Полный текст (863 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حكم تقبيل أيدي الوالدين والعلماء
السؤال
ما حكم تقبيل اليدين للوالدين والعلماء؟
الجواب
اتفق الجميع على جواز تقبيل الوالدين والعالم الذي تستفيد منه وما عدا ذلك لا، وزيد بن ثابت لما قبّل يد ابن عباس؛ لأنه حبر الأمة، ولصلته برسول الله ﷺ ولم يُقبّل زيد كل شخص قريب لرسول الله، وإنما قبّل ابن عباس؛ لأنه جمع الفضيلتين العلم والنسب الشريف لرسول الله ﷺ .
стр. 422
شرح الأربعين النووية - الحديث الحادي والعشرون
стр. 423
شرح حديث: (قل آمنت بالله ثم استقم)
стр. 424
حرص الصحابي على طلب النصيحة من النبي ﵊
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
[عن أبي عمرو وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم) رواه مسلم] .
إن هذا الحديث المبارك الذي فيه الجواب عن هذا السؤال الحكيم يعتبره العلماء جامعاً شاملاً لمهام الإسلام، وإنه لتظهر فيه حكمة وحصافة ولب السائل رضوان الله تعالى عليه، وهو أبو عمرة سفيان الثقفي، وهو من ثقيف من سكان الطائف، يسأل هذا السؤال ليتعلم، ويقول الإمام أبو حنيفة ﵀: السؤال نصف العلم، أو هو العلم، ويقال: تعلم كيف تسأل كما تتعلم كيف تستمع، والسؤال ينبئ عن عقل صاحبه.
فهذا الصحابي الجليل أتى إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله!) يستحضر في نفسه أن المسئول أمامه هو رسول من عند الله لا ينطق عن الهوى، ويستحضر في نفسه أن المسئول أمامه قد أوتي جوامع الكلم، ويستحضر في نفسه أن المسئول أمامه مبلغ رسالة الله لخلق الله، فهو النبراس، وهو القدوة، وهو السراج المنير الذي يضيء للخلق سبيلهم، يستحضر كل تلك المعاني حينما قال: (يا رسول الله! قل لي) ، وهذا السؤال له ولغيره ممن يبلغه.
قال: (قل لي في الإسلام) لا في الدنيا ومتاعها وزخرفها، ولا في السلطة وعزتها، ولا في منصب وجاهه، لا، بل في الإسلام، كان الإسلام ممتزجاً بدمائهم، وأصبح يسري في عروقهم، وأصبح هو ديدنهم ومقصدهم، وهذا مما ينبئ عن قوة إخلاصه، وحسن مقصده، وشدة تيقظه لما يسأل عنه، فالإسلام به عزة الخلق، وفيه سعادة الدنيا والآخرة.
والسائل يعلم يقيناً أن الرسول جاء برسالة الإسلام، وقد نفض الدنيا عن يديه، وقال: (أنتم أعلم بدنياكم مني) ، فليسوا في حاجة إلى توجيه فيها، أمر الدنيا يستوي فيه المسلم والكافر، وقد يكون الكافر أشد حذقاً في أمور الدنيا من المسلم، وقد توصل الكافر في أمور دنياه إلى مخترعات، وإلى مستحدثات، وإلى مستجدات لم يصل إليها المسلم حتى اليوم، والدنيا مبناها على التجارب، فطالما يوجد فكر وتجربة توجد نتائج تقدمية، ولكن السائل يهتم بالإسلام، والسؤال عن الإسلام، ولا يمكن أن يجاب عليه إلا من طريق الوحي، ولذا قال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام) ، والإسلام إذا انفرد يشمل الإيمان، فمراده: الرسالة التي حملتها وبلغتنا إياها.
قوله: (قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك) ومن بعد رسول الله يسأل؟ ومن بعد رسول الله يستطيع أن يجيب؟ ومن بعد رسول الله يملك أن يزيد على جواب رسول الله؟ لا أحد.
قال: (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك أحداً غيرك) ، علم أنه لا يوجد غير رسول الله أعلم بدين الله، فهو يطلب الإيضاح، ويطلب التفصيل، ويطلب البيان، بلا إشكال ولا لبس ولا غموض ولا خفاء، ومن بعد رسول الله أوتي جوامع الكلم؟ فهو أفصح العرب ﷺ .
عرف السائل كيف يكيف سؤاله مع رسول الله ﷺ ، ونجد الرسول ﷺ قدر للرجل سؤاله، وعرف حقيقة حاله، وأجابه الجواب الذي لا يوجد مثله أبداً، ولو اجتمع الخلائق كلهم ما استطاعوا أن يضيفوا إلى هذا الجواب حرفاً واحداً، وكان الجواب على مقتضى سؤال السائل من الإيضاح والشمول والبيان والمعرفة والتوجيه، فقال: (قل: آمنت بالله، ثم استقم) ، كلمتان: (آمنت بالله) وحرف العطف (واستقم) ، وفي بعض الروايات: (قل: الله ربي، ثم استقم) ، ذكر بعض العلماء زيادة: أنه سأل أيضاً: (ما أشد ما تخافه عليّ يا رسول الله؟! فأخرج ﷺ لسان نفسه وأمسكه بيده وقال: أمسك عليك هذا) .
стр. 425
حسن جواب الرسول ﵊ وبلاغته وحكمته
نرجع إلى هذا الحديث على إيجازه، ونتكلم فيه من جهتين: جهة منهجية، وجهة موضوعية.
أما الجهة المنهجية فهي تطابق الجواب مع السؤال، ليشبع رغبة السائل ويكفي حاجته، بكل وضوح وبيان، وبكل شمول واستغراق، وليس ذلك إلا لرسول الله ﷺ .
أما الناحية الموضوعية فنجد هذا الترتيب: (قل: آمنت بالله) فالقول يقتضي مقول، وكأنه ﷺ يأمره أن ينطق قائلاً قولاً مسموعاً (آمنت بالله) ، ولم يقل له: آمن بالله ثم استقم؛ لأنه لو قال: آمِن بالله، فالإيمان بالله داخل القلب؛ لأن الإيمان التصديق، ولكن عمل القلب وحده لا يكفي، فلابد معه من نطق اللسان المعبر عن إيمان القلب، ولذا قال له: (قل: آمنت بالله) ، وقال الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ، وما قال: وكان من المسلمين، بل قال: ((وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) ليشهد العالم عليه، وليشترك اللسان في الإيمان.
وهنا وقفة: هل السائل غير مؤمن؟ هو يقول: يا رسول الله! ويقول: قل لي في الإسلام، ولكن الرسول ﷺ أعطاه جواباً مكتمل الجوانب، لم يحل فيه على متقدم ولا غائب، بل أعطاه الجواب مكتملاً لا يحتاج إلى إضافة، ولا إلى إلحاق، ولا إلى إتباع، ولا إلى إحالة، كأنه يرسم له منهجاً من جديد، ليكون جواباً له ولغيره، ولو وصل هذا الحديث إلى أي إنسان يعقل فهو موجه له، وإن كان مؤمناً جدد إيمانه، لقد كان ﷺ يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، يجدد ذكر الله.
стр. 426
معنى قوله: قل: (آمنت بالله)
قال: (قل: آمنت بالله) ، الإيمان لغة هو: التصديق، أي: أن يصدق القلب بمقتضى الخبر، ولكن الإيمان في اصطلاح الشرع: تصديق القلب، ونطق اللسان، وعمل الجوارح، فقوله: (قل: آمنت بالله) ، الإيمان بالله هو: التصديق بالله، وبوجوده، وبما يستحقه في ذاته، وبما جاء عن الله، ومن الإيمان بالله الإيمان برسول الله؛ لأنه جاء برسالة من عند الله، ومن الإيمان بالله الإيمان بيوم القيامة؛ لأن الله أخبر به، والإيمان بيوم القيامة إيمان بالجنة والنار، والإيمان بالجنة والنار إيمان بالجزاء والحساب، فمن الإيمان الإيمان بالمجازاة على الإحسان إحساناً، وعلى الإساءة عقوبة، فالإيمان بالله يقتضي الإيمان بكل ما جاءنا به رسول الله من عند الله.
فهذه الجملة الأولى تتضمن كل ما يتعلق بالعقائد، وتتضمن الالتزام بأركان الإسلام، وتتضمن الالتزام بالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج؛ لأن الله هو الذي فرضها، فإذا آمنت بالله قمت بكل ما أمرك به الله، وهذه أركان الإسلام، وإذا آمنت بالله آمنت بكل ما أخبر به الله، وأركان الإيمان: الإيمان بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، إذا آمنت بالله كنت حقاً مسلماً أمرك لله، وهنا قدم ﷺ أولاً الإيمان بالله، ثم أتى بحرف العطف (ثم) الذي يفيد الترتيب والتعقيب، ما قال: قل: آمنت بالله واستقم، وما قال: قل: آمنت بالله فاستقم، بل جاء بثم، والبعض يقول: إن ثم للترتيب والتراخي، وهنا ليس المراد التراخي، وتظهر قوة أسلوب هذا الحديث في قوله: (قل: آمنت بالله) ، فإذا استغرقت كل جوانب الإيمان بالله فاستقم، فكأن عملية الإيمان بالله تحتاج إلى فترة تروٍ وتريث واستجماع وتجميع وإدراك لكل ما يقتضي الإيمان بالله.
стр. 427
معنى قوله: (ثم استقم)
قال ﵊: (قل آمنت بالله ثم استقم) ، فإذا تأمل المسلم هذه الجملة فقط لوجد كل العقائد في هذه الكلمة، فكأنه وضع القاعدة الأساسية التي يقوم عليها البناء، ثم منها الانطلاق، كما يجعلون قاعدة انطلاق قوية إذا كان المنطلق منها قوياً ثقيلاً يحتاج إلى قاعدة راسخة قوية لتتحمل رد الفعل، وتتحمل انعكاس الانطلاق كما يقولون في علم الحركة، فالانطلاق بعد الإيمان بالله إلى الاستقامة أمر عظيم.
وما هي الاستقامة؟ يتفق العلماء على أن الاستقامة وسط بين طرفين، فهي الاعتدال بلا اعوجاج كما قال الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ [الكهف:١-٢] أي: ليس فيه عوج، لا في يمين ولا في يسار، وليس فيه هبوط ولا صعود، بل اعتدال واستقامة، وهكذا يقولون: الفضيلة وسط بين طرفين، فمثلاً: الشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين التبذير والتقتير، وكذلك الاستقامة.
الاستقامة إذا طبقناها على الإسلام كله، وجدناها تدخل في كل شيء منه، وهي الميزان الذي يزن العبد به أعماله.
جاء عن السلف رضي الله تعالى عنهم بيان معنى الاستقامة، فعن أبي بكر الصديق أنه لما قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] فقال: آمنوا بالله واستقاموا على ذلك حتى ماتوا، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: آمنوا بالله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعالب، فالاستقامة على الإيمان بالله هي: الدوام عليه حتى يلقى الله، وهو على استقامته.
ومن جانب آخر يكون تحقيق الاستقامة في الإيمان بالله بلزوم وترك البدع المحدثة، فنحن نقرأ في كتب العقائد عن الطوائف المتعددة التي ضلت في أسماء الله وصفاته، فنجد مثلاً المشبهة والمعطلة، فالاستقامة تكون بلا تشبيه ولا تعطيل، تكون بإثبات صفات الله بلا تشبيه، وتنزيه الله بلا تعطيل، كما قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فالاستقامة هنا طريق وسط بين طرف المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه، وبين طرف المعطلة الذين عطلوا الله من صفاته التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله، فالاستقامة وسط بين هذا وذاك، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، هذه استقامة في حق أسماء الله وصفاته، وإذا جئنا إلى الاستقامة في الإسلام -كما سأل السائل- نجد أن الشريعة كلها بل الرسالة بأكملها إنما جاءت لتقرر الاستقامة والاعتدال في الطريق من الدنيا إلى الآخرة، وهو طريق العبد إلى ربه.
стр. 428
الحث على الاستقامة في سورة الفاتحة
جاء ذكر الاستقامة في كتاب الله في مواضع كثيرة، وهذا الباب واسع، لو تفرغ إنسان لجمعه لجاء على القرآن الكريم كله بجميع تعاليمه، ولنبدأ أولاً بفاتحة الكتاب: قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢-٤] ، في هذه المقدمة: قل: آمنت بالله، إذا حمدت الله أثبت لله صفات الكمال والجلال، وإذا قلت: (رب العالمين) ، أقررت واعترفت لله بالربوبية العامة للعالمين جميعاً، عالم الإنس والجن والملائكة، عالم الحيوان والطير، عالم البحار والجبال، عالم النبات والأشجار، هو رب العالمين يربي العالم كله، فالذي يدبر هذا العالم، والذي أوجده هو الله رب العالمين.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ربوبية رحمة، لا سلطة وقهر وجبروت، مع أنه سبحانه له السلطة وله القوة وله الجبروت، لكنه يربي العالمين بالرحمة، وقد بين ﷺ أنه أرحم بالخلق من الأم على رضيعها، وله مائة رحمة أنزل واحدة في الدنيا، وأمسك تسعاً وتسعين إلى يوم القيامة، فبهذه الرحمة الواحدة يتراحم الخلق فيما بينهم، حتى ترفع الدابة حافرها خشية أن تصيب ولدها، هذه رحمة الله رب العالمين الرحمن الرحيم في الدنيا، وعند المعاد يرحم العباد بتسعة وتسعين رحمة.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ليس معه ملك، وليس معه مالك، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ، وأنت -أيها العبد- أين تذهب؟ دنياك ربنا يدبرها، وآخرتك إليه وحده، إذاً: ليس لك مجال، وليس لك مآل، وليس لك مفر، ولا مهرب، إلا أن تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، وحقاً تقولها، وحقاً هي لله، (قل: آمنت بالله) ومن الإيمان بالله إفراد الله بالعبادة، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) والعبادة كلها لله، وتقديم المعمول -كما يقولون- من أدوات التخصيص والحصر، فاحصر العبادة لربك، وكذلك الاستعانة احصرها بربك، فلا يعينك على أمورك في الدين والدنيا والآخرة إلا الله، وفي الحديث المتقدم: (ولو أن الإنس والجن اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) فمن الذي يعينك على دينك؟ ومن الذي يوفقك للعمل؟ ومن الذي يهديك للصواب؟ ومن الذي يعطيك القدرة للقيام والعمل؟ هو الله وحده لا شريك له، نستعين بك على كل شيء، ومن ذلك العبادة، وإذا كان الأمر كذلك فبأي طريق تسلك العبادة؟ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] الطريق الذي نستمر عليه ونستقيم عليه في عبادتك، وفي أداء حقك علينا، فيما أوجبت علينا يا الله! وما هذا الصراط؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] .
ومن هم الذين أنعم الله عليهم؟ قال الله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] ، ما قال: قدوة، ولا امتثالاً، بل قال: (رَفِيقًا) على هذا الصراط المستقيم، كأنك تسلك صراطاً سلكه من هو خير منك، من نبيين وصديقين وشهداء وصالحين، وأنت تسير معهم، أي صراط تريد أفضل من هذا؟ أي وجهة تولي وجهك سوى هذه الوجهة؟ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] المغضوب عليهم هم: الذين علموا وتركوا العمل والضالون هم: الذين عملوا بغير علم، والأولون هم اليهود؛ لأنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، والآخرون هم النصارى؛ لأنهم ابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم، فتطلب من الله في هذه السورة الكريمة الهداية إلى الصراط المستقيم، الذي هو صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتسأله أن يجنبك السبل والطرق الأخرى، بأن يجنبك طريق العلم مع ترك العمل، ويجنبك طريق العمل بلا علم، والاستقامة بين هذين الطرفين، فإذا انتهيت من سورة الفاتحة يباشرك في كتاب الله، أول ما يأتيك في المصحف الشريف سورة البقرة: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] ، سألت الله الهداية إلى الصراط المستقيم، فهذا الكتاب الذي جاء به رسول الله ﷺ لا ريب فيه هدىً للمتقين، تسأل الله الهداية؟ فهي في هذا الكتاب، تسأل الله الصراط المستقيم؟ فهذا هو الصراط المستقيم، ومن هم المتقون؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٣-٥] .
