← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الحث على الصدقة قانون الحياة على المعاوضة، وأنت لو رأيت إنساناً يخرج ريالاً واحداً ويمزقه، فماذا تقول عليه؟ سنقول: إنه مجنون، لكن لو رأيته يدفع مليون ريالاً لبيت يسكنه، فستقول: إنه رجل عاقل، ومدبر، ويعرف مصلحة نفسه، ويعرف أين يضع المال. إذاً: تقديم ريال واحد بدون عوض جنون، وليهنأ المدخنون بهذا الجنون! فكل إنسان ينفق مالاً في غير ما عوض فهو من هذا الباب. وإذا كان قانون الحياة المعاوضة، ولا تدفع درهماً إلا لمقابل، فإذا دفعت الصدقة لمسكين فأين المقابل؟ العوض عند الله، فالمتصدق يتعامل مع الله، ويقرض الله قرضاً حسناً: (إن أحدكم ليتصدق بالصدقة، فتقع أول ما تقع في كف الرحمان، فينميها له كما ينمي أحدكم فلوه حتى تصير كجبل أحد) ، والفلو: ولد الفرس الصغير؛ وذكره لأن محبب حتى عند غير صاحبه، فكما يعتني صاحب الفلو بفلوه وينميه حتى يصير فرساً، كذلك المولى سبحانه ينمي الصدقة حتى تصير كجبل أحد، والمؤمن حقاً هو الذي يتصدق، بل إن من كمال الإيمان أن يخفي صدقته حتى على المتصدق عليه؛ لأنه ليس له غرض من المتصدق عليه، ولا ينتظر منه شيئاً، فلا يريد منه أن يرد عليه إحسانه؛ لأنه يتصدق ويعتقد أن المولى سبحانه هو الذي يتقبلها منه، إذاً: ليس له حاجة في العوض من الخلق، ومن هنا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) ، وأشرنا بأن الحديث ليس فيه قلب؛ لأن الذي يريد أن يخفي الصدقة حقاً يخرجها بشماله؛ لأن الناس ينظرون إلى يمنيه، لأنها أداة الحركة والأخذ والعطاء، والشمال ملغاة في هذا الباب، فبما أن الناس ينظرون إلى اليمين، ويتوقعون منها الحركة والعطاء، فهو يفرغها ويشغل الأخرى، إمعاناً في إخفاء الصدقة، لماذا؟ لأنه يؤمن بأنها عند الله. إذاً: المتصدق أخرج شيئاً من ماله، والنفس شحيحة على المال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ، وفي الحديث: (لا يتصدق عبد بدرهم واحد حتى يفك لحى سبعين بعيراً) ، انظر التشبيه! كأن الدرهم يعض عليه سبعون بعيراً، ويفك لحاها واحداً بعد واحد، يعني: يجاهد نفسه، المرة تلو الأخرى، كلما هم أن يتصدق، النفس تقول: لا، أنت في حاجة، أولادك في حاجة، لا تدري ما المستقبل، وهكذا تأتيه عوامل ونوازع لترد الدرهم، وهو يريد أن يدفعه، عوامل وعقبات شديدة حتى يجتازها فيخرج الدرهم من يده، ومن هنا كانت قيمة الصدقة معنوية بحسب العامل النفسي لا بميزان الكثرة والقلة؛ لأن الكثرة والقلة عند الله سواء، خزائنه ملأى؛ ولذا يقول ﷺ : (درهم سبق مائة ألف درهم) كيف هذا؟! عجيب والله! هل يعني ذلك: أن هذا الدرهم من الذهب، وتلك الدراهم من الخشب، لا، الدراهم واحدة، قالوا: (وكيف -يا رسول الله- واحد يسبق مائة ألف؟) لأن النوع يتساوى، رجل ورجل يتساوى، أفريقي، أمريكي، آسيوي، المهم أنه رجل جاء من آدم وحواء، فلا تفاوت في الواحد بالنوع، فالدرهم هو الدرهم، والرجل هو الرجل، لكن رجل عنده درهمان، ورجل عنده مال كثير، فتصدق صاحب الدرهمين بدرهم، وصاحب المال الكثير جاء إلى عرض ماله فأخذ قطعة منه مائة ألف وتصدق بها، فكم بقي لهذا الشخص صاحب المال الكثير؟ إذا كان أخذ من الطرف مائة ألف، فهذا يعني أنه: بقي في ماله ملايين، فالجزء الذي تصدق به لعله بالنسبة المئوية واحد من عشرة في المائة، أي: واحد من ألف، لكن إذا جئنا إلى صاحب الدرهمين، فالنسبة (٥٠%) ، أي: نصف المال، والذي بقي لصاحب مائة الألف آلاف مؤلفة، ولكن صاحب الدرهمين لم يبق له إلا درهماً واحداً، فأيهما أشد إيماناً ويقيناً بالله؟ وأيهما تكون صدقته أعظم عند الله؟ صاحب الدرهم الواحد، ولهذا يقول العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] يعني: بعد السبعمائة، لمن كان ينفق ويتصدق مع الحاجة، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] ، ونجد بعض المفسرين يرجع الضمير في (حبه) إلى لله، ولكن جمهور المفسرين أنه راجع للطعام؛ لأن علاقة المتصدق بالله جاءت صريحة: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩] إذاً: (على حبه) يكون عائداً على الطعام، وإذا أرجعنا الضمير في على (حبه) إلى الله، فتبقى (نطعمكم لوجه الله) ليس لها محل. إذاً: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٨] أي: على حب الطعام، وحاجتهم إليه، وهذا هو الوصف الذي سجله الله للأنصار والمهاجرين رضي الله تعالى عنهم، وتأملوا هذا التقسيم وهذا الوصف في ذاك المجتمع: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨] ما خرجوا فراراً، ولا خرجوا من قلة، إنما خرجوا من ديارهم وأموالهم، كما قال الله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ، سماهم (الصادقون) ؛ لأنهم تركوا المال، والعيال، والديار، كما في قصة صهيب الرومي ﵁، ومعلوم أن صهيباً جاء من الروم إلى مكة ولا مال له، فصنع واتجر وأصبح ذا مال، فخرج مهاجراً، فأدركه أهل مكة، فقالوا: يا صهيب! جئتنا لا مال لك، وأصبحت ذا مال، أتريد أن تخرج بنفسك وبمالك عنا؟ لا يكون ذلك أبداً، قال: عجيب! همكم المال، يا معشر قريش! والله! إنكم تعلمون أني لأرمي ولا يخطئ لي سهم أبداً، وإن كنانتي ملأى، فهل إذا دللتكم على مالي ذهبتم وأخذتموه وتركتموني في حال سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: قد دفنته في المكان الفلاني، فاذهبوا فخذوه، قالوا: إنك عندنا لصادق، فلما وصل المدينة بشره رسول الله ﷺ فقال: (ربح البيع أبا يحيى!) لأنه اشترى نفسه من قريش بماله، وهاجر في سبيل الله، ما خرج عن فقر ولا عن حاجة، بل ترك المال، وفادى نفسه، وجاء مهاجراً. وهؤلاء لأي شيء هاجروا؟ هاجروا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. ما هو المقابل؟ قال الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] .

стр. 457

أثر الصدقة في بناء المجتمع إذا نظرنا -أيها الإخوة- إلى هذا المجتمع: فريق يأتي وقد باع دنياه وأقبل على آخرته، وفريق يؤثر غيره على نفسه؛ فكيف يكون هذا المجتمع؟! لو وقفنا وقفة تأمل عند هذه العوامل النفسية، ورجعنا إلى الهجرة النبوية الكريمة، لوجدنا عجباً! فالمدينة موارد اقتصادها زراعة، وتجارة، وبعض الصناعات وأكثرها بيد اليهود، والزراعة موزعة بين اليهود وبين الأوس والخزرج -أي: أن عملية الإنتاج والنمو محدودة- ومع ذلك تستقبل آلاف المهاجرين إليها، كيف كان ذلك؟ بسعة صدر أهلها، وفي الوقت الحاضر أرسلوا أناساً من مخلفات الحرب، فردوهم إلى بلادهم، وتجد السفينة تطوف بالفتناميين على الموانئ فلا يقبلهم أحد، وبريطانيا تأبى أن تنزل إلا ألفي رجل فقط، لماذا؟ لأنها ستؤدي ضائقة اقتصادية. لكن المدينة النبوية بحدودها الضيقة واقتصادياتها البسيطة تستقبل آلاف المهاجرين إليها، لا بوفرة اقتصاد، ولا بكثرة نماء، ولكن بسعة صدور أهلها: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] . ولذا كان أول عمل لرسول الله ﷺ بعد الهجرة: المؤاخاة بين المسلمين المهاجرين أنفسهم، والمهاجرين والأنصار، وكان الأنصاري يشاطر أخاه ماله، حتى أن بعضهم يقول: عندي زوجتان، فانظر أيهما تطيب لكم لأنزل لك عنها، وتعتد وتتزوجها، فيقول له: بارك الله لك في مالك وفي زوجاتك! دلني على السوق. وهذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يؤاجر نفسه لامرأة في نضح الماء من البئر، وكل دلو بتمرة، نفوس عالية، والمال صنو النفس. والمال والولد قرينان في الخير والشر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥] سبحان الله العظيم! ويقول في باب العطاء: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] فالمال قسمة رزق، وليس بجدك وبكدك ولا منصبك، لا والله! ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا هلكن إذاً من جهلهن البهائم وكذلك الولد، ليس بقوتك، ولا بإنجاب زوجتك، ولكن هبة من الله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] ، من يدعي غير هذه المشيئة؟! فإذا كان الولد هبة من الله، والمال قسمة من الله، فالمال صنو النفس، والمال صنو الولد، فكونك تخرج من مالك شيئاً، فكأنك أخرجت جزءاً من ولدك، فمن الذين يعاوض على الصدقة؟! الله، إذاً: (الصدقة برهان) ، ومن أي شيء تكون الصدقة؟ المولى سبحانه يبين فيقول: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، والنبي ﷺ يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) . ولذا: تجد الكافر لا يتصدق، وقد تسمع بأنه تبرع لمستشفى أو لمدرسة، لكن لا يبغي بها وجه الله، إنما يريدها سياسة في الناس، وتقرباً إليهم، أما المنافق الذي يظهر الإسلام فإذا سئل الصدقة يتوارى، ويحتال، كما بين سبحانه فقال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، نفسك لا تطيب أن تأكله، فالمنافق يبحث عن الشيء الرديء، ويقدمه -فقط- ليستر عورة، ولكن المؤمن لا يفعل ذلك، فهو يتعامل مع المولى سبحانه. ولو نظرنا الآن في نظام العالم المادي الذي يفرض الضرائب على الأفراد، وقارنا بينه وبين نظام الإسلام الذي يجعل الزكاة طهراً ونماءً، نجد في العالم صاحب المحل يتحايل مع مفتش الضرائب، فيجعل دفتراً للمفتش، ودفتراً للدكان حقيقة، وكل ذلك لكي لا يدفع للدولة شيئاً، فهو يراها خسارة، مع أن الدولة تنفقها في المصالح العامة: في الطرق والمستشفيات والجيش وغيرها، ولكنه لا يريد أن يدفع، أما الزكاة أو الصدقة فيخرجها دون أن يطلبها منه أحد، وهذا حال المؤمن، وهذا مثل يضربه لنا أعرابي في الصحراء، أتاه عامل رسول الله ﷺ لأخذ الزكاة، فيعد أبله، فيقول: أخرج من إبلك بنت مخاض، وبنت المخاض من لها سنة ودخلت في الثانية، يعني: أمها ماخض في أختها، فيقول الرجل: بنت مخاض؟! وفي سبيل الله؟! كيف هذا؟ لا هي ضرع فيحلب، ولا ظهر فيركب، ولكن هذه ناقة كوماء فخذها في سبيل الله، فيقول العامل: ما بهذا أمرت، فنصاب الإبل خمس وفيها شاة، إلى عشرين وفيها أربع شياة، إلى خمس وعشرين وفيها بنت مخاض، ولا أستطيع أن أتعدى ذلك، فإن أخذت أكثر من ذلك ظلمتك، وتعديت حدودي، فالعامل يقول: لا أتعدى ما عندي، وصاحب المال يقول: لا أدفع بنت مخاض، ولكن أدفع ناقة كوماء! هل رأيتم خصومة مثل هذه؟ هذا شيء بعيد عن الحسبان. فالعامل يقول لصاحب المال: لا تجهد نفسك معي، هذا حدي، وإن كنت تريد ذلك فدونك رسول الله بالمدينة فاذهب بها إليه، وكان في الحنكية وهي منطقة تبعد حوالى مائة كيلو عن المدينة، فيأتي الرجل بالناقة الكوماء بدلاً عن بنت المخاض إلى رسول الله، فيعرض العامل على رسول الله قضيته، فيقول له ﷺ : (أطيبة بها نفسك؟ قال: نعم والله يا رسول الله! فيقول للعامل: خذها، ويقول لصاحبها: بارك الله لك في إبلك) ، فيعيش صاحب الإبل إلى خلافة معاوية، وكان يدفع عشرات الرءوس من الإبل في زكاة ماله؛ لأن دعاء النبي ﷺ له بالبركة لم يذهب هباءً. وهذا ما يفعله الإيمان، والإيمان بالغيب أول قضية في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١-٣] ومن الغيب: يوم القيامة، والجزاء والحساب، فإذا آمن حق الإيمان تيقن أن الدنيا كلها لا تساوي شيئاً، فأخرج من ماله، وكم من مسلم أخرج من ماله عدة مرات، وليس الأنصار وحدهم الذين يؤثرون على أنفسهم، بل أيضاً من المهاجرين؛ لأن الإيمان في قلب الجميع سواء، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها صامت ذات يوم، وبعد العصر جاء مسكين يقول: مسكين يا آل بيت محمد! فتقول عائشة لـ بريرة: أعطي المسكين، فتقول: والله! ليس عندي ما أعطيه، فقالت: ولا شيء؟ قالت: عندنا قرص شعير ستفطرين عليه في المغرب، يعني: ما عندنا إلا طعامك وأنت صائمة، فقالت عائشة: أعطي المسكين قرص الشعير! وعند الإفطار يرزق الله! يا سبحان الله! بالله عليكم هل واحد منا يعمل هذا؟! فتمشي بريرة وتقول: أعطي المسكين قرص الشعير، وعند الإفطار يزرق الله، وترددها مستعجبة! فلما جاء المغرب قامت عائشة رضي الله تعالى عنها لتصلي، وفي أثناء الصلاة طرق الباب، فلما فرغت عائشة من صلاتها، التفتت فإذا بشاة مشوية بقرامها! والقرام في اللغة: إما جميع الشاة، يعني مشوية كلها، وما أخرج منها شيء، مع الكبدة، والكرشة، والمقادم، والرأس، وكل شيء، وبعضهم يقول: كان من عادة العرب إذا أرادوا أن يأكلوا اللحم مشوياً، فبعدما يسلخوها يأتون بالدقيق، ويصنعون العجين اللين، ثم يغمسون الشاة في العجين، ويطلونها من خارجها، ثم يضعونها على الجمر، وتنضج الشاة من داخل، وقد عرفوا الوقت المحدد لهذا، فيكشفوا عنها الجمر، وأخرجوها بلباسها، وإذا أرادوا أكلها نزعوا عنها هذا اللباس من العجين، فكأنها موزة وتقشرها، فهذه الشاة جاءت لـ عائشة بقرامها، فقالت عائشة لـ بريرة: ما هذا يا بريرة؟ قالت: يا أم المؤمنين! لقد جاء بها رجل، والله! ما قد أهدى إلينا قط! فضحكت وقالت: كلي، هذا خير من قرص شعيرك، والله! لا يؤمن العبد ويكمل إيمانه بالله، حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في يده. تقول: الإنسان لا يكمل إيمانه أبداً حتى يكون يقينه فيما عند الله أقوى من يقينه مما في كفه، فقد يأتي أحد الناس ويأخذها غصباً عنك، لكن المكتوب لك عند الله -مضمون، فهذه أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها آثرت غيرها على نفسها وفي شدة الخصاصة بقرص الشعير. إذاً: (الصدقة برهان) أي: على صدق الإيمان. وهناك آداب للصدقة مثل: قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٦٤] ، والنبي ﷺ يقول في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ، ويقول: (الرياء هو الشرك الأصغر) . والإسلام يأمر بهذه الآداب مع المساكين لحفظ شعورهم، والمحافظة على ماء وجههم: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، لا تقل له على رءوس الأشهاد: خذ اذهب اشترِ كيس بر، خذ اذهب اشترِ رزاً لبيتك، فهذا لا يصح، فأين إخفاء الصدقة؟ يقولون: كان في المدينة خمسون بيتاً تأتيها أرزاقها عند مطلع كل شهر: دقيق، وسمن، وغيرها، ولا يعلمون ممن تأتيهم، في ظلام الليل يطرق الباب، ولا يدرون من الطارق فيفتحون الباب فيجدون السمن والدقيق ولا يعلمون من أتى به، فلما توفي علي بن الحسين ﵁ انقطعت هذه الأشياء، فعلموا أنها كانت منه.

