Полный текст (863 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
طلب الهداية من الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم) .
الحديث القدسي يحصل فيه تقديم وتأخير، لكن على ما روي لنا بهذا السياق، فنأخذ به؛ فإنه بعد ما حذر من الظلم يأتي إلى الهداية والضلالة كأنه يقول: ما الظلم إلا كما يقال: (يا عبادي كلكم ضال) ، فلا تظالموا، إذاً: لا يظلم إلا ضال، وكأن الحديث يشعر بأنه لا يظلم أحد أحداً إلا كان الظالم ضالاً.
стр. 492
معنى الضلال
يقول أهل اللغة: الضلال: الضياع والذهاب، ولذا يقال: ضل فلان الطريق.
أي: ذهب عنها وضاع عنها، وضل الماء في الأرض، أي: تلاشى وذهب.
(كلكم ضال) أي: ذاهب عن الطريق السوي، وقد يكون الضلال بمعنى النسيان كما قال الله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] والنسيان فيه تضييع الحق؛ لأنه لو تذكر الذي يريد أن يتكلم به ما ضاع الحق.
وهنا يبحث العلماء في سورة الضحى عند قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٦-٧] ، قالوا: معنى (ضالاً) أي: عن العلم الذي أوحي إليك كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] ، فما كان يعلم بالوحي ولا بالقرآن فعلمه الله، أو كما قالوا: ضلال حسي، حينما كان صغيراً خرج إلى الشعب وضاع فلهم يهتد إلى طريق الرجوع إلى البيت، فأرسل الله له من يهديه وجاء به إلى عمه.
والمراد بالضلال هنا: الانحراف عن الصراط المستقيم.
وهنا
السؤال
قوله: (كلكم ضال) ، وفي الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) ، فهل هناك تعارض بينهما؟ بعض العلماء يقول: هناك تعارض؛ لأننا إذا رجعنا إلى الحديث وجدنا فيه: (فأبواه) ، فهل بقي على الفطرة أم أن أبويه لهما دخل في هذا؟ أبواه لهما دخل في هذا؛ فهو في أصل المولد على الفطرة، ولو بقي على تلك الفطرة لنشأ على الهداية، ولكن جاءت العوامل فغيرت، فإن لم يكن أبواه فالمجتمع، فكل ذلك حصيلته أن ينحرف عن الطريق السوي، ويضل بسبب التيار الجديد، فالضلال طارئ عليه، وحينما يخاطب الإنسان في كبره فإنما يخاطب على وضعه الذي هو عليه وليس له أن يحتج بما كان عليه منذ الصغر، وليس لإنسان سبيل إلى الهداية إلا بأمر الله.
стр. 493
أنواع الهداية
يبحث العلماء في الضلال والهداية على أن الهداية قسمان: - هداية بيان وإرشاد.
- وهداية توفيق إلى الخير.
أما هداية البيان والإرشاد: فهي التي أرسل بها الرسل، وبينتها للأمم كما قال الله : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: أرسلنا لهم الرسل وبيّنا لهم الطريق ولكن: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] .
وأما هداية التوفيق ففي قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ، أي: هداية توفيق، لأنها خاصة بالله تعالى.
وقد جاء في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فهناك قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، فقالوا: الهداية المثبتة هي الدلالة على الصراط المستقيم، وليس كل من دُلَّ على الصراط يسلكه.
وكما جاء في الحديث: (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين) ، وكلاهما قرشي، وكلاهما يفهم العربية، وكلاهما في الفهم سواء، وجاء القرآن وكلاهما يسمع ويرى، لكن التوفيق بيد الله.
إذاً: كلكم ضال سواء عن الصراط أو عن الطريق حتى يأتي الهدى والبيان من عند الله، أو: كلكم ضال مختوم عليه بعيد عن الحق حتى يوفقه الله لذلك، فمن وجد نفسه على طريق الهدى فليحمد الله؛ لأن هذا منحة من الله ، ويكفي أن يقال لسيد الخلق صاحب الرسالة: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يخلق التوفيق في قلب من شاء هدايته، إذاً: من وجد نفسه على الصراط السوي فليعلم بأن ذلك أكبر نعمة أنعمها الله عليه.
ولنعلم أيها الأخوة أن بعض السلف كانوا يقولون: ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها: وجوده من العدم نعمة الإسلام والهداية، ودخول الجنة: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) .
فمن وجد نفسه على طريق سوي فليحمد الله على تلك النعمة وهي النعمة الكبرى؛ لأن وجوده بدون هداية كان عدمه أولى منه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] ، فإذا وجد في هذه الدنيا وجاءته الهداية فإن مآله إلى الجنة بفضل الله .
والحديث عن الهداية يبين لنا أنه ما جاء بعد موضوع الظلم إلا وهو أعظم موضوع في حياة الإنسان، وأغلى وأعز ما يحصل عليه البشر، وهو نعمة عظمى بعد نعمة الوجود من العدم.
فهنا يبين الله سبب الظلم ألا وهو الضلال الشديد عن الحق، والغواية عن الرشد والرشاد، فيقول سبحانه: (يا عبادي!) وما ألطفها من عبارة، وما أرحمها من جملة تفيض بالحنان وباللطف وبالعطف من الخالق على المخلوق.
ولو تأملنا أيها الإخوة في هذا النداء لوجدنا أن المولى سبحانه لا يخاطب الخلق (بعبادي) إلا في مواضع الرحمة والتكريم كقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] .
ويقول العلماء: لقد سمى الله جميع الرسل بأسمائهم في كتاب الله، أما النبي ﷺ فيثني عليه بصفة العبودية بعد ذكره، وذكر اسمه إنما جاء في مقام إثبات الرسالة وشهادة المولى له: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ، وأما في مواطن التكريم والتعظيم والتشريف فيقول مثلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] ، فقد كانت رحلة الإسراء فريدة لم يسبقه إليها أحد ﷺ ولن يلحقه فيها أحد، فقال: ((سُبْحَانَ)) فقدم المولى تنزيه نفسه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ؛ لأنه ليس أمراً عادياً، فهو يُبين أن القادر على ذلك هو الله.
ومن ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١] ، وفي إنزال القرآن الكريم تشريف وتكريم واصطفاء من الله لمحمد ﷺ .
وهنا كل فقرة من هذا الحديث فيها إنعام وعطف ورحمة وإكرام من الله، فيأتي النداء: (يا عبادي!) .
من رحمة الله أن حرم عليهم الظلم ونهاهم عنه، ثم قال: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته) إذ لا يملك الهداية للعبد إلا الله، وقد أشرنا بأن الهداية تنقسم إلى قسمين: - هداية بيان وإيضاح ودلالة وإرشاد، وهي التي جاءت بها الرسل.
-هداية توفيق وسداد، وهي التي تكون لله سبحانه وحده.
وجاء في حقه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، أي: الدلالة والإرشاد والإيضاح، وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] ، أي: بينّا لهم طريق الصلاح وطريق الرشاد لكنهم أعرضوا عن ذلك.
وأما الهداية هنا في الحديث فمعناها التوفيق.
ولما ألح ﷺ وأخذته عاطفة القرابة إلى عمه يقول له سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] .
стр. 494
كيفية سؤال الهداية من الله تعالى
يأتي القرآن الكريم من أوله إلى آخره وينبني على هذا المطلب، وقد أشرنا مراراً بأن الله سبحانه تعبدنا بطلب الهداية منه، ففي سورة الفاتحة في كل ركعة من الصلوات الخمس وهي سبعة عشر ركعة في كل يوم من غير النوافل، يقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] .
ومن إعجاز القرآن كما سمعنا من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه وعلى علماء المسلمين جميعاً يقول: المولى علّمنا كيف نسأل عظيم المسألة؛ فنقدم بين يدي المسألة تعظيم الله سبحانه.
فتبدأ بحمده وتنزيهه وتمجيده، وإثبات صفات الكمال والجلال لله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، فتعترف وتقر بربوبيته سبحانه للعالمين جميعاً عالم السماء فيما ندرك وما لا ندرك، وعالم الأرض فيما نحصي وما لا نحصي، وما بين ذلك من إنس وجن وملائكة وحيوان ونبات وكل مخلوق، فكل عالم من عوالم الله، فالله هو ربه.
وبعد هذا التمجيد والتعظيم يظهر المولى سبحانه بأن ربوبيته للعالمين ربوبية رحمة وليست قهراً وغلبة، مع أن السلطان له وحده: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢-٣] ، أي: رباهم على الرحمة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ويقول العلماء: رحمان الدنيا ورحيم الآخرة؛ لأن رحيم صيغة مبالغة، والرحمة في الآخرة أوسع؛ لأنها دار البقاء والدوام وبها الجنة.
وفي الحديث: أن الله قسم الرحمة مائة قسم، وأنزل واحدة إلى الأرض، وادخر تسعاً وتسعين يرحم بها العباد يوم القيامة، ومن تلك الرحمة الواحدة من المائة ترحم الدابة ولدها، تريد أن تضع حافرها عليه فترفعه رحمة به.
ثم تأتي من جانب الآخرة والمآل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ففي الدنيا رب العالمين ورحمن رحيم، وفي الآخرة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، فملك العالم في الدنيا قد يهبه لمن يشاء، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ولكن في الآخرة يأتي موقف العظمة والتجلي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ، فهو مالك يوم الدين، وليس لأحد معه ملك ولا سلطة.
ثم تأتي بعد هذا وذاك وقد أيقنت بأنك في الدنيا تحت ربوبيته وفي الآخرة في نطاق ملكه، ولا مفر لك.
إذاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] على ما يرضيك، وعلى أي نهج تكون العبادة؟ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ويُبين سبحانه رفقة هذا الصراط: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] ، أين هذا الصراط المستقيم الذي طلبت الهداية إليه؟ أشرنا لذلك سابقاً عند قوله ﷺ : (والقرآن حجة لك أو عليك) بأن الله قسّم الناس أمام هذا القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام: - قسم آمن بالله وباليوم الآخر.
- وقسم كفر بالله وبرسوله وباليوم الآخر.
- وقسم مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
ولذا جاء بعد ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] ، فإذا كنت تسأل الهداية إلى الصراط المستقيم، فخذ هذا الكتاب فإن فيه هدايتك، وكما يقول بعض العلماء: وبالتتبع للقرآن كله فإنه تفصيل وبيان لمجملات الفاتحة، ولذا سميت أم الكتاب، وبالنظر إلى سورة البقرة ترى أن جميع أبواب الفقه الإسلامي وجميع التشريعات لها حصة في سورة البقرة.
وعلى سبيل الإجمال أو التفصيل تأتي سورة آل عمران وتأخذ من سورة البقرة، فسورة البقرة بدأت بذكر خلق العالم في بداية خلق آدم واستخلافه في الأرض وكلام الملائكة وموقف إبليس من ذلك، وبعد ذلك ذكرت بني إسرائيل، وتأتي سورة آل عمران فتكمل تلك القصة، وتأتي النساء والمائدة بالتشريع في الحلال والحرام، وهكذا إلى أن تنتهي من القرآن الكريم، فتجد في نهاية المصحف بين يديك سورتي المعوذتين، الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١-٥] .
وتجد في سورة الناس: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١-٦] .
وبالنظر مرة أخرى إلى مضمون السورتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، فالمستعاذ به: رب الفلق، والمستعاذ منه: ﴿شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ على سبيل العموم، ثم يرجع إلى التفصيل ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب﴾ ، ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَد﴾ ، ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد﴾ تلك الشرور الأربعة كلها جاء أمامها ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، صفة الربوبية جاءت قبل ذلك الشرور الأربعة.
بينما سورة الناس وهي خاتمة المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ فاشتملت على ثلاث صفات لله سبحانه، والتي تستعيذ بها كلها ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ .
انظر إلى هذا الإعجاز! ثلاث صفات لله سبحانه تقف أمام شر واحد ألا وهو: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ ؛ لأن هذا هو الذي أفسد الناس، وهو الذي يُفسد عليهم عقائدهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، ولا يوجد شر بين الخليقة إلا من جهته.
وإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وسورة الناس فكأننا نجد حلقة التقى طرفاها، وأصبح القرآن حلقة لا انفصام فيها؛ وتلك هي صفات العظمة في سورة الناس ﴿رَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ .
فـ (إله الناس) هي معنى (الله) وهي الألوهية، و (رب العالمين) هي معنى (رب الناس) وفيها الربوبية، و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هي معنى (ملك الناس) وفيها المُلك، فكأنك حينما تنتهي من المصحف ترتبط بأوله مرة أخرى.
وهكذا أيها الإخوة! يتبين لك أن القرآن بعد أن أعطانا صراطاً مستقيماً يوقفنا في نهاية الطريق ويقول: قف واعرف عدوك، واحذر من الشيطان، واحذر من (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ، فإذا وقع شيء للخلق فإن منشأه من هذا العدو (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) ، فهو الذي يحرف الناس عن الصراط السوي، كما بين ﷺ حينما خط خطاً مستقيماً، ثم خط على جوانبه خطوطاً وقال: (هذا صراط الله المستقيم -وأشار إلى ذلك الخط- وتلك خطوط على جوانبه، على رأس كل طريق منها شيطان يدعو إليه) .
стр. 495
ضلال العرب قبل الإسلام
(يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته) .
