Полный текст (863 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
طمأنينة النفس
وقال في حديث وابصة: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، فذكر هذا الميزان، وهذا المقياس، فاطمئنان النفس يدل على حل الشيء، وعدم الطمأنينة بالشيء يدل على الإثم، وجاء في بعض الآثار: (إياك وحزَّاز القلوب، أو حوّاز القلوب) ، وحزاز القلوب هو: الشيء الذي يحز في النفس ولا تتحمله، ويورث قلقاً واضطراباً، وحوّاز: من الحوز، أي: الذي يشتمل على القلب ويغلب عليه.
وقد يشكل هذا الحديث على بعض الناس فيقول: هل نرجع في بيان الحلال والحرام والبر والإثم إلى النفوس؟ وأي تلك النفوس؟ وأي مقياس لها؟ قال العلماء: لا، لا تنس الحديث الذي تقدم: (إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات) ، إذاً: طلب طمأنينة القلب والنفس عند عدم الركون إلى أحد الجانبين، وفيما هو وسط بين الطرفين الواضحين، فالحلال بيّن ليس فيه تردد، والحرام بيّن ليس فيه تردد، ولكن بينهما أمور شفافة دقيقة رقيقة لا تتضح لكل إنسان، فهي مشتبهات متموجة، (لا يعلمهن كثير من الناس) ، فإذا كان الإنسان أمام أمر فلينظر -بإجماع المسلمين- هل فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أم لا؟ قال الله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ [النساء:٦٥]-أي: ضيقاً- ﴿مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ؛ ولهذا كم من موقف كان الحق ثقيلاً على المؤمنين، ولم تطمئن إليه نفوسهم كقوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] ، فهم لم يكونوا يريدون القتال في بدر، بل يريدون الغنيمة، ولكن الله أراد شيئاً آخر، ولذا قال سعد بن معاذ: (يا رسول الله! امض لما أمرك الله، فلعلك خرجت تريد أمراً، والله يريد أمراً غيره، فامض إلى ما أراد الله يا رسول الله!) .
وكانوا في الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فلما أراد النبي ﷺ أن يبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج قال: (من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة) فهل بادروا بالتحلل؟ لا، بل وقفوا وقالوا: (يا رسول الله! أي الحل؟! قال: الحل كله، قالوا: أنذهب إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً؟) ، كانوا مستنكرين هذا، وأخيراً شرح الله صدورهم وأطاعوا.
وفي صلح الحديبية ذهب عثمان رضي الله تعالى عنه ليفاوض قريشاً، ويخبرهم أن رسول الله ﷺ جاء معتمراً، وما جاء مقاتلاً، فتأخر عليهم، وأشيع أنهم قتلوه، فماذا فعل الرسول؟ بايع أصحابه على الموت أو على ألا يفروا، فبايعوا جميعاً، وهي بيعة الرضوان التي كانت تحت الشجرة، وقد ذكرها الله في كتابه، ثم انكشف أن عثمان لم يقتل، وحينما قال النبي ﵊: (بايعوني، أخذ بيده الأخرى، وقال: وهذه عن عثمان) ، وهل يبايع عن عثمان وهو ميت، أو فعل ذلك إشعاراً بأن عثمان لم يمت؟ الله أعلم، ولكن يسر الله تلك البيعة، وسجل لهم ذلك الفخر والفضل في القرآن.
وبعد هذا جاء سهيل بن عمرو للمفاوضة، وقبل ﷺ ما شرطوا عليه، وماذا كان موقف عمر؟ جاء إلى أبي بكر وقال: (ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! لماذا لا نقاتلهم؟!) فهل كان عمر راضياً بهذه البيعة؟ وهل اطمأنت نفسه لها؟ لا، فهو كان يتطلع لشيء آخر، لكن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: (يا عمر! إنه رسول الله) ، يعني: هو يمشي بوحي من الله، فلا تعترض يا عمر! ؛ لأنه من عند الله، لكن عمر يأخذه الحماس، ويذهب إلى رسول الله ﷺ ، ويعيد الكرة عليه، فيقول له رسول الله ﷺ : (يا عمر! أنا عبد الله ولن يضيعني الله) ، قال عمر: (والله! لم أزل أصوم وأتصدق وأعتق تكفيراً لتلك الكلمة) ، ثم أنزل الله سورة الفتح وفيها: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٧] ، وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١] ، أي: لا تقدموا الآراء والاقتراحات، فهذا رسول الله، وقد سمى الله هذا الصلح فتحاً مبيناً.
стр. 562
متى يرجع إلى طمأنينة القلب ؟
إذاً: حينما يكون الأمر فيه نص من كتاب أو سنة رسول الله، فليس لاستفتاء القلب محل، ولا لاستفتاء عالم من العلماء مدخل؛ لأن النص في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يقضي على ذلك، ولكن إذا لم يكن في الأمر نص، من الحوادث التي تتجدد، أو أن النص مجمل، أو يوجد نص آخر يعارضه في الظاهر، ولا تستطيع الجمع بين النصوص، ولا معرفة الراجح، ولا يعرف ذلك إلا النقاد الحذاق من العلماء الذين جعل الله في قلوبهم شفافية، فهنا إذا كنت في أمر خفي لم يطلع عليه أحد، (استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك) ، مثلاً: يتخاصم اثنان إلى القاضي، والله يعلم المحق من المبطل، والقاضي بشر قد يخطئ، وقد قال سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر أقضي لكم على نحو ما أسمع، فلعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما سمعت، فمن حكمت له أو قطعت له شيئاً من حق أخيه إنما أقتطع له قطعة من النار!) ، فقد يدخل خصمان على الحاكم، وهو لا يعلم الغيب، فيأتي أحدهما بشهود زور، أو بينة مزورة، ويقضي القاضي بظاهر الأمر، والقاضي لا يحكم حتى بعلمه، فيحكم القاضي، والخصمان هما اللذان يعلمان حقيقة الأمر، وهل الحكم حق أم لا، والقاضي معذور في حكمه بالظاهر، فإن: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، فإذا خرج الخصمان بحكم صدر من القاضي، والمحكوم له يعلم يقيناً في قرارة نفسه أنه مبطل، فهل يحق له أن يأخذ ما حكم به القاضي؟ لا، وحينها يستفتي نفسه، فهل تطمئن نفسه إلى ما حكم به القاضي؟ لا والله! فهو يذهب إلى البيت ولا يستقر قراره؛ لأنه أولاً كان ظالماً، والآن هو ظلوم وظلام، أول الأمر كان يظلم نفسه، ويظلم خصمه، والآن ظلم القاضي وظلم الشهود، ولذا يقول العلماء جميعاً ما عدا الأحناف: حكم الحاكم لا يحل حراماً، وعند الأحناف أنه إذا قضى الحاكم فالمحكوم له الظاهر، لكن إذا كان يعلم في حقيقة الأمر أن المال ليس حقه، فكيف نقول حكم الحاكم يحله له؟! والله! لا تهضمها النفس أبداً.
إذاً: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس) .
ورجوع الإنسان إلى قلبه، على أي ميزان يكون؟ لا يوجد مقياس مليمتري، ولا ميزان بالدرهم والشعرة والذرة، لا، إنما يرجع في ذلك إلى نور الإيمان في قلب المؤمن، وإلى الفطرة التي فطره الله عليها، والفطرة إن تركت على ما كانت عليه، فهي تهدي إلى الخير، أما إذا اعترتها العوارض، واجتالتها الشياطين، فلا يرجع إليها، وقد جاء في الحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم) ، فعند ذلك تأتي الشبهات، ويأتي أكل الحرام، ويغلف هذا القلب، ويطمس هذا النور.
حينما قال سعد بن أبي وقاص: (يا رسول الله! سل الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: أطب مطعمك تستجب دعوتك) ؛ لأن الجسم ينبت على الطعام، فإذا كان الطعام حلالاً نبت الجسم شفافاً، ليس كالزجاج، ولكن لا يكون كثيفاً بالظلمات، فيكون القلب على فطرته ونوره كما جاء في الحديث.
стр. 563
مثل نور الإيمان في القلب
الإيمان في القلب كنور السراج داخل السراج، وكلما أديت العبادة لله كلما ازداد نور السراج، كما ضرب الله مثلاً للنور في قوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] أي: زيتها صافٍ معتدل، لا شرقية تسطع فيها الشمس من الصباح، ولا غربية من الزوال إلى الغروب، ولكن بين بين، تأخذ من ضوء الشمس ما يكفيها، ولا تتأثر بحرارتها، فتكون أطيب زيتاً، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: نور الفطرة، ونور العمل الصالح يذكيان هذا السراج، فإذا أذنب ذنباً نكت فيه نكتة سوداء، فإذا أذنب ذنباً آخر نكت فيه نكتة أخرى، وهكذا حتى يتغلف القلب، كما قال الله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] ، ولا يزيل هذا الران، وينقي تلك النكت السوداء إلا حرارة الندم، والتوبة، والرجوع إلى الله .
والقلب حينما يكون على الفطرة وعلى الحالة الأولى، إذا عرض له شيء تكون حساسيته شديدة، وقد يسميها بعض الناس: الحاسة السادسة، ونحن نسميها: حاسة الإيمان، وحاسة اليقين، فنور البصيرة تضيء للعبد طريقه.
ومن أمثلة الحاسات المعنوية التي لا ندرك كنهها، قصة الصديق رضي الله تعالى عنه عندما جاءه غلامه بطعام، فاستنكر الطعام، طعام يأتيه غلامه به فيستنكر هذا الطعام! ليس فيه مرارة ولا ملوحة ولا حرارة ولا حريف ولا شيء؛ لكن أحس أن فيه شبهة، عنده حساسية حلال وحرام، ليس حساسية حلو ومر وحامض ومالح، بل حساسية حلال وحرام، وجسم الإنسان ليس فيه خلايا الحلال والحرام، لكن فيه خلايا الذوق في طرف اللسان، فيميز الحلو والمر والمالح والحامض وكل شيء بطرف اللسان فقط، لكن الجسم ليس فيه خلايا حلال وحرام، لكن نور الإيمان هو الذي يبصرها، فقال للخادم: من أين هذا الطعام الذي جئتني به؟! انظروا! (الإثم ما حاك في الصدر) ، فقال: كنت في الجاهلية تكهنت لرجل ووعدني بكهانتي، ووالله! ما كنت أعرف الكهانة، ولكني نصبت عليه، فلقيني فأعطاني، فاشتريت به هذا الطعام، والرسول ﷺ قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، (ونهى عن حلوان الكاهن) ، فكيف ينهى عنه رسول الله ﵊ ثم يشتري به لـ أبي بكر؟ فاستقاءه أبو بكر، وأخرجه من بطنه! وكذلك عمر لما جاءه غلامه بحليب، فاستنكر طعم هذا الحليب، وقال: من أين هذا؟ فقال: أرسلتني لآتيك بحليب من إبلك، فذهبت فإذا الراعي قد أبعد، فوجدت في طريقي إبل الصدقة، فقلت: احلبوا لي، فحلبوا لي، فهذا حليب من إبل الصدقة، وعمر لا تحل له الصدقة، فوضع أصبعه في جوفه فتقيأ! نرجع إلى الحديث، قوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس) الطمأنينة متى يرجع إليها؟ يرجع إليها حينما لا يكون نص في المسألة، أما عند النص فلا.
وما هي النفوس التي ينظر في طمأنينتها؟ هي النفوس المؤمنة؛ ولهذا قال في المقابل: (والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، وبعض الأشخاص يرتكبون الأعمال السيئة، ولا يستترون من الناس أو فيما بينهم، ولو فعل أحدهم شيئاً من المنكر، وكان معه بعض زملائه الذين على شاكلته، لا يكره أن يطلعوا عليه، حتى أن بعضهم لم يطلع عليه أحد ثم يأتي ويتفاخر بالمعصية عند زملائه عياذاً بالله! فيحكي بعضهم لبعض ماذا كان من أمرهم، يسافر أحدهم إلى بلد ما للمعصية، ويستر الله عليه، ثم يأتي لزملائه وأمثاله فيخبرهم بما صنع، ولا يستحي منهم، وفي الحديث: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ، فالمسلم يستحي مِن أهل الحياء، ومن أهل المروءة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (استح من الله كما تستحي من رجلين من ذوي المروءة من قومك) .
فقوله: (البر ما اطمأنت إليه النفس) أي: إذا لم يكن في المسألة نص، وترددت المسألة بين الحلال والحرام، فلينظر هل تطمئن النفس بفعل ذلك أم لا؟
стр. 564
معرفة طمأنينة القلب
في الرواية الأخيرة أن وابصة قال: وكيف ذلك؟ أي: كيف أعرف أن قلبي قد اطمأن؟ فقال: (ضع يدك على قلبك، فإن القلب يطمئن للحلال، ولا يطمئن للحرام) ، والآن عند التحقيق مع المجرم يضع المحقق يده في قلب المتهم مثل الطبيب الذي يكشف عليه، فإذا وجه إليه سؤالاً في صميم الموضوع نبض قلبه بسرعة، وإذا كان السؤال بعيداً عن الموضوع وليس فيه ريبة، فإن النبض معتدل، فيستدل بتغير نبضات القلب مع تغير الأسئلة على حالته النفسية وعلاقته بالجرم، وهذا مذكور في علم الجنايات.
وهنا نأتي إلى لفتة صغيرة لإخواننا طلبة العلم الذين يجدون في أنفسهم الكفاءة للاجتهاد، ويعرضون عن فهم السلف ﵏، ويستبدون بآرائهم في الفقه والفتوى حينما تكون المسألة لا نص فيها، أو فيها خلاف كثير، فنقول لهم: لا ينبغي لكم هذا، لا سيما في معرض الاستفتاء، فلو قدر أنه اجتمع الأئمة الأربعة وأصحابهم وأنت معهم، وعرضت قضية لا نص فيها، وتردد فيها النظر، فرجعت الفتوى إلى القلب، فأي القلوب أولى أن نأخذ بطمأنينتها؟ قلوب السلف بلا ريب، فلو مرت مسألة ليس فيها نص على سلف الأمة، واجتهدوا فيها وأفتوا، وكانت الفتوى صادرة بما اطمأنت إليه قلوبهم، فإذا عرضت عليك اليوم هذه المسألة، واستفتيت قلبك، وكان لك رأي فيها، ولسلف الأمة ذوي القلوب الحية والقلوب المستنيرة رأي فيها، وخالف رأيك رأيهم فيها، فما هو الحكم؟ وما الذي ترجح؟ وما الذي تعمل؟ هل تأخذ بفتوى قلبك وطمأنينته أو بفتوى أولئك الأخيار الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخير؟ تأخذ بفتوى السلف، فكلنا يعلم بمدى تقواهم، ومدى ورعهم، ومدى علمهم، ومدى فتح الله عليهم، ولو قيس علمنا بأولئك ما وصلنا إلى عشر علمهم وتقواهم، فماذا نفعل؟ هل نضرب بأقوال سلف الأمة عرض الحائط، ويقول القائل: أنا نفسي مطمئنة لهذا؟ لا، فيجب عليك أن تحتقر نفسك، ولا تتبع هواك؛ لأنه إذا كانت المسألة متوقفة على طمأنينة القلوب، فأولى المقاييس هي: قلوب الصالحين من سلف هذه الأمة، فإذا كان لهم رأي، وأنت لك رأي مغاير لآرائهم، فهل تتهم رأيك أو تتهمهم؟ فعلى طالب العلم قبل أن يستبد بحكم مسألة أو رأي أن يستنير بأقوال السلف، وينظر ماذا قالوا فيها، وما هي وجهة نظرهم.