стр. 458

الفرق بين الزكاة وصدقة التطوع نأتي إلى النص الكريم في الفرق بين زكاة الفرض وصدقة التطوع: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١] ، تبدوها أي: تظهروها، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] . قال العلماء: (تبدون) الفريضة ليتأسى بكم الآخرون؛ لأنها شعار وحق لله، كما ينادى للصلاة على المآذن، ويسعى الناس إلى المساجد، فكذلك الزكاة المفروضة، لكن صلاة قيام الليل في جنح الظلام والناس نيام نافلة، فكذلك الزكاة الفريضة تؤدى علانية، وأما صدقة التطوع فمثل قيام الليل في الصلاة، ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة:٢٧١] . إذاً: علمنا القرآن الكريم كيفية إعطاء الزكاة والصدقة التي نتصدق بها، ومن هنا فعلى المسلم أن يتحرى الطيب، وبقدر محبته لما يتصدق به يكون أجره، يقول النبي ﷺ : (خير صدقة المرء أن يتصدق قوياً شحيحاً يخشى الفقر، ويرجو الغنى) ، لكن إذا كان في آخر حياته، وأحس ببرودة الموت، وقال: أعطوا فلاناً، وفلاناً، فنقول له: لماذا لم تتصدق من قبل؟! الآن وقد بخلت من قبل؟! وما أعظم النماذج في الإسلام، فهذا أبو طلحة رضي الله تعالى عنه لما نزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] ، جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله، إن بيرحاء أحب أموالي إليّ، فضعها حيث شئت في سبيل الله ... ) . وكان صحابي يصلي في بستانه، فرأى طائراً قد أهاجه شخص، فأراد أن يخرج من بين الأغصان فلم يجد فرجة، فأتبعه بنظره، وأعجب ببستانه، ثم انتبه فإذا به شغل بماله عن ذكر ربه، فجاء إلى رسول الله حالاً وقال: (يا رسول الله! شغلت وفتنت في مالي بكذا وكذا، ولا أرى إلا أن أتصدق به في سبيل الله ... ) ، بستان من أحب الأشياء إليه، متشابك الأغصان، والطائر لم يجد فرجة ليخرج، وهو يأتي إلى رسول الله ليتصدق به! فهم كما وصفهم الله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦-٣٧] . وهذا نبي الله سليمان لما استعرض الخيل، قال الله عنه: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢-٣٣] أي: تصدق بها في سبيل الله، لا كما يقول الآخرون: يمسحها بالمنديل ويلطفها، بل تصدق بها في سبيل الله؛ لأنها شغلته عن الصلاة حتى توارت بالحجاب. إذاً: أجر الصدقة بقدر ما تحبها، وكيفية التصدق بمثل ما تحب أن يعاملوك به، فهل ترضى أن يأتي إنسان ويمتن عليك أمام الناس؟ لا والله! والحر يجوع ويربط على بطنه الحجر، ولا يتحمل منةً لمخلوق. والقصد بالصدقة وجه الله، فالناس لا يعوضون أحداً، وإن أثنوا ومدحوا فكله ذاهب، ولكن إن قصدت وجه الله فهذا هو الباقي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] . ولو أننا تأملنا هذه الفقرة من هذا الحديث (والصدقة برهان) ، ونظرنا إلى المجتمع الإسلامي في الصدر الأول، لرأينا الدرس والمنهج، فالأغنياء يجودون بمالهم، ويؤثرون على أنفسهم، والفقراء يتعففون. فكيف كان ذاك المجتمع؟! كان مجتمعاً مثالياً؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الباب: (اليد العليا خير من اليد السفلى) ، ويأتي الرجل يطلب الصدقة، فيقول: (أراك قوياً وهي لا تحل لقوي ذي مرة، فيقول: يا رسول الله! ليس عندي شيء، وأنا وعجوز في البيت، فقال: ولا شيء؟ قال: حلس نفترش نصفه، ونلتحف بنصفه، وقعب نأكل ونشرب فيه) ، -هذا هو أثاث البيت، ما هي غرفة نوم، وغرفة مطبخ، وأواني، ولوازم، وو لا،- قال: (علي بهما، من يشتري؟! فقال شخص: بدرهم، فقال: من يزيد؟! فقال آخر: بدرهمين، فقال: خذ الدرهمين، واذهب واشتر بدرهم طعاماً لأهلك، وبدرهم فأساً وأتني به، فأخذ ﷺ عوداً ووضعه فيه، وقال: اذهب فاحتطب وبع واكتسب، ولا أرينك خمسة عشر يوماً) ، وعفا عنه في حضور الجماعة؛ لأن هذا تشغيل لليد العاطلة، والقضاء على البطالة في كلمة، فيذهب الرجل، ويأتي وينمي التنمية الاقتصادية، فالحطب الضائع في الخلا يصبح طاقة تعمل في البلد، عجوز تطبخ به، ورجل يحتطب، وأتى الرجل بعد المدة لابساً ثياباً جديدة، وجيبه مليء بالدراهم والدنانير يسمع صوتها، ويتبسم ﷺ ويقول: (نعم هكذا، لأن يأخذ أحدكم فأساً وحبلاً فيحتطب فيبيع فيكتسب فيستغني، خير من أن يتكفف الناس أعطوه أو منعوه، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) . وهكذا الإسلام يعمل على رفع معنوية الإنسان، ويدفع العاطل ليعمل، ويجعل المجتمع بقسميه الغني والفقير يتساويان في المعنوية وحفظ النفس.

стр. 459

شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [٣]

стр. 460

فضل الصدقة وأثرها بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فمن الجوانب المهمة في الحديث عن الصدقة: بيان أثرها على العبد في الدنيا والآخرة: أما أثرها في الدنيا فقد جاء عنه ﷺ الحث على الصدقة، وبيّن أثرها في نفسية العبد، وأنها تقي مصارع السوء، وتقي موت الفجأة، وتحفظ المال، وتزيده كما قال: (ما نقص مال من صدقة) ، والفكرة العامة عند الناس: أن المعروف لا يضيع، كما قال الشاعر: من يصنع الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب الخير عند الله والناس فإذا صنعت معروفاً لمخلوق لا ينساه لك، فالمولى سبحانه لا ينسى لك ذلك من باب أولى، بل جاء في الحديث القدسي: (يا عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: جاع عبدي فلان، فلو أطعمته لوجدتني عنده، يا عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب! وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: مرض عبدي فلان، ولو عدته لوجدتني عنده) . بل الحيوان إذا أشفقت عليه ورحمته أثابك الله عليه، وقد جاء في الحديث: (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ، وجاء في الحديث: (دخلت امرأة بغي الجنة بسقيا كلب، كانت تمشي في الطريق، فاشتد بها الظمأ، ثم وجدت بئراً فنزلت وشربت، فلما خرجت إذا بكلب يلحس الثرى من شدة العطش، فقالت: يا ويلتاه! قد بلغ به من الظمأ ما بلغ بي، فرجعت إلى البئر وملأت خفها ماءً وسقته، فشكر الله لها صنيعها، فغفر لها) . ولما ذكر النبي ﷺ ذلك لأصحابه قالوا: (ألنا في الحيوان أجر؟ قال: في كل ذي كبد رطبة أجر) .

стр. 461

صنائع المعروف تقي مصارع السوء صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وهذه حادثتان مما سمعناها مباشرة، تعطي الإنسان العاقل في هذا صورة واضحة، وتقرب المعنى البعيد: الأولى: قصة إنسان معروف، أنقذ حياته وجماعته، ورد عليه وعلى رفقائه ماله، يقص الشخص بنفسه قصته علي فيقول: كان جالساً في مقهى، وجاء رجل من البادية وجلس، فبادر صاحب المقهى بالماء البارد، وبإبريق من الشاي، فشرب الرجل، وأراد أن يقوم، فأخذ يفتش في جيبه عن نقود فلم يجد، فأخذ صاحب المقهى يشتمه ويقول: إنك تحتال، وإنك كذا، فسمع هذا الرجل، ونظر إلى وجه الرجل فإذا به ليس من تلك الوجوه، فعز عليه ذلك، فنادى صاحب المقهى وقال: كم حسابك؟ فذكر له قرشين، فدفعها إليه، ونظر إليه الرجل، ومضى في سبيله، وبعد سنوات خرج هذا الرجل حاجاً هو ورفقته، وفي أثناء الطريق داهمهم قطاع الطرق، وجردوهم من جميع ما معهم من متاع ومال، وأوثقوهم في حبل، وبينما هم في تلك الحالة، إذا بكبير العصابة يأتي ويتفرّس الوجوه، فإذا به يقف أمام هذا الشخص، ويتأمل في وجهه -يقول الذي حدثني: لقد وقع في ظني أن له ثأراً أو ويريد اختياري للقتل، فما كنت أنتظر إلا الموت- ثم تفرس الوجوه مرة أخرى ونادى جماعته حالاً: أطلقوا هؤلاء الناس، وردوا عليهم متاعهم، وكل ما أخذتموه منهم، ولا أبرح مكاني حتى تفعلوا، وفكوا وثاقهم، وردوا أموالهم، ثم جاء إليه وأمسك بيده، وقال: هل يكفيك هذا بالقرشين؟ فقال: أي قرشين؟! قال: أنسيت سنة كذا في المقهى؟ سبحان الله!! واعذروني -أيها الإخوة- إذا أوردت مثل هذه القصص، لكنها واقعية، وتذكرنا بنعمة الله علينا بالأمن والأمان. فهذا المعروف الذي صنعه هذا الرجل ما كان يتوقع أن يلقاه بعد ذلك، وماذا كانت النتيجة؟ رقبته وماله وجماعته معه فدية لهذين القرشين، فلا تتكاثر معروفاً تصنعه، والعوام يقولون: اصنع المعروف وألقه في البحر، فهو لا يضيع، وأما الجزاء من الله فهو أكبر وأعظم قدراً. الثانية: قصة رجل ضل في الطريق، ودخل مغارة، وعجز أن يخرج، فطلبه أهله أربعة عشر يوماً فلم يجدوه، وبحثوا عنه في الآبار والمغارات، وفي كل مكان، وأيسوا من حياته، فدخلوا غاراً فوجدوه، وقد أخذوا معهم الإضاءة واللوازم، فأخذوه إلى البيت وسألوه: كيف كنت تعيش لمدة أربعة عشر يوماً؟! فقال: أولاً: أخبروني ماذا فعلتم في منيحة فلان؟ -بيت من جيرانه- مات والدهم وله أيتام، فمنح أيتام جاره حليب بقرة من بقره، فكان كل يوم يرسلها إليهم، فقالوا: كنا نبعث بها إليهم، وما قطعنها إلا بالأمس، قال: قد علمت ذلك، قالوا: وكيف علمت وأنت في ذاك المكان؟! قال: حينما ضعت عرفت أني هالك إلا أن يتداركني الله بلطفه، فجلست مظنة أن يأتيني أحد فيجدني قريباً، فطال الانتظار وطال الوقت، وأنا لا أعرف ليلاً من نهار، ورفعت يدي إلى الله أسأله مع شدة الجوع والعطش، فإذا أنا أجد بين يدي غدارة -إناء عادي يحمل في اليد-، فلشدة عطشي وجوعي أهويت بها على فمي، فإذا بها حليب بقري، وهكذا كانت تأتيني كل يوم، إلا بالأمس انقطعت عني. وهذا مما يبين قوله ﷺ في الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) ، كان في وسط المغارة، ولا يدري عنه أحد إلا الله، وهذا من فضل الله. وقد سمعت منذ أسبوع مضى: أن امرأة وقعت في دبل العين -والذي أخبرني حي يرزق- فانخسف بها الدبل، وسقطت في الأرض ولم تستطع أن تخرج، ومكثت خمسة عشر يوماً لا يعلم بها أحد، وقد كان لها غنم تعطي عجائز بجوارها من لبنها في طاسة من النحاس، فمر شخص يمشي على ظهر الدبل فسمع صوتاً، فنادى فأجابته فأخرجوها، فسألوها كيف كنت تعيشين؟ قالت: طاسة الحليب التي كنت أعطيها العجائز اللآتي بجواري، كانت تأتيني كل يوم! أيها الإخوة: إن وعد الله لا يحتاج إلى حكايات، ونقل أحداث، ولكن المؤمن إذا سمع شيئاً من هذا زاد يقينه، ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم يرون المعجزات، ويرون خوارق العادات، فيزدادون إيماناً ويقيناً بالله، ولما جاء إعرابي وقال: (يا محمد! أنت نبي؟ قال: نعم. قال: من أرسلك؟ قال: الله. قال: من يشهد لك؟! قال: الطعام الذي تأكل منه، فرفعوا القصعة إليه وأصغى بأذنه فإذا بها تقول: لا إله إلا الله، فقال: والله! إنها لتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال رجل: اسمعنيها يا رسول الله! قال: أسمعه، فسمعها تأتي بالشهادتين، فقال الثالث: أسمعنيها؟ فقال: ضعها في الأرض) أي: يكفي شهادتين. فإذا كان الأمر كذلك، ونحن في القرن الخامس عشر نسمع أحداثاً من تلك ونعاينها ونحسها، فلا شك أن ذلك يعطي المؤمن زيادة إيمان ويقين، والخليل ﵇ سأل ربه كما: قال الله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] . إذاً: الصدقة في الدنيا لا تضيع، ولا يضيع الله على أحد شيئاً، أما البركة في المال، والزيادة، والطهر، والنماء، فهذا أمر مفروغ منه.