لو جئنا إلى تحقيق تلك الضلالة في الخلق ابتداءً قبل أن يصطفي الله سبحانه رسوله بإنزال الوحي عليه، وقد اصطفاه قبل أن يولد، لكن أعني قبل أن تنزل الرسالة، وقبل أن يأتي الوحي، وقبل أن يقوم داعياً إلى الله، فكيف كانت حالة العرب؟ لقد بيّن ذلك جعفر رضي الله تعالى عنه بين يدي النجاشي: كنا أمة يأكل قوينا ضعيفنا، وذكر صفات العرب التي نعرفها، إلى قتل أولادهم) ، ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨-٩] .
عمر رضي الله تعالى عنه فيما يحكى عنه يقول: (كنت أصنع لي إلهاً من تمر يحرسني إلى الصباح، فإذا أصبحت معافى أخذته وأكلته) عمر هذا يأتي فيما بعد بعقلية الإسلام ويقف أمام الحجر ويقول: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) .
لو تتبعنا ما كانوا عليه في الجاهلية في عادات الزواج والبيع والشراء من الربا وميراث المرأة وهضمها حقها إلى غير ذلك، لعرفنا أين كانت العقول، فإنهم كانوا في ضلال، فأراد الله بالبشر خيراً، وأرسل نبيه وصفيه ﷺ ، فمن أراد له السعادة هداه وتقبل تلك الدعوة، وقد أشرنا إلى إسلام عمر رضي الله تعالى عنه.
والفرق بين ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] ، وبين: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧] .
وهنا: (كلكم ضال إلا من هديته) ، وكان ﷺ يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، ويعلم الحسن بن علي أن يقول في دعاء القنوت: (اللهم اهدنا في من هديت) ؛ لأن الهداية إنما هي من الله ، وإذا كانت القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن سبحانه يقلبها كيف شاء، فالهداية والتوفيق من عند الله، يوفق من شاء إليها، ويمنح من شاء الهداية والتوفيق لما يحبه ويرضاه.
وإذا نظرنا إلى ما حولنا من عقول البشر اليوم، وكلنا يعلم تطور الحياة والفكر الغربي بالذات وما وصلوا إليه من تفتيت الذرة وغزو الفضاء، وما توصلوا إليه مما يسمى بالتكنولوجيا في العلوم الحديثة، فأين تلك العقول عن عبادة الله وحده؟ ألم ينظروا في ملكوت السماء والأرض؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [يوسف:١٠٩] سبحان الله! إذاً: هداية الخلق منحة من الخالق ، وعلى هذا ينبغي للمسلم في كل صباح ومساء أن يلجأ إلى الله ويسأله الهداية والتوفيق والثبات على تلك الهداية، كما جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ، قال الصديق رضي الله تعالى عنه: (آمنوا واستقاموا على الإيمان، واستمروا على ذلك حتى ماتوا عليه) ، ويقول الصديق أيضاً: (والله لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله) .
نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يمنحنا من فضله وكرمه الهداية والتوفيق لسلوك الصراط المستقيم الذي أمر به.
стр. 496
طلب الإطعام من الله تعالى
ثم قال: (يا عبادي!) وكلما تكرر هذا النداء فإنه يشعر بتجدد الرحمة والعاطفة من الله.
قال: (كلكم جائع إلا من أطعمته) .
يمكن أن تقول: أنا شبعان، والخزائن والمستودعات مليئة، فيقال لك: والله إنك جئت إلى الدنيا جائعاً عرياناً، فمن الذي أطعمك؟ الله، من الذي كساك؟ الله, أول ما تأتي إلى الدنيا؛ لو وضعت فوق جبل من الخبز أو في نهر من العسل ما استطعت أن تتناول منه ذرة، ولكنه سبحانه يدر لك من ثدي أمك الحليب، ويستخلص لك من بين الدم واللحم هذا الطعام الذي يشبعك، والذي فيه كل عناصر حياتك، أجمع الجميع أنه لا غنى للطفل عن حليب أمه، لأن كل ما يحتاجه الطفل من جوانب الغذاء يجعلها الله في هذا الثدي، فمن الذي در هذا الدر لك؟ ثم بعد ذلك إذا نما الجسم ولم يعد اللبن بخفته يكفي لنموه وكان لابد من قضم الطعام؛ أنبت لك الأسنان وتناولت الطعام حتى أشبعك، ثم كل ما في مستودعاتك ومخازن العالم من أين جئت بها؟ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:٢٤] ينظر المصدر والمبدأ ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٥-٣٢] .
وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: انظر إلى هذا السياق: ﴿شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ ، لو جئت بأصبعك لتغرسه في الأرض ما استطعت، ولكن الله يشق الأرض عن ذاك النبت اللين الضعيف الرهيف.
هل كنت تشقق الأرض عن كل النباتات التي تزرعها؟ لا والله، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] (أأنتم) : استفهام تعجب، أي: أما تستحون من أنفسكم! ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٤] .
هب أن النبات نبت، فمن أين لك القدرة على أن تخرج الثمرة من هذا الزرع؟ عود القمح نبت، أين القدرة بغير الله سبحانه أن يحمل هذا العود تلك السنبلة وتخرج من خلاله، وتأتي بتلك الأبراج في داخلها، وكل حبة لها برج مستقل؟ طلعت السنبلة، من الذي أجرى فيها الماء ثم عقد الحبة؟ من الذي لقحها؟ ولذا قال الله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٥-٦٧] .
ولذا يقول الوالد رحمة الله تعالى علينا وعليه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس:٢٤-٢٦] ، من الذي يصب الماء من علو؟ أعندك خزانات هناك في يدك محبسها؟ لا والله، ومن الذي يسوقه إلى بلد ميت فيحييه، وانظر إلى قوله: ﴿صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: برفق، ولو تدفق مرة واحدة لهلك العالم، لكنه ينزل قطرات بسيطة على رأسك، وبعد ذلك تلتقطه الأرض.
ثم انشقت الأرض عن الحب: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ سبحان الله! تربة واحدة وماء واحد والنبات مختلف يسقى بماء واحد، ولكن هل يستوي في الأكل؟ لا، فمنه متشابه وغير متشابه، العنبة بجانب الليمونة، والبرتقالة بجانب النخلة، الحنظلة تنبت على شاطئ الوادي، فمن الذي يُغذي هذا وذاك؟ ولو أخذت ورقة العنب ما وجدت فيها من الحلاوة شيئاً، تأتي إلى عود الفلفل وبجانبه الباذنجان؛ هذا أحمر مجوف وفيه النار، وهذا أسود بارد لا شيء فيه، وبجانبه الطماطم فيها خزان من الماء الأحمر، وكله في تربة واحدة.
إذاً: كلكم كما قال سبحانه: (كلكم جائع إلا من أطعمته) ، حينما يمسك الله الماء ماذا كانت نتائج بعض الدول التي تشتكي القحط أو الجدب؟ تهلك الأموال والأنفس.
وقد جاء أعرابي والرسول ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: (يا رسول الله! سل الله أن يسقينا، هلكت البهائم وتقطعت الطرق وجف الشجر.
إلى آخره، فيرفع رسول الله ﷺ يديه ويستسقي ربه وهو على المنبر، فيقول راوي الحديث: فتنشأ سحابة كالترس -الترس التي في يد الفارس حينما يقاتل- وليس بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، حتى إذا توسطت كبد السماء انتشرت ثم أمطرت إلى يوم الجمعة الثانية، ثم يدخل رجل من ذاك الباب هو ذاك الرجل أو غيره، فيقول: يا رسول الله! ادع الله أن يمسكها عنا، هلكت البهائم وتقطعت الطرق، فيرفع ﷺ يديه ويسأل ربه ويقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام وعلى منابت الشجر وبطون الأودية) الآكام: جمع أكمة، يريد: على الجبال التي هنا وهناك، وعلى الوديان ومنابت الشجر.
فيقول الراوي: فخرجنا نمشي في الشمس؛ هذا لمن حدث؟! أولئك أصحاب الذرة ما رأوا هذا الشيء، لكن لا حول ولا قوة إلا بالله، ما داموا قد ختم الله على قلوبهم، وجعل على أبصارهم غشاوة كيف ينظرون إلى آيات الله؟ إذاً: الهداية من الله، ولذا أيها الإخوة! فالواجب على العبد إذا رأى إنساناً هذا حاله أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! انحرف عن الجادة وانزلقت به قدمه، ولا يقف موقف الشامت؛ وليعلم أن الهداية بيد الله، وما الفرق بينك وبينه عند الله؟ فليس لك سابقة نسب عند ربك، وليس هو بعيداً عن مخلوقات ربه، والله يبتلي هذا ويمتحن ذاك، ويمن على هذا ويمنع ذاك.
ويروون عن ابن مسعود قوله: (والله إني لأخشى إن سخرت من كلب أن يمسخني الله كلباً) ؛ فإذا وجد العاقل إنساناً مبتلى ببلاء، فأولاً وقبل كل شيء يحمد الله أن عافاه من هذا الابتلاء؛ لأنه قادر أن يعافيه ويبتليك، فإذا حمد الله على العافية فليسأل الله السلامة لهذا المبتلى.
وفي نظري: أن مثل المستقيم والمنحرف كشخص معافى مبصر يمشي على الطريق، فوجد حفرة على جانب الطريق وشخصاً قد سقط فيها، هل يا ترى من العقل ومن الإخوة الإنسانية -لا أقول الإسلام والإيمان- أن تراه متردياً في الحفرة وتأتي بالتراب تهيله عليه، أم تمد له يدك وتحاول أن تنقذه من تلك الورطة؟ من حقه عليك أن تنقذه، وتعمل ما في وسعك لذلك.
إذاً: على الداعية إلى الله والمسلم العادي أن يحمد الله أن عافاه مما ابتلى به غيره، وأن يسأل لغيره المعافاة مما ابتلي به.
(كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم) ولذا فالعبد يحمد الله وحده على فضل الهداية، وأيضاً: من حقه علينا ﷺ عرفاناً بالجميل، ومقابلةً بالإحسان: أنه كلما جاء ذكر اسمه أن نصلي ونسلم عليه، اللهم صل وسلم وبارك عليه.
لو جئنا بخطوة أمامية أيضاً: صب الماء، ونبت النبات، وجاءت الثمرة، وأودعت في المستودع، ثم جاءت إلى المخبز، ثم إلى الطهي، وقدمت بين يديك، من الذي يطعمك هذا الطعام الذي على السفرة أمامك؟ من الذي يُقدرك على أن تبتلعها إلى معدتك؟ فكم من غني لا يستطيع أن يأكل عشر ما يأكل أحد الخدم عنده! أعتقد أن البعض الذين يقرءون الدوريات السارية عن ملك الحديد فورد، الذي كان يعيش بربع المعدة، وكان يرى العمال، فمنهم الذي يأكل قرصين وثلاثة أقراص، فكتب للعالم كله: أي طبيب يجعلني أستطيع أن آكل نصف قرص في وقت واحد فله نصف مالي.
وذلك بسبب قرحة في المعدة، وقصة معدته أنه ما بقي له منها إلا شيء بسيط، فيأخذ أشياء على فترات، ماله بين يديه ولكن لم يطعمه ربه، (كل جائع إلا من أطعمته؛ فاستطعموني أطعمكم) .
стр. 497
طلب الكساء من الله تعالى
قال ﷺ : (يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته) .
وسبق أن أشرنا إلى أن الإنسان يأتي إلى الدنيا عرياناً، والمولى سبحانه هو الذي يهيئ له الكساء قبل أن يأتي، عاطفة الأمومة تجعل الأم في أواخر الحمل تذهب وتأتي بالأقمشة، وتخيط الثياب، وتجعلها صالحة للبنت وللولد، وللمولود الذي سيأتي، والمولى سبحانه هو الذي عطف قلب الأم على أن تهيئ لك هذا اللباس، ثم بعد ذلك كبرت ونشأت تطلب الكساء، ووالله لن تجد من الكساء إلا ما أعطاك الله إياه وكساك، ولا حاجة أن نميل إلى الكساء المعنوي في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] ؛ لأن هذا داخل في باب الهداية.
وأشرنا سابقاً بأن العلماء يقولون: ثلاثة نعم لا كسب للعبد فيها: النعمة الأولى: إيجادك من العدم.
هل أنت عملت شيئاً حتى جئت إلى الدنيا؟ لا والله، حتى الأبوان ما عملا شيئاً، وإنما قضيا وطراً لهما، وما وراء ذلك فليس في استطاعتهما؛ لأن المولى يتمدح ويقول: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] فالولد هبة من الله، فجئت بفضل من الله.
النعمة الثانية: نعمة الإسلام؛ قالوا: حينما يأتي الولد من أبوين، هل كان له اختيار في نفسه أن يأتي من أب اسمه علي أو حسن أو أحمد، وأم اسمها فاطمة أو عائشة أو زينب أو سعاد؟ هل اخترت الأبوين اللذين تأتي منهما؟ ليس له اختيار، لكن الله منحه أبوة أبوين مسلمين فنشأ على الإسلام، وولد على الفطرة وبقي عليها.
النعمة الثالثة: دخول الجنة؛ فإذا أنعم الله على العبد بالهداية، كما جاء في أول نداء بعد تحريم الظلم، ثم رزقك وكساك، وأعطاك مقومات الحياة الدنيا وقال لك: إنها من الله، تلك النعم العظمى ماذا تستوجب عليك؟ تستوجب شكر المُنعم وأوائل شكر المنعم، طاعته وعبادته وإفراده بالعبودية أو بالألوهية، فلا تصرف شيئاً من العبادة لغيره؛ لأنه الذي أوجدك من العدم، والذي أطعمك وأنت جائع، وكساك وأنت عار، وهداك وأنت ضال، ليس لمخلوق حق في هذه الأمور الثلاثة.