يقول بعض العوام: الحيوان يعرف البر من الإثم! وذلك بالطمأنينة والقلق، فسمعت من بعض كبار السن يقول: الغنمة تعرف الحلال والحرام، فقلت: كيف هذا؟! قال: هل عندكم غنم؟ قلت: عندنا، قال: وهل الجيران عندهم غنم؟ قلت: عندهم، قال: ارم البرسيم في الشارع، فيجتمع غنم الشارع كله ويأكل منه، وتجد الغنم حق الناس تجري، وغنمكم واقفة، لماذا؟ لأن غنمك تعرف أنه برسيمك، وغنم الجيران تعرف أنها معتدية وليس لها حق فيه، وهذا كلام صحيح.
قال: حتى القطة إذا كنت تأكل، وجاءت إليك فأعطيتها، فإنها تأكل بجانبك، لكن لو خطفت منك شيئاً، فهي تعرف أنه ليس لها حق فيه، فتشرد بها، لتأكلها بعيداً عنك!! إذاً: الحيوان يدرك الحلال من الحرام، والحلال البين ليس فيه استفتاء، والحرام البين ليس فيه استفتاء، ولكن الاستفتاء فيما كان بينهما، وهذه المنزلة والمرتبة -كما يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه-: شفافة جداً،ومقياسها التحرج، قال ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ، فإذا حصل في النفس حزازة، وحصل في النفس احتكاك، والصدر ليس بقادر أن يستريح بها، فاتركها، وإذا تركتها استرحت.
وقوله ﵊: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، هذه مسألة نسبية، ولكن الإنسان من جبلته ألا يمتنع أن يرى الناس منه العمل الحسن، ويكره أن يرى الناس منه العمل السيئ، فهذا الحديث يعتبر مقياساً لشفافية القلوب فيما بينها وبين الله.
والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بنواصينا ونواصيكم إلى الحق، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 565
تنبيه
روي في بعض الكتب عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه سئل عن السند، وعن الرواية، عن النص، وعن والاجتهاد والتقليد، فقال ﵀: إن جاءنا عن الله فنعم، وإن جاءنا عن رسول الله فنعم، وإن جاءنا عن صحابي من أصحاب رسول الله فنعم، لكن إن جاء عن تابعي فهم رجال ونحن رجال، فنقول: كلام حق وصحيح بالنسبة له، فهو توفي سنة مئة وخمسين هجرية، ويوم وفاته هو مولد الشافعي، والرسول ﵊ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، فـ أبو حنيفة كان في وسط القرون الخيرة، فإذا كان الأمر كذلك فله حق أن يقول: الكتاب والسنة والصحابة على العين والرأس، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال، فهو من طبقة أتباع التابعين، وبعض الأحناف يدعي أنه تابعي، وأنه رأى بعض الصحابة، والآخرون يخالفونهم في ذلك، فليكن ما يكون، فإذا قال: هم رجال ونحن رجال، فهو من عصر أولئك الرجال، لكن نحن الآن لا نقول: نحن رجال وهم رجال، قال الشاعر: وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس كيف تقول الآن: نحن رجال وهم رجال؟! والله! ما أدري أي رجل هذا؟ أنا أعجب لمن يقول هذا في هذا الوقت الحاضر! أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كانوا يبيتون ليلهم في عبادة يعلمها الله، قيل عن الشافعي: إنه صلى الفجر بوضوء العشاء عند مالك فكيف نقول: هم رجال ونحن رجال؟ والله! هم رجال ونحن عيال! ولو قبلوا أن نكون عيالاً معهم لكانت نعمة كبرى.
وهذا الموضوع يثير شعور الإنسان؛ لأني أسمع عن أشخاص كثيرين أنهم يتجرءون في هذا الباب، وأنصح كل طالب علم أن يحتاط، وأن يوقر السلف، وأن يعرف قدر نفسه، وما عنده من علم، وأن يستنير بنور السابقين، والله تعالى أعلم.
стр. 566
شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والعشرون [١]
стр. 567
شرح حديث: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين.
وبعد: عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
إن لهذا الحديث شأن عظيم، وهو حديث جامع، ويعطي صورة مشرقة لذلك الموقف من النبي ﷺ وأصحابه، والوقت الذي قيل فيه كان بعد عودته ﷺ من حجة الوداع، وجاء في بعض آثار وطرق هذا الحديث أنه ﷺ صلى على شهداء أحد، وخطب الناس، قال أنس وغيره: (كأنه يودع الأموات والأحياء) .
стр. 568
من صفات المؤمنين لين قلوبهم لذكر الله
جاء في بعض الآثار: أنه ﷺ بعد أن صلى الصبح صعد المنبر وخطب الناس بهذه الموعظة البليغة، وأثر ذلك فيهم الحسن: بلاغة سيد الخلق ﷺ ، ولحسن استماع أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وكانت النتيجة كما قال العرباض: (وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون) .
هذا الوصف -أيها الإخوة- يقف الناس منه اليوم على طرفي نقيض، ومن صفات المؤمنين ما ذكره العرباض: وجل القلوب عند ذكر الله، وذرف الدموع مخافة من الله، وقد قال في بيان صفة المؤمنين: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] .
وجاء في بيان قسوة القلب، وضرب ذلك المثل بالحجارة، فقال الله مبيناً حال قلوب القساة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤] ، وجاء في وصف كتاب الله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [الحشر:٢١] ، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] ، حقاً: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] .
وجاء عنه ﷺ في بيان السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) ، وجاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يَعِسُّ بالمدينة ليلاً، فسمع قارئاً يقرأ داخل البيت، فتأثر عمر حتى حمل إلى بيته، وصار الناس يزورونه في بيته وما به مرض! ومن قبله رسول الله ﷺ حينما طلب من بعض أصحابه أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ حتى جاء إلى الآية الكريمة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] ، فقال: (حسبك، قال: فإذا بالنبي ﷺ تذرف دموعه) .
وهكذا -أيها الإخوة- يكون حال المؤمن إذا ذُكر الله عنده، وإذا ذَكر الله في نفسه، وإذا سمع القرآن الكريم، المؤمن حقاً يكون صافي القلب، ويقشعر جلده ويلين لذكر الله.
أما من ران قلبه بالمعاصي، وحجب عن نور الإيمان فإنه لا يتأثر، ولا يكون لآيات الله ولا لذكر الله عنده تأثير، وكما أشرت فالناس في هذا الباب على طرفي نقيض: رجل قاسي القلب، وآخر يتصنع الخشوع والبكاء، والأمر يبقى على حقيقته عندما يكون العبد ملتزماً بكتاب الله وسنة رسوله حقاً، فإنه بلا شك يتأثر إذا سمع كتاب الله، وإذا كان مدعياً ذلك بغير حق فإنه كما يقال: لابس ثوب عارية، وثوب العارية شفاف لا يقي ولا يستر.
وطريق الخشوع ما بينه العلماء أن الإنسان إذا قرأ كتاب الله، وتلا آياته، أمعن فيها، وبذلك يصل إلى قلبه، ويعي ما يقول، وبهذا يتأثر بما يقرأ، وكان بعض السلف يقوم الليل يقرأ، فتوقفه آية يظل يرددها حتى يطلع الفجر! وهكذا هنا قال الراوي: (موعظة بليغة) ، ومن أبلغ من رسول الله ﷺ ؟ موعظة يسمعها أصحاب رسول الله، ومن خير من أصحاب رسول الله؟ أولئك الذين أشربت قلوبهم الإيمان بالله وبرسوله، وأولئك الذي زادت شفافية قلوبهم وأرواحهم، وتأثروا فعلاً بصحبة رسول الله ﷺ .
يأتي حنظلة إلى النبي ﷺ فيقول: (نافق حنظلة يا رسول الله! قال: وما ذاك؟! قال: نكون عندك فتذكرنا وتعظنا، فتذرف الدموع، وتخشع القلوب، فإذا انقلبنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهل، نسينا ذلك كله، فقال ﷺ : ساعة وساعة يا حنظلة! والله! لو دمتم على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرق، ولزارتكم في البيوت) ، نعم ساعة فساعة! وأي ساعة أجلّ وأعظم وأعلى من ساعة يقضونها مع رسول الله ﷺ ؟!! يقول ابن مسعود: (والله! لقد أنكرنا قلوبنا بعد وفاة النبي ﷺ ولما ندفنه بعد) .
هكذا يبيّن لنا العرباض رضي الله تعالى عنه أثر الموعظة البليغة من النبي ﷺ على أصحابه، والواجب على المسلم حقاً أن يجعل لنفسه ساعة يخلو فيها بربه، ويخلو مع نفسه، كما جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال لبعض أصحابه: (اجلس بنا نؤمن ساعة) ، أليسوا مؤمنين؟! بلى، ولكن ليزدادوا من الإيمان، ويجددوا اليقين بما يتذاكرون من آيات الله، فحبذا لو يجعل الفرد لنفسه ساعة من الليل حينما تنام العيون، ويغفل الناس، فيتآنس مع ربه في ذكره لآياته، وشكره لآلائه، فوالله! ثم والله! إنها لأسعد لحظات في حياة الإنسان، وحينما يجد اللذة والحلاوة في تلك المناجاة الكريمة ينسى الدنيا بما فيها، ويكفي بياناً لذلك أن سيد الخلق ﷺ كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه! إنها حلاوة المناجاة بينه وبين الله، ولذة القيام في تلك اللحظات؛ ولذا يقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً؟!!) شكراً لله على نعمائه يقوم بذلك، وقد قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) .
стр. 569
أهمية الوصية في الإسلام
نرجع إلى الماضي البعيد وإلى التاريخ التليد إلى تلك الحالة التي كان عليها أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد تنبهت قلوبهم، وعلموا بحقيقة الموقف، وأدركوا ما عليه رسول الله ﷺ فقالوا: كأنها موعظة مودع -يا رسول الله- فأوصنا! هذا هو المطلب الحقيقي، وهذا هو الفقه والإيمان الحقيقي، أدركوا حالة رسول الله ﷺ المغايرة للحالات السابقة معهم، فأجابهم فقال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة) ، وقد أشرنا إلى أهمية الوصية ومنزلتها في الإسلام ,وأنها لا تنطلق إلا عن شفقة ورأفة من الموصي إلى الموصى إليه، والصلة القوية بين (وصى) و (وصى له) ، كلاهما فيه صلة معنوية أو حسية، والإسلام بكامله يأتي بالوصايا، بل أفرد الله تعالى سورة في بيان أهمية الوصية فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] ، حتى إن الشافعي ﵀ يقول: لو لم ينزل على الناس إلا سورة العصر -أي: في التوجيه والإرشاد والنصح- لكفتهم هذه السورة.
والمولى سبحانه يوصي عباده، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] ، ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت:٨] ، وكذلك جبريل ﵇ يوصي رسول الله ﷺ ، كما قال بعض الأنصار: (جئت مع قومي إلى رسول الله ﷺ ، فوجدناه قائماً ومعه رجل يحادثه، فأطال القيام معه حتى أشفقت على رسول الله ﷺ من طول قيامه، فلما انصرف عنه الرجل قلت: يا رسول الله! من هذا الرجل الذي أطال القيام معك؟! لقد أشفقت عليك من طول القيام! قال: هل رأيته؟! قلت: نعم، قال: هذا جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، فجبريل يوصي رسول الله في حق الجار.
وكذلك يقول ﷺ : (أوصاني جبريل بالسواك) ، وقال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) ، وكذلك حديث: (إن ربي أوصاني بخمس) ثم ذكر صلة الرحم، وأشياء عديدة، ولقد ألممنا بكثير من الوصايا فيما جمعناه في كتاب (من وصايا النبي ﷺ ، مثل وصية النبي ﷺ لأبي هريرة بقوله: (أوصاني خليلي بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام) وجاء عن أبي ذر ﵁ أنه قال له: (إنك رجل ضعيف فلا تطلب الإمارة) ، فأوصاه أيضاً بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والنوم على وتر، وقال له: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) ، والأحاديث كثيرة في باب الوصية، ومن تتبعها وجد حقاً أن الإسلام قد جاءت فيه الوصايا من جميع النواحي.
стр. 570
تفسير سورة العصر
سورة العصر يوصي الله فيها عباده المؤمنين، فيقول: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١] ، وهل هو وقت صلاة العصر؟ لا، بل المراد به الزمن كله، وهذا أعم وأشمل؛ لأن العصر بمعنى الزمن الذي تقع فيه الأحداث، وفيه الدورة الكونية المتجددة التي ما انتهت إلا وبدأت دورة أخرى، وفيها تعاقب الليل والنهار، وتكرار الجديدين، وأمم تمضي وأمم تأتي ونبات ينبت وثمرة تثمر وإنسان يولد وآخر يموت وعالم البحار والأشجار والأنهار والعالم كله مدروج في ظرف الزمان والمكان، فقوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ يبين ما في الزمن من آيات تبين قدرة الله .
قال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ، وقد أشرنا -أيها الإخوة- أن مبحث القسم في كتاب الله معجزة، وليت من يتصدى لها ويتتبعها، فما من قسم في كتاب الله ومقسم عليه إلا وبينهما ارتباط ومناسبة قوية جداً، وهنا: العصر من حيث هو زمن، سواء كان زمناً كلياً مطلقاً أو زمناً جزئياً محدوداً، فيقسم سبحانه بهذا الزمن الذي هو محل العمل والكسب، والشخص إذا عمل لا يخلو عمله من أحد أمرين: إما أن يكسب في عمله وإما أن يخسر، وإن أعظم خسران للعبد هو في عمره، فهو رأس ماله في حياته، إن اكتسب فيه خيراً فهو رابح، وإن اكتسب فيه شراً فهو خاسر، وتقدم الحديث الذي فيه: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) .
إذاً: أعظم خسران على الإنسان أن يضيع جزءاً من عمره، ولا يسلم من هذا الخسران أحد قط ولو كان تاجراً رابحاً: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] ، فالتاجر إن ربح مال الدنيا فلن يصل إلى غنى قارون، وإن ملك وتسلط فلن يصل إلى ملك فرعون، ولا إلى ملك النمرود الذي كان في عهد إبراهيم ﵇، وكما يقال: (ما ملك الدنيا إلا رجلان: أحدهما مسلم، وهو النبي سليمان، والآخر كافر، وهو النمرود) ، وهذا ذو القرنين مكن الله له في الأرض، وأعطاه من كل شيء سبباً، وكل ذلك مضى وانتهى، ولكن الكسب الحقيقي هو ما بين سبحانه: (الإيمان وعمل الصَّالِحَاتِ) ؛ لأن الكسب المادي مدته مدة حياته، فإذا انقضت الحياة انتهى ذلك الكسب والملك، والحياة الحقيقية هي الآخرة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] .
إذاً: الكسب الحقيقي والسلامة من الخسران حقاً هو بالإيمان والعمل الصالح: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ومن الصالحات ما أفرد وخص في هذه السورة الكريمة: (وَتَوَاصَوْا) أي: يوصي بعضهم بعضاً، وفي هذا أهمية إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن كلاً من المؤمنين يوصي الآخر، وبأي شيء يتواصون؟ (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) ، وفيه كل الخير في الدنيا والآخرة، وفيه كتاب الله وسنة رسوله، وما بعد الحق إلا الضلال، فإذا تواصوا بالحق وتناهوا عن المنكر: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ، وفيها إشارة إلى أن كل من تمسك بالحق، وقام يدعو إليه، ويوصي الناس به، فلابد أن يصيبه ما يحتاج إلى الصبر معه، ويقول الله سبحانه في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٣-٣٤] ، فالحسنة تكون من جهة الداعي إلى الله، ومن أين تكون السيئات التي تأتي إلى الداعي إلى الله؟ تأتي ممن يدعوهم إلى الخير ولا يهتدي في بادئ الأمر.
ثم يقول الله في آخر السياق: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٤-٣٥] ، وهنا يقول: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] .