стр. 462

أثر الزكاة والصدقة في المجتمع الإسلامي نأتي إلى النظام الإسلامي وأثر الزكاة والصدقة فيه، فنجد أنه ما وقع في العالم الإسلامي فتنة ولا غزته فكرة ولا أوتي من الخارج إلا بسبب ترك الصدقة، فلما عطلت الزكاة هدم انتظام المال في الإسلام، وجاءت الفوارق البعيدة، وتقطعت الصلات بين الأغنياء والفقراء، وشح الغني بماله، وحقد الفقير بقلبه، وجاءت الطبقات، وجاءت الدعوات، ومن قبل كان المال عارية في يد صاحبه، ويرى أن الله امتحنه به ليرى: هل يشكر ويحمد ربه ويؤدي حقه أم لا، والفقير أمسك الله عنه المال امتحاناً له لينظر أيصبر أم يجزع، وقد يكون امتحان الغني أشد: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] ، لأن الفقير سلبي، أما الغني يطيش بيديه إلى كل جهة. فحينما كان المال عارية مستعارة بيد الجميع، فكان يعرف حقه فلا يتعداه، فالغني يؤدي حق الله، والفقير لا يتجاوز حقه في المال، وكل يقف عند حدود الله، فيعيش العالم في أمان وطمأنينة، وكان الكل غنياً بالله. يقول الإمام علي رضي الله تعالى عنه: (إن الله أودع في أموال الأغنياء ما يسد حاجة الفقراء، وما جهد فقير إلا بتقصير غني، والله محاسبهم على ذلك حساباً شديداً، ومعذبهم عذاباً أليماً) . أي: الفقير لا يشتكي إلا بتقصير الغني، فالله سبحانه قدر مقادير كل شيء، وأعطى من المال ما يكفي لعباده، لكن الغني يمسك حق الفقير، وإذا كان لك شريك في مال وأمسكت حقه، أجعته، فالفقير له حق معلوم في مالك، فريضة من الله، فإذا أعطى الأغنياء حقوق الفقراء فلا شكوى، وإذا أمسك الأغنياء حقوق الفقراء كانت الشكوى؛ ولذا لما تنظمت الزكاة في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، ما شكا فقير حاجة، وكان يكتب إليه عامله على إفريقيا: إني قد جمعت الزكاة وأعطيت الفقراء والمساكين، وبقي عندي مال فماذا أفعل به؟ فيقول: انظر أي مدين فسدد دينه، فكتب إليه: قد فعلت وبقي عندي مال ماذا أفعل به؟ قال: انظر أي غريب فبلغه بلده، فكتب إليه وقال: قد فعلت وبقي عندي مال ماذا أفعل به؟ قال: انظر أي أعزب فزوجه، وهكذا انتظمت الحياة عند التزام شرع الله في الزكاة. وفي القرآن الكريم بيان مصارف الزكاة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. ﴾ [التوبة:٦٠] ، وعدد ثمانية أصناف تستطيع أن تقول: هي أبواب ميزانية دولة كاملة، فالتضامن الاجتماعي بين الغني والفقير والمسكين، ورجال الوظيفة (العاملون عليها) ، والساعون بالمعروف والإصلاح بين الناس، مثل هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و (المؤلفة قلوبهم) وزارة الخارجية وعلاقة الإسلام بغيره، ووزارة الطرق والمواصلات. والجيش وفك الأسير والعاني (في سبيل الله) ، وكل ذلك مرافق لمصارف الزكاة. إذاً: الزكاة مرفق اجتماعي عظيم في الإسلام، ومن أعظم مصارف الزكاة في سبيل الله وفي الرقاب، مثل: تجهيز الغزاة، وفكاك الأسير. إذاً: الزكاة في الدنيا شأنها عظيم، وأمرها في الآخرة أعظم: (المرء في ظل صدقته) ، وفي الحديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) .

стр. 463

العذاب المترتب على منع الزكاة مانع فريضة الزكاة متوعد بالعذاب كما في قوله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها في الدنيا إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه، وجنبه، وظهره، كلما بردت أحمي عليها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الخلائق، ثم يرى سبيله إما إلى جنة، وإما إلى نار! وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها في قاع قرقر، وجيء بها أوفر ما تكون، لا تنقص فصيلاً منها، تطؤه بأظلافها، وتعضه بأنيابها، كلما مرت عليه أخراها أعيد عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار! وما من صاحب بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها في قاع قرقر، وجئ بها أوفر ما تكون، ليس فيها عجفاء، وليس فيها جلحاء، تمر عليه وتنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار! قالوا: والخيل يا رسول الله؟ قال: أما الخيل فهي لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، أما التي هي له أجر: فرجل ارتبطها في سبيل الله، فلا تستن شرفاً، ولا تنزل وادياً، ولا ترعى مرعاً، ولا يوردها ماء يسقيها إلا كان له في ميزانه حسنات، وفي روثها له فيها حسنات، وأما التي له هي ستر فرجل اقتناها تغنياً -أي: نماءً واقتصاداً- يتغنى بها -أي: يستغني بها- وأما التي هي عليه وزر فرجل اقتناها خيلاء وكبراً، قالوا: والحمير يا رسول الله؟! قال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] ) . وأحاديث الوعيد في ترك الزكاة كثيرة، وما دخل شر على المسلمين إلا بتعطيل الزكاة، فالزكاة تربط بين أفراد المسلمين، فلما عطلت الزكاة تخلخلت هذه الروابط، ووجدت تلك الفجوات، ووجد الفراغ، وجاءت الأفكار المسمومة، هذا ما أردنا التنبيه عليه، والله أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه.

стр. 464

الفرق بين الصدقة والهدية السؤال ما هو الفرق بين الصدقة والهدية؟ الجواب افرق كبير جداً، ويظهر ذلك مع قصة النبي ﷺ مع سلمان الفارسي لما قدم النبي ﷺ مهاجراً ونزل بقباء، سمع به سلمان الفارسي ﵁، وقد تنقل من فارس إلى الموصل إلى الشام إلى الحجاز، وكل ذلك بحثاً عن الدين الحق، وأخيراً عرف الطريق، وجاء مع قوم، وباعوه، ثم بيع في المدينة لرجل يهودي، فكان يعمل عنده، وينتظر مقدم نبي آخر الزمان من الحرم، وعلم أنه مهاجر إلى بلدة أرضها سبخة ذات نخيل بين حرتين، وكان يظنها خيبر، ثم اتضح له أنها المدينة، فكان يعمل في بستان رجل يهودي، وسمع بمجئ رسول الله ﷺ ، وكانت عنده ثلاث علامات، وكان في زمن الصيف، فجاء بقفة من الرطب، وقال: يا محمد! هذه صدقة مني عليك، وعلى أصحابك، فنظر إليه ﷺ وقال: (إني لا آكل الصدقة وقربها إلى الآخرين) ، فقال سلمان: هذه واحدة، ومن الغد جاء بمثلها، وقال: يا محمد! هذه هدية مني إليك ولأصحابك، فأكل منها، فقال سلمان: هذه الثانية، فنظر إليه ﷺ وكشف له عما بين كتفيه لينظر العلامة الثالثة، فنظر سلمان بين كتفي رسول الله ﷺ ، وأهوى على خاتم النبوة يقبله، وأعلن إسلامه حالاً، وقصة سلمان طويلة، ثم اشترى نفسه من صاحبه بكذا أوقية، وأن يغرس له مائة ودية، إلى آخر قصته. ومما يبين الفرق بين الصدقة والهدية ما جاء في قضية بريرة، عندما دخل ﷺ البيت، فقدموا له إراماً، فقال: (ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟! قالوا: إنه لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال ﷺ : هو عليها صدقة، ولنا منها هدية) . ويقول الأصوليون: الأعمال بالمقاصد، وفي الحديث (إنما الأعمال بالنيات) ، وهي قطعة لحم واحدة، وهي من يد صاحبها إلى بريرة صدقة، وهي -القطعة بعينها- من يد بريرة إلى رسول الله ﷺ هدية، فأكل منها ﷺ . إذاً: فرق بين الصدقة والهدية، وقد ذكر ﷺ أن الصدقة لذوي الأرحام والأقارب خير من الصدقة للأجانب؛ لأنه كما قال ﷺ :: (صدقة وصلة) ، فتصل رحمك وتتصدق، ولكن لا يكون المتصدق عليه من رحمك ممن تلزمك نفقته، لأنه إن كان ممن تلزمك نفقته، فلا يجوز أن تتصدق عليه؛ لأنك تؤدي واجب النفقة من صلة الزكاة، وهذا لا يجوز، والهدية كما قيل: من أكبر ما يكون بين الأفراد في علاج أحنة الصدر، وفي المؤاخاة، وفي غرس المحبة، كما قال ﷺ : (لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) ، وقوله ﷺ : (تهادوا تحابوا) ، فإذا أهديت إلى إنسان ولو عود أراك، فإنه يذكرك به، وينزل منزلة في نفسه، فيكون مدعاة إلى زيادة المحبة بينك وبينه. إذاً: الهدية عامة، يهدي الإنسان لصديقه، أو لأخيه وجاره، والصدقة يتقرب بها إلى الله، ولها مصارفها الخاصة، مثل الفقراء، المساكين، وغيرها من أبواب البر التي يعلمها الجميع.

стр. 465

العلاقة بين النور والبرهان والضياء في الحديث هذا الحديث النبوي الشريف ذكر قاعدة الإسلام -وهي العقيدة- في طهارة القلب، وأول ما يطهر العبد قلبه من درن الشرك والرياء، ومن الحقد والحسد، ثم ذكر عمل اللسان، بالتسبيح والتحميد للمولى سبحانه، وبالذكر عموماً، ثم ذكر ركنين من أركان الإسلام وهما: الصلاة، والزكاة، وبعد هذا قال: (والصدقة برهان، والصبر ضياء) ، فما الربط بين قوله: (الصلاة نور، الصدقة برهان، الصبر ضياء) مع أن كلها عوامل إضاءة مع اختلاف الماهية؟ أما النور فهو الهادئ، ولا حرارة معه، وأما البرهان فهو الشعاع الذي أمام قرص الشمس، وأما الضياء فهو نور الشمس، وعند المناطقة النسبة بين الثلاثة: التشكيك، فإنك إذا نظرت فيها تجد أنها تتفق في الجنس، وتتفاوت في الرتبة، ولو أشعلت عود ثقاب في صحراء لقلت: نَوّر، ولو جئت بماطور كهرباء في لمبة مليون شمعة لقلت: نَوّرت، ولكن تنظر إلى هذا وتقول: نُور وليس بظلام، وتنظر إلى هذا وتقول: نور وليس بظلام، ولكن الفرق بينهما بعيد، فهما جنسان مختلفان في الإضاءة وبينهما عنصر الإضاءة. ويقولون: التشكيك بينهما نسبة منطقية، والعلماء يقولون: النور إضاءة بدون إحراق، وبدون شدة، وهكذا تكون الصلاة، كما قال ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ، والصلاة صلة بين العبد وربه، أما الصدقة فهي برهان، والبرهان هو الحجة؛ لأنك تحتاج إلى إقامة الدليل على الإيمان باليوم الآخر، والمتصدق يؤمن أنه سيجد ثواب صدقته فيما بعد، ولذا يقدم الصدقة بدون عوض عاجل. أما الصبر الذي هو الضياء فهو النور مع الحرارة، فما من عمل يدخله الصبر إلا وله حرارة في قلب المسلم، وقالوا: الصبر ثلاثة أقسام: صبر على البلايا، وصبر عن المعاصي، وصبر على الطاعة، فالصبر على البلاء يقولون: له ثلاثون درجة، والصبر على الطاعة له ثلاثون درجة، والصبر عن المعاصي له تسعون درجة، فالصبر على البلاء صبر ممدوح، وأشدها الصبر عن المعصية، فالصبر على البلاء فيه شدة، ولا شك أن فيه شدة، والصبر على الطاعة فيه، تتحمل مشاقها، فتمشي إلى المسجد في الرمضاء، وتمس الماء في البرد، وتتحمل مشاق السفر للحج، وتجاهد في سبيل الله بروحك ومالك، وهكذا. فجميع حالات العبادة لا يؤديها إنسان إلا بالصبر، وقد جاء في الحديث: (الصوم نصف الصبر) ، والنصف الثاني مقسم على البقية، وفي الحديث: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي) . ، فالصبر على أداء العبادات والطاعات شديد، لكن أشد منه الصبر عن المعاصي والشهوات. لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر إذاً: الصبر ضياء؛ لأنه أعم العمومات في التكاليف كلها، فلا تستطيع أن تقيم ركناً من أركان الإسلام إلا بالصبر، ولا تستطيع أن تتجنب معصية إلا بالصبر، فصبر نفسك عن نوازعك وهواك، وقاوم كل المؤثرات بالصبر، وهكذا في مكارم الأخلاق، فلن يبلغ الإنسان مداه، ولا يصل في مكارم الأخلاق إلى درجات عالية إلا بالصبر، يصبر على خصمه، ولا يقابل الإساءة بإساءة، كما في الآية الكريمة: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] . والنصوص الكريمة كثير في الصبر كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] ، أي: من أجل الله، وفي سبيل الله، والمتتبع لمواطن الصبر في القرآن يجدها فوق السبعين مرة، ولك أسوة في صبر أيوب ﵇ فقد صبر صبراً فوق العادة؛ لأنه نبي كريم، وذكروا في سيرته أنه صبر صبراً لا يكاد يصبره شخص عادي. قال ﷺ : (والصبر ضياء) : وإذا نظرنا من خلاله إلى حالات تقتضي الصبر، فانظر مثلاً حين تثير إنساناً حالات تغضبه، فإذا بادر وسارع إلى استجابة دواعي الغضب وقع في متاهة، وارتكب محظوراً، ولكنه إذا كبح جماح نفسه وصبر نجا، (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب) ، ما معنى يملك نفسه؟ أي: يكبح جماح نفسه بالصبر عن أن يندفع للانتقام، وكل إنسان يمر بحالات نفسية، فإذا صبر الإنسان، وتأنى لحظات، وبرهة من الزمن؛ كان هذا الصبر ضياء يكشف له الحقائق، ويبين له طريق الإحسان، ويوضح له المخرج من ذلك المأزق. ومعاني الصبر أكثر من أن يستوفيها إنسان في كلمات، والرسول ﷺ وصف الصبر بالضياء القوي ذي الحرارة؛ لأنه لا يوجد عمل يحتاج إلى الصبر إلا ومعه شدة، وتلك الشدة تقابلها شدة الحرارة في ضوء الصبر.