أيها الإخوة: نجد أول المصحف الكريم في سورة الفاتحة يتعبدنا الله في كل يوم على عدد ركعات الفريضة سبع عشرة ركعة نقرأ فيها (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، ونجد المقدمة إيماناً بالله وتمجيداً لله، ولهذا جاء في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي.
وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: مجدني عبدي) إلى قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين، فيقول: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل) .
وإذا قرأنا سورة البقرة وجدنا فيها أكثر من أربعين قضية تشريعية اجتماعية وأخلاقية ومعاملات سواءً كانت في القضاء أو في الحقوق أو في الدماء أو في غير ذلك.
стр. 429
الحث على الاستقامة في سورة الأنعام
وفي سورة الأنعام نجد موقفاً آخر مع الاستقامة، قال الله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] لا ما حرمتم على أنفسكم، وما سيبتم من السوائب، وما اعتبرتم من البحيرة والوصيلة، لا كهذه التحريمات التي هي عن هوىً وجهالة، وبين بطلان ذلك بالتذكير بأنه خلق ثمانية أزواج من الضأن والماعز ومن البقر والإبل ولم يحرمها فقال: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:١٤٣] وبعد ذلك أمره الله أن يقول لهم: تعالوا أبين لكم حقيقة ما حرم ربكم عليكم، فبدأ بقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] ، وهذا يوافق الحديث: (قل: آمنت بالله ثم استقم) ، فالتوحيد بداية كل شيء، ثم قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] إلى آخر الآية، ذكر حق اليتيم وإيفاء الكيل والوفاء بالعهد، ثم قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] ، (وأن هذا صراطي مستقيماً) أي: هذا التشريع وهذا البيان وما يتلوه عليهم رسول الله مما حرم الله عليهم، ومما فرض عليهم.
ثم في آخر السورة تجد قوله سبحانه، ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦١-١٦٣] .
انظر إلى هذه الآية: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) لو أخذنا قوله في سورة الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وهنا قال: (هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، ما هو؟ قال: (دِينًا قِيَمًا) والدين القيم هو الإسلام، وقال الله: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) ، وفي آخر سورة النحل قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] ، فيبين هذا الصراط بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، فإياك نعبد وحدك، وصلاتي ونسكي لك وحدك، بل إن محياي أي: حياتي كلها بكل ما فيها، وما أتصرف فيها من حركاتي وسكناتي وقولي وصمتي وقيامي ونومي وكل تركاتي هي لك يا الله! لأنه لا يتحرك لنفسه، ولا لمنصب، ولا لدنيا يجمعها، إنما يتحرك لأمر الله، إما تنفيذاً لأمر من أوامره، وإما كفاً عن نهيٍ من نواهيه، فيعلن ﷺ أن حياته كلها ومماته لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، وبالفعل هو أول من آمن بالإسلام والرسالة التي جاء بها من عند الله، وذلك بشهادة الله في قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] إذاً: قوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، أولية زمنية؛ لأن صاحب الدعوة إذا لم يكن مؤمناً بها كيف يدعو الناس أن يؤمنوا بها؟ كيف تدعو إلى شيء لم تقتنع به، ولم تؤمن به، وتريد غيرك أن يؤمن به؟! ولهذا فإن الدعوات الزائفة يعلم أصحابها بأنها زائفة، ولا يؤمنون بها، ولا يكون لها استمرار، ولا يدوم لها بقاء؛ لأنها ليس لها جذر تقوم عليه، وليست لها قاعدة تنطلق منها، بل الداعي إليها والآتي بها لا يؤمن بها، فعلى أي شيء يرتكز.
стр. 430
الحث على الاستقامة في سورة الشورى
وفي سورة الشورى نجد قوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى:١٣-١٥] ، قال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى) وذكر الأنبياء، فكلهم على الإيمان، قال الله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:٢-٤] وهنا قال أيضاً (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، ثم قال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى:١٥] ، إذاً: اتباع الأهواء مغاير للاستقامة؛ لأن الاستقامة اعتدال وسير معتدل، واتباع الهوى سير معوج يميناً ويساراً.
أيها الإخوة الكرام: إن موضوع الاستقامة الذي جاء في هذا الحديث لواسع، فنذكر النتائج المترتبة على هذه الاستقامة:
стр. 431
الرزق العاجل في الدنيا من ثمرات الاستقامة
قال الله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦] ، إذاً: نتيجة الاستقامة الرزق العاجل في الدنيا.
وقال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] يقول الشافعي وغيره: إن هذا الحديث: (قل: آمنت بالله، ثم استقم) ، منتزع من هذه الآية الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) ماذا تكون النتيجة؟ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] تتنزل ولم يقل: تنزل، كأن فيه تجدد النزول سواءً كان بالنسبة للأفراد فكل شخص تنزل عليه ملائكة خاصة، أو للشخص فيتكرر عليه نزول الملائكة بالبشرى، تتنزل عليهم الملائكة من أجل ماذا؟ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ، أي بشرى أعظم من هذه يا إخوان؟! انظر إلى هذه المقدمة قبل دخولهم الجنة ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] ، فنفي الخوف والحزن معاً في وقت واحد، ويقولون: الخوف من المستقبل، والحزن على الماضي.
ومتى يكون تنزل الملائكة؟ الجمهور على أنه في لحظة النزع، عند إدباره من الدنيا، وإقباله على الآخرة، وهذا أشد ما يكون خوفاً مما أمامه، وأشد ما يكون حزناً على ما ترك وراءه، فيقال لهم: ألا تخافوا من المستقبل، لماذا؟ لأنكم كنتم على استقامة، ولا تحزنوا على الماضي، وما من إنسان يخرج من الدنيا إلا وهو آسف، إن كان محسناً أسف أن لم يكن قد ازداد، وإن كان مسيئاً يأسف أن لم يكن قد أحسن، فساعة النزع ساعة حزن قطعاً، والملائكة تأتي لترفع عنه هذا العبء والخوف من طريق لم يسلكه من قبل، وما يدري ماذا أمامه، فهو طريق مجهول، لو كنت تمشي في فلاة من الأرض، وما سبق لك أن مشيتها من قبل، وكنت في ظلام دامس، ولا دليل معك، ولا تدري أتطأ شوكاً أو حجراً أو حية أو تقع في حفرة، ولا تدري ماذا يكون أمامك، فكيف يكون سيرك؟ لا شك يكون بخوف، فالميت ترك أطفالاً وصاروا يتامى، وترك أموالاً ولا يدري ما يصير فيها، وترك زوجات، وغير ذلك، فكل ذلك يكون موضع حزن، ولو لم يترك شيئاً بالكلية فإنه ترك الدنيا التي كان يعمل فيها الخير، ولحظة من لحظات الدنيا يذكر الله فيها خير من الدنيا وما فيها، كما جاء أخوين مات أحدهما، وعاش الآخر بعده أياماً، ثم ذكر الأول بخير، ثم ذكر الثاني بخير أكثر منه، فقال ﷺ : (ألم يكن صلى وصام بعده؟ قالوا: بلى، قال: ذلك زيادة خير) .
وهكذا الدنيا هي سوق الإنسان، وعمره هو رأس المال، ففيها يعمل رأس المال في سوقه ليصل إلى الربح، فإن ربح فالحمد لله، وإن خسر -عياذاً بالله- فليس هناك سوق آخر، فتتنزل الملائكة على المؤمنين في تلك اللحظات، ويقولون لهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] ، ومع ذلك يزيدونهم على هذه الطمأنينة بقولهم: ﴿وَأَبْشِرُوا﴾ [فصلت:٣٠] ، والبشرى هي: الخبر السار الذي تتغير له بشرة الوجه بالبشرى والاستبشار والتهلل والسرور، وهذه أعظم بشرى يتلقاها الإنسان، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ، الذي أخبركم بها الرسول، وقرأتم عنها في القرآن، ووصفت لكم بأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ثم ربط بين ملائكة الرحمة وبين الإنسان المستقيم، فهم أخوة، فقال الله عن الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١] ، ولاية الملائكة للإنسان متى كانت؟ لقد كانت ولاية مرافقة، وولاية نصرة، وولاية تأييد، ولقد نزلت الملائكة تقاتل مع المسلمين في الغزوات، فكانوا فعلاً أولياء المؤمنين في الحياة الدنيا، وكذلك امتدت الولاية إلى الآخرة، قال الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧] أي: استقاموا على طريقك، ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧-٩] ، فهذه هي الولاية الحقيقية، (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) ، وقال الله عنهم: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤] ، ويقولون: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١-٣٢] ، والنزل هو: الذي يقدم للضيف على عجل حتى تؤدى له الوليمة الكبرى، فالملائكة تقدم أول مجيئهم الهدايا والتحية، في أول نزولهم إلى الجنة.
ثم ذكر الله الدرجة العليا للدعاة إلى الله، وهم كل من استقام على دين الله، ولم تشغله نفسه عن إخوانه، بل تفرغ لهذا الصراط، يدعو من حاد عنه يميناً أو يساراً، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ، لا أحد أحسن قولاً منه، ثم بين سبحانه عظيم مهمة هذا الداعي، وعظيم قدر تلك الاستقامة، فقال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] ، الداعي يتعرض إلى إساءة الناس، فأمره الله أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] ، أي: ادفع إساءة المسيئين بالحسنة، وهل يستطيع كل إنسان ذلك؟ لا، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ، تنتقل العداوة إلى صداقة وولاية؛ لأنك استقمت على سبيل الدعاة إلى الله، قال الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ، فمن كان كذلك داعياً إلى الله، فلا أحد أحسن قولاً منه، ولكن ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] ، أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
أيها الإخوة: قال ﷺ : (سددوا، وقاربوا، ولن تحصوا) أي: ولن تستطيعوا أن تأتوا بكل ما أمرتكم به، ولكن سددوا، والتسديد هو: التصويب، حينما تجعل هدفاً أمامك وترميه بالسهم فتصيبه، فالتسديد هو: أن تصوب السهم إلى غرضه، فسدد في العمل، واقصد الغاية المرجوة، وقد قال ﷺ : (ولن تطيقوا) أي: لن تطيقوا كل الاستقامة، ولكن سددوا وقاربوا.
قال بعض السلف: المستقيم على الصراط المستقيم كالجبل لا تحرقه النار، ولا يتأثر بالبرد، ولا تزعزعه الأهواء، بل هو ثابت مستقر في مكانه، وهكذا المسلم المستقيم؛ لا تغره الدنيا بزخرفها، ولا يلين مع الهوى ولا إلى المال، ولو راودته نفسه فهو مستقيم لا يتزعزع، مستقر على الطريق السوي من دنياه إلى آخرته.
والله أسأل أن يوفقني وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا الاستقامة على دينه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم! اهدنا صراطك المستقيم، اللهم! أعنا على سلوكه، اللهم! اجعل لنا الرفيق الأمين الذي نقتدي به، اللهم! اجعلنا من أتباع سيد الخلق ﷺ ، ووفقنا لنتبع ما جاء به من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، اللهم! أوردنا حوضه، واسقنا من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم! إنا نسألك -يا الله- أن تأخذ بنواصي المسلمين إلى الخير، حكومات وشعوباً، حاكمين ومحكومين، واهدهم إلى العودة إلى كتاب الله والاستقامة على دين الله، ونسألك أن توفقنا جميعاً إلى ما تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير، والقادر على ذلك، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ ، اللهم! واجزه عنا أحسن ما جازيت نبياً عن أمته.
стр. 432
شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني والعشرون
стр. 433
الاقتصار على الفرائض يدخل الجنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: [عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: (أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: نعم) رواه مسلم] .
هذا الحديث يأتي به النووي ﵀ بعد حديث الاستقامة: (قل: آمنت بالله، ثم استقم) .
وتقدم في معنى الاستقامة أنها أداء جميع الواجبات، واجتناب جميع المنهيات، وأنها أمر عظيم لا يطيقها إلا عظماء الرجال.
وهنا كأن النووي ﵀ قصد بإيراد هذا الحديث: (أرأيتَ إن صليتُ المكتوبات، وصمت رمضان ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: نعم) ، كأنه ﵀ يريد أن يقول: إذا كانت الاستقامة هي مهمة الشريعة الإسلامية كلها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، فإن أقل ما ينبغي على المسلم إنما هو ما جاء في هذا الحديث: أداء الواجبات، وترك المحرمات.
стр. 434
ترجمة لجابر بن عبد الله الأنصاري راوي الحديث
الحديث يرويه أبو عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري الخزرجي.
وجابر رضي الله تعالى عنه من آخر من توفي بالمدينة، وكان له حلقة علم في هذا المسجد النبوي الشريف.
ويقول عن نفسه: (ما تخلفت عن غزوة مع رسول الله ﷺ بعد أن استشهد أبي في غزوة أحد) .
وله مع أبيه، ومع رسول الله ﷺ أحداث جسام.
مما جاء عنه: أن أباه لما استشهد في أحد قال: (جئت وأبي مسجّى بين يدي رسول الله ﷺ ، فأردت أن أكشف وجهه لأراه، فنهاني الصحابة وسكت عني رسول الله، قال: نهوني مخافةً عليَّ مما أرى بأبي من المُثْلة.
ثم بعد ذلك يقول: لقيني رسول الله ﷺ ، أو في ذلك الوقت يقول له رسول الله ﷺ : إن الملائكة كانت لا زالت تحفه بأجنحتها حتى رُفع) .
ثم بعد ذلك لقي رسولُ الله ﷺ جابراً فقال له: (هلم يا بنيَّ! أتدري ماذا فعل الله بأبيك؟ لقد أحياه، وما كلّم الله أحداً كفاحاً سوى أبيك، قال: تمنَّ يا عبدي! قال: أتمنى -يا رب- أن تعيدني إلى الدنيا أقاتل في سبيلك وأستشهد مرةً أخرى.
قال: سبقت كلمتنا أنهم إليها لا يُرجعون -أي: انتهى الأمر-، تمنَّ.
قال: أخبر من وراءنا بما وجدنا) .
ثم إن رسول الله ﷺ لقي جابراً بعد أيام كئيباً، فقال: (ما بالك -يا بني- كئيباً؟ قال: يا رسول الله! استشهد أبي وعليه دين، فجئت إلى أصحاب الدين -وهم من اليهود- فأعطيتهم كل ما عندي -وكان عنده بستان من أبيه- ليأخذوه في دين أبي فلم يقبلوا، طلبت منهم التأجيل فلم يؤجلوا، وطلبت منهم أن يضعوا من دين أبي فلم يضعوا.
فقال ﷺ : إذا أردت الجَداد فآذِنِّي.
فأخبر رسول الله ﷺ فأتاه ومر بالبستان، وقال له: جُدَّ كل نوع على حدة، ثم اكْتَل لهم دينهم.
قال: فوفيت جميع الدين، وبقي لي من ثمرة البستان مثل ما كنت أجُدُّ كل عام) .
يقول جابر رضي الله تعالى عنه: وبعد ستة أشهر ذهبت لأنقل أبي -أي: من أرض المعركة، وقد كانوا أرادوا نقلهم في أول يوم، فنهاهم رسول الله ﷺ ؛ لأن شهيد المعركة يُدفن في مكانه- وبعد ستة أشهر يقول: جئت لأنقل أبي فما وجدت الأرض غيَّرت منه شيئاً إلا شعرات في لحيته، ولكأنه دُفن بالأمس.
ويروي مالك ﵀: (أن السيل مر بمحل المعركة فاحتفر قبر عمرو بن الجموح وآخر، فجاء أهلهما يحملانها من الوادي وينقلانهما إلى المدينة، وكان بين ذلك السنوات الطوال -قال ابن كثير:- ما غيرت الأرض منهما شيئاً، وكان عمرو واضعاً يده على صدغه -أي: على جرح- فرفعنا يده، فلما تركناها عادت حيث كانت) .
هؤلاء هم الشهداء أحياء عند الله.
