← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لماذا يستحق الله أن نعبده وحده لا شريك له ؟ ومن باب التحاكم العقلي، هل يجوز للإنسان أن يشرك مع الله في عبادته شيئاً آخر، كما فعل قوم نوح أو كفار قريش في الجاهلية؟ إذا نظرنا إلى القرآن الكريم في مواطن متعددة، نجد حق العبادة مربوط بحق الربوبية للمولى سبحانه، فمن الذي خلقك وسواك وعدلك، ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨] ، ثم أخرجك إلى الوجود، ثم أنزل من السماء ماءً، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٥-٣٢] . من الذي أنزل الماء من السماء، وشق الأرض للنبات، فيخرج ضعيفاً ثم يشتد عوده، وتخرج السنبلة وتأتي الثمرة بكل أنواع النبات والفاكهة لك، من يقدر على ذلك، من الذي بيده هذا غير الله . إذاً: إذا قمت تؤدي العبادة فأدها لصاحب هذا الخلق المبدع، ولذا نجد الله يلزم قريشاً بعبادته؛ لأنه هو الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، كما في قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٢-٤] ، والإطعام من جوع والأمن من خوف أعظم نعمتين في الوجود، فكبريات الدول إذا توفرت فيها نعمة العيش وفقدت نعمة الأمن، كانت حياتها في قلق واضطراب، واقرءوا كيف يعيش الغرب عندما فقدوا نعمة الأمن التي نحن لا نحمد كثيراً عليها، حتى إن الواحد منهم إن خرج من بيته يخرج ومعه بعض المال ليعطي من يتعرض له من قطاع الطريق، ليخرج من أذيتهم، وإلا ضربوه وأهانوه، بل قد يقتلوه عياذاً بالله، فكيف تكون عيشة هؤلاء؟! والحديث يقول: يأتي على الناس زمان تسير الضعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على الغنم. ونحن والحمد لله في نعمة تستوجب الشكر، وشكر الشكر على هذه النعمة. نسأل الله أن يديمها علينا وعلى عامة المسلمين، فإنها ليست نعمة قاصرة على أهل البلاد، ولكن ينعم فيها الوافدون إلى بيت الله الحرام، هذا من باب التنبيه على ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ﴾ [قريش:٣-٤] . كذلك أول نداء في المصحف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ، لم يقل: (يا أيها الذين آمنوا) ؛ لأنه نداء عام يلزم جميع الخلق، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ، ثم جاء بالتعريف للرب سبحانه ونعمه على المربوب ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢١-٢٢] ، يعني خيمة كبيرة أرضها مفروشة، وهي مسقوفة، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وداخل هذا البيت الكبير ﴿وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢] من تلك الأرض ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] خلقكم وآواكم ورزقكم ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، لأنه لا ند لله في ذلك، لا في خلقكم ولا في خلق من قبلكم، ولا في جعل الأرض فراشاً، ولا في جعل السماء بناءً، ولا في إنزال الماء، ولا في إنبات الثمرات رزقاً لكم، إذا ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، وهذا كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: هو مضمون لا إله إلا الله. يأتي بعدها مضمون: (محمد رسول الله) ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] ، أي: إن كنتم في ريب من القرآن ورسالة رسولنا إليكم، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] ، أي: ادعوا جميع من تستشهدون وتستظهرون، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] ، انظر إلى التحدي، فإنه تحد مركب ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ على باب الحكاية، وأيضاً (وَلَنْ تَفْعَلُوا) وفعلاً لم يفعلوا ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٤-٢٥] . إذاً بادئ الأمر أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً؛ لأنه ليس من حق أحدٍ أن يُشرك مع الله، لأنه لا يوجد موجود هو ند لله، ولا شريك مع الله في ملكه، ولكن كما قال ﷺ عن ربه: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم) . يأتي الحديث القدسي: (إني والجن والإنس في نبإ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري) ، وبهذه المناسبة فإن العبادة ليست مجرد صلاة في القبلة، وصيام في رمضان، وزكاة للفقير، وحج إلى بيت الله بل كل أوامر الله عبادة، فأنت حينما تأكل الطعام تعرف أنه من عند الله، حينما تأتي إلى الشاة لتذكيها لو أنها ماتت دون أن تذكيها، أو جاء مشرك وقال باسم اللات والعزى، وأراق دمها فإنها تحرُم عليك، وإذا جئت وقلت باسم الله، حلت لك لماذا؟ فالسكين واحدة في يد المسلم أو يد المشرك، قطع العروق واحد، إراقة الدم والتخلص من فاسده سواء، ولكن تلك يد مشرك ذبح لصنمه، وهذه يد مسلم سمى وذبح لربه، والفرق بينهما أن المشرك معتد ظالم، والمسلم عابد ملتزم طائع لله، عرف بأن الذي كونها وخلقها ورعاها في بطن أمها هو الله، والذي أخرجها إلى الوجود هو الله، والذي أنبت لها المرعى هو الله، والذي أنبت لحمها وشحمها هو الله، فالخالق لها هو الله، فحينما تريد أن تأكلها تستأذن الله أي: رب أنت أحللتها لي باسمك، باسم الله الله أكبر تقول: باسم الله الله أكبر، لا تقل: بسم الله الرحمن الرحيم، تقول باسم الله الله أكبر؛ لأن الذي أقدرك عليها هو أكبر منك، فتتذكر عظمة الله، تأتي للبعير وأنت لا تساوي قدر رجل من رجليه، وتنيخه أو تطعنه وقد عقلت إحدى يديه، فالله سخر لك هذا المخلوق الكبير تنحره وتسلخه وتأكل لحمه، فهو أكبر . (تعبد الله لا تشرك به شيئاً) : هذه الفقرة كما يقول العلماء هي التي من أجلها أرسل الله الرسل، وقامت بين الرسل وأممهم تلك المعارك، وهي التي قاتل عليها رسول الله ﷺ أهل مكة، لما قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] ؛ لأنه يقول: اعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه شركاء، مع أن العرب كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك فهم معترفون بأن آلهتهم تحت سلطة الله سبحانه، وكانوا يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، لكن اتخذوهم شركاء مع الله، فقاتلهم رسول الله ﷺ حتى يقولوا: لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله. إذاً: الرسول ﷺ يقول هذا الحديث لـ معاذ ويقصد به الأمة جمعاء، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (أمري لواحد منكم كأمري لكم جميعاً) . وهكذا يضع ﷺ القاعدة، وهي أن تكون العبادة لله وحده لا شريك له، ولذا الرسول ﷺ لما قال أحدهم: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده) ، فلا نبي مرسل ولا ملك مقرب، وكل ما يخطر على بالك فليس له حق شعرة ولا جزء من مليون من شعرة في هذا الكون، يستحق لأجله شيئاً من العبادة مع الله. وإذا تقرر هذا المبدأ لدى المسلم وأصبح خالص العبودية لله، فهل يستوي هو ومن يجعل مع الله إلهاً آخر، هل تستوي شخصية ونفسية الذي يعبد الله مع شخصية ونفسية الذي يعبد غير الله؟! بل وتجد الشخص الذي يعبد الحجر عنده شيء من الوهم، وعنده شيء من الوهن والضعف، لكن الذي يعبد الله وحده، كأن الدنيا كلها ملك له؛ إذاً: بعد تثبيت هذه القاعدة وإقرارها تأتي التفصيلات.

стр. 597

إقامة الصلاة (تقيم الصلاة) . أما كان معاذ يقيم الصلاة؟ معاذ الذي تركه رسول الله ﷺ في فتح مكة يعلم الناس ألم يكن يقيم الصلاة؟ فهذا مما يؤكد أن المقصود بهذا الأمة كلها، ومعاذ فرد منها. وهنا أيضاً لفظة (تقيم) ، فلم يقل: تؤدي، أو تصلي، فلفظة تقيم مأخوذة من الإقامة، تقول: قامت الحرب على ساقها، بمعنى أنها كانت في أوج قوتها وقدرتها، وكذلك العوام يقولون: السوق نائمة، يعني ليس فيها حركة، وكذلك إقامة الأمر أي: أداؤه على أكمل وجه، فكأن الرسول ﷺ يوصي معاذاً لا بمجرد أداء الصلاة بشكلها أو بطقوسها فحسب، بل يوصيه بأن يؤدي الصلاة على أكمل وجه تقام عليه. أما الكلام عن إقامة الصلاة فأعتقد أن جميع كتب المسلمين مليئة بالكلام عنها، وقد اهتم الدعاة والوعاظ قديماً وحديثاً بالصلاة، ولكن يهمنا التنبيه على شيء وهو ما سبق الكلام عنه في حديث أبي مالك الأشعري: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور) ، ليعلم الإنسان أن أداء الصلاة ليس مجرد أداء حق لله لا يعود عليه منه شيء، بل الصلاة أعظم من هذا، فإنها منهج حياة. وكل أركان الإسلام كذلك، والكل يكمل بعضه بعضاً حتى يكون المسلم متكامل الشخصية، فالصلاة جاء فيها قوله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] ، فإذا كانت الصلاة معك فأنت في حصن يقيك من الوقوع في الفحشاء والمنكر، ومعنى ذلك أن المجتمع الذي تؤدى فيه الصلوات مجتمع طاهر نقي مثالي، بعيد عن مواقع الفحشاء والمنكر، وأقل ما يكون أنها لا تظهر فيه. وهنا يقول ﷺ : (والصلاة نور) ، بل وهناك ما هو أعظم مردوداً عليك، كما في قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ، فالصلاة عونٌ للإنسان، وليس عوناً مادياً، بل أعظم من ذلك، فهي عونٌ على النوائب التي تنتاب الإنسان، وعون على ملازمة طاعة الله، وعون على الوصول إلى الله، لأنك تقف بين يدي الله وتناجيه بلا ترجمان، وتحمد الله وتشكره وتثبت له صفات الجلال والكمال إلى آخر ما في سورة الفاتحة التي قال فيها المولى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) وتلك الطمأنينة التي تكتسبها حينما تستقبل القبلة وتكبر. والرسول ﷺ صدّر بذكر الصلاة في هذا الحديث، بعد قاعدة توحيد الله وإفراده سبحانه بالعبادة وحده، ومن المعلوم أن الصلوات خمس، وحينما ينادي المنادي حي على الصلاة حي على الفلاح، يجب على المسلم حينما يسمع ذلك أن يبادر، فمهما كان في يده من عمل هام كبير، فالله أكبر من ذلك، ولا فلاح لمن لم يجب داعي الله، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] .

стр. 598

إيتاء الزكاة ويعقب ذلك قوله ﷺ : (وتؤتي الزكاة) ، كما يقول الصديق رضي الله تعالى عنه: الزكاة أخت الصلاة أو قرينة الصلاة. والصلاة والزكاة والصيام والحج كلها كانت في شرائع الأمم المتقدمة، ففي شريعة عيسى ﵇ يقول الله على لسانه: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١] ، وكذلك إبراهيم ﵇: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] . إذاً: إيتاء الزكاة كما يقول بعض العلماء: لو لم يؤكد عليها الإسلام لكانت واجباً اجتماعياً. المولى سبحانه يمتحن الغني بغناه والفقير بفقره، لينظر هل يشكر الغني نعمة الغنى، وهل يصبر الفقير على بلاء الفقر، والكل من عند الله ابتلاءً لخلقه، كما قالوا: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل متى يعيل يعني: متى يفتقر. وما تدري وإن زمرت ثقبا يكون لك أو لغيرك الفصيل أي: لو ولدت ناقتك وأنت جئت وزمرت أي: أنت أخذت منها تلك المادة، ونظفت واعتنيت به، فلا تدري هل يكون لك أو لورثتك، إذاً: الغنى والفقر ابتلاء في الدنيا وليس بكدك ولا بحجاك وعقلك. لو كانت الأرزاق تأتي على قدر الحجا لماتت من جهلهن البهائم إذاً: سعة الرزق من عند الله ، لكن الله جعل في أموال الأغنياء حقاً للفقراء، وكما يقول علي رضي الله تعالى عنه: لقد جعل الله في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء، فما اشتكى فقير إلا بتقصير غني، فيوجد تكافل اجتماعي إلزامي، لكن بعض الناس قد يشح، وبعض الناس قد يجود، ومن السلف من خرج من ماله عدة مرات لوجه الله. إذاً: (تؤتي الزكاة) ، هل يقصد الزكاة المفروضة أم أن معها الصدقة النافلة؟ الحديث هنا يتكلم عن الفرائض، وقد تقدم التنبيه على أن النوافل تكمل الفرائض، وأحب ما يتقرب به العبد إلى الله أداء ما افترض عليه، ثم لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله سبحانه. والكلام على الزكاة أيضاً في نصابها وفي أنواعها وفي مخارجها وفي آدابها، كل ذلك تقدم التنبيه عليه.

