← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الذكر وظيفة الكون أيها الإخوة! ذكر الله وظيفة الكون كله، وقد ذكروا، عن سعيد بن المسيب: أنه كان يقوم الليل، وكثيراً ما يقرأ سورة ص، فقيل له في ذلك، فقال: روي (أن رجلاً في عهد النبي ﷺ قام الليل، وقرأ سورة ص وسجد، وعنده شجرة فرآها تسجد بسجوده، وتقول: اللهم اجعلها لي عندك ذخراً، وأعطني بها أجراً، فأخبر النبي ﷺ فأقره على ذلك) ، والله يقول: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦] . إذاً: الكون كله مسخر لذكر الله ، وقد أشرنا إلى عموم الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، وأشرنا إلى قضية الهدهد، وكيف أنه ذكر عن بلقيس وقومها أنهم ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٤] ، والحيوانات تؤمن بالبعث، كما ذكر مالك حديثاً في الموطأ في فضل يوم الجمعة: (فيها خلق آدم، وفيها سكن الجنة، وفيها أسجد الله له الملائكة، وفيها أهبط إلى الأرض، وفيها تاب الله عليه، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائم يسأل الله حاجته إلا أعطاه إياها، وفيها تقوم الساعة، وما من دابة إلا وتصيخ بسمعها من فجر يوم الجمعة حتى مشرق الشمس فرقاً من الساعة) ، الدواب تؤمن بالله، وتدرك الحساب، وتؤمن بالبعث، وتعلم أن القيامة ستقوم يوم الجمعة، وتميّز بين الجمعة وبين الخميس والسبت، و (تصيخ بسمعها فرقاً من الساعة) أي: من النفخ في الصور لقيام الساعة. والآيات والأحاديث في هذا الباب واسعة جداً، وأوصي كل طالب علم وكل مسلم أن يعتني بذكر الله؛ لأن ذكر الله سبحانه هو الذي يحيي موت القلوب: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ، وأي سعادة للإنسان إلا بطمأنينة قلبه؟! والله! لو جمع له ملك العالم كله، وجمع له أضعاف ما كان لقارون من مال، وما كان لملوك الأرض من عز، وقلبه مضطرب وهو قلق، والله! لا قيمة له في هذا كله، وإذا كان يجد القوت الضروري والكساء العادي والمأوى في أي مأوى، وهو قرير العين، مطمئن النفس؛ لكان أسعد خلق الله، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ، ويكفي في الصلاة أن الرسول ﷺ بيّن أنها غذاء فقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) .

стр. 527

شمول الذكر لكل العبادات إن الباب هذا باب واسع، وأوصي بالعناية بكتب الأذكار الواردة، التي هي مأمونة من الوضع أو مأمونة من الغلو، وأحسن ما وضع في ذلك كتاب الأذكار للإمام النووي؛ فقد رتبه ونظمه، وجاء بالأذكار الواردة المؤقتة في الصباح والمساء وبعد الصلاة وعند لباس الثوب والنوم واليقظة وتناول الطعام وخلع الثياب وكل حركات الإنسان وردت السنة فيه بذكر الله والدعاء. وهذا يشرح لنا معنى قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦١-١٦٢] ، محياي ومماتي لله، صحيح كل لله، وموقن على وفق منهج الله الذي يريده ويرتضيه، ولذا جاء في الحديث: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ، إذا كان العبد مع الله، وإذا كان العبد حقاً أخلص نفسه لله، لم لا يجعله كذلك؟ وكم من عبد كان مستجاب الدعوة! الرسول ﷺ يوصي عمر بن الخطاب فيقول: (إذا رأيت أويساً القرني فاطلب منه أن يدعو لك، ويستغفر لك) ، من أويس؟ رجل من اليمن، فكان عمر يتتبع الوفود اليمنية: أفيكم أويس؟ أفيكم أويس؟ حتى قيل له: نعم هو فينا، قال: ائتوني به، فجاء وكان قد أخبره النبي ﷺ بصفاته، وبأن له أماً كان باراً بها، فلما سأله عن أمه أخبره بها، وأن في رجله علامة كذا، فقال: استغفر الله لي، ادع لي! قال: كيف وأنت أمير المؤمنين؟! قال: لقد أخبرني رسول الله بكذا وكذا. فلما سمع أويس هذا لم يغتر به، ولم يأته شيء في نفسه، بل قال: أستأذنك -يا أمير المؤمنين- أن أخرج إلى العراق، أي: ما دام قد عرف أمري، فيريد أن يبعد عنه هذا الجو الذي عُرف فيه، وكان شخصاً من عامة الناس، فقال: إذا أردت الذهاب فمرني أعطيك خطاباً لعامل العراق، قال: لا، فإني أحب أن أكون في عامة الناس! فذهب إلى العراق وأخذ عمر يسأل عن حاله في العراق، وكلما جاءه وفد من العراق يسأل عنه، فإذا به كان خادماً عاملاً عند رجل من عامة الناس في الحجارة والطين، فإذا بالرجل يقول لـ عمر: إني أعرفه، فقال: إذا استطعت أن يستغفر ويدعو الله لك فافعل، فذهب الرجل إلى أويس فطلب منه الدعاء، فقال: ألقيت عمر؟! قال: نعم لقيته، فإذا به من الغد يخرج من العراق. أيها الإخوة! إن ذكر الله يعلي منزلة العبد بما لا يعلم قدر ذلك إلا الله، ويكفي أن الإنسان في حالة ذكره لله جليس وقرين، وما ذكرنا يكفي لهذا الباب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم جميعاً لذكره كما قال الله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه:١٣٠] .

стр. 528

سعة فضل الله على عباده قال ﷺ : (إن في كل تسبيحة صدقة، وتحميدة صدقة، وتكبيرة صدقة، وتهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) . هذا الجزء من الحديث يدلنا على سعة فضل الله على عباده تحمد الله وكأنك تصدقت، تصدقت على من؟ على نفسك؛ لأنك في حاجة إلى الصدقة. بل يقول ابن رجب في شرح هذا الحديث: إن الله سبحانه يتصدق على عباده، يتصدق عليهم بماذا؟ بكل نعمة أنعمها عليهم، وأعظم نعمه تصدق بها على خلقه: أن هداهم إلى الإسلام، ثم وفقهم لعمل الخير، ثم قبل ذلك منهم، ثم آجرهم على ذلك، أليس ذلك كله من فضل الله؟ بلى. التسبيحة صدقة على نفسك، والتحميدة صدقة على نفسك، والتهليلة صدقة على نفسك، وقد جاء مبيناً ذلك في الحديث: (في كل يوم تطلع فيه الشمس على كل سلامى من الناس صدقة) والسلامى: هو المفصل الصغير في الجسم، وكم في الجسم من السلاميات؟ إن كل جزء يتحرك في الجسم سلامى، فعندك عشرة أصابع في اليدين، وفي كل أصبع ثلاثة. فهذه ثلاثون، وفي القدم مثلها ثلاثون فتكون ستين، ثم في القدم وكف اليد والساعد وفقار الظهر وضلوع الإنسان وكل جزء يتحرك في الإنسان، قال بعض العلماء: ثلاثمائة وستون عضواً في جسم الإنسان يتحرك. قال ﷺ : (على كل سلامى من الناس كل يوم صدقة) ، وهذه الصدقة لماذا؟ هذا الهيكل الإنساني جهاز يعمل ويتحرك ويستهلك وقوداً في الحركة، مثلاً: عندك سيارة تعمل كل يوم، فتحتاج إلى تغيير الزيت والبترول والعجلات تحتاج وتحتاج لأن كل أجزائها تستهلك في الحركة. الأسنان تطحن كيلو ونصف -ومع التوابع اثنين كيلو- في اليوم، كم في السنة؟ اثنان كيلو في ثلاثمائة بستمائة كيلو تطحنها الأضراس في السنة! وكم سنة تعيش! ففي عشر سنوات ستة آلاف كيلو، سبحان الله العظيم! كل هذا وهي على ما هي عليه! الرحا الذي يطحن الحب يتآكل ويتغير كل ستة أشهر، وهو من الحجر الأصم. ويقولون في علم الكثافة: جرام من العظم يحمل عشرة أضعاف جرام من الحديد، قدرة الله وآية من آياته. هذا الجسم الذي يعمل بهذه الحالة، لو نظرت داخله وفي أعماله لرأيت أموراً تعجز عن تصورها، يقول بعض علماء الكيمياء: لو أردنا إيجاد مصنع يفرز لنا مادة مما تفرزه الكبد بمقدار ما تنتجه خلية واحدة لاحتجنا إلى مصنع يسع في الأرض كيلو طولاً وكيلو عرضاً؛ من أجل إيجاد آلات نستطيع أن نوجد من ورائها إفراز خلية واحدة من خلايا الكبد! وأنتم ترون في المستشفيات -عافانا الله وإياكم- جهاز الكلية الصناعية، كم حجمه؟! وأنت تحمل اثنتين في جنبك، ونصف الكلى يعمل للإنسان والنصف يستريح، كلى تعمل في شهر وتستريح الأخرى في شهر، آيات! وهذا الجهاز الذي يعمل وأنت لا تدري عن عمله يحتاج إلى صيانة، وأنت لا توجد عندك ورشة صيانة لك، ولكن المولى سبحانه قد دبر صيانته، تتحرك آلاف المرات دونما تزييت أو تشحيم، وهكذا كل المفاصل تتحرك، وإذا رأيت الشاة المذبوحة تجد ماء أبيض لزجاً ينزل من المفصل، هذا الماء به ليونة الحركة، والله هو الذي يدبر هذا، وعليك صدقة تقدمها لله شكراً على سلامة هذا الجسم. قالوا: (يا رسول الله! ومن منا يستطيع أن يتصدق كل يوم بعدد السلامى؟!) ، كيف نستطيع أن نتصدق كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة؟! قال: (بكل تحميدة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة) ، أحالهم على ذكر الله وتسبيحه وتحميده، ثم قال: (ويجزئ عن ذلك ركعتي الضحى) تصلي ركعتين ضحى فكأنك قمت بصيانة مجملة، سعة فضل من الله، وبكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة واستغفار وذكر لله وصلاة على رسول الله وكل أعمال البر صدقة، والصدقة بعشر أمثالها: (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 529

من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: (وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) ، هنا قسمان متقابلان: أمر بمعروف، نهي عن منكر، الأمر بالمعروف يكون بالمعروف، لا بالشدة، والنهي عن المنكر يكون بالحسنى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] .

стр. 530

شمول أجر الصدقة للآمر بالمعروف والمأمور الأمر بالمعروف صدقة على الطرفين: الآمر له صدقة على نفسه بالأجر، والمأمور صدقة عليه بأنك هيأته وأرشدته إلى المعروف، إنسان مقصر في عمل، فجئت وأمرته به، وعمل هذا العمل، واكتسب أجراً؛ فأنت تصدقت عليه بهذا الأجر الذي تسببت له فيه، وكذلك النهي عن المنكر صدقة عليك لأجرك في ذلك، وصدقة على المنهي بأن تكفه عن هذا المنكر الذي هو عليه، (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: مظلوم ننصره، فكيف الظالم؟! قال: تكفه عن الظلم فهو نصرة له) . وإذا جئنا إلى هذه الفقرة وحدها، فقد بيّن ﷺ أن هذا الواجب على الأمة جميعاً أفراداً وجماعات، حاكمين ومحكومين، كلٌ في مجاله، يقول ﷺ محملاً الأمة مسئولية، صيانتها منها وفيها، لكي يتحمل المجتمع مسئولية صيانته، والحفاظ على كيانه، فقال: (من رأى منكم) (من) من صيغ العموم، (منكم) خطاب للجميع، يشمل الرجال والنساء، والصغار والكبار، وكل من يدخل تحت خطاب: (من) (ومنكم) . (من رأى منكم منكراً) ، والمنكر المقياس فيه مقياس الشرع في الحسن والقبح، والمعروف والمنكر يعرفان بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فكل ما وافق الكتاب والسنة فهو معروف، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو منكر، وليس الأمر للهوى والتشهي.

стр. 531

أسلوب تغيير المنكر (من رأى منكم منكراً فليغيره) تغيير المنكر يكون بأحد أمرين: إما بإزالته، وإما باستبداله بمعروف، وكما يقولون: ما أحييت بدعة إلا على أعقاب سنة، فلا تظهر بدعة إلا بإماتة سنة؛ لأن السنة تشغل فراغك وتملأ حياتك، فإذا عطلت السنة جاءت البدعة محلها، وكما كانوا يقولون: في الشرق الأوسط فراغ يجب أن نملؤه، وكذلك حياة المسلم ليس فيها فراغ أبداً، وإذا تأملت السنة تجدها تصاحبك في كل حياتك: عند اضطجاعك في فراشك تقول كذا، وعند إتيانك أهلك، وعند قيامك في الصباح، وفي أكلك وشربك ولباسك وخلع ثيابك، وكل شيء، قال الله: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، فإذا عطلت السنة في مرفق من تلك المرافق، فإما أن تبقى عاطلة وإما أن تأتي البدعة، وهكذا المنكر. ثم بيّن ﷺ درجات تغيير المنكر بحسب إمكانات المغيِّر، فبدأ من القمة فقال: (بيده) ، والتغيير باليد لمن له سلطة. مثل سلطة الحاكم على المحكومين، وسلطة الوالد على الأولاد ما لم يكبروا، وسلطة كل راع في رعيته: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) ، فالمدير في إدارته، والناظر في مدرسته، والأستاذ في فصله، كل إنسان مسئول عمن استرعاه الله أمره. إذاً: يغيّر الإنسان المنكر بيده في حدود سلطته وسلطانه، أما إذا لم يكن في سلطانه فلا يتعطل الأمر بل ينتقل: (فإن لم يستطع -بأن كان خارجاً عن سلطانه، أو لم يخول إليه- فبلسانه) ، وكذلك أيضاً تغيير المنكر باللسان يتفاوت، ولذا جعل ﷺ (أعظم الجهاد: كلمة حق عند سلطان جائر) ، ومتى تكون كلمة الحق عند سلطان جائر؟ إذا ظهر المنكر، وقام صاحب الحق وقال كلمة الحق عند هذا السلطان، ولكن ليس كل إنسان يستطيع ذلك، فإذا كنت تعلم من نفسك القدرة والصبر وعدم التعرض للإيذاء أو الإهانة أو تعطيل قيامك بالأمر في موطن آخر، وتعلم أنه يسمع منك فقل كلمة الحق، ولتعلم أن الحكام والمسئولين لا شك أنهم مسلمون ويقبلون الحق، ولكن لهذا السلطان سلطان وهيبة، فلا ينبغي أن تأتيه في مجلسه أمام العامة وتقول: أيها الحاكم! أنت أخطأت في كذا وكذا، سبحان الله! أما وجدت وسيلة غير هذه؟!! لو كان إنساناً عادياً في هذا الجمع وقلت: يا فلان! أعلم عنك أنك فعلت كذا وكذا، فلا ينبغي لك هذا، هل هذا من باب الأمر والنصيحة أم هو من باب التشنيع والفضيحة؟ من باب الفضيحة.