وبهذه المناسبة: سمعت من بعض الإخوان أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في منطقة سيد الشهداء، في أواخر الستينات الهجرية، يقول بلسانه -وأسمع منه بأذني-: توفي لنا طفل صغير، فاستكثرنا أن ننقله إلى البقيع، وقلنا: ندفنه في مقبرة الشهداء بأحد، قال: فذهبت أنا ورجل معي، نحفر القبر، فإذا بالدم يفاجئني في وجهي، ونظرنا فإذا فخذ إنسان، قال: فأخذنا قطعة من الثياب وعصبنا الدم، وأعدنا التراب، وجئنا بالطفل إلى البقيع.
تلك آيات نشاهدها وعلامات نحضرها يقيمها الله لكل مسلم آيةً محسوسةً ودليلاً وشاهداً على ما جاء في كتاب الله، وإن كان كتاب الله دليلاً قائماً، ولا يتوقف الإيمان به على مشاهدات ولا محسوسات، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] .
стр. 435
حرص الصحابة على السؤال عما يدخلهم الجنة
جابر بن عبد الله يروي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، وعدة رجال تتنوع أسماؤهم، لكن تتفق أسئلتهم، يأتون إلى الرسول ﷺ .
هذا الرجل يقول: (أرأيت يا رسول الله) : بمعنى: أعلمني أو أخبرني.
(إن صليت المكتوبات) المكتوبات: الصلوات الخمس، والمكتوبات أي: المفروضات الواجبات، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] .
(وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام) : وفسر النووي (أحللت الحلال) : فعلته معتقداً حِلَّه، (وحرمت الحرام) : اجتنبته معتقداً حُرْمَته.
(أأدخل الجنة؟ قال: نعم) .
هذا الحديث -مع أمثاله، وما يشبهه في موضوعه- اقتصر على فرضين: الصلاة.
والصيام.
وجاءت أحاديث أخرى فيها الزكاة وفيها الحج.
كما جاء أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ثائر الرأس وقال: (يا رسول الله! أعلمني ماذا فرض الله عليَّ؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة.
قال: هل افترض عليَّ غيرها؟ قال: لا.
إلا أن تطوَّع.
قال: ثم ماذا؟ قال: صوم شهر رمضان.
قال: هل افترض عليَّ غيره؟ قال: لا.
إلا أن تطوَّع.
قال: ثم ماذا؟ قال: زكاة مالك -وعلَّمه الزكاة-.
قال: هل فرض عليك غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع.
قال: ثم ماذا؟ قال: تحج بيت الله إن استطعت إليه سبيلاً.
قال: هل فرض علي غيره؟ قال: لا.
إلا أن تطوَّع.
فقال: والذي بعثك بالحق نبياً! لا أزيد على ذلك ولا أنقص.
فقال ﷺ : أفلح -وأبيه- إن صدق.
وفي رواية: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) .
هذا الحديث يبحثه العلماء من عدة جوانب: أولاً: كون الرجل يسأل -وفي بعض الروايات أو بعض الطرق- أو بعض الرجال الذين جاءوا.
جاء رجل -وهو طفيل - وقال: (يا رسول الله! جاءنا رسولك، وأخبرنا أنك رسول الله، فهل هذا حق؟ قال: نعم.
قال: والذي رفع السماء! آلله أرسلك؟ قال: نعم، والذي رفع السماء! إنه أرسلني.
قال: إن رسولك أخبرنا أنه كُتب علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم.
الله أمرني بذلك.
وذكر صوم رمضان، وذكر الزكاة، وذكر الحج، كل ذلك يقول: رسولك أخبرنا بذلك، والذي رفع السماء! آلله أمرك بهذا؟ فيقول ﷺ : نعم.
فيقول -كما قال هذا وذاك-: والذي بعثك بالحق! لا أزيد على ذلك ولا أنقص) .
في هذا الحديث الاقتصار على الصلاة المكتوبة، وهي خمس صلوات، يستدل العلماء على أنه لا فرض بعد الصلوات الخمس، وأن ما عدا الصلوات الخمس: إما من باب فرض الكفاية، وإما من باب السنة.
والسنن تتفاوت.
ويجيبون على قول مَن يرى أن الوتر فرض؛ ولكن لم يقل بفرضية الوتر أحد من الأئمة الأربعة، إلا أن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول بوجوبه.
وليعلم الجميع أن الوجوب والفرض اصطلاح.
فاصطلاح الإمام أبي حنيفة ﵀: أن الواجب دون الفرض.
وأن اصطلاحه: أن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي من كتاب أو سنة متواترة.
والواجب: ما ثبت بسنة عن النبي ﷺ ، وهو يقابل اصطلاح (السنة المؤكدة) لدى الأئمة الثلاثة.
والأئمة الثلاثة ﵏ عندهم السنة المؤكدة الوتر، وركعتا الفجر؛ لأن النبي ﷺ ما كان يتركهما لا في حضر ولا في سفر، وقال في ركعتي الفجر: (صلوهما ولو طاردتكم الخيل) .
стр. 436
الفرض والنافلة فيما يتعلق بالتوحيد
إن لكل ركن من الأركان الخمسة -التي بُني عليها الإسلام- نوافل: فأول أركان الإسلام: الشهادتان (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) : وقد كان ﷺ يقول ويحث على قول: (لا إله إلا الله) دبر كل صلاة مائة مرة.
أو في كل يوم مائة مرة.
وكان يحث على التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ثلاثاً وثلاثين ثلاثاً وثلاثين، وأن يختم المائة بـ (لا إله إلا الله) .
وكذلك الصلاة والسلام على رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
قالوا: إن الصلاة على النبي فرضٌ في العمر مرة بدليل قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه.
فقالوا: بمقتضى هذه الآية صارت الصلاة على النبي ﷺ فرضاً ولو في العمر مرة؛ ولكن لها نوافل، كما جاء في الحديث: (حينما صعد ﷺ المنبر وكان من ثلاث درجات، وكلما صعد درجة قال: آمين آمين آمين، فلما خطب ونزل، قالوا: يا رسول الله! سمعناك تؤمِّن ولا ندري علام أمَّنت! قال: أتاني جبريل، وقال لي: رغم أنف امرئ أدرك أبويه -أو أحدهما- على الكبر ولم يغفر له، أبعده الله يا محمد! قل: آمين.
فقلت: آمين.
ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان ثم خرج ولم يغفر له، أبعده الله يا محمد! قل: آمين.
فقلت: آمين.
ثم قال: رغم أنف امرئ ذُكرت عنده ولم يصلِّ عليك أبعده الله يا محمد! قل: آمين.
فقلت: آمين) .
من هنا قال العلماء: من الواجب على كل مسلم إذا سمع اسم رسول الله ﷺ ذكر عنده أن يصلي عليه صلوات الله وسلامه عليه.
وقد جعل الله لتلك الصلاة أجراً عظيماً، كما قال ﷺ : (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) .
стр. 437
الفرض والنافلة في الصلاة
وإذا جئنا إلى أركان الإسلام الأخرى: فأولها: الصلاة.
وقد أوجب الله الصلوات الخمس، ونعلم جميعاً أنها أول ما فرضت خمسين صلاة، ثم ما زال النبي ﷺ يتردد بين ربه وبين موسى ﵇ ويطلب التخفيف ويُسقط عنه خمساً خمساً حتى استقرت خمساً في العمل وهي في الأجر خمسون.
وجعل الله سبحانه مما شرع نبيه ﷺ -وهو لا ينطق عن الهوى- صلوات أخرى نوافل: منها الرواتب مع الفريضة.
ومنها النوافل المقيدة بزمن أو بعمل.
ومنها النافلة المطلقة.
فمن الرواتب: كما جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات في اليوم والليلة -أي: نوافل- وذكر ركعتي الفجر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبله، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء) ، وجاءت أحاديث أخرى: (أن مع الظهر أربعاً قبلها وأربعاً بعدها، ومع العصر أربعاً قبلها) .
وبين المغرب والعشاء صلاة الأوابين: ست ركعات، ركعتين ركعتين ركعتين.
ثم قيام الليل بلا حد ولا عد.
تلك هي الرواتب مع الصلوات الخمس.
وهناك النوافل المقيدة بزمن: كركعتي الضحى، وقد ذكر ﷺ ما يترتب عليها من عظيم الأجر كما سيأتي أنها تعدل ثلاثمائة وستين صدقة، وكذلك تعلم القرآن في بيوت الله تعالى، ومن فضل ذلك قول رسول الله ﷺ : (أيكم يحب أن يذهب إلى بطحان ويأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم، قالوا: كلنا يريد ذلك يا رسول الله! قال: من غدا إلى المسجد فتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع) .
والمقيدة بعمل: ذكر ﷺ : (كلُّ سلامى من ابن آدم كلَّ يوم تطلع فيه الشمس عليه فيها صدقة) ، والسلامى: المفصل في الجسم، وقالوا: في جسم الإنسان ثلاثمائة وستين سلامى، أي: في أصابعه وفي ظهره وفي ضلوعه وفي يديه ورجليه إلى غير ذلك، تلك السلامات صيانتها، وحفظها إنما هي كما قال ﷺ : (عليه صدقة) ، ثم مَن في جميع الصحابة يستطيع أن يتصدق كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة، قالوا: (ومن يستطيع ذلك يا رسول الله؟! فقال: كل تحميدة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وأن تعين أخاك على دابته فتحمله عليها أو تحمل له متاعه صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه بشوش صدقة، ويُجزئ عن ذلك كله ركعتا الضحى) .
هناك أيضاً الصلوات الأخرى التي تدخل في باب فرض الكفاية: كصلاة الجنائز.
وكذلك الكسوف.
والاستسقاء.
وغير ذلك.
جاء عنه ﷺ أن لهذه النوافل مهمتان: المهمة الأولى: الصيانة والضمان والأمن على الفريضة، كما جاء عنه ﷺ أن الله سبحانه أول ما يسأل العبد يوم القيامة عن الصلاة، فإن كانت مجزئة ووافية فبها ونعمت وصلح سائر عمله وأُلحقت بها جميع الأعمال، وإن كانت قد نقصت، وفرط وضيع، وأراد الله بالعبد خيراً يقول للملائكة: (انظروا هل لعبدي من نوافل؟ فيقولون: بلى يا رب! فيقول: اجبروا فريضته من نافلته) ، وهكذا سائر الأعمال.
تلك النوافل يتكرم المولى سبحانه ويجبر منها الفريضة، فريضة الصلاة التي هي أول ما يُسأل عنها العبد، فإن قُبلت قبل معها سائر عمله، وإذا رُدت رُد معها سائر عمله؛ لأنها العهد الذي بيننا وبينهم، والذي جاء في خصوصها وحدها: (من ترك الصلاة فقد كفر) .
والمهمة الثانية في جميع النوافل: أن الله سبحانه قال في الحديث القدسي: (إن أقرب أو أحب أو أشد ما تقرب إلي به عبدي بما افترضته عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها ... ) ، وبين العلماء أن هذا العبد يصبح عبداً ربانياً لا يسمع إلا في الله، ولا يبصر إلا في الله، ولا تتحرك يده أخذاً وعطاءً إلا فيما يرضي الله، ولا تسعى قدمه إلا إلى رضاء الله.
وأشرنا في السابق في شرح معنى: (الصراط المستقيم) في قوله سبحانه لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً.
﴾ [الأنعام:١٦١] إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] .
وهكذا تكون النوافل هي السلم الذي يعرج عليه العبد إلى ربه، وهو مرتقى المنازل العليا لكل مسلم.
إذاً: النوافل لها أهميتها هي تابعة لكل فريضة كما أشرنا.
стр. 438
الفرض والنافلة في الصوم
كذلك الصوم: فرضُه رمضان؛ ولكن جاءت بالإضافة إليه نوافل أخرى: جاء صوم الإثنين والخميس، وقال فيه ﷺ : (يوم الإثنين يوم فيه ولدت، وعلي فيه أنزل) ، وفي يوم الخميس قال: (يوم تعرض فيه الأعمال على الله -أو على ربي-، وأحب أن يعرض عملي على ربي وأنا صائم) .
وذكر صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقال في ذلك: (من صام من كل شهر ثلاثة أيام فكأنما صام الدهر) أي: أن الحسنة بعشرة أمثالها.
وجاء في موضع آخر: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) .
وهكذا يبين ﷺ في نوافل محددة كصوم يوم عاشوراء، أنه: (يكفر سنة ماضية) .
وفي صوم يوم عرفات يقول: (يكفر السنة الماضية والباقية) .
стр. 439
الفرض والنافلة في الزكاة
أما الزكاة: فبيَّن سبحانه وجوبها في قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] أي: معدود محسوب، سواءً كان في الحبوب العُشر أو نصف العُشر، أو كان في النقدين ربع العشر أو كما يقولون: (٢.
٥%) ، وبين ﷺ زكاة بهيمة الأنعام فيما يتعلق بالإبل والبقر والغنم.
ولكن (إن في المال حقاً سوى الزكاة) وقد بين ﷺ أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم يمينُه ما تنفق شمالُه) ، لا تقل: (شمالُه ما تنفق يمينُه) .
ويقول بعض العلماء: إن الحديث فيه قلب، والأصل: (لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) .
والصواب: لا.
كما جاء في الحديث: (لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) وليس هناك قلب؛ لأن الرسول ﷺ إنما يبين مدى إخفاء المتصدق صدقته، والناظر دائماً إنما يراعي اليمنى؛ لأنها صاحبة الحركة، وصاحبة العطاء، وصاحبة الأخذ، أما اليسار فلا دخل لها في ذلك، وهو من شدة إخفائه الصدقة يوقف حركة اليمين ويحرك اليسار؛ لأن الأعين لا ترقبها.
فالحديث فيه: (حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله) ، هذا الذي يتصدق بهذا المال على هذه الصفة إنما يتعامل مع مَن؟ مع الله، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥] .
وقد جاءت النماذج والأمثلة في سلف الأمة، فهاهو الصديق رضي الله تعالى عنه يَخرُج من ماله كلِّه، فيسأله رسول الله ﷺ : (يا أبا بكر! ما تركت لعيالك؟ فيقول: تركت لهم الله ورسوله) .
وهاهو عمر الفاروق ﵁ يقسم ماله نصفين أيها الإخوة! إن الإنفاق أو الصدقة النافلة باب مفتوح ومجال واسع ومهمتها أشياء عديدة: في الفريضة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، نعم.
تطهر قلوب الأغنياء من الشح والبخل، وقلوب الفقراء من الحقد والحسد؛ لأن الفقير إذا رأى النعمة عند الغني يستأثر بها دونه فلا يناله منها شيء تحرك الحقد في قلبه والحسد والغيظ، أما إذا وجد نعمة الغني تفيض عليه فإنه يكون حارساً لهذه النعمة ويدعو الله له أن يبارك في ماله وأن يديمه عليه وأن يزيده لتزيد حصته فيه.
ورغم ما في هذه الأبواب من الخير إلا أننا نغفل عنها، وفيما يتعلق بالحث على الصدقة يأتي الشرع الحكيم بقصتين عجيبتين: يأتي بقصة أصحاب الجنة: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:١٧-٢٠] .
لماذا؟ لأنهم تنادوا ﴿مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم:٢١-٢٦] .
لماذا؟ أبوهم كان يتصدق؟! أبوهم كان يخرج من ثمارها؟! ولكنهم هم ضنوا وبخلوا بهذا القدر وعزموا على ألَّا يعطوا أحداً، وأن يصرموها ليلاً قبل أن يصحو المساكين ويأخذوا منها شيئاً، فعاملهم الله بنقيض قصدهم.
ويذكر لنا ﷺ في المقابل: (بينما رجل يمشي في فلاة فإذا به يسمع صوتاً في السحاب: اذهبي فأمطري فاسقي مزرعة فلان) وانظروا أسلوب الحديث! (في فلاة) ليس في وسط قرية أو مدينة فنقول: هذا تشويش أو شيء يختلط أو شيء يُتوهَّم، بل فلاة من الأرض، ليس هناك تشويش ولا وهم.
ويسمع الصوت صريحاً في السحاب؛ من الذي يسخر السحاب؟ من الذي يأتي به؟ من الذي يسوقه فيحيي الأرض الميتة؟ إنه الله، لا شمس تبخِّر، ولا محطيات تتبخَّر، ورطوبة تتكاثف ثم يعود إلى الأرض، لا؛ والله! إنه صنع الله ، من تبخير أو من بحار أو من شمس.