стр. 599

صوم رمضان ثم قال: (وتصوم رمضان) ، إذاً: الأول: تعبد الله لا تشرك به يعني لا إله إلا الله، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان. وكلنا يعلم فريضة الصوم ولكن ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، لكن كما قال جابر رضي الله تعالى عنه: لا يكون صوم العبد صوماً حقيقة حتى تصوم جوارحه، وكما قال ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ، وقال: (والصوم جنة ما لم يخرقها، قالوا بأي شيء يخرقها يا رسول الله!! قال: بكذب أو بسباب أو بفسوق) أو غير ذلك. صوم رمضان يعني الصوم الحقيقي، وكما أشرنا بأن جميع العبادات كانت في الأمم الذين قبلنا، فالصوم قال الله عنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فإذا علم المسلم أنه كتب على من قبلنا فقاموا به ولم يقصروا، فيجب أن نكون أعظم قياماً منهم؛ لأنا خير أمة أخرجت للناس.

стр. 600

حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً يأتي الركن الخامس: (وتحج البيت) ، وحج البيت منهج إسلامي متكامل، إن كان من جهة العبادة وإفرادها لله، فهي في شعارك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وإن كان في إقامتك للصلاة فأنت تصلي في سفرك للحج، وتلزم بركعتي سنة الطواف، وإن كان في الصوم ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة:١٩٦] ، فيأتي الصيام أيضاً في الحج. وكذلك الزكاة؛ لأن الحج يستلزم نفقة في سبيل الله، وهكذا جميع العبادات تأتي ضمن أعمال الحج. ومن قال إن الحج مجسم مصغر للإسلام فليس قوله بعيداً، بل أعمال الدين والدنيا ماثلة في الحج؛ من حل وارتحال، وأعمال مالية وبدنية وتعاون الجميع؛ كل ذلك ماثل في الحج. ولعل بهذه الأركان على سبيل الإجمال نكون قد مررنا على تعداد ما ذكره النبي ﷺ . وبالله التوفيق.

стр. 601

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [٢]

стр. 602

أبواب الخير بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا زلنا في حديث معاذ، وقد وصلنا إلى قول الرسول ﷺ : (ألا أدلك على أبواب الخير) ، فبعد أن بين صلوات الله وسلامه عليه أركان الإسلام كلها، كأنه فيما سيأتي سيبين آثار تلك الأعمال على الفرد والجماعة. أما الأبواب فهي جمع باب، وهو في الأمور المعنوية كالأمور الحسية، إذا دخلت البيت وفي البيت غرف ومجالس، لكل غرفة باب، فإذا فتح هذا الباب اجتزت إلى الغرفة، ثم وجدت في الغرفة جزئيات، إن كانت للجلوس وجدت مقاعد، وإن كانت للنوم وجدت الفراش وما يتعلق به، وإن كانت للطعام وجدت أنواع الطعام، وهكذا، فداخل هذا الباب جزئيات. وكذلك أبواب كتب الفقه، تقول (باب الوضوء) ، إذا فتحت هذا الباب وجدت كيفية الوضوء من بداية غسل الكفين إلى غسل الرجلين، كل ذلك داخل باب الوضوء، وكذلك باب الصلاة وباب الصيام، أو كتاب الصلاة، ويأتي تحت هذا الكتاب أبواب، باب وجوب الصلاة، باب حكم الجماعة، باب أوقات الصلاة، باب القراءة خلف الإمام، كل هذه أبواب داخل الكتاب، فالكتاب كله كالبيت والقصر الكبير، وداخل هذا القصر غرف، ولكل غرفة بابها، وداخل الغرف جزئيات، فداخل الباب فصول ومسائل ومباحث. وهنا بوجه ﷺ معاذاً إلى عناوين كلية، أو إلى أبواب إذا فُتح الباب منها وجدت فيه جزئيات عديدة، كأنه يقول: أعطيك رءوس أقلام. (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: بلى يا رسول الله، فقال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل) . فذكر الصيام والزكاة والصلاة، وقد ذكرت من قبل في قوله: (تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان) ، فعاد إليها مرة أخرى ولكن بوجه غير الوجه الأول، فالوجه الأول بيّن فيه أركان الإسلام، وهنا بين فيه النوافل التي هي من أبواب الخير الواسعة، فبدأ بالصوم وآدابه وأحكامه وعوامل حفظه وصيانته، وكأنه قال: أولاً تصوم رمضان ثم قال: أنت طلبت ما يدخلك الجنة، والصوم جزءٌ منها، ولكن كيف تصومه؟ كأنه يقول: إن الصوم الذي يؤتي ثماره ويظهر مفعوله، هذا هو الذي يكون لصاحبه جنَّة.

стр. 603

معنى قوله ﵊: (الصوم جنة) قوله ﵊: (الصوم جنة) الجُنَّة: يقول علماء فقه اللغة: إذا اجتمعت الجيم والنون المضعَّفة جُنَّ، جَنَّة، جنين، جِنٌّ، كل هذه الألفاظ ترتبط في صلة قرابة في الدلالة بصفة عامة على شيءٍ مختفٍ مستتر، أو تدل على الخفاء والاستتار، فتقول: الجنين، هو موجود في بطن أمه مستتر عنا، تقول: الجن، نحن لا نراهم، والجُنَّة: هي ما تجِن الإنسان، أي: تقيه وتستره عن الضربات، والمِجَن: هو ما يتقي به الفارس ضربات عدوه. فكان مِجَنِّي دونَ مَنْ كنتُ أتَّقي ثلاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ ومُعْصِرُ يعني: وقايتي من أعين الناس، وعلى هذا يتفق العلماء على أن الرسول ﷺ شبَّه الصوم بالجُنَّة، ولو جئنا بدل النون باء، وضعنا النقطة من تحت صارت جبَّة، فإذا لبست الجبة كانت ساترة لك عن أعين الناس، وإذا تلبَّست بالصوم كان جنة لك عن الشيطان، وجُنَّة لك عن المعاصي، ولهذا جاء الحديث: (والصوم جنة ما لم يخرقها، قالوا: بم يخرقها يا رسول الله، قال: بكذب أو غيبة أو سباب) أو نحو ذلك. أو كما قال ﷺ .

стр. 604

المعنى الحقيقي للصوم ولذا العلماء يقولون: الغيبة والكذب تخرق والاستغفار يرقع، فتخرق الجنة بكذب أو غش أو غيبة، فإذا استغفر رقعت خرقته، والثوب المرقع على كلٍ أحسن من الممزق. إذاً: تصوير الصوم بأنه جنة كيف يتحقق؟ إذا جئنا إلى النصوص الواردة في الصوم وجدنا أن الإنسان يصوم عن شهوتي الفرج والبطن، حتى حال غيبته عن الناس عندما تثور عنده شهوة المأكل والطعام أمامه فإنه لا يتناوله، وإذا ثارت عنده شهوة الفرج وزوجته الحسناء على فراشه فلا يقربها، وهذا كله امتثالاً لأمر الله ، كما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) ، ومن هنا كان الصوم مربي الضمائر، وثمرته التقوى، كما قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ، أي: لعلكم أن تكونوا على جانب عظيم من التقوى، وتكون لكم الوقاية من عذاب الله. ومن هنا أيضاً جاء الحديث: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) ، فالصوم يجعلك في جُنَّة، فلا ترد على من سابك أو شاتمك، فهل يمكن أن تبدأ أنت بالاعتداء؟! لا؛ لأنك بصومك تستجن وتتقي، ولا ترد على من يعتدي عليك، بل من سابك أو شاتمك تقول له: (إني امرؤ صائم) ، أي: لا أستطيع أن أجيبك لأني صائم، صائم عن ماذا؟ صائم عن الحلال الطعام والشراب، فكيف أفطر على هذا المحرم؟ ولهذا جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه: لا يتم صوم العبد حتى تصوم جوارحه. فالعين تصوم فلا تنظر إلى ما حرم الله، واليد تصوم فلا تمتد إلى ما حرم الله، لا بأخذ مال الناس، ولا بالبطش بالضعفاء، والأذن تصوم فلا تصغي إلى حديث محرم، والرجل تصوم فلا تسعى إلى مكان محرم، والنفس تصوم فلا تتمنى وتحلم أحلام اليقظة في شيءٍ محرم، لأن أحلام اليقظة يمكن أن تجر إلى العمل الفعلي، فيدخل الإنسان في المعصية والإثم ظاهراً وباطناً، وتتعود وتتمرن تلك الجوارح شهراً كاملاً على الصوم، حتى تعتاد هذه الجوارح الطاعة، ولا تنتكس في حمأة المعاصي بسهولة، ولضمان استمرارية هذه الآثار ندبنا الله إلى الإكثار من صيام النافلة. والنافلة قد تكون مقيدة ومطلقة، فمن المقيد بالزمان نجد صيام ست من شوال، يوم عاشوراء، يوم عرفة، الإثنين والخميس، ثلاثة أيام من كل شهر، ومن الصوم المطلق قوله ﵊: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) ، أي يوم كان بدون تحديد. إذاً: (فالصوم جنة) ، لكن قد تخرق هذه الجنة، يقول ﷺ مبيناً ذلك: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ، وكلمة (قول الزور) ، ليست مجرد شهادة زور في المحكمة بين اثنين، بل كل كذب فهو زور، لأنهم يقولون في اللغة: الزور ما كان جانبياً، تقول: فلان جاء زائراً، أي: من جانب البيت، وزور الإنسان مع الفم في مؤخر الحلق، فالقول الزور هو القول المنحني عن طريق الحق والاستقامة، فكل قول ليس مستقيماً مع الحق فهو زور، سواء كان غشاً في مبايعات، أو كان تدليساً، أو كان كذباً أو كان إيهاماً، أو كان سباباً، كل هذا من الزور.