стр. 532

لا إنكار في مختلف فيه ليكن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر متحلياً بالرفق متخذاً أسلوب الحكمة، ولهذا يقول العلماء: حينما يقوم الإنسان بهذه المهمة يجب أن يكون حكيماً بما يفعل، عالماً بما سينكر فيه، فيعلم أن ذلك محرم، ويكون التحريم بالإجماع، ولا يكون موضع خلاف عند الناس، مثلاً: أنت طالب علم في المسجد النبوي، وبعد صلاة العصر دخل رجل المسجد وصلى، وأنت ترى أنه لا صلاة بعد العصر، فإذا كنت فعلاً تريد أن تغيّر فيجب أن تعلم حكم هذه المسألة عند الجميع، فإذا كنت تعلم أن الشافعي ﵀ يرى جواز هذه الصلاة، فلا يحق لك أن تنكر على من صلاها؛ لأنه من حقه أن يقول لك: لم لا أصلي؟ فتقول: الأئمة الثلاثة يقولون: لا صلاة، فيقول لك: مذهبي مذهب الشافعي وهو يقول: تصلي، وليست مذاهبك بأولى من مذهبي، فتقول: الحديث فيه، فيقول لك: والحديث الآخر فيه: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي) ، وتتدخل في نزاع وخلاف لا ينبغي أن تتعرض له، فإن جاء وسألك بيّنت له الواقع، ولا تكتم الحق، وبيّن له بكل وضوح؛ لأنه جاء يستفسر عن الصحيح والراجح. وهكذا لما سئل أحمد ﵀: أتصلي خلف الشافعي وقد أكل لحم الجزور؟! وأحمد يرى أن لحم الجزور ينقض الوضوء، قال: وكيف لا أصلي خلف الشافعي وخلف مالك بن أنس وخلف فلان وفلان؟! فهذه مسألة خلافية، وهم يرون رأياً وهو يرى رأياً. قال عمر رضي الله تعالى عنه لرجل مر عليه: من أين جئت؟ قال: جئت من عند فلان، قال: في أي شيء؟ قال: احتكمنا إليه أنا وفلان في كذا وكذا، قال: بم حكم؟ قال: حكم بكذا، قال: لو كنتم احتكمتم إلي لحكمت بغير ذلك، قال: وما يمنعك وأنت أمير المؤمنين أن تمضي حكمك؟ قال: لا، لو كنت أردكم إلى نص قاطع فاصل لفعلت، ولكن أردكم إلى رأيي، وليس رأيي بأولى من رأيه، فـ عمر وهو خليفة راشد له حق التشريع: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) ، ومع ذلك يقول في مسالة اجتهادية خلافية: لو كنت أردكم إلى نص لفعلت، ولكن إلى رأيي، وليس رأيي أولى من رأيه، فكيف بك مع الغير؟!!

стр. 533

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا الباب -أيها الإخوة- تجب العناية به، وقد حمّل النبي ﷺ كل فرد مسئوليته، فذو السلطان في سلطانه، وذو الرعية في رعيته. وفي آخر المطاف: (فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) ، وفي رواية: (وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان) ، ولا يتساءل الإنسان: أغيّر المنكر بقلبي؟ وماذا سيؤثر على صاحب المنكر بتغييره في قلبه؟ المعنى: أن تنكر ذلك وتستنكر فعله، لا أن ترضى به وتركن إليه، ويقول العلماء: أثر ونتيجة تغيير المنكر بالقلب، أن استنكاره وعدم الرضا به، يجعلك في نفسك لا تأتي به وقد استنكرته من غيرك. ويقولون: سأل رجل عيسى ﵇: من أين لك هذا الأدب الرفيع، وأنت لا أب لك يؤدبك؟ قال: أرى الحسن فأستحسنه وأفعل مثله، وأرى القبيح فأستقبحه وأتركه ولا آتيه، فالعاقل يرتاح. إذاً: أول درجات التحصيل في إنكار المنكر بالقلب: هو الصيانة والبعد عن فعله. ثانياً: حينما تستنكر الفعل بقلبك يظل إنكار المنكر قائماً، لكنه دفين كامن ولعلك تنقل هذا الإحساس إلى من يقدر أن يغيره بلسانه أو بيده، أو تظل أنت على علم حامل لهذا الأمر، ولعلك أن تتمكن في وقت من الأوقات فتغير هذا المنكر بالدرجات الأخرى: باللسان، أو باليد. إذاً: إنكار المنكر بالقلب إبقاء لهذا المنهج حتى لا يضيع ولا يندثر عند الناس. قال: (أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) ، ومن المعروف ما يتعلق بالأمور المادية مثل إطعام الطعام، والنفقة على الأولاد، والنفقة على الزوجة، كما قال ﷺ لـ سعد: (واللقمة تضعها في فِي امرأتك صدقة) .

стр. 534

العادة تكون عبادة بالنيبة الصالحة في نهاية هذا الحديث يقول ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة) ، وفي الحديث الآخر: (وتعين الرجل على متاعه صدقة) ، إنسان عنده متاع غير قادر أن يأخذه، فساعدته على حمله على ظهره، أو عنده دابته، وحمله موجود، فتحمل معه المتاع على الدابة فلك صدقة، تعين صناعاً في صنعته صدقة، أو نجاراً يريد ينشر خشبة وهو غير قادر أن يمسكها فمسكتها حتى نشرها، أو يريد أن يحزمها بحبل وساعدته في حزمها، (ومر ﷺ برجل ذبح شاة، ويريد سلخها ولم يحسن، فحسر عن كمه ﷺ وأدخل يده بين الجلد واللحم وأدارها وقال: هكذا تفعل) ، سبحان الله العظيم! لا يستنكف عن أن يساعد، وكونك ترشد الضال فتهديه حساً أو معنى سواء، شخص كفيف لا يعرف أين بيته، وسألك: أين بيت فلان؟ فتهديه إلى هذا البيت، فهي صدقة منك عليه وعلى نفسك، إنسان جاهل تعلمه صدقة، فأبواب الخير والصدقة كثيرة جداً، وقد جاء في الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) . ثم قال: (وفي بضع أحدكم صدقة) ، البضع هو عضو الإتيان بين الرجل والمرأة، فهنا استغرب الصحابة: في بضع أحدنا صدقة؟! صدقة على من؟ صدقة عليكما الاثنين، صدقة عليك أولاً؛ لأنها تعفك وتغض بصرك، وصدقة على الزوجة التي هي أمانة في يدك، فتؤدي حقها، فاستعجبوا: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال: أرأيتم -انظروا الأسلوب النبوي للتعليم بالمحسوس، واستنتاج الحكم من السائل- لو وضعتها في حرام أكان عليك وزر؟ قالوا: نعم، قال: أتحتسبون بالوزر ولا تحتسبون بالأجر؟!) ، تعدون الشرع على أنفسكم وتتركون الخير ولا تحتسبونه؟! وقول السائل للنبي ﷺ : (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟) ، ويقيس ﷺ في الجواب بقياس العكس. هنا، وإن حسن النية يقلب العادة فيصيرها عبادة، لو أكلت لقمه وأنت جائع، ولكنك تنوي بأكلها التقوي على طاعة الله، فتشبع وتتمتع بالأكل ولك أجر، لو نمت القيلولة ونويت بذلك الاستعانة على أداء واجبك في النهار أو قيام الليل كان لك في ذلك أجر، إذا لبست ثيابك ونويت شكر النعمة وستر العورة وأداء الواجب كان لك بذلك أجر، لكن لو كنت تلبس لتتفاخر وتتطاول على الناس، أو تنام لتتقوى على سهرة في لعبة أو كذا، كان ذلك بالعكس، كما قال ابن مسعود: (قال رسول الله ﷺ كلمة وقلت أنا كلمة، قال ﷺ : من مات يشرك بالله دخل النار، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة) ، يعني: قياس العكس، وهذا من تعليم النبي ﷺ للأمة، وهذا يدلنا أن النية الصالحة تقلب العادة عبادة. ولعلنا بهذا نكون قد أوفينا هذا الحديث بما تيسر. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ . والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 535

شرح الأربعين النووية - الحديث السادس والعشرون [١]

стр. 536

شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري ومسلم] . هذا الحديث يمكن أن يجعل له عنوان: شكر النعمة، أو صدقة البدن، ويمكن الربط بينه وبين الحديث الذي قبله: (ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم) فيأتي النووي ﵀ بعد هذا ليبين أن كل الصلوات وكل الصيام وكل الصدقات وما زاد عليه من الأعمال لا يؤدي شكر نعم الله على العبد. وفي هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى) لفظة: (كل) يسميها علماء المنطق والبيان سور كلي، يشمل كل سلامى في بدن الإنسان، ويختلف العلماء في تفسير السلامى، والمفصل والعضو والعظم كل ذلك جاء في الحديث النبوي، تارة (بمفصل) ، وتارة (بسلامى) ، وعلماء الطب القدامى كـ ابن سيناء في القانون يقسم العظام إلى ثلاثة أقسام: منها ما عليه بناء الجسم كالخشبة المعترضة في بناء السفينة يقام عليها بناؤها، وهو العمود الفقري وعظام الظهر، وهناك عظام جانبية قد تكون مساعدة وقد تكون مستقلة، وعقد ثلاثاً وثلاثين باباً في شرح العظام في جسم الإنسان، وقسمها أيضاً إلى السلاميات والسمسميات وهي عظام دقيقة بين المفصل والمفصل، أو بين العظم والعظم. والمتأمل في خِلقة الإنسان يجد الآيات الباهرات لا سيما من العظام التي تستخلص من كل عاقل الاعتراف بقدرة الخالق سبحانه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦-٧] وفي بعض القراءات: (فعدَّلك) ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨] ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] . إذاً: خلق الإنسان من أعظم آيات القدرة الإلهية. ومن أعظمها دلالة على القدرة الإلهية، والعلم الأزلي المحيط بكل شيء، اختلاف صورة هذا الإنسان، تجد آلاف الملايين من البشر لكل شخص طابع في وجهه خاص، مع أن القالب واحد، عينان وأنف وفم، وكل في موضعه، ولا تجد صورتين متحدتين تماماً تماماً، فلابد من المغايرة، فتلك الأشكال وتلك الصور آلاف الملايين، وعدم اختلاط بعضها ببعض؛ يدل على القدرة حقاً. قوله هنا: (كل سلامى) معناه باتفاق العلماء: عظماً أو مفصلاً، وجاءت الأحاديث: (ثلاثمائة وستون مفصلاً) ، وجاءت: (ست وثلاثون سلامى) على أنها السمسميات كما يقول علماء العظام. وقوله: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) يذكرنا الرسول ﷺ بواجب حفظها وصيانتها، وبأي شيء تكون تلك الصيانة؟ هل يكون بإدخالها الورش والمستشفيات والمعامل؟ لا. ولكن بالصدقات شكراً لله على تلك النعمة، ومهما يكن من شيء في هذا الموضوع فلا ولن يستطيع إنسان أن يؤدي شكر هذه النعمة، كما جاء في بعض الآثار، وقد جمع منها ابن رجب في شرح الأربعين نصوصاً كثيرة عديدة جداً، منها: (يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول المولى سبحانه للملائكة: زنوا عبدي بعمله وبنعمي عليه، فتقوم نعمة واحدة، نعمة البصر أو السمع تطالب بحقها من حسناته، فتستغرق جميع أعماله، فلم يبق له شيء) وعن وهب بن منبه: قال: كان رجل ممن كان قبلكم عبد الله في جزيرة في البحر خمسين سنة، فإذا كان يوم القيامة قال الله:) أدخلوه الجنة برحمتي فقد غفرت له، فيقول: يا رب! بل بعملي، وأي ذنب لي؟ فيقول: زنوا نعمي عليه بعمله، فتقوم نعمة السمع وتطالب بحقها فلم يبق له شيء، فيؤمر به إلى النار، فيقول: يا رب! أدخلني برحمتك، ثلاث مرات، فيدخله الله تعالى الجنة برحمته) وهذا الأثر في سنده كلام. ويذكرون أن رجلاً أوتي مالا ًكثيراً ثم أخذه الله عنه، فحمد الله وشكره، فجاء شخص آخر وقال: تحمد الله على أي شيء وقد أخذ جميع ما عندك؟ قال: أحمده على نعم له عندي، لو أعطاني ملوك الأرض عوضاً عنه لا يجزئ فيه، قال: وما هو؟ قال: سمعي وبصري وحمدي لله. ويذكرون أن رجلاً بات ليلة نائماً هادئاً، فإذا بعرق ينبض عليه بالألم فمنعه النوم، فقيل له: كم يوازي نعمة سكون هذا العرق عليك؟ فقال: بكل ما أوتيت من مال، كأن يثور عليه ضرس أو تضرب عينه، أو أي وضع من هذه الأوضاع فيتمنى أن يسكن هذا الألم بكل ما أوتي من مال. ولذا أول شكر النعمة: حفظ الجوارح من معصية الله، ثم زيادة على ذلك أن يصرفها في طاعة الله، في أداء الواجبات، ثم مرتبة ثالثة وهي: أن يصرفها في نوافل العبادات، سواء كانت في شخصه أو متعدية إلى غيره على ما سيأتي توضيحه من النبي ﷺ . على كل إنسان كل يوم أن يتصدق بعدد أعضاء جسمه، وتلك الصدقة هي صدقة شكر، وأي نعم أعظم على الإنسان من ذاته وشخصه؟!! وإذا اعترف الإنسان بنعم الله عليه كانت معرفته شكراً لها، كما جاء عن نبي الله موسى ﵇ أنه قال: (يا رب! إن صليت فمن قبلك صليت، وإن صمت فمن قِبَلك صمت، وإن بلغت رسالتك فمن قِبَلك بلغت، فكيف أشكرك على نعمك؟ فأوحى الله إليه: الآن -يا موسى- شكرتني) يعني: عرفت أن صلاتك من قِبَلي، وأنا الذي أعنتك ووفقتك إليها، وعرفت أن صيامك من قِبَلي، وأن قيامك وتبليغك من قِبَلي، فإذا عرفت أن تلك النعم من الله فقد شكرت: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ، ولذا جاء في الأثر: (من قال إذا أصبح: اللهم! ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر النعم) . (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم) (كل يوم) اليوم هو الزمن المحدد بأربع وعشرين ساعة في هذا العرض، أو ليلة معها نهار. قوله ﷺ : (كل يوم تطلع فيه الشمس) ، معروف أن اليوم هو من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس، وهو اليوم الحقيقي الفلكي ولكنه قال: (تطلع فيه الشمس) لرفع توهم اليوم اللغوي، كما تقول العرب: يوم ذي قار، وهو يوم حرب في الجاهلية، نبت فيه أجيال، أو تقول: يوم اليرموك، أي: وقعة اليرموك، وهي لم تكن في يوم واحد من مطلع شمس إلى مطلع شمس. إذاً: يحدد النبي ﷺ اليوم هنا بطلوع الشمس ليرفع توهم اليوم اللغوي، ولعل التنصيص على طلوع الشمس بتحديد الوقت الفلكي الحقيقي، يبرز لنا نعمة عامة: وهي طلوع الشمس من مشرقها على عادتها، وإلا لو حجبت عن الطلوع، وجاءت من مغربها قامت الساعة، فمجيء الشمس وطلوعها كل يوم فيه إنعام على الكون كله، نباته وحيواناته وإنسه؛ لأن في طلوعها حركة وحيوية وانتشار، فيذكر بأن هذه من النعم العظمى. ولعله يبين لنا: أننا لا نستطيع أن نأتي بالشمس فتشرق، كما قال الله: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام:٣٨] ، ليس هناك طائر يطير إلا بجناحين، ولكن هذان الجناحان لو تركا للطائر ما طار، ما يمسكهن إلا الله : ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور:٤١] ، من الذي يمسك الطائر وهو صاف هكذا؟ المولى سبحانه، فيبين أن القدرة الإلهية وراء الأسباب المادية، وقد يكون لبيان عظم الفعل كقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] ، لا يوجد كلمة إلا وتخرج من الفم، ولكن إكباراً واستنكاراً؛ لأنهم تجرءوا عن مجرد تفكير في الخاطر حتى تكلموا به، وخرجت من أفواههم مع عظمها فقالوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ [مريم:٨٨] . سبحان الله! فقوله: (كل يوم تطلع في الشمس) بيان لنعمة الله على الخلق في هاتين الآيتين الكونيتين الليل والنهار. قال ﷺ : (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) ، وبين أن في الجسم ثلاثمائة وستين مفصلاً، أي: في كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة، لو تصدق بثلاثمائة وستين تمرة لصارت كذا كيلو، وكذا صاع، وليس كل الناس يجد تمرات يأكلها في النهار، فضلاً عن التصدق بهذا. وهنا ﷺ وجه الأمة إلى أفعال من الخير والبر عوضاً عن تلك الصدقات المادية، كما في حديث أهل الدثور، وهنا يشترك هذا الحديث مع ذاك في بيان نوعية عمل الخير، فبين ﷺ أن الصدقة ليست قاصرة على المادة، بل هناك من الصدقات المعنوية ما تفوق المادة في عظمها وفي أجرها قال الله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، فليس كل نفقة في المال قد تنفع صاحبها.