стр. 466

فضل القرآن آخر هذا الحديث قوله ﵊: (والقرآن حجة لك أو عليك) ، انظر إلى ترتيب هذا الحديث، لو كان قرآناً لقال كل إنسان: ما علاقة كل جملة بالتي قبلها؟ ولكن انظر إنه الوحي أيضاً، فالقرآن جامع لكل ما تقدم، والقرآن هو إمام كل مؤمن، والقرآن شامل وجامع لكل ما في هذا الحديث وغيره؛ ولهذا ختم به ﷺ تلك التوجيهات الكريمة في هذا الحديث الشريف، والقرآن هو كتاب الله المقروء، يقول ﷺ : (حجة) ، والحجة: السلطان والبرهان والدليل (لك أو عليك) حجية القرآن قائمة على العباد، وقد أوحى الله به لرسوله ﷺ ، وقد شاهد العالم كله صدق تلك الحجة وقوتها، وإذا أردنا أن نلم بفضله ولو إلمامة خاطفة نجد قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] ، ثم نجد في افتتاحيته: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، ونجد بعدها: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] ، حجية القرآن في جميع مجالات الحياة، وتجد القرآن هادياً فيها للتي هي أقوم. والأصوليون وعلماء التشريع يقولون: الحياة بكاملها -سواء عند المسلم والكافر- في أحد أمرين، إما درء مفاسد، وإما جلب مصالح، ولا تجد إنساناً يسعى في هذه الحياة، مسلماً كان أو مشركاً، إلا لأحد أمرين يحققهما لنفسه، إما أن يدرأ عن نفسه شراً، وإما أن يجلب لنفسه خيراً، ولذا يقول الشاعر الجاهلي: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع يضر عدوه، وينفع صديقه، وقالوا: لقد جاء الإسلام لتحقيق هذين الغرضين، وزاد ثالثة لم تأت بها قوانين العالم، ولا مطامع العالم، ألا وهي الحث على مكارم الأخلاق؛ ولذا لا تجد قانوناً شرقياً أو غربياً، أو وضعياً اجتماعياً أو جنائياً، لتنص مادة فيه على مكارم الأخلاق، فهي قوانين إما مدنية، وإما جنائية، والمدنية في الحقوق والأموال بين الناس، والجنائية في ردع المجرمين والظالمين، وما سوى ذلك لا دخل للقوانين الوضعية فيها، أما القرآن الكريم فبدأ بمكارم الأخلاق، ونعت ﷺ بها في أعلى مراتب الكمال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، ويقول ﷺ (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، ويقول: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ، فالأخلاق موجودة من قبل، وجاء ﷺ ليتممها، والقرآن يحث على البر بالوالدين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] مع قوله: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] ، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] ، وحث على الاهتمام بالأولاد والإحسان إليهم: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] ، وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] ، أولادك، ذوو رحمك، أقاربك، كلهم يحث القرآن عليهم أيما حث، وحث على حسن الجوار، والأمانة، والصدق، والوفاء، ومكارم الأخلاق واسعة، ومن هنا قال الأصوليون: يتفق جميع العلماء أن درء المفاسد في الشرائع السماوية إنما تعني الكليات الخمس: درء المفاسد عن: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، وقالوا: هذه يجب أن تصان في كل مجتمع، فإذا لم تكن مصانة فلا مجتمع ولا ترابط ولا أمن، أما حفظ الدين: فجاء الإسلام ووحد الدين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] ، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، وجاء حفظه بقتل المرتد، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] . وأما حفظ النفس: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٥١] ، وحرم القتل وجعل فيه القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] ، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] . وأما العقل: فحرم على الإنسان كلما يشوش على هذا العقل، أو يخمره ويغطيه، وجعل في ذلك حداً. وأما العرض والنسب: فحرم الله سبحانه فاحشة الزنا، وجعل لكل مفسدة حمى لا يقتحمه الإنسان، فحمى الدين بتحريم البدع والزندقة صيانة للدين من أن يشوش. ومن حفظ النفس: تحريم الاعتداء ولو على سن أو ظفر. وأما النسب: فحرم الزنا، وجعل حماه: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) ، وأمر بغض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] . وأما حفظ المال -وهو عصب الحياة-: فحرم أكل أموال الناس بالباطل، وجعل في السرقة حداً، وهو قطع اليد، وهكذا جعل له حمى، فحرم الغش، وحرم التدليس، وتوعد بالويل لمن طفف بالكيل ولو حفنة قليلة. وهكذا -أيها الأخوة- نجد أن القرآن جاء بحماية الضروريات، ودرء المفاسد، ثم جاء بالحاجيات والمتممات التي تقتضيها الحياة من العقود في المعاوضة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وكذلك الإجارة، والرهن، والكفالة، والوكالة، والضمان، والمساقاة، والمزارعة، وكل ما يحتاجه العالم من أمور الدنيا. والقرآن حفظ للأمة ضرورياتها، ورسم لها نهجها، ورسم لها طريق مكارم الأخلاق، فالقرآن حجة قائمة، وعليك أن تعرض نفسك على أوامره ونواهيه، وتسأل: أين أنت منها؟ كما أثر عن السلف: (من جعل القرآن أمامه وإمامه، واقتدى به قاده إلى الجنة، ومن جعل القرآن وراء ظهره أخذ بقفاه ودفعه حتى رمى به في النار) . ويأتي القرآن يوم القيامة يجادل عن صاحبه ويقول: يا رب! حملته إياي، فنعم الحامل الأمين، قام بحقي، فيقول المولى سبحانه: شأنك به، فيأخذ بيده ولا يدعه حتى يدخله الجنة، ويأتي إلى غيره، ويقول: يا رب! حملته إياي فلم يحملني، وضيعني، فيقول: شأنك به، فيأخذ بقفاه فيدفعه إلى النار.

стр. 467

القرآن حجة لك أو عليك وقوله ﵊: (والقرآن حجة لك أو عليك) حجة لك في حياتك ومعاملاتك: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وفي حقوق الزوجة: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] ، ماذا فعلت في لباسك؟ هل صنته وأكرمته أم لا؟ هل وفيتم حقوقهن أم لا؟ وهكذا ما يكون بين الراعي والرعية، قال الله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، فهذا حق الراعي على الرعية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، ولم يقل: (وأطيعوا أولي) ؛ لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله ورسوله؛ ولذا كان الخلفاء الراشدون وغيرهم من ولاة الأمر يكتبون إلى الرعية في الأقطار: إني قد وليت عليكم فلاناً -لكل قطر- فمن تحمل ظلامة فإني بريء منها، وإني قد وليتهم ليقيموا كتاب الله، وسنة رسول الله، فمن أخطأ ذلك فلا طاعة له عليكم. وها هو الصديق ﵁ يعلنها ويقول: (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن وجدتموني على حق فأعينوني، وإن كان غير ذلك فلا طاعة لي عليكم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) ، هذا هو المنهج الإسلامي، وها هو القرآن حجة لك أو عليك: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، وما الحكم إذا حصل نزاع بين ولاة الأمر وبين الرعية؟ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] . وهكذا في كل مرافق الحياة، في عموم الأمة وخصوص الفرد. وحق الله عليه أن تعبده فقد أوجب عليك صلاة، وصياماً، وزكاةً، وحجاً، بكل وضوح وبيان، فلا تحتاج أن تسأل عالماً، ولا أن تقرأ كتاباً، وكما قال ابن عباس: التفسير على أربعة أقسام: قسم لا يعذر أحد بجهله، وهو ما كلف الله الأمة به، فهل تحتاج إلى كتاب تفسير في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ؟ أو قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] ؟ هل تحتاج إلى تفسير: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ؟ هل تحتاج إلى تفسير: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٥١] ؟ هل هذه النواهي تحتاج منك إلى عالم، أو إلى كتاب تقرأه؟ لا، والله! بل هي من ضروريات التشريع، وهي واضحة بينة، وحجة قائمة لك أو عليك، والحديث عن القرآن متنوع، فالقرآن يتحدث عن نفسه، قال والدنا الشيخ الأمين عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] : لو أراد إنسان أن يؤتيها حقها لتناول القرآن كله، وما خطة سمعت بها أو قرأت عنها إلا والقرآن أقوم منها. ولما جاء عمر رضي الله تعالى عنه بصحيفة من التوراة يستحسنها، وعرضها على رسول الله ﷺ ، غضب وقال: (يا ابن الخطاب! والله! لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي) . وقال الله في إثبات حقه ووحدانيته: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ، (أحد) (لم يلد) نفي وإثبات. وفي توحيد العبادة: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١-٣] وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، وفي توحيد الأسماء والصفات: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] كل ما تحتاجه فيما يتعلق بحق الله والأمور الغيبية تجدها واضحة في كتاب الله، وكل ما تحتاجه بينك وبين أخيك، وبينك وبين ولدك، وبينك وبين والديك، وبينك وبين زوجك، وبينك وبين الناس عموماً، وبينك وبين ولاة أمرك تجده واضحاً في القرآن. إذاً: أين يذهب الناس عن كتاب الله؟! لا مصير للأمة ولا سلامة لها ولا أمن ولا طمأنينة لها إلا بالعودة إلى كتاب الله، والأخذ بتعاليمه وتوجيهاته، ففيه نبأ من قبلنا، وخبر من بعدنا، وفيه حكم ما بيننا، فمن حكم به عدل، ومن تمسك به نجا، ومن قال به صدق. والحمد لله رب العالمين.

стр. 468

شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [٤]

стр. 469

أركان الإسلام المذكورة في حديث (الطهور شطر الإيمان) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: إن هذا الحديث النبوي الشريف بهذا السياق والنسق الجميل، يعطينا منهجاً متكاملاً في توجيه الأمة إلى ما فيه سعادتها في الدنيا والآخرة، وهو في كماله كحديث جبريل ﵇ (حينما جاء إلى النبي ﷺ في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد من الحاضرين، فجلس إلى النبي ﷺ ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه -وهذه جلسة المتأدب المتعلم-، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فأخبره ﷺ عن أركانه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان؟ فأخبره ﷺ عن أركانه، ثم قال: أخبرني عن الإحسان؟ فأخبره به، وكلما أخبره رسول الله ﷺ يقول: صدقت. يقول عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه! ثم سأله عن الساعة، فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. ثم قال رسول الله ﷺ : ردوا علي الرجل، فلم يجدوه، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) ، والدين أعم من الإسلام والإيمان؛ لأنه شمل الإسلام بأعماله الظاهرة: صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، والإيمان بأعماله الخفية، مما ينطوي عليه القلب، ومجمل ذلك كله هو الإحسان. وهذا الحديث الذي معنا عن أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ يبين لنا آثار تلك الأركان في ذاك الحديث، من الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، وهنا يبين لنا ﷺ آثار الطهارة وذكر الله: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان أو تملأ ما بين السماء والأرض) ، وسبحان الله والحمد لله هما مؤدى لا إله إلا الله؛ لأنهما إثبات صفات الجلال والكمال لله، وفيهما نفي وتنزيه المولى سبحانه من صفات النقص، ثم قال بعد ذلك: (والصلاة نور) ، وفي ذاك الحديث ذكر أركان الإسلام، الشهادتين ثم الصلاة، فيبين هذا الحديث آثار ذاك الحديث الأول، وتقدم الكلام عن قوله: (الصلاة نور، والصدقة برهان) ، وهي أعم من الزكاة، وكذا قوله: (والصبر ضياء) ، وهذه هي أركان الإسلام التي جاءت في حديث جبريل، ولم يبق منها إلا الحج، والحج مستقل بذاته: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] ، بل إن الحج يجمع جميع أركان الإسلام في مناسكه، فالشهادتان: لبيك لا شريك لك، والصلاة: يلزم أن تصلي ركعتين بعد الطواف، والزكاة: أنت تنفق المال من أول ما تخرج من بيتك إلى أن ترجع، والصوم: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] . إذاً: الحج هو العمل الإجمالي أو التطبيقي العملي لأركان الإسلام كلها. تقدم معنا الكلام بإيجاز عما جاء في أوائل هذا الحديث، إلى قوله ﷺ : (والقرآن حجة لك أو عليك) .

стр. 470

أقسام الناس قال ﷺ : (كل الناس يغدو ... ) ، ولم يقل: كلكم، أو كل مسلم، بل عمم كل الناس، مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم ومنافقهم. وكلمة الناس من: ناس ينوس، أي: تحرك، وسمي الناس ناساً لأنهم يتحركون، والنواس الحركة والصوت. (يغدو) . أي: يصبح مبكراً من الغدوة؛ لأن الغدو أول النهار وآخره العشي: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف:٢٠٥] ، كل شخص يغدو من الصباح مبكراً. (فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) : إذا جئنا إلى هذه الجملة الختامية من هذا الحديث نجده يجعل الإنسان سلعة في سوق الحياة، وتأتي هذه الجملة بعد حجية القرآن، ولو أردنا أن نقف على معناها، فلنرجع إلى أول المصحف لنرى كم قسم المولى سبحانه الناس، فبعد ذكر المسألة العظيمة في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ، والرفقة الكريمة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] ، والابتعاد عن طريق الكافرين: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، نجد أن الناس -كما في أوائل سورة البقرة- ثلاثة أقسام، فهو حجة لقسم، وحجة على قسمين، وبيان ذلك على النحو الآتي:

стр. 471

القسم الأول: المتقون بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] هذا القسم الأول، من هم المتقون؟ والوصل والفصل أسلوب بلاغي، وعدم العطف يدل على أن الثاني عين الأول، قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢-٣] . وهذا يوافق ما في الحديث: (الصلاة نور، والصدقة برهان) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] ، جاءت أركان الإسلام وأركان الإيمان، فالإيمان بالغيب يقتضي الإيمان بكل ما جاء عن الله في كتاب الله أو أخبر به رسول الله في سنته. فهم يؤمنون بالغيب (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) ، وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، أما غير المسلم فيقف إيمانه عند مرحلة معينة، فاليهود يقفون عند رسالة موسى ﵇ ويجحدون عيسى، والنصارى يقفون عند رسالة عيسى ويجحدون رسالة محمد ﷺ ، أما المسلم فيؤمن بكل رسالات الله: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] . وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] ؛ لأن اليقين باليوم الآخر منطلق كل خير، وهو رادع عن كل شر؛ لأنه إذا أيقن بيوم فيه حساب وجزاء وعقاب فإنه يحسب لكل خطوة حسابها، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، فهو يعلم بأن هناك موازين توضع، فيقيس أعماله، ويزن خطواته؛ لأن أعماله موزونة وليست مهملة، فهؤلاء هم القسم الأول، والقرآن هدى لهم، وإذا كان هدىً لهم فيكون شاهداً لهم وحجة لهم. إذاً: القرآن يكون حجة للمتقين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢-٥] ، جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 472

القسم الثاني: الكفار أما القسم الثاني ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] ما نتيجة عدم إيمانهم وتصديقهم؟ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] ، جاء الختم على القلوب والأسماع، فلم تعد قلوبهم تعي خيراً، ولم تعد أسماعهم تصغي إلى خير: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤] . قال: (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ، أي: لا يبصرون آيات الله الكونية، ولا يعتبرون بما وقع في الأمم السابقة، ولا يتعظون ولا يتذكرون بما في الكون من آيات الله وقدرته التي تدعو إلى الإيمان. وفي أول الفاتحة يقول الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، والرب هو الموجد المصلح المدبر، وانظر إلى هذا النظام البديع المتقن في الأرض: من نبات، وحيوانات، وفي السماء: من كواكب وأفلاك تجري بحساب دقيق: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] ،إذا نظرت إليها تأملت وتفكرت: من الذي يدبرها ويسير أمرها ويحفظ نظامها؟ إنه الله. الحيتان في البحار والأنهار تتواجد وتتكاثر، والطيور تتواجد ويتكاثر، والوحوش في الفلوات تتواجد وتتكاثر، والبشر في القرى والمدن والبوادي يتواجدون وتتكاثرون، ومن الذي يدبر ذلك كله؟! إنه الله سبحانه. ولذا فإن الله لما أراد أن يلزم ويفحم الجاحدين لربوبيته، ألزمهم بقاعدة منطقية إلزامية، يقول سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦] . فالمؤمن يؤقن باليوم الآخر، وهؤلاء لا يوقنون، ونقف مع هؤلاء على سبيل النقاش فنقول لهم: أيها الخلق الذين يجحدون ربوبية الله! أخبرونا عن أنفسكم، وانظروا في ذواتكم وأشخاصكم، أخلقتم من غير شيء؟! و (شيء) هنا يرجع إلى أمرين: إما أنهم خلقوا من غير مادة، أو خلقوا من مادة، فهم يقرون بأنهم خلقوا من مادة المني، فمن الذي خلق المادة التي أنتم جئتم منها؟ وقيل في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) أي: من غير خالق. وهذا هو الأرجح، بدليل المقابلة في قوله: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) ، وبالسبر والتقسيم نقول: أنت موجود مخلوق، ووجودك في الدنيا لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: خلقت بلا خالق، خلقت نفسك، خلقك خالق قادر، وأي هذه الأمور الثلاثة صحيح؟ وأيها باطل؟ هل خلقت من غير شيء؟ لا، فالعدم لا يعطي وجوداً، والوجود لا يتأتى من عدم؛ لأن العدم لا شيء: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ، وإن قلت: أنا خالق نفسي، فنقول لك: قبل أن توجد كنت في العدم، فمن الذي أوجدك في الوجود لتخلق نفسك؟ فيبطل ادعاؤه أنه خلق نفسه. ولم يبق أمام العقل إلا أن يؤمن بوجود خالق خلقه، وهذا هو -كما يقول علماء الكلام- دليل الإلزام. نرجع إلى أقسام الناس في القرآن، وقد ذكرنا القسم الأول وهم المتقون ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] . وذكرنا القسم الثاني وهم الكفار، وسبب عدم إيمانهم أنهم لا يوقنون، وكانت النتيجة أن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وفي الحديث: (إن العبد ليذنب الذنب فينكت على قلبه نكتة سوداء، ثم يذنب الذنب فينكت على قلبه نكتة سوداء حتى يغلف بالسواد) ، وبهذا يحجب عنه النور الذي بداخله المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥] ، وهو نور الإيمان في قلب المؤمن، فيحجب هذا النور في قلب هذا المسلم حينما يذنب تلك الذنوب، قال ﷺ : (حتى يصبح كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً) ، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] ، فالكافر بكفره وعدم إيمانه وتصديقه ويقينه باليوم الآخر، يختم على قلبه وعلى سمعه، وزيادة على ذلك: يجعل الله على بصره عشاوة، فلا يرى حقائق الأمور، ولا يبصر آيات الله الدالة على أنه الواحد. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ولكن ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] ، والقسم الأول فيهم عدة آيات تذكر صفاتهم ومعتقداتهم، بخلاف القسم الثاني قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] ، ثم ذكر النتيجة وهي الختم على قلوبهم، والغشاوة على أبصارهم، وانتهى أمرهم.