أو غير ذلك، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، ويسوقها إلى ما يريد، ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر:٩] سياق من الله، فهذه السحابة تؤمر وتذهب حيثما أمرت، قال: (فيمشي الرجل في ظلها، فإذا بها تأتي إلى حرة، وتستجمع، وتمطر، ويتجمع الماء ويسيل في شرجة، فيتبع الماء، فإذا برجل قائم بمسحاته يحول الماء في مزرعته، فيسلم عليه باسمه الذي سمع في السحاب.
فينظر إليه فإذا به رجل غريب.
فقال: كيف عرفت اسمي وأنت غريب.
فقال الآخر: أخبرني! ماذا تفعل في مزرعتك؟ قال: وما الذي حملك على السؤال؟ فأخبره.
فقال: نعم.
إن يكن كذلك فإني حينما أحصدها أقسم ثمرتها إلى ثلاثة أقسام: قسم: أدخره لنفسي وعيالي.
وقسم: أدخره أعيده بذراً فيها.
وقسم: أتصدق به على المساكين) .
أي قسمة هذه؟! أولئك ضنوا بالصدقة فأصبحت جنتهم كالصريم، وهذا حافظ على الصدقة فسخر الله له السحابة في مزرعته.
ليس هناك ماكينة ولا دولاب ولا ساقية ولا شيء، بل من الله؛ لأنه يتعامل مع الله، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥] ، إذا أعطيت الثلث، فسيعطيك ثلاثة أثلاث، وهذا فضل الله.
إذاً: النوافل بابها واسع.
стр. 440
الفرض والنافلة في الحج
إذا جئنا إلى الحج: بين ﷺ أنه يجب في العمر مرة، وجاء الحديث: (ما من حق امرئ مسلم عافيته في بدنه وأغنيته في ماله أن يهجر البيت فوق خمس) .
وأما العمرة فقال ﵊ -فيها وفي الحج-: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) .
وهكذا -أيها الإخوة- جميع الفرائض لها نوافل، وتلك النوافل بمثابة الضمان لإكمال ما عساه أن يكون من نقص الفرائض.
стр. 441
العمل سبب في دخول الجنة
نرجع إلى الحديث: (أرأيتَ إن صليتُ المكتوبات، وصمت رمضان ... ) والأحاديث الأخرى ذكرت الزكاة والحج، فاستكمل بذلك أركان الإسلام.
هنا يقول الرجل: (أأدخل الجنة؟ قال: نعم) .
هنا يبحث العلماء مسألة مهمة وهي: هل بهذه الأعمال يدخل العبد الجنة؟ وحديث: (لن يَدخُل أحدُكم الجنة بعمله أو لن يُدخِل أحدَكم الجنة عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) ينص على خلافه فظاهر الحديثين التعارض.
هناك أيضاً قوله سبحانه: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] .
فهنا: (أرأيت إن صليت المكتوبات وو أأدخل الجنة؟ قال: نعم) .
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] ؛ ولكن الحديث: (لن يُدخِل أحدَكم الجنة عملُه) .
قال العلماء في ذلك: قوله: (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) هل قال: التي دخلتموها؛ أم قال: (أُورِثْتُمُوهَا) ؟! قال: (أُورِثْتُمُوهَا) ، فقالوا: فرق بين الدخول وبين التوريث، أما الدخول فهو فضل من الله؛ لأن العمل مهما كانت رتبة العامل ومهما كانت جسامة العمل؛ فإنه يتوقف على فضل الله في قبوله، ثم إن هذا العمل بأي جهد وبأية قوة وبأية إرادة أداه؟ إنها منحة من الله أن هداه لهذا العمل وأعانه عليه، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] .
فالفضل من الله.
فقالوا: دخول الجنة بفضل من الله، فإذا ما دخل أهل الجنة الجنة هناك يأتي دور التوريث، وأي شيء يتوارثونه؟ قالوا: جاء في حديث القبر: (إن العبد إذا وضع في قبره -نسأل الله السلامة والعافية- إن كان مؤمناً فأول ما يُفتح له باب إلى النار ويقال له: ذاك مقعدك لو لم تؤمن، ثم يغلق عنه حالاً، ويُفتح له باب إلى الجنة ويقال: ذاك مقعدك يوم القيامة، فيقول: يا رب! أقم الساعة، أقم الساعة، وإذا كان كافراً -عياذاً بالله- فأول ما يُفتح له باب إلى الجنة، ويقال: ذاك كان مقعدك من الجنة لو آمنت، ثم يغلق عنه ويُفتح له باب إلى النار ويقال: ذاك مقعدك من النار يوم القيامة، فيقول: يا رب! لا تقم الساعة، يا رب! لا تقم الساعة) .
إذاً: كل إنسان له منزلان: منزل في الجنة.
ومنزل في النار.
فإذا كان يوم القيامة ودخل أهل الجنة في منازلهم ودخل أهل النار في منازلهم، خلت منازل أهل النار في الجنة، تلك المنازل التي خلت من أهلها يرثها المؤمنون، وبأي صفة؟ الربع والثمن والسدس كالفرائض؟ لا.
بقدر أعمالهم، وبقدر درجاتهم وعلو منازلهم عند الله، يرثون تلك المنازل.
إذاً: لا تعارض بين قوله سبحانه: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] ولا بين الحديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) .
وعلى هذا يكون هذا الحديث مبيناً لعلة دخول الجنة، وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد، والعَشَم في وجه الله عظيم، وكل مؤمن عند النزع يقدم الرجاء على الخوف.
стр. 442
قبول الأعمال المؤدية لدخول الجنة
يذكر العلماء مسألة: هل مطلق هذه الأعمال يدخل الجنة أو أن هناك شروطاً لها؟ فبعضهم يقول: ما اجتنبت الكبائر.
وبعضهم يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] ، فاجتناب الكبائر مكفر للصغائر؛ ولكن الكبائر بنفسها.
جاءت الأحاديث: (الجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهما) .
وفي بعض الروايات: (ما اجتنبت الكبائر) وجاء في العمرة (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) .
وجاء أيضاً: (من قال (لا إله إلا الله) خالصاً من قلبه دخل الجنة) ، فقالوا: هذه مطلقة بدون عمل.
قالوا: لا.
تلك الأحاديث العامة المطلقة تقيد بالأحاديث الأخرى، فقد جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه بعد وفاة النبي ﷺ امتنع بعض العرب عن أداء الزكاة، وارتد البعض منهم، فقام الصديق في جمع الزكاة ومقاتلة مانعيها، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: (أتقاتل قوماً شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟! فيقول الصديق: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
قال عمر: أتقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟! فقال له الصديق: ألم يقل رسول الله: (إلا بحقها) ؟ والزكاة والصلاة من حق (لا إله إلا الله) .
وقدمنا مراراً أن لوازم (لا إله إلا الله) : ألَّا يعبد غير الله، ولا يصرف شيء من العبادة لغير الله؛ لأنه اعترف بأنه لا مألوه بحق ولا يستحق الألوهية والعبادة إلا الله.
ومقتضى (محمد رسول الله) : أن يطيع الله بما أرسل به رسوله.
إذاً: كل ما أمر الله به وكل ما نهى الله عنه داخل ضمن (لا إله إلا الله) .
ثم قالوا: لم يذكر الرسول ﷺ للرجل اجتناب المحرمات، وقلتم: إن فعل الطاعات وأداء المفروضات يدخل الجنة، فأين ترك المحرمات؟ قالوا: إن من حكمة الرسول ﷺ أنه لما رأى هذا الرجل ووجد إقباله على الله وإخلاصه فيما سأل، عرف من حاله أنه ليس من أهل المعاصي، كما جاء في قصة الطفيل أنه لما ذكر: (.
وتترك المحرمات، قال: أما هذه فلا شأن لي فيها) أي: لست من أهلها.
فقالوا: إنه إن حافظ على الصلوات المكتوبة، وحافظ على صوم رمضان، فإن صلاته ستنهاه عن تلك المحرمات، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] .
وهكذا -أيها الإخوة- في هذا الحديث المبارك بيان لأقل ما يقتصر عليه العبد؛ ولكن لا ينبغي أن يفوت على نفسه الفضائل المتحصلة من تلك النوافل مخافة أن يقع في تقصير، أو يقع منه الخطأ، فيكون لديه الأمان والضمان.
стр. 443
تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله في الحكم سواء
أما قوله رضي الله تعالى عنه: (وأحللت الحلال وحرمت الحرام) هذه المسألة تحتاج إلى وقفة طويلة! فإحلال الحلال وتحريم الحرام ينبغي أن يُعلم أنه ليس للعبد وليس للسائل، إنما هو لله، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] ، فالله هو الذي يحله الحلال وهو الذي يحرم الحرام، ومن نصب نفسه محللاً أو محرِّماً فقد نصب نفسه نداً لله، ومن أطاع مخلوقاً في تحريم ما لم يحرمه الله، وفي تحليل ما لم يحلله الله، فقد اتخذ شريكاً مع الله، ولما قرأ رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
فقال عدي بن حاتم: (يا رسول الله! ما اتخذناهم أرباباً من دون الله.
قال: ألم يكونوا يحرمون عليكم الحلال فتحرمونه، ويحلون لكم الحرام فتحلونه؟! قال: بلى.
قال: فتلك عبادتكم إياهم) .
لما جاء الشيطان إلى أهل مكة وقال: (سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة -بعدما حرم الله الميتة- قال: سلوه: الشاة تصبح ميتة مَن الذي أماتها؟ من الذي ذبحها -أو كما قيل- فإن قال لكم: الله، فقولوا له: ما ذبحتموه أنتم بأيديكم يكون حلالاً، وما ذبحه الله بشمروخ من ذهب يكون حراماً؟ فجاءوا وسألوا رسول الله، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] ) .
أي: شرك طاعة.
وهكذا يضع لنا هذا السائل الكريم تلك القاعدة: (أحللت الحلال) ولا ينبغي لمسلم أن يأتي بما أحله الله، فيقول: هذا حرام، فيقول: أحرمه على نفسي.
(لقد جاء ثلاثة نفر إلى بيوت رسول الله ﷺ يسألون عن أعماله في بيته، فأخبرتهم أم المؤمنين عائشة عن قيامه ونومه، وعن صيامه وفطره، وعن إتيانه زوجاته، فكأنهم تقالوا هذا العمل، فتناجوا من وراء الحجاب وهي تسمع، فقال أحدهم: أما أنا -والله- أقوم الليل ولا أنام -حرم النوم على نفسه-، وقال الثاني: لأصومن الدهر ولا أفطر -حرم الفطر على نفسه-، وقال الثالث: لأعتزلن النساء ولا آتي النساء أبداً -حرم النساء على نفسه- فلما ذهبوا جاء رسول الله ﷺ فأخبرته أم المؤمنين بما سمعت، فبادر ﷺ إلى المنبر وخطب وقال: ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا، أما أنا فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
ولهذا فإن أكبر خطأٍ على المسلم أن يأتي إلى شيء أحله الله فيحرمه، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] إذا كنت تزهد فيه فاتركه، وإذا كنت تعافه فاتركه، أما أن تجعله حراماً، أو تحرمه على نفسك فلن تملك تحريم الحلال.
ولعل قائلاً يقول: إن من تجرأ فحرم الحلال يكون كمن تجرأ فأحل الحرام؛ لأن كلاً منهما تعدٍّ على حكم الله، وكل منهما نصب نفسه مشرعاً من دون الله .
وعلى هذا فإن (إحلال الحلال) أي: فعله معتقداً حله، و (تحريم الحرام) أي: تركه معتقداً حرمته.
لأن الشخص إذا ترك الحرام وهو لا يعلم أنه حرام وتركه عفواً وتركه قلةً وعجزاً أله أجر في هذا الترك؟ لا.
أما إذا عرف أنه حرام ومنع نفسه منه وجاهد نفسه في ذلك، فإنه لا يقدر قدره إلا الله.
وفي قصة النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار فسقطت عليهم صخرة وسدت عليهم باب الغار، وتوسلوا بصالح أعمالهم، وتوسل أحدهم ببر الأبوين، وتوسل الآخر بحفظ حق الأجير، ويتوسل الثالث بالعفة عن الحرام، فيقول النبي ﷺ حاكياً عن الثالث أنه قال: (إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها أشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها فامتنعت، فأخذتها السنون والجدب وجاءت تطلب مالاً، فراودتها -فرضخت تحت الحاجة- فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة، غطت وجهها حياءً، وقالت: يا هذا! اتقِ الله! ولا تفضنَّ الخاتم إلا بحقه.
فقمت عنها وتركت لها المال، اللهم! إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانجابت الصخرة، وخرجوا يمشون في الخلاء) .
هذا ترك شيئاً حراماً يعلم أنه حرام وتركه لوجه الله.
وهكذا فإن من اقتصر على المكتوبات، وأحل الحلال أي: اعتقد حله، وحرم الحرام أي: اعتقد حرْمَتَه وتجَنَّبَه فإن هذا أقل درجات الاستقامة.
وبالله تعالى التوفيق.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .
وأسأل الله لي ولكم أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا وإياكم على الهداية والاستقامة حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.
رحم الله والدينا ومشايخنا والمسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 444
الأسئلة
стр. 445
حكم الامتناع عن لبس ثياب الإحرام أو لبس ثياب معها خوف البرد
السؤال
بعض المحرمين لحج أو عمرة يخاف البرد إن لبس الإحرام، فهل يجوز له ألا يلبس ثوب الإحرام أو يلبس معه ثياباً أخرى؟
الجواب
الذي يريد الإحرام ويخشى البرد نقول: هذا جبان، والمسلم يجب أن يكون شجاعاً، كلمة: (أخاف البرد) نقول لصاحبها: اترك الخوف وتعلم الشجاعة، لستَ ذاهباً إلى الميدان أمام القنابل والصواريخ، وإن كنت مريضاً فكلمة (أخشى) اتركها عنك، إلا إذا قال لك طبيب عالم بحالتك: إن تجردت مرضت، ويكون هذا عن علم، أما مجرد تخوّف فنقول لك: لا.
الذي يخاف من عفريت فإنه يظهر له، وأنت حين تخاف من مرض فسيأتيك ولو لم تكن مريضاً؛ لكن اترك عنك الخوف وتجرد وأنت في ضيافة الله.
فإذا أخبرك طبيب أو مع التجربة السابقة في حياتك تعلم أنك إن تجردت مرضت فخذ من اللباس بقدر حاجتك، وتجرد من الباقي وعليك الفدية لِمَا لبست.
والله أعلم.
стр. 446
شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [١]
стр. 447
شرح حديث: (الطهور شطر الإيمان)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول الإمام النووي ﵀: [عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم] .
هذا الحديث اشتمل على عدة معانٍ، وعلى عديد من الجوانب، وأكثر العلماء ﵏ من ذكره في عدة مواضع.
وقوله ﷺ : (الطُهور) هو بضم الطاء، ويقال بفتح الطاء (الطَهور) ، ومثلها: الوُضوء والوَضوء، والسُحور والسَحور، قالوا: كلها بالضم تكون بمعنى: المصدر، وبالفتح بمعنى: الفعل، فالطُهور هو التطهر، والطَهور هو الماء الذي يتطهر به الإنسان، وكذلك السُحور والسَحور.
стр. 448
معنى الطهور
الشطر هو النصف، والطهور يراد به هنا معنياه: أ- التطهر عن كل ما لا يليق: فقالوا: الطهور المبالغة في التطهير، أي: الطهارة من الحدث والخبث.
والطهور في اللغة: هو التنزه عن كل قبيح.
قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] ، وقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] ، فالنبي ﷺ لا يقرب النجاسة ولا يخالطها، لكن هذا كناية عن التطهر عن كل ما لا يليق بمقامه ﷺ ، وما يورده العلماء في المعنى العام للطهور يشمل كل ما ينبغي أن يتجنبه الإنسان، ولذا قالوا: إن المراد بالحديث هنا: المعنى اللغوي العام وليس المعنى الشرعي الخاص؛ لأن المعنى اللغوي العام، هو: التنزه عن كل ما لا يليق بالمسلم أن يتلبس به، أما الطهارة الشرعية فهي إما وضوء، وإما غُسل: غسل النجاسة، وغُسل الجنابة، فغسل النجاسة لا يمكن أن يكون شطر الإيمان.