إن هذا الحديث بما فيه من ذكر الوصية بالذات، يجمع كل خير في الدنيا، وكل تشريع إسلامي يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا بلاغة البلغاء، وكما يقول الراوي: (كأنها موعظة مودع) ، والمودع يختصر القول؛ لأنه مقبل على سفر؛ فلذا جمع ﷺ ما يريد أن يلقيه إلى الأمة في تلك اللحظات الحرجة، وبين ما طلبوه في هذه الكلمة (أوصيكم) أي: استجابة لطلبكم أوصيكم، وحينئذ تنفع الوصية، وتقع وتستقر في القلوب؛ لأنهم هم الذين طلبوها منه.
стр. 571
الوصية بتقوى الله والسمع والطاعة
ينبغي للداعية ولطالب العلم أن يتحين المواعظ عند مناسبتها، حتى يجد آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، فلما طلبوا الوصية بادرهم بها، وجمع لهم كل الخير: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة) ، فجمع بين الأمرين: التقوى في كل حقوق الله ، وإقامة حدوده، والسمع والطاعة في علاقة الأفراد بعضهم ببعض، ولقد علم أصحاب رسول الله بحقيقة السمع والطاعة، وقد كان من شرط الإسلام والإيمان أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، حتى لو حكم رسول الله في ذوات أنفسهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] ، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] .
هكذا مبدأ الإسلام في حفظ نظام الأمة، وحقن دمائها، وصيانة أموالها، والحفاظ على أعراضها؛ لأن الخلاف وعدم السمع والطاعة سيؤدي إلى شقاق ونزاع ثم إلى قتال يفسد العالم؛ ولذا كان يأمر ﷺ بالسمع والطاعة لكل أمير يرسله، ينصحه هو بتقوى الله، ويوصي أصحابه بالسمع والطاعة، وهكذا كان المسلمون على هذا المبدأ.
ثم بين ﷺ تحقيقاً لهذا المبدأ: (ولو تأمر عليكم عبد) ، يا ترى هل للعبد إمارة؟ وهل يكون العبد ولي أمر للمسلمين؟ أجمع المسلمون بأن الخلافة على المسلمين لا تكون إلا للأحرار، ويأتي نص آخر: (الأئمة من قريش) ، ولكن قد يتغلب العبد فيأخذ الولاية، كما حصل في دولة المماليك، والأصل أن الولاية لا تكون إلا في قريش: (الخلفاء من قريش) كما جاء في أثر علي رضي الله تعالى عنه، ولكن قد تصير الخلافة في غير قريش، ففي الحياة تطور، وفي الحياة تغير، فإن تأمر عليكم عبد، وأخذ الإمارة، فالزموا الطاعة! وهذا يكون على سبيل المبالغة، كما جاء في الحديث (من بنى لله بيتاً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة) ، وهل مكان القطاة التي تبيت فيه يصلح أن يكون بيتاً لله؟! لا، لكن قالوا: هذا على سبيل المبالغة، ومهما يكن من شيء فإن السمع والطاعة من سيم المسلمين مع أمرائهم، وقد أشرنا أن الله سبحانه وضع المبدأ الذي يتعلق بين الحكام والمحكومين في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ، وهذا واجب الأمراء والحكام.
والجانب الثاني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، فهذا مبدأ ارتباط الوالي بالرعية، والرعية بالوالي.
стр. 572
الالتزام بسنة الرسول وخلفائه عند الاختلاف
ثم يحذر ﷺ من الاختلاف فيقول: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) ، فهنا محط الرحل، وموضع الإعجاز، حيث أخبر ﷺ أن من يعيش ويطول عمره فسيرى الاختلاف بين الناس.
стр. 573
اتخاذ عثمان للأذان الأول يوم الجمعة
ثم قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، وسنة الخلفاء مثل ما فعله عثمان عندما اتسع العمران في المدينة، فسن عثمان الأذان الأول يوم الجمعة قبل الوقت، وجعل هذا الأذان على الزوراء، وكانت تبعد عن المسجد نحواً من مائتين متراً تقريباً؛ وذلك لأجل أن يرجع الناس من أسواقهم إلى البيوت، ليتهيئوا لأداء الجمعة؛ ولذا يمكن لقائل أن يقول: لعل عثمان ﵁ أخذ ذلك من المصلحة التي تقتضيها.
ويمكن أن يستند لهذا الفعل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، وقد أجمع الفقهاء أن من كان بعيد الدار، ولو مكث في مكانه حتى يسمع النداء لم يدرك الخطبة أو يفوته شيء من الصلاة، فإنه يتعين في حق هذا بالذات أن يسعى إلى ذكر الله قبل النداء إليها، كما في القاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ، فرأى عثمان رضي الله تعالى عنه أن أهل السوق لو بقوا في أسواقهم حتى ينادى للجمعة عند دخول الوقت، فإنه لا يسعهم أن يأتوا إلى صلاة الجمعة من دكاكينهم وأسواقهم، ويحتاجون إلى الرجوع إلى البيوت للاغتسال أو الوضوء، فلم يبق عندهم وقت، فرأى أن يجعل أذاناً قبل الوقت لهذه المصلحة.
ومن هنا أخذ الفقهاء أنه إذا اتسعت البلدة فيشرع أن يجعل أكثر من مؤذن، كما قال مالك: إذا اتسع المعسكر فإن على القائد أن يجعل عدة مؤذنين لتنبيه الناس، إلا أذان صلاة المغرب لضيق الوقت.
ولذلك شرع الأذان الأول لصلاة الصبح، وهذا من أصل السنة، ويمكن أن يقال: إن عثمان قاس أذان الجمعة على أذان الصبح؛ لأن الرسول ﷺ سن أذانين للفجر سوى الإقامة، وقال ﷺ : (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم،) فكان بلال ينادي قبل الفجر، ويجوز بعد ندائه الأكل والشرب للصائم، حتى إذا نادى ابن أم مكتوم أمسك من يريد الصوم عن الأكل والشرب، وقال: (الفجر فجران: فجر يحل فيه الطعام، وتحرم فيه الصلاة، وفجر تحل فيه الصلاة، ويحرم فيه الطعام) ، وهكذا كان الخلفاء الراشدون لهم من السنن ما يستند إليه العلماء فيما بعد.
стр. 574
حكم صلاة ركعتين بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة
وبهذه المناسبة ننبه على كثيراً ما يتساءل الناس عنها ويخلطون فيها وهي: حينما يؤذن المؤذن على المنارة، وقبل أن يصعد الإمام على المنبر، في تلك البرهة لم يعد هناك زمن بين الأذانين، مع أنه في السابق كان هناك زمن يسع لفعل ما، ,نجد الناس جلوساً في المسجد فإذا سمعوا الأذان الأول قاموا فصلوا ركعتين؛ لأن أذان عثمان الذي شرعه في الأسواق نقله بنو أمية إلى باب المسجد، ثم نقله من بعدهم إلى عند المنبر، وأصبح الأذان الأول الذي كان للتنبيه قبل دخول الوقت على باب المسجد بدلاً من السوق، ثم انتقل من باب المسجد إلى عند المنبر، فأصبح أذان الوقت مع الأذان الأول ليس بينهما إلا برهة وجيزة، ومعلوم أنه في زمن النبي ﷺ ما كان يوجد هذا الأذان، وإنما أذان الوقت والإقامة فقط، ولم يكن هناك متسع لصلاة ركعتين، أما الآن فإذا أذن المؤذن على المنارة قام الناس يركعون ركعتين، فإذا انتهوا من هاتين الركعتين صعد الإمام على المنبر ثم سلم، وقام المؤذن يؤذن أذان الوقت الذي تصح بعده الصلاة، فيتساءل الناس عن هاتين الركعتين اللتين هما بين الأذان على المنارة وبين الأذان الذي بين يدي الخطيب: أهما سنة جمعة؟ نجد ابن القيم يقول عبارة شديدة: من ظن أنها سنة فهو أجهل من حمار أهله! ولكن نجد شيخه الإمام ابن تيمية ﵀ يقول: إن هاتين الركعتين ليعلم كل إنسان أنها لم تكن زمن رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكن إلا أذان واحد، يؤذن المؤذن على سطح المسجد، ويبدأ ﷺ في الخطبة، فليس هناك مجال للصلاة، والناس يستمعون إلى الخطبة، ولا يقوم أحد للصلاة، ولكن حيث أن عثمان قد أنشأه فهو سنة خليفة راشد، فطالب العلم في حد ذاته لا يفعلها؛ لأنه يعلم يقيناً أنها ليست سنة، أما بقية عوام الناس فهل ينكر عليهم أو يتركهم على ذلك؟ ينظر: إن كان أولئك العوام يرونه موضع ثقة، ويقبلون منه، فإنه يبين لهم، وإن كان لو نهاهم عنها ظنوا أنه ينكر السنة، وسينفرون عنه، ولا يستطيع أن يبين لهم ما هو أهم من ذلك؛ فليتركهم وليلتمس لهم عذراً من عموم قوله ﷺ (بين كل أذانين صلاة) ، وإن كان الحديث يعني الأذان والإقامة، إلا أن هذا فعل عثمان، وهو فعل خليفة راشد، فنعتبره ونلتمس العذر لعوام الناس.
انظر إلى حكمة الدعوة عند ابن تيمية! وانظر إلى شدة القول عند تلميذه! وعلى هذا اعتبر ابن تيمية ﵀ ما فعله عثمان سنة خليفة راشد، وبهذا تلتمس الأعذار لعوام الناس.
ومن سنة الخلفاء الراشدين المهديين أن عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن بيع أم الولد، وكان قبله مباحاً، لكنه سمع جلبة وأصوات، فقال: ما هذه الجلبة؟ قالوا: رجل باع أم ولده، وفرق بينها وبين أولادها، فبكى الأولاد لأمهم، فمنع عمر من بيع أم الولد، وجعلها تعتق من رأس ماله، ولو لم يكن عنده سواها، وانعقد إجماع المسلمين أنه لا تباع أم الولد بعد موت مولاها، بل تعتق بعد موت مولاها حالاً، ولو لم يوص بعتقها، ولو لم يكن في تركته سواها.
وهكذا رأى عمر رضي الله تعالى عنه عام الرمادة رفع قطع اليد في السرقة، والتمس عذراً للناس، إلى غير ذلك من الأحكام التي انفرد بها الخلفاء الراشدون من بعد رسول الله ﷺ .
стр. 575
التحذير من البدع والضلالات
ثم قال عليه الصلاة والسالم: (وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة) ، وهذا التحذير من الرسول ﷺ يقف عنده العلماء طويلاً، ويبحثون فيه بحثاً وافياً واسعاً، وأوسع من كتب في هذا الباب هو الإمام الشاطبي ﵀ في كتاب الإعتصام، وكذلك القرافي في الفروق بين السنة والبدعة، فعلى طالب العلم ومريد المعرفة حقاً أن يرجع إلى هذين الكتابين ليعرف حقيقة السنة من البدعة.
ومجمل ما يقال في ذلك: إن البدعة، والإبداع، والابتداع، مأخوذة من البِدْع، والبِدْع والبِدْء في اللغة بينهما تقارب، تقول: هذا بدء الشيء، وفلان ابتدأ العمل الفلاني، وتقول: هذا بدع، وفلان ابتدع الأمر الفلاني، وليس بين البدء والبدع إلا العين والهمز، ويقول علماء فقه اللغة: إذا توافقت المادتان في أكثر الحروف واختلفت في حرف واحد، كان بينهما صلة وقرابة في المعنى والدلالة، وبقدر اقتراب الحرفين المختلفين من مخرجهما كان قرب هاتين الكلمتين في المعنى، وإذا نظرنا إلى بدأ وبدع، وجدنا الهمزة والعين من حروف الحلق، تقول: (أء) ، وتقول (أع) ، إلا أن العين أقرب، فكل بدع له ابتداء، وتميز البدع ببدء شيء لا نظير له، أي: وجود شيء على غير مثال سابق، ومنه: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] ؛ لأن الله بدأ خلقهما على غير مثال سابق، فخلق السماوات والأرض يجتمع فيه البدء والبدع؛ لأن البدء هو بدء خلقهما، والبدع لأنهما على غير مثال سابق.
وكذلك قوله سبحانه في حق رسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] أي: قد تقدمه رسل متعددون، ولم يكن هو في بداية مجيئه بدعاً على غير مثال، بل سبقه رسل في أمم.
وهكذا قالوا: البدعة هي إيجاد شيء ليس له نظير في الشرع، ولم يعرفه الصدر الأول عمن له حق التشريع من كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ ، أو الخلفاء الراشدين.
стр. 576
تحذير السلف من الابتداع في الدين
مدح السلف السنة، وذموا البدعة، والسنة هي الطريقة، كما قال القائل: من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها أي: طريقة يلتمسونها.
والبدعة لم تكن سنة سابقة، ولكنها أمر جديد لا عهد له من قبل، ولذا قال مالك ﵀: من سن سنة وزعم أنها حسنة -يعني: ابتدع شيئاً لم يكن موجوداً وظن أنه حسنة- فقد اتهم محمداً ﷺ بأنه لم يبلغ الرسالة.
وقد ورد عن ابن المبارك أنه قال: من ابتدع بدعة في الإسلام فقد خون رسول الله في الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، فبعد الإكمال والإتمام من الذي يدعي النقصان؟! فـ مالك ﵀ يرى أن من ابتدع في الدين شيئاً وقال: هذا حسن اعملوا به، أو خذوه عني، ولم يكن لهذا الأمر سلف عن رسول الله ﷺ ، ولا عن خلفائه، فإنه يكون ابتداعاً جديداً في دين الله، والآتي به يلزمه أنه خون رسول الله ﷺ في البلاغ؛ لأن الله قال: (أَكْمَلْتُ لَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) ، وليس بعد الكمال إكمال، ولا بعد الإتمام إتمام، فالدين قد كمل، فإذا جاء إنسان وقال: خذوا بهذا، فمعنى ذلك: أنه بقي في الدين ثلمة، وهذه تتمتها! فيتعارض مع (أَكْمَلْتُ) و (أَتْمَمْتُ) .
قال الإمام مالك قاعدة مشهورة وهي: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها.
وقد جاء عنه ﷺ التشديد في البدع حيث قال: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) ، أي: مردود على صاحبه، والعلماء يتكلمون عن المبتدعات في مراتبها وأحكامها، وقد تغلظ البدعة بحسب الزمان أو المكان، فشدد ﷺ البدعة في خصوص المدينة، ولعن من أحدث فيها بدعة فقال: (لعن الله من أحدث فيها، أو آوى محدثا) ، لماذا؟ لأن المدينة عاصمة الإسلام، وموئل الإيمان، وهو يأرز إليها كما تأرز الحية إلى جحرها، ويأتي إليها المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فلابد أن تبقى المدينة على السنة المطهرة، نيرة واضحة لا تخالطها بدعة؛ لأن من رأى البدعة فيها ظن البدعة سنة.