стр. 473

القسم الثالث: المنافقون والقسم الثالث هم المنافقون، وفيهم الإطالة والبيان والكشف عما يخفون من أمرهم؛ لأن خطرهم عظيم يهدد المجتمع كله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:٨-١٠] ، وانظروا إلى الإعجاز: قال في حق الكفار: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧] ، وقال عن المنافقين: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] فالقلب الذي عليه ختم يرجى صلاحه برفع الختم؛ لأن القلب أصله سليم، وغاية ما فيه أنه ختم عليه، فإذا أراد الله هدايته كشف عنه هذا الختم، ولكن الذي في قلبه مرض، فقد أصبح القلب بنفسه مريضاً، فيحتاج إلى علاج، والقلب المختوم لا يحتاج إلا إلى رفع الختم عنه فيشع النور بداخله، فهو أقرب إلى الخير من ذاك القلب المريض الذي يحتاج إلى معالجة؛ لأن المرض يؤدي إلى الموت، وقد يموت قلب المنافق. ولهذا نجد المشرك في شدة عدوانه للإسلام وللرسول ﷺ ، وفي لحظة من اللحظات يؤمن وتشع له الحقائق وتنكشف له الأسرار فيبادر إلى الإسلام، وبقدر ما كان قاسياً شديداً على الإسلام يكون رحيماً كريماً مع المسلمين. وأقرب مثال: إسلام عمر رضي الله تعالى عنه، فقد كان عمر آخذاً بالسيف ويسأل: أين محمد؟ فقيل له: لماذا؟ فقال: أريد أن أقتله، فقد سفه أحلامنا، وفرق جمعنا، وقال، وقال، فقيل له: على مهلك! اذهب وانظر إلى أختك وزوجها في بيتك. قال: وما في بيتي؟! قالوا: أختك وزوجها قد صبئا فرجع من الطريق إلى بيت أخته فسمع همهمة، فلما أحسوا به اختفى المقرئ، فدخل والصحيفة في يد أخته، فقال: أعطني الصحيفة، قالت: إنك رجس، وهذا كتاب الله لا يمسه إلا المطهرون، فلطمها على خدها وفي يده خاتم، فخرج الدم من وجهها، فرقّ للدم، فقال: أريني الصحيفة ولا أريك إلا خيراً، قالت: اذهب فاغتسل أولاً، ثم أعطيك الصحيفة، فذهب واغتسل، ثم قرأ الصحيفة من كتاب الله، فإذا به يتحول من عدو لدود لأصحاب رسول الله إلى مؤمن محب لهم، وقذف الله في قلبه الإيمان، وكشف عن قلبه الغطاء، وكشف الغشاوة عن بصره، وتحرك النور في قلبه، وأبصر بعينيه وبصيرته حقيقة الأمور، فخرج الرجل الذي كان مختفياً، وقال: ماذا تريد يا عمر؟! قال: دلني على محمد، فذهب به، وطرق باب دار الأرقم بن أبي الأرقم، فقالوا: من؟ قال: عمر، ففزع كل من كان عند رسول الله ﷺ في الدار، فقال رسول الله ﷺ : (ائذنوا له، إن كان جاء لخير يصيبه، وإن جاء لغير ذلك يكفيكم الله) ، فأدخله اثنان والتزماه بعضديه مخافة على رسول الله، حتى جلس بين يدي رسول الله، فأمسكه ﷺ بردائه وجذبه، وقال: أما آن لك أن تؤمن يا عمر؟! فإذا عمر ينطق بالشهادتين بين يدي رسول الله ﷺ ، ثم يقول عمر ﵁: لماذا نبقى هنا؟! لماذا لا نخرج إلى الكعبة ونطوف، ونعلن الإسلام؟ فقال المسلمون: نحن ضعفاء. فقال: لا والله! لا نستتر بعد اليوم، وخرجوا إلى الكعبة يلبون ويهللون، ويذكرون الله ويعلنون الشهادتين، قال السلف: ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر. إذاً: يقول الله في حق المشركين: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] ، ويقول وفي حق المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] . قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:٨-١٦] ، سياق طويل ينتهي بصفقة خاسرة. هؤلاء المنافقون اشتروا الضلالة بالهدى. اشتروا بمعنى: (استبدلوا) ، قال بعض الرجاز: اشتريت الجمة برأس أزعرا والثنايا البيض بالدردرا كما اشترى المسلم إذ تنصرا أي: استبدل بالإسلام النصرانية، فكذلك هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى، والباء تدخل على المتروك، تقول: اشتريت الكتاب بدرهم، فالدرهم هو قيمة الكتاب، اشتريت الكتاب بثوب، كلاهما سلعة، فيكون الباء على الشيء الذي خرج من يدك، فهؤلاء كذلك: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] .

стр. 474

معنى قوله: (كل الناس يغدو ... ) وقوله ﷺ : (والقرآن حجة لك أو عليك) ، يبين لنا أن الناس في ظل هذا القرآن، وفي نور تلك الحجة، إما شخص مقبل عليها مستضيء بها، فهو مع القسم الأول من المهتدين، وإما شخص معرض عنها، أو متلاعب بها، أو غافل عنها، أو قد اتخذ كتاب الله وراءه ظهرياً، فأولئك مع الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم، وهنا يقول: (كل الناس يغدو فبائع نفسه ... ) ، وفي نهاية سياق القرآن لتقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام ذكر في نهاية صفقة: اشتروا الضلالة بالهدى، وفي نهاية هذا الحديث صفقة: (كل الناس يغدو فبائع نفسه) ، لأي شيء؟ النتيجة تبين ذلك، فالذي يبيع نفسه لله فقد أعتقها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] ، هذه تجارة، وهذه تجارة، ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف:١١] ، وهذه صفقة القسم الأول: المتقون ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١١-١٣] ، عندما تذهب إلى السوق بسلعة، فإن وجدت ثمناً يناسب بعتها، وإلا رجعت بها إلى بيتك، ولكن هذا السوق الذي أنت سلعته لا اختيار لك، وكل يوم تشرق فيه الشمس وتغرب، هو جزء من ثمنك في هذا السوق، وكل يوم تعقد فيه صفقة على نفسك، فلمن تبيع؟ ((هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . يقول بعض العلماء: على بيت كل إنسان رايتان: راية في يد ملك من ملائكة الرحمان، وراية في يد شيطان وكل يدعوه إليه، فإن ذهب في ظل راية الملك فهو إلى طاعة الله، وإن ذهب في ظل راية الشيطان فهو إلى معصية، عياذاً بالله! إذاً: الذي يبيع نفسه ويعتقها فإنه يبيعها لله، وكل عمل بر فهو طاعة لله، والصفقة الكبرى مع الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] . إذاً: الدنيا سوق، والناس هم السلعة، والثمن الجنة. أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في كل الخلائق ثمن بها تشترى الآخرة فإن بعتها بشيء من الدنيا فذاك الغبن إن أنا بعت نفسي بدنيا أصيبها فقد ذهبت نفسي وذهب الثمن فالله هو المشتري، وهو الخالق، والرازق، والنعمة منه، فإذا بعت الصنعة لصانعها، وبعت المخلوق لخالقه، واشترى المولى نفوس عباده، وثامنهم عليها بأن لهم الجنة، فأي صفقة أربح من تلك؟ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ، سبحان الله العظيم! ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ، فصاحب الجنة يكدح إليها، وصاحب النار -عياذاً بالله- يكدح إليها، مع أن الكادح إلى النار أشد شقاء ونصباً من الكادح إلى الجنة، والكادح إلى الجنة يتوضأ، ويأتي متطيباً متطهراً، ويدخل من أبواب المسجد ويجلس فيه أين شاء، ويجالس الإخوان في غاية من الهدوء والسرور والطمأنينة، أما صاحب المعصية فإنه يترقب ويتوجس ويحترس، فإن دخل بيتاً ليسرق توقع كل عوامل الهلاك، وإن ذهب إلى بيت ليقتل أو ليزني فإنه يتحرز ويتعب، بخلاف الذي يسعى إلى صدقة، أو إلى صلاة، أو حج، أو عمرة، مع أن هذا يكدح وهذا يكدح. إذاً: ما دامت الحياة كلها كدحاً فليكن الكدح في طاعة الله، وهذا الذي يؤدي إلى الجنة، فيغدو من الصباح فيبيع نفسه لله، وأعلى صفقة للإنسان هي: الجهاد في سبيل الله؛ لأن الله ساوم الخلق عليها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة:١١١] ، القتال فيه يقاتلون ويقتلون، وهذا أمر طبيعي، والجنة هي الغنيمة، وقال الله في سورة الصف: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [الصف:١٣] ، فهذا هو نصر في الدنيا، والشهادة والجنة هذا هو المكسب الكبير، وبعض العلماء يقول: لو أن إنساناً أعطاك بيتاً من ذهب، وبيتاً من خزف، وقال لك: بيت الذهب تسكن فيه مؤقتاً على ما تحب، وبيت الخزف إلى الأبد، فالعاقل يبيع الذهب الفاني بالخزف الباقي، ويختار الخزف الدائم بالستر والوقاية على أن يتمتع بالذهب ثم بعدها يطرد إلى الشارع، وقالوا: من باع خزفاً باقياً بذهب فانياً فهو مجنون أحمق، فما بالك بمن يبيع الذهب الباقي بالخزف الفاني؟! الدنيا وإن تزخرفت فهي خزف، ولا قيمة لها في الآخرة، فكيف تبيع الآخرة التي هي ذهب دائم بالدنيا التي هي خزف فانٍ؟! وفي ختام هذا الحديث يبين لنا مآل البشر جميعاً، وأن الدنيا -التي هم فيها- سوق قائمة، وهم فيها سلعة، والبيع فيها إجباري، والمشتري هو الرحمن لمن كان في طاعة الله، بأي طاعة، كما جاء عنه ﷺ : (أنه كان جالساً، فمر شابٌ قوي، فقال رجل من الجلساء: لو كان هذا الشباب والقوة في سبيل الله -يعني بذلك الجهاد-، فقال ﷺ : إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها أو على أهله ليكفيهم فهو في سبيل الله) أي: إن خرج عاملاً ليعمل في مصنعه، أو خرج زارعاً ليزرع في مزرعته، أو خرج بائعاً ليبيع في متجره، أو خرج يتسبب في طلب الرزق، ويتعفف عن سؤال الناس، فهو في سبيل الله. ولذا قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى تعالى عنها: (من بات كالاً من عمل يده؛ بات مغفوراً له) . وعلى هذا فمن خرج في غدوة نهاره يسعى في عمل مباح فهو في طاعة الله، وهو بائع نفسه ليعتقها. كان بعض السلف يقول: الإنسان في الدنيا أسير، وعليه أن يعمل في فكاك نفسه، وذكر ابن رجب أن من السلف من اشترى نفسه من الله مرتين أو ثلاثاً، يزن نفسه بالفضة، ويتصدق بها، ويخرج من ماله صدقة في سبيل الله، ليعتق نفسه من النار. إذاً: آخر هذا الحديث يبين لنا مدى حجية القرآن للعبد، ومدى حجيته عليه. والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن، ممن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن بمتشابهه، ويتبع ما جاء فيه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يكون القرآن حجة له، وأن يشفعه فينا، وأن يرزقنا وإياكم شفاعة نبينا وحبيبنا محمد ﷺ ، وأن يوردنا حوضه، وأن يسقينا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الصادق الأمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 475

شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع والعشرون [١]

стр. 476

شرح حديث: (إني حرمت الظلم على نفسي) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين؛ سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فعن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته؛ فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تُخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً؛ فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يُنقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.

стр. 477

نبذة عن راوي الحديث أبي ذر ﵁ أبو ذر رضي الله تعالى عنه كما جاء في حقه: أصدق من أقلَّت الغبراء وأظلّت الخضراء، أي: السماء. وهو من أزهد الناس في الدنيا رضي الله تعالى عنه، وقد ظلمه كثير من الناس فيما يتعلق بأمر الدنيا، واتخذوا زهده ذريعة إلى مبادئ فاسدة. أبو ذر رضي الله تعالى عنه كان زاهداً في الدنيا وليس لديه أولاد، وكان يكتفي بما في يده، وكم من شخص خرج مما في يده إلى الله ورسوله؛ فـ الصديق رضي الله تعالى عنه يأتي بكل ما يملك لرسول الله ﷺ ولم يبق شيئاً لهم، فيقول له: (يا أبا بكر! ماذا تركت لعيالك؟ فيقول: تركت لهم الله ورسوله) ، فلم يُتهم أبو بكر بما اتهم به أبو ذر، ولكن رأى بعض الناس في سيرته ما يوافق منهاجهم فادعوا دعوات عليه، ونعجب لماذا تركوا أصحاب رسول الله جميعاً الذين كانوا يملكون البيوت والضياع والتجارات والمال الطائل ويأتون إلى أبي ذر؟! عثمان رضي الله تعالى عنه وهو الخليفة الراشد يجهز جيش العسرة من ماله الخاص، لماذا لم يتأسوا بـ عثمان ويطلبون الدنيا من حِلها ويصرفونها في سبيل الله؟ ابن عوف عندما جاءت تجارته كان يتصدق بالبعير وما حمل، وعندها يُعطى أرباح مائة في المائة يقول: عندي زيادة عشرة أضعاف، فيقول له التجار: نحن تجار المدينة ولا يوجد أحد غائب يعطي أكثر من الضعف، فيقول: هي في سبيل الله فالحسنة بعشر أمثالها، فلماذا لم يتخذوا من ابن عوف التاجر الكبير ولم يتخذوا عثمان مثالاً؟ لماذا لم يتخذوا الزبير مثالاً وقد كان عنده أربع زوجات، والأربع لهن الثمن، وميراث الواحدة منهن مئات آلاف من الدنانير، وكان له في المدينة ومصر والعراق والشام البيوت والضياع، لماذا لا يتخذون هؤلاء أسوة لهم ويأتون إلى أبي ذر؟ يكفينا بأنه أصدق الناس لهجة كما شهد له رسول الله ﷺ ، وقال: (رحم الله أبا ذر، يعيش وحده، ويموت وحده) ، ولما حصل بينه وبين معاوية رضي الله تعالى عنهم أجمعين في الشام بعض الشيء، اشتكى إلى عثمان رضي الله تعالى عنه؛ فطلبه عثمان، فجاء إلى المدينة بطلب من عثمان رضي الله تعالى عنه، ثم رغب أن يكون بعيداً؛ لأن النبي قال له: (إذا بلغ البناء سلع فاخرج من المدينة) فجاء إلى الربذة وسكنها، وفيها مات رضي الله تعالى عنه.