стр. 537

شرح قوله: (تعدل بين اثنين صدقة) بين النبي ﷺ الصدقات المعنوية التي تنوب عن الماديات فقال: (تعدل بين اثنين صدقة) ، وقوله: (بين اثنين) يشمل كل الناس سواء القاضي في المحكمة بين المدعي والمدعى عليه، والحكمان بين الزوجين، وكل من تحاكم إليك، وفيه بيان مسئولية العدالة، وفي الحديث العام الذي يحمل كل إنسان تلك المسئولية: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ، كالحاكم راع مسئول عن رعيته، وقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه يعس في الليل يتفقد أحوال رعيته. والمسئولية واقعة على صاحب الإدارة والمدرس في الفصل، والوالد مع أولاده. إذاً: كل إنسان مسئول في جانب ما، فيعدل بين من هو مسئول عنهم، فهذا العدل صدقة. وفي الحديث الآخر: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: علمنا كيف ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: كفه عن ظلمه نصرة له) ؛ لأنك تنصره على نفسه، وإذا لم تفعل بات ظالماً، والظالم لا يكون على خير، (الظلم ظلمات يوم القيامة) ، فأنت بنصرتك إياه، وكفك إياه عن الظلم أخرجته من ظلمات الظلم إلى نور العدالة. وفي الأثر: (إن الملائكة نظرت إلى أعمال العباد التي تصعد من الأرض إلى السماء فاستعظمت عملين، وتمنت لو تنزل إلى الأرض وتعمل بهما: العدل بين الناس وسقي الماء) ، فهذان العملان لا يعادلهما عمل؛ ولذا جاء في الأثر: (عدل ساعة خير من عبادة ستين عاماً) ؛ لأن عدل الساعة الواحدة تحقيق للحق في الأرض. قال: (تعدل بين اثنين) ، والعدل بين الاثنين ليس مجرد إعطاء كل ذي حق حقه، بل تشمل العدل في الخطاب، والعدل في السماع، والعدل في التعامل، حتى في بشاشة الوجه، ذكر العلماء هذا في آداب القضاء، وذكروا: أنه يجب عليه حتى العدل في قسمات الوجه بين الخصمين، فيجب أن يساوي القاضي بينهما، فلا يبتسم لهذا، ويكشر لذاك: (تعدل بين اثنين صدقة) .

стр. 538

شرح قوله: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها صدقة) وقوله: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمل له متاعه صدقة) ، إنسان عنده حمل ويريد أن يضعه على الدابة، وحمل الدابة من شقين، فيحتاج إلى من يسانده، أو أن الحمل ثقيل فترفع معه، ومثل الدابة الآن السيارة، فتساعده على حمل متاعه على سيارته، ويأتي في هذا الباب حديث: (وأن تفرغ من دلوك في دلو أخيك) ، أن تمده بفضل الحبل للدابة أو الحمل، إذا كان الحبل الذي معه قصيراً وعندك فضلة حبل فتعطيها إياه، وكل ما يمكن أن يوصل معونة للآخر، فلو أنك في السيارة تمشي في طريقك، فإذا سيارة معطلة تحتاج إلى اشتراك، فوقفت وأعطيته الاشتراك، فهذا صدقة، أو تجد سيارة مبنشرة تحتاج إلى الرافعة أو صامولة أو مسمار، أو أي شيء آخر، فكل ما يمكن أن تمده به ضمن قوله: (أن تفرغ من دلوك في دلو أخيك) ولو أن سيارة انتهى منها البنزين، وأعطيت صاحبها جالوناً بنزين، ولو بالثمن فهو صدقة؛ لأنه منقطع في الطريق، ويتمنى أن يشتريه ولو بأضعاف قيمته. وباب الصدقة المعنوية باب واسع جداً: تحمل الرجل على دابته، تعينه عليها، تساعده على رفع الحمل عليها؛ كل ذلك من باب الصدقة، وجاء في الأثر: (تهدي الرجل الطريق، تساعد العيي في القول، تسمع الأصم، ترشد الضال، تهدي الزقاق -أي: الطريق-، وتهدي الورق؛ (كل ذلك صدقة) ، وقالوا: القرض إلى زمن الأجل كل يوم للدائن فيه حسنة، وإذا جاء الأجل وأنظرته كأنك تتصدق عليه كل يوم بقدر دينك الذي عليه، فتكون الصدقة حسنة واحدة، والقرض حسنتان. وقال النبي ﷺ : (أمر بمعروف صدقة، نهي عن منكر صدقة، تميط الأذى عن الطريق صدقة. إلخ) ، وإن لم يستطع فأبواب الخير كثيرة، وفي الحديث: (ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) ، وفي حديث آخر: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) ، وكل ذلك من باب الصدقة على نفسك وعلى أخيك، والرسول ﷺ ذكر هنا أمهات أبواب الخير، فالعدل يشمل عدل الراعي إلى عامة الرعية، وتعاون الناس حتى على الدابة، جاء في الماعون: (لا تمنع ماعونك عن غيرك) وكما جاء في الحديث: (إذا لم أجد؟ قال: تعمل بقوتك فتتصدق) أي: تحمل بقوة زنديك متاع غيرك، وتسعى بعظمي ساقيك في إغاثة ملهوف استغاث بك، وكل ذلك ذكره ﷺ .

стр. 539

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة ثم قال ﵊: (أمر بمعروف ونهي عن منكر صدقة) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر به قوام الأمم، والحفاظ على المجتمعات، وبه يحمل المجتمع مسئولية نفسه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس خاصاً بهيئة معينة، ولكن الهيئة لها اختصاصات، ولها محيط، ولها صلاحيات، أما بقية الناس فكل بحسب استطاعته: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) هذه للهيئة التي لها الأمر، (فإن لم تستطع فبلسانك) ، وهذا كما في الآية الكريمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ، هذا مع مرتكبي المنكر، فكيف إذا كان مع شخص غير ذلك؟! والمجتمع إذا اختفى فيه المنكر، وتفشى فيه المعروف، كان مجتمعاً مثالياً؛ لأن النهي عن المنكر درء للمفاسد، والأمر بالمعروف جلب للمصالح، وإذا كان المجتمع متعاوناً على ذلك كان كالأسرة الواحدة، وأعتقد أن كبار السن الموجودين كان الواحد منهم إذا وجد ولد جاره على خطأ نهاه وضربه، فإذا ذهب الولد يبكي إلى أبيه ضربه أبوه وقال: هذا مثل أبيك، فتعاون المجتمع كله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو أن جاراً رأى امرأة جاره تخرج في الطريق لردها، وشكره جاره على ذلك، أما الآن إذا كلمت ابن جارك: قال لك أبوه: ليس لك دخل، ولو أنك تكلمت مع زوجة جارك في نهي عن منكر لاتهمت بكل ما لا يرضي. وإليك مقارنة قرآنية بين أمتين في هذا الباب، يقول المولى سبحانه في أمم ماضية: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] ، لماذا؟ ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] ، كانوا لا يتناهون ولا يتناصحون أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، حتى ظهرت المنكرات. وانظر في المقابل في هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، ما هي مسوغات هذه الخيرية؟! وهل هي منحة بدون مقابل؟ وهل هي هبة من الله بدون شيء؟ لا، بل لها سبب، وكما يقول القضاة: حيثيات الحكم، فاستحقت الأمة الحكم لها بالخيرية بأمرها بالمعروف، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] سبحان الله! ما قال: أخرجت في الوجود، لا، بل قال: (أخرجت للناس) يعني: أخرجتم لغيركم، في أي شيء؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، فبسبب عدم تناهي بني إسرائيل كانت تلك النتيجة، وبسبب قيام هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت هذه الشهادة. إذاً: خيرية الأمم وقوام المجتمعات والحفاظ عليها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومهما كان المعروف الذي أمرت به أو كان المنكر الذي نهيت عنه قليلاً ففضل الأمر والنهي موجود ولك الأجر، والدال على الخير له كأجر فاعله، فلو أمرت إنساناً بمعروف كان يجهله وعمل به وأخذه غيره عنه؛ فلك أجر ذلك إلى يوم القيامة، وإذا نهيت إنساناً عن منكر يفعله، وكف عنه؛ فلك أجر ذلك إلى يوم القيامة، وفضل الله كبير، ونعمه على العباد عظيمة، يجزل العطاء في أقل شيء. (وأمر بمعروف صدقة) أي: مطلق المعروف.

стр. 540

شرح قوله: (الكلمة الطيبة صدقة) قال ﵊: (والكلمة الطيبة صدقة) (الكلمة الطيبة) مطلقة، مثل كلمة: السلام عليكم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فهي صدقة، جاء عنه ﷺ أنه كان جالساً مع أصحابه، فجاء رجل فقال: (السلام عليكم، فردوا عليه، فقال الرسول ﷺ : عشر، وجاء آخر وقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردوا عليه، فقال الرسول ﷺ : عشرون، فجاء ثالث وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون، فقالوا: يا رسول الله! ما عشرة وعشرون وثلاثون؟ قال: حسنة بعشر أمثالها) ، أي: الأول قال: السلام عليكم فهذه كلمة واحدة، والثاني زاد: ورحمة الله، والثالث زاد: وبركاته، وكل كلمة بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، فالكلمة الطيبة مهما كانت فهي صدقة. وليعلم الإخوة أن تعود اللسان على الكلمة الطيبة منحة من الله؛ ولهذا ينبغي على المسلم أن يعود لسانه اللفظ الطيب، ويتجنب اللفظ القبيح ولو كان حقاً؛ ولذا قال ﷺ : (لا تلعنوا الشيطان، واستعيذوا بالله من شره) ، لماذا لا نلعنه وقد لعنه الله في كتابه؟ قالوا: لئلا يتعود اللسان على اللعن، فإذا كنت في كل وقت تلعن إبليس وتلعن الشيطان، فبعدها وقد تلعن والدك، وبعدها تلعن الناس وصار لسانك متعوداً على اللعن، فينبغي على العبد أن يعود لسانه على الكلمة الطيبة، وتجد بعض الناس عود نفسه على الكلمة الطيبة، فلا يقول كلمة تحتاج إلى اعتذار، والله ضرب المثل لكلمتين إحداهما طيبة والأخرى خبيثة، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم:٢٤-٢٥] ليس من السنة إلى السنة، أو موسم وموسم، ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٥] ، والخبيثة لا حول ولا قوة إلا بالله! نعوذ بالله منها! : ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم:٢٦] . يقول العوام: الكلمة الطيبة تبقى ويبقى أثرها، والكلمة السيئة يذهب بها الغضب، ويبقى أثرها في النفس. إذاً: (الكلمة الطيبة صدقة) ، والله بين لنا ذلك في الآية التي أشرنا إليها: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، وكذلك الرسول ﷺ يدلنا عليها في معاملته مع الذين يأتون ويسألونه. وتنبغي الكلمة الطيبة في تعامل الإنسان مع الآخرين، إن كان في مرتبة المسئولية أو المساواة والزمالة أو الأخوة أو بأي حالة من الحالات، فتعامل الناس بالكلمة الطيبة خير، يقول الناس: لو كان لإنسان عندك حاجة ولم تقضها له، وقابلته بكلمة طيبة رجع من عندك، وقد طيبت خاطره بالكلمة الطيبة، ولذا يقول الإمام علي ﵁: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن سعوهم بأخلاقكم) . إنسان جاء يطلب منك قرضة حسنة، فلم تعطه مخافة أن تعطيه فلا يردها عليك، وهذا -والله- هو شح النفس، وقد جاء عن ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد أنه قال: (جاء علينا زمان ما كان أحدنا يرى له فضلاً في درهمه على أخيه -يعني: كانوا يؤثرون غيرهم على أنفسهم- ونحن في زمان -هذا كلام ابن عمر، في الصدر الأول، في خير القرون- الدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه) . فيا سبحان الله! ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذا كان هذا في ذاك الزمن، فكيف حالنا الآن?! لو جاءك إنسان يطلب منك قرضاً أو عارية وأنت في حاجة إليها، كأن يطلب منه آنية أو ماعوناً، أو جاء ليطلب منك دابتك أو سيارتك وأنت في حاجة إليها، فتقول: والله -يا فلان- أحب أن أعطيك إياه، ولكن أنا الآن بحاجته، أو أنا الآن أريد أذهب مشواراً، لكن بعد أن أرجع، فأنت منعته ولكن قابلته بكلمة طيبة. وكما أشرنا: الصدقة بحسنة واحدة، والقرض بحسنتين؛ لأن الذي يتصدق يتصدق بغلبة ظنه على من يراه محتاجاً، وقد يتصدق عليه غيره، ولكن المقترض يأتي بدافع الحاجة المحققة، فأنت تسد حاجته، فإن أعطيته فالحمد لله، وإلا اعتذرت إليه بمعروف. الكلمة الطيبة تكون بينك وبين ولدك، وزوجك، وجارك، وزميلك، وصديقك، وأي شخص لك معه علاقة فكلمه بكلمة طيبة، فتكون صدقة لك؛ لأنك طيبت خاطره بهذه الكلمة.