ولكنه بالمعنى الأعم: طاعة الله، واجتناب نواهيه، وبهذا يتأتى أن الطهور فعلاً شطر الإيمان.
وقالوا: الإيمان: أقوال، وأفعال، واعتقاد.
اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح.
ونطق اللسان وعمل الجوارح ينقسم إلى قسمين: الأول: امتثال أوامر: من ذكر، وصلاة، وصيام.
والثاني: اجتناب نواهٍ: اجتناب الكذب، والغيبة، والسرقة، والزنا، وكل ما فيه معصية لله.
قالوا: فالطهور الذي هو بمعنى التنزه وترك ما لا يرضي الله هو نصف الإيمان؛ لأن الإيمان أوامر يجب أن يفعلها الإنسان، ونواهٍ يجب أن يتقيها ويتركها، فالطهور: ترك المعاصي، وترك ما لا يليق، والتنزه عن معصية الله.
ومن هنا قال: (إن الطهور شطر الإيمان) .
ب) - تطهير الأعضاء ورفع الحدث: والبعض يقول: المراد بالطهور هنا: تطهير الأعضاء، ورفع الحدث؛ لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة، والصلاة عماد الدين، فلا تصح الصلاة إلا بطهارة، وجاء في الحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) ، والصلاة تسمى إيمان كما قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] ، قالوا: بإجماع المفسرين أنها صلاتكم، أي: لأنهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس، ومات أشخاص في تلك الفترة، ثم تحولوا بالصلاة إلى الكعبة، فتساءل الناس وقالوا: ما بال الذين لم يصلوا إلى الكعبة وماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟! فجاء قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ، فقالوا: الإيمان من أسماء الصلاة.
стр. 449
المعنى الأعم لقوله: (الطهور شطر الإيمان)
قيل: الطهور شطر الإيمان بمعنى: (الصلاة) ، وهذا المعنى الأخص، وإذا نظرنا إلى المعنى الأعم، وإلى ترتيب ما جاء في الحديث، حيث ذكر الصلاة والصدقة، والصوم داخل في الصبر، فذكر أركان الإسلام الثلاثة، وبقي من الأركان الحج والشهادة، والحج داخل في أعمال البدن وأعمال المال، وبقي الركن الأول وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهذا هو الذي تحصل به طهارة القلب من دنس الشرك.
فإذا أخذنا قوله: (الطهور شطر الإيمان) ، وقلنا: إن الطهور في الإسلام بحسبه، فطهارة الثوب من الخبث، وطهارة البدن من الحدث، وطهارة القلب من أمراضه كالحقد، والحسد؛ لأن الإيمان لا يقارن الحسد ولا الحقد، فهذا صواب.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ فقال: يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فخرج رجل معلق نعليه، فسلم ومضى، فلما كان من الغد جلسنا في ذلك المجلس، وقال ﷺ : يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فخرج ذاك الرجل الذي خرج بالأمس، قال: فتبعته حتى عرفت بيته، فلما جاء المساء، جئته وطرقت عليه الباب، وقلت: إن بيني وبين أبي ما يكون بين الولد ووالده -وما كان بينه وبين والده شيء- وأردت أن أكون ضيفك الليلة، فقال: مرحباً، قال: فتعشى بعد أن صلى العشاء، ثم نام، وقبل أن يؤذن للصبح قام وتوضأ وذهب إلى المسجد وصلى الصبح، ولم أر شيئاً جديداً، فقلت: لعله ترك عبادته من أجلي، أو أنه متعب من عمله، فذهبت في الصباح ورجعت إليه في الليل لأنظر ماذا سيكون منه، فلم أجد شيئاً جديداً، ثم الليلة الثالثة -أي: مدة الضيافة-، فقلت: يا عبد الله! أخبرني عما تعمل سراً فيما بينك وبين الله، قال: ليس لي عمل إلا ما رأيت، أصلي العشاء وأنام، وأقوم الفجر، وأذهب إلى عملي، وأرجع إلى فراشي! قال: أليس هناك شيء آخر؟ قال: لا، أبداً، فمضى ثم دعاه فقال: ما سبب سؤالك؟ فأخبره، فقال: إن يكن شيء فإننا نبيت وليس في قلوبنا حقدٌ لأحد) ، ولذا يقول الصديق رضي الله تعالى عنه: (ما سبق السابقون بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بما وقر في القلب) ، أي: من طهارة القلب، وتعظيم حرمات الله، ومخافة الله .
إذاً: الطهور هنا المراد به: طهارة القلب من كل أدرانه، كما في قوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] تطهرهم من أي شيء؟ هل تطهرهم من نجاسة أو خبث؟ لا، بل تطهر تلك النفوس، قال تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] أي: في أنفسهم وأموالهم، فالزكاة بمعنى: النماء والزيادة، يقول العلماء: (الزكاة تطهر وتزكي) ، فالغني والفقير يستفيد من الزكاة، فالغني يطهر قلبه من درن الشح، والفقير تزكو نفسه من الحقد والحسد.
وإذا سلم الغني من الشح، وسلم الفقير من الحقد، أصبح الجميع إخواناً، ومن هنا يمكن أن يقال: إن الحديث عني أول ما عني بالقلب؛ لأن القلب إذا طهر نبع وفاض بكل خير، ولذا أعقب طهارة القلب بذكر اللسان، والذكر لا يأتي بمجرد نطق اللسان بل لابد أن يكون نابعاً من قلب طاهر، وكأن الحديث يقول: أولاً طهر قلبك، ثم بعد ذلك اذكر ربك، فيكون الذكر نابعاً من قلب طاهر مع الله، ومثال ذلك في المحسوس: المزارع إذا أراد أن يزرع أرضه، وجاء ببذور جيدة غالية، فقبل أن يضع البذور في الأرض ينقي التربة، فإن كانت سبخة حذاها، وإن كان فيها نجل نقاها، إن كانت فيها حجارة أبعدها، حتى تصبح التربة طيبة منبتة نقية، فحينئذٍ يطمئن إلى الزرع، فإذا زرع فيها كان النبات حسناً، أما أن تكون أرض سبخة، أو أرض ملغمة، أو أرض اختلطت حجارتها بترابها، فكيف تنبت هذه؟! ومن هنا أيها الإخوة! جاءت لا إله إلا الله، بمعنى أنها تنفي كل مألوف، وبعد أن يزيل الاعتقاد من كل مألوف، وينبذ كل المعبودات، يتجه إلى إله واحد، دون مزاحمة.
وإذا جئنا إلى الاجتماعيات والمشاركة في الفكر: إذا كنت تريد أن تضع فكرة نقية في قلب إنسان، فقبل أن تضع الفكرة، وقبل أن تدعوه إلى الفكرة يجب أن تزيل العوائق، فإذا كان إنسان يعتقد اعتقاداً خاطئاً، وتريد أن تلقنه القعيدة السليمة، فقبل أن تلقنه العقيدة السليمة يجب أن تبين له بطلان ما في ذهنه، لماذا؟ لأنك إذا جئت بالصالح مع الطالح أفسد الطالح الصالح.
مثلاً: إذا كان عندك عسل مصفى، وعندك إناء فيه زيت أو شيء آخر، فلا تدخل العسل على الزيت أو على شيء قذر، ويجب أن تنقي الإناء وتنظفه أولاً، ثم تصب العسل فيه، وكما يقولون: الغزو الفكري، يكون بمجيء فكرة تزاحم فكرة، ودعوة تزاحم دعوة، وحينما تختلط اللغات بعضها ببعض، تجد فيها احتكاكاً، وتجد كلاً من اللغتين تأخذ من الأخرى، ويحصل حينئذٍ اللحن، ومن هنا ندرك أهمية وصية النبي ﷺ في آخر حياته: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب) ، وقال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) ، لماذا؟ كان اليهود موجودين، والمشركون موجودين، فإذا استمر دين بجانب الدين الإسلامي، فلا بد أن يحصل احتكاك، ولا بد أن تأخذ كل طائفة من الأخرى؛ ولهذا يجب ألا يكون في جزيرة العرب دينان؛ وجزيرة العرب قاعدة الإسلام، ومنطلق الإسلام، فيجب ألا يشارك الإسلام فيها دين آخر؛ لأنه إن وجد فيها دين آخر فسيحصل امتزاج واحتكاك، أولئك يأخذون من هؤلاء، وتزحف العادات السيئة إلى صميم وقلب الأمة الإسلامية.
إذاً: (الطهور شطر الإيمان) أولاً وقبل كل شيء: طهارة القلب من كل ما يدنس المعتقد الإسلامي، سواء كان فيما يتعلق بالعقيدة في ذات الله سبحانه، في وحدانيته، في أسمائه وصفاته وأفعاله، في ربوبيته لكل العالمين، في ألوهيته وإفراده بالعبادة، فإذا طهر القلب، وصار نقياً مع الله، أصبح هذا القلب خصباً نقياً، صالحاً لأن تضع فيه كل خير، فينطق بحمد الله وتسبيحه، والنبي ﷺ كان يقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله) .
стр. 450
معنى قوله: (الحمد لله تملأ الميزان)
إذا طهر القلب، يأتي دور اللسان: (الحمد لله تملأ الميزان) ، ويقولون: إن الحمد والثناء والشكر كلها مدح لمن تتجه إليه، ولكنهم يفرقون بينها، فيقولون: الحمد ثناء على المحمود سواءً كان بالإفضال أو بالتفضل، أي: سواءً كان فاضلاً في ذاته، أو متفضلاً بنعمه على غيره، وحقيقة الحمد هو الثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، ولا يوجد هذا إلا لله سبحانه، ولذا قالوا: (ال) في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] للاستغراق، تستغرق جميع المحامد وتضيفها إلى الله، وقوله ﷺ : (الحمد لله تملأ الميزان) أتى بعدها بسبحان الله، وإذا نظرنا إلى اللفظين: الحمد لله، وسبحان الله، فهما قسيمان، (فالحمد لله) تثبت للمولى سبحانه جميع صفات الجلال والكمال، وهذا غاية التوحيد، والقسم الثاني (سبحان الله) تنزيه لله عن جميع النقائض، فحينما تأتي إلى اللغة تجد هذه المادة (سبحان) على وزن (فعلان) فالألف والنون زائدتان، وأصل المادة (سبح) ، كما في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ [الحديد:١] ، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة:١] فالسبحان بمعنى الغفران، وأصل (سبح) من السباحة في الماء، وجميع مفردات اللغة العربية يسبق وضعها للماديات، ثم تنتقل إلى المعنويات، فالسباحة في الماء حركة، والغرض منها والمقصود بها النجاة من الغرق، فأنت إذا نزلت في الماء ولم تسبح غرقت وهلكت، فكذلك الذي يقول: (سبحان الله) يعني: أنزه الله سبحانه، وأبعده عن كل ما لا يليق بجلاله، وأبعد نفسي عن موارد الهلاك، فالعبد حينما يسبح الله ينجو؛ لأنه نزه ربه عما لا يليق بجلاله وإلا لهلك، فإذا جمع العبد بين (الحمد لله) -وهو إثبات صفات الكمال لله- وبين (سبحان الله) -وهو نفي كل النقائص عن الله- يكون قد استكمل جوانب التوحيد، وهو إثبات بلا تكييف، وتنزيه بلا تعطيل، وبهذا يجتمع التوحيد في هاتين الكلمتين، ومن هنا جاء في الحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) بدأ هذا الحديث بطهارة القلب، ثم جاء بذكر اللسان بأجمع الكلمات، وكما قالوا: إن الله اصطفى من الكلام أربع: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ، وفي الحديث: (لا حول ولا قوة إلا بالله من كنز تحت العرش) .
وقوله: (الحمد لله تملأ الميزان) ما هو الميزان؟ الميزان عند أهل السنة جميعاً: ميزان بكفتين، ينصبه الله للعباد يوم القيامة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، والمعتزلة يقولون: ليس هناك ميزان، وإنما هناك عدالة في الفصل بين الخلائق يوم القيامة، وأهل السنة والجماعة يثبتون الميزان لوزن أعمال العباد، وجاءت السنة تبين أن هذا الميزان لو وضعت السموات السبع والأرضون السبع في كفة لوسعتهم تلك الكفة، وذلك في حديث البطاقة: (يؤتى بالعبد وله سجلات مد البصر، ويظن أنه هالك، فيقال له: لك عندنا حسنة، فتخرج بطاقة فيها: (لا إله إلا الله) ، فيقول: وماذا تفعل لا إله إلا الله بهذه الموازين؟ فيؤتى بلا إله إلا الله في بطاقة فتوضع في الكفة الأخرى، فترجح بكل تلك السجلات) ، وقال ﷺ : (لو أن السموات السبع، والأراضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله) .
وقوله: (سبحان الله، والحمد الله تملأان، أو تملأ، أو يملأان) ، جاء بهذه الروايات الثلاث، (تملأ) بالإفراد أو (يملأان) بالتثنية.
قالوا: على التثنية الحمد والتسبيح، وعلى الإفراد الجملة بكاملها كأنها جملة واحدة، والكلمتان معاً كالجملة الواحدة.
стр. 451
عظم ثواب الحمد لله وسبحان الله
أيهما أعظم ثواباً: قولك: الحمد لله أو الحمد لله وسبحان الله؟ بعضهم يقول: سبحان الله، والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض، والجمهور يقولون: إذا كانت كفة الميزان تسع السموات والأرض، فأيهما أكبر جرماً وأوسع وأكثر؟ لا شك أن كفة الميزان أو الميزان أوسع؛ لأنه يسع السموات السبع والأراضين.
إذاً: الحمد لله ثوابها أعظم، وقالوا: إن الحمد هو نصف توحيد حق الله، والتسبيح هو النصف الثاني، فثواب الحمد وإثبات الكمال والجلال لله لا أحد يقدر قدر هذا الثواب؛ لأنه متعلق بحق الله، وبحق مدحه سبحانه، فثوابه لا يسعه ولا يقدر قدره إلا الله، قالوا: الحمد لله تملأ الميزان، ثم تأتي (سبحان الله) مع (الحمد لله) فتملأ ما بين السماء والأرض، مع بقاء الميزان مملوءاً بثواب الحمد لله.
انظروا أي عظمة هذه؟! لأنها تتعلق بذات الله، تحمد المولى، وتنزه المولى، والباقي كلها فروع.
стр. 452
معنى قوله: (الصلاة نور)
بعد نطق اللسان، الذي جاء عقب تطهير القلب، تأتي أعمال الجوارح، (والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء) قال: (الصلاة نور) بينما يأتي قوله: (والصبر ضياء) ، ويتفق علماء اللغة أن الضياء أقوى وأشد من مجرد النور، لكنهم يقولون: النور إضاءة بلا حرارة، والضياء نور مع شدة حرارة، (والصدقة برهان) ، قالوا: البرهان هو الشعاع الذي يكون أمام ضوء الشمس.
إذاً: هذه الثلاثة الألفاظ (نور- ضياء- برهان) ترتبط بخط الإضاءة، إلا أن النور فيه ضياء مع هدوء، وليس فيه حرارة، والبرهان قريب من أشعة الشمس، والضياء نور مع شدة حرارة.
وما فائدة هذا التقسيم؟ قالوا: إن دين الإسلام نور وهداية، والقرآن الكريم وصف بأنه نور، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢] ، وقال تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] ، وأما الضياء فمعه الشدة؛ ولهذا غاير في وصف الصلاة بأنها نور، والصبر بأنه ضياء، وقالوا: النور يصدق على مطلق الإضاءة، والضياء لا يكون إلا للشيء الشديد القوي كما قال سبحانه: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس:٥] فوصف القمر بأنه نور، والشمس بأنها ضياء؛ لأن نور الشمس أشد من نور القمر، ولكن قد يستطيع الإنسان مواصلة السير في نور القمر ما لا يستطيعه في ضوء الشمس، وأيضاً الصبر أعم من كل التكاليف، فبالصبر تصلي، وبالصبر تصوم، وبالصبر تزكي، وبالصبر تجاهد في سبيل الله، إلى غير ذلك.