стр. 498
طلب المغفرة من الله تعالى
من المنطق السليم أنه ما دام الله هو ربك وخالقك ورازقك ومحييك ومميتك وهاديك، فلا ينبغي أن تصرف شيئاً من العبادات لغيره لأنه أحق بها، ولكن قد يقصر العبد في شكر النعمة ولذلك جاء في الحديث:: (إنكم تخطئون بالليل والنهار) ، أي: فلا أحد معصوم، ثم يقول: (وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) ، هل هناك تودد أكثر من هذا؟! وهل هناك تقرب أكثر من هذا يتقرب به المولى لعبيده؟ والخالق لخلقه؟ وخطأ البشر بالليل والنهار أمر طبيعي؛ لأن الإنسان من طبيعته الخطأ وليس من طبيعته العصمة، فالملائكة وهم الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أما الإنسان فقد ركبت فيه عوامل طاعة والمعصية ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، فالطريقان ميسران لك.
فإذا كان الأمر كذلك والخطأ واقع، فقد فتح لك ربك باب الاستغفار وقبله منك ودعاك إليه، وقد جاء في الحديث: (لولا أنكم تذنبون وتستغفرون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم) ، وجاء في الحديث: (إذا كان ثلث الليل الأخير ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) ويبسط الله يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل؛ فأي رحمة أعظم من هذا أيها الإخوة؟! وأي رحمة أوسع من رحمة الله لخلقه؟! في وقت المعصية، وفي حالة العصيان يدعوهم للتوبة وللاستغفار، اللهم لا حول ولا قوة إلا بك.
بعد تعداد النعم عليهم من الهداية والإطعام والكساء، ينبههم سبحانه على أنهم سيقصرون، وسيقع منهم الخطأ وا لذنب، فيندبهم للاستغفار واللجوء إليه فيقول لهم: (فاستغفروني) .
استغفر كاستفعل، أي: طلب المغفرة، وسيد الاستغفار كما جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ... ) إلى آخر الدعاء، فيستغفر الإنسان ربه.
والرسول ﷺ يقول: (توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) ، فالرسول كان يستغفر ربه، لكن لا عن ذنب، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعصم من المعصية، ولكن رفعاً للدرجات وتعليماً للخلق، فإذا كان مع غفران الذنوب يتوب ويستغفر في اليوم مائة مرة، فمن يكون منغمساً في الذنوب فمن باب أولى أن يستغفر ويتوب في اليوم مئات المرات.
стр. 499
لا يبلغ العبد نفع الله تعالى ولا ضره بصلاحه أو فساده
يأتي بعد هذا (يا عبادي!) .
بعد أن يندبهم للاستغفار هل دعاهم لمصلحة تعود عليه؟ هو المنعم عليهم بالهداية، ومن الهداية أن يستغفروا، فالاستغفار هو من هداية الله، وهو الذي أطعمهم من الجوع، وهو الذي كساهم في العري، ثم يدعوهم للاستغفار، وبعد أن يدعوهم للاستغفار يبين لهم أن ذلك ليس فيه مصلحة تعود عليه، فيقول: (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) أي: بعصيانكم وعدم استغفاركم (ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) أي: إن استجبتم واستغفرتم، وكذلك هدايتكم لن تنفعني، وعدم هدايتكم لن تضرني! إذاً: تلك التكاليف كلها لمصلحة الإنسان، وهنا يمكن أن يقف الإنسان وقفة طويلة ويناقش المعتزلة في أن العبادات والأحكام غير معللة، وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، وأن له أن يكلف الخلق بما شاء، وأرجو من طلبة العلم أن يبحثوا ويتقصوا ذلك، مع أنه ما من أمر أو نهي موجه للخلق إلا وفيه لهم جلب نفع أو دفع ضر، فإنه لا يوجد أمر واحد في كتاب الله أو نهي واحد لا يعود على المكلف بخير.
أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة، كتب عليكم الصيام، مثلاً: الصلاة: نحن كلنا نقول إنها عبادة بدنية وحق لله تعالى، ولكن هل خلا العبد من مصلحة في الصلاة؟ الصلاة محض حق لله، ومع هذا فإن لها مردوداً كبيراً على العبد، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] وأي فائدة أعظم من تطهير المجتمع الإسلامي من الفحشاء والمنكر؟! بل قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] فهي عون على نوائب الدنيا، فتبين أن الصلاة حق لله وأن مردودها للعبد.
وكذلك الصلاة نور في الدنيا تنير البصائر، ونور في الآخرة على الصراط؛ إذاً: الصلاة وهي محض عبادة بدنية مردودها على العبد حالاً، وهل تبلغ نفعه سبحانه؟ لا والله، هي راجعة لكم أنتم.
كذلك الصيام: تجوع وتعطش، وجاء في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه من أجلي) ، فالصيام في أول تشريعه ينص على الحكمة والثمرة العاجلة، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ، وإذا حصلت التقوى للعبد، أليس كل خير جاء مع هذه التقوى؟ بلى.
أيضاً: الزكاة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، فهي حق للمسكين والفقير في مال الغني، فلو لم تأت آيات الزكاة وتُرك الأمر لضمير الإنسان، فإنه يرى أخاه من أمه وأبيه وقد نشأ معه في بطن واحد، ولكنه عجز عن الكسب وأخوه كسب شيئاً كثيراً، فالأخوة من حيث هي لا تتركك تبيت الليلة متخماً وتوأمك خامداً جائعاً، ولا ترضى أنت بهذا، بل الحيوان لا يرضاه، فإنه إذا وجد ما يشبعه ترك الطعام لغيره، فإذاً: جاء الإسلام وجعل فيها الأجر والتطهير والتزكية والنماء.
وإذا جئت إلى الحج تؤم بيت الله، وتطوف بالكعبة، وتقف بعرفات، وترمي الجمرات، وفي هذه المناسك حكم غالية، منها: ﴿ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] .
إذاً: (يا عبادي! أنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) ، وإنما جزاء أعمالكم عائد لكم أو عليكم.
стр. 500
شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع والعشرون [٣]
стр. 501
سعة ملك الله وجزيل عطائه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين؛ سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أجمعين.
أما بعد: فقد قال ﷺ فيما يرويه عن ربه : (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نسه) .
هذا آخر الحديث، يبين لكم أن المسألة راجعة لكم أنتم.
فهنا قال أخرى: (يا عبادي!) يناديهم شفقة بهم ورحمة، لا لمصلحة يُحصلها منهم، وأي مصلحة عندهم؟! فالعبد صنعه وخلقه، طعامه من عنده، وكسوته من عنده، وهدايته ورزقه من عنده، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٨] خزائنه ملأى على ما سيأتي إن شاء الله.
ينبه القاضي عياض وغيره من علماء التربية والتوجيه هنا إلى شيء مهم، وهو من نفائس الكلمات، لماذا قال: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم) ، قالوا: لأن وحدة القلب في التقى أشمل وأجمع وأعم.
وبعض العلماء يقول: من هو هذا الرجل الذي يكونون على أتقى ما يكون على قلبه وحده؟ بعضهم يقول: النبي ﷺ .
وفي المقابل: (على أفجر قلب رجل) قالوا: هو الشيطان، وأنه فرد من الجن؛ لأنه قال: (وإنسكم وجنكم) ومن باب المجانسة فرد من الجن يعتبر كرجل، والله تعالى أعلم بذلك.
إذاً: الطاعة لا تزيد في ملكه سبحانه، والمعصية لا تُنقص من ملكه.
ثم قال : (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني) كلٌ بأمانيه: (فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المحيط إذا أُدخل البحر) ، هذه الصورة يقول فيها القاضي عياض: لماذا هذه الصورة التي تجمع الخلائق كلها؟ لماذا لم يُعط كل واحد مسألته على حده وانفراده؛ بل قال: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد) ؟ الصعيد: الأرض المنبسطة، أي: لو أن الخلائق كلها من الإنس والجن فعلوا ذلك ما ضرني فعلهم.
стр. 502
إثبات وجود الجن
والجن موجودون، ومن ينكر ذلك ينظر في الدليل، ولقد رأى النبي ﷺ الجن وبايعهم وصرفهم الله إليه ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] ، ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:١-٣] يا سبحان الله! كما قال ﷺ ليلة التقى بهم: (للجن أحسن جواباً منكم، وكلما قلت: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] قالوا: ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب) ، فكأنه يقول لهم: أنتم ما أجبتم، فكأن الجن كانوا أفقه وأحسن جواباً منكم.
ولما جاء مال البحرين وجاء الجني في صورة إنسان يسرق قبض عليه أبو هريرة، ولما اعترض الجني لرسول الله وهو يصلي بالليل، همّ أن يمسكه، ثم تذكر قول نبي الله سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] ، يقول ﷺ : (لولا دعوة أخي سليمان لأمسكت به إلى الصباح حتى ترونه ويلعب به صبيانكم) >فإنكار الجن إنكار للواقع ومكابرة له، ولا أريد أن أخرج بكم عن الموضوع، ولكن كان شخص يسكن معنا هنا في المدينة اسمه محمود جاوي كان إذا قرأ القرآن تحتاج أن تصغي إليه لتسمع منه، وكان لا يرفع صوته، ولكن لو قرأ شهراً كاملاً لم تنصرف عنه، فقد كانت قراءته هبة من الله سبحانه، فجاءني يوماً مذعوراً، فقلت: ماذا دهاك يا محمود؟ قال: لا أستطيع أن أخبرك، قلت: لماذا تأتيني إذاً؟ قال: وقع أمس أمر عجيب، وقبل أمس، وقبل أمس، منذ أسبوع إلى الآن وأنا نائم، فإذا بي أسمع باب الغرفة يفتح، فنهضت إلى الباب قال: يا محمود خليك، قال: نهضت إلى السراج طبعاً ولم يكن هناك كهرباء، أخذت الكبريت لكي أشعل الفانوس، فقال: لا تشعل النور.
قلت له: من أنت؟ قال: واحد من جيرانك هنا.
قلت: ماذا تريد؟ قال: قم واقرأ القرآن.
قال: قمت من الخوف وقرأت وأنا أرتجف، قال: أنت خائف، لا عليك يكفي قراءة هذه الليلة فنم، ومن الغد آتيك في الموعد.
ولما جاء كنت أقل خوفاً، فقرأت حوالي نصف ساعة، وفي الليلة الثالثة جاء على الموعد فقرأت نحواً من ساعة، وفي الليلة الرابعة كأني استأنست به، ثم جاء فقلت: إني متعب أريد النوم، فقال: قم واقرأ، ثلاث مرات، ثم قال لي: أما تستحي! إنما آتيك وأطلب منك قراءة القرآن، ولم أطلب منك عشاء وكسوة ومالاً، وإنما أطلب منك أن تقرأ القرآن، ثم تقول: أريد أن أنام، غداً ستنام في القبر طويلاً.
يقول: فانتقلت.
وذكر لي المحل الذي انتقل منه، وكان يسمى (سقيفة الرصاص سابقاً) .
قال: فمن الغد جاءني وأيقظني قال: عجباً يا محمود! نحن كلانا مهاجر في المدينة، أتريد أن تخرج منها؟ أم تريد أن أتركك؟ قلت: اتركني.
وأنا لا أقول هذا استشهاداً على وجود الجن، ولكن تأكيداً للذين يستبعدون أن يكون هناك جن، والرسول ﷺ أخبرنا: (بأنهم يهاجرون إلى المدينة كما تهاجرون أنتم) ، ونهى عن قتل الحية البيضاء قبل أن تآذنها لما وقع في غزوة الخندق، حيث كانوا يحفرون الخندق، وكان رجل حديث عهد بعرس فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى بيته، فقال: (خذ سلاحك معك إني أخاف عليك يهود ولا تحدث شيئاً) ، فجاء الرجل وعندما أقبل على باب البيت فإذا عروسه الجديد واقفة على الباب، فأخذ سيفه غيرة من أن تقف على الباب هكذا، فقالت: لا تعجل، ادخل بيتك وانظر فراشك، فدخل البيت فإذا بحية على طول الفراش، فأهوى عليها بالسيف فضربها، تقول الزوجة: والله لا أدري أيهما كان أسبق موتاً، فذكر الخبر لرسول الله ﷺ ، فقال: (إنه من مهاجر الجن إلى المدينة انتقم له إخوانه، إنهم يهاجرون إليها كما تهاجرون أنتم، فإذا رأيتم شيئاً من هذه الحيات في بيوتكم فلا تقتلوها حتى تآذنوها ثلاثاً) .
стр. 503
الإعجاز في قوله: (في صعيد واحد)
قوله: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد) هنا يأتي السؤال السابق: تجمعهم في صعيد واحد يسألون في وقت واحد فيُعطي الجميع عطاؤه في وقت واحد، ما الفرق بينه وبين أن يُعطي كل إنسان مسألته على حدة؟ من يوم ما نزل آدم إلى الأرض وهو يعطي عباده مسألتهم، إلى أن جاء هذا الحديث بعد بعثة النبي ﷺ وإلى اليوم؛ لكن على انفراد.
هذه الصورة لو مثّلنا بمثال بسيط بطلاب فصل، العدد النظامي للفصل ما بين الثلاثين إلى العشرين، فمثلاً: دخل الأستاذ فبدأ الطالب الأول وسأل سؤالاً وأجابه، والثاني وهكذا على الترتيب حتى انتهوا، هل هناك مشقة على الأستاذ؟ لا، ويمكن نقول إن الأستاذ متمكن من المادة فأجاب على الجميع.