стр. 605

الحكمة من جعل قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم ... ) بين آية الصوم وآية الأهلة ولذا في قوله سبحانه في ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] ، جمع باباً واسعاً من الآداب، وهنا كذلك: (الصوم جنة) ، وإذا استمر الإنسان في جُنَّة الصوم إلى أن جاء العيد وخرج رمضان، هل يمزق هذه الجُنَّة أو يحافظ عليها؟ يحافظ عليها، لكن ليس الحفاظ عليها من الطعام والشراب؟ لأن ذلك أصبح مباحاً له، بل يحافظ عليها مما حرم الله. ولذا نجد أن الله لما ذكر فريضة الصيام في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ذكر بعدها مباشرة ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] وجعلها قبل آية الأهلة التي هي من لوازم الصوم، وبها يتحدد ويدخل الشهر، ولماذا هذا؟ أما كان يستطيع أن يجعل قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ قبل آية الصوم، أو بعد آية الأهلة، أو في سورة أخرى؟ والمقصد من ذلك -والله أعلم-: كأن المولى سبحانه يوقف الصائم عن الحلال، يقول الآن انتهيت من صومك، ويأتي الهلال وتفطر لشوال؛ لكن اعلم إن كنت صمت فعلاً شهراً كاملاً عن الحلال، فلا تفطر من الغد على الحرام، وتأكل أموال الناس بالباطل وتدلي بها إلى الحكام لتأكل فريقاً من أموال الناس بالإثم. فتنعم بالاستتار في جبة غير ممزقة مرة من الزمان، فإن عرض لها شيء من الخرق جاء رمضان آخر ليجدد لك جبتك من جديد. ولا أعتقد أن إنساناً فاتته لذة الاتقاء بجنة الصوم، حينما يكون في رمضان ويأتيه من يسول له بالمعاصي -يدفعه الشيطان دفعاً- فإذا به يتمالك نفسه ويصبر ويترك هذا ويقول ونفسه مرتاحة ومطمئنة: إني صائم، كل إنسان يشعر بهذا، وبالتأكيد من يسول بالمعاصي عندما يجد هذا الموقف من هذا الصائم سيستحي، ولذا يقول العلماء: هل يقول هذه الكلمة -إني صائم- في سره ليمنع نفسه، أو يقولها علانية يُسمع خصمه ليكف أذاه عنه؟ والأولى هنا -والله أعلم- أن يظهرها ويسمع خصمه مقالته.

стр. 606

سبب إعادة ذكر الصوم والصلاة والصدقة في الحديث إذاً: الرسول ﷺ في هذا الحديث الشريف ذكر لـ معاذ (تعبد الله لا تشرك به شيئاً) ، وحقيقة ذلك تحقيق لا إله إلا الله، بأن تنفي جميع الآلهة، ولا تعبد إلهاً قط إلا الله، بخلاف المشركين الذين يقولون: أجعل الآلهة كلها إلهاً واحداً، لأنه كان لهم ثلاثمائة وستون صنماً في الكعبة، وهو يريد أن يلغي هذا كله إلى إله واحد. فحقيقته توحيد الله هو أن تعبد الله وحده، ويتحقق هذا في قولك (لا إله إلا الله) ، فلا مألوه ولا معبود بحق إلا الله، ثم جاء بعد ذلك بالصلاة والصيام وغيرها. وهنا يقول له: (ألا أدلك على أبواب الخير) ، أليست الصلاة والصيام التي ذكرها أولاً من أبواب الخير؟ نعم هي منها، بل هي الخير كله، ولكن لماذا يعيدها هنا في أبواب الخير؟ للحديث النبوي مثلما يقولون ذوق وحلاوة، وله نور وطلاوة، ذكر ﷺ أصول الإسلام التي تدخل الجنة؛ لكن أبواب الخير هي محل المنافسة، وهي محل الزيادة، فالصلوات الخمس وصوم رمضان وزكاة الفريضة وحج البيت، الكل في ذلك سواء، أهناك شخص عليه ستة فروض وآخر عليه أربعة؟ أهناك شخص عليه صيام شهر والآخر نصف شهر أو شهرين؟ الناس متساوون في هذا، نصاب الزكاة على الجميع سواء، عشرون دينار في الذهب، ومائتا درهم في الفضة، وأربعون شاة في الغنم، وخمس من الإبل، كل هذه معروفة عند الجميع وهم متساوون فيها، ولكن أبواب الخير تزيد وتتسع، وتضيق وتقل، فهي قابلة للزيادة، ولكن أركان الإسلام لا تقبل زيادة ولا نقصاً، فهي خمس صلوات، وكل صلاة لها عدد مخصوص. يدلنا على هذا المعنى الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) ، والفرض ليس فيه زيادة ولا نقص ثم قال: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ، لماذا قال (يتقرب) ولم يقل (يقرب) ؟ سبحان الله العظيم، لو قلت (يقرب) لتحقق بخطوة واحدة، لكن يتقرب، تدل على أنها خطوات، قد تزيد وقد تنقص نافلة بعد نافلة. وذكر الصوم مرة أخرى ليس من باب التكرار بلا فائدة، فحديث البلغاء يتنزه عن ذلك، والمصطفى ﷺ هو سيد البلغاء، إذاً: إعادة الصوم هنا تحت عنوان أبواب الخير لا يتنافى ولا يتعارض، ولا يكون مكرراً مع الصلاة والصيام التي ذكرت في أول الحديث، لأنها ذكرت هناك على سبيل الفرض والتحديد والإلزام، وذكرت هنا على أنها من أبواب النافلة وأبواب الخير التي تترك لجهد العامل. وقد جاء عند مسلم: (أن أعرابياً جاء إلى الرسول ﷺ فقال: يا محمد! جاءنا رسولك يخبر أنك رسول الله، أحقاً ما يقول؟ قال: بلى، قال: فبالذي رفع السماء ونصب الجبال، وبسط الأرض وجعل فيها ما جعل، آلله أرسلك؟ قال: بلى. قال: وأخبرنا رسولك أن الله افترض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، فبالذي رفع السماء، ونصب الجبال، وسط الأرض وجعل فيها ما جعل، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم) الحديث، وذكر فيه الزكاة والصوم والحج. والرجل الذي جاء للرسول في المسجد فقال: أخبرني ماذا كتب الله علي من الصلاة؟ قال: (خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع) ، ثم ذكر الصيام والزكاة والحج، ثم قال: (والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال: أفلح إن صدق) . وهنا الرسول يقول لـ معاذ: (ألا أدلك على أبواب الخير) ، لماذا لم يقل كن مثل ذلك الأعرابي؟ الأعرابي جاء بنفسه وأخذ نفسه بحد السيف، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد ولا أنقص، فهو التزم وألزم نفسه بشيءٍ كبير، ما هو بهين، الذي لا ينقص مما فرض الله عليه، هذا التزام بأقصى ما يكون، فالرسول أخبر بأنه إذا نفذ هذا أفلح، ولكن معاذاً يسأل عن العمل الذي يقربه إلى الجنة، ومعاذ راغب في الخير، فكان هذا بياناً للأمة في شخصية معاذ.

стр. 607

الصوم باب من أبواب الخير في كل وقت وحين ومن هنا نجد بعض الناس إذا جاء رمضان قال: يا الله أعنا عليه، وإذا ذهب رمضان قال: الحمد لله الذي جعله يذهب بالسلامة، ونحن والله نقولها، والرسول ﷺ إذا أقبل رمضان قال: اللهم أعنا على رمضان، ونقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم سلمنا لرمضان وسلم رمضان لنا، فإذا انتهى رمضان قلنا: ربي لك الحمد والشكر، ثم نعيد ونفرح؛ لأننا أدينا ما افترض علينا، فهذه فرحة كبيرة. ولكن يأتي الحديث ويعطي طعماً وهدية، ويدعو الناس للمواصلة، (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) ، لكأن الحديث يقول إذا انتهى رمضان فلا تقفل باب الخير، ودعه مفتوحاً، فصم ستاً من شوال، وإذا صمت ستاً من شوال بعد رمضان فكأنك صمت الدهر كله، وبعد شوال في غيره من الشهور استُحب لك صيام الإثنين والخميس، أو ثلاثة أيام من كل شهر، وإذا جاءت العشر الأيام الأول من ذي الحجة ندب لك صيام التسعة الأول منها، ثم يأتي شهر الله المحرم الذي يكون فيه الصوم حبيباً إلى الله، وفيه يوم عاشوراء، وهكذا فيستمر باب الخير مفتوحاً ولا يغلق حتى الممات. ولذا جاء في الحديث: (إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون) ، هذا باب من أبواب الخير وهو (الصوم جنة) ، وبقدر صومك، وبقدر حفظك لصومك تعظم تلك الجنة. أظن أنك لو ذهبت للسوق، ورأيت الملابس الجاهزة أو الأقمشة الصوفية والقطنية، فلن تشتري إلا بقدر ما عندك من مال، فشخص يلبس جبة خفيفة على قدر ماله، وآخر من أحسن ما يكون من الأقمشة، ومن أحسن ما يكون من الخياطة والتفصيل، وكذلك بقدر الحفاظ على صومك بقدر نفاسة وغلاء جبتك، وبقدر ما هي غالية ونفيسة وقوية، بقدر ما تقيك الحر والبرد. إذاً: هذا الباب واسع، لذا نجد أن هناك من كان يصوم الدهر، وقد نهى ﷺ عن صوم الدهر كله، ويتعين عند الجمهور تحريم صوم يومي العيدين وصوم يوم الشك، وأيام التشريق في منى فيها الخلاف فيمن لم يجد هدياً ويتعين عليه صوم ثلاثة أيام في الحج.

стр. 608

هدي النبي ﷺ في صوم النفل نهى ﷺ عن صيام الدهر، وقالت أم المؤمنين عائشة: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان) . وجاء رجل إلى الرسول ﷺ في أول الهجرة، ثم رجع إلى قومه، وبعد سنة جاء ووقف على رسول الله ﷺ وألقى ﵇ فرد، ولم يعرفه، فقال: يا رسول الله! أما عرفتني؟! قال: من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي وقفت عليك في العام الماضي، قال: ما الذي غيرك؟ قال: منذ فارقتك لم أفطر يوماً، قال: (لا صام من صام الدهر، صم ثلاثة أيام من كل شهر، فذاك صوم الدهر كله، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: (صم الإثنين والخميس) ، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: (صم يوماً وافطر يوماً) ، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) . وبعض الصحابة في المدينة، حينما شدد على نفسه في الصوم مع قوله الرسول ﷺ له: (أحب الصيام إلى الله صيام داود) ، وقوله: (صم يوماً وأفطر يوماً) ، فلما كبر وشق عليه ما اعتاده من الصوم قال: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، يقصد أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فحسب. إذاً: المولى جعل رسول الله ﵊ رحمة للعالمين، ومما أنزله قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، ومن رحمته ورأفته ﷺ بالأمة، بل من صميم الرسالة؛ ألا يكلف أحداً ما لا يطيق من العبادات. والنفر الثلاثة الذين تذاكروا عباداتهم، وقالوا: نذهب لبيت أمهات المؤمنين ونسأل عن عمل النبي ﷺ في بيته، فسألوا أم المؤمنين عائشة، فقالت: ينام ويقوم، ويصوم ويفطر، قالوا: هذا عبد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أرقد، وقال الثاني: وأنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء. وأم المؤمنين تسمع كلامهم من وراء الحجاب، فلما جاء رسول الله ﷺ ، ذكرت له مقالة النفر الثلاثة؛ سبحان الله! عباد الأصنام صاروا يتسابقون في الطاعة! ولكن هل سرّه ذلك ورضي به، وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابي هكذا؟ لا والله، جاء إلى المسجد وجمع الناس وخطب وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني لأتقاكم لله وأعلمكم بالله، وإني لأنام وأقوم وأفطر وأصوم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) . وهل هم راغبون عن سنته ﵊ والله يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ، وهذا باب من أبواب الخير؟! الجواب لا. ولكن هذا باب فتنة عظيم، بل إن الشيطان ما جاء للبشر وأوقعهم في عبادة الأصنام والحجارة إلا من هذا الباب، باب الغلو في العبادات؛ لأن الإنسان له طاقة محدودة لا يطيق ما فوقها، كفرس حملته فوق طاقته فإنه تخور قواه ويسقط تحتك. والنبي ﷺ يقول: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) ، وكذلك الجسم هو الفرس للإنسان، يواصل عليه السير إلى نهاية المرحلة التي كتبها الله له، مع تخلل فترات راحة بين الفينة والأخرى، كما في الحديث: (ساعة وساعة) حتى نصل إلى المراد دون أن تخور القوى وتضعف. وقد قال ﷺ : (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه) ، تريد أن تسابق الإسلام أقوى منك إذاً: خاف ﷺ على الناس الغلو، لأن الغالي يغلو ثم يعجز فإذا عجز هدم ما فات.