ووصف الصلاة بأنها (نور) ، وجاء عنه ﷺ أنه وصف الصلاة بقوله: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كانت له نوراً يوم القيامة، لم يحافظ عليها لم يكن له نور يوم القيامة) ، وجاء فيما يتعلق بالوضوء: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء) ، وجاء في حق الصلاة أنها نور على الصراط، وجاء في القرآن الكريم: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] ، والآية الأخرى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، وسمعنا الشيخ الأمين رحمة الله عليه في هذا المقام يقول: هذه قضية خطيرة جداً بين المنافقين وبين المؤمنين، وفي ذلك اليوم يكشف الله حقيقة خداع المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] ، ويقول: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ، وكيف يخادعون المؤمنين؟ قال الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤-١٥] .
فهم خدعوا المؤمنين بقولهم: نحن معكم، ويحضرون معهم الجماعات، وإذا توفى أحدهم توارثوا معه، ويتزاوجون من المسلمين، ويتوارثون معهم، ويجاهدون معهم، ويأخذون من الغنائم معهم، وحقنت دماؤهم وأموالهم، هذا ظاهر الأمر، ولكنهم يخفون الكفر، فالله سبحانه تركهم على ما هم عليه، وظنوا أنهم بذلك خدعوا الله وخدعوا المؤمنين.
وفي يوم القيامة -نسأل الله السلامة والعافية- يتولى الله أمر الجميع، ويقوم الناس من قبورهم لأول وهلة غراً محجلين من أثر الوضوء، المؤمن والمنافق سواء، ثم يطرد المنافقون من الحوض، كما قال ﷺ : (وأنا فرطكم على الحوض، ثم إن الملائكة تذوذ أقواماً عن الحوض فأقول: أمتي أمتي! فيقولون: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي) .
وفي ذلك اليوم تبيض وجوه، وتسود وجوه، ويبعث المنافقون بآثار نور الوضوء مع عامة المؤمنين، ويفرحون بذلك، لأنهم تساووا مع المؤمنين، حتى إذا جاءوا ليردوا حوض رسول الله ﷺ طردوا!! والنبي ﵊ فرط الأمة على الحوض كما قال ﷺ : (وأنا فرطكم على الحوض، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك ولم تره؟ قال: أرأيتم لو أن لأحدكم خيلاً بهماً دهماً غراً محجلة، أكان يعرفها؟ قالوا: نعم) والدهم التي لونها واحد، البهم السوداء التي ليس فيها لون آخر، وغراً أي: جبينها مضيء، والحجل موضع القيد، والفرس إذا كانت دهماء بلون واحد، وجبينها أبيض، وأقدامها بيضاء، لا تخفى على صاحبها أبداً: (أرأيتم لو أن لأحدكم خيلاً بهماً دهماً، أكان يعرفها؟ قالوا: نعم، قال: فإن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء) فبين ﷺ أنه ينتظرهم عند الحوض، فإذا جاءوا فرزت الملائكة النفاق عن الإيمان، وعزلت المنافقين عن المؤمنين، ومضى المؤمنون إلى الحوض ليشربوا منه، وحين يرد المنافقون يقولون كما قال الله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ [الحديد:١٣] ، انظرونا: بمعنى انتظرونا، أي: حتى نمشي في أنواركم أو انظرونا: التفتوا إلينا، وانظروا إلينا ليجيء إلينا أنوار وجوهكم، انظرونا، أو انتظرونا: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] .
قال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] تبقى على بياضها، ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] أي: يطفأ نورها، وهؤلاء هم المنافقون، وحين ينادون المؤمنين يجيبهم المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٣-١٤] ، فيبقى النور مع المؤمنين، ولكن المؤمنين حينما يرون هذا الموقف، يخافون من موقف آخر، ومن اختبار ثانٍ، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [التحريم:٨] أي: أبقِ لنا هذا النور، وأتمه لنا حتى ندخل الجنة.
نسأل الله سبحانه أن يرزقنا وإياكم النور الكامل، وأن يحفظنا وإياكم من الفتن، وأن يبلغنا وإياكم رضاه والجنة.
قوله: (والصلاة نور) قالوا: هي نور في الدنيا؛ لأن المؤمن إذا طهر قلبه؛ وأدى الصلاة، كانت الصلاة له شحنة نور في قلبه، ولهذا يقول ﷺ : (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه يرى بنور الله) من أين يأتيه النور؟ من عبادته، ومن صلاته: (ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) ، فينير الله له بصيرته.
ولهذا يقول الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] إذا همه أمر فزع إلى الصلاة، فأنار الله قلبه وبصيرته، وشرح صدره، ويسر أمره.
والصلاة نور للمؤمن في الدنيا، بتوجهه إلى الخير، واطمئنان النفس والقلب، وبحفظه عن المعاصي كما قال الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] إذاً: الصلاة نور في الدنيا، وكما قال بعض السلف: (من صلى بالليل، حسن وجهه بالنهار) أي: يضيء وجهه، قال الله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] ، وهكذا في عرصات القيامة، فالصلاة نور للعبد يوم القيامة.
إذاً: (والصلاة نور) حقيقة يوم القيامة، ودلالة وهداية في الدنيا، ويدرك ذلك من ذاق طعم الصلاة، حينما يؤديها بخشوعها ويتمها بركوعها وسجودها، ويوفيها حقها من في الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة، واستحضار القلب، وبذلك يشعر بحقيقة نور الصلاة وحلاوتها.
стр. 453
من أحوال السلف في الصلاة
كان بعض السلف إذا قام في الصلاة لا يدري بمن حوله، وإذا قرأ الآية ربما رددها الليل كله، كما جاء عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قام ليلة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وابن عباس قام ليلة بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ، وعن عكرمة أنه قام بهذه الآية في سفر يرددها ويبكي حتى طلع الفجر، فهؤلاء ذاقوا حلاوة المناجاة مع الله.
وهاهو علي بن الحسين كان يصلي وانصدع ركن المسجد، ولم يشعر بشيء، ومضى في صلاته حتى سلم منها، فقال: ما هذه الغبرة؟! قالوا: أما سمعت المسجد قد سقط؟! قال: لم أشعر بذلك! كنت في شغل عنها، وكان إذا أراد أن يتوضأ اصفر وجهه، وتغير لونه، فقيل له في ذلك، فقال: ألا تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟! وعروة بن الزبير أصيب في ساقه، وقرر الأطباء قطعها، فقطعوها وهو في الصلاة! وذكر البخاري ﵀ تعليقاً أن النبي ﷺ كان في غزوة، فأصاب في النهار حياً من أحياء العرب، فجاء رجل منهم كان غائباً فعلم أن زوجته مع المسلمين، فتبعهم بالليل، فنزل النبي ﷺ شعباً، فقال: (من يكلؤنا الليلة؟ فقام رجلان: رجل من ثقيف، والآخر من الأنصار، فأمرهما أن يحرسا المسلمين) ، فذهبا إلى فم الشعب، فقال أحدهما للآخر: اكفني نصف الليل الأول وأكفيك نصفه الثاني، فقام صاحب النوبة، يحرس فم الوادي، ورفيقه نائم ينتظر نوبته، فجاء الرجل الذي يطلب ثأر زوجه، فسمع القارئ يقرأ، ولم يره لظلام الليل، وكان رامياً، فأخرج سهمه، ووضعه في قوسه، ورماه صوب الصوت فأصابه، ولكن القارئ نزع السهم وألقاه، واستمر في قراءته، فظن المشرك أن سهمه أخطأ، فأخذ السهم الثاني وصوبه وأصابه، ولكن القارئ نزع السهم ومضى في صلاته، فظن الرامي أنه أخطأ، فأخذ الثالث ورمى وأصابه، وإذا بالدم يقطر على وجه النائم، فاستيقظ وقد فرغ من صلاته، فقال: ما هذا؟ قال: رماني الرجل، فقال: هلا أيقظتني أول ما رمى، قال: كنت أقرأ سورة فكرهت أن أقطعها! عجب والله! السهم يقطع في لحمه، ويتقاطر دمه، وهو يكره أن يقطع قراءة السورة، بأي مقياس تقيسونه أنتم؟! لو لم يكن هذا الأثر في صحيح البخاري، لقلتم: سنده وسنده، رجاله ورجاله؛ لأنه فوق مستوى إدراكنا، فكيف يتحمل ثلاثة أسهم؟! بل هي أشد من ستة؛ لأن نزع السهم وله أسنان معاكسة أشد فتكاً من رميه ونفوذه، كما قال القائل: سيان إن هي أقبلت أو أدبرت نزع السهام ووقعهن أليم فهذا يرُمى بثلاثة أسهم، وتخترق جسمه، وينتزعها ويستمر في صلاته؛ لأنه كان يقرأ سورة ويكره أن يقطعها! أتظنون أن هذه السورة من قصار المفصل كالضحى، وألم نشرح، والتين، لا والله! قالوا: إنها سورة الكهف، فيستمر في قراءته وصلاته بالليل حتى يختم سورة الكهف! غذاؤهم الروحي هو سر قوتهم وليست القوة بالمطعومات والمشروبات.
ويقولون: من خصائص خالد بن الوليد: أنه ما انهزم في معركة أبداً، حتى وهو مشرك، وفي أحد كان مع المشركين، وكان هو سبب عملية التفاف المشركين من وراء الرماة.
قيل له في آخر حياته: يا خالد! لقد حزت المناصب، ونلت الانتصارات، فما هي أمنيتك في الحياة بعد ذلك كله؟ انظروا! حروب وانتصارات، غنائم ومناصب، ويسأل: ما تريد بعد ذلك؟ ماذا كان جوابه؟! أطلب الخلافة؟! لا والله، إنما تمنى أن يحرس المسلمين مصلياً، فـ خالد ﵁ ما كان يعمل لمنصب، ولا لدنيا، وخير شاهد على ذلك: ما وقع في وقعة اليرموك، حينما كان ﵁ قائداً للمعركة، وعاملاً لـ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فتوفي أبو بكر وتولى عمر، وسمع عمر بانتصاراته، وسمع برعب الناس، فعزله أثناء المعركة، وجاء البريد بوفاة أبي بكر، وأمر عمر بعزل خالد وتولية أبي عبيدة، فماذا فعل خالد؟ حينما اجتمع القادة جميعاً قالوا: دعونا نتناوب القيادة؛ لأن عدد العدو أكثر من عدد المسلمين خمس مرات، فقالوا: نتناوب القيادة، واتركوا لـ خالد هذا اليوم، فأخذ ينظم الجيش، وأخذ يرسل بعض السرايا ليلاً لتأتي نهاراً توهم العدو بمجئ مدد، وفي أثناء المعركة بدت بشائر النصر، وجاء البريد، فأوقفه خالد ما عندك في هذا البريد؟ فأخبره، فقال: أعلم برسالتك أحد؟ قال: لا.
فحبسه عنده وأمسك خطاب عزله، واستمر في قيادة المعركة؛ حتى أتم الله النصر على يده، ثم ذهب إلى أبي عبيدة فقال: السلام عليك يا أميرنا! وعظم الله أجرك في أبي بكر، وليهنك خلافة عمر، قال: وأنت؟! قال: أنا جندي من جنودك، وقدم إليه خطاب التولية والعزل! فهل كان هذا البطل يسعى لمنصب؟! يأتيه العزل من القيادة وهو في أثناء المعركة، فلم يتخل ويقول: لست مسئولاً، ولا حاجة لي فيها، إنما كان يقاتل في سبيل الله، ولهذا كل مسلم يشارك في معركة، يحس بأنه مسئول عنها بكاملها.
وهذا الحباب بن المنذر لما كان في غزوة بدر، ونزل رسول الله في أول الأمر منزلاً، فقال: (يا رسول الله! أمنزل أنزلكه الله فلا قول لأحد أم هي الحرب والمكيدة؟ قال: بل الحرب والمكيدة، قال: ليس هذا بمنزل، الرأي عندي أن نتقدم إلى آخر بئر جهة المشركين، ونبني لنا حوضاً ونمنع عنهم الماء، ونجلس على الماء ولا ماء للمشركين) ، وكان جبريل مع رسول الله وهو ينظم الجيش، فنزل ملك وقال: (يا محمد! الرأي ما قال الحباب، فالتفت الرسول إلى جبريل، وقال: أتعرف هذا يا جبريل؟! قال: لا؛ لأنه ما كل ملائكة السماء يعرفوهم جبريل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] ، ولكنه قال: هو ملك وليس بشيطان) فـ الحباب وهو فرد من الجيش يشعر بأنه مسئول عن مهمة المعركة بأكملها.
وفي بعض الغزوات حاصر المسلمون مدينةً، واشتد أمر الحصار على المسلمين، واهتدى رجل في الليل إلى ثغرة في الحصن، فدخل حصن العدو، وفتح الأبواب، وكبر ودخل المسلمون وانتصروا، وهم لا يدرون من الذي فتح الأبواب؟ فقام الأمير يريد أن يعرف من هو، فقال: ليقوم صاحب الثغر فمكث ثلاث ليال ولم يأته أحد، ثم قال: عزمت عليك -يا صاحب الثغر- بحق السمع والطاعة إلا أتيتني، وفي منتصف الليل ذهب صاحب الثغر إلى خيمة الأمير، فوجد حارسه عند الباب وكان متلثماً، فقال للحارس: أخبر الأمير بأن طلبه على الباب، وقل له: إنه يجيبك بشرط: إن كنت تعرفه فلا تخبر به، وإن لم تكن تعرفه فلا تسأله عن اسمه، ولا تحاول أن تقدم له هدية ولا جزاء، فإن قبل دخلت عليه، وإلا انصرفت، فقال: أدخله، فدخل، فما كان منه إلا أن سلم وقال: أي هذا! ألا تتقي الله فينا، ما لك ولنا؟ ما الذي تريده مني؟ إن الذي أقاتل في سبيله يعرفني، ويعرف من أنا، وابن من، فهل جئنا من أجلك؟ عزمت عليك بالله ألا تطلبني بعد ذلك، وخرج من عنده حالاً! فـ خالد ﵁ حينما سئل: لقد خضت المعارك وانتصرت، ونلت من الغنائم ما غنمت، ونصبت من المناصب ما نصبت، فما هي أمنيتك بعد ذلك؟ فيقول: ليلة مطيرة شديدة البرد، عاصفة الرياح، أقوم حارساً للجند تالياً لكتاب الله! إذا كان هؤلاء هم القادة فلماذا العجب من جندي ينزع السهام ويستمر في الصلاة؟! من الذي أعطاه هذه الطاقة؟! أهو البنج أم المنوم، أم المخدر؟! لا والله! إنه الإيمان فوق كل شيء، وهكذا إذا ذاق العبد حلاوة الصلاة، ومناجاة ربه، فأي نور بعد هذا؟! الصلاة نور في الدنيا، ونور في الآخرة، ويكفي أنها مما يعين العبد في دنياه، ويسعده في آخرته، لقد كان ﷺ : (إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) .
وابن عباس كان يمشي في سفر، فجاءه نعي صديق عليه، فنزل وصلى ركعتين، فقيل له في ذلك، فقال: أستعين بهما على ما بلغني من الخبر.
وما من مسلم تنزل به نازلة، فيتوضأ ويستقبل القبلة، ويصلي ركعتين إلا شرح الله صدره، وفرج عنه ما به، ولذا جاء في الأثر: (من أراد أن يدخل على ربه بلا استئذان، ويخاطبه بلا ترجمان، فليسبغ وضوءه، وليستقبل القبلة، وليكبر في الصلاة) ، حينما ندخل المسجد، وحينما نقف للصلاة، لم نستأذن أحد، ويقف العباد جميعاً كل يدعو الله بلغته، والله لا يستأذنون أحداً، في موسم الحج يقف بجانبك إفريقي، وآسوي، وأوروبي، وأمريكي، ألسنة مختلفة، والكل في صف واحد، والكل يعبد رباً واحداً، بدون ترجمان، ويسأل كل إنسان مسألته بينه وبين الله، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد.