لكن إذا قام كل من في الفصل وكل واحد يسأل عن مسألته، فهل يستطيع أن يجيب الجميع في تلك اللحظة؟ وهل يستطيع أن يفهم كلامهم؟ هل يستطيع أن يسعهم بصدره؟ فهنا إذا كثر السؤال اختلطت الأصوات واختلطت الأحوال، لكن المولى سبحانه لا تشتبه عليه الأصوات، ولا تختلف عنده اللغات، ولا يتكاثر عليه السؤال، فيجتمع الأولون والآخرون من إنس وجن في صعيد واحد وكلٌ يطلب مسألته فيعطيه في الحال، أي قدرة هذه؟! تأمل هذا بعقلك وتصوره، ألم نشهد جزئية صغيرة من هذه كل سنة في الحج، ألم يجتمع الحجاج في عرفات، وكلٌ يرفع يديه إلى الله، ويدعوه بلغته، فأنت بجانب شخص لا تفهم لغته، والآخر بجانبك لا يفهم لغتك، لكن هل اختلفت على الله؟ ندخل في الصف عربي وعجمي وهندي وطويل وقصير، كل إنسان يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، ثم يسجد ويدعو بلغته، وكل واحد له حاجته ومسألته.
فكما يقولون: كثرة الناس تُدهش، وكذلك كثرة المسألة، فلو جاء ألف شخص لأكبر إنسان عنده خزائن الدنيا وطلبوا أن يسعفهم في يوم واحد -لا نقول في لحظة- فإنه لن يقدر أن يصرفهم، مجاعة مصر لما كانت في زمن العزيز ويوسف على خزائن الأرض، كان كل واحد له كيل بعير بتالعداد والنظام.
إذاً: هذه الصورة من الإعجاز، أن يقوموا في صعيد واحد من إنس وجن، السابق واللاحق، ويسألون حاجاتهم المختلفة كل على حدة وفي لحظة واحدة، ويعطي الجميع مسألته، كم يكفيهم هذا لو كان كل إنسان يطلب درهماً واحداً فقط، ماذا يكفي هذا العالم كله؟ معاوية لما جاءه أعرابي وقال: يا أمير المؤمنين! أسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا وصلتني، قال: من أين أنت؟ قال: من كذا، وما الذي يجمعني معك في الرحم؟ قال: يجمعني أنا وأنت آدم وحواء، قال: صدقت، والله إنها لرحم أصيلة وثابتة ولها حق، وأخذ ورقة وكتب إلى وزير بيت المال.
ففرح الأعرابي بصلة رحم أمير المؤمنين، الرحم القوية الكبيرة آدم وحواء، ولما جاء الأعرابي بيت المال فإذا به يعطيه درهماً واحداً، قال: هل تهزأ بي، أهذه صلة أمير المؤمنين لرحم آدم وحواء؟ قال: هذا الذي كتب لك، قال: دعها عندك، ثم رجع إلى معاوية: ما هذا يا معاوية! هذه صلة رحمك بآدم وحواء بدرهم؟! قال: اصبر يا أخا العرب! والله لو أني وصلت هذه الرحم ما بقي في بيت المسلمين ولا درهم.
стр. 504
البلاغة في قوله: (ما نقص ذلك من ملكي شيئاً)
رب العزة يقول: (لو أن أولكم وآخركم) يعني: حيكم وميتكم، (وإنسكم وجنكم) بل ولو قامت حتى حيواناتكم ولها مطالب، (وأعطيت كل سائل مسألته) ، ما الذي سوف يحصل؟ (ما نقص مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر) .
انظروا الأساليب! أين الأدباء والبلغاء والكتاب؟ لو قال: ما نقص شيء، لكانت الكلمة تمر هكذا على الأذن بلا تأثير، ولكن هذا الأسلوب يعطي في ذهنك صورة عملية وأنت الذي تحكم، يقول لك: أنا أُعطي، لكن ما الذي سيحصل؟ خذ إبرة واغمسها في البحر وارفعها، وانظر قدر ما نقص من البحر، فذلك هو الذي سينقص عندي، أنت بنفسك تقول؟ ليس بناقص شيئاً، وذلك وذلك كما في الآية الكريمة: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤] ، لو قال لك: ليس ببالغه شيء، لما انطبعت الصورة، لكنه يصور لك صورة (كاريكاتورية) كما يقولون عنها، إنسان عطشان ويأتي على حافة بئر أو نهر ويفتح فمه ويمد كفه مبسوطة والماء بعيد في قعر البئر فهل يصله الماء؟ ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت:٤١] : ومتى يسكن الإنسان بيت العنكبوت، كأنك تقول: لا شيء.
وهنا وقفة مع قصة الخضر مع موسى ﵉، لما جاء العصفور وشرب، وقال له: ما ينقص علمي وعلمك إلا كما ينقص البحر من هذا العصفور.
في كلمة: (إذا أدخل البحر) أي البحار يريد؟ أظن أهل الجغرافيا يقولون: البحار هي المحيطات: الهندي والهادي والأطلسي والبحر الأبيض، وأظن أن البحر الميت لا يسمى بحراً ولكن بحيرة لوط، والحديث يقول: (إذا أدخلت في البحر) ، فهل في نظر القرآن تلك البحار بحار متعددة أو هي بحر واحد؟ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] .
إذاً: تسمية الجغرافيين البحار إنما هي بتسمية أماكنها التي تمر بها، وجميع بحار العالم بحر واحد، ونحن نعرف هذا، فكلها متصلة لا يوجد حاجز بينها، وكما يقولون: ربع الأرض يابس وثلاثة الأرباع مياه، إذاً: في البحر يعني في بحار الدنيا التي تسمونها كذا وكذا.
والجواب أنه لم ينقص شيء، وهنا يقول العلماء: إن المولى سبحانه خزائنه ملأى، وفي بعض العطاء كلام ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
стр. 505
إثبات صفة الكلام لله تعالى
أحب أن أنبه على بعض المواقف لبعض الشراح لهذا الحديث، يقول: إنه ليس هناك قول يقال: كن، ولكن تقدير ما يمكن في زمن كن، ويكون المراد: إذا تعلقت الإرادة بالمراد حصل.
وهذه زلة اعتزالية، يريدون بها أن ينفوا عن المولى سبحانه قوله: (كُنْ) ، بل المولى سبحانه له صفة الكلام وهي صفة قديمة أزلية، أزلية الصفة متجددة الحدوث، كما في قوله ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ؛ لأنه بكلماته يأمر هذا فيتسلط على هذا، وينهى ذاك فيكف عن إيذاء ذاك، وكذلك في الحديث: (إذا كان ثلث الليل الأخير ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول) ، هل يقول بالإرادة أو يقول كما قال سبحانه؟ نقول: كما قال الله، كيف يقول؟ كيف يتكلم؟ هذا ليس لك ولا يحق لك أن تتساءل عن ذلك؛ لأنك تصف الله بما وصف به نفسه على مراده وعلى حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
стр. 506
سرد لمعاني الحديث العامة
(حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) ، أي: فتخلقوا بأخلاق الله، وبصفات الله، ثم جاء بعد ذلك: إفاضته نعمه على العبد، وتحريم الظلم نعمة كبرى، لو أن الله ترك ذلك لعباده لكان القوي يأكل الضعيف، وكانت أكبر نقمة على المجتمع، لكن الله يحجبهم ويمنعهم عن الظلم، فهي نعمة كبرى، الأمم التي لا تدين بأديان، والعرب عندما كانت في الجاهلية كانت تقول: من عز بز ومن غلب اغتنم.
الآن في الوقت الحاضر، الأمم المتسلطة هي القوية، الدولة الضعيفة الآن لا حول ولا قوة لها إلا بالله، اللغة التي تفهمها الأمم هي لغة القوة، لأنه ليس المقياس دينياً بخلاف الإسلام دين الله، ففيه العدالة، والرحمة، والرأفة، والصلة، والمساعدة، فأول نعمة من نعم الله على الأمة في هذا الحديث أنه حرم الظلم، وإذا ارتفع الظلم جاءت العدالة, وإذا وضع ميزان العدل في الحياة استقرت ووجد الأمان والطمأنينة وسعد الناس في ظلها.
حرم الظلم، ثم هدى من ضلال، ثم أطعم من جوع، ثم كسى من عري، ثم غفر ما كان من ذنب، فماذا تريدون فوق هذا؟! من الذي سيأتي بشيء آخر؟ ماذا بقي من مطالب الخلق؟ بقيت الجنة، إن شاء الله إذا جاءوا إلى الجنة وجدوا أبوابها مفتوحة.
ثم يبين غناه المطلق، وأن عطاءه فضل محض منه سبحانه، ويقول للعباد: أنتم لا تقدرون على ضري، ولن تستطيعوا نفعي، وأنا مستغن عنكم، ثم يأتي يبين غناه وسعة فضله، فكأنه يقول: التجئوا إليه واطلبوه.
ثم ختاماً لهذا العرض الكامل: دعاكم للاستغفار وأنتم مخطئون ومحتاجون للاستغفار، فالخطأ من لوازم البشر؛ لأن الإنسان ليس معصوماً، وأفراد البشر المعصومون هم الرسل لأدائهم الرسالة، ليكونوا نموذجاً كاملاً في البشر لما يمكن أن يصل إلى درجة الكمال في الإنسان، وما عدا ذلك فهم يخطئون.
стр. 507
إحصاء الأعمال واستيفاؤها يوم القيامة
أخيراً قال: بينت لكم ودعوتكم وعرضت عليكم ولم يبق إلا أن تتدبروا: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم) الإحصاء والإحصائية مأخوذة من الحصى، الحصى تجمع من أجل أن تعد، فالإحصاء العد عن طريق الحصى، وهو العد المنضبط بحيث لا تزيد حصاة ولا تنقص حصاة.
فقال هنا: (أحصيها لكم) ، فعل (أحصى) يتعدى باللام ويتعدى بعلى، يقول: أحصيت لك ما لك عندي، أحصيت عليك ما لي عندك، وهنا الحديث يقول:: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم) وهذا من فضل الله وكرمه.
لفتة كريمة في الحديث تنبه شعور المسلم إلى سعة فضل الله الكبير المتقدم: لو اجتمع أولكم آخركم، إنسكم جنكم فأعطيتكم كل شيء ما تغير عندي شيء، إذاً: من كرمه أن يحصي لنا الخير ولا يحصي لنا الشر، ولو كان يعاملنا بالشر كما يعاملنا بالخير لقال: (أحصيها لكم وعليكم) ؛ لكنه لم يقل: (عليكم) ولم يقل: (لكم وعليكم) مع أن أعمالنا قسمان: عمل خير وعمل شر، وهي تحسب بالذرة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] لكن الكلام هنا في معرض المنة، ففي معرض العطاء والرحمة وإفاضة الخير قدم جانب الخير، وكأنه غطى وألغى جانب الشر.
الحديث له ذوق وإحساس، وليس مجرد قوالب وألفاظ، لكن نأخذ من غضون الكلمات والتعبير -ويكفي أنه حديث قدسي-: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله) ، فمقابل الخير الشر، ولكنه لم يقل: (ومن وجد شراً) ، وكأنه استمرار في إخفاء جانب الشر.
نرجع مرة أخرى: (إنما هي) ، هي: ضمير فصل مؤنث، فهل هو مفسر لمجمل قبله، أو هو كما يقولون: ضمير القصة وضمير الشأن، فقوله: (إنما هي) أي: القصة والحالة، أو أن هناك مسبوقاً ظاهراً يرجع إليه هذا الضمير؟ الراجح أنه ضمير راجع إلى مذكور.
لما قال سبحانه: (إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني) يبقى هنا خطأ استغفار، وكل من الخطأ والاستغفار من عمل الإنسان، إذاً: (إنما هي أعمالكم) إن أخطأتم وإن استغفرتم، فإن استغفرتم فلكم المغفرة، وإذا كان الاستغفار مطلوباً كالتوبة من باب أولى.
إذاً: (إنما هي) يرجع إلى الأعمال المعروفة المطوية في قوله: (تخطئون في الليل والنهار، فاستغفروني أغفر لكم) .
إذاً: (إنما هي) أي: أعمالكم، وقد صرح بها في قوله: أحصيها لكم.
(أحصيها لكم) : أحصيها: أضبطها، هناك في سورة الكهف ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] أي: عدداً وضبطاً ونوعاً، وقال: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] هي أعمالكم فربك لا يظلم، وكذلك ما تقدم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] ، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران:٣٠] ، فلا يغيب عنه شيء.
إذاً: أعمالكم، لا نريد أن نقف مع المعتزلة في إسناد العمل إلى العبد، وادعائهم أن العبد يخلق عمله، ومعارضة القضاء والقدر، بل نقول: إن الله خلق الإنسان وخلق له القدرة، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، وجعل له اختياراً فيما يذهب إليه، وكل ما كان في الكون فلا يخرج عن إرادة الله وعلمه، وهذا موقف زلت فيه أقدام لا حاجة لنا به؛ لكن تنبيهاً لطلبة العلم عند المرور على هذه النقطة في شرح الحديث، فإن الله أضافها للعبد على سبيل الكسب.
стр. 508
بيان فضل الله على عباده في الجزاء
(إنما هي أعمالكم أحصيها لكم) وهذا الإحصاء يشمل الصغير والكبير: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، إلا أن فضل الله كما جاء في الحديث: أن العبد إذا اكتسب حسنة بادر ملك الحسنات فسجلها حالاً، وإذا ارتكب سيئة يريد ملك السيئات أن يبادر بكتابتها فيمنعه ملك الحسنات؛ فلعله يستغفر، أو يتوب، ولعله يرجع، فإذا مضت المدة الكافية ولم يستغفر ولم يتب ولم يرجع إلى الله وما بقي إلا أن تُكتب؛ فإن صاحب الحسنات يكتب الحسنة عشرة، وصاحب السيئات يكتبها واحدة.
