان بالله داخل القلب؛ لأن الإيمان التصديق، ولكن عمل القلب وحده لا يكفي، فلابد معه من نطق اللسان المعبر عن إيمان القلب، ولذا قال له: (قل: آمنت بالله) ، وقال الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ، وما قال: وكان من المسلمين، بل قال: ((وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) ليشهد العالم عليه، وليشترك اللسان في الإيمان. وهنا وقفة: هل السائل غير مؤمن؟ هو يقول: يا رسول الله! ويقول: قل لي في الإسلام، ولكن الرسول ﷺ أعطاه جواباً مكتمل الجوانب، لم يحل فيه على متقدم ولا غائب، بل أعطاه الجواب مكتملاً لا يحتاج إلى إضافة، ولا إلى إلحاق، ولا إلى إتباع، ولا إلى إحالة، كأنه يرسم له منهجاً من جديد، ليكون جواباً له ولغيره، ولو وصل هذا الحديث إلى أي إنسان يعقل فهو موجه له، وإن كان مؤمناً جدد إيمانه، لقد كان ﷺ يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، يجدد ذكر الله.
следующие страницы →