стр. 541

الخطى إلى الصلاة صدقة قال ﵊: (وبكل خطوة) في اللغة خَطوة بالفتح، وخُطوة بالضم، الخَطوة -بالفتح- حركة القدم، والخُطوة -بالضم- كالمسافة التي خطوتها، فتقول: من هنا إلى الباب عشرون خطوة، وتقول: خطوت خطوتين، يعني: بالقدم، ولو كان شبراً واحداً، فبكل خطوة تخطوها أي: بكل حركة؛ ولذا جاء في الحديث: (إذا توضأ العبد في بيته، ثم خرج إلى المسجد كان له بكل خطوة يخطوها حسنة، في رفع قدمه حسنة، وفي وضعه حسنة) ، وفي بعض الروايات: (برفع قدمه يرفع له درجة، وبحط قدمه تحط عنه سيئة) يعني: يعطى حسنة، وتكفر عنه سيئة، وخَطوة وخُطوة معناها هنا واحد. إذاً: الخُطوة أو الخَطوة إلى المسجد فيها صدقة، وجاء في بعض الروايات: (فإذا أتى إلى المسجد، وصلى الفريضة كانت له نافلة، أو قام إلى الصلاة ولا ذنب له) . أيهما أفضل: البيت الذي يبعد عن المسجد، وتكثر الخطى في الإتيان إليه للبعد أو القريب من المسجد وتقل الخطى إليه؟ في كل خير، ومن العلماء من يقول: البعيد؛ لأن الأجر على قدر المشقة، ولكن هذه القاعدة يجب أن يتنبه إليها، فالأجر على قدر المشقة لا أن تحمل نفسك مشقة لتحصل على أجر. بل الأجر على قدر المشقة في التكليف الذي كلفت به من الشارع لا منك أنت، كما قالوا: الفضيلة الذاتية خير من الفضيلة الإضافية، ففي الطواف بالبيت إن كنت تطوف محاذياً للبيت في محيط الدائرة فقد تكون الطوفة خمسمائة خطوة، وإن ابتعدت عن محاذاة البيت حوالى عشرة أمتار عن محيط الدائرة فستكون المسألة ضعف هذه الخطوات، فما هو الأفضل: أن تدنو من البيت مع قلة الخطى أو تبعد من البيت لكثرة الخطى؟ يقول النووي ﵀: الفضيلة الذاتية خير من الفضيلة الإضافية، فالطواف من خصائص البيت، فأيهما يكون ألصق من الطواف بالبيت: إذا اقتربت أم إذا ابتعدت؟ إذا اقتربت. فذاتية الطواف ألصق بجدار الكعبة من كثرة الخطى. إذاً: الاقتراب من الكعبة أفضل مع قلة الخطى، وكذلك صلاة الجماعة بالنسبة للفريضة، إن صليت في أي مسجد من مساجد البلد في جماعة حصل لك سبع وعشرون درجة، وإن كنت في المدينة، وجئت إلى المسجد النبوي، وفاتتك الجماعة وتصلي فرداً، (فصلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة فيما سواه) فإذا خرجت من بيتك من الحرة أو زقاق الطيار وقد أصبح الآن على حافة المسجد النبوي، فإذا جاء إنسان من أطراف المدينة يريد الصلاة في المسجد النبوي، ولكنه تعطل في الطريق، وكانت الجماعة في المسجد النبوي انتهت، ولكنه مر في طريقه بمسجد فيه جماعة: فهل يدخل ويصلي ويدرك الجماعة معهم أم يمشى إلى أن يأتي إلى المسجد النبوي؟ أيهما أحق وأولى: أن يؤديها جماعة ولو في مسجد في طرف البلد أم يترك الجماعة ويأتي ليحصل على فضيلة ألف صلاة في المسجد النبوي؟ هذه المسألة قامت فيها مشكلة وخصومة عند باب المسجد في الثمانينات، أشخاص يريدون الصلاة في المسجد النبوي ولو فاتتهم الجماعة، وآخرون يريدون الجماعة، وهم طلبة علم. المهم: يؤكد النووي ﵀ أن صلاتك الفريضة في مسجد مع الجماعة أفضل من أن تترك الجماعة وتأتي تصليها فرداً في المسجد النبوي، لماذا؟ يقول: كونك توقع الفريضة في جماعة أفضل؛ لأن الجماعة من اختصاص الصلاة، فهي فضيلة ذاتية، ولكن إذا جئت إلى المسجد النبوي فهل حصلت على (ألف صلاة) من أجل الصلاة أم من أجل المسجد؟ الجواب من أجل المسجد، وفضيلة المسجد بالنسبة للصلاة ليست ذاتية ولكنها تبع (إضافية) . إذاً: قرب البيت من المسجد أو بعد فبكل خطوة لك حسنة: فهل ندنو ونقترب من المسجد أو نبعد من أجل أن تكثر الخطى؟ يتفقون على أن قرب البيت من المسجد من الفضائل؛ لأنه يعين الإنسان على أداء الجماعة، فإذا كان بطبيعة الوضع جاء من بعيد، وتحمل المجيء، فهذا أمر لم يتكلفه هو، وفي الصدر الأول أراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى جوار المسجد، وقد كانوا يسكنون عند مسجد القبلتين، فقال لهم ﷺ : (دياركم تكتب آثاركم) ، أي: (الزموا) اسم فعل الأمر (الزموا دياركم تكتب آثاركم) أي: مجيئكم، وقيل: إن النبي ﷺ أراد أن يبقى هؤلاء في أماكنهم حماية للمدينة؛ لأنه إذا أراد قوم أن يغيروا عليها وما وجدوا أحداً، فاجئوا الناس في المسجد، لكن حينما تكون كل قبيلة في منازلها حول المدينة فلا يمكن أن يفاجأ أهل المسجد بإغارة، فأمرهم أن يبقوا في أماكنهم لما لهم في ذلك من أجر لهم بكثرة الخطى، ولما في وجودهم من مصلحة. إذاً: إذا أكرم الله العبد بدار قريبة من المسجد فهذه نعمة من الله، وأقرب بيت للمسجد كان بيت رسول الله ﷺ ، ثم خوخة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وقد كانت موجودة في الأمام، فردوها إلى الوراء حينما توسع المسجد إلى الغرب،، وكنا نتمنى لو وضعت في محلها الأساسي إشارة لها، ولكنهم كلما وسعوا المسجد إلى الغرب نقلوا خوخة أبي بكر. وكانت أبواب الخلفاء قريبة من المسجد، فـ عمر كان في بيت حفصة وهو في قبلة المسجد، واشتري منها عند توسعة المسجد، وهكذا بيت عثمان كان في الجهة الشرقية، إذاً: القرب من المسجد فضيلة، والرسول ﷺ لما حج حجة الوداع، وجاء إلى منى، ونزل في مسجد الخيف، خط للمهاجرين بالجهة الشرقية أو الغربية بجوار المسجد، وخط للأنصار من الجهة الثانية بجوار المسجد، وأمر كل القبائل أن تنزل من ورائهم. يأتي مبحث آخر: صلاة المرء في بيته ليس فيها خطى تحسب له، فهناك حديث: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) . فهل قوله: (لا صلاة) بمعنى لا صحة أم لا فضيلة؟ الكلام في هذا كثير، وهل الجماعة شرط في صحة الصلاة أو شرط مستقل في كمالها؟ قال بعض العلماء: لو كان بيته قريباً من المسجد فليمش بخطى صغيرة صغيرة حتى يكثر الخطى! وهذا تكلف ليس له محل. إذاً: (وبكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة) ، وجاء في بعض الروايات: (تخطوها في ظلام الليل) ؛ لأن المشي في الظلام ليس كالمشي في النور؛ ولذا صلاة العتمة وصلاة الفجر بين ﷺ أنه لا يتخلف عنهما إلا منافق؛ لأنه لا يرى في مجيئه إلى المسجد، أما الظهر والعصر فإنه يشاهد، لكن العشاء والفجر إنما يأتي من يصلي لله.

стр. 542

إماطة الأذى عن الطريق صدقة وقوله ﷺ : (تميط الأذى عن الطريق صدقة) ، نحن نقول لأمناء البلديات والذين ينادون بالحضارة والمدنية وبالنظافة، والذين يتغنون بسويسرا أنه لا تجد في الطريق ورقة، ولا تجد قشرة فاكهة، فنقول: تعالوا إلى سنة رسول الله، فهو من قبل أربعة عشر قرناً يحث على إماطة الأذى عن الطريق، وكيف تميط الأذى عن الطريق؟ ترفعه، فمثلاً: إذا وجدت قشرة موز في الأرض أخذتها، كي لا ينزلق بها البعير أو الإنسان الغافل، فهي مثل الصابون، فإذا كان رفعك لها عن الطريق صدقة، فكيف بك في عدم إلقائك إياها في الطريق؟!! إذاً: نتمدح بالحضارة الغربية، وعندنا هذا الأصل من السنة النبوية، ونقول لأولئك الذين يلقون بفضلات بيوتهم في قارعة الطريق، ونقول لأولئك الذين يبنون العمارات ويرمون النفايات في قارعة الطريق، نقول لأولئك الذين يحفرون الحفر من بيارات وغيرها ولا يضعون حواجز ولا علامات عليها، نقول لكل من يلقي قذارة في طريق المسلمين: إنك خالفت سنة رسول الله، فخذ السنة. ينبغي أن تكون البلدية أحرص ما تكون على تطبيق هذه السنة، والمناداة بتطبيقها لا بنظام كذا، ولا بقانون كذا، ولا بعرف كذا، بل نقول: هذه سنة رسول الله ﷺ . وكلمة (الأذى) لا حد لها، جاء في الحديث: (ترفع العظم عن الطريق) ، وفي بعض الآثار أن الأذى حينما ترفعه يشكرك ويقول: حفظت الناس من أذاي، أو ترفع حجراً عن طريق المسلمين يشكر لك أنك جنبت الناس شره، وإذا جئت إلى كلام الفقهاء تجدهم يقولون: من ألقى أذى في الطريق وتسبب بذلك في جناية على إنسان أو حيوان فهو مسئول ويضمن، ويمثل الحنابلة، لذلك فيقولون: لو أنك سكبت الماء مع الصابون في الطريق فجاء بعير وانزلق فكسرت رجله فأنت ضامن، فالطريق ليس حقك وملكك لوحدك، بل الطريق لجميع المسلمين؛ ولذا نهى ﷺ عن الصلاة على قارعة الطريق، وليس للنجاسة كما يظن البعض، ولكن لأنك تغتصب حق المسلمين، وتمنع من يريد أن يمشي، فالطريق جعلت للمشي لا للصلاة، فلا تحتكر شيئاً لعامة الناس لمصلحتك أنت، فلا يجوز لك أن تصلي على قارعة الطريق، واتفق العلماء على أن من حفر حفرة بيارة أو غيرها، ولم يجعل عندها نوراً أو شبكاً يمنع الإنسان من السقوط في ظلام الليل، ويمنع الأطفال من السقوط فيها، فسقط أحد الناس فتلف فصاحبها ضامن. وقد جعل الرسول ﷺ الإيمان بضعاً وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى، ويستحب بعض العلماء حينما تميط الأذى عن الطريق أن تتلفظ بقولك: لا إله إلا الله؛ لتجمع بين طرفي شعب الإيمان، فأمطت الأذى وهو أدناه، وذكرت أعلاها: لا إله إلا الله، فتكون بذلك قد جمعت بين طرفي شعب الإيمان. هذا الحديث جزئياته لا تنتهي، وطرق الخير كثير، وحينما قال الرجل: إذا لم أستطع ذلك، قال: (تكف شرك عن الناس فإنها صدقة) ، صدقة عليك وصدقة عليهم، تريحهم من الأذى، وتريح ملائكتك من التسجيل عليك، فكف شرك عن الناس صدقة. وبالله التوفيق.

стр. 543

الأربعين النووية - الحديث السادس والعشرون [٢]

стр. 544

فضل صلاة الضحى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: روى مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم: (ويجزئ عن ذلك كله ركعتا الضحى) ، وفي بعض النسخ: (ركعتي الضحى) يعني: صلاة ركعتي الضحى. والبحث هنا في جانبين: كون النبي ﷺ جعل مكان تلك الأنواع من الصدقات ركعتي الضحى، والمطلوب ثلاثمائة وستون صدقة، فكأن الحديث يقول: صلاة ركعتي الضحى تعادل ثلاثمائة وستون صدقة. وكون النبي ﷺ يجعل الصلاة من حيث هي عوضاً عن فقد النقد والمادة، بينما القرآن يجعل العوض الصوم؛ لأن المولى سبحانه جعل في كفارة الظهار عتق رقبة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢] أي: ستين يوماً، وفي كفارة اليمن عتق رقبة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] ، وفي كفارة القتل خطأً: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، وفي كفارة الظهار عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً بالترتيب. فالقرآن اعتبر الصوم محل المادة في العجز بل إنه يجبر العجز في الحج: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة:١٩٦] ، ما قال: طواف ستين أو سبعين شوطاً، بل قال: ﴿فَصِيَامُ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فجعل الصوم مكان هدي التمتع. إذاً: في نصوص القرآن نجد الصوم نيابة عن المادة في تصحيح الحج بالصوم عن دم الهدي. حتى أيضاً في فدية الأذى، في حلق الشعر، وهو من محظورات الإحرام، حمل كعب بن عجرة إلى رسول الله ﷺ من كثرة هوام رأسه، فقال ﷺ : (ما كنت أرى أن بلغ بك الأذى ما أرى) ، ومما ذكر له: (صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين) ، وكل ذلك فيما يتعلق بالدماء إن عجز عنها. وإن أتينا إلى أمور الأسرة، وإلى الظهار، وإلى كفارة الظهار: وجدناها صوم شهرين، وإذا جئنا إلى كفارة اليمين وجدنا صوم ثلاثة أيام، وإذا جئنا إلى كفارة القتل خطئاً عوضاً عن عتق رقبة وجدنا صيام شهرين، فباب المادة والمال نجد أن العوض عنها الصوم، وهنا المطلوب صدقة، فإذا عجزوا عن الصدقة لم يرشدهم إلى الصوم كما جاء في القرآن. فالسؤال الأول: ما الفرق بين الصوم في البدل ونيابة المادة في كتاب الله وبين الصلاة من حيث هي؟ أرجو من الإخوة طلبة العلم أن يبحثوا فيه، فإني لم أجد في ذلك إلا ما يوحي به بعض كلمات الشراح من أن الصدقة عن الأعضاء تعوز المتصدق إلى المال، والصدقة مطلوبة هنا عن جسم الإنسان، فقيل: إن الصلاة هنا بدل من الصوم أو غيره؛ لأننا نريد زكاة هذا البدن شكراً لله على ما فيه من نعم، فإذا قمت وصليت لم يبق عضو في الجسم إلا تحرك شكراً لله. فإذا مشيت من البيت إلى المسجد خطوت إلى المسجد، وإذا وقفت في المحراب أو استقبلت القبلة وحركت يديك وقلت: (الله أكبر) ، نطق لسانك، وتحركت يديك، وانثنى صلبك، وارتفعت، وسجدت، وقامت جميع أعضاء الجسم، فتلك السلامى كلها تحركت في شكر الله تعالى. إذاً: هذا الحديث مغاير لأسلوب القرآن في استبدال الصوم عن المادة في موقعه؛ لأن الصدقة هنا مطلوبة لذات البدن بخلاف الصوم في الظهار، وكفارة اليمين، فهو خارج عن موضوعها، وذلك من فضل الله على الأمة، فلم يقفل أمامها طريقاً إلا أوجد لها ما تعوض به عنها. السؤال الثاني: إذا كانت الصلاة هي التي تؤدي به هذا الواجب، والجسم يؤدي واجبه بنفسه فيشكر الله على ما فيه من نعم، حتى العين والأذن تشكر لله، فالعين تنظر إلى القبلة أو تبصر إليها أو تنظر إلى كتاب الله لتقرأ في الصلاة، والأذن تسمع التسبيح والتحميد، والقلب مع هذا كله قد عقد النية شكراً لله، فلماذا اختصت بهذا صلاة الضحى؟ إن كان ولابد من صلاة فكم من نافلة يصليها الإنسان! وكم من وقت صالح لأداء الصلاة، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] ، وهذه جاءت في وضح النهار في الضحى، ولم تأت في جوف الليل، فلماذا؟ الجواب بعض العلماء يختصر الطريق ويقول: لعل في صلاة الضحى سر لا يعلمه إلا الله، فنكف ألسنتنا؛ لأن جميع العبادات فيها أسرار، وإن علمنا بالبعض منها فلا يستطيع إنسان أن يدعي الإحاطة: لماذا الصبح ركعتين بعد نوم طويل وراحة، والظهر أربع ركعات في وقت عناء النهار، وكذلك العصر والمغرب، والعشاء عند النوم وفيه الراحة أربع ركعات؟ لا تستطيع أن تعلل شيئاً، وإن قلنا: أوقات الصلاة ربطت بآيات كونية ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، آيات كونية تتغير وتوجب الشكر، وتوجب النظر في ملكوت الله، وتستظهر القدرة الإلهية في حركة هذا العالم، فتأتي الصلاة مع القدرة متوازيان، ولكن لماذا كانت هذه اثنتين، وتلك ثلاث، وتلك أربع؟! حكم لا يعلمها إلا الله. وبعض الفقهاء حاول الكلام في هذا، ولكن حقيقة الأمر عند الله، وإذا استقر الأمر على الضحى، فبقي سؤالان: حكم صلاة الضحى، واختلاف الصحابة فيه، واختصاص الضحى عن بقية الصلوات.