فإذا ما استغفر وتاب بعد ذلك، فإن الله يبدل سيئاتهم حسنات، فانظروا إلى فضل الله: الحسنة تضاعف إلى عشرة أضعاف بل إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء، والسيئة واحدة.
وإن استغفر استبدلت، ومن همّ بسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة، كما جاء في الحديث: (الناس أمام أمور الدنيا أربعة أقسام: رجل أعطاه الله مالاً وعلماً يعرف حق الله فيه فهو في أعلى عليين) فاجتمع له الدين والدنيا، (ورجل أعطاه الله علماً ولم يعطه مالاً، فقال: لو كان لي من المال لعملت فيه مثل ما يعمل فلان -أي: في طريق الخير- فهو معه في الأجر سواء، ورجل لم يعطه الله علماً وأعطاه مالاًَ فلا يعرف حق الله فيه فهو في أسفل الدركات، ورجل لم يعطه الله مالاً ولا علماً قال: لو أن عندي مالاً لعملت فيه مثل ما يفعل فلان، فهو معه) ، فاثنان جوزيا بالفعل واثنان بالنية، فصاحب نية الخير لحق صاحب الخير بنيته، وصاحب نية الشر لحق صاحب نية الشر بقصده وإرادته ورغبته.
стр. 509
قضاء الله بين عباده بالبينة
قوله: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها) : هذه التوفية والوفاء بغير نقصان، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ولماذا الإحصاء؟ فالمولى سبحانه إذا حاسب العبد من عنده بدون إحصاء ولا كتابة فلا أحد يملك الاعتراض عليه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] وهو لا ينسى عمل أحد ولا يحتاج إلى إقامة الأدلة على أحد ولكن يكتبها لإقامة العدل ونفي الظلم الذي بدأ في الحديث أولاً: (حرمت الظلم) ، وعند الحساب يأتي بالبينة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] .
يوم تشهد عليهم الأيدي والألسن والأرجل، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] ، أتنكر يا عبدي؟! ألم تفعل كذا وكذا؟ فيقول: ما فعلت، فتقول اليد: ضربت وقتلت وسرقت، وتقول اللسان: اغتبت وكذبت وقلت، وكل الأعضاء تشهد بما عملت.
وإذا كان رب العزة يقضي بالبينة، فكيف تقضي أنت يا أيها العبد بغير بينة؟ ولذلك أجمع الأئمة الأربعة وغيرهم على أن القاضي في منصة الحكم لا يقضي بعلمه، فلو مشى في الطريق ورأى زيداً يسرق بيت عمرو ومن الغد جيء بالسارق بين يديه، وجاء عمرو يقول: هذا سرق بيتي، فعليه أن يقول: أنا الآن في منصة القضاء ولابد من البينة؛ فإن جاء بشهوده قضى بمقتضى الشهود، وإن لم يأت لم يجز له أن يقضي بما علمه هو.
ولذا جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً اشتكى إليه في قضية حصلت أمام عمر، ثم بعد ذلك حصلت فيها منازعة، فجاء المدعي وقال: يا أمير المؤمنين! القضية كذا وكذا، قال: بينتك، قال: أنت تعلم، قال: إن أردتني قاضياً فائتني بشهود، وإن أردتني شاهداً فاحتكم عند غيري واستشهد بي) .
стр. 510
صورة من قضاء النبي ﷺ
في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (اختصم رجلان إلى النبي ﷺ في مواريث درست معالمها ولا بينة عندهما) ، أي: ميراث قديم؛ كان جدهم قد ترك بستاناً أو بيتاً، لكن أين معالمها؟ اندثرت، أين البينات؟ لا توجد، فهي قضية مغلقة ليس لها رأس ولا أرجل.
فقال ﷺ وهو الصادق المصدوق وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهو الذي يبلغ من الله بأقل شيء في الصلاة، كان في نعليه أذى فجاء إليه جبريل فأخبره، فخلعه في أثناء الصلاة، ولم ينتظر حتى يكمل، وحفصة ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم:٣] ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] ، فيقول لهما.
: (إنكم تختصمون إليّ وأنا بشر -أي: من حيث القضاء، وجانب البشرية لا النبوة والرسالة؛ لأن القضاء عمل بشري وأنا بشر- ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن استقطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقتطع له قطعة من النار) إلى آخر الحديث.
فكان كل منهم يقول: نزلت عن حقي لأخي ولا أريد شيئاً، فكانوا متخاصمين ثم صاروا متصالحين.
لكن هنا تنبيه للحكام والقضاة: الإنسان حينما يقع تحت تأثير العاطفة أو يقظة الضمير يكون ذا حساسية وشفافية وزهادة، فانظر إلى هؤلاء بعد أن كانوا متشاحين ومتخاصمين لما سمعوا (قطعة من النار) تنبه الضمير، وكل كأنه يرى سعير النار ولهبها يلفح وجهه فتنحى وتباعد، لكن بعد هذا المجلس قد يرجع إلى طبيعته وتهدأ عواطفه ويبرد إحساسه ويرجع يتأسف، ولذا لا ينبغي للحاكم ولا للقاضي أن يأخذ الشخص عند تأثير العاطفة، فقال ﷺ : (أما وقد قلتما ذلك؛ فارجعا واقتسما وتحريا في القسمة واستهما، وليبح كل منكما صاحبه) .
انظروا إلى النقاط: (ارجعوا فاعملوا قسمة، وتحروا في القسمة، وذلك حتى لا تعود بعد أيام وشهور وسنين وتقول: يا ليتني فعلت، ضحك عليّ، فمن الآن تحريا، وبعد التحري استهما واعملا قرعة، وبعد القرعة كل واحد يقول للثاني: سامحني.
يهمنا أنه يقول: (لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع) مع أنه لو ترك الأمر إليه واجتهد ولم يصب الحق لأتاه الوحي حالاً لأنه لا يقر على خطأ.
وهذه والله رحمة للمسلمين، فإذا كان النبي يأتيه الوحي في كل قضية، فالقضاة من بعده من أين يأتون بالوحي، فوضع منهج البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
وهنا: (أحصيها لكم) ، وبمقتضى هذا الإحصاء أنتم تشهدون عليه، فكل إنسان يقرأ كتابه وكفى بنفسه على نفسه حسيباً، فكل إنسان يقر على نفسه، وكما يقولون: الإقرار سيد الأدلة، وانظر في آية الدين: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] بعد ذلك: ﴿كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، ثم: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، لم يقل: الذي له الحق، بل الذي يملل على الكاتب هو الذي عليه الحق؛ لأن كونه يملي على الكاتب فهو إقرار منه، فإن كان الذي عليه الحق ضعيفاً أو سفيهاً أو لا يستطيع أن يملي الكاتب فيملي وليه.
فهذا إقرار من الولي عن موليه في هذا الدين، فالإقرار سيد الأدلة.
وهنا أنت تقرأ كتابك وترى عملك بنفسك، إقامة للعدل ومقتضى تحريم الله الظلم على نفسه.
(ثم أوفيكم إياها) : التوفية: الجزاء الوافي بدون نقص.
стр. 511
توفية الله لحقوق كلا الفريقين بالجنة والنار
وهنا: (فمن وجد خيراً -مما عمل- فليحمد الله) يحمد الله على ماذا؟ نرد على المعتزلة بسرعة، هنا: وجد خيراً فيما عمل وأحصاه الله له: هذا الخير الذي وجده العبد من عمله يوم القيامة، من جانب الله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤] ، فالحمد لله.
إذاً: الفضل كله راجع لله، وفي نهاية المطاف نحمد الله، هنا يقول بعض العلماء: سبعة من لازم عليها عاش سعيداً ومات حميداً، يقول: إذا بدأ عملاً قال: باسم الله، وإذا ختم عملاً قال: الحمد لله، وإذا رأى ما يكره قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا رأى ما يعظمه قال: لا إله إلا الله، وإذا أصيب بمصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أذنب قال: أستغفر الله، وإذا أراد أن يفعل شيئاً قال: إن شاء الله.
ولهذا كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول عند قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة:١٨٦] يقول: إني لا أهتم بالإجابة فقد وعد بها الله، بقدر ما أهتم أن يوفقني للدعاء، فإذا وفقني للدعاء فقد استجاب.
إذاً: فمن وجد خيراً فليحمد الله؛ لأن الله الذي وفقه وهداه، وهذه نتيجة الهداية، إذاً: الحمد هنا راجع لله، لأنه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فالعبد هو وعمله من الله .
(ومن وجد غير ذلك) ، كان في المقابل: ومن وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه، ولكن قال: (ومن وجد غير ذلك) ، ومعنى (غير ذلك) : الشر، ولكن كما يقول العلماء: المولى سبحانه نزه الحديث أن يصرح فيه بالشر، فكيف بك أنت تقع فيه إذا كان مجرد ذكره لا ينبغي: فمن السمو في الأدب ألا تصرح بشيء مكروه، فكيف بك أن تفعله وتنغمس فيه.
ولماذا خص النفس؟ لأن نفسه هي التي أغوته وطلبته وراودته وهواه هو الذي غلب عليه، فكما أنه أطاع نفسه في ذاك الذنب في الليل والنهار ولم يستغفر، فليرجع على تلك النفس باللوم، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية:٢٣] .
إذاً: فلا يلومن إلا نفسه، وكما جاء في الحديث: (والشر ليس إليك) ، أي: لا ننسبه إلى الله تنزيهاً، ولا نحتج بالقدر على وقوعه، فإن لك الاختيار ولك كل إمكانيات الفعل وعندك الطريقان، وكما تقدم: (كل الناس يغدو؛ فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) قالوا: إذا أصبح العبد في الصباح وغدا في النهار من بيته، وجد رايتين على باب بيته، إحدى الرايتين هي لملك من ملائكة الرحمن، والأخرى بيد شيطان، فإن خرج في ظل راية الملك فهو في طاعة الله، وقد باعها إلى الله، والعكس بالعكس.
يقول بعض العلماء: إن يحيى ﵇ خرج يوماً فلقيه إبليس قال: أخبرني عن أصناف الناس؟ قال: أنت وإخوانك الرسل عصمهم الله منا، فاستراحوا منا واسترحنا منهم، وقسم هم في أيدينا كالكرة في يدي الصبي نلعب بهم كيف شئنا، وقد أراحونا من أنفسهم، وقسم لم نيأس منهم ولم نتركهم قال: من؟ قال: قوم نجلب عليهم ونوقعهم في المعاصي ونحملهم عليها، فإذا بالواحد ينتبه في لحظة فيستغفر الله فيغفر له، فكل الذي بنيناه يهدمه، فنرجع مرة أخرى؛ فلم نيأس منهم، ولم نطمع فيهم، ولم نسترح منهم) .
إذاً: (ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) ؛ لأنها هي التي حملته على تلك الطريقة وأبعدته عن منهج الله الذي يدعوه ليل نهار ليستغفر فيغفر له.
وهكذا أيها الإخوة! في هذا الحديث بدأ بالتحذير عن أعظم ذنب أو أخطر مسلك وهو الظلم، وانتهى بالتحذير والتهديد بأن كل ما عملته يحصى وتلقى الله على ما قدمت، إلا أن هناك جوانب يذكرها العلماء: بأن هذا الإحصاء أكثر ما يكون للخير، ولذلك قال: (أحصيها لكم) لأن ما كان عليكم قد يمحى فلا يكون موجوداً يوم القيامة، بخلاف الخير فإنه باق محفوظ كله.
وهناك تكون المقاصة بالأعمال والحسنات والسيئات على ما يأتي بالحديث الذي بعد هذا، وحديث البطاقة الذي بيّن ﷺ فيه سعة فضل الله ﵎ على العبد، وهو حديث الرجل الذي جيء به وله سجلات من السيئات قد رجحت بكفة ميزانه وأيقن في نفسه أنه هالك، فقال الله سبحانه: (أنظروا عبدي، فإن لك عندنا أمانة، فيؤتى ببطاقة، يقول: هذه أمانتك عندنا، فيقول: رب وما تفعل تلك البطاقة بتلك السجلات) .
وماذا في تلك البطاقة؟ فإذا فيها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، فتوضع في كفة الحسنات فتثقل بها وتطيش كفة السيئات، فهذه مما أحصاه الله للعبد، وقد لا يدركه، ولكن كما يقول العلماء: في حديث: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) ، والأحاديث التي تقيد هذا: (إلا بحقها) وحقها: العمل بأركان الإسلام، أو امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
والله أسأل أن يعاملنا بلطفه وإحسانه وفضله، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ ، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 512
شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس والعشرون [١]
стр. 513
شرح حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي ذر ﵁: (أن ناساًَ من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحه صدقة، وكل تكبيره صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم] .
هذا الحديث النبوي الشريف عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وتقدمت إشارة إلى ترجمة أبي ذر في ذاته وشخصه ومنهجه في حياته، وهنا يقول أبو ذر رضي الله تعالى عنه: (إن ناساً من أصحاب النبي ﷺ جاءوا فقالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، قال: وكيف ذاك؟ قال: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، ولا مال لنا) إلى آخر الحديث.