وأشد الناس في التحذير من البدع مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى، ففي ترجمته أن ابن مهدي -وهو من العلماء المشهورين- جاء وصلى في المسجد النبوي في الصف الأول، وألقى رداءه بين يديه، فلما أنهوا الصلاة، أخذ الناس ينظرون إلى الرداء وينظرون إلى مالك فقال: من هنا من الحراس؟ فجاء اثنان، فقال: خذاه إلى الحبس، فذهبا به إلى الحبس، وفي رواية أخرى: جاءه الحراس فقال: إلى أين؟! قالوا: إلى الحبس، قال: لماذا؟! قالوا: بأمر أبي عبد الله، قال: اذهبوا بي إلى أبي عبد الله، فذهب الحراس به إلى أبي عبد الله مالك بن أنس، فقال: تحدث في مسجد رسول الله ما لم يحدثه أحداً قبلك؟! قال: يا أبا عبد الله! إن الجو حار كما ترى، وثقل عليّ ردائي فطرحته بين يدي، قال: آلله ما أردت مخالفة من قبلك؟ قال: والله! ما أردت مخالفة من قبلي! قال: لا تعد لذلك، ولا تحدثن في مسجدنا ما ليس فيه! هكذا يعتبر مالك طرح الرداء بين يديه وهو يصلي حدثاً، ويأمر بفاعله إلى الحبس! ويقول ابن سرحون: في القرن السابع الهجري كان هناك خدام في المسجد النبوي، فإذا أقيمت الصلاة نظروا: فمن صف وحده خلف الصف، ولم ينضم إلى الصفوف الأولى انتظروا حتى يسلم، فيأخذون به إلى الحبس؛ لأنه أحدث في مسجد رسول الله ما ليس منه، ولماذا لا يقف مع الصفوف الأولى؟ وكان من يطرح السجاجيد في الصف الأول ثم يذهب، يأخذونها إلى بيت مال المسلمين، لماذا يحجز في المسجد ما ليس له حق فيه؟ وجاء رجل إلى مالك ﵀ وقال: أريد أن أحرم من المسجد النبوي، قال: لا تفعل، أحرم من حيث أحرم رسول الله من ذي الحليفة، قال: يا مالك! وما الذي يمنعني أن أحرم من مسجد رسول الله من عند القبر الشريف؟! قال: أخشى عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في أميال أزيدها؟ قال: هذه هي الفتنة التي أخافها عليك، أن تظن بنفسك أنك سبقت إلى عمل لم يسبقك إليه رسول الله ﷺ ، يعني: تظن في نفسك أنك في إحرامك زدت أميالاً على رسول الله ﷺ ، انظروا إلى هذه الدقة! ولهذا صدر منه هذا التشديد: (من سن سنة وزعم أنها حسنة، فقد زعم أن محمداً خان الرسالة) .
ولـ مالك في هذا مواقف عديدة، وهو من أوسع الأئمة في سد الذرائع.
فمثلاً: كره أن يتبع الصائم ستاً من شوال برمضان، مع أن الحديث فيه: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) ؛ لذا يقول المالكية: لا تجعل صيام الست من شوال عقب رمضان مباشرة، بل وزعها خلال الشهر بعيداً عن رمضان؛ لأن هذا الأصل موجود في السنة؛ فالنبي ﷺ نهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه، أي: مخافة أن يتخذه الناس سنة، ويلازمون عليه فيلحقونه برمضان، فصانت السنة رمضان من أن يزاد في أوله أو يلحق في آخره، فالعيد في آخره يحرم صومه، ويوم الشك في أوله يحرم صومه، ليبقى رمضان على عدته لا يزاد ولا ينقص منه.
والله سبحانه يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] ، فالذين من قبلنا فرض عليهم صيام رمضان ولكنهم ضيعوه، كما فرضت عليهم الجمعة فضيعوها، وبأي شيء ضيعوا رمضان؟ جاء في بعض الروايات أنهم كانوا يصومون يوماً قبله احتياطاً، ويوماً بعده احتياطاً، ولما طال الزمن أدخلوا الاحتياط في صلب الفرض، وهكذا عدة مرات حتى زادوا فيه خمس مرات، أي: عشرة أيام، وأصبح رمضان عندهم أربعين يوماً، وإذا جاء رمضان في شدة الحر وعجزوا عن صومه، نقلوا الصوم إلى الربيع! وهذا هو صوم النصارى كما نعلم.
فرأى مالك ﵀ مع وجود الحديث كراهية أن يلصق ستاً من شوال برمضان، ويقول الشاطبي: وما خافه مالك قد وقع بالأندلس؛ لأن الأمراء هناك كانوا يلزمون الذين يوقظون الناس للسحور بالبقاء على مراسم الصوم في رمضان ستة أيام من شوال، فإذا انقضت قاموا بشعائر العيد، ولقد أدركنا أشخاصاً يصومون رمضان إلى يوم العيد، ويبدءون الصوم حتى اليوم السابع من شوال، ثم يجعلون اليوم الثامن عيداً! فما خاف منه مالك وقع فيه بعض الناس.
стр. 577
معنى قول عمر: (نعمت البدعة هذه)
والسنة الحسنة والسنة السيئة هي مجرد تسمية، فهذا عمر رضي الله تعالى عنه جمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد، ولم يكن ﷺ يصلي التراويح جماعة في رمضان، وعمر جعلها جماعة على إمام واحد، ثم جاء يوماً والناس يصلون خلف إمام واحد فقال: (نعمت البدعة هذه) ، و (نعمت) و (بدعة) كيف يجتمعان، والبدعة ضلالة؟ ويجيب عن ذلك الإمام ابن تيمية ﵀: بأن البدعة من حيث اللغة هي: الإيجاد على غير مثال سابق، وعمر هنا وافق أصلاً شرعيا، ً ومن هنا وضع المقياس والميزان، فكل ما وجد بعد زمن رسول الله والخلفاء الراشدين نقيسه على ميزان الشريعة، فإن وافق أصلاً فيها فهو حسن، وهو إحياء لسنة مماتة، وإن خالف فيها الشرع المعلوم بالكتاب والسنة رددناها على صاحبها.
أما فعل عمر رضي الله تعالى عنه فقالوا فيه: مجرد الصلاة في ليل رمضان هو قيام الليل، وقيام الليل يشرح طول السنة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١-٤] وقيام الليل من حيث هو مشروع، وخصوصاً رمضان، وجاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، ولم يعزم علينا) ، ثم بعد ذلك بين فقال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ، (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ، ولكن كان الناس في المسجد النبوي يصلون فرادى، ويتتبعون حسن الصوت فيقتدون به، فتجد الرجل الذي يحفظ القرآن يصلي وراءه الخمسة والستة، والآخر يصلي وراءه العشرة والعشرون، كل بحسب صوته وقراءته، فرأى عمر هذه التفرقة فقال: لو جمعتهم على إمام واحد لكان أولى، فجمعهم على أبي بن كعب.
فأصل قيام الليل كان مشروعاً، ثم قيام رمضان كان مسنوناً، وأما جمعهم على إمام واحد فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ صلى العشاء في العشر الأواخر، ثم قام فصلى في المسجد، وكان يوجد بعض الناس فصلوا بصلاة رسول الله، وفي الليلة التي تليها قام ويوجد بعض الناس في المسجد فصلوا بصلاة رسول الله، فلما كان بعد الليلة الآخرة أشيع في المدينة أن أناساً صلوا بصلاة رسول الله في المسجد، فاجتمع الناس، وبعد أن صلوا العشاء مكثوا في أماكنهم ولم يغادروا، فرأى ﷺ اجتماع الناس فقال: (يا عائشة! ما شأن الناس مجتمعين؟ أليس قد صلوا العشاء؟! قالت: بلى، ولكن ينتظرون خروجك لتصلي فيصلون معك كما صلى أقوام معك بالأمس وقبله، قال: أو فعلوها؟! فما خرج عليهم بعد، ومكث في بيته، فانتظروه واستبطئوه حتى أخذوا الحصباء فحصبوا الباب، فلم يخرج إليهم إلا في الفجر، فقال: أيها الناس! ما خفي عليَّ صنيعكم البارحة، وما بت بحمد الله غافلاً، ولكني خشيت أن أخرج إليكم وأصلي بكم، فتفرض عليكم فتعجزون عنها) .
نعم بالمؤمنين رءوف رحيم! كما راجع ربه في الصلاة ليلة الإسراء من خمسين صلاة إلى خمس صلوات.
فلما انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى جمعهم عمر رضي الله تعالى عنه، وكما يقول الفقهاء: (الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً) فلما أمنت الفرضية سن عمر أن يقوم الناس على إمام واحد.
إذاً: عمر لم يبتدع شيئاً في الدين، ولكن أوجد شيئاً يطابق السنة الصحيحة من فعله ﷺ ، والفرق بين ما فعله ﷺ وما فعله عمر أن في الفعل الأول خشيت الفرضية والعجز، وفي الفعل الثاني لم تخش هناك فرضية، وصارت التراويح على السنة، وصلاة الناس بإمام واحد، وفي جماعة واحدة، مقصد من مقاصد الشرع، وهو توحيد الناس وعدم تفريقهم، وهكذا صارت سنة متبعة إلى اليوم ولله الحمد.
стр. 578
أقسام البدعة
وقوله: (إياكم ومحدثات الأمور، فكل محدثة بدعة) ، يختلف العلماء في حد البدعة والقرافي يقسم البدعة إلى الأقسام الخمسة: واجبة ومحرمة ومكروهة ومندوبة ومباحة، ورد الشاطبي هذا التقسيم كله، وقال: لا توجد بدعة إلا ضلالة، أما قول عمر: نعمت البدعة، فإنه أراد بذلك الصورة والهيئة التي لم تكن موجودة من قبل، ولكنه بذلك التشريع موافق لسنة رسول الله ﷺ ، وقد جاء أن عمر أمر في رمضان أن تسرج المساجد، فجاء علي ووقف وقال: (نور الله عليك قبرك -يا ابن الخطاب - كما نورت مساجدنا) ، وهذا من المصالح العامة، ويقول الشاطبي: لا بدعة حسنة أبداً؛ لأن البدعة في الدين شيء غير موجود من سابق، ولكن يندرج كل جديد فيه مصلحة للأمة تحت باب: المصالح المرسلة، فما لم يكن يخدم باباً من أبواب ضروريات الأمة فليس مشروعاً، وقد يقسم العلماء البدعة من حيث الوجود والظهور إلى قسمين: قسم في عادات الناس أي: في أمور الدنيا، ولا دخل له في العبادة.
وقسم في العبادات، والعادات أمور دنيوية، لكن صورتها يجب أن تكون موافقة للشرع مثل كيفية الأكل، لكن أن تأكل خبزاً أو تأكل بسكويتاً، كل ذلك مباح في الدين، ولكن بعض الناس يدخل في البدعة استعمال منخل الدقيق؛ لأنه ترف في الحياة، لكن يقول أحمد ﵀: عجبت لمن يترك لين العيش ويذهب إلى خشنه والله يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] ، ولا يوجد أحد حرمها على الناس، فلا شيء في ذلك أبداً، وقد جاء عنه ﷺ أنه عندما قدم المدينة، وجدهم يؤبرون النخل فقال: (لم تؤبرونه؟! قالوا: لأجل أن يثمر، قال: لا عليكم إن كتب الله لأحدكم رزقاً جاءه، وإلا فلا، فتركوا التأبير، فجاء النخل كله شيصاً في تلك السنة، فقال ﷺ : أنتم أعلم بأمور دنياكم) .
ولهذا لا يقول إنسان: إن ركوب السيارة بدعة؛ لأنها لم تكن موجودة، ولا السفر في الطائرات بدعة؛ لأنه لم يكن موجوداً، هذه أمور دنيوية لا يتوقف عليها ثواب ولا عقاب.
وكذلك اللباس فقد جاء عنه ﷺ أنه كان يلبس الجبة أو البردة، ورأى عمر حلة تباع في السوق فجاء بها إلى رسول الله ﷺ وقال: (اشتر هذه تلبسها للوفود والأعياد والجمع، فنظر إليها رسول الله وقال: إنما هذا لباس من لا خلاق له) ؛ لأن قماشها حرير، ولكن الجبة من حيث هي جائز لبسها في المناسبات وغيرها؛ لأنه ﷺ كانت له بردة يصلي بها العيد، وكان يقابل بها الوفود، وهو القائل ﷺ : (ماذا على أحدكم لو اتخذ ثوباً لجمعته، سوى ثوب مهنته؟) أي: ماذا على أحدكم إذا كان الله قد وسع عليه أن يتخذ ثوباً خاصاً ليوم الجمعة، إظهاراً لنعمة الله عليه في ذلك.
إذاً: لا مانع أن يلبس الإنسان ما شاء من أنواع اللباس، ولكن لا يلبس لباساً على هيئة لباس النصارى واليهود، مثل أن يشد زناراً في الوسط، ويشبه بغير المسلمين، وقد نهانا ﷺ عن مشابهة اليهود، ونهى الرجال عن التشبه بالنساء، والنساء عن التشبه بالرجال، بل نهى عن مخالطة اليهود والنصارى كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: (إنا نكون بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: لا) ، فبعض العلماء شرح هذا وقال: لأننا إذا جاروناهم وتعاونا معهم، وأخذنا وأعطينا، كانت الألفة والمودة بيننا، ووقع الركون إلى عادتهم، فتسري عاداتهم إلى بيوتنا، وبعضهم يقول: في الحديث تتمة وهي: (أنأكل في آنيتهم وهم يطبخون الخنزير ويشربون الخمر) ، يعني: في تلك الأواني فقال: (لا، إلا ألا تجدوا غيرها، واغسلوها) يعني: اغسلوها غسلاً جيداً ثم كلوا فيها، وفي بعض الروايات: (ولا نجد غيرها) أي: عند الحاجة مع غسلها لا مانع من ذلك.
إذاً: التشبه بغير المسلمين لا يجوز، لماذا؟ سداً للذريعة، وهكذا الزيادة في الدين بدعة، هناك نوع من اللباس يضيق فيه الكم يسمى (الكبك) ، لا ينبغي لأحد أن يقول: إنها بدعة؛ لأنها لم تكن في زمن رسول الله، فقد جاء عن المغيرة بن شعبة في غزوة تبوك أنه لما ذهب ﷺ لقضاء حاجته، وأراد أن يتوضأ قال: (أراد أن يخرج يده من كمه فضاق الكم على يده، فأخرجه من تحت إبطه) إذاً: الجبة التي كان يلبسها ﷺ ضيقة الكم؛ ولهذا يرى بعض العلماء أن توسيع الكم إلى ذراع أو نصف ذراع بدعة؛ لأنه لم يكن على عهد رسول الله، ولكن يقال: اللباس يخضع لعادة الناس وعرفهم، فيترك ذلك للناس على حسب مصالحهم، وبالله التوفيق.
стр. 579
شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والعشرون [٢]
стр. 580
التواجد والصراخ عند سماع ذكر الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: إذا كنا قد ألممنا بمعنى الحديث إجمالاً، فإن في الحديث مواطن تثير السؤال، وتستوجب الإجابة، ونستعين بالله على أن نورد ما يسر الله من ذلك: من تلك المواطن: قوله ﷺ : (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة) ، إلى أي حدود تكون الطاعة؟! ومنها: قوله ﷺ : (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) ، ما نوع هذا الاختلاف؟ وما الفرق بين الاختلاف والمخالفة؟ وما هو موقف كل مسلم من الخلافات الموجودة بين الأئمة الأربعة؟ النقطة الثالثة: ما يوجد من بعض الإخوان من تتبع بعض الشواذ من الأحاديث غير المعمول بها، وإثارة مواضيعها؛ مما يسبب اختلافاً كثيراً بين الناس.
وفي حديث العرباض رضي الله تعالى عنه أن تأثير الموعظة البليغة من النبي ﷺ ، هو: أن وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، ويوجد في هذه الآونة بعض الناس إذا سمع موعظة ضعف أمام عاطفته، وأخذ يصرخ ويتواجد، وتأتيه حالات غير عادية، فما حقيقة هذا الموقف؟ هذه النقاط كلها ذات أهمية كبرى، ويتساءل عنها الإخوة من أول يوم تناولنا فيه هذا الحديث بالبيان، وبعد أن انتهى الكلام على مجمل الحديث، نعود إلى تلك النقاط، ونستلهم الله تعالى الرشد، ونستعينه ونستهديه.