стр. 545

حكم صلاة الضحى هذا الحديث من أقوى الأدلة في مشروعيتها، وأنصح إخواني الطلبة أن يرجعوا إلى التمهيد في الجزء الثامن، فإن ابن عبد البر استوفى هذا البحث إلى أقصى حد، في الحديث الذي رواه مالك عن أم المؤمنين عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ سبح سبحة الضحى قط) . انظروا إلى هذا التصريح: (ما رأيت رسول الله ﷺ سبح -يعني تنفل- سبحة الضحى قط) يعني: نافلة الضحى، أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ أم المؤمنين عائشة تقول هذا! بينما جاء عن أم هانئ في الصحيحين قالت: (عام فتح مكة دخلت على رسول الله ﷺ فإذا به يغتسل وفاطمة تستره، فسلمت، فقال: من هذه؟ فقلت: أم هانئ، قال: مرحباً بـ أم هانئ، وقالت: إن علياً يزعم أنه قاتل فلاناً وقد أجرته، فقال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ! فلما قضى غسله التحف بملحفة وصلى ثمان ركعات) وعند بعض رواة الحديث من أهل السنن: (سألته: ما هذه الصلاة يا رسول الله؟! قال: الضحى) . بعض العلماء يقول: إنها صلاة شكر على الفتح، وخالد بن الوليد أحياناً كان يصليها إذا فتح الله عليه مدينة من المدن. وقد تنازع العلماء في مشروعية الضحى؛ لأن أم المؤمنين وهي أقرب الناس إليه، وأعرف بصلاته في الداخل تقول: (ما رأيت) . وقيل لـ عبد الله بن عمر: أعلمت أن النبي ﷺ صلى الضحى؟ قال: لا، ولا أبا بكر ولا عمر! ولكن مالك ﵀ يتمم حديث عائشة وأنها قالت: (وإني لأسبحها) ، وفي رواية: (وإني لأحبها) ، وفي رواية: (ولو بعث لي أبواي ما تركتهن) . فكيف الجمع بين قولها هذا وقولها: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصليها قط) ؟ ورد في بعض الروايات: (كان ﷺ يترك العمل وهو يحبه كراهية أن يفرض على الناس) . وأحسن من تكلم على هذه المسألة صاحب كتاب: (طرح التثريب) ، فقد ذكر حوالى عشرة أوجه في الإجابة عن قول عائشة، والجمع بين قولها: (ما رأيته قط) ، وقولها: (وإني لا أتركها ولو بعث لي أبواي) . قالوا: لم تره، وإنما بلغها. وقال بعض الناس: عائشة كانت تاسعة تسع من زوجات رسول الله، فليس بلازم في كل نوبتها أن يصلي، ولعله كان يصليها عند غيرها، ولكن ابن عبد البر يضعف هذا الوجه. إذاً: كان يخفي أمرها مخافة أن تشتهر عند الناس، وتفرض عليهم، وبعد أن أنتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى أمن جانب الفرضية، كما وقع في قيام رمضان، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن الرسول ﷺ صلى العشاء ودخل بيته، ثم قام من الليل إلى المسجد فصلى في رمضان في الليل، وكان بعض الناس في المسجد فصلوا خلفه، فلما كان من الغد صلى العشاء ودخل، فتسامع بعض الناس، فانتظروا بعد الصلاة ولم ينصرفوا، وخرج ﷺ يصلي بالليل في رمضان فصلوا خلفه، وفي الليلة الثالثة تسامع أهل المدينة جميعاً أن رسول الله صلى في الليل، وصلى وراءه أقوام، فلما صلوا العشاء ودخل ﷺ بيته، ما قام إنسان من مكانه، ومكثوا ينتظرون خروج رسول الله، فلما جاء وقت خروجه قال لـ عائشة: ما بال الناس مجتمعين؟ ألم يصلوا العشاء؟! قالت: بلى. قال: وماذا ينتظرون؟! قالت: ينتظرون خروجك لتصلي فيصلون بصلاتك كما صلى أقوام بالأمس وقبله، فلم يخرج، فأخذوا الحصباء ورموا باب الحجرة، فما خرج إلى صلاة الصبح وقال لهم: ما خفي عليّ صنيعكم البارحة، وما بت بحمد الله غافلاً، ولكني خشيت أن أخرج إليكم فتفرض عليكم فلا تستطيعون) . فترك رسول الله ﷺ الخروج إليهم وهو يعلم أنهم منتظرون مخافة أن تفرض عليهم فيعجزون عنها. ثم في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه نظّم التراويح على إمامين، أحدهما أبي بن كعب، وأمره أن يصلي بالناس أولاً ثمان ركعات، ولكن كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وربما انصرفوا قبل أن ينادي المؤذن للفجر، فجمع القراء، وكلف سريع القراءة أن يقرأ بثلاثين آية في الركعة، وبطيء القراءة أن يقرأ خمساً وعشرين آية في الركعة، وخفف من القراءة، وزاد في عدد الركعات، وجعلها عشرين ركعة، واستمر الأمر على ذلك من عهد عمر إلى اليوم. ويهمنا أن عمر لما أمن الفرضية -لأنه لا فرضية بعد رسول الله ﷺ نظّمها، كما أن بعض السلف قال: الصلوات خمس، أي: لا سادسة، وهي الضحى، فقالوا: إنه ﷺ ربما كان يخفيها لئلا يتتابع عليها الناس؛ مخافة أن تفرض عليهم، فلما كان الأمر كذلك، وعلمت صلاته ﷺ لها في مكة، قالوا: هذه سنة، وشكر للفتح. ويروون عن الطبري أنه قال: أنه جاءت فيها أحاديث تعادل التواتر، ولكن لم نقف على ذلك، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فعلى طالب العلم أن يبحث هذا، إلا أنه جاء في الصحيحين عن أبي هريرة تارة، وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنهما تارة، أبو ذر يقول: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى) ، وكذلك أبو هريرة قال: (أوصاني النبي ﷺ بثلاث لا أدعهن ما حييت: صيام ثلاث أيام من كل شهر، ولا أنام إلا على وتر، وأن أصلي ركعتي الضحى، فأنا أصليهن في الحضر وفي السفر) .

стр. 546

عدد ركعات الضحى أما عدد الركعات فقد ذكر ابن عبد البر في الجزء الثالث عشر من التمهيد: أن النبي ﷺ حينما دعي إلى الطعام في بيت أم سليم فقال: (أين تريدون أن أصلي لكم؟ يقول أنس: فقمت إلى حصير قد درس من طول اللِبث أو اللُبث فنضحته بالماء، فصلى، وصففت خلفه أنا وفلان، والعجوز من ورائنا) ، وبعضهم يقول: صلى ثمان ركعات، وفي روايات أم هانئ: (يسلم من كل ركعتين) ، وفي حديث ابن عمر (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) . وعلى كلٍ فالروايات ثابتة في صلاة الضحى، مثل هذا الحديث عند مسلم: (ويجزئ عن ذلك كله ركعتا الضحى) ، وكم تكون صلاة الضحى؟ يتفق العلماء على أن أكملها ثمان، وأوسطها أربع، وأقلها ركعتان. ويذكر البيهقي: أن أقصاها اثنتي عشرة ركعة، ولكن الحديث فيه ضعف ولم يأخذ الجمهور به. إذاً: أقل صلاة الضحى ركعتان، وأوسطها أربع، ونهايتها ثمان كما عند الجمهور، وعلى هذا ثبتت مشروعية الضحى من حيث هي. لماذا اختصت صلاة الضحى بهذا دون غيرها من النوافل؟ وما هي النوافل؟ لكل فريضة في الإسلام نافلتها: فالشهادة التي هي مفتاح الإسلام تجب في العمر مرة، ولكنها تتعدد في كل صباح ومساء نافلة، والصلاة على النبي ﷺ فرض في العمر مرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فبمقتضى هذه الآية أصبح فرضاً على كل مسلم أن يصلي على رسول الله ﷺ ، والواجب يتأتى بمرة ما لم يأت ما يدل على التكرار، وقد جاء في هذا ما يدل عليه: (حينما صعد ﷺ المنبر وقال: آمين آمين آمين، فقالوا: يا رسول الله! سمعناك تؤمن، علامَ أمنت؟ قال: أتاني جبريل فقال: شهر رمضان من أدركه ولم يدخله الجنة باعده الله فقل: آمين، فقلت: آمين، يا محمد! من أدرك أبويه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة باعده الله في النار فقل: آمين، فقلت: آمين، يا محمد! من ذكرت عنده ولم يصل عليك باعده الله في النار فقل: آمين، فقلت: آمين) اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ويأتي الحديث الآخر: (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) إلى آخره. نأتي إلى أركان الإسلام الأخرى: الصلاة وهي عماد الدين، لكل فريضة نافلتها، يتفقون على القبلية ويختلفون في البعدية، فالصبح قبله ركعتان، والظهر قبله ركعتان وبعده ركعتان، والرواية الأخرى: أربع وأربع، والعصر قبله أربع ركعات، والمغرب بعده ركعتان أو ست ركعات، والعشاء بعدها ركعتان. ثم تأتي بعد ذلك النوافل غير المرتبة مع فريضة: فتأتي صلاة الليل بلا عدد ولا حد، كما بيّن سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:١-٤] ، ولا حد في ذلك على التحقيق، وكان السلف بعضهم يقوم الليل بكتاب الله كاملاً، وبعضهم يقوم الليلة بسورة الفاتحة. يأتي بعد ذلك إقامة القائلة -أي: الصلاة بين الظهر والعصر- وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنه يحيي القيلولة، فقيل له في ذلك، فقال: الناس نيام وأحب أن أعبد ربي، مع أن وقت القيلولة يستعان بها على قيام الليل، وابن عمر هو الذي قال الرسول ﷺ فيه: (نعم العبد عبد الله بن عمر لو كان يقوم الليل) كما روت ذلك حفصة ﵂، يقول عبد الله: ما نمت ليلاً بعد أن سمعت ذلك عن رسول الله ﷺ ، ومع ذلك كان يقوم القيلولة بين الظهر والعصر. وكما جاء عن سعيد بن المسيب: أن رجلاً قال له: إن بني فلان يقيمون الهاجرة، يذهبون إلى المسجد في الظهر ويقيمون هناك إلى صلاة العصر يتعبدون، فهل تستطيع أن تفعل مثلهم؟ قال: يا ابن أخي! ليست هذه بالعبادة، العبادة تأمل في كتاب الله وأحكامه، وبيان أمره ونهيه إلى آخره. ومنها: الصلوات ذوات الأسباب من كسوف، وخسوف، واستسقاء، وجنازة إلى غير ذلك. قالوا: لقد خص النبي ﷺ صلاة الضحى بالذات؛ لأنها ليست مرتبطة بفريضة تتممها. إذاً: الضحى ليست مرتبطة بغيرها، فركعتا الفجر مرتبطة بالفجر، أما الضحى فلا، وحينما كنت أبيّض تتمة أضواء البيان في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:١-٢] ، ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١-٢] ، يلفت النظر هنا أن الله يقسم سبحانه فيقول: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١-٢] ، تقول: سجى الليل: إذا غطى بظلامه، فلان مسجّى، يعني: نائم مغطى، إذاً: الليل الساجي: هو الليل الذي غطى الكون بظلامه، وهذا أقوى أوقات الليل في الظلام، ويقابل هذا في النهار الضحى، وكأن وقت الضحى هو ألطف أوقات النهار كله بالنسبة إلى أشعة الشمس؛ لأن قبل الضحى لم يكتمل نورها، وبعد الضحى يشتد حرها، ثم تأتي إلى الزوال، ومن الزوال إلى الغروب تبدأ في النقصان. إذاً: أكمل أوقات النهار هو وقت الضحى. ويقسم المولى سبحانه بأوثق الزمنين وأقواهما في موضوعهما: الليل الساجي والضحى في إشراقه مع هدوء الشمس، وإذا جئنا إلى السورة الثانية: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:١-٢] ، وأكمل الليالي وأفضلها هي التي فيها القمر يكتمل، وهي الأيام البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ لأن لياليها مضيئة بضوء القمر، فهي بيضاء ونهارها أبيض بأشعة الشمس. إذاً: الضحى أفضل أوقات النهار، ويكون العبد في إشراقة نفسه، وفي وضوح ووضاءة وإشراقة قلبه ونور ربه معه، يأتي في هذا الوقت اللطيف ويركع لله ركعتين، فتكون شكراً محضاً لله لا على مقابل شيء، ولهذا فللضحى خصائصها، ويكون لهذا الوقت شرفه واختصاصه دون بقية الأوقات، ولهذا تجد أقوى ما تكون النفس إشراقاً وأقوى ما يكون البدن نشاطاً في ذلك الوقت، فإذا زاد بعد ذلك واجهه حر الشمس، وواجهه عناء النهار إلى غير ذلك من العوامل الأخرى، وإذا نظرنا إلى ما يوحيه قول ابن عباس في قوله سبحانه في خصلة داود: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨] والعشي: ما بعد الزوال إلى المغيب، والإشراق: هو إشراق الشمس، يقول: كانت العصر والضحى واجبتان على داود، فبقيت العصر عندنا، ورفعت الضحى عنا، أي: من باب الفريضة. وقوله سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] يختلف العلماء في الصلاة الوسطى ما هي؟ فـ مالك ﵀ يقول: الفجر؛ لتوسطها بين العشاء وبين الظهر، وهما أبعد الوقتين، ولثقلها على المنافق. والجمهور يقولون: هي العصر. لو جئت إلى صلوات خمس في دائرة، فأي نقطة على دائرة المحيط تكون منتصف الدائرة، فما الذي خص نقطة العصر في ذلك؟ لو تأملنا إلى الوسطية من حيث الزمن وأوقات الصلاة وإقامتها؛ نجد طرفي النهار: الفجر في أوله والعشاء في آخره، فإذا جئنا ما بين طلوع الفجر إلى زوال الشمس، ففيه صلاة الفجر وصلاة الظهر بعد الزوال، وهذا الزمن طوله ست ساعات تقريباً، وإذا جئنا من زوال الشمس إلى غروبها وجدنا ست ساعات أيضاً فنجد الظهر في منتصف النهار ونجد المغرب في نهاية النهار، وبين الفجر والظهر كما بين الظهر والمغرب، وفي الوسطين نجد صلاة العصر في ربع المسافة بين الزوال والغروب، ونجد الضحى في ربع المسافة بين الإشراقة والزوال، فالضحى متعادل مع العصر سواء بسواء. إذاً: الضحى تعادلة الصلاة الوسطى التي نص القرآن عليها. قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور:٣٦-٣٧] . الغدو: الغدوة وليس ذلك الفجر إنما بعد طلوع الشمس، والآصال: بعد العصر وقبل المغرب. إذاً: قبل كل شيء: لصلاة الضحى سر يعلمه الله ورسوله ﷺ ، ولكن لو ذهبنا نلتمس أسباب أو مسببات هذا التخصيص والتفضيل ربما وجدناه على النحو الذي مر، والله أعلم.