في مستهل هذا الحديث: (أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ ، وفي بعض الروايات: (من فقراء المهاجرين أو الأنصار) ؛ قوم جاءوا إلى رسول الله ﷺ رغبةً في الخير وغبطةً لإخوانهم، رءوا بعض المسلمين يتساوون معهم في العبادات البدنية من صلاة وصيام، وهذا الكل فيه سواء، ولكن الله امتن على بعضٍ آخر بسعة في الرزق ووفرة في المال يفيض عن نفقاتهم، (ولهم فضل أموال يتصدقون بها) ، وهؤلاء ليس لهم أموال.
стр. 514
الفرق بين الغبطة والحسد
يبحث العلماء في الفرق بين الغبطة والحسد، فالغبطة محمودة، وهي مجال للمنافسة في الخير، وهي: أن تتمنى لك مثل ما لغيرك مع بقاء نعمة الغير عليه، أما الحسد: فهو تمني زوال نعمة الغير ولو لم تأت إليك، ولذا يقولون: الحاسد يحارب ربه؛ لأنه لم يرض بقسمة الله في خلقه، والله تعالى يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] ، والحسد يحمل العبد على أن يحتقر أخاه؛ لأنه ما تمني زوال تلك النعمة عنه إلا لأنه احتقره واستصغره مع تلك النعمة واستكثرها عليه، ويقولون: أول معصية وقعت إنما هي الحسد الذي جر إلى الازدراء، والازدراء من الناحية الأخرى أنتج كبراً، والكبر أدى إلى المعصية، والمعصية طردت من رحمة الله، وذلك في خلق آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: فعندما أراد الله خلق آدم قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣١] ، فقالوا على سبيل الاستفسار والاستيضاح: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] ، وفي النهاية: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة:٣٤] ، ثم بيّن موجب الاستكبار فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] ، ادعى لنفسه الأفضلية والخيرية على آدم.
إذاً: حسد آدم على ما أنعم الله عليه: أن خلقه بيده سبحانه، ثم كرمه ونفخ فيه من روحه، ثم أمر الملائكة أن تسجد له، فكل تلك نعمٌ متضافرة على آدم، وإبليس استكثر هذا عليه، فهو يراه وهو يعجن في الطين، ثم يراه يسوى من صلصال، ثم يراه ينفخ فيه، وبين يديه تمت خلقه آدم، فاستصغر آدم واستعظم نفسه، فتكبر وجره الكبر إلى الامتناع عن السجود لأمر الله، وإن كان السجود تحيةً لآدم إلا أنه بأمر من الله، فهو طاعة لله وإن توجه لآدم أو لغيره، والله لا يأمر أحداً أن يسجد لأحد عبادة، وقد كان السجود في بعض الأمم تحية كما سجد أبوا يوسف وإخوته له تكريماً وتحيةً.
يهمنا أن إبليس حسد آدم، ولما حسده ازدراه، ولما ازدراه تكبر عليه، ولما تكبر عليه امتنع من امتثال أمر الله، فوقعت المعصية، فكانت النتيجة البعد والطرد -عياذاً بالله! ولكن الغبطة ليست احتقاراً للمنعم عليه، ولا استكثاراً للنعمة على من هي عنده، ولكن طمع في فضل الله أن يعطيه مثلما أعطى الآخرين، ولا حرج على أحد في فضل الله، ولا يمنع أي إنسان من أن يرجو فضل الله، فالذي أعطى زيداً يعطي عمراً، ولكن حينما يكون القلب سليماً.
стр. 515
أنواع العبادات
هؤلاء الفقراء رءوا أن إخوانهم من المهاجرين والأنصار قد تساووا معهم في العبادات، فإذا نودي: حي على الصلاة حي على الفلاح كانوا معهم سواء، بل لعل الفقراء يسبقونهم إلى الصف الأول؛ لأنه ليس عندهم ما يشغلهم، والصوم كذلك، لكن العبادة -كما يقول الفقهاء- تنقسم إلى قسمين: عبادة بدنية، وعبادة مالية، وعبادة تجمع الأمرين وهي الحج؛ فالعبادة المالية مترتبة على وجود المال، فغبطوا أصحاب الأموال، وقالوا: (ذهب أهل الدثور) والدثور: جمع دثر، أي: أهل الأموال، ذهبوا بالأجر كله.
(قال: وكيف ذلك؟) قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يتصدقون بها) ، وإذا تصدقوا بفضل أموالهم حازوا على الدرجات العلى في الجنة، ونحن ما حصلنا معهم على شيء.
стр. 516
الفرق بين النبي والرسول
هذا الحديث يعطينا صورة لما كان عليه السلف الصالح من المسارعة والمسابقة إلى الخير، وما عجزوا عنه يطلبون بدله، جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: (يا رسول الله!) لاحظوا جاءوا إلى من؟ إلى النبي، فقالوا: يا رسول! ولم يقولوا: يا نبي الله! ونجد أن العلماء يقفون طويلاً عند الفرق بين النبي والرسول.
بعض العلماء اختصر وقال: النبي والرسول سواء، إلا أن النبي أعم والرسول أخص، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فكم من الأنبياء لم يرسلوا، ولا نعلم عنهم شيئاً؟ ولكن لم يرسل رسول إلى أمة إلا وقد نبئ! ويقال: النبي والنبيء كما يقرؤها ورش، فالنبيُ بالتسهيل، والنبيء بالهمز، وقالوا: النبيُ بالتسهيل من النبوة والارتفاع، تقول: نبا المكان ينبو نبواً إذا ارتفع، والنبيء من النبأ، وكلاهما صحيح، فالنبي مأخوذ من النبوة والارتفاع فهو في القمة والرفعة على الأمة كلها، ومن النبأ فهو قد جاء بالنبأ العظيم من الله رب العالمين، فكلا المعنيين صحيح.
أما الرسول فيقول بعض العلماء في مصطلح الحديث: النبي من نبئ ولم يؤمر بتبليغ غيره، يعني: إرساله في نفسه، والرسول من أمر بدعوة غيره؛ لأن رسول تقتضي رسالة من مرسِل إلى مرسَل إليه، فيكون الرسول عمله متعدٍ لمن أرسل إليهم، فهناك مرسل وهو الله سبحانه، وهناك رسول وهو الذي كان نبياً، وهناك رسالة وهي الكتاب الذي جاء به، وهناك من أرسل إليهم وهم الأمة، والرسالة قد تكون خاصة وقد تكون عامة، كما جاء في الحديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي -وذكر منها- وكان النبي يبعث لقومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) .
وبعضهم يقول: النبي من جاء بتجديد دعوة نبي أو رسول قبله ولم يأت بجديد من التشريعات، وإنما جاء يجدد دعوة رسول قبله.
стр. 517
ذكر النبوة والرسالة في سورة الحجرات
في أول سورة الحجرات نجد قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١] ، وفي الآية التي بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ [الحجرات:٢] ، (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) ؛ فالسورة جمعت بين الوصفين، وقدمت وصف الرسالة وجاءت بوصف النبوة، ولكن مع الرسالة: (لا تقدموا) ، أي: لا تتقدموا بالتشريع والابتداع والاختراع، ولكن كونوا وراء رسول الله، إذاً: هو رسول في التشريع وفيما جاء به عن الله؛ فلا تتقدموا عليه في رسالته.
إذاً: الرسول جاء برسالة وكونوا تبعاً له، ولا تتقدموا عليه واتقوا الله، وجعلها مع حق الله: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ؛ لأن الرسول مبلغ عن الله، والمتقدم على السنة متقدم على الله، كأنه ابتدع من نفسه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
ثم جاء في شخصية محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه في تكريمه في ذاته فقال: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) ، وهنا أدب شخصي وتكريم ذاتي، أما هناك فكان احترام رسالة وتبليغ عن الله، إذاً: الرسالة عن الله، والنبوة في ذاته، فقال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] .
ثم رجع مرة أخرى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الحجرات:٣] ، فيبين أن التكريم والأدب لأي شيء؟ لأن هذا النبي هو رسول الله إليهم.
وأحسن ما قيل في ذلك: إن النبي من جاء على سَنَن نبي قبله، والرسول من جاء برسالة جديدة لقوم جدد.
ونجد علماء التفسير يقولون: إن الرسول ﷺ نبئ بسورة اقرأ، وأرسل بسورة المدثر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] ، فقالوا: هذه ليس فيها تبليغ لغيره، ولكن يبدو -والله تعالى أعلم- أنه أرسل من أول وهلة بسورة اقرأ، لماذا؟ لأنه قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] ، فهو سيقرأ قرآناً، لكن لمن؟! ولذا جاء بعده مباشرة في ترتيب المصحف بعد سورة اقرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] ، أنزلنا ماذا؟ ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:١] ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] (أنزلناه) يعني: أنزلنا القرآن، (اقرأ) يعني: اقرأ القرآن، والقرآن إنما هو للناس كافة.
إذاً: فقد نبىء وأرسل بأول الوحي.
والذي يهمنا في هذا الحديث تلك المغايرة في الألفاظ، وإن كان من كلام الراوي وليس من كلام رسول الله ﷺ ، فقال: (جاء رجال إلى النبي فقالوا: يا رسول الله) .
стр. 518
حكم رواية الحديث بالمعنى
جاء عنه ﷺ ما تمسك به بعض العلماء من ضرورة ذكر الحديث بلفظه دون معناه، والجمهور على جواز رواية الحديث بالمعنى لمن يعلم المعنى ولا يغيره، بخلاف القرآن؛ ففي حديث الرجل الذي علمه النبي ﷺ دعاء النوم، وفيه: (قل: وبنبيك الذي أرسلت، فقال: وبرسولك الذي أرسلت، قال: لا، قل: بنبيك الذي أرسلت) ، فرده النبي ﷺ ليلتزم باللفظ: (وبنبيك الذي أرسلت) .
ومما ينبه عليه العلماء: أنه إذا ورد اللفظ في الحديث فالأولى المحافظة عليه، وإلا فكلاهما يؤدي المعنى، وهذا مبحث أصولي عند علماء مصطلح الحديث، وذكرنا منه ما يلفت النظر، والحمد لله.
стр. 519
دقة التوجيهات النبوية للفوز بالأجر من الله
(قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، قال: وما ذاك؟ قال: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون) ، المراد بالصدقة هنا: صدقة التطوع، وتشمل الزكاة ضمناً، ولكنهم غبطوهم على صدقة التطوع، فلما سمع ذلك منهم ﷺ ، وعرف أن هذا يثير الهمة عند المسلم، ويجعله يتطلع إلى مثل ذلك، وهذا من حقه، وفضل الله عظيم، فأرشدهم لا إلى طريقة لوفرة وكثرة العمل ليحصل على المال ليتصدق، ولكن أرشدهم إلى طريق آخر؛ لأن كسب المال ليس بالجهد ولا بوفرة العمل؛ لأن المولى سبحانه قال: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * ولِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٣-٣٥] ، فزخارف الدنيا ليست مقياساً، فسيد الخلق ﷺ خرج من الدنيا ودرعه مرهون في صاع شعير عند يهودي! وكأنه يقول لكم: إن الدنيا بما فيها ليست هي المقياس؛ ولهذا يقول العلماء: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب (ما لا يتم الواجب) ، أي: الذي وجب بالفعل، وما لا يتم الوجوب، أي: الذي لم يجب حتى الآن، ويحتاج في وجوبه إلى شيء آخر؛ فالصلاة وجبت، لكن لا تتم الصلاة، ولا يؤدى هذا الواجب الثابت إلا بالطهارة، فهل تصح صلاة بدون طهارة؟ لا، فلا يمكن لإنسان أن يؤدي الصلاة حتى يحصل على الطهارة، فالصلاة متوقفة على حصول الطهارة، والصلاة واجبة، فتكون الطهارة واجبة؛ لأن الواجب لا يتم إلا به؛ شخص فقير ولا تجب الزكاة عليه إلا بكسب المال، فإذا اكتسب المال وجبت عليه الزكاة، وشخص لم يمتلك زكاة فلا وجوب عليه، فهل نقول: عليك أن تعمل لتكتسب المال لتجب عليك الزكاة؟ لا، فما لا يتم الواجب المستقر إلا به فهو واجب؛ لأن الوجوب مستقر، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
فهؤلاء لم يجدوا مالاً؛ ولم تجب عليهم زكاة، ولم يطالبوا بالصدقة، فليس بواجب عليهم أن يسعوا ويعملوا ويكتسبوا ليتوافر عندهم نصاب لتجب عليهم الزكاة؛ ولذا لم يوجههم للعمل والكسب، مع أن الإسلام يحث على العمل والكسب وعلى التصدق؛ فوجههم إلى عملة أخرى سهلة غير صعبة، تمشي في جميع الأسواق الدنيوية والأخروية، العملة التي تتداول في جميع الدول العالمية ثلاثة أقسام: عملة محلية إذا خرجت من حدودها لا قيمة لها، وعملة عالمية لها رصيد مائتين في المائة في البنك الدولي، والعملة المحلية هي التي لا رصيد لها، الدولة أنزلتها في الأسواق من أجل أن تسكت الناس وتمشي معهم، والعملة التي لها رصيد مائة في المائة فقط أو أقل من مائة في المائة تمشي، ولكن بعض الدول التي لها تعاهد وصلة مع تلك الدولة التي أصدرتها تتأثر عملتها زيادة ونقصاناً بحسب ضمانها عند البنك الدولي؛ فهذه هي العملة الجديدة التي وجههم إليها النبي ﷺ حتى تعوضهم عما فاتهم.