أما النقطة الأولى حسب الترتيب الإيرادي في الحديث، فهي نقطة أثر الموعظة في قلب المؤمن.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: إن التواجد عند سماع الذكر أو الموعظة أمر جبلي، وإذا رق قلب المؤمن عند سماع الموعظة أو ذكر الله فقد تعتريه تلك الحالة، ولكن كان الصحابة يسمعون ما هو أعظم مما يسمعه أهل زماننا -أي: في زمنه في القرن السابع والثامن-، ولم يكن لهم تواجد ولا صراخ، فيقول: كانوا أقوى شخصية، وأثبت قدماً، عندما يسمعوا موعظة أو ذكراً، فهم ضبطوا أنفسهم، واستطاعوا السيطرة على عواطفهم وشعورهم، وكان ما يظهر منهم فوق طاقتهم هو ما وصفه العرباض رضي الله تعالى عنه: (وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون) .
وهكذا يذكر كثير من العلماء -وخاصة المشتغلين بالتربية- أن الشخص الذي يتواجد ضعيف الشخصية، وضعيف التحكم في عواطفه، بحيث تستهويه بعض المواعظ أو بعض الذكر إذا تعرض إلى شيء من هذا القبيل، فالأكمل في الرجال هو القدرة على التحكم في عواطفهم في مثل هذه المواقف، وقد جاء أن من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله: (رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) ، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] ، وقال في الآية العظيمة: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] .
стр. 581
حكم طاعة ولي الأمر الذي لم يحكم بشرع الله
النقطة الثانية في إيراد الحديث، هي قوله ﷺ : (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد) ، ويذكر العلماء أن من شروط ولي الأمر: حسن السلوك، والاستقامة، والمعرفة، والاجتهاد في دين الله لمصلحة عباد الله، فإذا كان عند التولية مستوفياً لشروطها، ثم طرأ عليه بعد ذلك ما ينقص هذه الشروط بأن ظهرت معصيته أو فسقه، أو عطل شيئاًَ مما يجب أن ينفذ، فماذا يكون موقف الأمة منه؟ وما مدى الإلزام في وجوب طاعة من لم يحكم بكتاب الله؟ وهذا السؤال وارد من قديم، ولما أنزل الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] تساءل أصحاب رسول الله ﷺ ، وتكلم السلف في هذا المعنى، أتلك الآيات في اليهود والنصارى؛ لأنها جاءت عقب ذكر التوراة، وجاء بعدها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ، فهل هي في أهل الكتاب خاصة أم في هذه الأمة؟ من أراد الوقوف على النصوص في ذلك، فليرجع إلى أمهات التفسير مثل القرطبي وابن كثير، وهما أوثق التفاسير، وابن جرير كما قال ابن تيمية: أولى التفاسير في الرواية تفسير ابن جرير، حيث يفسر بالسند وبالرواية عن سلف هذه الأمة، والحقيقة أن والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه ناقش القضية، وقال كما قال مجاهد: نزلت في أهل الكتاب، (وإنكم لتتبعون سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) كما جاء عنه ﷺ .
ولكن: ما حكم ولي أمر الأمة إذا لم يحكم بما أنزل الله؟ أنصح طالب العلم أن يرجع إلى كتب التفسير، وإلى كتب العقائد كالطحاوية، وهي من أسلم وأصح ما كتب في عقيدة السلف.
يتفق الجميع أن من لم يحكم بما أنزل الله من هذه الأمة له حالات: الحالة الأولى: إن ترك الحكم بما أنزل الله معتقداً بأنه غير ملزم بذلك، وهو مخير إن شاء حكم به وإن شاء تركه، أو أنه لا يرى فيه المصلحة، ويرى أن ما تعارف عليه الناس أولى وأصلح، أو تركه استخفافاً به؛ فكل ذلك ردة عن الإسلام، وكفر مخرج من الملة.
إذاً: من ترك الحكم بكتاب الله، ويرى أنه مخير وليس ملزماً به، فهو رد لما أمر الله به، وإن ترك الحكم بما أنزل الله ويرى عدم صلاحيته، فهذا استخفاف بكتاب الله، وبأوامر الله؛ فهو كفر مخرج من الملة، وإن كان مستهيناً به لا يبالي به، فالحال كذلك.
الحالة الثانية: إذا ترك الحكم بكتاب الله، وهو يعلم أنه حكم الله، وأنه من عند الله، وأنه يجب العمل به في خلق الله، ولكنه إما عجز عن تنفيذه أو غلبته نفسه وهواه وأعرض عن الحكم بكتاب الله، وهو يعلم أنه آثم في إعراضه، وهو يعلم أن حكم الله هو الأحق وواجب التنفيذ، ولكن حال دون ذلك حائل، فتركه الحكم بكتاب الله -وهو يعلم أن الواجب تحكيم كتاب الله- كبيرة من الكبائر، أو كفر دون كفر، أو كفر بالنعمة، أو كفر بالتشريع، لكن لا يخرج من الملة، ويتفق أهل السنة أن مثل هذا الذنب داخل تحت المشيئة، لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
ويقول بعض العلماء: الشخص العادي الذي يعلم أن في كتاب الله الأمر بالقطع والجلد: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور:٢] ومع ذلك يقدم على السرقة أو يقدم على الزنا فهل عمل بما حكم الله؟ إنه ارتكب معصية، وهو يعلم النهي عنها في كتاب الله، فيقول أهل السنة: لا نكفر أحداً بكبيرة، ولكن نترك أمره إلى مشيئة الله .
إذاً: ولي الأمر إذا ظهرت منه المعصية، وظهر منه ما يوجب فسقه، فماذا نفعل؟ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخبرهم النبي ﷺ بأن من صفات ولاة الجور تأخير الصلاة، وقال: (تعرفون منهم وتنكرون) ، وقال: (فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) ، أي: رضي ما هم عليه، ووافقهم عليه، فهذا متابع ومشارك لهم، أما إذا لم يرض بذلك، وغاية ما في وسعه إنكاره بقلبه؛ لأنه لا يستطيع أكثر من ذلك فهو معذور، ولما ذكر النبي ﷺ بعض الأمراء قالوا: (أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة) .
وهذه الناحية خطيرة! ولا تنقضي في لحظات ولا في مجلس، ولكن الذي يهمنا التنبيه عليه: أنه لا يحق لأحد من الأمة أن يخرج على ولي أمرها لمجرد ظهور معصية أو فسق منه، وليس بأعظم من كبيرة في العقيدة دعا إليها الداعي في أوائل الدولة العباسية، حينما قالوا: بخلق القرآن، وامتحنوا العلماء، وسفكت الدماء، وامتحن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل السنة، وثبت على ما أصابه فيها، وبقي على ما يعتقده السلف بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومع ذلك فأهل الخير والصلاح ما قاموا على أولئك أصحاب تلك الدعوة، ولا نقضوا عهدهم، ولكن صبروا وصابروا حتى كشف الله تلك الغمة.
إذاً: الطاعة لولاة الأمر واجبة، ما لم يأمروا بما يعارض الإسلام ويعطل أركانه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلهم السمع والطاعة وعدم الخروج عليهم، ما لم تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان.
стр. 582
الخلاف والمخالفة وموقف السلف منهما
النقطة الثالثة هي قوله: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) ، لنعلم -أيها الإخوة- أن الاختلاف والمخالفة شيئان متغايران.
أما المخالفة فهي عن قصد وعمد، وأما الاختلاف فهو عن وجهة نظر بين اثنين فأكثر، واختلاف وجهات النظر لم تخل منها الأمة، بل ولا الأمم السابقة، وقد أورد علينا القرآن الكريم ما وقع من اختلاف في قضية واحدة، والله أعطى كلاً حقه، ولم يعتب ولم يؤاخذ أحد الطرفين، وذلك في القضية المشهورة بين نبي الله داود وابنه سليمان ﵉ في قضية الغنم التي نفشت في الحرث، وجاءوا إلى نبي الله داود فحكم بأن يعطى أصحاب الحرث من الغنم ما يعادل تلف حرثهم، وهذا إذا جئنا إلى قانون القضاء وجدناه حكماً عادلاً؛ لأن من أتلف شيئاً عليه تعويضه، وهؤلاء غنمهم أتلفت حرث القوم، فقال داود ﵇: يؤخذ من أغنامهم بقدر ما أتلفوا، ولما مروا على سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، سأل: ماذا قضي لكم؟ قالوا: قضي بكذا قال: لو كنت أنا الذي أقضي ما قضيت بذلك، وأقضي بأن تسلم الغنم بكاملها إلى أصحاب الحرث، لينتفعوا بألبانها وأصوافها، ويسلم الحرث لأصحاب الغنم ليصلحوه حتى يعود كما كان، فتعود الغنم إلى أصحابها، ويتسلم أهل الحرث حرثهم، وقد أمر الله كلا الحكمين: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] ، يعني: أقر داود أنه قضى بحكم وعلم، وليس عن جهل، وكذلك سليمان شرك داود في الحكم والعلم، ولكن فهمناها سليمان، والقضاء يحتاج إلى الفهم أكثر منه إلى الحفظ؛ لأن فهم ظروف القضية هو صلب القضاء، وكما قالوا: معرفة المدعي من المدعى عليه صلب القضاء، وعلي رضي الله تعالى عنه لما ولاه رسول الله قضاء اليمن، قال: أتبعثني قاضياً وأنا لا أعرف القضاء؟ فقال: (إذا أتاك الخصم فلا تقضي له حتى تسمع من خصمه) إلى آخره، وعمر رضي الله تعالى عنه لما كتب إلى أبي موسى الأشعري كتابه في القضاء الذي يعتبر إلى الآن منهج القضاء في العالم كله، حتى إن أوروبا تأخذ بمنهج عمر في هذا القضاء، ويهمنا أنه كتب إليه: (إذا أدلي إليك فالفهم الفهم) أي: إن فهم القضية قبل كل شيء، والقاضي إذا لم يفهم القضية بتوجيهاتها كالسمك في الماء، أما إذا فهمها ورسم الخطة التي يسير الخصوم عليها فإنه يصل إلى نتيجة حتمية، وهكذا ما عاب الله على داود، ولكن أثنى عليهما معاً، ورجح جانب سليمان، وهو حكم في قضية واحدة.
وقد وقع الخلاف في صدر هذه الأمة بين يدي رسول الله ﷺ ، ووقع الخلاف في غيبته وآل الأمر إليه فأفتى فيه، ووقع من بعده في عهد خلفائه الراشدين، ومن بعد الخلفاء وقع الخلاف بين أئمة الأمة رحمهم الله تعالى.
стр. 583
نماذج من الخلاف الذي وقع زمن النبي ﷺ وموقفه منه
وقع من الخلاف بين يدي رسول الله ﷺ أمور عديدة، ومن أهمها وأعظمها عند العلماء: نقض اليهود للعهد حال وقعة الخندق، ثم رجع المشركون إلى ديارهم: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب:٢٥] ، وقد نقض اليهود عهدهم، وكانوا من قبل في عهد مع رسول الله ﷺ ، فأول ما قدم النبي ﷺ المدينة كتب صحيفة عهد بين المسلمين وبين اليهود، وكان مما اشترط على اليهود: أن يعاونوا المسلمين إذا دوهموا، وألا يعينوا عليهم عدواً إذا حاربهم، ولما قدر الله أمره في الأحزاب، وكفى الله المؤمنين القتال بجنده، وأرسل عليهم الريح لتطفئ نارهم، وتكفئ قدورهم، وتقتلع خيامهم، قال أبو سفيان: لا مقام لكم، فانصرفوا، فرجع ﷺ إلى بيته، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها، فإذا بالباب يطرق، ورجل يسلم، فخرج ﷺ مسرعاً، فنظرت فإذا دحية الكلبي يكلم رسول الله ﷺ ، فرجع ﷺ ونادى في الناس: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) ، فجبريل جاء في صورة دحية، وأمر النبي ﷺ بالذهاب إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد ساعة العسرة، وكان ذلك قبل أن يؤذن العصر، فخرج الناس، وفي طريقهم إلى بني قريظة، وجب وقت العصر، فانقسموا إلى قسمين: قال قوم منهم: لا صلاة إلا في بني قريظة، انتقل وقتها، وتعين صلاتها حيث أمر رسول الله في بني قريظة.
وقال آخرون: لا، ليست المسألة على حرفيتها، بل على روحها ومعناها، وروحها ومعناها: أن نبادر بالذهاب إلى بني قريظة، وهذا وقت الفريضة، نصلي ونبادر بالمسير.
فقسم صلى العصر في وقتها في مكانه، وقسم أخر صلاة العصر حتى جاء إلى بني قريظة، وكانت قد غربت الشمس، فصلوا العصر بعد غروب الشمس في بني قريظة، وهنا وقع الخلاف بينهم، فمن الذين نال موافقة قول رسول الله ﷺ ؟ فلما جاء رسول الله ﷺ ، عرضوا عليه الأمر، فما عاتب أحد الفريقين، ولا أنكر عليه، وهنا يقول العلماء: إذا جاء النص واختلف فيه السامعون، وعمل كل بما أداه إليه اجتهاده بقصد الوصول إلى تحقيق مراد رسول الله ﷺ منه؛ فحينئذ قد أدى كل منهم ما عليه، فهؤلاء إن كانت الصلاة قد انتقل وقتها ومكانها إلى بني قريظة فالذين صلوا في الطريق صلاتهم في غير وقتها، وإن كانت الصلاة على وقتها كان الذين أخروها قد أخروها حتى خرج وقتها، فيلزم أحد الفريقين الإعادة.
ولكن: لما أقر الفريقين، ولم يعاتب المبادرين بالصلاة، ولم يعاتب المؤخرين، عرفنا أن كلا الفريقين محق ومعذور فيما ذهب إليه؛ ولذلك جاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) .
هذا خلاف بين يدي رسول الله.
وخلاف آخر وقع قبل ذلك في أسارى بدر، لما جيء بهم وهم سبعون أسيراً، سأل رسول الله ﷺ أصحابه: (ماذا نفعل بالأسارى؟) .
فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! بنو عمنا وإخواننا نقبل منهم الفداء، ولعل الله أن يهديهم إلى الإسلام، فيكونون عوناً للمسلمين، ونستعين بالفداء الذي نأخذه منهم، فسكت، فقال عمر: يا رسول الله! أرى أن تمكن من كل إنسان منا قريبه فيضرب عنقه، حتى يعلم الكفار ألا هوادة بيننا وبينهم، فسكت، وقال آخر: يا رسول الله! أرى أن تجمعهم في وادٍ كثير الحطب، وتؤجج ناراً فتحرقهم، فسكت، ثم دخل بيته ﷺ ثم خرج، وهم يقولون: لا ندري برأي من يأخذ! ومن الغد يقول عمر رضي الله تعالى عنه: جئت فإذا رسول الله وأبو بكر والمسلمون يبكون، فقلت يا رسول الله! أخبروني على ماذا تبكون، فإن وجدت بكاءً بكيت معكم، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكم؟! فقال ﷺ : (لو نزل عذاب ما نجا إلا ابن الخطاب) ، ثم قال: (مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ حينما قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦] ، وقول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] ) ، ثم نزلت الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ.
﴾ [الأنفال:٦٧] إلى آخره، فعاتب الله رسوله في أمر الفداء، ولكن أباحه لهم فاختلف أبو بكر مع عمر في بادئ الأمر، ولم يكن هذا الخلاف مؤدياً إلى شقاق بينهم، وقضي الأمر من الله .
ومن الخلاف ما وقع في زمن رسول الله ﷺ بعيداً عنه، وانتهى الأمر إليه، وذلك أن رجلين كانا في سفر، فلما لم يجدا ماءاً تيمما وصليا في الوقت، ثم وجدا الماء قبل انتهاء الوقت، فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة، ولم يتوضأ الآخر، عملان مختلفان! وهذا اختلاف وليس مخالفة، فلما أتيا رسول الله ﷺ عرضا عليه الأمر، فقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين) ، وقال للذي اكتفى بالتيمم ولم يتوضأ ولم يعد: (أصبت السنة) .