стр. 547

وقت صلاة الضحى ما هو الوقت الصحيح لصلاة الضحى؟ يتفق العلماء: أن الصلاة النافلة لا تصح عند طلوع الشمس، ويقولون: حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وعلي رضي الله تعالى عنه لما رأى بعض الناس يصلي الصبح ويجلس فإذا أشرقت الشمس صلى وذهب، قال: ما بالهم ينحرونها؟ لماذا لا ينتظرون حتى تكون في الجبهة؟ أي: تكون الشمس في جبهة القائم، وارتفاع الشمس قدر رمح، ويدرك ذلك من كان في خلاء وفضاء، أو كان على ساحل بحر؛ فإنه يرى الشمس كأنها تنبت من الأرض في نهاية الأفق -كما يقولون- الميل، والميل حينما تنظر إلى الأمام -كلٌ بحسب نظره قوة وضعفاً- في منتهى الإبصار ترى أن السماء قد مالت على الأرض، والتقت في زاوية حادة عند نقطة الصفر، فحينما تخرج الشمس من تلك النقطة -نقطة الميل- وترتفع عن نقطة صفر في الأرض صاعدة إلى السماء تأخذ تدريجياً حافة القرص أولاً، ثم ينتصب، ثم يكمل ظهوره، ثم يأخذ الانفصال والارتفاع عن سطح الأرض، وإذا بلغ ارتفاع قرص الشمس عن سطح الأرض مقدار رمح حلت الصلاة، والرمح هو الآلة التي كان يستخدمها الناس في القتال، وغالباً ما تكون بقامة إنسان أو دون ذلك، وحينئذٍ جاز أن تصلي النافلة. ولكن جاء في الحديث: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) والفصال جمع فصيل، وهو ولد الناقة، يمشي في بكرة النهار مستريحاً، ولكن إذا اشتدت الشمس وارتفعت أكثر من رمحين قبل أن تصل إلى الزوال، أي: في ربع السماء، ومعنى ربع السماء: أي: نصف الدائرة من نقطة الشروق إلى نقطة الغروب، فنصفها هو وقت الزوال، ومن نقطة الزوال إلى الشروق منتصف المسافة الربع الشرقي، ومن نقطة الزوال إلى نقطة الغروب منتصف المسافة الربع الغربي، فإلى أن تأتي الشمس في ربع السماء الشرقي هناك ترمض الفصال، تحتر الأرض الرملة -وهي الرمضاء مثل الرماد الحار- فالفصيل الصغير لا يقوى على المشي؛ لأن الرمل يحرقة تحت خفه فلا يقوى عليها فيربض في الأرض، قالوا ذلك الوقت هو: صلاة الأوابين، وأحسن أوقاتها ذلك الوقت. إذاً: أول وقت الضحى: إذا ارتفعت الشمس قدر رمح، وآخر وقتها: حينما ترمض الفصال، وعدد ركعاتها -كما أشرنا- أقلها ركعتان، وأكملها ثمان، وأوسطها أربع، والله أعلم. لو جئت إلى قوله: (ويجزئ عن ذلك: ركعتا الضحى) حينما تفكر في الركعتين إن جئت إلى الحسنات التي يمكن أن تتميز فيها في الركعتين، كيف تفعل؟ يعني: لو جئنا على سبيل العرض والإيراد من باب لفت النظر أول عمل في الصلاة: تكبيرة الإحرام، ثم تقرأ الفاتحة، ثم تكبر، ثم تركع، وتسبح ثلاث مرات، ثم ترفع وتقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد إلى آخر الذكر، ثم تكبر وتسجد، ثم تسبح ثلاث مرات، ثم تكبر وتجلس، ثم تدعو، ثم تكبر وتسجد، ثم تسبح ثلاث مرات، ثم تقوم للركعة الثانية، فلو أحصيت هذه الحركات وتلك الأذكار بالإضافة إلى سورة الفاتحة فقط، والفاتحة تشتمل على مائة وثلاثة حروف كما يقول النيسابوري في عده للحروف، فلو جمعت جميع ما يكون من تلك الحركات، والتكبير والتسبيح تصير حوالى ستين حسنة مستقلة، فلو ضربت الستين في اثنين صارت مائة وعشرين، ولو ضربت مائة وثلاثة في اثنين صارت مائتين وستة، واجمع إليها مائة وعشرين تصير ثلاث مائة وستة وعشرين، ولعل الباقي يأتي في الدعاء أو في خطواتك إلى المسجد، ولو أراد إنسان أن يستخرج بعض الشيء: كيف تعادل الركعتان ثلاث مائة وستين، ربما يجد في الركعتين ما يعادل ذلك إذا اعتبرناها على انفرادها. وكل هذا من باب تفتيح الذهن، وربط حديث رسول الله ﷺ بموضوعه، لماذا خص ركعتين؟ ولماذا لم يقل: أربع؟ ولماذا لم يحيل على الصوم؟ ولماذا لم يجعلها في الليل؟ وكل ذلك موضع لأسئلة العلماء. والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يشرح صدورنا لما يحبه ويرضاه، وأسأله أن يرضى عنا. اللهم علمنا ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا، وتقبل منا إنك على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .

стр. 548

الأسئلة

стр. 549

مواطن استحباب قراءة سورة الضحى السؤال ما هي المواطن التي يستحب فيها قراءة سورة الضحى؟ الجواب يقول بعض العلماء: من الأحسن في صلاة الضحى أن تقرأ سورة الضحى في الأولى وألم نشرح في الثانية، ولهم في ذلك أسرار، كما أن السنة في ركعتي الصبح وفي سنة الطواف أن تقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فتبدأ صباحك قبل الفريضة بقراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] ، وتبرأ من عبادة الكفار وتلجأ إلى عبادة الله وحده، ثم تقرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وفيها إقرار بالوحدانية لله في ذاته وأسمائه وصفاته، وكذلك بعد ركعتي الطواف وهي آكد، والسر في ذلك عظيم؛ لأن العرب كانوا يعبدون الأصنام، فجاء الإسلام وحطم الأصنام وطهر الكعبة، وفي الوقت الذي يكسر الأصنام الحجرية يقبّل الحجر الأسود، فهنا الشيطان يجد مجالاً للوسوسة، ويقول: كيف تكسرون تلك الأحجار التي صنعها آباؤكم وتقبلون هذا الحجر؟ فيكون الجواب على ذلك: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١-٢] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢] . وعمر رضي الله تعالى الذي كان في الجاهلية يصنع لنفسه إلهاً من تمر، يحرسه عند رأسه، فإذا أصبح معافى أكله، أتى إلى الحجر الأسود وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، وكان علي رضي الله تعالى عنه وراءه، فقال: لا يا أمير المؤمنين! إنه ينفع ويضر قال: بأي شيء؟ قال: إذا كان يوم القيامة جاء وله لسان يشهد لكل من قبّله. وكل من كتب في تاريخ مكة وبناء الكعبة يورد آثاراً عديدة جداً، ولا تصل في الصحة إلى درجة الصحيحين، لكنها في مجموعها يعضد بعضها بعضاً، وفيها أن الحجر الأسود نزل من الجنة، ويقول ﷺ : (إني لأعرف حجراً بمكة ما مررت عليه إلا وسلم عليّ) ، فإذا كان حجر من حجار مكة يسلم على رسول الله، فما الذي يستبعد أن ينزل حجر من الجنة؟ والله أعلم. وقت صلاة الضحى بخلاف الأوقات الخمسة، فهي تأتي في وقت شبه هدوء للإنسان، بخلاف الظهر فإنه يكون منهمكاً في عمله فيترك عمله ليصلي، ومثلها العصر؛ لأن العصر تكون وقت انشغال الناس، وما كل الناس يقيل من الظهر حتى العصر. إذاً: من خصائص صلاة الضحى: أنها وقت انشغال الناس، ولذا فهي صلاة الأوابين، والأواب: شديد الأوب، أي: الرجوع إلى الله .

стр. 550

وضع اليد على الصدر في الصلاة السؤال ماذا على المصلي إذا لم يضع يديه على صدره؟ متى يضعها؟ وهو ساجد، أو جالس، أو راكع، أو ارتفع من الركوع، أو في القراءة؟ لأنا نظرنا إلى بعض الناس يضعون أيديهم في محلات لا ندري عنها. المهم: إذا كان عند القيام قبل أن يركع، فهذه هي السنة، وقد ذكرها الإمام مالك ﵀ في موطئه، وهو حجة على المالكية الذين يسدلون، وكما قال والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: لا نترك ما أورده مالك بخطه في موطئه لما كتبه خليل وغيره. والعجيب! أن البخاري ومسلم وجميع علماء السنة لم يرووا حديث وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة إلا من طريق مالك، وسندهم الوحيد هو من طريق مالك، كل علماء الحديث يروون حديث القبض أو وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة من طريق مالك، فهذه سنة، ولكن لنعلم أنها من كمال الهيئة، والصلاة لها هيئة في قيامك للقراءة؛ فهذه هيئتها، وعند ركوعك يدك مفرجة الأصابع على ركبتيك هذه هيئتها، وفي رفعك ترفع يديك حذو منكبيك وترسلهما بجانبيك، فإذا قبضتهما كما يفعل بعض الناس فهي هيئة بعد الرفع مثل الهيئة عند القراءة، وكل ركن في الصلاة له هيئته، فإذا سجدت بسطت كفيك وسجدت بين كفيك في سجودك، وإذا جلست بين السجدتين وضعت كفيك على فخذيك، وهل تضع اليمنى على اليسرى وأنت جالس بين السجدتين؟ لا؛ لأنها خاصة بالقيام، فإذا سجدت تبسط كفيك أمامك، وإذا جلست للتشهد لا تضع اليمنى على اليسرى وأنت جالس للتشهد، بل تضعهما على فخذيك، لكل ركن في الصلاة هيئته. إذاً: وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حال القيام للقراءة هو السنة، ولكن لنعلم أن الصلاة تصح بوضعهما وبدون وضعهما، ولكن السنة وضع اليمنى على اليسرى، وأحب أن أقول ذلك حتى لا يكون وضع اليدين وإرسالهما موضع خلاف ونزاع بين الناس، فالسنة هي أن تفعل ذلك، فإذا رأيت إنساناً لا يفعلها، وتعلم أنه متأثر بقول في مذهبه، فاعذره، ولا ينبغي أن تبالغ بالإنكار عليه، وخاصة إذا كان طالب علم يفهم، وهذه المسألة لا ينبغي أن ندخلها في الخلاف حتى توجد نزاعاً بيننا، بل من وضع يديه فقد عمل بالسنة وهو الأكمل والواجب على كل إنسان، ومن تركها لقول عنده أو تأوّل عنده فلا ينبغي لنا أن نجعل ذلك محل خصام ونزاع وتفريق بين إخواننا، والله تعالى أعلم.

стр. 551

هل صلى النبي ﷺ مسدلاً ؟ السؤال قالوا: إن النبي ﷺ صلى مسدلاً؟ الجواب هذا يقولونه حينما صلى جالساً، فحينما سقط عن الفرس وألم في فخذه وفي حوضه، وكذلك في مرضه صلى جالساً وأسدل يديه، وقلنا: هيئة صلاة الجالس نفس المالكية وغيرهم يذكرون فيها خلاف، هل تجلس كجلستك للتشهد أو تجلس متربعاً؟ فإن جلست جلستك للتشهد قبضت، وإن جلست متربعاً وضعت يديك؛ لأن هيئة المتربع تكفي بأن يعلم بأنه في قراءة، أما إذا جلست جلسة المتشهد فيظن الرائي أنك تتشهد، فتضع يديك على صدرك؛ لأن وضع اليدين علامة على القراءة؛ ولهذا يختلفون في هيئة الصلاة للجالس، فإن صلى متربعاً وضع يديه على كفيه، وهذا هو السدل، أي: في صلاة الجالس، لا في صلاة القائم.

стр. 552

القاعدون السؤال من هم القاعدون؟ الجواب القاعدون الذين لم يجدوا ما يسافرون عليه: ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢] ، هؤلاء بذلوا وسعهم وبكوا أسفاً على أنهم لم يجدوا، وأولئك وجدوا وتخلفوا، والذين وجدوا وجاهدوا مفضلون على هؤلاء، وهؤلاء لهم فضل النية والقصد والحرص.

стр. 553

كفارة اليمين السؤال هل كفارة اليمين بالتخيير؟ الجواب كفارة الظهار جاءت بالترتيب، ولكن كفارة اليمين جاءت بالتخيير، وهو المعروف عن الأصوليين الواجب المخيّر، ونازع فيه المعتزلة وقالوا: كيف يكون واجباً؟ وكيف يكون على التخيير؟ لأن التخيير يتنافى مع الوجوب، لكن الوجوب في الإلزام، والتخيير في اختيار النوع، إن شئت كفرت بعتق، وإن شئت أطعمت عشرة مساكين، وإن شئت كسوتهم، هذا على باب التخيير.

стр. 554

مواطن رفع اليدين في الصلاة السؤال ما هي مواطن رفع اليدين في الصلاة؟ الجواب في عدة مواطن: حينما يركع، وعندما يرفع من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، وكذلك إذا قام من الركعة الثانية إلى الثالثة، أما بين السجدتين أو حينما يريد أن يسجد فلا يرفع يديه، وبعضهم يكره ذلك وبعض العلماء يكره رفع الإصبع في التشهد، ويقول: إن قدرت على كسرها فافعل، ولا أدري لماذا قال هذا؟! وقد جاء في الحديث الصحيح: (أنه ﷺ كان إذا جلس في التشهد عقد ثلاثاً وخمسين) . وكان للعرب عقود إشارات بالعدد، والرسول ﷺ قال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وقبض إصبعه في الثالثة) ، أي: مرة ثلاثين، ومرة تسعة وعشرين، وكانت للعرب عقود في الحساب، وأعتقد أنه علم قد اندرس، وعقد الوسطى مع البنصر للثلاثة والخمسين عطف الإبهام على أصلها. وبعضهم يزيد في الحركة بالإصبع ويقولون: توقظ الوسنان، وتطرد الشيطان، وبعضهم يقول: تنبه القلب، لكن نقول: القلب على اليسار وليس على اليمين! على كلٍ، جاء الحديث بالحركة وبالسكون، فيظل رافعاً إصبعه إلى أن يختم الشهادتين أو يختم التشهد أو يسلم، كل ذلك وارد في هذا، فتحريك الإصبع وارد عند بعض العلماء، وتسكين الإصبع وارد عند البعض الآخر، والله تعالى أعلم.

стр. 555

شرح الأربعين النووية - الحديث السابع والعشرون

стр. 556

شرح حديث: (البر حسن الخلق) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) رواه مسلم. وعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: (أتيت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) حديث حسن، رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن] . يسوق الإمام النووي ﵀ هذين الحديثين في موضع واحد كحديث واحد لاتحاد موضوعهما، وإن اختلفت الألفاظ والرواة والتخريج، فالأول عن النواس بن سمعان رواه مسلم، والثاني عن وابصة بن معبد رواه أحمد والدارمي، وكلا الحديثين صحيح. الحديث الأول: عن النواس بن سمعان أن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك) . والحديث الثاني: عن وابصة، وفي بعض الروايات أنه قال: قدمت على النبي ﷺ في رهط من قومي، وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة عام الوفود، قال: (فأتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، وحوله أصحابه، فأخذت أتخطى الرقاب لأدنو منه، فقالوا: دونك يا وابصة! هذا رسول الله! فقلت: دعوني أصل إليه، فقال: دعوه، فدنوت منه حتى لمست ركبتاي ركبتيه، فقال: يا وابصة! أخبرك بما جئت تسأل عنه أم تسأل وأخبرك؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! بل أخبرني، فقال: جئت تسأل عن البر والإثم، فقلت: والذي بعثك بالحق! عن هذا جئت أسأل!) ، وهذه الرواية لها نظير في باب الحج حينما (كان النبي ﷺ جالساً في مسجد الخيف فأتاه رجلان: أحدهما من ثقيف، والآخر من الأنصار، فقال الحاضرون: قدّموا هذين فإنهما على سفر، فقال الثقفي للأنصاري: سل، وقال الأنصاري للثقفي: سل، فقال ﷺ : إن شئتما سألتما، وإن شئتما أخبرتكما عما جئتما تسألان عنه! فقال الأنصاري: بل أخبرنا أنت يا رسول الله! قال: جئت تسأل عن حجك وما لك فيه، وعن خروجك من بيتك تؤم البيت وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت، وطوافك بين الصفا والمروة، وعن وقوفك يوم عرفة، وعن حلقك الشعر، وعن رميك الجمرات، وعن نحرك الهدي، قال: والذي بعثك بالحق! عن هذا جئنا نسألك يا رسول الله!) ، فذكر لهما النبي ﷺ أجر المناسك كلها حتى نهاية الحج، والطواف بالبيت، فقال في آخره: (تطوف بالبيت، ويأتي ملك يربض بكفه بين كتفيك، ويقول لك: استقبل عملاً جديداً، فصحيفتك بيضاء نقية) .