стр. 478

أقسام الوحي يروي لنا هذا الإمام الجليل والصحابي الكبير عن النبي ﷺ ويقول: (فيما يرويه عن ربه) ، هنا يقف علماء الحديث والمصطلح في هذا التعبير، فإنه يأتي في القسم الذي يسمى: الأحاديث القُدُسية، والأحاديث القدسية هي المضافة إلى الله ، ويتساءل البعض: أليس كل شيء من القرآن ومن الحديث النبوي والأحاديث القدسية والكتب السابقة كلها من الله، فقد جاء في حق السنة النبوية ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] ؟ فقالوا: الذي يرويه لنا رسول الله ﷺ من الوحي ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما ينسب إلى النبي ﷺ ، وهي: السنة المطهرة. وهذا وإن كان الأصل فيها وحي من الله إلا أنه أُسند إلى رسول الله أن يعبر عن هذا بمنطقه الخاص، وبأسلوبه النبوي الكريم. القسم الثاني: القرآن الكريم، وهو من عند الله، ولكن ليس لأحد حق التصرف في إيراده، ولا يجوز أن يروى بالمعنى، ويشترط فيه: أن ينزل به جبريل ﵇ من الله إلى رسوله. القسم الثالث: الحديث القدسي، وهو وسط بين القرآن والسنة النبوية، وقد يأتي به جبريل، وقد يراه النبي ﷺ مناماً، وقد ينفث في روعه، وقد يلهم به إلهاماً، فكل ذلك من أقسام الحديث القدسي. ما الفرق بين هذه الثلاثة؟ قالوا: أما الأحاديث النبوية والمعروفة بالسنة المطهرة، فهي: ما قاله النبي ﷺ ابتداءً، كما جاء عنه ﷺ : (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن) ، وقال: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه) ، و: (إنما الأعمال بالنيات) كل هذا يقوله ﷺ مسنداً إليه. أما القرآن: فهو ما نزل به جبريل من الله على رسوله. وأما الحديث القدسي فهو: ما يوحى بمعناه ويسند إلى رسول الله ﷺ بيانه، ولكن في إيراده ﷺ للناس يقول: (عن ربي) ، أو: (بما أمرني ربي) ، أو (أوحى إلي ربي) ، أو (عن رب العزة) ، أو (عن الله تعالى) أي: أن الرسول ﷺ حينما يتكلم بالحديث القدسي يسند الرواية إلى الله، كما أن الصحابي يسند الرواية في السنة إلى رسول الله، فالرسول يقول: قال الله تعالى كذا.

стр. 479

صور مجيء الوحي للرسول ﷺ الفرق بين القرآن والحديث القدسي: أولاً: في المصدر، ففي القرآن: لابد من مجيء جبريل به من الله إلى رسوله، وقالوا: الوحي من حيث هو أعم من أن يأتي به ملك؛ لأن الوحي في اللغة: هو الإعلام بخفية، ولما سئل ﷺ : كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟! قال: (أحياناً يأتيني الملك كصلصلة الجرس، فيأخذني الوحي ثم ينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك في صورة رجل) ، وفي الصورة الأولى قال: (وهو أشقه عليّ) ، وفي الثانية قال: (أحياناً يأتيني الملك في صورة رجل فآخذ عنه) . وذكروا من أحوال الوحي: أن يكون مناماً، وأن ينفث في روعه ويلهم، ولكن اتفقوا على أن القرآن لم يؤخذ مناماً ولا إلهاماً ولا نفثاً في الروع، ولابد أن يتلقاه بواسطة الملك: إما أن يأتيه كصلصلة الجرس، وإما أن يأتيه الملك بصورة رجل ويعلم أنه جبريل، ويُلقي عليه القرآن الكريم. أما بقية أنواع الوحي فيمكن أن تأتي بإلهام ونفث في روعه، والنفث في الروع قد يكون لبعض عباد الله الصالحين ممن يلهمهم الله الحق. وقد جاء في قصة بعث النبي ﷺ سرية، فجاءوا ليلاً ونزلوا على حي من العرب وطلبوهم القِرى على عادة العرب، قالوا: أنتم جئتم من عند الرجل الصابئ، فليس لكم عندنا شيء، فذهبوا عنهم، ولما نزلوا قريباً منهم سلط الله عقرباً على سيد الحي فلدغته، فجاء واحد منهم، قال: هل فيكم من راق؟ قال: نعم، قال: إن سيد الحي قد لدغ بعقرب، قال: لا رقية لكم حتى تعطونا جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فقرأ عليه سورة الفاتحة، فإذا به ينشط وكأنه ما أصيب بشيء، فجاء بالغنم يسوقها، فقال له أصحابه: بم جئت به؟ قال: رقيت لهم سيد الحي، قالوا: وماذا فعلت؟ قال: قرأت سورة الفاتحة، قالوا: وكيف تأخذ أجراً على قراءتك كتاب الله، واختصموا في أخذ الأجر، هل نقتسمها ونأكلها؟ ثم قالوا: لا نأكلها حتى نرجع إلى رسول الله ونسأله، ثم احتفظوا بالغنم وجاءوا إلى المدينة، فأخبروا رسول الله بالخبر، فقال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله، اقتسموها واضربوا لي معكم بسهم، ثم قال للرجل: ماذا قرأت؟ قال: قرأت الفاتحة، قال: وما أدراك أنها رقية، قال: شيء نفث في روعي) أي: بهذا الإحساس، ووجدت هذه الأريحية واسترحت إليها فقرأت والله أجابني. فإذا كان شخص من عامة الأمة ينفث في روعه ما يوافق الحق؛ فسيد الخلق صاحب الرسالة من باب أولى، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] .

стр. 480

الفرق بين القرآن والحديث القدسي يفترق القرآن عن الحديث القدسي في الآتي: - القرآن لابد من أن يأتي به جبريل، والحديث القدسي لا يشترط فيه ذلك. - القرآن لا يجوز روايته بالمعنى، والحديث القدسي يمكن روايته بالمعنى. - القرآن بلفظه من كلام الله، والحديث القدسي لا يجب أن يكون بلفظه من كلام الله. - القرآن لا يمسه إلا المطهرون، والحديث القدسي لا يشترط فيه ذلك. - القرآن ركن في الصلاة من الفاتحة أو غيرها، الحديث القدسي لا تصح به الصلاة، بل ربما لو تعمده لبطلت الصلاة. - القرآن لا يباع عند من لم ير جواز بيعه، والحديث القدسي بخلاف ذلك. - القرآن الحرف في تلاوته بعشر حسنات، والحديث القدسي بخلاف ذلك. - القرآن من جحد منه حرفاً واحداً كفر، والحديث القدسي لو نفى الحديث كله، وقال: لم يصح سنده لم يكفر بذلك. - القرآن لابد أن يكون ثبوته متواتراً من الرسول ﷺ إلى أن يصل إلينا، والحديث القدسي ليس بشرط فيه، فقد يكون حديثاً قدسياً وسنده ضعيف. إذاً: تلك هي الفوارق بين الحديث القدسي الذي يُنسب إلى رب العزة سبحانه فيما يرويه عنه نبيه، وبين القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله ﷺ . أما الحديث النبوي فهو الذي يرويه الصحابي بسماعه عن رسول الله، قال لنا رسول الله كذا، وعلى هذا تكون السنة أقوالاً وأفعالاً وإقراراً، وبعضهم يزيد أخلاق الرسول ﷺ . وهنا أبو ذر رضي الله تعالى عنه يقول لنا عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه، إذاً: هذا الحديث من الأحاديث التي تسمى الأحاديث القدسية. وقد جمعها المجمع العلمي في القاهرة، وبعضهم يقول: صح منها مائة حديث، والمجمع جمع أكثر من ثلاثمائة حديث، بحسب ما جاء في كتب السنة، سواء من صحيح البخاري أو مسلم أو أبي داود أو الترمذي أو النسائي أو ابن ماجة، أو موطأ الإمام مالك. كل كتب السنة كما تروي السنة النبوية تروي ضمنها الأحاديث القدسية؛ لأنها وإن كانت قدسية تروى عن رب العزة لكن يرويها عن الرب سبحانه الرسول ﷺ ، فهي تجمع مع سنة النبي ﷺ .

стр. 481

حديث تحريم الظلم وتطبيقه في واقع المسلمين هذا الحديث يرى العلماء أنه جامع شامل، وأنه من أبرز الأحاديث التي تبين سعة فضل الله ورحمته وعطفه بعباده، والحديث ينظر فيه من حيث الأسلوب والمنهج.

стр. 482

اللطائف البلاغية في النداء الإلهي: (يا عبادي !) أما الأسلوب: فهو من أوله مستهل بقوله: (يا عبادي!) إذا أصغينا إلى هذه النداء وتمعنا مدلوله ظهر لنا الآتي: (يا) : حرف نداء، وينادى أيضاً بالهمزة: أزيد! وبالهاء: هزيد! و (يا) إنما تكون للبعيد، والهمزة تكون للقريب، والهاء للوسط، والبعيد إنما تناديه بـ: (يا) حتى يمتد الصوت ويبلغ من كان بعيداً عنك. ويكون البعد: إما بعد مكان، وإما بعد منزلة؛ فإذا كان شخص رفيع المنزلة، فلا تقول له: أأميرنا، أملكنا، بل: يا ملكنا، يا أميرنا، وتمد الصوت تكريماً له لرفعة منزلته، فإذا كان بجوارك وقلت: يا أخي، جعلت بعد المنزلة ورفعتها كالبعد المكاني، واستعملت (يا) في النداء لعلو منزلته عندك. ومن علو المنزلة: العطف والرحمة وحب الخير، ونجد هذا الأسلوب يتكرر في كتاب الله؛ فإبراهيم ﵇ مع أبيه: (يا أبتِ) ، وكل ذلك في مقام العطف على أبيه والشفقة عليه، وكذلك نوح حينما كان ينادي ولده، ولقمان حينما كان يعظ ابنه في كل ذلك يكرر: (يا بني) ، لا كما يقول بعض الناس تلذذاً بلفظ البنوة أو الأبوة أو العبودية، بل لإظهار العطف والرحمة والشفقة. (يا عبادي!) يتكرر هذا النداء في هذا الحديث عشر مرات، وكل جملة تدل على الرفق والعطف والرحمة من المولى . فالأولى فيها (يا عبادي) وهو تنبيه؛ كأنه يقول: استمعوا، وأصغوا لما أقول، توجهوا إليّ وادنوا مني فأنتم عبادي. وهو المولى سبحانه، برحمته وبشفقته وبلطفه يعلمنا ويحذرنا من الظلم.

стр. 483

تحريم الله الظلم على نفسه يقول سبحانه وهو الملك القادر القاهر، وهو رب العزة وبيده نواصي الخلق، ولا يسأل عما يفعل، يقول: (حرمت الظلم على نفسي) ، مع أنه سبحانه لم يتوجه إليه ظلم؛ لأن الظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، أو تصرف المالك في غير ملكه. فإذا كان الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فالمولى سبحانه لا يضع شيئاً إلا في موضعه. وإذا كان الظلم هو تصرف الإنسان في غير ما يملك؛ فالله يملك الكون كله، وكل تصرف من الله فهو في ملكه وخلقه أينما كانوا. إذاً: لا يتوجه إلى الله ظلم، ولا حاجة إلى النقاش في ذلك، لكن هل الظلم ممكن في حق الله أو ليس بممكن؟ إن الله يخبرنا: (إني حرمت) أي: منعت وتنزهت عن أن أظلم، مع أنه لا يسأل عما يفعل.

стр. 484

تحريم التظالم بين العباد ) وجعلته بينكم محرماً) لماذا؟ لأنهم عباده، فإذا كان هو لا يظلم، ولو وقع منه ظلم فإنما يقع على عباده؛ لكنه لا يظلم عباده لأنه يرحمهم، فكيف يقبل من غيره أن يظلمهم؟! ثم قال: (فلا تظّالموا) ، بصيغة المبالغة، لأنه قد يقع بعض الظلم دونما علم، والرواية الأخرى: (فلا تظالموا) ، بدون تضعيف، أي: لا يظلم بعضكم بعضاً. وإذا وقفنا عند هذا النداء الأول، وهو: النهي عن الظلم بين الخلق، وكان الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، أو المصطلح عليه عند الناس: أن الظلم هو الاعتداء على حقوق الآخرين، والتصرف في ملك الآخرين بغير إذنهم. يقول علماء التوجيه والتربية والتشريع: ما فنيت أمة إلا تحت سوط الظلم، وما وقعت مصائب في أمة ولا ابتليت بأمراض ولا ببلايا ولا بفناء نهائي إلا بسبب الظلم. ويقولون: إن رفع الظلم عرف في التاريخ من آلاف السنين، والعالم بأسره كان يحذر الظلم ويتجنبه، وبعض الملوك كان يجعل له نافذة ويكتب عليها: نافذة المظالم، وكل من كانت له مظلمة من عامل أو خادم أو أي شخص له سطوة أو سلطة كتب ظلامته وألقاها؛ لأن عماله كانوا لا يبلغونه مظالم الأمة، فكان يتولاها بنفسه.

стр. 485

موقف الرسول ﷺ من الظلم وجاء الإسلام وبيّن لنا ﷺ ، وبيّن لنا القرآن أن: (الظلم ظلمات يوم القيامة) ؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن أولى من يراعي قضية الظلم والعدالة: المسلم؛ لأن الله سبحانه يخبره بأنه تكرم وحرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً ونهاهم أن يرتكبوا ذلك: (فلا تظالموا) . ونحن نعلم ما جاء في التاريخ الإسلامي من العدالة، وأول تمثيل للعدالة كان في عهد سيد الخلق ﷺ ، وذلك حينما يستيعذ بالله من أن يظلم أو يُظلم أو يبغي أو يبغى عليه. وفي موقف من أحرج مواقف الإسلام في أرض المعركة في بدر وقوة العدو ضعف قوة المسلمين، والمسلمون إنما خرجوا لأخذ عير لا شوكة لهم، ويصف النبي ﷺ المسلمين لتتقابل قوة الحق مع قوة الباطل قوة الإسلام بنوره وقوة الكفر والشرك بظلامه وضلاله، ويسوي النبي ﷺ المسلمين كما يسوون صفوف الصلاة لتراصهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] ، فجاء في السيرة بأنه عدّل رجلاً بالقضيب في يده هكذا على بطنه، فقال: (أوجعتني يا رسول الله! فيكشف ﷺ عن بطنه ويعطيه القضيب، ويقول له: اقتد لنفسك مني) . وكان من حقه ﷺ أن يعدل الصفوف، ولو كان مكانه أي قائد في معركة كهذه أو أي جندي وقال كلمة مثل هذه ربما صفعه على وجهه، نحن لسنا في وقت المزاح، ولكن الرسول ﷺ وفي هذا الموقف يكشف عن بطنه ويعطيه القضيب، ويقول له: خذ حقك مني، فيهوي على بطنه ﷺ فيقبله، فيقول له: هذا هو حدك! قال: نعم يا رسول الله، قال: هذه حيلة! ما الذي حملك عليها، قال: يا رسول الله! الموقف كما ترى بين الحياة والموت، فأحببت أن يكون آخر عهدي من الدنيا بك يا رسول الله. الذي يهمنا: أن الرسول ﷺ يقدم نفسه لأحد أصحابه في أحد المواقف، ويقول له: (خذ حقك مني) فهل يبقى هناك مثال للعدالة فوق هذا؟ لا والله! النصوص المتضافرة عنه ﷺ في القضاء والشهادة والتحذير من شهادة الزور إلى غير ذلك كثيرة، ويأتي من بعده الخلفاء الراشدون، ويأتي عمر رضي الله تعالى عنه ويتكلم ويخطب للأمة كلها، ويتولى المظالم بنفسه، إلى حد أن يقول: (لو أن شاة بجذلة كسرت رجلها لكان عمر مسئولاً عنها) ، ويتتبع الناس في الليل، ويسمع العجوز تشتكي ويسألها: (ما سيرة عمر فيكم؟ تقول: عمر لا جزاه الله خيراً، لماذا؟ لأننا جياع وهو غافل عنا! قال: وما يدري عمر عنك، قالت: كيف يكون أميراً على الناس ولا يدري عن بعض الأفراد؟ وبعد أن يذهب ويأتيها بالمال والطعام يقول: بيعي عليّ مظلمتك عند عمر غداً، قالت: ولماذا؟ قال: إني مشفق عليه من النار) .