ولسنا بحاجة بعد ذلك أن نقيم النقاش والخلاف في أي الطرفين أولى، هل الذي أصاب السنة أو صاحب الأجرين؟ وهل الذي أخذ الأجر مرتين خالف السنة؟ لو خالفها ما حصل على شيء، المهم أقر النبي ﷺ كلا الرجلين فيما عمل، وكل منهما خالف الآخر في عمله.
стр. 584
نماذج من الخلاف الجائز الذي وقع في عهد الخلفاء الراشدين
ومن الخلاف الذي وقع في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم، ما قدمنا من قضية أبي بكر رضي الله تعالى عنه في جمع القرآن في صحف، وكذلك ما كان في زمن أبي بكر مع عمر في قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، لما قال أبو بكر: (والله! لو منعوني عناقاً أو عِقالاً -أو عَقالاً- كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه) ، فيقف عمر أمامه: يا أبا بكر! أتقاتل قوماً يشهدون أن لا إله الله، وقد قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟!) فقال أبو بكر: (يا عمر! أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟! ألم يقل رسول الله ﷺ : (إلا بحقها؟) إن الزكاة من حقها، والله! لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، فشرح الله صدر عمر إلى ما ذهب إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنهما) .
فهذه وجهة نظر خلاف وليست مخالفة.
وفي خلافة عمر رضي الله تعالى عنه صعد عمر أمير المؤمنين على المنبر، وأراد أن يحدد مهوراً للنساء، على قدر مهور زوجات رسول الله ﷺ وبناته، فقامت امرأة وقالت: يا عمر! لم تحرمنا من شيء أحله الله لنا؟! قال: وما ذاك، قالت: في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠] ، فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر! ورجع عما كان يريد أن يفعل.
وكذلك في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، كانوا في طريقهم إلى الحج، وجاء المقداد بن الأسود إلى علي رضي الله تعالى عنه وقال: يا علي! ألا ترى ما قال عثمان! قال: وما يقول؟ قال: يقول: ليس هناك قران الحج والعمرة، وليس هناك إلا التمتع أو الإفراد، وفي رواية الموطأ: وعلي على يده أثر العجين والخبز، فدخل على عثمان فقال: ما هذا الذي سمعت منك؟! قال: شيء رأيته، فقال: ألم نفعل ذلك مع رسول الله؟! فلم يحر جواباً! قال: شيء رأيته ليكثر الوافدون إلى بيت الله، فقال علي: لبيك -اللهم- حجة وعمرة معاً، فـ علي كان مفردا، ً فأضاف العمرة إلى الحج في ذلك الموقف ليبين بأن السنة التي كانت زمن رسول الله يعمل بها ولا تعطل، فهل عارض عثمان علياً؟ هل تخاصم عثمان مع علي؟ لا، بل بقيا على ما هما عليه من الخير والمودة.
ولما جاء عثمان إلى منى وعرفات أتم الصلاة، فتحدث معه عبد الرحمن بن عوف، فبين له وجهة نظره، فقال: إني اتخذت أهلاً بمكة، ولي مال بالطائف، وإن الأعراب لما قدموا للحج قالوا: إن الرباعية في مكة صارت ركعتين، وأخشى أن يأخذ الأعراب مني ذلك، فأردت أن أتم الصلاة ليعلموا أن الرباعية على ما هي عليه، فقال له ابن عوف: لقد كان رسول الله ﷺ والإسلام يقصر، والأعراب يأتون من كل مكان، وكان أبو بكر كذلك، وكان عمر كذلك، وكنت أنت في أول خلافتك تصلي الركعتين، فلماذا؟ فما أجابه بشيء، ورجع ابن عوف من عنده، ولقي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقال له ابن مسعود: إذا صليت مع قومك فصل ما شئت، وإذا صليت معه فوافقه، وإني لأوافقه في الأربع، فقال ابن عوف: أما أنا فقد كنت أصلي مع قومي ركعتين، والآن أصلي أربعاً، مجانبة للخلاف.
وهكذا في زمن علي رضي الله تعالى عنه، والخلاف في زمنه أكثر من أن يحصى!
стр. 585
خلاف الأئمة رحمهم الله تعالى
كان الأئمة الأربعة رضوان الله تعالى عليهم لا يريدون إلا الحق، ولا يقصدون إلا تطبيق كتاب الله وسنة رسوله، وقد تكلم الإمام ابن تيمية ﵀ في هذا الباب، ومن أجود ما كتبه في ذلك كتابه: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، وذكر فيه عشرة أسباب تؤدي إلى الخلاف بينهم، وكل معذور فيما ذهب إليه، وبين أنه ليس لأحد من الأئمة المعتبرين أن يخالف قصداً وعمداً نصاً من كتاب الله أو من سنة رسول الله، حاشا وكلا، ولكن: قد يبلغه الحديث بسند لا يثق بصحته، أو يأتي الحديث له عدة معان، أو يظن أن فيه نسخاً أو غير ذلك، فيعمل بحسب ما يغلب على ظنه.
والأئمة الأربعة ﵏ متقاربين في الزمن فيما بينهم، فكان أبو حنيفة ﵀ قبل مالك، ومالك أدرك عهد أبي حنيفة، ثم جاء الشافعي فأدرك مالكاً، وأخذ عنه الموطأ، وقدم محمد بن الحسن صاحب أبي حنفية إلى المدينة فأخذ الموطأ عن مالك، وله موطأ خاص باسمه: موطأ محمد وقد مكث في المدينة ثلاث سنوات، وأحمد ﵀ لقي الشافعي، وتداولوا وكانوا في الزمن متقاربين، ولكل واحد منهم مبادئ التزمها، وبنى عليها مذهبه، وأصبح لكل بعض الاختلافات التي أدى إليها اجتهاد كل منهم.
ومع ما كان بينهم من خلاف، فما كان يوقع بينهم عداوة ولا شحناء، بل كل يكن للآخر التقدير والتبجيل، ونعلم أن أحمد ﵀ كان يرى الوضوء من أكل لحم الجزور، فيسئل: لو رأيت إنساناً أكل لحم الجزور -وهو لا يرى الوضوء منه- أكنت تصلي خلفه؟ قال: وكيف لا أصلي خلف سفيان الثوري وأمثاله؟ فالخلاف في وجهة النظر في حكم فرعي لا تؤدي إلى المخالفة بين المسلمين.
وهكذا -أيها الإخوة- كان أحمد يصلي مع الشافعي، وكان الشافعي كان يصلي مع أحمد، والشافعي يصلي مع مالك مع أنه يرى أن مجرد لمس المرأة ينقض الوضوء، ومالك وأحمد لا يريان النقض باللمس، والشافعي يقول: مجرد اللمس ينقض، ومع ذلك ما كان الشافعي يمتنع من الصلاة خلف مالك، ولا كان يختلف مع أحمد.
وأصحاب الأئمة ﵏ فيما بينهم قد يختلفون إذا كانت المسألة موضع بحث أو موضع اجتهاد لا نص صريح فيها، ولقد وجدنا أحمد ينفرد بمسائل، وألفت المؤلفات كـ (مفردات مذهب أحمد) ، وكذلك الشافعي انفرد بمسائل، ووجدنا ابن كثير ألف كتاباً (فيما انفرد به الشافعي عن الأئمة الثلاثة) ، بل وجدنا الخلاف داخل المذهب الواحد، فهذا الدبوسي من علماء الأحناف يؤلف كتابه: (تأسيس النظر) جمع فيه مسائل خالف فيها أبو حنيفة أصحابه أبا يوسف ومحمد وزفر، ثم مسائل أخرى خالف فيها أبو يوسف أصحابه: أبا حنفية ومحمد وزفر، ومسائل أخرى خالف فيها محمد أصحابه: أبا حنفية وأبا يوسف، وهكذا كل يخالف أصحابه في عدة مسائل، ولم يقع نزاع ولا خلاف في المذهب.
ورأينا رسالة لا زالت مخطوطة لـ ابن عبد البر بعنوان: (ما خالف فيه أصحاب مالك مالكاً) ، يعني: أصحابه يخالفونه في بعض المسائل، ولم يقع النزاع ولا الخصومة بين المالكية أنفسهم.
وهكذا يوجد الخلاف فيما يقتضيه النظر، بلا نزاع ولا شقاق، ومما سبق يتبين لنا أنهم كانوا يختلفون لا ليخالف بعضهم بعضاً، ولكن ليصلوا إلى الحقيقة المرجوة، وإذا تحقق النص أو ظهرت الحقيقة فسرعان ما يتناولونها ويقفون عندها، وهذه قصة أبي يوسف ﵀ صاحب أبي حنيفة الأول، يأتي مع الرشيد إلى المدينة، ويجالس مالكاً، ويأتي البحث في مقدار الصاع، فقيل لـ مالك: كم مقدار الصاع؟ فقال مالك: الصاع عندنا خمسة أرطال وثلث، فيقول أبو يوسف: لكنه عندنا ثمانية أرطال، كما قال بذلك إمامنا أبو حنيفة، فقال مالك ﵀ للجلساء عنده: من كان عنده صاع -تخرج فيه زكاة الفطر- من زمن رسول الله ﷺ فليأتنا به غداً، ومن الغد يأتي الرجل ويخرج من تحت ردائه الصاع ويقول: حدثتني أمي عن جدتي أنهم كانوا يخرجون به زكاة الفطر زمن رسول الله ﷺ ، والآخر يقول: حدثني أبي عن جدي، والآخر: عمي عن جدي، والآخر: خالي عن كذا واجتمع عند مالك نحواً من خمسين صاعاً، يقول أبو يوسف: ونظرت فيها فإذا هي متقاربة، فأخذت واحداً منها وذهبت إلى السوق، وعايرته فإذا هو خمسة أرطال وثلث، يقول أبو يوسف: فرجعت إلى العراق، وقلت لهم: جئتكم بعلم جديد، قالوا: وما ذاك؟ قال: الصاع خمسة أرطال وثلث في مدينة رسول الله ﷺ ، قالوا: خالفت شيخ القوم! يعني: أبا حنفية، فقال: وجدت أمراً لم أستطع له مدفعاً، وإلى الآن عند الأحناف أن مذهب أبي يوسف أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والصاع عند محمد وعند أبي حنفية وزفر ثمانية أرطال، فهل اختلف أبو يوسف مع أصحابه وتنازعوا وانشقوا؟ لا والله! ونذكر موقف مالك ﵀ من الخلاف الذي لا يمكن أن يرفع، حينما جاء إلى دار الإمارة فطلب منه الرشيد أن يأته بالموطأ، ليقرأه على الأمين والمأمون، فاعتذر مالك وقال: إن العلم يؤتى إليه ولا يأتي، فقال: اجعل لنا موعداً، فجعل له موعداً، فجاء الخليفة إلى بيت مالك! فأبطأ عليه مالك في الخروج، فقال: يا مالك! طلبناك فامتنعت علينا، وجئنا فحبستنا على دارك، لماذا؟! قال: أما طلبك إياي فقد علمت أنك ما طلبتي لمال ولا لرياسة وإنما للعلم، والعلم يؤتى إليه ولا يأتي، وإن موقف الخلفاء والأمراء على أبواب العلماء ليزيدهم شرفاً، بخلاف موقف العلماء على أبواب الملوك والأمراء، قال: أريد أن تقرأ عليّ كتابك، قال: يا أمير المؤمنين! إن هذا العلم لا ينفع سراً، قال: ما تريد؟ قال: في حلقة الدرس في المسجد مع عامة الناس، فامتثل لذلك، وعلم الخدم فهيئوا كرسياً للخليفة، فجاء مالك وجلس مجلسه وبدأ بحديث: (من تواضع لله رفعه الله) فقال: يعنيني، أخروا هذا الكرسي، وجلس فسمع، وبعد أن سمع من الموطأ قال: إني عزمت على أمر، قال: ما هو؟ قال: أن أعلق الموطأ على الكعبة، وأبعث نسخاً منه إلى الأمصار، وأمنع أي مذهب سواه، وأحمل عامة المسلمين على ما فيه توحيداً لهم.
انظروا إلى هذا العرض أيها الإخوة! ماذا كان موقف مالك؟! قال: لا يا أمير المؤمنين! لا تفعل، قال: لماذا؟ قال: إن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرقوا في الأمصار، وحدث كل بما سمع من رسول الله، واستقر عمل كل مصر على ما بلغهم عن رسول الله، فلا تغير على الناس ما هم عليه.
انظروا -أيها الإخوة- بعد هذا النظر! مع وجود الخلاف وإرادة حمل الناس على كتابه ما فرح بذلك، قال: لا، دع الناس على ما هم عليه.
стр. 586
التحذير من تتبع الشواذ
النقطة الأخيرة: تتبع الشواذ من الأحاديث، بعض الناس يرى حديثاً في بطون الكتب لا يعمل به، فيأتي به ويثيره ويعرضه على الناس، فيقع في أذهان الناس اضطراب، نقل ابن عبد البر في مقدمة التمهيد عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، أنه ضرب رجلاً لأنه كان يتتبع شواذ الكلمات، ويتتبع مواطن الغموض في كتاب الله، فضربه عمر لتساؤلاته المثيرة التي توقع الشبه عند الناس، ثلاث مرات وهو يضربه فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلة شريفة، وإن كنت تريد شفائي من دائي فقد -والله- شفيتني! فكتب بإخراجه إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد، حتى طال الزمن عليه، وحسنت سيرته، فسمح له بمخالطة الناس.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه -كما ينقل عنه ابن عبد البر -: (أحرج على كل مسلم -انظر إلى هذه العبارة، أحرج يعني: أجعل كل إنسان في حرج، وفي ضيق- أحرج على كل مسلم يحدث بحديث ليس العمل عليه) .
هذا أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، يحرج على كل مسلم أن يحدث بحديث عن رسول الله، وهذا الحديث متروك العمل به، فإذا كان متروك العمل به، ويأتي إنسان يثيره عند الناس، فمعناه أنهم عطلوا حديث رسول الله، والسلف ما تركوه رغبة عنه، ولا استخفافاً به، ولكن ثبت عندهم ما هو أولى وأقوى منه.
فالحذر -أيها الإخوة- من تتبع الشواذ، ويقول ابن الحاج في مدخله في تتبعه للبدع، وكذلك الشاطبي: إني لأخشى على أولئك الذين يتتبعون شواذ المسائل أن يدخلوا في آية أوائل سورة آل عمران ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، والوقف على لفظ الجلاله ثم: (والراسخون في العلم) ، وهذا له مبحث آخر، والمهم قولهما: نخشى على أولئك الذين يتتبعون شواذ الحديث أن يكونوا من الذين في قلوبهم زيغ.
ولهذا -أيها الإخوة- ينبغي للمسلم إذا سمع شيئاً أو رأى شيئاً أن ينظر ما عليه سلف الأمة، ولا ينبغي أن يخرج عما هم عليه،؛ لأنهم -بلا شك- أوسع إحاطة منا بسنة رسول الله، وأقوى جهداً وورعاً، وأمكن في علم الاستنباط والاستدلال، ومجموع النصوص بأطرافها هم أعلم بها منا، لكن العقل ينظر ما هو الأرجح ومما يرتضيه ديناً وعلماً.
وجزا الله سلف هذه الأمة عن خلفها أحسن الجزاء.
وبالله تعالى التوفيق، والله أسال أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .
стр. 587
شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [١]
стр. 588
تربويات متعلقة بحديث معاذ ﵁
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف ﵀ ونفعنا بعلمه آمين: [عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] ، حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٩] ، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح] .
стр. 589
نبذة مختصر عن راوي الحديث
هذا الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، هذا الصحابي الجليل الذي قال عنه ﷺ : (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل) .