стр. 557

فوائد دلائل النبوة والأحاديث بهذه الطريقة قد تصدر من النبي ﷺ ؛ تقوية ليقين السائل، وإظهاراً للمعجزة لأحد الحاضرين ممن تكون عنده بعض الشبه، أو عنده بعض الترددات، فيأتي مثل هذا الأسلوب فيذهب ما في نفسه، ويقوى يقينه، ويجعل عند الناظر أو السامع زيادة إيمان ويقين بالله. وقد روي: (أن أعرابياً جاء إلى الرسول ﷺ ، وهو وأصحابه يأكلون، فقال: أنت محمد بن عبد الله؟ قال: نعم، قال: أنت رسول الله؟ قال: نعم، قال: من يشهد لك أنك رسول الله؟ قال: القصعة التي تأكل منها، فرفع القصعة إلى أذنه فسمعها تسبح الله، وتشهد الشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله! فقال: والله! إنها لتسبح، وإنها لتقول: كذا وكذا! فقال رجل آخر: أسمعنيها يا رسول الله! فقال: سمّعه، فأخذها وسمعها، فقال ثالث: أسمعنيها؛ فقال: لا، يكفي شاهدان، حطها) . فـ وابصة أتى وافداً مع قومه، فصار يزاحم حتى يصل إلى رسول الله ﷺ ، ومع أن آداب المجلس تمنع من المزاحمة، ولكن للعاطفة وللشعور أحكام فوق الآداب كما يقولون، وقد ثبت أنه جاء نفر ثلاثة إلى مجلس رسول الله صلى عليه وسلم، فرجل وجد فرجة فجلس، ورجل استحى أن يزاحم الناس فجلس من ورائهم، ورجل لم يجد مكاناً فمشى، فقال ﷺ : (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى من الله فاستحى الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه) . ونذكر قصة وفد عبد القيس، وهم من الخليج من نهاية الجزيرة من الشرق أو الشمال الشرقي، يسافرون الشهر والشهرين، فلما وصلوا المدينة، إذا بالوفد سرعان ما نزلوا عن رواحلهم، وتركوها وأسرعوا إلى رسول الله ﷺ ، بينما أميرهم أشج عبد القيس يتريث، ويجمع الإبل ويعقلها، ويجمع المتاع ويسفطه، ثم يعمد إلى عيبته فيخرج أحسن ثيابه، ثم يغتسل ويلبس الثياب الطيبة، ثم يمشي على تؤدة بعد أن وصل أصحابه إلى النبي ﷺ بوقت طويل، فيأتي على طمأنينة، فيجد القوم قد اجتمعوا عند رسول الله ﷺ ، فلما رآه النبي ﷺ مقبلاً أفسح له بجواره، وقال: (إنك امرؤ فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة -فانتهزها فرصة- وقال: يا رسول الله! خلق تخلّقت به أم جبلة جبلني الله عليها؟ قال: بل جبلة جبلك الله عليها، قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يرضي الله ويرضي رسول الله ﷺ ، فكان الوفد واحداً، ولكن جلهم ما استطاعوا الصبر؛ لأن قلوبهم جياشة بالعاطفة لرؤية رسول الله ﷺ ، بعد سفر شهرين، وأحدهم استطاع أن يضبط أعصابه، وأن يتحكم في عاطفته، فأتى بتأنٍ. فهذا وابصة يتخطى الناس، وأتى إلى رسول الله ﷺ ، وفي بعض الروايات أنه قال: (جئت يا رسول الله! وأنا أريد ألا أدع براً ولا إثماً إلا سألت عنه، فلما وصل إلى النبي ﷺ بادره رسول الله فقال: تخبر أم أخبرك أنا؟) ، وهذا من المعجزات التي كانت تتجدد من رسول الله ﷺ ، وفي بعض روايات وابصة أنه قال: (إن الرسول ﷺ جمع أصابعه الثلاث -ولم يذكر لنا أحد كيفية جمعها- ودفع بها في صدري وقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس) إلى آخر الحديث، ودفعه في الصدر تنبيه للقلب. وهذا الحديث برواياته يدل على مدى شفافية قلب المؤمن، ومدى إشعاع نور الإيمان والبصيرة في قلبه، وهو يرد الإنسان المؤمن حقاً إلى فطرته التي فطره الله عليها، ولذا جاء في الأثر: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله) .

стр. 558

معنى البر في هذين الحديثين يبين لنا ﷺ بكلمتين: (البر حسن الخلق) ، (الإثم ما حاك في النفس) ، ويقابل ﷺ بين معنيين متضادين، وكلاهما جمع باباً بجميع فروعه. يقولون: البر من أسماء الجنة كما قال الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] ، وقد يكون اسماً جامعاً لجميع أعمال الخير كما قال الله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ [المائدة:٢] ، وانظر المقابلة! قالوا: البر ما كان للخلق في التعامل: من اللطف، والمسايرة، والمجاملة، وطلاقة الوجه، واصطناع المعروف، وغير ذلك، والتقوى: ما كان بينك وبين الله، فتجمع بين الأمرين: حسن المعاملة بينك وبين الخلق، وبينك وبين الخالق، أو أن البر أمر إيجابي في فعل المعروف، والتقوى أمر سلبي في اجتناب المحرمات، أي: تعاونوا على فعل المأمورات، وتعاونوا على ترك المنهيات، فبفعل المأمورات تأتون على البر، وبترك المنكرات تأتون على التقوى؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية بترك المعاصي، ويقابلها قوله: ﴿ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ﴾ [المائدة:٢] أي: من الذنوب التي بين الإنسان وبين ربه، ﴿والْعُدْوَان﴾ [المائدة:٢] أي: من الذنوب التي تتعلق بحقوق الآخرين. وقال بعض العلماء: البر فضائل الأعمال، وقيل: البر كل ما كان فيه قربة لله من الفرائض والمندوبات والنوافل. قال الشاعر ويروى عن عمر: أبني إن البر شيء هين وجه طليق وقول لين وفي رواية للبيت أخرى: أبني إن البر شيء هين فعل جميل وقول لين فكلاهما علامة على حسن الخلق. قوله: (البر حسن الخلق) يقول علماء النحو: مبتدأ وخبر، ويقول علماء البيان: جملة اسمية إسنادية من باب القصر؛ لأن كلاً منهما معرّف، فالبر معرّف بأل، وحسن الخلق معرّف بالإضافة، وعلماء الكلام يقولون: محمول وموضوع، ويقول علماء البيان: قصر البر في حسن الخلق، وعندهم القصر: حقيقي ومجازي، فمن أي النوعين هذا الحديث؟ هل هو قصر حقيقي أو هو من باب المجاز أو أن المعنى أكثر البر حسن الخلق؟

стр. 559

حسن الخلق يقول بعض العلماء: الشريعة الإسلامية كلها حسن الخلق؛ لأن الرسول ﷺ قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، وهو الوصف الكاشف الذي تميز به سيد الخلق ﷺ عن جميع الأنبياء في كتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، (فهذا الوصف) عنوان كلي على كمال النبي ﷺ . سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ فقالت للسائل: أتقرأ القرآن؟! قال: نعم، قالت: كان خلقه القرآن) يعني: كان متأدباً بآداب الكتاب الكريم، فيأخذ أوامره، ويترك نواهيه، ويعمل بآدابه وإرشاداته ونصائحه، والقرآن الكريم يحث على هذا الباب كقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ، وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، فكان خلقه القرآن، فكل ما في القرآن: من تعاليم، وآداب، وتوجيهات؛ كانت خلقه ﷺ . قال ﷺ : (البر حسن الخلق) ، وقال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، فحسن الخلق هو الرسالة المحمدية، قال الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة:١٧٧]-الذي هو: حسن الخلق- ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] ، شهادة من الله بأنهم صدقوا في إيمانهم، وصدقوا في أعمالهم، وصدقوا في أقوالهم، فقال: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ، فأركان الإيمان كلها في هذا البر، ثم ذكر فروع وأركان الإسلام، ثم ذكر مكارم الأخلاق من الصبر في البأساء والضراء وحين البأس، ثم تأتي شهادة الله لهم بالصدق، فهذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر تلك الصفات هي البر، فإذاً: البر حسن الخلق، ولو أخذت كلمة: (حسن الخلق) ، وجئت بهذه الآية: (ولكن البر) في الحديث، لحلت محل حسن الخلق، فالبر حسن الخلق، والآية ذكرت الإيمان والعقائد والأعمال الصالحة والأقوال الطيبة ومكارم الأخلاق، فكل هذه الصفات تدخل في الآية، فيكون حسن الخلق عنواناً لكل ما جاءت به الشريعة الإسلامية، ومصداق هذا قوله ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) . وإذا نظر الإنسان فإنه صلته بربه في طاعته وامتثال أوامره، وصلته بالناس في معاملاتهم، وكيف يعامل الناس؟ قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : (حسن الخلق يذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجليد، وسوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل) . ومن حسن الخلق قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، فلا ينفعك أن تنفق مثل جبل أحد ذهباً مع المن والإيذاء، قال الله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، ولكن قل كلمة طيبة: الله يوسع علينا وعليك، الله يفتح علينا وما ننساك، الله يكرمنا وإياك، فضل الله واسع، دون مؤاخذة لم يبق في يدي شيء الآن، كلمة طيبة يسمعها منك السائل أو المسكين، وإذا لم يكن في المال سعة فأقل شيء الكلمة الطيبة، والابتسامة، وطلاقة الوجه.

стр. 560

الخلق الكريم وسط بين رذيلتين وكلمة حسن الخلق لا يستطيع الإنسان أن يوفيها حقها، ويقول علماء الأخلاق: كل فضيلة تجدها وسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط، فمكارم الأخلاق هي الفضيلة الوسطى، وهي الصراط المستقيم بين طرفين مذمومين، فمثلاً: كرم المال تجده وسطاً بين التقتير والتبذير، فالشخص الذي ينفق ماله بغير وجه حق يقال: هذا سفيه مضيع ماله، والذي يمسك ماله عن كل وجه حق يقال: هذا بخيل مقتر حتى على نفسه، ولكن الشخص الوسط في نفقاته، هو شخص كريمٌ في محله. والشجاعة وسط بين رذيلتين: بين الجبن والإحجام وبين التهور وعدم التبصر في العواقب، لكن من أقدم حينما يكون للإقدام محل، ويفر ويرجع حينما يكون للفرار محل، فهو الشجاع. وكذلك الحلم له موضع، وللسيف موضع، وللتأنيب موضع، فكل مكارم الأخلاق وفضائلها وسط بين طرفين مذمومين، إما إفراط أو تفريط. وهذا الحديث في بلاغته مع إيجازه من كبريات الإعجاز في التعبير النبوي، فإنه يجمع التشريع كله في كلمتين متقابلتين: برٌ وإثمٌ.

стр. 561

طمأنينة النفس وقال في حديث وابصة: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، فذكر هذا الميزان، وهذا المقياس، فاطمئنان النفس يدل على حل الشيء، وعدم الطمأنينة بالشيء يدل على الإثم، وجاء في بعض الآثار: (إياك وحزَّاز القلوب، أو حوّاز القلوب) ، وحزاز القلوب هو: الشيء الذي يحز في النفس ولا تتحمله، ويورث قلقاً واضطراباً، وحوّاز: من الحوز، أي: الذي يشتمل على القلب ويغلب عليه. وقد يشكل هذا الحديث على بعض الناس فيقول: هل نرجع في بيان الحلال والحرام والبر والإثم إلى النفوس؟ وأي تلك النفوس؟ وأي مقياس لها؟ قال العلماء: لا، لا تنس الحديث الذي تقدم: (إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات) ، إذاً: طلب طمأنينة القلب والنفس عند عدم الركون إلى أحد الجانبين، وفيما هو وسط بين الطرفين الواضحين، فالحلال بيّن ليس فيه تردد، والحرام بيّن ليس فيه تردد، ولكن بينهما أمور شفافة دقيقة رقيقة لا تتضح لكل إنسان، فهي مشتبهات متموجة، (لا يعلمهن كثير من الناس) ، فإذا كان الإنسان أمام أمر فلينظر -بإجماع المسلمين- هل فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أم لا؟ قال الله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ [النساء:٦٥]-أي: ضيقاً- ﴿مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ؛ ولهذا كم من موقف كان الحق ثقيلاً على المؤمنين، ولم تطمئن إليه نفوسهم كقوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] ، فهم لم يكونوا يريدون القتال في بدر، بل يريدون الغنيمة، ولكن الله أراد شيئاً آخر، ولذا قال سعد بن معاذ: (يا رسول الله! امض لما أمرك الله، فلعلك خرجت تريد أمراً، والله يريد أمراً غيره، فامض إلى ما أراد الله يا رسول الله!) . وكانوا في الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فلما أراد النبي ﷺ أن يبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج قال: (من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة) فهل بادروا بالتحلل؟ لا، بل وقفوا وقالوا: (يا رسول الله! أي الحل؟! قال: الحل كله، قالوا: أنذهب إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً؟) ، كانوا مستنكرين هذا، وأخيراً شرح الله صدورهم وأطاعوا. وفي صلح الحديبية ذهب عثمان رضي الله تعالى عنه ليفاوض قريشاً، ويخبرهم أن رسول الله ﷺ جاء معتمراً، وما جاء مقاتلاً، فتأخر عليهم، وأشيع أنهم قتلوه، فماذا فعل الرسول؟ بايع أصحابه على الموت أو على ألا يفروا، فبايعوا جميعاً، وهي بيعة الرضوان التي كانت تحت الشجرة، وقد ذكرها الله في كتابه، ثم انكشف أن عثمان لم يقتل، وحينما قال النبي ﵊: (بايعوني، أخذ بيده الأخرى، وقال: وهذه عن عثمان) ، وهل يبايع عن عثمان وهو ميت، أو فعل ذلك إشعاراً بأن عثمان لم يمت؟ الله أعلم، ولكن يسر الله تلك البيعة، وسجل لهم ذلك الفخر والفضل في القرآن. وبعد هذا جاء سهيل بن عمرو للمفاوضة، وقبل ﷺ ما شرطوا عليه، وماذا كان موقف عمر؟ جاء إلى أبي بكر وقال: (ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! لماذا لا نقاتلهم؟!) فهل كان عمر راضياً بهذه البيعة؟ وهل اطمأنت نفسه لها؟ لا، فهو كان يتطلع لشيء آخر، لكن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: (يا عمر! إنه رسول الله) ، يعني: هو يمشي بوحي من الله، فلا تعترض يا عمر! ؛ لأنه من عند الله، لكن عمر يأخذه الحماس، ويذهب إلى رسول الله ﷺ ، ويعيد الكرة عليه، فيقول له رسول الله ﷺ : (يا عمر! أنا عبد الله ولن يضيعني الله) ، قال عمر: (والله! لم أزل أصوم وأتصدق وأعتق تكفيراً لتلك الكلمة) ، ثم أنزل الله سورة الفتح وفيها: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٧] ، وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١] ، أي: لا تقدموا الآراء والاقتراحات، فهذا رسول الله، وقد سمى الله هذا الصلح فتحاً مبيناً.