ثم قال لهم: (ألا أدلكم على شيء تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من وراءكم، إلا من عمل بمثل عملكم؟) ، عندما يقول لهم: أدلكم على شيء تلحقون به من سبقكم، ماذا يريدون أكثر من هذا؟! قالوا: نعم، قال: (تسبحون دبر كل صلاة) ، وصلاة هنا نكرة تعم جميع الصلوات المفروضة، ولكن ما دام في أعقاب الصلاة فتكون لصلاة معينة لا على الإطلاق، فبعد الصلوات الخمس المكتوبة: (تسبحون ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون ثلاثاً وثلاثين، وتكبرون ثلاثاً وثلاثين، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، وتسبحون تحمدون تهللون، يقول العلماء: هذا من باب النحت، سبّح بمعنى قال: سبحان الله، حمّد قال: الحمد لله، كبّر قال: الله أكبر، حوقل قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، استرجع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه ألفاظ منحوتة، تدل بلفظ على جملة.
فرح هؤلاء بما وجدوا من عملة جديدة ورصيد كبير جداً، ورجعوا فرحين بذلك، وحينما سمع الأغنياء بعطاء رسول الله لإخوانهم هل قالوا: هذا خاص بالفقراء، أم دخلوا معهم واقتحموا عليهم؟ وسمع الأغنياء بما أعطى رسول الله لإخوانهم ففعلوا مثلهم، فعاد أولئك الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤] ، هذا فضل الله، إن كان الذكر فهو عم الجميع، ولا راجع للمال؟ لأنهم الآن تساووا أيضاً في العبادة: بدنية، فعلية، قولية، والمال هو المتفاضل بينهم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 520
علاقة الذكر بالتوحيد
نرجع إلى هذا الحديث من جهتين: الجهة الأولى: تلك الألفاظ الخاصة بمعانيها.
الجهة الثانية: هذا المنهج، وهذه الطريقة التي وجه بها رسول الله ﷺ طائفة من الناس، ودخلت معها غيرها.
أما قوله ﷺ : تسبحون، أي: تقولون: سبحان الله، وجمع بين سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وتقدم قريباً حديث أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان، وسبحان الله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض) .
إذاً: تسبحون وتحمدون، وهناك بيّن لنا النووي: أن سبحان الله ثوابها وحدها يملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض، وفي الحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .
يقول العلماء في هذين اللفظين: (سبحان الله والحمد لله) : هما جماع تنزيه المولى سبحانه وتوحيده، وجمعا غاية خلق البشر؛ لأن الغاية من خلق البشر هي كما قال الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وسر العبادة في تنزيه المولى سبحانه، وتوحيده في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
وتوحيد الربوبية: الإقرار لله بالربوبية للعالم، وهذا هو الذي تقر به في كل ركعة عندما تقرأ: (رب العالمين) .
وتوحيد الألوهية: هو إفراد المولى بالعبادة؛ لأنه ما دام أنه رب العالمين، وأنت فرد من العالمين مخلوق لله، مرزوق منه تحت رعايته، فهو الذي يستحق العبادة، ولا يحق لك أن تصرفها لغيره؛ ولذا تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] .
وتوحيد الأسماء والصفات في: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣-٤] .
فالتسبيح تنزيه المولى عن كل نقص، والتحميد إثبات صفات الجلال والكمال لله؛ ولذا يقولون: مادة اللغة العربية أول ما توضع توضع للمحسوس ثم تنتقل للمعنوي، مثلاً: لو سمعنا الأذان والإذن والمأذون والآذن كلها راجعة لحاسة الأذن؛ لأن المؤذن يلقي الكلمات في أذنك، والآذن يعلمك بإذن الآذن، والمأذون ألقيت في أذنه أنه أذن له وكل هذا راجع لهذه المادة، والمعاني كثيرة في هذا.
فقوله: سبحان، يقول علماء الصرف: سبحان على وزن فعلان، وأصل الميزان الصرفي: فعل، ويزاد في الميزان بقدر ما يزاد في الموزون: فسبحان على وزن فعلان، إذاً: سبحان من سبح، وزيد الألف والنون فكانت على وزن فعلان، إذاً: المبدأ الأساسي في مادة سبحان هي: السين، والباء، والحاء، سبح، مثل: غفر، تقول: غفران.
قالوا: وهذا يظهر قوة اللغة وترابطها وتكوينها من أسر وجماعات.
فإذا وجدت المادة تتفرع وتتعدد في مسميات، فاعلم أن كل مشتقات تلك الكلمة بينها صلة رحم، فمثلاً: سبح، ما معنى السباحة؟ أن يعوم في الماء، ومتى يعوم في الماء؟ إذا كان الماء غزيراً، ولماذا يسبح في الغزير؟ لينجو من الغرق، فكذلك الذي يسبح الله إما لينجو من مهلكة عدم تنزيه الله أو من ورطة تشبيه أو نقص لله، أو يسبّح الله كأنه يبعد الله ويجنبه من كل ما لا يليق بجلاله .
والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.
стр. 521
شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس والعشرون [٢]
стр. 522
الذكر أنواعه وأقسامه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبيه محمد الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد ورد في دبر الصلوات أذكار عديدة لا يتعارض بعضها مع بعض، كما أن بعض الصلوات خصت بأذكار مختصة بها، فمما جاء في دبر كل صلاة: (من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من الجنة إلا الموت) .
وفي وصية النبي ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! إني أحبك، فقال معاذ: والذي بعثك بالحق يا رسول الله! إني لأحبك، فقال ﷺ : أوصيك أن تقول دبر كل صلاة: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .
وجاء في خصوص المغرب والصبح: (اللهم أجرني من النار سبع مرات) ، وجاء في خصوص التسبيح والتحميد والتكبير المذكور هنا: (من قالها غفرت له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر) .
стр. 523
فضل الذكر وبم يكون ؟
وباب الأذكار -كما يقول النووي وغيره- باب واسع، والذي يهمنا في حديث الباب أن النبي ﷺ أرشد الفقراء إلى ما يدركوا به الأغنياء من ذكر الله، وفي هذا تنبيه لفضل الذكر والدعاء، وخاصة عقب الصلوات، وبعض العلماء قال: الذكر أعم العمومات في العبادة، بل إن الذكر عبادة جميع الكائنات من إنس وجن وملك وجماد ونبات وحيوان وطير: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] ، وهو عبادة غير مؤقتة، وجميع العبادات تكاد تكون مؤقتة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] ، والصيام: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ، والحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ، والزكاة عند رأس الحول، أما الذكر فقد بيّن سبحانه صفة عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] ، وقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] ، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] .
وذكر الله سبحانه تارة يكون باللسان، وتارة يكون بالقلب، وهو التفكر في ملكوت السماوات والأرض، وإذا نظرنا إلى علاقة ذكر الله بآياته سبحانه نجد ما يلفت النظر في تلك الآية الكريمة: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ) ، يقول علماء الأصول: إن خطاب الله للعباد ينقسم إلى قسمين: خطاب تكليف، وخطاب وضع، فخطاب التكليف هو الذي فيه أمر بفعل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] ﴿لا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ﴿لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الإسراء:٣٣] كل هذه من باب خطاب التكليف أمراً أو نهياً.
أما خطاب الوضع: فهو بيان إما لشرط أو لسبب أو لزمن، لإيقاع ذلك الواجب الذي كلف به العباد، فمثلاً: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] متى نصوم؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ﴾ [آل عمران:٩٧] متى نحج؟ ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:١١٠] متى نقيمها؟ ((لدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)) [الإسراء:٧٨] ، وقوله تعالى: ﴿َأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ، فكأن الصلاة ما أقيمت إلا لذكر الله، وكذلك قال في الحج بعد قضاء المناسك: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] .
стр. 524
التفكر في الكون من ذكر لله
العبادات كلها إنما وجدت لذكر الله، فنجد خطاب الوضع في تحديد أوقات الصلوات يربطنا بالقدرة الإلهية، ويربط العبد بربه في حياته، ورزقه، ومماته، وكل شئونه، وإذا نظرنا إلى هذه الآية الكريمة التي تثير النظر والتفكير والتذكر بآيات القدرة الباهرة، وعند كل آية تستخلص منك ذكراً لله: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ، والحال أن الصلاة تقام لذكر الله، ودلوك الشمس على التحقيق هو زوالها عن كبد السماء، (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) الغسق الظلام، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) الفجر: انفجار نور النهار من ظلام الليل، فهذه الحركة الكونية آية، تبدأ الشمس من مشرقها والظل في مغربها، فإذا استوت في كبد السماء زالت إلى المغرب، وهي تسير بسير لطيف لا يدركه البصر، وهذه آية من المولى سبحانه، فيتحول الظل من غرب إلى شرق، ولا تزال تأخذ في الدنو إلى مغيبها حتى تتضيف إلى الغروب فيعتريها الاصفرار والاحمرار، ثم تغيب جارّة معها ضوء النهار عن الكون ويعقبها غسق الليل، فتتغير حركة الكون من سعي وحياة إلى سكون وهدوء: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ:١٠-١١] ، ويتغير حال الكون من ضوء ساطع إلى ليل غاسق، من الذي أذهب الشمس؟ ومن الذي حركها؟ ومن الذي كسا هذا العالم كله بهذا الظلام؟ ومن الذي يعيدها مرة أخرى من المشرق؟ ومن الذي يجعل الضوء ينفجر من ظلام الليل، ويبدأ الضوء شيئاً فشيئاً حتى تشرق الشمس وينتشر الضوء فيعم العالم كله؟ هذا المسجد كم فيه من مئات اللمبات! وهل تغني عن الشمس؟! انظر إلى ضحى النهار في هذا المكان الذي أنت فيه، مع أن الشمس خارج المسجد، كم فيه من قوة الإضاءة! والعالم كله بجباله وبحاره وصحاريه ووديانه كلها يغمرها هذا الضوء، فإذا غربت الشمس انحسر هذا الضوء، وجاء مكانه الظلام، آيات، فهذا ذكر بالقلب وهذا ذكر باللسان، فإذا كنت في فلاة من الأرض، وكنت في وضح النهار ورأيت الشمس قد بدأت، ثم إذا بها تصل إلى منتصف السماء وأنت لا ترى حركتها، كعقرب الساعة في يدك يتحرك ويدور وأنت لا ترى حركته؛ لأنها حركة لطيفة تدق عن إدراك البصر، وهكذا الشمس فإذا بها في برهة ولحظة تتحول إلى جهة الغرب، ويتحول وضع النهار كله، فإذا رأيت هذه الآية استعجبت وأكبرت خالق هذا الكون! فإذا تأملتها وتابعت النظر معها، حتى إذا تضيفت للمغيب واختفى ذاك الضوء الأبيض الساطع، وتلون بقريب من الصفرة، ثم إذا بقرص الشمس يميل إلى الاحمرار، ثم إذا بها تغيب في الأفق، أنت بفكرك تسبح وتتساءل: من وراء هذه الحركة؟ وإذا كنت في استغراق الفكر في هذه الحالة تستيقظ على نداء المؤذن: الله أكبر.
يقول لي بعض الدعاة إلى الله: إنه كان يعرف شخصاً من كبار الشخصيات المسيحية، وكان متعصباً للمسيحية، وكان كاتباً وشاعراً أديباً، وفي ذات ليلة جلس في الشرفة يتابع النجوم، وينظر إليها نظرة أديب أو شاعر ذا خيال مجنح، فإذا به يستغرق في تلك النظرة ويسبح بفكره في هذا الكون، وبينما هو في عمق تفكيره انبثق ضوء الفجر، وإذا به يصحو ويفيق على كلمة المؤذن: الله أكبر، فينطقها مع المؤذن: الله أكبر الله أكبر، حتى أتى إلى الشهادتين فنطق: أشهد أن محمداً رسول الله، فظل يومه مبهوتاً ومدهوشاً، ثم جاء المساء وجلس في مكانه، ورأى الشمس تتضيف إلى المغيب، فأخذ يسبح ويتفكر في ماضٍ عجيب ومستقبل غريب، وبينما هو في هذا التفكير العميق يستيقظ على صوت المؤذن للمغرب: الله أكبر الله أكبر، فيتابعه في الأذان، وينزل حالاً إلى المسجد، ويعلن إسلامه!
стр. 525
الذكر غذاء للروح
قال الله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ، حقاً إن ذكر الله هو غذاء العبد، وخاصة لطالب العلم، ويذكرون عن الإمام ابن تيمية ﵀: أنه كان يصلي الصبح ويجلس في مكانه يذكر الله حتى تشرق الشمس ويصلي ركعتين وينصرف، فقالوا له في ذلك مع علمه وبحثه واشتغاله فيقول: هذه الجلسة هي غذائي طول يومي! وكان أحمد ﵀ يقول: عجبت لطالب علم لا ورد له في الليل! ويكفي قوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٥-٧] .
ثم إننا نجد أن الإسلام بتعاليمه ومنهجه ينظم ذكر الله عند المؤمن في كل حركاته، ويجعل حياته فعلاً تحت هذا المنهج الإلهي الكريم.