فالصلاة صلة بين العبد وربه، يلجأ إليها العبد في النوازل والملمات، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ، وقد وصى ﷺ بتربية النشء في البداية وقبل البلوغ عليها، فقال ﵊: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) ، فيعود الصبي على الصلاة من السابعة إلى العاشرة ثلاث سنوات، بالترغيب وبالترهيب، وبإعطاء الحلوى والهدايا، وصحبته إلى المسجد، ثلاث سنوات، فإذا بلغ العاشرة، فإن كان خيّراً طيباً نقياً كان ذلك كافياً له في أن يرتاد المسجد وحده، وإلا ضرب ضرب تأديب لا ضرب تشفي، فإذا روّض من السابعة إلى العاشرة، ثم ألزم وضرب من العاشرة إلى الخامسة عشرة، فلا يجري القلم عليه إلا وقد أصبحت الصلاة جزءاً من دمه ولحمه، وما جنى إنسان على ولده أكثر من ترك تعليمه الصلاة، فعلى العبد أن يفعل ما في وسعه، والتوفيق والهداية من الله .
والصلاة عني بها ﷺ ؛ لأنها كما جاء: (آخر ما تتركون من أمر دينكم الصلاة، وأول ما يسأل عنه العبد
стр. 454
شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [٢]
стр. 455
الصدقة برهان
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فنواصل شرح حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) وقد تحدثنا عن بعض ألفاظه وفقراته، ووصلنا إلى قوله ﵊: (والصدقة برهان) ، ذكر الصدقة بعد الصلاة، كما قال الصديق رضي الله تعالى عنه: (الزكاة قرينة الصلاة، الصلاة حق البدن، والزكاة حق المال، والله! لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة) .
وجمهور العلماء على أن المراد بالصدقة فريضة الزكاة في المال، سواء في بهيمة الأنعام، أو في الحبوب والثمار، أو في النقدين أو غيرهما؛ لأن الله سماها صدقة في قوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، والذي يأخذه ﷺ جبراً عليهم إنما هي الفريضة، كما قال ﷺ : (من أداها طيبة بها نفسه فبها ونعمت، ومن لم يؤدها أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) .
يقوم بتحصيلها ولا يأخذ شيئاً منها، لماذا؟ لأمرين: الأمر الأول: أنها أوساخ الناس ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] .
الأمر الثاني: أنه ﷺ هو الذي يجمعها ويقاتل عليها، ويعاقب من منعها بأن يأخذ نصف ماله عقوبة له، فلو أخذ منها درهماً واحداً، لوجد المنافقون مطعناً يطعنون به، وقالوا: قام في شأنها من أجل مصلحته، ولكن الله أغناه عنها، وطهره منها، وليس لمحمد ﷺ ولا آل محمد منها شيء.
والصدقة بعمومها -كما في هذا الحديث- تشمل الفريضة والنافلة، وكلمة صدقة وبرهان مرتبطان، والبرهان: هو الشعاع الذي يقابل ضوء الشمس، فهو مرتبط بالنور في الصلاة، ومرتبط بالضياء في الصبر، وسمي هذا الشعاع برهاناً، وكذلك الحجة القاطعة تسمى برهاناً؛ لأنها دليل يبين الحق ويثبته.
فما علاقة الصدقة بالبرهان؟ وما هو ارتباط الصدقة بإقامة الحجة؟ نرجع إلى الصدقة وإلى الصدق، الصدق ضد الكذب، والصدقة تتفق في المادة الأساسية مع الصدق، فأصل المادة: (صاد ودال وقاف) ، والتاء في الصدقة (للتأنيث) .
إذاً: الصدقة والصدق من مادة واحدة، والصدق ضد الكذب، والصدقة دليل على صدق من يقول: أنا مسلم، ودليل على إيمان المتصدق بالله وبوعد الله؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] ، وقال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥] .
فالمتصدق حقيقة يتعامل منه مع الله، ومن هنا تأتي آداب الصدقة، وآداب الزكاة، وكيف تكون الصدقة برهان صدق على إيمانه، وقد أشرنا فيما مضى أن قانون الحياة، وتعامل الإنسان مع الآخرين، مبناه على المعاوضة، أو كما يقال: المقايضة، وكان التعامل قبل النقد بالمقايضة، تدفع براً لإنسان وتأخذ منه تمراً، تستأجر أجيراً ليعمل وتعطيه خبزاً أو شعيراً، كان لا يوجد نقد، تعطي عشرين شاة وتأخذ ناقة، مقايضة السلعة بالسلعة؛ لأن قانون الحياة معاوضة في المعاملة، فالأجير يأخذ أجراً بقدر عمله وإنتاجه، والأجراء يتفاوتون، هناك عامل وفني، و.
إلخ.
وكذلك البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والآن تدفع نقداً وتأخذ سلعة، فتدفع النقد وأنت ممنون، وتأخذ السلعة وأنت ربحان، وكذلك البائع المقابل يأخذ الثمن وهو فرحان، ويدفع السلعة إليك وهو ربحان، وكل يقايض الآخر ويتعاوض معه، وينتظم دولاب الحياة، بل إن قانون المقايضة والمعاوضة -كما يذكر علماء الاجتماع- سائر حتى مع الحيوان، فالحيوانات تتعامل أيضاً بالمقابلة، لو أن عندك شاة حلوباً، فإن أكثرت لها العلف زادت في الحليب، وإن أنقصت من العلف نقص الحليب، وكذا لو عندك راحلة تريد السفر عليها، فإن علفتها واصلت بك السير، وإن أجعتها انقطعت بك في الطريق، وهكذا.
وكما جاء في قصة بعير الرجل، جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: ندّ علي بعيري؟ أي: هاج البعير، والرسول ﷺ بعث رحمة للعالمين، والحيوانات عوالم وليست بعالم واحد، وقد حث ﷺ على الرفق بالهرة، وبالكلب، إلى آخره، وقال: (في كل كبد رطبة أجر) ، فقال ﷺ لأصحابه: (قوموا بنا إلى بعيره) ، وحينما وصلوا البستان، إذا بالبعير هائج في وسط البستان، فدخل النبي ﷺ الحائط، فقال الصديق رضي الله تعالى عنه، (يا رسول الله! على رسلك البعير هائج! قال: على رسلك أنت يا أبا بكر) ، وتقدم ﷺ ودخل الحائط واستقبل البعير الهائج وحده، فلما رآه البعير أقبل إليه، وجاء ووضع رأسه على كتف رسول الله ﷺ عند أذنه، وأخذ ﷺ يصغي إليه، وبعد الحديث الذي لا ندري عنه شيئاً ترجمه لنا رسول الله ﷺ فقال: (يا صاحب البعير! بعيرك يشتكي منك كثرة الكلف، وقلة العلف) فالكلف كثير، والعلف قليل، فهل من حقه أنه يتمرد على صاحبه أم لا؟ يجب أن تكون هناك مساواة ومعادلة، وقبل أن تأخذ لابد أن تعطي، فيجب على العبد أن يعطي بقدر ما يأخذ، وقانون الحياة في المعاوضة بقدر الخدمة، ويقول علماء الحيوان أيضاً: يوجد تعاون ومقايضة ومبادلة بين التمساح وبين بعض الطيور، التمساح من طبيعة خلقته يأكل اللحوم ويأكل النبات، فأسنانه لها شعاب، وليست ملساء كبقية الحيوانات، فإذا أكل اللحوم لا يستطيع أن ينظف أسنانه من بقايا لحم الفريسة التي يفترسها؛ لأن أسنانه لها شعب، فإذا افترس حيواناً برياً أو بحرياً فبعدما ينتهي من أكله يخرج إلى الشاطئ، ثم يفغر فاه الكبير، فيأتي ذاك الطائر الجائع فيأكل داخل فم التمساح آمناً مطمئناً؛ لأن التمساح له حاجة عنده، فيأخذ الطائر ينقر ما بين أسنان التمساح وينظفها تماماً، وفي الوقت نفسه يكون قد شبع، فالتمساح استفاد نظافة أسنانه، والطائر استفاد شبعه، ثم يذهب الطائر في حاله، ويرجع التمساح إلى البحر، وهذه معاوضة، وكان يقدر التمساح أن يطبق فمه عليه ويأكله، لكنه يفوت على نفسه المصلحة، وهي نظافة أسنانه.
стр. 456
الحث على الصدقة
قانون الحياة على المعاوضة، وأنت لو رأيت إنساناً يخرج ريالاً واحداً ويمزقه، فماذا تقول عليه؟ سنقول: إنه مجنون، لكن لو رأيته يدفع مليون ريالاً لبيت يسكنه، فستقول: إنه رجل عاقل، ومدبر، ويعرف مصلحة نفسه، ويعرف أين يضع المال.
إذاً: تقديم ريال واحد بدون عوض جنون، وليهنأ المدخنون بهذا الجنون! فكل إنسان ينفق مالاً في غير ما عوض فهو من هذا الباب.
وإذا كان قانون الحياة المعاوضة، ولا تدفع درهماً إلا لمقابل، فإذا دفعت الصدقة لمسكين فأين المقابل؟ العوض عند الله، فالمتصدق يتعامل مع الله، ويقرض الله قرضاً حسناً: (إن أحدكم ليتصدق بالصدقة، فتقع أول ما تقع في كف الرحمان، فينميها له كما ينمي أحدكم فلوه حتى تصير كجبل أحد) ، والفلو: ولد الفرس الصغير؛ وذكره لأن محبب حتى عند غير صاحبه، فكما يعتني صاحب الفلو بفلوه وينميه حتى يصير فرساً، كذلك المولى سبحانه ينمي الصدقة حتى تصير كجبل أحد، والمؤمن حقاً هو الذي يتصدق، بل إن من كمال الإيمان أن يخفي صدقته حتى على المتصدق عليه؛ لأنه ليس له غرض من المتصدق عليه، ولا ينتظر منه شيئاً، فلا يريد منه أن يرد عليه إحسانه؛ لأنه يتصدق ويعتقد أن المولى سبحانه هو الذي يتقبلها منه، إذاً: ليس له حاجة في العوض من الخلق، ومن هنا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) ، وأشرنا بأن الحديث ليس فيه قلب؛ لأن الذي يريد أن يخفي الصدقة حقاً يخرجها بشماله؛ لأن الناس ينظرون إلى يمنيه، لأنها أداة الحركة والأخذ والعطاء، والشمال ملغاة في هذا الباب، فبما أن الناس ينظرون إلى اليمين، ويتوقعون منها الحركة والعطاء، فهو يفرغها ويشغل الأخرى، إمعاناً في إخفاء الصدقة، لماذا؟ لأنه يؤمن بأنها عند الله.
إذاً: المتصدق أخرج شيئاً من ماله، والنفس شحيحة على المال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ، وفي الحديث: (لا يتصدق عبد بدرهم واحد حتى يفك لحى سبعين بعيراً) ، انظر التشبيه! كأن الدرهم يعض عليه سبعون بعيراً، ويفك لحاها واحداً بعد واحد، يعني: يجاهد نفسه، المرة تلو الأخرى، كلما هم أن يتصدق، النفس تقول: لا، أنت في حاجة، أولادك في حاجة، لا تدري ما المستقبل، وهكذا تأتيه عوامل ونوازع لترد الدرهم، وهو يريد أن يدفعه، عوامل وعقبات شديدة حتى يجتازها فيخرج الدرهم من يده، ومن هنا كانت قيمة الصدقة معنوية بحسب العامل النفسي لا بميزان الكثرة والقلة؛ لأن الكثرة والقلة عند الله سواء، خزائنه ملأى؛ ولذا يقول ﷺ : (درهم سبق مائة ألف درهم) كيف هذا؟! عجيب والله! هل يعني ذلك: أن هذا الدرهم من الذهب، وتلك الدراهم من الخشب، لا، الدراهم واحدة، قالوا: (وكيف -يا رسول الله- واحد يسبق مائة ألف؟) لأن النوع يتساوى، رجل ورجل يتساوى، أفريقي، أمريكي، آسيوي، المهم أنه رجل جاء من آدم وحواء، فلا تفاوت في الواحد بالنوع، فالدرهم هو الدرهم، والرجل هو الرجل، لكن رجل عنده درهمان، ورجل عنده مال كثير، فتصدق صاحب الدرهمين بدرهم، وصاحب المال الكثير جاء إلى عرض ماله فأخذ قطعة منه مائة ألف وتصدق بها، فكم بقي لهذا الشخص صاحب المال الكثير؟ إذا كان أخذ من الطرف مائة ألف، فهذا يعني أنه: بقي في ماله ملايين، فالجزء الذي تصدق به لعله بالنسبة المئوية واحد من عشرة في المائة، أي: واحد من ألف، لكن إذا جئنا إلى صاحب الدرهمين، فالنسبة (٥٠%) ، أي: نصف المال، والذي بقي لصاحب مائة الألف آلاف مؤلفة، ولكن صاحب الدرهمين لم يبق له إلا درهماً واحداً، فأيهما أشد إيماناً ويقيناً بالله؟ وأيهما تكون صدقته أعظم عند الله؟ صاحب الدرهم الواحد، ولهذا يقول العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] يعني: بعد السبعمائة، لمن كان ينفق ويتصدق مع الحاجة، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] ، ونجد بعض المفسرين يرجع الضمير في (حبه) إلى لله، ولكن جمهور المفسرين أنه راجع للطعام؛ لأن علاقة المتصدق بالله جاءت صريحة: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩] إذاً: (على حبه) يكون عائداً على الطعام، وإذا أرجعنا الضمير في على (حبه) إلى الله، فتبقى (نطعمكم لوجه الله) ليس لها محل.
إذاً: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٨] أي: على حب الطعام، وحاجتهم إليه، وهذا هو الوصف الذي سجله الله للأنصار والمهاجرين رضي الله تعالى عنهم، وتأملوا هذا التقسيم وهذا الوصف في ذاك المجتمع: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨] ما خرجوا فراراً، ولا خرجوا من قلة، إنما خرجوا من ديارهم وأموالهم، كما قال الله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ، سماهم (الصادقون) ؛ لأنهم تركوا المال، والعيال، والديار، كما في قصة صهيب الرومي ﵁، ومعلوم أن صهيباً جاء من الروم إلى مكة ولا مال له، فصنع واتجر وأصبح ذا مال، فخرج مهاجراً، فأدركه أهل مكة، فقالوا: يا صهيب! جئتنا لا مال لك، وأصبحت ذا مال، أتريد أن تخرج بنفسك وبمالك عنا؟ لا يكون ذلك أبداً، قال: عجيب! همكم المال، يا معشر قريش! والله! إنكم تعلمون أني لأرمي ولا يخطئ لي سهم أبداً، وإن كنانتي ملأى، فهل إذا دللتكم على مالي ذهبتم وأخذتموه وتركتموني في حال سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: قد دفنته في المكان الفلاني، فاذهبوا فخذوه، قالوا: إنك عندنا لصادق، فلما وصل المدينة بشره رسول الله ﷺ فقال: (ربح البيع أبا يحيى!) لأنه اشترى نفسه من قريش بماله، وهاجر في سبيل الله، ما خرج عن فقر ولا عن حاجة، بل ترك المال، وفادى نفسه، وجاء مهاجراً.
وهؤلاء لأي شيء هاجروا؟ هاجروا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.
ما هو المقابل؟ قال الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] .
стр. 457
أثر الصدقة في بناء المجتمع
إذا نظرنا -أيها الإخوة- إلى هذا المجتمع: فريق يأتي وقد باع دنياه وأقبل على آخرته، وفريق يؤثر غيره على نفسه؛ فكيف يكون هذا المجتمع؟! لو وقفنا وقفة تأمل عند هذه العوامل النفسية، ورجعنا إلى الهجرة النبوية الكريمة، لوجدنا عجباً! فالمدينة موارد اقتصادها زراعة، وتجارة، وبعض الصناعات وأكثرها بيد اليهود، والزراعة موزعة بين اليهود وبين الأوس والخزرج -أي: أن عملية الإنتاج والنمو محدودة- ومع ذلك تستقبل آلاف المهاجرين إليها، كيف كان ذلك؟ بسعة صدر أهلها، وفي الوقت الحاضر أرسلوا أناساً من مخلفات الحرب، فردوهم إلى بلادهم، وتجد السفينة تطوف بالفتناميين على الموانئ فلا يقبلهم أحد، وبريطانيا تأبى أن تنزل إلا ألفي رجل فقط، لماذا؟ لأنها ستؤدي ضائقة اقتصادية.