стр. 609

الغلو في الدين وسبب الانحراف والشيطان أوصل الناس إلى عبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر من هذا الباب، وهو الغلو، فقد كان هؤلاء رجالاً صالحين قبل زمن نوح ﵇، ولما ذهب هؤلاء الناس جاء الشيطان لأولادهم، فقال: ما هذه العبادة التي لا تساوي شيئاً، آباؤكم وأجدادكم كانوا يقومون الليل ويصومون النهار، ويفعلون ويفعلون، اجتهدوا بالعبادة مثلهم سبحان الله، فهذا الشيطان يحث الناس على الاجتهاد في العبادة؟! وخالف النفس والشيطان فاعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم إذا كان بينك إنسان عداوة، وجاءك يوماً مبتسماً ويضحك، ونصحك فقال: اذهب من هذا الطريق فهو قريب؛ فاعرف أن في هذا الطريق مهلكة لك، لأن النصح لا يأتي من عدو، فالشيطان يأتي لهؤلاء ويحثهم على الزيادة في العبادة مع أنه يحترق من كثرة العبادة؛ لكن يرسم للخطوات نحو الكفر والوثنية بصبر وجلد. فقاموا واجتهدوا ثم قال لهم: أنتم ما فعلتم شيئاً. قالوا: ماذا نفعل أكثر من هذا. قال: صوروا تماثيل للآباء في معابدهم، حتى كلما رأيتموهم نشطتم في العبادة! ، فأخذوا بالنصحية. ونام الشيطان على أعصابه، حتى ذهب هذا الجيل ولا يدري عن الأجداد شيئاً. ثم جاء للأبناء فقال: أين أنتم ضائعون? قالوا: ماذا؟ قال: لماذا لم تأتوا عند هذه الصور، ولم تلتفتوا إليها، وتلتفوا حولها ولو مرة واحدة في السنة. قالوا: بماذا؟ قال: واحدة من العبادات اجعلوها لها. قالوا: نعبد الله وحده. قال: لا مانع، لكن واحدة فقط لهؤلاء الآباء والأجداد. قالوا: واحدة لا بأس! وهكذا قليلاً قليلاً، وبدلوا الصور بالأصنام وعبدوها من دون الله . ثم قال لهم: لا حاجة لأن تأتوا هنا، كل واحد يأخذ تمثاله أو معبوده، فيضعه في بيته يعبده. وانتقلت العبادة من الله إلى الأصنام، ومن المعابد إلى البيوت، وعندئذٍ استراح وبلع ريقه عن كل المدة التي حرقت أعصابه فيها. والسبب في هذا الغلو والمبالغات، ولذا فالرسول ﷺ يحذر الأمة من الغلو، فنهى عن صيام الدهر، لأنه يأتي وقت ويعجز عنه، وربما كره هذه العبادة. إذاً: الصوم في النوافل له أقسام، فمنه ما يكون في أزمنة معينة، ومنه ما يكون مطلقاً، وكل إنسان يأخذ على قدر طاقته وهمته واجتهاده.

стр. 610

الصدقة برهان على صدق الإيمان ثم نأتي إلى المال، هناك قال: (تؤتي الزكاة) ، وهنا قال: (والصدقة) ، لاحظ المغايرة في التعبير بين: الزكاة الصدقة، وكلاهما لفظ يستعمل مكان الآخر، بقول الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ،والتي يأخذها الرسول ﷺ من المال هي زكاة فريضة؛ لأن الصديق يقول: (والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه) ، وإنما يقاتلهم على الفريضة لا على النافلة. ففي أول الحديث وضع أصول وقواعد ما يقرب إلى الله ويدخل الجنة من الفرائض وسماه زكاة، وهنا عند أبواب الخير فذكر الصدقة؛ ليؤكد أنها من النوافل وليست من الفرائض. فقال: (والصدقة تطفئ الخطيئة) ، وإذا بحثنا عن العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي نجد أن بينهما ارتباطاً، فكلمة (صدقة) وكلمة (صدق) بينهما ارتباط في الصاد والدال والقاف، وهي الحروف الأصلية للكلمتين، أما التاء المربوطة فهي للتأنيث، إذاً: المادة الأساسية مشتركة بين صدقة المال وبين صدق القول، وحينما يقول القائل: أنا آمنت بالله وباليوم الآخر، يقول علماء البلاغة: هذه جملة خبرية، والجملة الخبرية هي ما تحتمل الصدق أو الكذب، فكل جملة تحتمل الصدق أو الكذب فهي جملة خبرية، وما لا تحتمل الصدق أو الكذب فهي جملة إنشائية كقول القائل: (قم يا زيد) فلا تحتمل صدقاً ولا كذباً، لأنها عبارة عن طلب قيام لم يكن موجوداً قبل الكلام، لكن (زيد قائم) يمكن يقول لك: لا، بل هو قاعد. فالذي يقول: آمنت بالله واليوم الآخر. هذا القول منه يحتاج إلى دليل على صدقه. وقد جاء من قوله ﷺ : (الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان) ، والبرهان كما يقول علماء اللغة: الإشعاع الذي يكون أمام قرص الشمس، فكأنه نور يدل على حقيقة خفية، فالصدقة برهان على إيمان العبد بالله واليوم الآخر، لأن الأصل في تعامل الأفراد أن يكون على سبيل المعاوضة، تقدم له خدمة فيقدم لك مثلها، كأن تدفع له دراهم وتأخذ منه سلعة، فالبيع والشراء والإجارات كل هذا معاوضة. لكن في الصدقة تدفع مالاً لفقير فأين العوض؟ هل أنت أخذت عوضاً في دفعك الصدقة للمسكين؟ لا، لكن يقينك يقول لك: إن العوض لن يكون هنا في هذه الدار، إنما سيكون في الدار الأخرى، فلا يدفع المسلم صدقة إلا ليبرهن على الاعتقاد الذي وقر في قلبه، بل ويعتقد ويوقن بأنه سيلقى أكثر مما قدم؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] ، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ﴾ [البقرة:٢٦١] .

стр. 611

لفتة في بلاغة القرآن وأريد أن ألفت النظر إلى أسلوب القرآن الكريم في هذه الأمثلة التي يخرج فيها المعنوي في صورة المحسوس، ففي هذه الآية قال: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ﴾ فيجعلك تسرح بخيالك عند وضع الحبة وانفلاقها، وارتفاعها وسقيها، وظهور الأوراق الخضراء، ثم تفرعها إلى سنابل، وكل سنبلة فيها مائة حبة، وهكذا يمر على ذهنك شريط إيحاءات وتأملات تستوقف كل مؤمن أمام عظمة صاحب هذا الكتاب . فالقرآن الكريم يوقف الشخص عند تلك التعبيرات، ويجسد له الصورة، مثلاً: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ [الرعد:١٤] ، يضرب الله مثلاً للذي يدعو غيره فلا يستجيبون له، كمثل من وقف على حافة بئر، وفتح فاه ليبلغه الماء، فهل سيبلغه شيء؟! لن يصله شيء ولو انتظر عمره كله. ومثال آخر قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] ، فليست هذه الصورة مثل قوله لو قال: (لا تنفعهم عبادة أصنامهم بشيء) ، فهنا جسد وجعل المعنوي في صورة المحسوس،. والخضر مع موسى ﵉، بعد نهاية الرحلة ومعرفة الجواب على الأسئلة، لم يقل لموسى: علمي بالنسبة لعلم الله لا يساوي قطرة من بحر، إنما أرسل الله عصفوراً، ووقف على حافة السفينة، ومد منقاره وشرب من البحر، فقال الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. الخلاصة: أن المؤمن بالله حقاً إذا تصدق كانت صدقته برهاناً على صدق إيمانه بالله، وأن العوض ينتظره يوم القيامة، ومن هنا كان المؤمن كلما قوي إيمانه ويقينه وتصديقه، كلما كان أشد إخفاءً لصدقته عن الناس، لأنه ليس له معهم غرض، ولا ينتظر منهم شيئاً، بل يخفيها على من تصدق بها عليه، وهو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) .

стр. 612

الصدقة ليست حصراً على المال فحسب (قوله: والصدقة تطفئ الخطيئة) . والصدقة أوسع الأبواب؛ لأن الصدقة لا تتوقف على المال والغنى، بل الفقير له حظ في ذلك، وقد جاء أن فقراء المهاجرين أتوا إلى رسول الله ﷺ واشتكوا له فقالوا: (ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليله صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة ... ) إلى آخره. والحديث الآخر: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) . إذاً: باب الصدقة واسع ولو بالشيء الحقير، قال ﵊: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) . أم المؤمنين عائشة ﵂ كانت تأكل عنباً، ويأتي سائل، فتأخذ حبة وتعطيه، فيأخذها المسكين ويقلبها يميناً وشمالاً، فهذه حبة عنب، لكن لا تستقلها، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] ، انظر كم في الحبة من مثاقيل الذر! وفي يوم من الأيام كانت عائشة صائمة، وأتاها مسكين، فقالت: لـ بريرة: أعطيه، قالت: ما عندي شيئاً، قالت فتشي، قالت: لا يوجد إلا قرص شعير تفطرين عليه في المغرب -وكان الوقت بعد العصر- قالت: أعطي المسكين وعند المغرب يرزق الله. تمشي بريرة متثاقلة فدفعت القرص للمسكين، وجاء المغرب وقامت أم المؤمنين عائشة تصلي، وقبل أن تختم صلاتها إذا بطارق يطرق الباب، وتنتهي أم المؤمنين من صلاتها وتلتفت فإذا شاة بقرامها، أي: شاة ناضجة بلوازمها، قالت: ما هذا يا بريرة؟ قالت: رجل -والله ما قد رأيته أبداً- أهدى إلينا. قالت: كلي، فهذا خير من قرصك. ثم تقول بهذه القاعدة: لا يكمل إيمان العبد حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في قبضة يده. وكما يقول بعض العلماء، إذا كان الأجل محدوداً والرزق مضموناً، فهم تخاف؟ ولماذا تتعب نفسك؟ ما عليك إلا أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على الله . إذاً: الصدقة تكون بأي شيء ولو بكلمة طيبة.