стр. 486

موقف النجاشي من الظلم للصحابة كان ملك الحبشة نصرانياً ولم تبلغه الدعوة، ومع ذلك يقرر ﷺ عدالته ويقول: (إن بالحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم أحد بجواره، وأرى أن تذهبوا إليه) ، فيذهب إليه المسلمون، وتتجلى شهادة رسول الله لملك الحبشة. وبعدما نزل المسلمون عليه علمت قريش بمن وصل إليه، ثم أرسلوا إليه عمرو بن العاص وهو من دهاة العرب، وكان صديقاً للنجاشي يأتيه بالهدايا والتحف من مكة، فجاء ودخل على الملك وسجد له على حسب عادته، ثم قال: (ما بك يا عمرو؟ قال: إن أشخاصاً صبئوا لا هم على ديننا ولا دخلوا في دينك، وجاءوا إلى أرضك يفسدون فيها، وقد أرسلنا قومنا بهدايا إليك لتردهم عليهم) . فهل فرح الملك بالهدايا؟ لا. بل قال: (لا والله، قوم لجئوا إليّ ووصلوا إلى أرضي، فلا أسلمهم إليكم قبل أن أسألهم، فانتظر حتى أحضرهم وأسألهم، وأعلم ماذا عندهم؟) . وهذا عين القضاء الذي بينه ﷺ لـ علي رضي الله تعالى عنه حينما أرسله إلى اليمن قاضياً قال: يا رسول الله! إني لا أعرف القضاء، قال: (إذا أدلى إليك خصم فلا تحكم له حتى تسمع من خصمه الثاني) ، قال علي: (والله لقد علمت القضاء من ذلك الوقت) . فهنا الملك جاءه صديقه بهدايا من أجل أن يسلم إليه أقواماً ما دخلوا في دينه وهربوا من دين أقوامهم، يعني أنهم لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، فلما جاءوا واشتد الأمر عليهم قال لهم جعفر رضي الله تعالى عنه: (لا يتكلم أحد، فأنا خطيبكم اليوم) . فلما أرادوا الدخول كان عمرو جالساً بجانب النجاشي، قال: (انظر إليهم لن يسجدوا إليك ولن يحترموك) ؛ لأنه يعرف أن المسلم لا يسجد إلا لله، فلما دخلوا ولم يسجدوا سألهم: (لم لم تسجدوا كما يسجد الناس؟ قال: نهينا أن نسجد لغير الله، قال: وما شأنكم؟ قال: كنا وكنا وأخذ يصف حالة العرب وما كانوا فيه من الظلم والبغي والقحط والجوع وقطيعة الأرحام وأن القوي يأكل الضعيف، حتى قال: ثم بعث فينا رجل منا نعرف نشأته ومولده ونسبه، فأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر وأمرنا بصلة الأرحام وأمرنا بالصلاة إلى آخره) . قال: هل معك شيء مما جاء به، فقرأ عليه شيئاً من سورة طه، فغاظ ذلك عمرو بن العاص، فغمز الملك فقال: سله ما يقولون في عيسى؟ انظر إلى التحريش، وهكذا دائماً أعداء الفطرة، ينظرون إلى نقاط الضعف، فسألهم: (ما يقول صاحبكم في عيسى؟ فقال: يقول: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وقرأ عليه شيئاً من سورة مريم. فما كان من هذا الملك العادل إلا أن أهوى إلى الأرض وأخذ قشة صغيرة، وقال: والله! ما زاد صاحبكم على ما جاء به الناموس من عند الله ولا مثل هذه) ، ثم قال كلمته التي هزت التاج فوق رأسه: (لولا ما أنا فيه من الملك، واستطعت أن أصل إليه لغسلت التراب عن قدميه) ! هكذا يعلن الملك في بلاطه: لو استطاع الوصول إلى رسول الله لكان خادماً يغسل عن قدميه التراب، ثم قال: (اذهبوا فلن يصيبكم أحد) ، وأعلن في مملكته أنهم يحلون حيث شاءوا، ولا يعترضهم أحد بشيء، وقال: ردوا الهدايا على عمرو وصاحبه. وهنا تظهر نبوءة الرسول: (إن بالحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم أحد بجواره) ، وله قصة طويلة في أخذ الملك منه ورجوعه إليه مرة أخرى.

стр. 487

رد عمر بن عبد العزيز للمظالم لما تولى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه الخلافة ما ترك شيئاً اسمه ظلم في بيت المال إلا ورده على أهله، من هذا العمل الخيّر تزدهر الحياة في زمن عمر خلال سنتين أصلح فيها ما أفسد من كان قبله. ويعم الله الأرض بالخير، ويرسل عامله إلى إفريقيا لتفريق الزكاة، فيوزع من الزكاة ما يغني الفقراء، ويقول العامل: بقي عندي مال من الزكاة، ماذا أفعل به؟ فيقول: انظر هل من مدين فاقض دينه؟ فيبعث إليه أنه بقي عندي، فيقول: انظر هل من غريب فأرسله إلى بلده، يقول: بقي عندي، فيقول: انظر هل من أعزب فزوجه! هكذا كان بيت المال وفيراً بالمال إلى حد أن يسد حاجة الأفراد والجماعات بفضل الله، ثم بإقامة العدل ورد المظالم. ثم من بعد عمر بن عبد العزيز وبعد الدولة الأموية وأوائل العصر العباسي وأواخر العصر الأموي كثر الظلم من العمال، فأنشأ ديوان المظالم أو قاضي المظالم؛ لينظر في ظلم العمال للرعية.

стр. 488

نصرة الله للمظلوم ولو كان كافراً الحديث من أول الأمر ومن أول خطوات التشريع يعلن بأن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، ويأتي الحديث يبين لنا أن يوم القيامة يقتص الله للمظلوم من الظالم حتى من الشاة القرناء للشاة الجلحاء؛ فإذا انتطح شاتان إحداهما قرناء والأخرى لا قرون لها، فيوم القيامة ينتصف الله للشاة التي لا قرون لها من تلك التي اعتدت عليها بقرونها. وإذا كان شأن الظلم أو مكانته بهذه النسبة، فالرسول ﷺ حينما كان يبعث عماله كان يحذرهم من ظلم الناس؛ لأن أكثر ما يكون الظلم من صاحب السلطة أو الجاه أو القوة، فحينما بعث معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله كتب عليهم خمس صلوات - ثم لما بين له أركان الإسلام قال-: وإياك وكرائم أموالهم) . و (إياك) كلمة تحذير، أي: تجنب كرائم الأموال ولا تأخذها في الزكاة، ولذا لما رأى عمر رضي الله تعالى عنه شاة حافلاً قال: (ما هذه؟ قالوا: من شاة الصدقة، قال: ما أعطى هذه قوم بطيب نفس) لأنها حليبهم؛ ولذا يقول ﷺ : (إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) فإذا كان العاقل ولو كان قوياً ذا جاه أو سلطان. وجاء في الحديث عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه كان له غلام فضربه، فسمع صوتاً من ورائه يقول: (اعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك على هذا العبد، قال: فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ ، فقلت: هو حر لوجه الله يا رسول الله؛ قال: لو لم تفعل للفتحتك النار) ، ولذا جاء في الحديث أن المولى سبحانه يقول في الحديث القدسي أيضاً: (إني لأنصر المظلوم ولو كان كافراً) ، وجاء في بعض رواياته: (إني لأنصر المظلوم ولو كان كافراً علم أن له رباً فدعاه) فالكافر حينما يلجأ إلى الله في حالة الشدة يكون مؤمناً بالله، وفي تلك اللحظة يكون لاجئاً إليه. يقال عن بعض السلف: إن شخصاً كان يصيح ويقول: قلبي ضائع عني -من شدة خوفه من الله- وبينما يمشي في الطريق إذا بطفل صغير وامرأة تدفعه من البيت وتصك الباب في وجهه، فأشفقت على هذا الطفل، فإذا به يقول: يا أماه طردتيني وأوصدت الباب دوني؛ فمن يأويني ويفتح لي بابه، فإذا بالأم تسمع هذا القول فتفتح الباب وتحتضن ولدها، فيرجع وهو يقول: وجدت قلبي وجدت قلبي، إذا كانت المرأة تستجيب للطفل الصغير حينما لجأ إليها؛ فالمولى أرحم وأرأف. وهذا كما جاء في الحديث: (إن الله أرحم بعباده من الأم بطفلها) ، لما جاءت امرأة من السبي تمشي وتتلفت، حتى إذا وجدت طفلاً أخذته فضمته إلى صدرها وأرضعته، فقال ﷺ : (أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار، قالوا: لا، قال: لله أشد رحمة بعباده من هذه بطفلها) ، ويأتي في الحديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل ضلت عليه راحلته عليها زاده وهو في فلاة من الأرض حتى يئس منها وأيقن بالموت، فجاء إلى ظل شجرة واستلقى ينتظر الموت، فأغمض عينه، ثم أفاق فإذا براحلته على رأسه، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح) أي: الله أشد فرحاً بتوبة العبد من صاحب هذه الراحلة، فإذا كان كافراً معانداً لله لكن عند الشدة رجع إلى الله، فإن الله يرحمه ويستجيب له. أنت في شخصك على ما فيك من نقص وضعف لو كان لك خصم معاند ومؤذ فألمّت به نازلة، فجاءك في جنح الليل يطرق الباب، فإذا به خصمك! فتقول: ما شأنك؟ قال: جئتك لاجئاً. فهل تطرده وتقفل الباب أمامه، أم ترحب به؟ لا شك أنك ترحب به، وأنت بشر، وفيك من النقص ما فيك، ولكنك تغتفر لعدوك إذا لجأ إليك عند الشدة، فما بالك بأرحم الراحمين! إذاً: ليتق الظالم ظلمه في الدنيا والآخرة: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) ، ولو أننا جئنا إلى قضية اجتماعية وكل إنسان -لا أقول: كل مسلم- كل رجل أو امرأة مسلم أو كافر تجنب الظلم وألغي الظلم من الوجود وحل محله العدل، كيف نتصور هذا المجتمع؟ عمر رضي الله تعالى عنه حينما جاء أبو بكر وقال له: يا عمر! أريد أن تساعدني وتحمل عني بعض المسئوليات، قال له: ماذا تريد؟ قال: تول عني القضاء، قال: حسناً، فأعلن أبو بكر بأن عمر هو قاضي المسلمين، وبعد سنة جاء عمر وقال: يا أبا بكر! خذ عملك عني، قال: لماذا، هل أتعبناك في القضاء؟ قال: لا، سنة كاملة وما اختصم إليّ اثنان! عرف كلٌ ما له وما عليه فلم يتعد أحد على الآخر.

стр. 489

سلطات نصرة المظلوم في الإسلام لو أن كل إنسان تجنب الظلم لاستغنينا عن الداخلية والشرطة وأغلقنا السجون، واستغنينا عن المحاكم والقضاء، واستغنينا عن السلطة التنفيذية. وكل دولة في العالم لها سلطات ثلاث: الأولى: سلطة تشريعية لتشرع الحكم والنظام، السلطة التشريعية في الإسلام لله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى:١٣] ، ولا يوجد أحد له حق في التشريع مع الله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] ، فالسلطة التشريعية لله، يبلغ عنه رسوله، والعلماء ورثة الأنبياء، فهيئة الإفتاء هي النائبة فيما يأتي من نوازل جديدة فتصدر فيها فتوى على ما يوافق كتاب الله وسنة رسوله. إذاً: السلطة التشريعية في الإسلام هي لكتاب الله وسنة رسوله. الثانية: السلطة القضائية، وهي الميزان الذي يزن الأحداث على النظام وعلى التشريع. الثالثة: السلطة التنفيذية: وهي التي تطبق حكم القاضي بالقوة. وقد أجمل تلك السلطات الثلاث في كتابه في آية تضمنت، نظام الدولة بكاملها في قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥] . هذه مقومات الدولة: السلطة التشريعية: رسل ببينات وكتاب، فالبينات تثبت أنهم رسل، وإذا ثبتت رسالة الرسول وقلنا: نشهد أن محمداً رسول الله والتزمنا برسالته وبما جاء به، فهذا رفض لما نخضع له خلافاً لما جاء به، لأننا التزمنا بها، كما أننا لا نعبد إلا الله؛ لأنه عندما نقول: لا توجد آلهة إلا الله، فنحن ملزمون بأن نأله الله وحده، فمن عبد غير الله فقد ناقض لا إله إلا الله، وكذلك من اتبع غير رسول الله وابتدع من عنده بدعة فهو ناقض لقوله: محمد رسول الله. إذاً: أرسلنا رسلنا بالبينات ومع الرسل الكتاب، والكتاب جاءنا من عند الله، والكتاب حجة لك أو عليك، فمن أخذ به فهو حجة له، ومن أعرض عنه فهو حجة عليه، فالكتاب للتشريع، وكما يقول الشافعي ﵀: (سلوني عما شئتم يا أهل مكة أجبكم عنه من كتاب الله، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ، فهم من فهم وأخطأ من أخطأ) ؛ لأن الكتاب يساير الأمة إلى يوم القيامة، وفيه تشريع الدين والدنيا، والحلال والحرام، وما تأخذ وما تترك. هذا هو مصدر التشريع؛ أعني كتاب الله، وقد كان الرسول ﷺ هو مرجع الناس في حياته، ثم من بعده خلفاؤه الراشدون، ومن بعدهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء. إذاً: السلطة التشريعية في الكتاب والسنة والعلماء أمناء على ذلك. وقوله: ﴿وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:٢٥] ليس المقصود الميزان ذا الكفتين أو الميزان الإلكتروني، إذ كل ما يفرق بين طرفين فهو ميزان، فالقاضي بيده ميزان العدالة، والأستاذ بيده ميزان الدرجات للطلاب، والأب بيده ميزان الأبوة بين أولاده، والأم بيدها ميزان البيت في رعايته: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) ، والحكمان اللذان يبعثهما الحاكم للحكم بين الزوجين ميزان، وكل من تدخل بين اثنين فهو ميزان. بالقسط: والقسط منتهى العدالة، وقبضة هذا الميزان بيد القضاء، والعدالة كما قالوا: من العدلة وهي شق الحمل، فإذا كانت العدلتان من حمل البعير متوازيتين فالبعير يمشي معتدلاً، والكفتان متساويتان، وإذا ثقلت إحدى العدلتين مالت الكفة ومال الحمل وعجز البعير عن أن يمشي، فالعدالة هي الميزان في القضاء، فإذا جاء إنسان وأخذ مال إنسان، عرض على المحكمة وعلى الميزان: من أي أنواع المال أخذ هذا؟ وهل هو بحق أو بغير حق؟ وسرقة أم نهب أم سلب أم اغتصاب أم خيانة أمانة؟ ويحكم فيه الميزان ويبين: أنت سارق أو لست بسارق، أنت ظالم أو لست بظالم. والسلطة التنفيذية تأتي بالقوة فتسجن وتضرب وتنفذ الحكم. إذاً: لو أن العالم أخذ بهذا الحديث: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظّالموا) ، ووقفوا عند ذلك لانتهت المشكلة، الكتاب قائم، والميزان لا يحتاج أن يوزن فيه؛ لأنه ليست هناك مظالم وليست هناك اعتداءات، وكلٌ قد وقف عند حده، ولصار حال الناس كما تولى القضاء عمر سنة فلم يتخاصم إليه اثنان. ولذا جاء أعرابي إلى علي رضي الله تعالى عنه فقال: (ما بالك وبال أصحابك من قبلك، اختلف الناس عليك ولم يختلفوا على من كان قبلك؟ قال: لأنهم كانوا يتأمرون على أمثالي وأنا أتأمر على أمثالك) ، كان أبو بكر وعمر يتأمرون على علي وعثمان وطلحة والزبير وفلان وفلان من سادات الناس، ممن لا يخطئون الخطأ الفاحش ولا يعتدون على غيرهم؛ لكن عندما جاء الدور على علي كان هناك كثير من أطراف الناس وأراذلهم ليحكم فيهم. إذاً: حينما يقف كل واحد من الناس عند حده يستقر الأمن وتحصل الطمأنينة، ويتوفر الخير، ويرتفع النزاع في كل جانب من الجوانب، وبهذا تكون هذه الجملة من الحديث القدسي وحدها كافية لإصلاح العالم كله.