لكن المدينة النبوية بحدودها الضيقة واقتصادياتها البسيطة تستقبل آلاف المهاجرين إليها، لا بوفرة اقتصاد، ولا بكثرة نماء، ولكن بسعة صدور أهلها: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] .
ولذا كان أول عمل لرسول الله ﷺ بعد الهجرة: المؤاخاة بين المسلمين المهاجرين أنفسهم، والمهاجرين والأنصار، وكان الأنصاري يشاطر أخاه ماله، حتى أن بعضهم يقول: عندي زوجتان، فانظر أيهما تطيب لكم لأنزل لك عنها، وتعتد وتتزوجها، فيقول له: بارك الله لك في مالك وفي زوجاتك! دلني على السوق.
وهذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يؤاجر نفسه لامرأة في نضح الماء من البئر، وكل دلو بتمرة، نفوس عالية، والمال صنو النفس.
والمال والولد قرينان في الخير والشر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥] سبحان الله العظيم! ويقول في باب العطاء: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] فالمال قسمة رزق، وليس بجدك وبكدك ولا منصبك، لا والله! ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا هلكن إذاً من جهلهن البهائم وكذلك الولد، ليس بقوتك، ولا بإنجاب زوجتك، ولكن هبة من الله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] ، من يدعي غير هذه المشيئة؟! فإذا كان الولد هبة من الله، والمال قسمة من الله، فالمال صنو النفس، والمال صنو الولد، فكونك تخرج من مالك شيئاً، فكأنك أخرجت جزءاً من ولدك، فمن الذين يعاوض على الصدقة؟! الله، إذاً: (الصدقة برهان) ، ومن أي شيء تكون الصدقة؟ المولى سبحانه يبين فيقول: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، والنبي ﷺ يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) .
ولذا: تجد الكافر لا يتصدق، وقد تسمع بأنه تبرع لمستشفى أو لمدرسة، لكن لا يبغي بها وجه الله، إنما يريدها سياسة في الناس، وتقرباً إليهم، أما المنافق الذي يظهر الإسلام فإذا سئل الصدقة يتوارى، ويحتال، كما بين سبحانه فقال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، نفسك لا تطيب أن تأكله، فالمنافق يبحث عن الشيء الرديء، ويقدمه -فقط- ليستر عورة، ولكن المؤمن لا يفعل ذلك، فهو يتعامل مع المولى سبحانه.
ولو نظرنا الآن في نظام العالم المادي الذي يفرض الضرائب على الأفراد، وقارنا بينه وبين نظام الإسلام الذي يجعل الزكاة طهراً ونماءً، نجد في العالم صاحب المحل يتحايل مع مفتش الضرائب، فيجعل دفتراً للمفتش، ودفتراً للدكان حقيقة، وكل ذلك لكي لا يدفع للدولة شيئاً، فهو يراها خسارة، مع أن الدولة تنفقها في المصالح العامة: في الطرق والمستشفيات والجيش وغيرها، ولكنه لا يريد أن يدفع، أما الزكاة أو الصدقة فيخرجها دون أن يطلبها منه أحد، وهذا حال المؤمن، وهذا مثل يضربه لنا أعرابي في الصحراء، أتاه عامل رسول الله ﷺ لأخذ الزكاة، فيعد أبله، فيقول: أخرج من إبلك بنت مخاض، وبنت المخاض من لها سنة ودخلت في الثانية، يعني: أمها ماخض في أختها، فيقول الرجل: بنت مخاض؟! وفي سبيل الله؟! كيف هذا؟ لا هي ضرع فيحلب، ولا ظهر فيركب، ولكن هذه ناقة كوماء فخذها في سبيل الله، فيقول العامل: ما بهذا أمرت، فنصاب الإبل خمس وفيها شاة، إلى عشرين وفيها أربع شياة، إلى خمس وعشرين وفيها بنت مخاض، ولا أستطيع أن أتعدى ذلك، فإن أخذت أكثر من ذلك ظلمتك، وتعديت حدودي، فالعامل يقول: لا أتعدى ما عندي، وصاحب المال يقول: لا أدفع بنت مخاض، ولكن أدفع ناقة كوماء! هل رأيتم خصومة مثل هذه؟ هذا شيء بعيد عن الحسبان.
فالعامل يقول لصاحب المال: لا تجهد نفسك معي، هذا حدي، وإن كنت تريد ذلك فدونك رسول الله بالمدينة فاذهب بها إليه، وكان في الحنكية وهي منطقة تبعد حوالى مائة كيلو عن المدينة، فيأتي الرجل بالناقة الكوماء بدلاً عن بنت المخاض إلى رسول الله، فيعرض العامل على رسول الله قضيته، فيقول له ﷺ : (أطيبة بها نفسك؟ قال: نعم والله يا رسول الله! فيقول للعامل: خذها، ويقول لصاحبها: بارك الله لك في إبلك) ، فيعيش صاحب الإبل إلى خلافة معاوية، وكان يدفع عشرات الرءوس من الإبل في زكاة ماله؛ لأن دعاء النبي ﷺ له بالبركة لم يذهب هباءً.
وهذا ما يفعله الإيمان، والإيمان بالغيب أول قضية في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١-٣] ومن الغيب: يوم القيامة، والجزاء والحساب، فإذا آمن حق الإيمان تيقن أن الدنيا كلها لا تساوي شيئاً، فأخرج من ماله، وكم من مسلم أخرج من ماله عدة مرات، وليس الأنصار وحدهم الذين يؤثرون على أنفسهم، بل أيضاً من المهاجرين؛ لأن الإيمان في قلب الجميع سواء، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها صامت ذات يوم، وبعد العصر جاء مسكين يقول: مسكين يا آل بيت محمد! فتقول عائشة لـ بريرة: أعطي المسكين، فتقول: والله! ليس عندي ما أعطيه، فقالت: ولا شيء؟ قالت: عندنا قرص شعير ستفطرين عليه في المغرب، يعني: ما عندنا إلا طعامك وأنت صائمة، فقالت عائشة: أعطي المسكين قرص الشعير! وعند الإفطار يرزق الله! يا سبحان الله! بالله عليكم هل واحد منا يعمل هذا؟! فتمشي بريرة وتقول: أعطي المسكين قرص الشعير، وعند الإفطار يزرق الله، وترددها مستعجبة! فلما جاء المغرب قامت عائشة رضي الله تعالى عنها لتصلي، وفي أثناء الصلاة طرق الباب، فلما فرغت عائشة من صلاتها، التفتت فإذا بشاة مشوية بقرامها! والقرام في اللغة: إما جميع الشاة، يعني مشوية كلها، وما أخرج منها شيء، مع الكبدة، والكرشة، والمقادم، والرأس، وكل شيء، وبعضهم يقول: كان من عادة العرب إذا أرادوا أن يأكلوا اللحم مشوياً، فبعدما يسلخوها يأتون بالدقيق، ويصنعون العجين اللين، ثم يغمسون الشاة في العجين، ويطلونها من خارجها، ثم يضعونها على الجمر، وتنضج الشاة من داخل، وقد عرفوا الوقت المحدد لهذا، فيكشفوا عنها الجمر، وأخرجوها بلباسها، وإذا أرادوا أكلها نزعوا عنها هذا اللباس من العجين، فكأنها موزة وتقشرها، فهذه الشاة جاءت لـ عائشة بقرامها، فقالت عائشة لـ بريرة: ما هذا يا بريرة؟ قالت: يا أم المؤمنين! لقد جاء بها رجل، والله! ما قد أهدى إلينا قط! فضحكت وقالت: كلي، هذا خير من قرص شعيرك، والله! لا يؤمن العبد ويكمل إيمانه بالله، حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في يده.
تقول: الإنسان لا يكمل إيمانه أبداً حتى يكون يقينه فيما عند الله أقوى من يقينه مما في كفه، فقد يأتي أحد الناس ويأخذها غصباً عنك، لكن المكتوب لك عند الله -مضمون، فهذه أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها آثرت غيرها على نفسها وفي شدة الخصاصة بقرص الشعير.
إذاً: (الصدقة برهان) أي: على صدق الإيمان.
وهناك آداب للصدقة مثل: قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٦٤] ، والنبي ﷺ يقول في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ، ويقول: (الرياء هو الشرك الأصغر) .
والإسلام يأمر بهذه الآداب مع المساكين لحفظ شعورهم، والمحافظة على ماء وجههم: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، لا تقل له على رءوس الأشهاد: خذ اذهب اشترِ كيس بر، خذ اذهب اشترِ رزاً لبيتك، فهذا لا يصح، فأين إخفاء الصدقة؟ يقولون: كان في المدينة خمسون بيتاً تأتيها أرزاقها عند مطلع كل شهر: دقيق، وسمن، وغيرها، ولا يعلمون ممن تأتيهم، في ظلام الليل يطرق الباب، ولا يدرون من الطارق فيفتحون الباب فيجدون السمن والدقيق ولا يعلمون من أتى به، فلما توفي علي بن الحسين ﵁ انقطعت هذه الأشياء، فعلموا أنها كانت منه.
стр. 458
الفرق بين الزكاة وصدقة التطوع
نأتي إلى النص الكريم في الفرق بين زكاة الفرض وصدقة التطوع: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١] ، تبدوها أي: تظهروها، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] .
قال العلماء: (تبدون) الفريضة ليتأسى بكم الآخرون؛ لأنها شعار وحق لله، كما ينادى للصلاة على المآذن، ويسعى الناس إلى المساجد، فكذلك الزكاة المفروضة، لكن صلاة قيام الليل في جنح الظلام والناس نيام نافلة، فكذلك الزكاة الفريضة تؤدى علانية، وأما صدقة التطوع فمثل قيام الليل في الصلاة، ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة:٢٧١] .
إذاً: علمنا القرآن الكريم كيفية إعطاء الزكاة والصدقة التي نتصدق بها، ومن هنا فعلى المسلم أن يتحرى الطيب، وبقدر محبته لما يتصدق به يكون أجره، يقول النبي ﷺ : (خير صدقة المرء أن يتصدق قوياً شحيحاً يخشى الفقر، ويرجو الغنى) ، لكن إذا كان في آخر حياته، وأحس ببرودة الموت، وقال: أعطوا فلاناً، وفلاناً، فنقول له: لماذا لم تتصدق من قبل؟! الآن وقد بخلت من قبل؟! وما أعظم النماذج في الإسلام، فهذا أبو طلحة رضي الله تعالى عنه لما نزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] ، جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله، إن بيرحاء أحب أموالي إليّ، فضعها حيث شئت في سبيل الله ... ) .
وكان صحابي يصلي في بستانه، فرأى طائراً قد أهاجه شخص، فأراد أن يخرج من بين الأغصان فلم يجد فرجة، فأتبعه بنظره، وأعجب ببستانه، ثم انتبه فإذا به شغل بماله عن ذكر ربه، فجاء إلى رسول الله حالاً وقال: (يا رسول الله! شغلت وفتنت في مالي بكذا وكذا، ولا أرى إلا أن أتصدق به في سبيل الله ... ) ، بستان من أحب الأشياء إليه، متشابك الأغصان، والطائر لم يجد فرجة ليخرج، وهو يأتي إلى رسول الله ليتصدق به! فهم كما وصفهم الله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦-٣٧] .
وهذا نبي الله سليمان لما استعرض الخيل، قال الله عنه: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢-٣٣] أي: تصدق بها في سبيل الله، لا كما يقول الآخرون: يمسحها بالمنديل ويلطفها، بل تصدق بها في سبيل الله؛ لأنها شغلته عن الصلاة حتى توارت بالحجاب.
إذاً: أجر الصدقة بقدر ما تحبها، وكيفية التصدق بمثل ما تحب أن يعاملوك به، فهل ترضى أن يأتي إنسان ويمتن عليك أمام الناس؟ لا والله! والحر يجوع ويربط على بطنه الحجر، ولا يتحمل منةً لمخلوق.
والقصد بالصدقة وجه الله، فالناس لا يعوضون أحداً، وإن أثنوا ومدحوا فكله ذاهب، ولكن إن قصدت وجه الله فهذا هو الباقي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] .
ولو أننا تأملنا هذه الفقرة من هذا الحديث (والصدقة برهان) ، ونظرنا إلى المجتمع الإسلامي في الصدر الأول، لرأينا الدرس والمنهج، فالأغنياء يجودون بمالهم، ويؤثرون على أنفسهم، والفقراء يتعففون.
فكيف كان ذاك المجتمع؟! كان مجتمعاً مثالياً؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الباب: (اليد العليا خير من اليد السفلى) ، ويأتي الرجل يطلب الصدقة، فيقول: (أراك قوياً وهي لا تحل لقوي ذي مرة، فيقول: يا رسول الله! ليس عندي شيء، وأنا وعجوز في البيت، فقال: ولا شيء؟ قال: حلس نفترش نصفه، ونلتحف بنصفه، وقعب نأكل ونشرب فيه) ، -هذا هو أثاث البيت، ما هي غرفة نوم، وغرفة مطبخ، وأواني، ولوازم، وو لا،- قال: (علي بهما، من يشتري؟! فقال شخص: بدرهم، فقال: من يزيد؟! فقال آخر: بدرهمين، فقال: خذ الدرهمين، واذهب واشتر بدرهم طعاماً لأهلك، وبدرهم فأساً وأتني به، فأخذ ﷺ عوداً ووضعه فيه، وقال: اذهب فاحتطب وبع واكتسب، ولا أرينك خمسة عشر يوماً) ، وعفا عنه في حضور الجماعة؛ لأن هذا تشغيل لليد العاطلة، والقضاء على البطالة في كلمة، فيذهب الرجل، ويأتي وينمي التنمية الاقتصادية، فالحطب الضائع في الخلا يصبح طاقة تعمل في البلد، عجوز تطبخ به، ورجل يحتطب، وأتى الرجل بعد المدة لابساً ثياباً جديدة، وجيبه مليء بالدراهم والدنانير يسمع صوتها، ويتبسم ﷺ ويقول: (نعم هكذا، لأن يأخذ أحدكم فأساً وحبلاً فيحتطب فيبيع فيكتسب فيستغني، خير من أن يتكفف الناس أعطوه أو منعوه، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) .
وهكذا الإسلام يعمل على رفع معنوية الإنسان، ويدفع العاطل ليعمل، ويجعل المجتمع بقسميه الغني والفقير يتساويان في المعنوية وحفظ النفس.
стр. 459
شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [٣]
стр. 460
فضل الصدقة وأثرها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فمن الجوانب المهمة في الحديث عن الصدقة: بيان أثرها على العبد في الدنيا والآخرة: أما أثرها في الدنيا فقد جاء عنه ﷺ الحث على الصدقة، وبيّن أثرها في نفسية العبد، وأنها تقي مصارع السوء، وتقي موت الفجأة، وتحفظ المال، وتزيده كما قال: (ما نقص مال من صدقة) ، والفكرة العامة عند الناس: أن المعروف لا يضيع، كما قال الشاعر: من يصنع الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب الخير عند الله والناس فإذا صنعت معروفاً لمخلوق لا ينساه لك، فالمولى سبحانه لا ينسى لك ذلك من باب أولى، بل جاء في الحديث القدسي: (يا عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: جاع عبدي فلان، فلو أطعمته لوجدتني عنده، يا عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب! وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: مرض عبدي فلان، ولو عدته لوجدتني عنده) .
بل الحيوان إذا أشفقت عليه ورحمته أثابك الله عليه، وقد جاء في الحديث: (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ، وجاء في الحديث: (دخلت امرأة بغي الجنة بسقيا كلب، كانت تمشي في الطريق، فاشتد بها الظمأ، ثم وجدت بئراً فنزلت وشربت، فلما خرجت إذا بكلب يلحس الثرى من شدة العطش، فقالت: يا ويلتاه! قد بلغ به من الظمأ ما بلغ بي، فرجعت إلى البئر وملأت خفها ماءً وسقته، فشكر الله لها صنيعها، فغفر لها) .
ولما ذكر النبي ﷺ ذلك لأصحابه قالوا: (ألنا في الحيوان أجر؟ قال: في كل ذي كبد رطبة أجر) .
следующие страницы →