стр. 613

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [٣]

стр. 614

الصدقة باب عظيم من أبواب الخير بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فلا زلنا عند حديث معاذ، ووصلنا إلى قوله ﵊: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) ، تلك عادة الحياة. أن الضد يقضي على الضد، فالماء ضد النار، والماء أقوى من النار. ومن عجب أن يأتي حديث: (أن الملائكة لما وجدت خلق الجبال عظيم، قالت: يا رب هل خلقت خلقاً أعظم وأقوى من الجبال؟ قال: بلى، قالوا: ما هو؟ قال: الحديد، قالوا: هل خلقت خلقاً أقوى من الحديد؟! قال: بلى، قالوا: ما هو؟ قال: النار -النار تذيب الحديد-، قالوا: هل خلقت خلقاً أقوى من النار؟ قال: بلى، الماء، وقالوا: هل خلقت خلقاً أقوى من الماء؟ قال: بلى، المؤمن يخفي صدقته فلا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) ، هذه قوة نفسية ومعنوية عجيبة. فالضد يقضي على الضد، فالماء يطفئ النار، وهذا على سنن الحياة، ولكن قدرة المولى فوق هذا كله، فهو الذي أعطى النار خاصية الإحراق، ويقدر على أن يسلبها تلك الخاصية فتكون ناراً بلا إحراق. وهذه نار النمرود، مكثوا سنين يوقدون النار ويجمعون لها، وبالمنجنيق ألقوا إبراهيم، فقال الله لها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] ، فسلبت خاصية الإحراق. الماء سائل شفاف يضربه موسى بعصا صغيرة، قال الله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨] ، هي عصا عادية، فيضرب بها البحر فينفلق: ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] ، فالذي سلب الماء سيولته هو الذي سلب النار إحراقها. وكذلك الحال في ناقة صالح عندما خرجت من جبل أصم، وعصى موسى يلقيها في الأرض فتصير حية تسعى، ويمسكها فترجع إلى سيرتها الأولى. فمظاهر القدرة الإلهية في هذا الكون تبين لنا أن الله فاعل مختار، يفعل ما يشاء سبحانه، وذلك حتى ينتزع من الإنسان الجحود العنيد، وليوجد عنده الإقرار بقدرة المولى التي لا يجحدها إلا معاند: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] . فالرسول ﷺ يخبرنا بوقائع قانون الحياة: بأن الماء يطفئ النار، وهذا شيء مشاهد ملموس، وكما أشرنا سابقاً، فإن السنة والكتاب يصوران المعنويات في صورة محسوسة، فالصدقة هي شيء من الطعام أو من المال تخرجه، فيكون لهذه الصدقة تأثير على الخطيئة، وهذا الأثر أمر لا ندركه بالحس ولا بالعقل؛ لأنه ليس عندنا إمكانيات لنتصور هذا الأمر، فيحيلنا ﷺ على محسوس ملموس ندركه. لكن ما هي العلاقة بين الصدقة والخطيئة والماء والنار؟ الماء سائل شفاف بارد، والنار مادة ملتهبة محرقة ليس لها جرم. فكذلك الخطيئة معصية، والصدقة طاعة، وكلاهما ضد الآخر، والخطيئة لها تأثير في النفس، والصدقة لها تأثير على النفس، هذه بالطمأنينة والارتياح، والخطيئة بالقلق والانزعاج، ولا تجد إنساناً يخطئ خطيئة ويطمئن أبداً. والذي يهمنا: أن الصدقة في مقابل الخطيئة تلغيها، كما أن الماء في مقابل النار يطفئها، بأي كيفية؟ الله تعالى أعلم. ويذكر بعض العلماء لهذا الحديث رواية عند أحمد: (الصدقة تطفئ غضب الرب) ، وليس بينهما مناكرة، لأن حرارة الخطيئة من أثر غضب الرب، ولولا غضب الله على الخطيئة ما كان لها أثر يؤثر على الإنسان بالقلق والاضطراب، ولو كان المولى يرضاها ويحبها ما أثرت على الإنسان بشيء. إذاً: لكونها داخلة تحت ما يغضب الله كان لها هذا التأثير، و (تطفئ غضب الرب) ، أي: أثر الخطيئة التي أغضبت المولى سبحانه؛ إذاً لا منازعة ولا معارضة بين الروايتين. وقد جاء في الترغيب في الصدقات: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) ، (كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس) ، ومن السبعة الذين يظلهم الله: الرجل الذي تصدق وأخفى الصدقة.

стр. 615

قيام الليل من أبواب الخير ثم ذكر ﷺ من أبواب الخير نافلة أخرى، فقال: (وصلاة الرجل في جوف الليل) ، وسُئِل ﷺ : (أي الليل خير؟ قال: جوفه) ، وفي الرواية الأخرى: (ثلثه الأوسط) ، فصلاة الرجل في جوف الليل أول ما يتبادر أنها قيام الليل. والأحاديث الواردة في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، ويهمنا أن النبي ﷺ ذكر هذا الحديث وأضاف إليه الآية القرآنية، فالرسول ﷺ يستدل بكتاب الله على سنة رسوله، والسنة والكتاب متلازمان، وعند الشافعي قاعدة عجيبة يقول: كل حديث لرسول الله ﵊ له شاهد من كتاب الله، لكن لا يدرك ذلك كل إنسان، فهنا قرأ ﷺ الآية مستدلاً بها على صلاة الرجل في جوف الليل. وقد يقرأ النبي ﷺ الآية في موقف لا يشابه ما نزلت بسببه، ويستدل بعموم اللفظ بصرف النظر عن خصوص السبب، ولذا قال الأصوليون: العبرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن ذلك حينما جاء ﷺ إلى علي وفاطمة يوقظهما لصلاة الليل، فقال علي رضي الله تعالى عنه: (إنما أنفسنا بيد الله متى ما شاء أن يبعثها بعثها، فيخرج من عنده ﷺ وهو ينفض ثوبه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] ) ، وهي إنما نزلت في سبب آخر، لكن أخذها ﷺ بعموم لفظها واستشهد بها على قضية علي، إذاً: الآية تشمل كل جدال وقع من إنسان في أي موقع.

стр. 616

أفضلية العبادة في الليل على النهار قوله في الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة:١٦] ، هي من صميم الموضوع الذي يتحدث عنه ﵊، فقول الله تعالى على لسان رسوله ﵊: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] إنما يكون ذلك في الليل. إذاً: الموضوع متحد، واستدلاله ﷺ بالقرآن مع السنة تقوية للدليل. ويتفق العلماء على أن أفضل وقت لأداء النوافل ما كان ليلاً، سواء كانت ذكراً عاماً أو خاصاً، أو صلاة أو تلاوة لكتاب الله، أو تفكراً في خلق السماوات والأرض امتثالاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] ، وتفكرهم في ملكوت الله جعلهم يذكرون البعث والجزاء، ويخافون من النار، ويطلبون الله أن يقيهم عذاب النار نسأل الله أن يقينا وإياكم والمسلمين النار.

стр. 617

قيام الليل عون للداعية على دعوته ومعلوم أن قيام الليل كان فرضاً في حق النبي ﵊، وهو من خصوصياته ﷺ ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ، عسى: للترجي، وقوله: ﴿يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ مبني على التهجد من الليل. وقد أرشد الله رسوله إلى الاستعانة بقيام الليل على أداء الرسالة التي كلف بها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١-٢] ، ولم يكلفه قيام الليل كله حتى لا يكون في ذلك مشقة عليه، ولذا قال: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل:٢-٤] ، فالزيادة مردها إلى الطاقة والاستطاعة بدون تحديد، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤] ، هنا يجمع المولى سبحانه في هذا التشريع بين قيام الليل بالصلاة وترتيل القرآن.

стр. 618

المفاضلة بين إطالة القيام والإكثار من الركعات وهنا مسألة سئل عنها ابن عباس: إذا كان في رمضان فأيهما أفضل: تقليل الركعات وإطالة القراءة، أم العكس؟ كل واحدة فيها مزايا؛ فكثرة الركعات فيها تكبير وركوع وسجود، وكل ركعة لها أجر، وأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، وطول القراءة فيها إمعان وتدبر لكلام المولى سبحانه، وقد أجاب ابن عباس فقال: أنت مرتاد لنفسك، فاختر لنفسك. والمرتاد: الراعي حينما يكون له غنم يرتاد لها مواطن الرعي، فحيثما يجد الخصب والمرعى الصالح يرتع، فكذلك المسلم هو يرعى ويسوم نفسه في مرعى وحدائق ورياض العبادة، فالعمل الذي يحبه ولا يراه شاقاً عليه فليفعله فأحياناً يرغب في القراءة، ويكون ذهنه حاضراً فيها، والله يشرح صدره، ولعله لو قرأ آية وأمعن فيها أن يفتح الله عليه بسببها ما لا يعلمه إلا الله، وأحياناً يكون ذهنه مشغولاً، أو فكره مشوشاً، وربما أن الحركة تكون أنسب له، في إذهاب ما يشغله، فأي الحالتين قدر عليها وسهلت عليه فهي الأولى بالفعل. وهنا الله يجمع لرسوله ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٢-٤] ، يهمنا في قيام الليل ترتيل القرآن قليلاً كان أو كثيراً. وقد جاء عن عثمان ﵁ أنه كان يقرأ القرآن في ليلة، وقد ذكرنا بعض حالات من السلف، كان الواحد يقرأ القرآن في ليلة، فبدأ يتأمل حتى آل أمره إلى أن يقوم الليل كله بسورة الفاتحة، يتدبرها ويتأملها ويراجعها. وقال الله عن جوف الليل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦] ، ناشئة الليل المقصود بها، صلاة الليل، كما عليه الجمهور، ويكفي ما أشارت إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في وصف قيام النبي ﷺ أنه كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ولما سئل عن ذلك قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) .

стр. 619

معنى قوله تعالى: (يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) وهنا في قوله سبحانه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة:١٦] ، لعل ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ عامة، و ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أخص العبادات لأنه كما جاء في الحديث: (الدعاء هو العبادة) ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] . وهل الإشارة في قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ يقصد منها الدعاء بذاته، أم الصلاة التي فيها الدعاء؟ ذكر ابن كثير عند هذه الآية الكريمة أن معاذاً كان مع النبي ﷺ قال: كنت مع النبي في سفر فدنوت منه فسألته وذكر هذا الحديث، ثم روى ابن كثير حديث: (عجب ربنا لرجلين، رجل نهض من فراشه ومن تحت لحافه ومن بين أحبته وقام يصلي لربه) فالحديثان يدلان على أن القيام المقصود منه الصلاة، وهكذا ما جاء عنه ﷺ في حق عبد الله بن عمر: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) ، فيقول سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: فما ترك قيام الليل بعدها. وبعض العلماء يفسح المجال مع الصلاة للذكر ومدارسة العلم. وقد قيل لـ سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه: انظر إلى بني فلان، يذهبون في وقت القيلولة إلى المسجد يصلون الظهر ويحيونه إلى صلاة العصر، يذكرون الله، قال: يا ابن أخي ليست هذه بالعبادة، العبادة التأمل في كتاب الله والتدبر في معانيه واستنتاج المسائل والفقه إلى آخره، وأشرنا إلى الشافعي الذي كان يبيت ليله مستلقياً يتأمل في حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ، وصلى الصبح بوضوء العشاء. إذاً: يدعون ربهم هنا عامة، فقد يجلس إنسان يدعو ربه، أو يتأمل في ملكوت الله في سكون الليل وليس هناك ما يشوش عليه، فيستجمع حسه كله، ويوجه فكره كله إلى هذا العالم، وما يجري فيه، ويستدل بهذا المحسوس على ما غاب عنه.

стр. 620

أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الدعاء عند الاضطرار مستجاب، ولو كان الداعي كافراً، لأنه يتوجه إلى الله في تلك الحالة ويدعوه وحده، ففي تلك اللحظة يكون مؤمناً بقدرة من توجه إليه ودعاه، ويعلم بأنه قادر على إجابة مطلوبة، كما جاء في الحديث: (لأنصرن المظلوم ولو كان كافراً، علم أن له رباً فدعا) ، أي: لجأ للدنيا كلها فما أنصفه أحد، فتوجه إلى الله، فهل يتركه الله؟ لا. يقولون في بعض السير أن الله سبحانه عتب على موسى ﵇ في حق قارون، فعندما أمر الله الأرض أن تأخذه، فكان يغوص فيها أمام مرأى ومسمع من موسى ﵇، وكان ينادي موسى ﵇، فلم يجبه، فقال الله لموسى: يا موسى يناديك قارون في حالة الشدة فلم تجبه، لو ناداني مرة واحدة لأجبته. سبحان الله، ماذا كان يريد المولى منه إلا أن يرجع إليه، هل المولى كان يريد من قارون أن يظل في طغيانه، أو يريده أن يرجع له ويتراجع طغيانه وكبره؟ كان يريده أن يرجع إلى العبودية، فلو آمن قارون بما جاء به موسى ﵇ لقبله الله؟ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] ، سبحان الله، موسى كليم الله يوحي إليه الله أن يذهب إلى فرعون الطاغية ليقول له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، وليقول له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٨-١٩] ، ما جاء له وقال له: يا كافر يا بعيد يا خسيس كما يفعل بعض الناس مع إنسان يقع في هفوة، فيقوم بالسب واللعن، لماذا يا أخي؟ ما الفرق بينك وبينه؟ الذي ابتلاه قادر على أن يتبليك أنت بأخس من هذا؟ فإذا رأيت أن الله هداك ووفقك وجنبك هذا الخطأ، ورأيت أخا لك في الله، زلت به قدمه وتورط في خطيئة، فلا تزده ورطة إلى ورطته، بل مد له يدك لتنقذه. الرسول ﷺ لما جيء برجل قد شرب الخمر جلده، فتكلم رجل عليه بكلمة، فقال له ﵊: (لا تعن الشيطان على أخيك عليه) أي: أنك أنت إذا سببته فر منك، وإذا فر منك ذهب إلى الشيطان، كرد فعل عكسي!