стр. 490

شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع والعشرون [٢]

стр. 491

طلب الهداية من الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم) . الحديث القدسي يحصل فيه تقديم وتأخير، لكن على ما روي لنا بهذا السياق، فنأخذ به؛ فإنه بعد ما حذر من الظلم يأتي إلى الهداية والضلالة كأنه يقول: ما الظلم إلا كما يقال: (يا عبادي كلكم ضال) ، فلا تظالموا، إذاً: لا يظلم إلا ضال، وكأن الحديث يشعر بأنه لا يظلم أحد أحداً إلا كان الظالم ضالاً.

стр. 492

معنى الضلال يقول أهل اللغة: الضلال: الضياع والذهاب، ولذا يقال: ضل فلان الطريق. أي: ذهب عنها وضاع عنها، وضل الماء في الأرض، أي: تلاشى وذهب. (كلكم ضال) أي: ذاهب عن الطريق السوي، وقد يكون الضلال بمعنى النسيان كما قال الله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] والنسيان فيه تضييع الحق؛ لأنه لو تذكر الذي يريد أن يتكلم به ما ضاع الحق. وهنا يبحث العلماء في سورة الضحى عند قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٦-٧] ، قالوا: معنى (ضالاً) أي: عن العلم الذي أوحي إليك كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] ، فما كان يعلم بالوحي ولا بالقرآن فعلمه الله، أو كما قالوا: ضلال حسي، حينما كان صغيراً خرج إلى الشعب وضاع فلهم يهتد إلى طريق الرجوع إلى البيت، فأرسل الله له من يهديه وجاء به إلى عمه. والمراد بالضلال هنا: الانحراف عن الصراط المستقيم. وهنا السؤال قوله: (كلكم ضال) ، وفي الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) ، فهل هناك تعارض بينهما؟ بعض العلماء يقول: هناك تعارض؛ لأننا إذا رجعنا إلى الحديث وجدنا فيه: (فأبواه) ، فهل بقي على الفطرة أم أن أبويه لهما دخل في هذا؟ أبواه لهما دخل في هذا؛ فهو في أصل المولد على الفطرة، ولو بقي على تلك الفطرة لنشأ على الهداية، ولكن جاءت العوامل فغيرت، فإن لم يكن أبواه فالمجتمع، فكل ذلك حصيلته أن ينحرف عن الطريق السوي، ويضل بسبب التيار الجديد، فالضلال طارئ عليه، وحينما يخاطب الإنسان في كبره فإنما يخاطب على وضعه الذي هو عليه وليس له أن يحتج بما كان عليه منذ الصغر، وليس لإنسان سبيل إلى الهداية إلا بأمر الله.

стр. 493

أنواع الهداية يبحث العلماء في الضلال والهداية على أن الهداية قسمان: - هداية بيان وإرشاد. - وهداية توفيق إلى الخير. أما هداية البيان والإرشاد: فهي التي أرسل بها الرسل، وبينتها للأمم كما قال الله : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: أرسلنا لهم الرسل وبيّنا لهم الطريق ولكن: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] . وأما هداية التوفيق ففي قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ، أي: هداية توفيق، لأنها خاصة بالله تعالى. وقد جاء في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فهناك قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، فقالوا: الهداية المثبتة هي الدلالة على الصراط المستقيم، وليس كل من دُلَّ على الصراط يسلكه. وكما جاء في الحديث: (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين) ، وكلاهما قرشي، وكلاهما يفهم العربية، وكلاهما في الفهم سواء، وجاء القرآن وكلاهما يسمع ويرى، لكن التوفيق بيد الله. إذاً: كلكم ضال سواء عن الصراط أو عن الطريق حتى يأتي الهدى والبيان من عند الله، أو: كلكم ضال مختوم عليه بعيد عن الحق حتى يوفقه الله لذلك، فمن وجد نفسه على طريق الهدى فليحمد الله؛ لأن هذا منحة من الله ، ويكفي أن يقال لسيد الخلق صاحب الرسالة: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يخلق التوفيق في قلب من شاء هدايته، إذاً: من وجد نفسه على الصراط السوي فليعلم بأن ذلك أكبر نعمة أنعمها الله عليه. ولنعلم أيها الأخوة أن بعض السلف كانوا يقولون: ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها: وجوده من العدم نعمة الإسلام والهداية، ودخول الجنة: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) . فمن وجد نفسه على طريق سوي فليحمد الله على تلك النعمة وهي النعمة الكبرى؛ لأن وجوده بدون هداية كان عدمه أولى منه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] ، فإذا وجد في هذه الدنيا وجاءته الهداية فإن مآله إلى الجنة بفضل الله . والحديث عن الهداية يبين لنا أنه ما جاء بعد موضوع الظلم إلا وهو أعظم موضوع في حياة الإنسان، وأغلى وأعز ما يحصل عليه البشر، وهو نعمة عظمى بعد نعمة الوجود من العدم. فهنا يبين الله سبب الظلم ألا وهو الضلال الشديد عن الحق، والغواية عن الرشد والرشاد، فيقول سبحانه: (يا عبادي!) وما ألطفها من عبارة، وما أرحمها من جملة تفيض بالحنان وباللطف وبالعطف من الخالق على المخلوق. ولو تأملنا أيها الإخوة في هذا النداء لوجدنا أن المولى سبحانه لا يخاطب الخلق (بعبادي) إلا في مواضع الرحمة والتكريم كقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] . ويقول العلماء: لقد سمى الله جميع الرسل بأسمائهم في كتاب الله، أما النبي ﷺ فيثني عليه بصفة العبودية بعد ذكره، وذكر اسمه إنما جاء في مقام إثبات الرسالة وشهادة المولى له: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ، وأما في مواطن التكريم والتعظيم والتشريف فيقول مثلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] ، فقد كانت رحلة الإسراء فريدة لم يسبقه إليها أحد ﷺ ولن يلحقه فيها أحد، فقال: ((سُبْحَانَ)) فقدم المولى تنزيه نفسه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ؛ لأنه ليس أمراً عادياً، فهو يُبين أن القادر على ذلك هو الله. ومن ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١] ، وفي إنزال القرآن الكريم تشريف وتكريم واصطفاء من الله لمحمد ﷺ . وهنا كل فقرة من هذا الحديث فيها إنعام وعطف ورحمة وإكرام من الله، فيأتي النداء: (يا عبادي!) . من رحمة الله أن حرم عليهم الظلم ونهاهم عنه، ثم قال: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته) إذ لا يملك الهداية للعبد إلا الله، وقد أشرنا بأن الهداية تنقسم إلى قسمين: - هداية بيان وإيضاح ودلالة وإرشاد، وهي التي جاءت بها الرسل. -هداية توفيق وسداد، وهي التي تكون لله سبحانه وحده. وجاء في حقه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، أي: الدلالة والإرشاد والإيضاح، وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] ، أي: بينّا لهم طريق الصلاح وطريق الرشاد لكنهم أعرضوا عن ذلك. وأما الهداية هنا في الحديث فمعناها التوفيق. ولما ألح ﷺ وأخذته عاطفة القرابة إلى عمه يقول له سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] .

стр. 494

كيفية سؤال الهداية من الله تعالى يأتي القرآن الكريم من أوله إلى آخره وينبني على هذا المطلب، وقد أشرنا مراراً بأن الله سبحانه تعبدنا بطلب الهداية منه، ففي سورة الفاتحة في كل ركعة من الصلوات الخمس وهي سبعة عشر ركعة في كل يوم من غير النوافل، يقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] . ومن إعجاز القرآن كما سمعنا من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه وعلى علماء المسلمين جميعاً يقول: المولى علّمنا كيف نسأل عظيم المسألة؛ فنقدم بين يدي المسألة تعظيم الله سبحانه. فتبدأ بحمده وتنزيهه وتمجيده، وإثبات صفات الكمال والجلال لله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، فتعترف وتقر بربوبيته سبحانه للعالمين جميعاً عالم السماء فيما ندرك وما لا ندرك، وعالم الأرض فيما نحصي وما لا نحصي، وما بين ذلك من إنس وجن وملائكة وحيوان ونبات وكل مخلوق، فكل عالم من عوالم الله، فالله هو ربه. وبعد هذا التمجيد والتعظيم يظهر المولى سبحانه بأن ربوبيته للعالمين ربوبية رحمة وليست قهراً وغلبة، مع أن السلطان له وحده: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢-٣] ، أي: رباهم على الرحمة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ويقول العلماء: رحمان الدنيا ورحيم الآخرة؛ لأن رحيم صيغة مبالغة، والرحمة في الآخرة أوسع؛ لأنها دار البقاء والدوام وبها الجنة. وفي الحديث: أن الله قسم الرحمة مائة قسم، وأنزل واحدة إلى الأرض، وادخر تسعاً وتسعين يرحم بها العباد يوم القيامة، ومن تلك الرحمة الواحدة من المائة ترحم الدابة ولدها، تريد أن تضع حافرها عليه فترفعه رحمة به. ثم تأتي من جانب الآخرة والمآل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ففي الدنيا رب العالمين ورحمن رحيم، وفي الآخرة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، فملك العالم في الدنيا قد يهبه لمن يشاء، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ولكن في الآخرة يأتي موقف العظمة والتجلي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ، فهو مالك يوم الدين، وليس لأحد معه ملك ولا سلطة. ثم تأتي بعد هذا وذاك وقد أيقنت بأنك في الدنيا تحت ربوبيته وفي الآخرة في نطاق ملكه، ولا مفر لك. إذاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] على ما يرضيك، وعلى أي نهج تكون العبادة؟ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ويُبين سبحانه رفقة هذا الصراط: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] ، أين هذا الصراط المستقيم الذي طلبت الهداية إليه؟ أشرنا لذلك سابقاً عند قوله ﷺ : (والقرآن حجة لك أو عليك) بأن الله قسّم الناس أمام هذا القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام: - قسم آمن بالله وباليوم الآخر. - وقسم كفر بالله وبرسوله وباليوم الآخر. - وقسم مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ولذا جاء بعد ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] ، فإذا كنت تسأل الهداية إلى الصراط المستقيم، فخذ هذا الكتاب فإن فيه هدايتك، وكما يقول بعض العلماء: وبالتتبع للقرآن كله فإنه تفصيل وبيان لمجملات الفاتحة، ولذا سميت أم الكتاب، وبالنظر إلى سورة البقرة ترى أن جميع أبواب الفقه الإسلامي وجميع التشريعات لها حصة في سورة البقرة. وعلى سبيل الإجمال أو التفصيل تأتي سورة آل عمران وتأخذ من سورة البقرة، فسورة البقرة بدأت بذكر خلق العالم في بداية خلق آدم واستخلافه في الأرض وكلام الملائكة وموقف إبليس من ذلك، وبعد ذلك ذكرت بني إسرائيل، وتأتي سورة آل عمران فتكمل تلك القصة، وتأتي النساء والمائدة بالتشريع في الحلال والحرام، وهكذا إلى أن تنتهي من القرآن الكريم، فتجد في نهاية المصحف بين يديك سورتي المعوذتين، الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١-٥] . وتجد في سورة الناس: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١-٦] . وبالنظر مرة أخرى إلى مضمون السورتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، فالمستعاذ به: رب الفلق، والمستعاذ منه: ﴿شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ على سبيل العموم، ثم يرجع إلى التفصيل ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب﴾ ، ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَد﴾ ، ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد﴾ تلك الشرور الأربعة كلها جاء أمامها ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، صفة الربوبية جاءت قبل ذلك الشرور الأربعة. بينما سورة الناس وهي خاتمة المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ فاشتملت على ثلاث صفات لله سبحانه، والتي تستعيذ بها كلها ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ . انظر إلى هذا الإعجاز! ثلاث صفات لله سبحانه تقف أمام شر واحد ألا وهو: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ ؛ لأن هذا هو الذي أفسد الناس، وهو الذي يُفسد عليهم عقائدهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، ولا يوجد شر بين الخليقة إلا من جهته. وإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وسورة الناس فكأننا نجد حلقة التقى طرفاها، وأصبح القرآن حلقة لا انفصام فيها؛ وتلك هي صفات العظمة في سورة الناس ﴿رَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ . فـ (إله الناس) هي معنى (الله) وهي الألوهية، و (رب العالمين) هي معنى (رب الناس) وفيها الربوبية، و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هي معنى (ملك الناس) وفيها المُلك، فكأنك حينما تنتهي من المصحف ترتبط بأوله مرة أخرى. وهكذا أيها الإخوة! يتبين لك أن القرآن بعد أن أعطانا صراطاً مستقيماً يوقفنا في نهاية الطريق ويقول: قف واعرف عدوك، واحذر من الشيطان، واحذر من (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ، فإذا وقع شيء للخلق فإن منشأه من هذا العدو (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) ، فهو الذي يحرف الناس عن الصراط السوي، كما بين ﷺ حينما خط خطاً مستقيماً، ثم خط على جوانبه خطوطاً وقال: (هذا صراط الله المستقيم -وأشار إلى ذلك الخط- وتلك خطوط على جوانبه، على رأس كل طريق منها شيطان يدعو إليه) .

стр. 495

ضلال العرب قبل الإسلام (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته) . لو جئنا إلى تحقيق تلك الضلالة في الخلق ابتداءً قبل أن يصطفي الله سبحانه رسوله بإنزال الوحي عليه، وقد اصطفاه قبل أن يولد، لكن أعني قبل أن تنزل الرسالة، وقبل أن يأتي الوحي، وقبل أن يقوم داعياً إلى الله، فكيف كانت حالة العرب؟ لقد بيّن ذلك جعفر رضي الله تعالى عنه بين يدي النجاشي: كنا أمة يأكل قوينا ضعيفنا، وذكر صفات العرب التي نعرفها، إلى قتل أولادهم) ، ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨-٩] . عمر رضي الله تعالى عنه فيما يحكى عنه يقول: (كنت أصنع لي إلهاً من تمر يحرسني إلى الصباح، فإذا أصبحت معافى أخذته وأكلته) عمر هذا يأتي فيما بعد بعقلية الإسلام ويقف أمام الحجر ويقول: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) . لو تتبعنا ما كانوا عليه في الجاهلية في عادات الزواج والبيع والشراء من الربا وميراث المرأة وهضمها حقها إلى غير ذلك، لعرفنا أين كانت العقول، فإنهم كانوا في ضلال، فأراد الله بالبشر خيراً، وأرسل نبيه وصفيه ﷺ ، فمن أراد له السعادة هداه وتقبل تلك الدعوة، وقد أشرنا إلى إسلام عمر رضي الله تعالى عنه. والفرق بين ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] ، وبين: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧] . وهنا: (كلكم ضال إلا من هديته) ، وكان ﷺ يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، ويعلم الحسن بن علي أن يقول في دعاء القنوت: (اللهم اهدنا في من هديت) ؛ لأن الهداية إنما هي من الله ، وإذا كانت القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن سبحانه يقلبها كيف شاء، فالهداية والتوفيق من عند الله، يوفق من شاء إليها، ويمنح من شاء الهداية والتوفيق لما يحبه ويرضاه. وإذا نظرنا إلى ما حولنا من عقول البشر اليوم، وكلنا يعلم تطور الحياة والفكر الغربي بالذات وما وصلوا إليه من تفتيت الذرة وغزو الفضاء، وما توصلوا إليه مما يسمى بالتكنولوجيا في العلوم الحديثة، فأين تلك العقول عن عبادة الله وحده؟ ألم ينظروا في ملكوت السماء والأرض؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [يوسف:١٠٩] سبحان الله! إذاً: هداية الخلق منحة من الخالق ، وعلى هذا ينبغي للمسلم في كل صباح ومساء أن يلجأ إلى الله ويسأله الهداية والتوفيق والثبات على تلك الهداية، كما جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ، قال الصديق رضي الله تعالى عنه: (آمنوا واستقاموا على الإيمان، واستمروا على ذلك حتى ماتوا عليه) ، ويقول الصديق أيضاً: (والله لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله) . نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يمنحنا من فضله وكرمه الهداية والتوفيق لسلوك الصراط المستقيم الذي أمر به.
следующие страницы →