ومعاذ رضي الله تعالى عنه كما يقال في الاصطلاح الحاضر تولى عدة مناصب، قد كان معلِّماً لأهل مكة، وذلك إثر فتح مكة في عهد النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك بُعث إلى اليمن في عهد النبي ﷺ ، وحينما وجهه قال: (بم تقضي يا معاذ؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بما في سنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال ﷺ : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله) .
وهذا الحديث عمدة في باب القضاء، وإن كان بعض المتأخرين يتكلم على سنده، ولكن جميع علماء الحديث تلقوه بالقبول وسطروه ولم يضعفوه.
وبعد أن توفي النبي ﵊، عاد في خلافة عمر إلى المدينة، فبعثه عمر بن الخطاب إلى الشام لحاجة أهل الشام إلى من يفقههم في الدين.
وعند مالك في الموطأ من رواية الليثي: ١٧١١ - وحدثني عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: (دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شاب براق الثنايا، وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن قوله، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله، قال: فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في) .
стр. 590
التخصص العلمي أسلوب نبوي
وأحب أن أشير لكم بأن منهج التخصص العلمي المادي كان موجوداً في زمن النبي ﷺ ، فهذا معاذ تخصص في معرفة الحلال والحرام، وهذا زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول فيه ﷺ : (أفرضكم زيد) ، يعني: أعرفكم بالفرائض.
وكذلك قال في علي رضي الله تعالى عنه: (أقضى أمتي علي) ، وقال في أبي عبيدة: (أمين هذه الأمة أبو عبيدة) ، وقال في ابن عباس -حبر هذه الأمة-: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل،) .
فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا اختلفوا في مسألة من تلك المسائل رجعوا إلى صاحبها إذا أشكلت عليهم آية في كتاب الله رجعوا إلى ابن عباس، وإذا أشكلت عليهم مسألة في الميراث رجعوا إلى زيد بن ثابت، وإذا أشكل عليهم شيء في الحلال والحرام رجعوا إلى معاذ بن جبل.
ومن تلك النماذج ما جاء عن ابن عباس في مجلس عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد كان يدني ابن عباس وهو شاب لأن رسول الله ﷺ توفي وهو غلام، قد ناهز الاحتلام، كما جاء في حديثه في مِنى في حجة الوداع قال: جئت على أتانٍ والناس يصلون بمنى فمررت بين الصفوف حتى وجدت فرجة، فتركت الأتان ترتع ونزلت وصليت، وقد ناهزت الاحتلام حينئذٍ.
وحجة الوداع في أخريات حياة رسول الله ﷺ ، فكان شاباً ناهز -قارب- الاحتلام، ومع ذلك كان عمر يدنيه ويدخله في مجلسه، وفيه شيوخ قريش، فقال بعضهم: علام يدخل عمر علينا هذا الغلام، ولنا أولاد مثله، فعلم بذلك عمر، فأراد أن يعلمهم قدر ابن عباس، وأنه لا يدخل ابن عباس معهم لمجرد قربه من رسول الله ﷺ فحسب -وإن كانت هذه لها قيمتها، ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] ، فله حق القربى- ولكن لشيءٍ آخر اختص به.
يقول ابن عباس عن نفسه: فدعا عمر ذات يوم الناس ودعاني، فعلمت أنه ما دعاني إلا لأمر، وهذا من الفقه والذكاء، فلما اجتمعوا سأل عمر رضي الله تعالى عنه: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ، فقالوا: بشرى لرسول الله ﷺ بالفتح وانتشار الإسلام، وابن عباس ساكت، قال له عمر: ما تقول أنت يا ابن عباس، قال: لقد نَعَت إلينا رسول الله وهو بين أظهرنا قال: وكيف فهمت ذلك؟ قال: لأن الله يقول: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١-٢] ، والله قد أرسل رسوله ليبلغ الرسالة، فإذا كان الأمر كذلك فقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وجاهد في سبيل الله حتى علت كلمة الله، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فكأنه أتم رسالته وأدى مهمته، ولم يبق إلا أن يتوجه ويلقى ربه لينال جزاءه.
فقال عمر: وأنا أرى فيها ذلك.
وسألهم عن ليلة القدر فتكلموا فيها بنصوص كثيرة حتى سأل ابن عباس فقال: لسبع بقين أو لسبع خلون من العشر الأواخر.
يعني إما في ليلة ثلاث وعشرين وذلك من قوله: لسبع بقين من الشهر، أو ليلة سبع وعشرين لقوله: لسبع مضت من العشر الأواخر، قالوا: وكيف هذا؟ فذكر لهم ابن عباس توجيه ذلك.
стр. 591
أساليب التعليم عند النبي ﵊
يهمنا أن معاذاً رضي الله تعالى عنه راوي هذا الحديث أعرف الأمة بالحلال والحرام، ويظهر فقهه في سؤاله، وقد جاء عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه قال: على طالب العلم أن يتعلم السؤال قبل أن يتعلم الإجابة؛ لأن سؤال الشخص ينبئ عن عقله وعن فهمه.
وكم وجدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه، إذا سأل طالب سؤالاً علمياً في محله يقول: جزاك الله خيراً إنك طالب علم، وإذا سأل إنسان سؤالاً لا يدري يميناً أو يساراً، يقول: أنت في حاجة أن تذهب إلى الطبيب يعطيك إبرة، لأن تفكيرك يحتاج إلى علاج، وذلك من باب المزح مع الطالب، ومن باب التفريق بين سؤال وسؤال.
وإذا جئنا إلى منهج السؤال في العلم، نجد الباب واسعاً، ونجد القرآن الكريم قد أورد أسئلة وأجاب عليها، كما قال ابن عباس: أقل الأمم سؤالاً هذه الأمة، سألت عن اثنتي عشرة مسألة، وورد الجواب عنها في القرآن، سألوا عن الأهلة، وسألوا عن المحيض، وسألوا عن الأشهر الحرم، وسألوا عن الصيد، وسألوا، وسألوا، والقرآن يجيبهم عليه.
وكان ﷺ أحياناً يورد السؤال، ومعاذ ممن ورد عليه سؤال رسول الله ﷺ ، قال: كنت يوماً رديف النبي ﷺ فقال: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
الحديث.
ويستفيد طالب العلم والمعلم أساليب التربية والتعليم من أحاديث النبي ﷺ ، فالنبي ﵊ قبل أن يسأل معاذاً يعلم أن معاذاً لا يعلم الإجابة، ومع ذلك يورد عليه هذا الأسلوب أتدري؟ ولذا قال: الله ورسوله أعلم.
إذاً لماذا يقدم السؤال؟ لأن النبي ﵊ أراد أن ينبه حسه ويجمع شعوره؛ ليجتهد في طلب معرفة ما لا يعرفه، ونحن لو تمكنا من الكشف عن نفسية معاذ وعن فكره وعقله، لوجدنا كل قواه تركزت لتلقي الجواب عن هذا الموضوع الذي سئل عنه، وهو يجهله، قال: الله ورسوله أعلم، ماذا ينتظر معاذ؟ إنه ينتظر معاذ سماع الجواب من الرسول ﵊ قال: (حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن يدخل من لا يشرك به شيئاً الجنة) .
ومعاذ هنا يسأل رسول الله في شيءٍ جال ودار في نفسه، يقول: يا رسول الله! دلني أرشدني بين لي عملاً، وهو من أوائل المسلمين ومعلم الناس في مكة، ومعلم الناس في اليمن، ولكن لعله انتهز فرصة خلوته مع رسول الله ﷺ ، كما ينتهز الطالب شيخه إذا اختلى به، وله مع رسول الله ﷺ موقف آخر، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (يا معاذ! والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .
فلما سأل رسول الله ﷺ بيّن رسول الله ﵊ قيمة هذا السؤال، فقال: (لقد سألت عن عظيم) .
إذاً: طالب العلم حينما يستطيع أن يصيغ السؤال يكون حقاً له استعداد وقدرة على استيعاب الجواب، وهنا كما كانوا يقولون عن الإمام أبي حنيفة، جاء شخص وجلس في المجلس وله هيئة وهيبة، وكان الإمام أبو حنيفة يتكلم عن مسألة فطر الصائم عند غروب الشمس، فقال ذلك الرجل: يا شيخ: إذا تأخر غروب الشمس إلى نصف الليل ماذا نفعل؟ وقد كان أبو حنيفة يأنف مد رجليه احتراماً لهذا الرجل ذي الهيبة، فلما سمع منه هذا الكلام الذي ينبئ عن شخصية هذا الرجل، قال: آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجليه.
والرسول ﷺ لما سأله معاذ عن هذا السؤال المهم جداً، نبه ونوه ﷺ ، وقال: (لقد سألت عن عظيم) .
ومثل هذا فيه تشجيع من رسول الله ﵊ لطالب العلم.
نظير هذا سؤال أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لما سأل النبي ﷺ : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد قبلك) .
стр. 592
الجمع بين: (عمل يدخلني الجنة) وبين: (لن يدخل أحد الجنة بعمله)
وقد ورد في رواية أخرى لهذا الحديث: يقربني من الجنة ويباعدني من النار.
وهنا مسألة: فرواية (يدخلني الجنة) فيها تعارض مع حديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) فإن قيل: فبماذا يدخل المؤمنون الجنة؟ قلنا: بفضل الله، لأن مدار عمل العامل العابد الزاهد الورع القائم الصائم مهما كان، فهو يعمل بفضل الله عليه، إذاً: عمله فضل من الله عليه، كما قال موسى ﵇: يا رب إن قمت صليت فبك قمت، وإن صمت فبك صمت، وإن بلغت الدعوة فبك بلغت، فكيف أشكرك، قال: الآن الآن يا موسى شكرتني عرفت أن كل شيءٍ من عندي فشكرتني.
وكذلك مهما صلى المصلي الطاقة التي قام وتحرك بها هي من الله، والتوجه إلى العبادة دون المعصية، والهداية والتوفيق بأن يأتي إلى المسجد بدل أن يذهب إلى المقهى، فالذي وجهه ومنحه هذه الهداية والتوفيق هو المولى سبحانه، وكل ذلك فضل من الله عليه، إذاً:" عملك الذي تريد أن تعتد به ليس من عندك، إنما هو من عند الله فضلاً عليك.
وهنا مسألة: هل يوجد تعارض بين قوله ﵊: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) ، وبين قوله تعالى: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] ؟ قال العلماء: الآية الكريمة تقول: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ ولم تقل: التي دخلتموها، لأنه فرق بين دخول الجنة، وبين التوارث في الجنة، فدخول الجنة محض فضل من الله، أما التنعم فيها والدرجات، فهذا كله بسبب العمل، وكمثال: لو أن إنساناً وجه لشخص بطاقة دعوة في وليمة، ولم يكتب له في الدعوة أن لا تأكل إلا كذا، قد يعين له رقم كرسي، ولكن لا حجر عليه فيما يأكل، ففضل الوليمة من صاحبها، وتنوع الأشياء الداخلية أنت وذوقك.
فقالوا: التوارث في الجنة المولى سبحانه جعل لكل إنسان سيأتي من ذرية آدم إلى آخر الدنيا منزلتين، منزلة في النار ومنزلة في الجنة، فإن وفقه الله لاتباع رسله، وكان من أهل الجنة، تعطلت منزلته في النار، وإن خذله الله -عياذاً بالله- وخالف رسل الله، وكان من أهل النار، خلت منزلته في الجنة.
إذاً: بعد دخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار، يبقى نصف الجنة خالياً أو أكثر أو أقل، فيها منازل خالية، بقدر ما في النار من أشخاص، وتلك المنازل لا تترك خالية، بل يورثها الله من دخل الجنة، ويورثها بأي شيء؟ ليس هناك ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ، فالذكر والأنثى في الجنة سواء، ولكن يبقى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ، تتساوى هناك الدرجات وتتفاضل بحسب الأعمال، زوجة فرعون قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ﴾ [التحريم:١١] ، فاختارت الجار قبل الدار، ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ﴾ ثم ﴿بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ، يعني إرادتها جوار ربها أكثر من رغبتها في دار في الجنة.
ويقول العلماء: ذلك التوارث بحسب درجات عمل المؤمن، فمنهم من يعطى منزلة، ومنهم من يعطى منزلتين وثلاثاً أو أكثر أو أقل، بحسب التفاوت في الأعمال.
إذاً: معاذ حينما يقول: (دلني على عمل يقربني من الجنة) ، فإنه لا يتعارض مع (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) ، وحديث: دلني على عمل يدخلني الجنة، معناه: أي يكون سبباً في رضا الله عني وتقبله مني، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها، ما أمنت مكر الله.
قوله: يدخلني أو يقربني فيها إيجاز وحصر، لأن دخول الجنة هو كل خير يسعى إليه المسلم، والابتعاد عن النار هو كل شر يفر منه المسلم، وكما قالوا في الدنيا، مطامع العقلاء في هذه الدنيا لأحد أمرين: إما لجلب نفع وإما لدفع ضر ولذا يقولون: إذا أنت لا تنفع فضر فإنما يراد الفتى كيما يضر وينفع أي: يضر العدو وينفع الصديق، وهنا معاذ سأل عما يقربه من أعظم خير يسعى إليه وهو الجنة، وعما يباعده عن أعظم شر يفر منه وهو النار، وكما جاء في حديث الأعرابي، جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! علمني دعاءً ولا تكثر، لعلي أحفظ فإني لا أحفظ دندنتكم هذه، قال: وأنت بماذا تدعو؟ قال: أنا أقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، فقال ﷺ : (حولهما ندندن) .
стр. 593
علو همة الصحابة في السؤال
ولا يخفاكم قصة كعب بن ربيعة خادم رسول الله ﷺ ، لما قال له ﵊: سلني، قال: أمهلني إلى غد، فذهب ومن الغد جاء -يقولون: حاور زوجته، قالت: أو يفعل ما تقول، قال: نعم، قالت: سله مرافقتك إياه في الجنة -كلام ينم عما وراءه من عقله وفطنة-.
فأين أمثال هذه المرأة في نساء اليوم التي تنظر إلى أعظم الغايات الجنة!! ولعلها فقهت معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] ، وفقهت قول حملة العرش في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر:٧-٨] ، الملائكة حملة العرش يدعون الله للمؤمنين بدخول الجنة وأن يلحق بهم زوجاتهم حتى يتم سرورهم، فهي إذا ضمنت أن زوجها سيرافق النبي ﵊ في الجنة، فستكون هي ملحقة به.
فهنا جاء الرجل للرسول ﷺ ، وقال: يا رسول الله!! وعدتني كذا؟ قال: نعم، قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال له: (إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود) .
стр. 594
سهولة ويسر أحكام الدين لكل الناس
فقال النبي ﷺ لـ معاذ: (لقد سألت عن عظيم) ، وهو كذلك؛ لأنه أعظم ما تتعلق به آمال البشر، (وإنه ليسير على من يسره الله عليه) ، سهل لمن سهله الله عليه.
ويأتي الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ، وتأتي الآية الكريمة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، لأن الإسلام طريق الرحمة واليسر، ولا توجد مسألة في الدنيا إلا وأتى لها بأسهل وأوفق الحلول، ولم يسد الطريق على أحد أبداً، ففي الصلاة من لم يستطع الصلاة قائماً صلى جالساً أو مضطجعاً، ومن لم يستطع الصوم لمرض فعدة من أيامٍ أخر، والزكاة لا تجب إلا على غني عنده نصاب وحال عليه الحول، والحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً، والجهاد ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، كل ذلك من باب التيسير.
وتقدم معنا في الأحاديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، فيرشدهم ﷺ إلى ما يعوضهم عن غنى المال، تسبحون تحمدون تكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا اله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .
وجاء: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) .
стр. 595
ما يدخل الجنة من الأعمال
ثم أخذ يبين ﷺ هذا الأمر الميسر، فقال: (تعبد الله لا تشرك به شيئاً) ، ولكن بأي شيء تعبد الله؟ العنوان العام: تعبد الله.