إذا نظرنا إلى ما كانت عليه الأمم الماضية؛ نجد أن اليهود قد غلبت عليهم المادة، وغفلوا عن ذكر الله حتى كانوا كما قال الله: ﴿قسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] ، ونجد النصارى قد اخترعوا رهبانية ابتدعوها، لكن لم يستطيعوا أن يحافظوا عليها، ولا أن يؤدوا واجبها؛ لأنها زادت عن حد طاقة الإنسان، فكل منهما فشل في طريقه، ثم جاء الإسلام فراعى ظروف الإنسان من مادة وروح، فتأتي في سورة الجمعة في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] ، والسعي إلى ذكر الله هو غذاء الروح، والبيع هو مادة الحياة في الكسب المادي، فأنت تعمل، فحينما ينادى للصلاة أجبت داعي الله، وجئت لذكر الله، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] ، يبتغي من فضل الله، ولا يجلس بمسبحته في مكانه، ولا يجلس في وادٍ يذكر الله فقط، بل ينتشر في الأرض ليطلب ويبتغي من فضل الله بأسباب الرزق والمعيشة، ومع ذلك فهو يذكر الله بلسانه، وبقلبه، وبمعاملته، فإذا انتشروا في الأرض، ورجع الزارع إلى مزرعته، فحرث الأرض ووضع البذر، وقال: باسم الله اللهم! أنبتها وارزقني ثمرتها، وإذا رجع التاجر إلى متجره، وجاء يتعامل مع الناس، وأخذ الكيل والوزن تذكر قوله سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين:١-٢] ، وهكذا إذا جاء بسلعة تذكر قوله ﷺ : (من غشنا فليس منا) ، وإذا رجع إلى مصنعه تذكر كيف يتقن الصنعة ويتجنب الغش، وهكذا يكون ذاكراً لله بأقواله وأفعاله، ولا يمنعه الذكر أن يسعى في الأرض ويأكل من رزق الله.
стр. 526
الذكر وظيفة الكون
أيها الإخوة! ذكر الله وظيفة الكون كله، وقد ذكروا، عن سعيد بن المسيب: أنه كان يقوم الليل، وكثيراً ما يقرأ سورة ص، فقيل له في ذلك، فقال: روي (أن رجلاً في عهد النبي ﷺ قام الليل، وقرأ سورة ص وسجد، وعنده شجرة فرآها تسجد بسجوده، وتقول: اللهم اجعلها لي عندك ذخراً، وأعطني بها أجراً، فأخبر النبي ﷺ فأقره على ذلك) ، والله يقول: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦] .
إذاً: الكون كله مسخر لذكر الله ، وقد أشرنا إلى عموم الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، وأشرنا إلى قضية الهدهد، وكيف أنه ذكر عن بلقيس وقومها أنهم ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٤] ، والحيوانات تؤمن بالبعث، كما ذكر مالك حديثاً في الموطأ في فضل يوم الجمعة: (فيها خلق آدم، وفيها سكن الجنة، وفيها أسجد الله له الملائكة، وفيها أهبط إلى الأرض، وفيها تاب الله عليه، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائم يسأل الله حاجته إلا أعطاه إياها، وفيها تقوم الساعة، وما من دابة إلا وتصيخ بسمعها من فجر يوم الجمعة حتى مشرق الشمس فرقاً من الساعة) ، الدواب تؤمن بالله، وتدرك الحساب، وتؤمن بالبعث، وتعلم أن القيامة ستقوم يوم الجمعة، وتميّز بين الجمعة وبين الخميس والسبت، و (تصيخ بسمعها فرقاً من الساعة) أي: من النفخ في الصور لقيام الساعة.
والآيات والأحاديث في هذا الباب واسعة جداً، وأوصي كل طالب علم وكل مسلم أن يعتني بذكر الله؛ لأن ذكر الله سبحانه هو الذي يحيي موت القلوب: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ، وأي سعادة للإنسان إلا بطمأنينة قلبه؟! والله! لو جمع له ملك العالم كله، وجمع له أضعاف ما كان لقارون من مال، وما كان لملوك الأرض من عز، وقلبه مضطرب وهو قلق، والله! لا قيمة له في هذا كله، وإذا كان يجد القوت الضروري والكساء العادي والمأوى في أي مأوى، وهو قرير العين، مطمئن النفس؛ لكان أسعد خلق الله، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ، ويكفي في الصلاة أن الرسول ﷺ بيّن أنها غذاء فقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) .
стр. 527
شمول الذكر لكل العبادات
إن الباب هذا باب واسع، وأوصي بالعناية بكتب الأذكار الواردة، التي هي مأمونة من الوضع أو مأمونة من الغلو، وأحسن ما وضع في ذلك كتاب الأذكار للإمام النووي؛ فقد رتبه ونظمه، وجاء بالأذكار الواردة المؤقتة في الصباح والمساء وبعد الصلاة وعند لباس الثوب والنوم واليقظة وتناول الطعام وخلع الثياب وكل حركات الإنسان وردت السنة فيه بذكر الله والدعاء.
وهذا يشرح لنا معنى قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦١-١٦٢] ، محياي ومماتي لله، صحيح كل لله، وموقن على وفق منهج الله الذي يريده ويرتضيه، ولذا جاء في الحديث: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ، إذا كان العبد مع الله، وإذا كان العبد حقاً أخلص نفسه لله، لم لا يجعله كذلك؟ وكم من عبد كان مستجاب الدعوة! الرسول ﷺ يوصي عمر بن الخطاب فيقول: (إذا رأيت أويساً القرني فاطلب منه أن يدعو لك، ويستغفر لك) ، من أويس؟ رجل من اليمن، فكان عمر يتتبع الوفود اليمنية: أفيكم أويس؟ أفيكم أويس؟ حتى قيل له: نعم هو فينا، قال: ائتوني به، فجاء وكان قد أخبره النبي ﷺ بصفاته، وبأن له أماً كان باراً بها، فلما سأله عن أمه أخبره بها، وأن في رجله علامة كذا، فقال: استغفر الله لي، ادع لي! قال: كيف وأنت أمير المؤمنين؟! قال: لقد أخبرني رسول الله بكذا وكذا.
فلما سمع أويس هذا لم يغتر به، ولم يأته شيء في نفسه، بل قال: أستأذنك -يا أمير المؤمنين- أن أخرج إلى العراق، أي: ما دام قد عرف أمري، فيريد أن يبعد عنه هذا الجو الذي عُرف فيه، وكان شخصاً من عامة الناس، فقال: إذا أردت الذهاب فمرني أعطيك خطاباً لعامل العراق، قال: لا، فإني أحب أن أكون في عامة الناس! فذهب إلى العراق وأخذ عمر يسأل عن حاله في العراق، وكلما جاءه وفد من العراق يسأل عنه، فإذا به كان خادماً عاملاً عند رجل من عامة الناس في الحجارة والطين، فإذا بالرجل يقول لـ عمر: إني أعرفه، فقال: إذا استطعت أن يستغفر ويدعو الله لك فافعل، فذهب الرجل إلى أويس فطلب منه الدعاء، فقال: ألقيت عمر؟! قال: نعم لقيته، فإذا به من الغد يخرج من العراق.
أيها الإخوة! إن ذكر الله يعلي منزلة العبد بما لا يعلم قدر ذلك إلا الله، ويكفي أن الإنسان في حالة ذكره لله جليس وقرين، وما ذكرنا يكفي لهذا الباب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم جميعاً لذكره كما قال الله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه:١٣٠] .
стр. 528
سعة فضل الله على عباده
قال ﷺ : (إن في كل تسبيحة صدقة، وتحميدة صدقة، وتكبيرة صدقة، وتهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) .
هذا الجزء من الحديث يدلنا على سعة فضل الله على عباده تحمد الله وكأنك تصدقت، تصدقت على من؟ على نفسك؛ لأنك في حاجة إلى الصدقة.
بل يقول ابن رجب في شرح هذا الحديث: إن الله سبحانه يتصدق على عباده، يتصدق عليهم بماذا؟ بكل نعمة أنعمها عليهم، وأعظم نعمه تصدق بها على خلقه: أن هداهم إلى الإسلام، ثم وفقهم لعمل الخير، ثم قبل ذلك منهم، ثم آجرهم على ذلك، أليس ذلك كله من فضل الله؟ بلى.
التسبيحة صدقة على نفسك، والتحميدة صدقة على نفسك، والتهليلة صدقة على نفسك، وقد جاء مبيناً ذلك في الحديث: (في كل يوم تطلع فيه الشمس على كل سلامى من الناس صدقة) والسلامى: هو المفصل الصغير في الجسم، وكم في الجسم من السلاميات؟ إن كل جزء يتحرك في الجسم سلامى، فعندك عشرة أصابع في اليدين، وفي كل أصبع ثلاثة.
فهذه ثلاثون، وفي القدم مثلها ثلاثون فتكون ستين، ثم في القدم وكف اليد والساعد وفقار الظهر وضلوع الإنسان وكل جزء يتحرك في الإنسان، قال بعض العلماء: ثلاثمائة وستون عضواً في جسم الإنسان يتحرك.
قال ﷺ : (على كل سلامى من الناس كل يوم صدقة) ، وهذه الصدقة لماذا؟ هذا الهيكل الإنساني جهاز يعمل ويتحرك ويستهلك وقوداً في الحركة، مثلاً: عندك سيارة تعمل كل يوم، فتحتاج إلى تغيير الزيت والبترول والعجلات تحتاج وتحتاج لأن كل أجزائها تستهلك في الحركة.
الأسنان تطحن كيلو ونصف -ومع التوابع اثنين كيلو- في اليوم، كم في السنة؟ اثنان كيلو في ثلاثمائة بستمائة كيلو تطحنها الأضراس في السنة! وكم سنة تعيش! ففي عشر سنوات ستة آلاف كيلو، سبحان الله العظيم! كل هذا وهي على ما هي عليه! الرحا الذي يطحن الحب يتآكل ويتغير كل ستة أشهر، وهو من الحجر الأصم.
ويقولون في علم الكثافة: جرام من العظم يحمل عشرة أضعاف جرام من الحديد، قدرة الله وآية من آياته.
هذا الجسم الذي يعمل بهذه الحالة، لو نظرت داخله وفي أعماله لرأيت أموراً تعجز عن تصورها، يقول بعض علماء الكيمياء: لو أردنا إيجاد مصنع يفرز لنا مادة مما تفرزه الكبد بمقدار ما تنتجه خلية واحدة لاحتجنا إلى مصنع يسع في الأرض كيلو طولاً وكيلو عرضاً؛ من أجل إيجاد آلات نستطيع أن نوجد من ورائها إفراز خلية واحدة من خلايا الكبد! وأنتم ترون في المستشفيات -عافانا الله وإياكم- جهاز الكلية الصناعية، كم حجمه؟! وأنت تحمل اثنتين في جنبك، ونصف الكلى يعمل للإنسان والنصف يستريح، كلى تعمل في شهر وتستريح الأخرى في شهر، آيات! وهذا الجهاز الذي يعمل وأنت لا تدري عن عمله يحتاج إلى صيانة، وأنت لا توجد عندك ورشة صيانة لك، ولكن المولى سبحانه قد دبر صيانته، تتحرك آلاف المرات دونما تزييت أو تشحيم، وهكذا كل المفاصل تتحرك، وإذا رأيت الشاة المذبوحة تجد ماء أبيض لزجاً ينزل من المفصل، هذا الماء به ليونة الحركة، والله هو الذي يدبر هذا، وعليك صدقة تقدمها لله شكراً على سلامة هذا الجسم.
قالوا: (يا رسول الله! ومن منا يستطيع أن يتصدق كل يوم بعدد السلامى؟!) ، كيف نستطيع أن نتصدق كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة؟! قال: (بكل تحميدة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة) ، أحالهم على ذكر الله وتسبيحه وتحميده، ثم قال: (ويجزئ عن ذلك ركعتي الضحى) تصلي ركعتين ضحى فكأنك قمت بصيانة مجملة، سعة فضل من الله، وبكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة واستغفار وذكر لله وصلاة على رسول الله وكل أعمال البر صدقة، والصدقة بعشر أمثالها: (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 529
من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال: (وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) ، هنا قسمان متقابلان: أمر بمعروف، نهي عن منكر، الأمر بالمعروف يكون بالمعروف، لا بالشدة، والنهي عن المنكر يكون بالحسنى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] .
стр. 530
شمول أجر الصدقة للآمر بالمعروف والمأمور
الأمر بالمعروف صدقة على الطرفين: الآمر له صدقة على نفسه بالأجر، والمأمور صدقة عليه بأنك هيأته وأرشدته إلى المعروف، إنسان مقصر في عمل، فجئت وأمرته به، وعمل هذا العمل، واكتسب أجراً؛ فأنت تصدقت عليه بهذا الأجر الذي تسببت له فيه، وكذلك النهي عن المنكر صدقة عليك لأجرك في ذلك، وصدقة على المنهي بأن تكفه عن هذا المنكر الذي هو عليه، (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: مظلوم ننصره، فكيف الظالم؟! قال: تكفه عن الظلم فهو نصرة له) .
وإذا جئنا إلى هذه الفقرة وحدها، فقد بيّن ﷺ أن هذا الواجب على الأمة جميعاً أفراداً وجماعات، حاكمين ومحكومين، كلٌ في مجاله، يقول ﷺ محملاً الأمة مسئولية، صيانتها منها وفيها، لكي يتحمل المجتمع مسئولية صيانته، والحفاظ على كيانه، فقال: (من رأى منكم) (من) من صيغ العموم، (منكم) خطاب للجميع، يشمل الرجال والنساء، والصغار والكبار، وكل من يدخل تحت خطاب: (من) (ومنكم) .
(من رأى منكم منكراً) ، والمنكر المقياس فيه مقياس الشرع في الحسن والقبح، والمعروف والمنكر يعرفان بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فكل ما وافق الكتاب والسنة فهو معروف، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو منكر، وليس الأمر للهوى والتشهي.
следующие страницы →