стр. 621

اللين والحكمة في الدعوة إلى الله فهنا تعليم وتوجيه وإرشاد للدعاة إلى الله بالرفق: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ لا بالعصا، بل ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] . وأذكر قصة هنا: رئيس المحاكم الشيخ عبد الله بن مزاحم الله يغفر له، في عام (٦٣هـ) جاء إلى المدينة مع الشيخ ابن صالح والشيخ الخيال، وكان في منطقة بدر شجرة يعظمها الناس -مثل ذات أنواط- فأرسل رجلاً من الهيئة إلى أمير بدر ليأتي إلى تلك الشجرة ويقطعها. عمر رضي الله تعالى عنه قطع الشجرة التي وقع تحتها بيعة الرضوان؛ لأنه لما حج ونزل هناك، وجد الناس، يصلون ثم يذهبون فسأل: أين تذهبون؟ فقيل له: يذهبون ليصلوا تحت الشجرة التي بايع عندها رسول الله ﷺ ، فأمر بقطعها مخافة أن يفتتن الناس بها-. الخلاصة: ذهب مندوب الهيئة ليقطع الشجرة، فذهب ليصلي المغرب، ومن الغد سينفذ مهمته، جاء إلى المسجد لصلاة المغرب ينتظر الأذان، فيأتي رجل فلاح فصادف أن جلس بجوار هذا الشخص الذي من الهيئة، وعند الجلوس قال: يا رسول الله، فالتفت إليه مندوب الهيئة وقال له: هل أنت مشرك؟ لا تقل هذا، بل قل: يا ألله! ولا تناد غير الله، فالتفت إليه الرجل وقال: أنا مشرك، بل المشرك أنت وأبوك وجدك. وحصل نزاع بينهما، وفضَّه الناس. ومن الغد ذهب مع رجال الأمير إلى الشجرة وقطعوها وانتهت قصتها. وعلى رأس السنة ذهب الشيخ عبد الله في جولة إلى منطقة بدر، وبقدر الله الفعال لما يريد يدخل ذلك المسجد وينتظر الصلاة ويأتي ذاك الرجل نفسه ويجلس بجواره ويقول: يا رسول الله، فيلتفت إليه هذا العالم الجليل، ويقول: اللهم صل وسلم وبارك عليه، صلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله. وقال للرجل: أرى أنك تحب رسول الله ﷺ . قال: إي والله أحبه بأمي وأبي. قال: ولكن أرأيت ما تقوله أنت عند قيامك وقعودك أحب إليك أم الذي كان يقوله ﷺ إذا قام أو قعد. قال: لا والله الذي كان يقوله ﵊ أحب إلي ولو كنت أعلمه ما تركته. قال: كان يقول: يا ألله، إذا جلس وإذا قام قال: يا ألله، وفي كل شئونه يقول: يا ألله. فالتفت إليه الرجل وقال: يعلم الله إن وجهك وجه خير، في العام الماضي جاءنا واحد وجهه وجه شر، وذكر له قصته. ثم قام هذا الرجل من عنده، وقال له: أين أنت نازل؟ قال له: عند الأمير. ذهب هذا الرجل لأمير قبيلته، وعرض عليه أن يستضيف هذا الرجل، فأضافه عنده، ودار بينهما هذا الحوار. قال الشيخ لهذا الرجل: أتحب رسول الله ﷺ ؟ قال: عجباً والله! هل من مسلم في الدنيا لا يحب رسول الله ﷺ ، وهل الإيمان إلا بعد محبة رسول الله، يقول رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ، وأخذ الرجل يبكي. قال له: علام تبكي. قال: أبكي على ما سفك من دماء منا ومنكم. قال له: لماذا؟ قال: جاءنا أشخاص جهال يكفروننا لأننا نحب رسول الله ﷺ ، ولم يعلمونا حقيقة التوحيد، فلو جاء مثلك، وقابلنا أول الأمر أمثالك، والله ما اختلفنا معكم في شيء. أقول أيها الإخوة: إن من صلب الدعوة إلى الله -لكل من يتصدى لهذا الأمر- أن يلتزم الداعية الحكمة والرفق بالمسلمين. هذان شخصان مع شخص واحد وفي موضوع واحد، وفي لفظ واحد، كيف كانت نتيجة كل منهما؟ الأول خصومة ومشاجرة، والثاني محبة وقبول للحق ودعوة إليه، المولى يقول: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] ، أي: لا تسبوا أصنامهم فيسبوا الله، بل اتركوهم وخذوهم بالحكمة، والرسول ﷺ لما خرج إلى الطائف يدعو ثقيفاً، وكان موقفهم في غاية من الإساءة، حتى سلطوا عليه السفهاء، فرموه بالحجارة، حتى أدموا قدميه، ويقف ذلك الموقف العظيم فيقول: (إلى من تكلني، إلى قريب يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن رحمتك أوسع لي، أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس) وينزل ملك الجبال يقول له: تريد أن أطبق عليهم الأخشبين يقول: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) . ويدخل مكة في جوار رجل مشرك، والأصنام معلقة مثبتة في جدران الكعبة بالحديد والرصاص، ويبقيها على ما هي عليه، ويأتي وقت الهجرة، ويخرج تحت ظلال السيوف، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] ، ويأخذ التراب ويضعه على رءوسهم ثقة بالله، الذي ملأ قلب رسوله يقيناً عندما أُسري إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماوات. وجاء في فتح مكة، فماذا فعل؟ يدخل في رحاب الكعبة، وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] ، وبالقضيب يشير إلى الأصنام فتتهاوى وتتساقط. مع العلم أن الأصنام كانت موجودة من أول بعثته ﷺ ، وربما استند إلى بعضها، ولم يلتفت إليها؛ لأن الوقت ما حان ليكسرها، ولو كسر صنماً واحداً لكسروا شوكة المسلمين، ولن يقاومهم أحد. ولما جاء الأوان كان يهدمها بإشارة -قبل أشعة ليزر- قضيب يشير به، يقول ابن كثير: ما أشار لوجه صنم إلا خر لقفاه، ولا أشار في قفا صنم إلا انكب على وجهه. فعندما دخل مكة في جوار رجل مشرك، قد كان يستطيع أن يأمر ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، لكن حكمة الدعوة وسياستها اقتضت غير ذلك. وقبل الهجرة بفترة يأتي جبريل إلى النبي ﵊ ومعه البراق، ويركب إلى بيت المقدس، ويعرج به إلى السماوات السبع، وإلى سدرة المنتهى، ثم كان قاب قوسين أو أدنى إلى آخره، ويرجع إلى مكانه. ولما أُمِر بالهجرة، هيأ أبو بكر الرواحل، وجهِّز الزاد، وبحث عن الدليل، وكان رجلاً مشركاً - ابن أريقط - ليمشي بهم في طريق غير مسلوك، ويخرجون في الليل ويدخلون الغار. سبحان الله أما كان بإمكان البراق أن يوصلهم في نصف الليل؟! لا. لأن رحلة الإسراء والمعراج رحلة تكريم وتشريف وإيناس، فقد كانت مواساة لما لاقاه النبي ﵊ من أهل الطائف وأهل قريش، فالأنبياء يستقبلونه في بيت المقدس، ويقدمونه فيصلي بهم، فهذا تعويض كبير جداً، بل عرج به إلى سدرة المنتهى، بل يتجاوز السدرة ويقف جبريل ويقول هذه نهايتي تقدم أنت يا محمد. ماذا يقدر الإنسان إذا كان موقف ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:٨-١٨] . ﴿دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ من يستطيع أن يحدد الدنو المكاني أو المكانة، أين الذات وأين المكان وأين الزمان وأين وأين، فهذه أمور لا يقدر العقل على تصورها، وتترك إلى قدرة المولى سبحانه. وفي الغار وأبو بكر خائف يأتي المشركون بعددهم وبسيوفهم فيقفون على فم الغار، أعينهم تقول لهم: الأثر ينتهي هنا، وعقولهم تقول لهم: لم يدخل الغار أحد، وإلا لكان قد مزق نسج العنكبوت، وكسر بيض الحمام ولم يعلموا أن العنكبوت والحمام من جند الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] ، فأرسل لهم جنوده، بل أرسل أضعف جنوده احتقاراً لهم، كأنه يقول: كيدكم وجمعكم وعددكم وعدتكم لا تساوي نسج العنكبوت عند الله. يقول الصديق للرسول ﷺ : والله يا رسول الله، لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا. وبكل طمأنينة، وبكل ارتياح، وبكل يقين يرد عليه: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) ، يقول الله حاكياً عن ذلك: ﴿إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ماذا؟ ما قال اثنين، قال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] ، حتى لا يقال: يمكن العدد ليس له مفهوم، فيمكن أن يكونوا ثلاثة أو أكثر. ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] ، والغار لا منفذ له إلا من جهة من يطلبونهما، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، وهذا هو برد اليقين الذي أخذه من رحلة الإسراء والمعراج؛ لأنه رأى ملكوت الله، ورأى آيات الكون، ورأى ثمار أعمال أمته، ورأى الجنة ودخلها، ورأى قصور بعض أصحابه، رأى قصراً لـ عمر بن الخطاب وفيه الجواري فأراد أن يدخل فرجع، يقول: تذكرت شدة غيرتك يا عمر، فيبكي عمر ويقول: أو منك أغار يا رسول الله؟ فالغيب عنده أصبح حاضراً مشاهد! نرجع إلى الحديث: الرسول ﷺ لما ذكر (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) ، وذكر الصلاة في جوف الليل، واستطرد الحديث إلى الرفق في الدعوة، وإلى ما كان منه ﷺ في صبره على قومه، وترك الأمور لأوقاتها ومناسباتها، وترك الأصنام معلقة، وجاء يوم الفتح ويشير إليها بقضيب، وانتهى الأمر وقضي على دولة الشرك في النهاية، نزل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ، ونزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] .

стр. 622

لطائف في الدعاء ويبين ﷺ من نوافل العبادات اليقظة أو الانتباه أو المجافاة ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ . وبيَّن (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) ، انظر كلمة (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) ، لماذا لم يقل: يدعون الله، مع أن الدعاء يتناسب مع الله، لأن الدعاء مخ العبادة، والعبادة إفراد الله بالعبادة. الجواب -والله أعلم- أن لفظ الربوبية أقرب إلى العطاء، وإلى جلب الخير ودفع الشر، كما في أول الفاتحة: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢-٣] ، فالربوبية أقرب إلى العطاء، والألوهية أحق بالعبادة والإفراد لله وحده. قال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ لأن ربهم عودهم العطاء، إذاً: عطاء من الرب لعباده، والألوهية استحقاق للإله على عباده، فالربوبية إعطاء العباد ما يربهم، أي: يصلحهم، والألوهية: تستوجب على العباد إفراد الله بالعبادة، ولذا يقول علماء العقائد: الربوبية فيض من الله على العبد، والألوهية عمل العباد إلى الله، فهي إفرادك الله بالعبادة، فلا تعبد غيره، وهو لا إله إلا الله. الربوبية تفيض بفضلها وخيرها على العباد، والألوهية تطلب إفراد الله بالعبادة.

стр. 623

الدعاء إما لرغبة في شيء أو رهبة من شيء فهنا ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وصورة الدعاء فيها مقابلة عجيبة، ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف:٥٦] ، فيجتمع الخوف والطمع، فالعادة أنك لا تخاف من إنسان مع كونك تطمع فيه، ولكن المولى سبحانه هو القادر على هذا وهو محله، أنت في حياتك دائر بين الخوف والطمع، وكما قالوا: مطالب العقلاء في أحد أمرين: جلب نفع أو دفع ضر. هل عندك طلب في حياتك أكثر من أن تجلب لنفسك نفعاً أو تدفع عن نفسك ضراً؟ لا يوجد. الذي يهمنا في هذا أن الشخص عندما يقوم في جوف الليل ويسأل ربه، فإنه إما أن يقول: أعطني أو اكفني: أعطني دنيا أعطني ديناً أعطني ولداً أعطني صحة أعطني رضاك أعطني الجنة أو: اكفني شر نفسي شر الشيطان شر المعصية شر خلقك شر كل ما تعلم أنه شر يا ألله. ولذا من الآثار: أسألك من خير ما سألك منه نبيك ﷺ وما علمت منه وما لم أعلم وأستعيذك من شر ما استعاذك منه نبيك ﷺ ، ما علمت منه وما لم أعلم. إذاً ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾ بأن يكفيهم ما يخافونه، وأشد ما يخافه الإنسان هو النار. ﴿وَطَمَعًا﴾ أعظم ما يطمع فيه العبد هو الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم. ولذلك لما أنشد النابغة بين يدي رسول الله ﷺ : بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً قال: إلى اين يا أبا فلان، قال: إلى الجنة، قال: إن شاء الله، وقصة ربيعة بن كعب مع الرسول ﵊ عندما قال له الرسول ﷺ : (يا ربيعة سلني. قال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال له ﵊: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود) .

стр. 624

متى يغلب جانب الخوف على الرجاء والعكس ؟ وهنا يذكر بعض العلماء: أن الإنسان عند أول عمره وشبابه الأفضل له أن يغلب جانب الخوف على جانب الرجاء؛ لأن جانب الخوف يجعله يبتعد عن المعاصي، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] ، وإذا كان في منتهى العمر وحالة الضعف فليغلب جانب الرجاء، لأنه كما في الحديث: (أنا عند ظن عبدي بي) ، (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) . وجاء عن الحجاج لما حضرته الوفاة، فعاده بعض من يتشفى به، فلما خلا بنفسه قال: يا ألله، كل الناس يسيئون الظن بي، وأنا أحسن الظن بك يا ألله. إذاً: يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، أي: منهم من يدعو ربه خوفاً، ومنهم من يدعو ربه طمعاً، بل إن الإنسان في ذاته يكون ساعة في خوف وضيق وحرج، فيسأل الله الفرج، كالثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فدعوا ربهم لينجيهم. وكذلك إذا كان في سعة من العيش، وإذا كان بعيداً عن الضيق، فإنه يسأل الله ربه العافية، ويسأل ربه طمعاً في الخيرات. إذاً: (خَوْفًا وَطَمَعًا) تدور عليها مطامع العقلاء، وتتوزع عليهما أحوال الداعين، سواءً كانوا في مقتبل العمر أو في منتهاه، أو كانوا في ضيق أو في سعة، والآية جمعت بهذين اللفظين اللذين عليهما مدار السؤال كله أينما كان، وكيفما يكون. وصلى الله وسلم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 625

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [٤]

стр. 626

تيسير الخير لمن وفقه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فلا زلنا عند حديث معاذ، ولنا وقفة عند قوله ﷺ : (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله) ، قوله ﷺ : (على من يسره الله) ، فيها وقفة ضراعة وإنابة، ووقفة عودة العبد إلى ربه، وقفة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] . لنعلم أيها الإخوة أن حقيقة التوفيق بيد الله، فكم من قوي في بدنه يشق عليه أن يركع وينحني لله، وكم من غني في ماله تشح نفسه أن تجود بدرهم في سبيل الله، وصدق الله العظيم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] ، والخشوع عمل القلب، و (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء) . قوله: (وإنه ليسير على من يسره الله) : فمن وجد نفسه على طريق مستقيم وتيسرت له عبادة ربه فليحمد الله، ولا تغرنه نفسه، وليعلم أن هذا تيسير من الله له، وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه يقول: والله إني لا أهتم لإجابة الدعاء فقد وعد الله بها، ولكني أهتم للدعاء نفسه، فإذا وفقت للدعاء فقد استجاب الله لي. حتى الدعاء فإنك ترفع أكف الضراعة إلى المولى تسأله من خيري الدنيا والآخرة، فتلك نعمة من الله عليك.

стр. 627

فتح أبواب الخير لمن أراد الزيادة ووصلنا في هذا الحديث أيها الإخوة إلى أبواب الخير، وذكرنا منها: (الصوم جنة) ، والصوم له باب في الجنة يقال له الريان يدعى منه الصائمون. وذكر الرسول ﷺ باباً لمن يقوم الليل، وباباً لمن يتصدق في السر، وباباً لمن يجاهد، وكما هو معلوم أن أبواب الجنة ثمانية، يدعى كل جنس وطائفة من باب خاص بهم، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله! ما على من يدعى من تلك الأبواب ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم) وإن لم يكن أبو بكر منهم فمن يكون؟ الصديق الذي يقول ﷺ في حقه: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم) ، فلا يستبعد أن يدعى منها كلها. قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ لماذا؟ ﴿قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤] . فهو أمة وهو إمام، وذلك لأنه ابتلي فوفى، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] ، ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٤-١٠٧] . فقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ كان هذا البلاء بالتكاليف التي كلِّف بها، وقد ابتلاه الله ولم يبتلِ أحداً كما ابتلى إبراهيم ﵇. وقد توقفنا عند قوله ﵊: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل) ، والمقصود بالصلاة في جوف الليل: صلاة النافلة، كما كان الكلام على الصوم وعلى الصدقة فكذلك الصلاة، أي أن أبواب الخير هنا هي للنوافل، وما ذكِر في أول الحديث عند قوله: (تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت) ، يخص الفرائض، وأما الشهادتان فداخلة في قوله: (تعبد الله لا تشرك به شيئا) . وأبواب الخير هنا هي التزود من النوافل، وأشرنا إلى أن الفريضة محدودة، وأن النافلة مجالها واسع، ونجد أن الإسلام جعلها من درجات التفاضل بين العباد، فعلى حسب همة العبد ويقينه يكون أخذه منها.

стр. 628

حكمة الله في تكليف عباده بما يطيقون وجوباً وبما زاد تطوعاً وهنا نقطة أود أن تظهر وتنكشف لنا جلياً، وهي أن الإسلام يضع حداً أدنى يستوي فيه الجميع، ثم يترك المجال مفتوحاً، ويجعل سلَّم العروج إلى الملأ الأعلى مفتوحاً، وكل بحسب استطاعته وقدرته، كما جاء في قارئ القرآن أنه إذا جاء يوم القيامة يقال له: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها) ، فكل آية يقرؤها يصعد درجة، ويقف عند آخر آية يقرؤها، فكذلك أعمال الخير، يكون لها حد أدنى يستوي فيه التكليف للجميع، وأما الحد الأعلى فكل بحسبه، والتسابق والمنافسة في فضائل الأعمال باب مفتوح. نأتي أولاً إلى نص القرآن في الصوم، نعلم جميعاً بأن الله افترض الصوم بالتدريج، وكان فيه التخيير، ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٣-١٨٤] ، كلمة (يطيقونه) ربما يجد طالب العلم في بعض التفاسير زيادة لفظة (لا) فيكون المعنى: (لا يطيقونه) ، وقراءة علي رضي الله تعالى عنه تفسر المعنى: (يَطَّوَّقُونَه) بين قولهم: والشخص يَطَّوَّق الفعل، ويُطِيْق الفعل، فرق بعيد، فالذي يطيقه أي أنه في طاقته وحدود قدرته، لكن (يَطَّوَّقه) بوزن يتفعَّلهن، والمعنى: يستطيع أن يأتي به ولكن في أقصى درجات الطاقة، والمقصود من الآية: والذين يجهدهم الصوم مع القدرة عليه فعليهم فدية -هذا كان أولاً- ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ، فهذا حد أدنى للجميع، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] ، أي: أطعم أكثر من مسكين بأن أطعم اثنين أو ثلاثة أو أكثر، على قدر جهده وطاقته، فذلك خير له. ثم رجع إلى الصوم، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] ، فهذا في التطوع، لأن الصوم يرجع على النفس. نأتي في المعاملات ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] ، ثم قال بعدها: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ﴾ [النحل:١٢٦-١٢٧] ، فيعطيك حد المساواة الأدنى: من اعتدى عليك فلك الحق أن ترد بمثل ما اعتدي عليك، ولكن إن صبرت ولم ترد، ولم تجاز السيئة بسيئة مثلها فقد دخلت باب التسابق في الخيرات ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] ، ويأتي ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] . ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ [النحل:١٢٦] ، أي إن عاقبتم فعاقبوا بالمثلية، ولكن إن صبرتم عن العقوبة لهو خير للصابرين، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل:١٢٧] ، إذاً: هناك تدرج. وإذا جئنا في هذا المجال عند الأدباء أو عند علماء الاجتماع في المعاملة بالمعروف أو بالإحسان أو بالمقاصة في المعاملة، نجد الشاعر يقول: إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب تارة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه يقول لك: سامح واعف حتى لا تصير منعزلاً وتعيش وحيداً، يعني اشتر صديقك بأن تصفح عنه، ولكن القرآن يقول: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٦-١٢٧] ، فيدعوك أن تصبر لوجه الله لا للمكافأة، ومن خير ما قيل في هذا عند الأدباء: وكنت إذا الصديق أراد غيظي وأشرقني على حنق بريقي غفرت ذنوبه وعفوت عنه مخافة أن أعيش بلا صديق وهنا يقول تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦] ، أي: هو خير لهم عند الله، فكأن المؤمن يتدرج في الكمال بالعفو والمسامحة لوجه الله لا لعوض يرجوه في المجتمع. وإذا جئنا إلى العبادات نجد جميع نوافل العبادات بابها مفتوح، وكما قال ﷺ : (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) ، والمرأة التي جعلت لها حبلاً في السقف، حتى إذا غلبها النوم كانت تمسك الحبل، فقال ﷺ : (مه! ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد) ، وقال أيضاً: (خذوا من الأعمال ما تطيقون) .

стр. 629

صلاة النافلة من أبواب الخير قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة:١٦] نص في قيام الليل، وهذا باب جديد من أبواب الخير بعنوان الصلاة، الأول كان بعنوان: الصوم، والثاني كان بعنوان: الصدقة، والثالث هنا بعنوان: الصلاة.

стр. 630

هل المرأة داخلة في قوله: (وصلاة الرجل في جوف بيته) وقوله ﷺ : (وصلاة الرجل ... ) هل يؤخذ هنا بمفهوم المخالفة، فلا تدخل المرأة في هذا الحديث، أم أنها داخلة؟ الجواب من المعلوم أن الرجال مقدمون على النساء، وإذا ذكر الرجال في القرآن فالنسوة تبع، إلا إذا جاء نص يدل على خروجهن، ويدل على هذا الدخول أيضا ما جاء في الحديث: (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) .

стр. 631

فضل قيام الليل من المعلوم أن أحاديث صلاة الليل مستفيضة وكثيرة جداً، ويكفي في ذلك سورة المزمل، وهنا الرسول ﷺ يقرأ قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ، أي: في ظلمة الليل. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ، أي: أنهم جمعوا بين الصلاة والزكاة. ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، فلا تعلم أي نفس عملت خيراً ما ستجازى عليه مقابل ذلك الخير، ولا يعلم أي إنسان جزاء أداء فرائض الصلاة والصيام والجهاد في سبيل الله، لكن هنا ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ فلماذا خص قيام الليل بهذا الحكم مع أنه عام لكل عمل؟ الجواب لما كانت عبادتهم خفية على الخلق والناس نيام، كان الأجر كذلك كأنه يقول: أنت عملت لي في خفاء عن العالم، وأنا أخبئ لك أجرك فلا يعلمه أحد والجزاء من جنس العمل. وإذا كنت تعلم أن أجر هذا العمل خفي، لم يطلع عليه أحد إلا الله، فستكون نفسك مشتاقة إليه، بخلاف الشيء المكشوف الذي يعرفه الكل، ولذا كلما كان الأجر خفياً كلما كانت النفس تتطلع إليه أكثر.

стр. 632

صلاة النافلة تجبر نقص الفريضة ومما يجدر التنبيه إليه أن لكل ركن من أركان الإسلام نوافل، وهذه النوافل بمثابة الضمان لما عسى أن يكون في الفريضة من نقص، وذلك مثلما تسافر بسيارة فتأخذ العجلة الاحتياطية معك، فأنت لا تمشي على تلك العجلة الزائدة، لكن من باب الاحتياط، حتى إذا حصل على عجلة من عجلاتها أو إطار من إطاراتها خلل، بدلته بالعجلة الاحتياط الجاهزة عندك، وكذلك نوافل العبادات، كما جاء في الحديث عن الصلاة: انظروا هل لعبدي من تطوع، قالوا: بلى، قال: اجبروا نقص فريضته من نافلة صلاته. يقول ابن عباس: وهكذا جميع الأعمال.

стр. 633

أقسام صلاة النافلة ونافلة الصلاة تنقسم إلى قسمين: راتبة مع كل فريضة، وقسم مطلق، والمطلق منه ما هو مقيد بزمن، ومنه مطلق لا يقيد بزمن. وأهم النوافل رواتب الفريضة، ورواتب الفريضة أيضاً تتفاضل، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات كان يصليها بالليل والنهار) ، وجاء حديث آخر: (من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة) . والعلماء يختلفون في عددها تارة ويتفقون تارة، فيجمعون على ركعتين قبل الفجر، وعلى ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، فهذه عشر ركعات، ثم تأتي الزيادات في الظهر فبعضهم يجعلها أربعاً قبلهاً وأربعاً بعدها، ويأتون بأربع قبل العصر لحديث (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً) ، وكانوا يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة ركعتين، وحديث: (بين كل أذانين صلاة) عام لكل الصلوات. وهناك من يضيف إلى العشر ركعتين قبل العشاء، ثم يأتون بزيادات على ذلك بين المغرب والعشاء، وهي: ست ركعات، وبعضهم يقول إنها صلاة الأوابين، ثم صلاة الوتر تكون بعد العشاء؛ فتلك هي النوافل الراتبة للصلوات الخمس، ولكن آكد هذه النوافل ركعتا الفجر وصلاة الوتر، فقد كان ﷺ لا يتركهما حضراً ولا سفراً. وجاء في قضية وقعة نخلة أنهم لما رجعوا من الغزوة قال ﷺ : من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الفجر؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله. فناموا ونام بلال، وما استيقظوا إلا على حر الشمس، فقام عمر فكبر، وكان جهوري الصوت، ولم يكونوا يجرءون على أن يوقظوا رسول الله ﷺ ، لعله في برحاء وحي، فلما سمع أصواتهم استيقظ، فرأى الشمس، فقال: يا بلال! ألم تقل إنك ستكلأ لنا الفجر. وبعض الروايات تقول: إن أبا بكر كان بجوار رسول الله ﷺ فلما استيقظ على حر الشمس قال: يا أبا بكر! كأني بالشيطان قد جاء إلى بلال وهو مستيقظ أو ينتظر الفجر يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى أخذه النوم. فقال بلال: والله يا رسول الله! لقد أنخت راحلتي وأسندت ظهري إليها، ووجهت وجهي إلى الشرق فإذا بالشيطان يأتي إلي ويهدهدني كما تهدهد الأم طفلها حتى نمت. فقال أبو بكر: أشهد إنك لرسول الله. هنا قال رسول الله: تحولوا عن هذا الوادي فإن فيه شيطاناً، وخرج من الوادي، وأمر بلالاً أن يؤذن، وصلوا ركعتي الفجر أولاً، ثم أقام بلال وصلوا الفجر. والروايات مستفيضة بأنه ﷺ كان في السفر يوتر على راحلته حيثما توجهت به، يذكر ذلك العلماء في باب استقبال القبلة والتسامح فيها في صلاة السفر، ويذكرونه أيضاً في باب صلاة النوافل. فركعتا الفجر والوتر من أهم النوافل، بل إن الأحناف أوجبوا الوتر، لكن الواجب عند الأحناف ليس كالواجب عند الأئمة الثلاثة، فما ثبت بدليل قطعي، أي: بسنة متواترة أو بقرآن فهو فرض، وما ثبت بسنة آحاد فهو واجب. والواجب عند الأحناف يساوي السنة المؤكدة عند غيرهم. إذاً: ركعتا الفجر والوتر من أهم نوافل الصلوات.

стр. 634

الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها وهنا مسألة: هل يصح أن تؤدى هذه السنن في جميع الأوقات، وإذا فاتت هل نقضيها أم لا؟ الأَولى قضاؤها ما لم يكن بعد العصر، لأنه ﷺ كان إذا عملاً أحب المداومة عليه، والنوافل تؤدى في جميع الأوقات ما عدا الأوقات المنهي عنها، والأوقات المنهي عنها سبعة: الأول: ما بين أذان الفجر وصلاة الصبح، فلا يجوز لإنسان أن يتنفل سوى ركعتي الفجر فقط لأنه وقتها، ومن نام عن الوتر فله أن يوتر في ذلك الوقت قبل أن يصلي ركعتي الفجر، فإذا جاء إلى المسجد ووجد الناس يصلون فليدخل حالاً مع الإمام، ثم بعد أن يفرغ من صلاة الفريضة؛ إن شاء صلى ركعتي الفجر، وإن شاء أخرها حتى تطلع الشمس. إذاً: الوقت الأول من أوقات النهي ما بين أذان الفجر وصلاة الصبح، فلا تجوز فيه النوافل إلا ركعتي الفجر لمن فاتته قبل الفريضة، وهو بالخيار. الثاني: عند بداية بزوغ قرص الشمس بالطلوع حتى ترتفع قدر رمح، أي عن وجه الأرض في نظر الرائي، فأول ما تطلع الشمس كأنها تشق الأرض وتخرج منها، فإذا ارتفع قرص الشمس عن سطح الأرض في نظرك قدر رمح، أي طول قامة الإنسان جاز لك أن تصلي بعد ذلك. الوقت الثالث: حينما تكون الشمس في كبد السماء، أي: إذا انتهت من نصف الدورة الشرقي، ولم تبدأ في نصف الدورة الغربي حين تكون في كبد السماء فلا تصح الصلاة. الوقت الرابع: بعد صلاة العصر حتى تتهيأ للمغيب. الخامس: عند بداية نزول القرص في المغيب حتى يتلاشى. السادس: إذا صعد الإمام المنبر يوم الجمعة وبدأ الخطبة، فإنه يمتنع التنفل على الجالس، بخلاف القادم من الخارج فله أن يصلي ركعتين ويتجوز فيهما. هذه الأوقات لا ينبغي لإنسان أن يتنفل فيها، وللشافعية كلام في ذوات الأسباب، والأسباب عندهم مقارنة أو سابقة أو لاحقة. فالسبب المقارن: كصلاة الكسوف، وذلك لوجود الحدث في وقت الصلاة مقارناً لها. والسبب السابق على الصلاة: كمن دخل المسجد، فإنه يؤدي تحية المسجد عند الجمهور ما لم يكن في أوقات الكراهة، وعند الشافعية لا كراهة على ذات سبب سابق. والسبب اللاحق: كمن أحرم، فإنه يندب له أن يصلي ركعتين عقب إحرامه، لكن في غير أوقات الكراهة، حتى عند الشافعية.

стр. 635

كيفية صلاة الوتر والوتر كما يقولون أقله ركعة، وأكثره ثلاث عشرة ركعة، وقد عاب بعض العلماء أن تصلى ركعة واحدة منفردة، واستحبوا أن تصلى قبلها ركعتين. وإذا صلاها ثلاثاً قال الأحناف: يصليها كصورة صلاة المغرب، والحديث عن النبي ﵊ يخالف ذلك، فقد قال ﵊: (لا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب) ، والجمهور يقولون: إذا أراد أن يوتر بثلاث فإن شاء جاء بالركعات الثلاث دون أن يتشهد التشهد الأوسط، وإن شاء أوتر بثلاث ولكن يسلم من ركعتين، ويأتي بالثالثة مفردة، أو يأتي بخمس وهو في الخمس أيضاً بالخيار، إن شاء تشهد بعد كل ركعتين، ويأتي بالخامسة مفردة، وإن شاء صلى أربعاً متصلة لا يجلس إلا في الرابعة، ثم يأتي بالخامسة مفردة، وإن شاء جعلها خمساً متصلة لا يجلس إلا في الركعة الخامسة ويتشهد. وكذلك الوتر بسبع يفعل كما يفعل في الخمس إلى تسع إلى إحدى عشرة إلى ثلاث عشرة، هذه كيفية الوتر. وجاء عنه ﷺ : (من لم يوتر فليس منا) ، (أوتروا يا أهل القرآن) ، إلى غير ذلك من النصوص التي جعلت الأحناف تقول إنه واجب. وهناك نوافل أخرى لا علاقة لها بفريضة، منها قيام رمضان، فهو مستقل بذاته، وقيام رمضان له بحث طويل، وأقل ما يقال فيه: إنه سنه ثابتة عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، وكان عمر أول من جمع الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح، واستقر الأمر من عمر إلى اليوم عشرين ركعة. وبعد صلاة التراويح يأتي أيضاً الضحى يومياً، وهو نافلة مستقلة، وما عدا ذلك لا حد فيه ولا توقيت. وبعض العلماء كان يتحرى ما بين الظهر والعصر يجعله إحياءً لوقت قيلولة الناس حينما ينامون. ويأتي بعد هذا قيام الليل، قيام الليل ليس فيه حد وليس فيه تقدير، وكما أشرنا أنه كان بعض العلماء والسلف ربما قرأ القرآن كله في ليلة، ثم انتهى به الأمر إلى أنه ربما يقوم الليل كله بسورة الفاتحة. ويذكر أحمد ﵀ في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقرأ القرآن في ليلة، فدعاه رسول الله ﷺ قال بلغني عنك كذا، قال: بلى، قال: (اقرأه في شهر) ، قال دعني أستمتع بقوتي فإني أطيق أكثر من ذلك، قال اقرأه في عشرين في خمسة عشر في عشرة مسند أحمد لا يذكر شيء غير هذا، وغير مسند أحمد يقول انتهى به الأمر إلى ثلاث أو إلى عشر. إذاً قيام الليل ليس فيه حد.
следующие страницы →