ومعاذ كان يعلم الناس الإسلام، ويعرف بما يعبد الناس الله وكما يقول الإمام ابن تيمية وغيره: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والعبادة من العبودية، وهي من التعبيد أو التعبد، وهو التذلل والخضوع، تقول: طريق معبد أي: مذلل مسهَّل.
فكذلك المسلم في عبادته منقاد لله مسهل له.
ثم قال: (تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، تصوم رمضان ... ) هل هذا تكرار أو تفصيل للإجمال؟ الواقع أن هذا ليس تكراراً ولا تفصيلاً، وإنما المراد من قوله: (تعبد الله) أي: في حالة كونك تعبده لا تشرك به شيئاً، أي: أوقع العبادة خالصة لوجه الله تعالى أياً كانت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] .
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] إذاً: المراد بالفقرة الأولى وضع قاعدة الأساس التي يكون منها المنطلق، أن تعبد الله وفي عبادتك لله لا تشرك بالله شيئاً.
стр. 596
لماذا يستحق الله أن نعبده وحده لا شريك له ؟
ومن باب التحاكم العقلي، هل يجوز للإنسان أن يشرك مع الله في عبادته شيئاً آخر، كما فعل قوم نوح أو كفار قريش في الجاهلية؟ إذا نظرنا إلى القرآن الكريم في مواطن متعددة، نجد حق العبادة مربوط بحق الربوبية للمولى سبحانه، فمن الذي خلقك وسواك وعدلك، ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨] ، ثم أخرجك إلى الوجود، ثم أنزل من السماء ماءً، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٥-٣٢] .
من الذي أنزل الماء من السماء، وشق الأرض للنبات، فيخرج ضعيفاً ثم يشتد عوده، وتخرج السنبلة وتأتي الثمرة بكل أنواع النبات والفاكهة لك، من يقدر على ذلك، من الذي بيده هذا غير الله .
إذاً: إذا قمت تؤدي العبادة فأدها لصاحب هذا الخلق المبدع، ولذا نجد الله يلزم قريشاً بعبادته؛ لأنه هو الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، كما في قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٢-٤] ، والإطعام من جوع والأمن من خوف أعظم نعمتين في الوجود، فكبريات الدول إذا توفرت فيها نعمة العيش وفقدت نعمة الأمن، كانت حياتها في قلق واضطراب، واقرءوا كيف يعيش الغرب عندما فقدوا نعمة الأمن التي نحن لا نحمد كثيراً عليها، حتى إن الواحد منهم إن خرج من بيته يخرج ومعه بعض المال ليعطي من يتعرض له من قطاع الطريق، ليخرج من أذيتهم، وإلا ضربوه وأهانوه، بل قد يقتلوه عياذاً بالله، فكيف تكون عيشة هؤلاء؟! والحديث يقول: يأتي على الناس زمان تسير الضعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على الغنم.
ونحن والحمد لله في نعمة تستوجب الشكر، وشكر الشكر على هذه النعمة.
نسأل الله أن يديمها علينا وعلى عامة المسلمين، فإنها ليست نعمة قاصرة على أهل البلاد، ولكن ينعم فيها الوافدون إلى بيت الله الحرام، هذا من باب التنبيه على ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ﴾ [قريش:٣-٤] .
كذلك أول نداء في المصحف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ، لم يقل: (يا أيها الذين آمنوا) ؛ لأنه نداء عام يلزم جميع الخلق، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ، ثم جاء بالتعريف للرب سبحانه ونعمه على المربوب ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢١-٢٢] ، يعني خيمة كبيرة أرضها مفروشة، وهي مسقوفة، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وداخل هذا البيت الكبير ﴿وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢] من تلك الأرض ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] خلقكم وآواكم ورزقكم ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، لأنه لا ند لله في ذلك، لا في خلقكم ولا في خلق من قبلكم، ولا في جعل الأرض فراشاً، ولا في جعل السماء بناءً، ولا في إنزال الماء، ولا في إنبات الثمرات رزقاً لكم، إذا ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، وهذا كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: هو مضمون لا إله إلا الله.
يأتي بعدها مضمون: (محمد رسول الله) ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] ، أي: إن كنتم في ريب من القرآن ورسالة رسولنا إليكم، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] ، أي: ادعوا جميع من تستشهدون وتستظهرون، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] ، انظر إلى التحدي، فإنه تحد مركب ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ على باب الحكاية، وأيضاً (وَلَنْ تَفْعَلُوا) وفعلاً لم يفعلوا ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٤-٢٥] .
إذاً بادئ الأمر أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً؛ لأنه ليس من حق أحدٍ أن يُشرك مع الله، لأنه لا يوجد موجود هو ند لله، ولا شريك مع الله في ملكه، ولكن كما قال ﷺ عن ربه: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم) .
يأتي الحديث القدسي: (إني والجن والإنس في نبإ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري) ، وبهذه المناسبة فإن العبادة ليست مجرد صلاة في القبلة، وصيام في رمضان، وزكاة للفقير، وحج إلى بيت الله بل كل أوامر الله عبادة، فأنت حينما تأكل الطعام تعرف أنه من عند الله، حينما تأتي إلى الشاة لتذكيها لو أنها ماتت دون أن تذكيها، أو جاء مشرك وقال باسم اللات والعزى، وأراق دمها فإنها تحرُم عليك، وإذا جئت وقلت باسم الله، حلت لك لماذا؟ فالسكين واحدة في يد المسلم أو يد المشرك، قطع العروق واحد، إراقة الدم والتخلص من فاسده سواء، ولكن تلك يد مشرك ذبح لصنمه، وهذه يد مسلم سمى وذبح لربه، والفرق بينهما أن المشرك معتد ظالم، والمسلم عابد ملتزم طائع لله، عرف بأن الذي كونها وخلقها ورعاها في بطن أمها هو الله، والذي أخرجها إلى الوجود هو الله، والذي أنبت لها المرعى هو الله، والذي أنبت لحمها وشحمها هو الله، فالخالق لها هو الله، فحينما تريد أن تأكلها تستأذن الله أي: رب أنت أحللتها لي باسمك، باسم الله الله أكبر تقول: باسم الله الله أكبر، لا تقل: بسم الله الرحمن الرحيم، تقول باسم الله الله أكبر؛ لأن الذي أقدرك عليها هو أكبر منك، فتتذكر عظمة الله، تأتي للبعير وأنت لا تساوي قدر رجل من رجليه، وتنيخه أو تطعنه وقد عقلت إحدى يديه، فالله سخر لك هذا المخلوق الكبير تنحره وتسلخه وتأكل لحمه، فهو أكبر .
(تعبد الله لا تشرك به شيئاً) : هذه الفقرة كما يقول العلماء هي التي من أجلها أرسل الله الرسل، وقامت بين الرسل وأممهم تلك المعارك، وهي التي قاتل عليها رسول الله ﷺ أهل مكة، لما قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] ؛ لأنه يقول: اعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه شركاء، مع أن العرب كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك فهم معترفون بأن آلهتهم تحت سلطة الله سبحانه، وكانوا يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، لكن اتخذوهم شركاء مع الله، فقاتلهم رسول الله ﷺ حتى يقولوا: لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله.
إذاً: الرسول ﷺ يقول هذا الحديث لـ معاذ ويقصد به الأمة جمعاء، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (أمري لواحد منكم كأمري لكم جميعاً) .
وهكذا يضع ﷺ القاعدة، وهي أن تكون العبادة لله وحده لا شريك له، ولذا الرسول ﷺ لما قال أحدهم: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده) ، فلا نبي مرسل ولا ملك مقرب، وكل ما يخطر على بالك فليس له حق شعرة ولا جزء من مليون من شعرة في هذا الكون، يستحق لأجله شيئاً من العبادة مع الله.
وإذا تقرر هذا المبدأ لدى المسلم وأصبح خالص العبودية لله، فهل يستوي هو ومن يجعل مع الله إلهاً آخر، هل تستوي شخصية ونفسية الذي يعبد الله مع شخصية ونفسية الذي يعبد غير الله؟! بل وتجد الشخص الذي يعبد الحجر عنده شيء من الوهم، وعنده شيء من الوهن والضعف، لكن الذي يعبد الله وحده، كأن الدنيا كلها ملك له؛ إذاً: بعد تثبيت هذه القاعدة وإقرارها تأتي التفصيلات.
стр. 597
إقامة الصلاة
(تقيم الصلاة) .
أما كان معاذ يقيم الصلاة؟ معاذ الذي تركه رسول الله ﷺ في فتح مكة يعلم الناس ألم يكن يقيم الصلاة؟ فهذا مما يؤكد أن المقصود بهذا الأمة كلها، ومعاذ فرد منها.
وهنا أيضاً لفظة (تقيم) ، فلم يقل: تؤدي، أو تصلي، فلفظة تقيم مأخوذة من الإقامة، تقول: قامت الحرب على ساقها، بمعنى أنها كانت في أوج قوتها وقدرتها، وكذلك العوام يقولون: السوق نائمة، يعني ليس فيها حركة، وكذلك إقامة الأمر أي: أداؤه على أكمل وجه، فكأن الرسول ﷺ يوصي معاذاً لا بمجرد أداء الصلاة بشكلها أو بطقوسها فحسب، بل يوصيه بأن يؤدي الصلاة على أكمل وجه تقام عليه.
أما الكلام عن إقامة الصلاة فأعتقد أن جميع كتب المسلمين مليئة بالكلام عنها، وقد اهتم الدعاة والوعاظ قديماً وحديثاً بالصلاة، ولكن يهمنا التنبيه على شيء وهو ما سبق الكلام عنه في حديث أبي مالك الأشعري: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور) ، ليعلم الإنسان أن أداء الصلاة ليس مجرد أداء حق لله لا يعود عليه منه شيء، بل الصلاة أعظم من هذا، فإنها منهج حياة.
وكل أركان الإسلام كذلك، والكل يكمل بعضه بعضاً حتى يكون المسلم متكامل الشخصية، فالصلاة جاء فيها قوله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] ، فإذا كانت الصلاة معك فأنت في حصن يقيك من الوقوع في الفحشاء والمنكر، ومعنى ذلك أن المجتمع الذي تؤدى فيه الصلوات مجتمع طاهر نقي مثالي، بعيد عن مواقع الفحشاء والمنكر، وأقل ما يكون أنها لا تظهر فيه.
وهنا يقول ﷺ : (والصلاة نور) ، بل وهناك ما هو أعظم مردوداً عليك، كما في قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ، فالصلاة عونٌ للإنسان، وليس عوناً مادياً، بل أعظم من ذلك، فهي عونٌ على النوائب التي تنتاب الإنسان، وعون على ملازمة طاعة الله، وعون على الوصول إلى الله، لأنك تقف بين يدي الله وتناجيه بلا ترجمان، وتحمد الله وتشكره وتثبت له صفات الجلال والكمال إلى آخر ما في سورة الفاتحة التي قال فيها المولى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) وتلك الطمأنينة التي تكتسبها حينما تستقبل القبلة وتكبر.
والرسول ﷺ صدّر بذكر الصلاة في هذا الحديث، بعد قاعدة توحيد الله وإفراده سبحانه بالعبادة وحده، ومن المعلوم أن الصلوات خمس، وحينما ينادي المنادي حي على الصلاة حي على الفلاح، يجب على المسلم حينما يسمع ذلك أن يبادر، فمهما كان في يده من عمل هام كبير، فالله أكبر من ذلك، ولا فلاح لمن لم يجب داعي الله، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] .
стр. 598
إيتاء الزكاة
ويعقب ذلك قوله ﷺ : (وتؤتي الزكاة) ، كما يقول الصديق رضي الله تعالى عنه: الزكاة أخت الصلاة أو قرينة الصلاة.
والصلاة والزكاة والصيام والحج كلها كانت في شرائع الأمم المتقدمة، ففي شريعة عيسى ﵇ يقول الله على لسانه: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١] ، وكذلك إبراهيم ﵇: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] .
إذاً: إيتاء الزكاة كما يقول بعض العلماء: لو لم يؤكد عليها الإسلام لكانت واجباً اجتماعياً.
المولى سبحانه يمتحن الغني بغناه والفقير بفقره، لينظر هل يشكر الغني نعمة الغنى، وهل يصبر الفقير على بلاء الفقر، والكل من عند الله ابتلاءً لخلقه، كما قالوا: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل متى يعيل يعني: متى يفتقر.
وما تدري وإن زمرت ثقبا يكون لك أو لغيرك الفصيل أي: لو ولدت ناقتك وأنت جئت وزمرت أي: أنت أخذت منها تلك المادة، ونظفت واعتنيت به، فلا تدري هل يكون لك أو لورثتك، إذاً: الغنى والفقر ابتلاء في الدنيا وليس بكدك ولا بحجاك وعقلك.
لو كانت الأرزاق تأتي على قدر الحجا لماتت من جهلهن البهائم إذاً: سعة الرزق من عند الله ، لكن الله جعل في أموال الأغنياء حقاً للفقراء، وكما يقول علي رضي الله تعالى عنه: لقد جعل الله في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء، فما اشتكى فقير إلا بتقصير غني، فيوجد تكافل اجتماعي إلزامي، لكن بعض الناس قد يشح، وبعض الناس قد يجود، ومن السلف من خرج من ماله عدة مرات لوجه الله.
إذاً: (تؤتي الزكاة) ، هل يقصد الزكاة المفروضة أم أن معها الصدقة النافلة؟ الحديث هنا يتكلم عن الفرائض، وقد تقدم التنبيه على أن النوافل تكمل الفرائض، وأحب ما يتقرب به العبد إلى الله أداء ما افترض عليه، ثم لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله سبحانه.
والكلام على الزكاة أيضاً في نصابها وفي أنواعها وفي مخارجها وفي آدابها، كل ذلك تقدم التنبيه عليه.
стр. 599
صوم رمضان
ثم قال: (وتصوم رمضان) ، إذاً: الأول: تعبد الله لا تشرك به يعني لا إله إلا الله، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان.
وكلنا يعلم فريضة الصوم ولكن ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، لكن كما قال جابر رضي الله تعالى عنه: لا يكون صوم العبد صوماً حقيقة حتى تصوم جوارحه، وكما قال ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ، وقال: (والصوم جنة ما لم يخرقها، قالوا بأي شيء يخرقها يا رسول الله!! قال: بكذب أو بسباب أو بفسوق) أو غير ذلك.
صوم رمضان يعني الصوم الحقيقي، وكما أشرنا بأن جميع العبادات كانت في الأمم الذين قبلنا، فالصوم قال الله عنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فإذا علم المسلم أنه كتب على من قبلنا فقاموا به ولم يقصروا، فيجب أن نكون أعظم قياماً منهم؛ لأنا خير أمة أخرجت للناس.
стр. 600
حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً
يأتي الركن الخامس: (وتحج البيت) ، وحج البيت منهج إسلامي متكامل، إن كان من جهة العبادة وإفرادها لله، فهي في شعارك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وإن كان في إقامتك للصلاة فأنت تصلي في سفرك للحج، وتلزم بركعتي سنة الطواف، وإن كان في الصوم ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فيأتي الصيام أيضاً في الحج.
وكذلك الزكاة؛ لأن الحج يستلزم نفقة في سبيل الله، وهكذا جميع العبادات تأتي ضمن أعمال الحج.
ومن قال إن الحج مجسم مصغر للإسلام فليس قوله بعيداً، بل أعمال الدين والدنيا ماثلة في الحج؛ من حل وارتحال، وأعمال مالية وبدنية وتعاون الجميع؛ كل ذلك ماثل في الحج.
ولعل بهذه الأركان على سبيل الإجمال نكون قد مررنا على تعداد ما ذكره النبي ﷺ .
وبالله التوفيق.
следующие страницы →