стр. 562

متى يرجع إلى طمأنينة القلب ؟ إذاً: حينما يكون الأمر فيه نص من كتاب أو سنة رسول الله، فليس لاستفتاء القلب محل، ولا لاستفتاء عالم من العلماء مدخل؛ لأن النص في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يقضي على ذلك، ولكن إذا لم يكن في الأمر نص، من الحوادث التي تتجدد، أو أن النص مجمل، أو يوجد نص آخر يعارضه في الظاهر، ولا تستطيع الجمع بين النصوص، ولا معرفة الراجح، ولا يعرف ذلك إلا النقاد الحذاق من العلماء الذين جعل الله في قلوبهم شفافية، فهنا إذا كنت في أمر خفي لم يطلع عليه أحد، (استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك) ، مثلاً: يتخاصم اثنان إلى القاضي، والله يعلم المحق من المبطل، والقاضي بشر قد يخطئ، وقد قال سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر أقضي لكم على نحو ما أسمع، فلعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما سمعت، فمن حكمت له أو قطعت له شيئاً من حق أخيه إنما أقتطع له قطعة من النار!) ، فقد يدخل خصمان على الحاكم، وهو لا يعلم الغيب، فيأتي أحدهما بشهود زور، أو بينة مزورة، ويقضي القاضي بظاهر الأمر، والقاضي لا يحكم حتى بعلمه، فيحكم القاضي، والخصمان هما اللذان يعلمان حقيقة الأمر، وهل الحكم حق أم لا، والقاضي معذور في حكمه بالظاهر، فإن: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، فإذا خرج الخصمان بحكم صدر من القاضي، والمحكوم له يعلم يقيناً في قرارة نفسه أنه مبطل، فهل يحق له أن يأخذ ما حكم به القاضي؟ لا، وحينها يستفتي نفسه، فهل تطمئن نفسه إلى ما حكم به القاضي؟ لا والله! فهو يذهب إلى البيت ولا يستقر قراره؛ لأنه أولاً كان ظالماً، والآن هو ظلوم وظلام، أول الأمر كان يظلم نفسه، ويظلم خصمه، والآن ظلم القاضي وظلم الشهود، ولذا يقول العلماء جميعاً ما عدا الأحناف: حكم الحاكم لا يحل حراماً، وعند الأحناف أنه إذا قضى الحاكم فالمحكوم له الظاهر، لكن إذا كان يعلم في حقيقة الأمر أن المال ليس حقه، فكيف نقول حكم الحاكم يحله له؟! والله! لا تهضمها النفس أبداً. إذاً: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس) . ورجوع الإنسان إلى قلبه، على أي ميزان يكون؟ لا يوجد مقياس مليمتري، ولا ميزان بالدرهم والشعرة والذرة، لا، إنما يرجع في ذلك إلى نور الإيمان في قلب المؤمن، وإلى الفطرة التي فطره الله عليها، والفطرة إن تركت على ما كانت عليه، فهي تهدي إلى الخير، أما إذا اعترتها العوارض، واجتالتها الشياطين، فلا يرجع إليها، وقد جاء في الحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم) ، فعند ذلك تأتي الشبهات، ويأتي أكل الحرام، ويغلف هذا القلب، ويطمس هذا النور. حينما قال سعد بن أبي وقاص: (يا رسول الله! سل الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: أطب مطعمك تستجب دعوتك) ؛ لأن الجسم ينبت على الطعام، فإذا كان الطعام حلالاً نبت الجسم شفافاً، ليس كالزجاج، ولكن لا يكون كثيفاً بالظلمات، فيكون القلب على فطرته ونوره كما جاء في الحديث.

стр. 563

مثل نور الإيمان في القلب الإيمان في القلب كنور السراج داخل السراج، وكلما أديت العبادة لله كلما ازداد نور السراج، كما ضرب الله مثلاً للنور في قوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] أي: زيتها صافٍ معتدل، لا شرقية تسطع فيها الشمس من الصباح، ولا غربية من الزوال إلى الغروب، ولكن بين بين، تأخذ من ضوء الشمس ما يكفيها، ولا تتأثر بحرارتها، فتكون أطيب زيتاً، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: نور الفطرة، ونور العمل الصالح يذكيان هذا السراج، فإذا أذنب ذنباً نكت فيه نكتة سوداء، فإذا أذنب ذنباً آخر نكت فيه نكتة أخرى، وهكذا حتى يتغلف القلب، كما قال الله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] ، ولا يزيل هذا الران، وينقي تلك النكت السوداء إلا حرارة الندم، والتوبة، والرجوع إلى الله . والقلب حينما يكون على الفطرة وعلى الحالة الأولى، إذا عرض له شيء تكون حساسيته شديدة، وقد يسميها بعض الناس: الحاسة السادسة، ونحن نسميها: حاسة الإيمان، وحاسة اليقين، فنور البصيرة تضيء للعبد طريقه. ومن أمثلة الحاسات المعنوية التي لا ندرك كنهها، قصة الصديق رضي الله تعالى عنه عندما جاءه غلامه بطعام، فاستنكر الطعام، طعام يأتيه غلامه به فيستنكر هذا الطعام! ليس فيه مرارة ولا ملوحة ولا حرارة ولا حريف ولا شيء؛ لكن أحس أن فيه شبهة، عنده حساسية حلال وحرام، ليس حساسية حلو ومر وحامض ومالح، بل حساسية حلال وحرام، وجسم الإنسان ليس فيه خلايا الحلال والحرام، لكن فيه خلايا الذوق في طرف اللسان، فيميز الحلو والمر والمالح والحامض وكل شيء بطرف اللسان فقط، لكن الجسم ليس فيه خلايا حلال وحرام، لكن نور الإيمان هو الذي يبصرها، فقال للخادم: من أين هذا الطعام الذي جئتني به؟! انظروا! (الإثم ما حاك في الصدر) ، فقال: كنت في الجاهلية تكهنت لرجل ووعدني بكهانتي، ووالله! ما كنت أعرف الكهانة، ولكني نصبت عليه، فلقيني فأعطاني، فاشتريت به هذا الطعام، والرسول ﷺ قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، (ونهى عن حلوان الكاهن) ، فكيف ينهى عنه رسول الله ﵊ ثم يشتري به لـ أبي بكر؟ فاستقاءه أبو بكر، وأخرجه من بطنه! وكذلك عمر لما جاءه غلامه بحليب، فاستنكر طعم هذا الحليب، وقال: من أين هذا؟ فقال: أرسلتني لآتيك بحليب من إبلك، فذهبت فإذا الراعي قد أبعد، فوجدت في طريقي إبل الصدقة، فقلت: احلبوا لي، فحلبوا لي، فهذا حليب من إبل الصدقة، وعمر لا تحل له الصدقة، فوضع أصبعه في جوفه فتقيأ! نرجع إلى الحديث، قوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس) الطمأنينة متى يرجع إليها؟ يرجع إليها حينما لا يكون نص في المسألة، أما عند النص فلا. وما هي النفوس التي ينظر في طمأنينتها؟ هي النفوس المؤمنة؛ ولهذا قال في المقابل: (والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، وبعض الأشخاص يرتكبون الأعمال السيئة، ولا يستترون من الناس أو فيما بينهم، ولو فعل أحدهم شيئاً من المنكر، وكان معه بعض زملائه الذين على شاكلته، لا يكره أن يطلعوا عليه، حتى أن بعضهم لم يطلع عليه أحد ثم يأتي ويتفاخر بالمعصية عند زملائه عياذاً بالله! فيحكي بعضهم لبعض ماذا كان من أمرهم، يسافر أحدهم إلى بلد ما للمعصية، ويستر الله عليه، ثم يأتي لزملائه وأمثاله فيخبرهم بما صنع، ولا يستحي منهم، وفي الحديث: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ، فالمسلم يستحي مِن أهل الحياء، ومن أهل المروءة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (استح من الله كما تستحي من رجلين من ذوي المروءة من قومك) . فقوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس) أي: إذا لم يكن في المسألة نص، وترددت المسألة بين الحلال والحرام، فلينظر هل تطمئن النفس بفعل ذلك أم لا؟

стр. 564

معرفة طمأنينة القلب في الرواية الأخيرة أن وابصة قال: وكيف ذلك؟ أي: كيف أعرف أن قلبي قد اطمأن؟ فقال: (ضع يدك على قلبك، فإن القلب يطمئن للحلال، ولا يطمئن للحرام) ، والآن عند التحقيق مع المجرم يضع المحقق يده في قلب المتهم مثل الطبيب الذي يكشف عليه، فإذا وجه إليه سؤالاً في صميم الموضوع نبض قلبه بسرعة، وإذا كان السؤال بعيداً عن الموضوع وليس فيه ريبة، فإن النبض معتدل، فيستدل بتغير نبضات القلب مع تغير الأسئلة على حالته النفسية وعلاقته بالجرم، وهذا مذكور في علم الجنايات. وهنا نأتي إلى لفتة صغيرة لإخواننا طلبة العلم الذين يجدون في أنفسهم الكفاءة للاجتهاد، ويعرضون عن فهم السلف ﵏، ويستبدون بآرائهم في الفقه والفتوى حينما تكون المسألة لا نص فيها، أو فيها خلاف كثير، فنقول لهم: لا ينبغي لكم هذا، لا سيما في معرض الاستفتاء، فلو قدر أنه اجتمع الأئمة الأربعة وأصحابهم وأنت معهم، وعرضت قضية لا نص فيها، وتردد فيها النظر، فرجعت الفتوى إلى القلب، فأي القلوب أولى أن نأخذ بطمأنينتها؟ قلوب السلف بلا ريب، فلو مرت مسألة ليس فيها نص على سلف الأمة، واجتهدوا فيها وأفتوا، وكانت الفتوى صادرة بما اطمأنت إليه قلوبهم، فإذا عرضت عليك اليوم هذه المسألة، واستفتيت قلبك، وكان لك رأي فيها، ولسلف الأمة ذوي القلوب الحية والقلوب المستنيرة رأي فيها، وخالف رأيك رأيهم فيها، فما هو الحكم؟ وما الذي ترجح؟ وما الذي تعمل؟ هل تأخذ بفتوى قلبك وطمأنينته أو بفتوى أولئك الأخيار الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخير؟ تأخذ بفتوى السلف، فكلنا يعلم بمدى تقواهم، ومدى ورعهم، ومدى علمهم، ومدى فتح الله عليهم، ولو قيس علمنا بأولئك ما وصلنا إلى عشر علمهم وتقواهم، فماذا نفعل؟ هل نضرب بأقوال سلف الأمة عرض الحائط، ويقول القائل: أنا نفسي مطمئنة لهذا؟ لا، فيجب عليك أن تحتقر نفسك، ولا تتبع هواك؛ لأنه إذا كانت المسألة متوقفة على طمأنينة القلوب، فأولى المقاييس هي: قلوب الصالحين من سلف هذه الأمة، فإذا كان لهم رأي، وأنت لك رأي مغاير لآرائهم، فهل تتهم رأيك أو تتهمهم؟ فعلى طالب العلم قبل أن يستبد بحكم مسألة أو رأي أن يستنير بأقوال السلف، وينظر ماذا قالوا فيها، وما هي وجهة نظرهم. يقول بعض العوام: الحيوان يعرف البر من الإثم! وذلك بالطمأنينة والقلق، فسمعت من بعض كبار السن يقول: الغنمة تعرف الحلال والحرام، فقلت: كيف هذا؟! قال: هل عندكم غنم؟ قلت: عندنا، قال: وهل الجيران عندهم غنم؟ قلت: عندهم، قال: ارم البرسيم في الشارع، فيجتمع غنم الشارع كله ويأكل منه، وتجد الغنم حق الناس تجري، وغنمكم واقفة، لماذا؟ لأن غنمك تعرف أنه برسيمك، وغنم الجيران تعرف أنها معتدية وليس لها حق فيه، وهذا كلام صحيح. قال: حتى القطة إذا كنت تأكل، وجاءت إليك فأعطيتها، فإنها تأكل بجانبك، لكن لو خطفت منك شيئاً، فهي تعرف أنه ليس لها حق فيه، فتشرد بها، لتأكلها بعيداً عنك!! إذاً: الحيوان يدرك الحلال من الحرام، والحلال البين ليس فيه استفتاء، والحرام البين ليس فيه استفتاء، ولكن الاستفتاء فيما كان بينهما، وهذه المنزلة والمرتبة -كما يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه-: شفافة جداً،ومقياسها التحرج، قال ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ، فإذا حصل في النفس حزازة، وحصل في النفس احتكاك، والصدر ليس بقادر أن يستريح بها، فاتركها، وإذا تركتها استرحت. وقوله ﵊: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، هذه مسألة نسبية، ولكن الإنسان من جبلته ألا يمتنع أن يرى الناس منه العمل الحسن، ويكره أن يرى الناس منه العمل السيئ، فهذا الحديث يعتبر مقياساً لشفافية القلوب فيما بينها وبين الله. والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بنواصينا ونواصيكم إلى الحق، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 565

تنبيه روي في بعض الكتب عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه سئل عن السند، وعن الرواية، عن النص، وعن والاجتهاد والتقليد، فقال ﵀: إن جاءنا عن الله فنعم، وإن جاءنا عن رسول الله فنعم، وإن جاءنا عن صحابي من أصحاب رسول الله فنعم، لكن إن جاء عن تابعي فهم رجال ونحن رجال، فنقول: كلام حق وصحيح بالنسبة له، فهو توفي سنة مئة وخمسين هجرية، ويوم وفاته هو مولد الشافعي، والرسول ﵊ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، فـ أبو حنيفة كان في وسط القرون الخيرة، فإذا كان الأمر كذلك فله حق أن يقول: الكتاب والسنة والصحابة على العين والرأس، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال، فهو من طبقة أتباع التابعين، وبعض الأحناف يدعي أنه تابعي، وأنه رأى بعض الصحابة، والآخرون يخالفونهم في ذلك، فليكن ما يكون، فإذا قال: هم رجال ونحن رجال، فهو من عصر أولئك الرجال، لكن نحن الآن لا نقول: نحن رجال وهم رجال، قال الشاعر: وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس كيف تقول الآن: نحن رجال وهم رجال؟! والله! ما أدري أي رجل هذا؟ أنا أعجب لمن يقول هذا في هذا الوقت الحاضر! أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كانوا يبيتون ليلهم في عبادة يعلمها الله، قيل عن الشافعي: إنه صلى الفجر بوضوء العشاء عند مالك فكيف نقول: هم رجال ونحن رجال؟ والله! هم رجال ونحن عيال! ولو قبلوا أن نكون عيالاً معهم لكانت نعمة كبرى. وهذا الموضوع يثير شعور الإنسان؛ لأني أسمع عن أشخاص كثيرين أنهم يتجرءون في هذا الباب، وأنصح كل طالب علم أن يحتاط، وأن يوقر السلف، وأن يعرف قدر نفسه، وما عنده من علم، وأن يستنير بنور السابقين، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →