Полный текст (863 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فضل قيام الليل
من المعلوم أن أحاديث صلاة الليل مستفيضة وكثيرة جداً، ويكفي في ذلك سورة المزمل، وهنا الرسول ﷺ يقرأ قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ، أي: في ظلمة الليل.
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ، أي: أنهم جمعوا بين الصلاة والزكاة.
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، فلا تعلم أي نفس عملت خيراً ما ستجازى عليه مقابل ذلك الخير، ولا يعلم أي إنسان جزاء أداء فرائض الصلاة والصيام والجهاد في سبيل الله، لكن هنا ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ فلماذا خص قيام الليل بهذا الحكم مع أنه عام لكل عمل؟
الجواب
لما كانت عبادتهم خفية على الخلق والناس نيام، كان الأجر كذلك كأنه يقول: أنت عملت لي في خفاء عن العالم، وأنا أخبئ لك أجرك فلا يعلمه أحد والجزاء من جنس العمل.
وإذا كنت تعلم أن أجر هذا العمل خفي، لم يطلع عليه أحد إلا الله، فستكون نفسك مشتاقة إليه، بخلاف الشيء المكشوف الذي يعرفه الكل، ولذا كلما كان الأجر خفياً كلما كانت النفس تتطلع إليه أكثر.
стр. 632
صلاة النافلة تجبر نقص الفريضة
ومما يجدر التنبيه إليه أن لكل ركن من أركان الإسلام نوافل، وهذه النوافل بمثابة الضمان لما عسى أن يكون في الفريضة من نقص، وذلك مثلما تسافر بسيارة فتأخذ العجلة الاحتياطية معك، فأنت لا تمشي على تلك العجلة الزائدة، لكن من باب الاحتياط، حتى إذا حصل على عجلة من عجلاتها أو إطار من إطاراتها خلل، بدلته بالعجلة الاحتياط الجاهزة عندك، وكذلك نوافل العبادات، كما جاء في الحديث عن الصلاة: انظروا هل لعبدي من تطوع، قالوا: بلى، قال: اجبروا نقص فريضته من نافلة صلاته.
يقول ابن عباس: وهكذا جميع الأعمال.
стр. 633
أقسام صلاة النافلة
ونافلة الصلاة تنقسم إلى قسمين: راتبة مع كل فريضة، وقسم مطلق، والمطلق منه ما هو مقيد بزمن، ومنه مطلق لا يقيد بزمن.
وأهم النوافل رواتب الفريضة، ورواتب الفريضة أيضاً تتفاضل، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات كان يصليها بالليل والنهار) ، وجاء حديث آخر: (من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة) .
والعلماء يختلفون في عددها تارة ويتفقون تارة، فيجمعون على ركعتين قبل الفجر، وعلى ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، فهذه عشر ركعات، ثم تأتي الزيادات في الظهر فبعضهم يجعلها أربعاً قبلهاً وأربعاً بعدها، ويأتون بأربع قبل العصر لحديث (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً) ، وكانوا يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة ركعتين، وحديث: (بين كل أذانين صلاة) عام لكل الصلوات.
وهناك من يضيف إلى العشر ركعتين قبل العشاء، ثم يأتون بزيادات على ذلك بين المغرب والعشاء، وهي: ست ركعات، وبعضهم يقول إنها صلاة الأوابين، ثم صلاة الوتر تكون بعد العشاء؛ فتلك هي النوافل الراتبة للصلوات الخمس، ولكن آكد هذه النوافل ركعتا الفجر وصلاة الوتر، فقد كان ﷺ لا يتركهما حضراً ولا سفراً.
وجاء في قضية وقعة نخلة أنهم لما رجعوا من الغزوة قال ﷺ : من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الفجر؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله.
فناموا ونام بلال، وما استيقظوا إلا على حر الشمس، فقام عمر فكبر، وكان جهوري الصوت، ولم يكونوا يجرءون على أن يوقظوا رسول الله ﷺ ، لعله في برحاء وحي، فلما سمع أصواتهم استيقظ، فرأى الشمس، فقال: يا بلال! ألم تقل إنك ستكلأ لنا الفجر.
وبعض الروايات تقول: إن أبا بكر كان بجوار رسول الله ﷺ فلما استيقظ على حر الشمس قال: يا أبا بكر! كأني بالشيطان قد جاء إلى بلال وهو مستيقظ أو ينتظر الفجر يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى أخذه النوم.
فقال بلال: والله يا رسول الله! لقد أنخت راحلتي وأسندت ظهري إليها، ووجهت وجهي إلى الشرق فإذا بالشيطان يأتي إلي ويهدهدني كما تهدهد الأم طفلها حتى نمت.
فقال أبو بكر: أشهد إنك لرسول الله.
هنا قال رسول الله: تحولوا عن هذا الوادي فإن فيه شيطاناً، وخرج من الوادي، وأمر بلالاً أن يؤذن، وصلوا ركعتي الفجر أولاً، ثم أقام بلال وصلوا الفجر.
والروايات مستفيضة بأنه ﷺ كان في السفر يوتر على راحلته حيثما توجهت به، يذكر ذلك العلماء في باب استقبال القبلة والتسامح فيها في صلاة السفر، ويذكرونه أيضاً في باب صلاة النوافل.
فركعتا الفجر والوتر من أهم النوافل، بل إن الأحناف أوجبوا الوتر، لكن الواجب عند الأحناف ليس كالواجب عند الأئمة الثلاثة، فما ثبت بدليل قطعي، أي: بسنة متواترة أو بقرآن فهو فرض، وما ثبت بسنة آحاد فهو واجب.
والواجب عند الأحناف يساوي السنة المؤكدة عند غيرهم.
إذاً: ركعتا الفجر والوتر من أهم نوافل الصلوات.
стр. 634
الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها
وهنا مسألة: هل يصح أن تؤدى هذه السنن في جميع الأوقات، وإذا فاتت هل نقضيها أم لا؟ الأَولى قضاؤها ما لم يكن بعد العصر، لأنه ﷺ كان إذا عملاً أحب المداومة عليه، والنوافل تؤدى في جميع الأوقات ما عدا الأوقات المنهي عنها، والأوقات المنهي عنها سبعة: الأول: ما بين أذان الفجر وصلاة الصبح، فلا يجوز لإنسان أن يتنفل سوى ركعتي الفجر فقط لأنه وقتها، ومن نام عن الوتر فله أن يوتر في ذلك الوقت قبل أن يصلي ركعتي الفجر، فإذا جاء إلى المسجد ووجد الناس يصلون فليدخل حالاً مع الإمام، ثم بعد أن يفرغ من صلاة الفريضة؛ إن شاء صلى ركعتي الفجر، وإن شاء أخرها حتى تطلع الشمس.
إذاً: الوقت الأول من أوقات النهي ما بين أذان الفجر وصلاة الصبح، فلا تجوز فيه النوافل إلا ركعتي الفجر لمن فاتته قبل الفريضة، وهو بالخيار.
الثاني: عند بداية بزوغ قرص الشمس بالطلوع حتى ترتفع قدر رمح، أي عن وجه الأرض في نظر الرائي، فأول ما تطلع الشمس كأنها تشق الأرض وتخرج منها، فإذا ارتفع قرص الشمس عن سطح الأرض في نظرك قدر رمح، أي طول قامة الإنسان جاز لك أن تصلي بعد ذلك.
الوقت الثالث: حينما تكون الشمس في كبد السماء، أي: إذا انتهت من نصف الدورة الشرقي، ولم تبدأ في نصف الدورة الغربي حين تكون في كبد السماء فلا تصح الصلاة.
الوقت الرابع: بعد صلاة العصر حتى تتهيأ للمغيب.
الخامس: عند بداية نزول القرص في المغيب حتى يتلاشى.
السادس: إذا صعد الإمام المنبر يوم الجمعة وبدأ الخطبة، فإنه يمتنع التنفل على الجالس، بخلاف القادم من الخارج فله أن يصلي ركعتين ويتجوز فيهما.
هذه الأوقات لا ينبغي لإنسان أن يتنفل فيها، وللشافعية كلام في ذوات الأسباب، والأسباب عندهم مقارنة أو سابقة أو لاحقة.
فالسبب المقارن: كصلاة الكسوف، وذلك لوجود الحدث في وقت الصلاة مقارناً لها.
والسبب السابق على الصلاة: كمن دخل المسجد، فإنه يؤدي تحية المسجد عند الجمهور ما لم يكن في أوقات الكراهة، وعند الشافعية لا كراهة على ذات سبب سابق.
والسبب اللاحق: كمن أحرم، فإنه يندب له أن يصلي ركعتين عقب إحرامه، لكن في غير أوقات الكراهة، حتى عند الشافعية.
стр. 635
كيفية صلاة الوتر
والوتر كما يقولون أقله ركعة، وأكثره ثلاث عشرة ركعة، وقد عاب بعض العلماء أن تصلى ركعة واحدة منفردة، واستحبوا أن تصلى قبلها ركعتين.
وإذا صلاها ثلاثاً قال الأحناف: يصليها كصورة صلاة المغرب، والحديث عن النبي ﵊ يخالف ذلك، فقد قال ﵊: (لا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب) ، والجمهور يقولون: إذا أراد أن يوتر بثلاث فإن شاء جاء بالركعات الثلاث دون أن يتشهد التشهد الأوسط، وإن شاء أوتر بثلاث ولكن يسلم من ركعتين، ويأتي بالثالثة مفردة، أو يأتي بخمس وهو في الخمس أيضاً بالخيار، إن شاء تشهد بعد كل ركعتين، ويأتي بالخامسة مفردة، وإن شاء صلى أربعاً متصلة لا يجلس إلا في الرابعة، ثم يأتي بالخامسة مفردة، وإن شاء جعلها خمساً متصلة لا يجلس إلا في الركعة الخامسة ويتشهد.
وكذلك الوتر بسبع يفعل كما يفعل في الخمس إلى تسع إلى إحدى عشرة إلى ثلاث عشرة، هذه كيفية الوتر.
وجاء عنه ﷺ : (من لم يوتر فليس منا) ، (أوتروا يا أهل القرآن) ، إلى غير ذلك من النصوص التي جعلت الأحناف تقول إنه واجب.
وهناك نوافل أخرى لا علاقة لها بفريضة، منها قيام رمضان، فهو مستقل بذاته، وقيام رمضان له بحث طويل، وأقل ما يقال فيه: إنه سنه ثابتة عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، وكان عمر أول من جمع الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح، واستقر الأمر من عمر إلى اليوم عشرين ركعة.
وبعد صلاة التراويح يأتي أيضاً الضحى يومياً، وهو نافلة مستقلة، وما عدا ذلك لا حد فيه ولا توقيت.
وبعض العلماء كان يتحرى ما بين الظهر والعصر يجعله إحياءً لوقت قيلولة الناس حينما ينامون.
ويأتي بعد هذا قيام الليل، قيام الليل ليس فيه حد وليس فيه تقدير، وكما أشرنا أنه كان بعض العلماء والسلف ربما قرأ القرآن كله في ليلة، ثم انتهى به الأمر إلى أنه ربما يقوم الليل كله بسورة الفاتحة.
ويذكر أحمد ﵀ في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقرأ القرآن في ليلة، فدعاه رسول الله ﷺ قال بلغني عنك كذا، قال: بلى، قال: (اقرأه في شهر) ، قال دعني أستمتع بقوتي فإني أطيق أكثر من ذلك، قال اقرأه في عشرين في خمسة عشر في عشرة مسند أحمد لا يذكر شيء غير هذا، وغير مسند أحمد يقول انتهى به الأمر إلى ثلاث أو إلى عشر.
إذاً قيام الليل ليس فيه حد.
стр. 636
حكم صلاة النافلة في السفر
بقي سؤال، وهو: إذا كان الإنسان مسافراً هل يصلي تلك النوافل أم لا؟ كثر السؤال في هذه المسألة، وبعض الأخوة يأخذ بحديث ابن عمر لو كنت متنفلاً في السفر لأتممت الفريضة، ويقول: ليس هناك نافلة في سفر.
قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً) ، وقد ذكر الشوكاني ما استدل به المانعون كـ ابن عمر ومن وافقه، وذكر عن جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يصلون الرواتب في السفر، وذكر عن علي وعن عمر وعن أنس وعن ابن عباس وعن أبي ذر ونسيت اثنين آخرين، ذكر عن سبعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم عمر وعلي من الخلفاء الراشدين، ومنهم أنس وابن عباس حبر هذه الأمة، وأبي ذر كل هؤلاء منقول عنهم بأنهم كانوا يصلون نافلة الرواتب في حالة السفر.
ويناقش العلماء مقالة ابن عمر، يقولون: إذا كانت الفريضة قد قصرت، فهذا تخفيف من الله على العبد، والنافلة متروكة لجهد الشخص، وإن كان يستطيع أن يصليها فأهلاً وسهلا، وإن لم يستطع فهذا أمر عائد له، وليس مكلفاً بها ولا يعاتب على تركها، بل إن كان عاجزاً فإن الله يأمر الملائكة أن تكتب له ما كان يفعل في حال قدرته واستطاعته.
والخلاصة: أن صلاة راتبة الفريضة في السفر أمرها متروك للشخص نفسه، فإن شاء صلاها، وإن شاء تركها، والجمهور مع الأول.
هذا هو الباب الأخير في أبواب الخير التي ذكرها ﷺ .
стр. 637
الكلام على قوله ﵊: (رأس الأمر الإسلام ... )
ولكن أليس هناك أبواب خير أخرى؟ يذكرون الجهاد، ويذكرون الإصلاح بين الناس، ويذكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الحديث اقتصر على تلك الأبواب لأنها في استطاعة كل إنسان.
ثم يأتي بعد هذا ويقول ﷺ : (ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه) ، ما هذه التشبيهات؟
стр. 638
المقصود بالأمر
رأس كل شيء أعلاه، هذا في المحسوس، مثل: رأس الجبل رأس الإنسان وفي المعنويات: أقوم شيءٍ فيه وعماده وأساسه، كما قالوا: الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، فإيمان بلا صبر كجسد بلا رأس.
رأس الأمر: الأمر مفرد أوامر، ويأتي مفرد أمور، تقول هذا أمر ثقيل أو عصيب، وتقول هذا أمر شائع ويتبين هذا من ذاك بصيغة الجمع.
فرأس الأمر: أي الأمور، وقوله ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، أي: ليس عليه تعليمي وتوجيهي وسنتي، فهنا قالوا: المراد بالأمر هنا: الشيء الجامع الذي فيه الكلام، والكلام هنا في أي شيء؟ فيما يدخلنا الجنة ويباعدنا عن النار، أي: في أعمال الإسلام التي ذكرها صلوات الله وسلامه عليه من أركان الإسلام وأبواب الخير، فرأس الأمر كما تقول: رأس المال الذي تتحرك به في السوق هو الإسلام.
وأما ما تقدم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فكلها أركان الإسلام التي لا تقبل أصلاً إلا بعد الدخول في الإسلام، كأن المشرك مهما كان عنده من عمل، ومهما قدم من خير، ومهما فعل يكون جوابه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، لأنه ليس عنده رأس الأمر.
إذاً: رأس الأمر في بدايته الإسلام، فإذا أسلم ودخل في جماعة المسلمين، فكل شيء بعد ذلك يتدارك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، مادام دخل في حيز الإسلام، هذا هو رأس الأمر.
فإذا حصل على رأس مال الإسلام، فله تشغيل رأس المال بالربح في نوع من أنواع الخير وأبوابه، هذه تتمة وتكملة.
ولا ننسى بأن الإسلام أو الإيمان قول وعمل، وليس معنى ذلك أن يدخل في الإسلام ويترك العمل.
стр. 639
التشبيه النبوي للصلاة بالعمود الذي يقوم عليه البناء
ثم قال: (وعموده) ، كأن الأول رأس الأمر، وهنا يقول: (وعموده) ، أي عمود الإسلام، وهو الصلاة، وإذا انتقلنا إلى كلمة عمود، ففيها كما يقول البلاغيون: استعارة مكنية؛ وهي تشبيه شيء بشيء مع حذف المشبه به ويأتي بلازم من لوازمه، كقول الشاعر: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألقيت كل تميمة لا تنفع هل المنية -انقضاء الأجل- لها أظفار؟ أو أن هناك تشبيهاً حُذِف أحد طرفيه، فقد شبه المنية بالأسد، وحذف المشبه به -الأسد- وأتى بلازم من لوازمه -الأظفار-.
وهنا كأنه يقول: الإسلام كالبيت والبيت له عمُد وطنُب، وأهم ما في البيت ليقوم بناؤه، عموده وهو الصلاة، إذاً: كأنه يقول: الإسلام كالبيت، والعمود الذي يرفع هذا البناء إنما هي الصلاة، وقد جاء صحيحاً (بني الإسلام على خمس) .
إذاً: كأن الإسلام بناء، وذلك لأن كل إنسان في هذه الدنيا يحتاج إلى بيت، حتى الحيوانات تحفر لها جُحراً يقيها الحر والبرد والأعداء وكل شيء، فكذلك الإسلام.
بل قد جعل الشرك بيتاً ولكن كبيت العنكبوت، وأي قوام لبيت العنكبوت، والمسلم يعيش في بيت يقوم على عمد وركائز وطنُب، إذاً: هنا تشبيه واستعارة مكنية، فالإسلام كالبيت، والبيت له عمُد، وعمود هذا البيت الذي يقوم عليه إنما هو الصلاة.
إذاً رجعنا للصلاة مرة ثالثة، نجد أنه بدون الصلاة فلا بيت، وإذا كان المرء بلا بيت فإنه يكون في العراء، والصلاة عماد الدين، أي: العمود الذي يقام عليه البيت، ولولا هذا العمود في هذا البناء لما وجدنا أين يوضع السقف، لأنه لا يقيم بيتاً بلا عمُد إلا المولى، ﴿رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢] ، والقدرة الإلهية شيء آخر، جعلت السماء بيتاً ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢١-٢٢] ، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] ، الأيد: القوة، تلك قدرة المولى سبحانه.
стр. 640
مقصد النبي ﵊ من تكرار الصلاة في الحديث ثلاث مرات
إذاً: عمود هذا البيت الذي أوى إليه المسلم وابتناه وسكن فيه يقيه حر الحيرة، ويقيه برد الشك، وهو بيت الإسلام، ولا يقوم هذا البناء إلا على الصلاة، ولهذا جاء في الحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) .
إذاً: يؤكد ﷺ على أمر الصلاة ثلاث مرات، الأولى عند قوله: (تقيم الصلاة) ، والثانية عند قوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) أي: من النوافل.
والثالثة:) وعموده الصلاة) .
ولذا جاء في الحديث أنه أول ما يُسأل عنه العبد الصلاة، فإن قبلت قبل معها سائر العمل.
وليس هنا تعارض بين هذا الحديث وحديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ، فأول ما يسأل عنه العبد من حقوق الله عليه الصلاة، وأول ما يسأل عنه من حقوق الخلق الدماء، وهذا إن لم يقض فيها في الدنيا.
ولذا يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: إن هناك قضايا، لن يقضى فيها إلا يوم القيامة، ربما تكون -كما يقولون- قيدت ضد مجهول، أي: أننا ما عرفنا الجاني، أو أنه تكون هناك ملابسات تجرم البريء وتعفي الجاني.
وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى في باب الجنايات قصة نوردها هنا، قال: كان عند رجل جزار شاتان، وعند الفجر قام ليذبحهما، فذبح واحدة وشردت الأخرى فتبعها، فدخلت خربة، فدخل وراءها فأمسك بها، فإذا برجل يتشحط في دمه في تلك الخربة، ودخل الحرس فوجدوا الجزار والسكين في يده ملطخة بالدم، والرجل القتيل يتشحط في دمه، قالوا: أنت قتلت هذا؟ قال: نعم.
فأخذوه وذهبوا به إلى الوالي، كان في زمن علي رضي الله تعالى عنه، قالوا: هذا ذبح هذا، والسكين في يده، قال: قتلته؟ قال: نعم، وحكم عليه بأن يقتل قصاصاً، وحدد اليوم والساعة لتنفيذ القصاص، وعندما حانت الساعة سيق إلى الميدان ليعدم، وجيء به، والناس مجتمعون، فإذا برجل من وسط الجموع يخرج ويقول: لا تقتلوه، أنا القاتل.
وأُوقف القصاص وذهبوا به إلى الإمام علي، فقال للجزار:: أنت القاتل؟ قال: لا، والله ما قتلته، القاتل جاءكم بنفسه، قال له: فلماذا قلت في المرة السابقة أنك القاتل؟ فقال الجزار: وجدت نفسي في موقف لا ينفع فيه الإنكار مهما أنكرت ومهما أقسمت، فهذا قتيل يتشحط في دمه، وهذه سكين في يدي بدمها، لو قلت دم الشاة أو دم غيرها من يصدقني، فأردت أن أختصر الطريق وأهون على نفسي التعذيب.
قالوا للآخر: وأنت ما الذي جاء بك؟ قال: والله تذكرت، وقلت: الذي قتلته عدو وخصم لي، وهذا المسكين البريء كيف أتسبب في قتله ولا ذنب له، فعظم علي في نفسي أن أتحمل نفسين في وقت واحد -فكأن بذرة الإيمان لا تزال فيه- فقال علي رضي الله تعالى عنه: لئن كنت قتلت نفساً فقد أحييت نفساً، وطلب من أولياء الدم العفو ودفع الدية من عنده.
فالحديثان، (أول ما يحاسب به العبد الصلاة) ، هذا في حق الله، و (أول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء) ، هذا في حقوق العباد، وهي الدماء والأعراض والأموال، لكن الدماء قبل كل شيء.
وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 641
شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [٥]
стр. 642
ذروة سنام الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فلا زلنا عند قوله ﵊ لـ معاذ: (رأس الإسلام.
وذروة سنامه الجهاد) .
وإذا تأملنا في هذا الحديث النبوي الشريف وجدنا أنواع التشبيهات والاستعارات، أولها: الإسلام كالرأس للإنسان، والثاني: الصلاة كالعمود للبيت الذي يقوم عليه، والثالث: الجهاد كسنام البعير (وذروة سنامه الجهاد) ، وبتأمل هذه التشبيهات الثلاثة نجد كل مثال في موضعه يعطي حكم موضوعه.
стр. 643
روعة البلاغة في كلام النبي ﵊
رأس الأمر الإسلام لأن الجسم بلا رأس لا قيمة له، فهو جثة هامدة، وكذلك كل الأعمال بدون الإسلام وإعلان الشهادتين لا قيمة لها.
والبيت بعموده، فكذلك الصلاة هي عماد الدين، وقد جاء في الحديث أنه بني الإسلام على خمس، وذكر ﷺ الصلاة، وبيّن في أحاديث أخرى بأن ذاك البناء لا يقوم إلا بالصلاة: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ، واعتنى بها ﷺ في تنشئة الصبيان والأطفال والناشئة فقال: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) ، إلى آخر ما يتعلق بهذين المثالين.
وإذا جئنا إلى سنام البعير نجد أحوال المسلمين وموضوع الجهاد أشبه ما يكون بسنام البعير، لأن السنام هو ذروة البعير وأعلاه، وسِمَن السنام عنوان على صحة البعير وقوته وخصب مرعاه، وضعف السنام واضمحلاله يدل على ضعف البعير وقلة مرعاه وهكذا الأمة الإسلامية كلما قويت شوكتها سمنت ذروة سنامها، وكانت في أقوى ما تكون وأكمله.
وإذا ما تضعضعت، ذاب السنام ولصق الجلد بالعظام، وهكذا ذروة السنام.
ومن ناحية أخرى نجد أن الأعمال بدون الإسلام لا قوام لها، وكذلك البيت بلا عمد لا ظل ولا إيواء، بل هو طنب مطوية أو لائطة بالأرض، أما السنام فقد يسمن ويكبر، وقد يهزل ويصغر والبعير قائم على حاله، كذلك الجهاد بالنسبة إلى الإسلام تارة فتارة، تارة يكون واجباً فرض عين، وتارة يكون مندوباً إليه، وتارة يكون فرض كفاية، فتتغير أحوال الجهاد في الأمة كما يتغير حال السنام في البعير.
والجهاد كما يقول العلماء: بذل الجهد، وهو أقصى ما يستطيعه الإنسان، تقول: فلان يجتهد في حمل الصخرة، ولا تقول يجتهد في حمل النواة، لأن النواة لا تحتاج إلى بذل جهد، تقول: أخذ الكتاب بيده، وتقول: حمل الكيس الكبير أو حمل الصخرة الثقيلة بعد جهد جهيد.
ومن هنا أخذ الاجتهاد في مسائل العلم، وهو: بذل الطاقة والجهد في البحث والتنقيب، فكذلك جهاد العدو، لأن المجاهد يبذل غاية جهده وطاقته ليتغلب على عدوه، وليس بعد الدفاع عن نفسه والظفر بعدوه من جهد، ومن هنا كان الجهاد شاقاً وثقيلاً على النفس؛ لأنه يكلفها أقصى جهدها وطاقتها.
стр. 644
ميادين الجهاد في سبيل الله
أما ميادين الجهاد فأعلاها وأقواها ميادين الكر والفر وقتال العدو الكافر، وبعضهم يقول: طلب العلم ومعرفة الحلال والحرام، ولذا يقولون: يوم القيامة يكون مداد العلماء ودماء الشهداء سواءً بسواء.
والواقع أن القضية نسبية، والقرآن سوى بين الأمرين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢] ، أي: لا يمكن أن ينفروا جميعاً لأنهم يتركون الذراري، ويتركون العجائز ويتركون الأعمال والزراعة والإنتاج، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] ، فندب القرآن لطائفة أن تنفر في سبيل الله، وطائفة أن تنفر في طلب العلم.
واستدل القائلون بأن طلب العلم أهم من الجهاد بأنه -أصلاً- لن يجاهد إنسان إلا بعد العلم والمعرفة، ولن يرسم طريق الجهاد الصحيح إلا العلماء، وعليه طلب العلم أولاً ثم الجهاد، وليس كل واحد منهما يعطل الآخر.
ثم أيضاً الجهاد يكون بالسنان وباللسان وبالمال وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠-١١] ، فقدم الأموال، والعادة أن التقديم له تأثير، فكيف يقدم المال على النفس، والجندي المجاهد هو الشهيد؟
و
الجواب
لأن الجهاد بالمال أعم وأشمل، وهو جهاد الصغير والكبير والمرأة والرجل، وكل من يملك المال يمكن أن يتبرع، وماذا يفعل الرجل بنفسه إذا لم يجد ذخيرة أو زاداً يتزود به؟ وخاصة في مثل أيامنا، حيث صارت الحرب حرب اقتصاد والغلبة غلبة إنتاج، وليست كثرة رجال وصليل سيوف، أصبحت الآن المعدات الحربية والتكتيك العسكري له تأثير عظيم، وقد كان الاعتماد سابقاً على قوة الرجال، أما اليوم فبقوة الآليات، والآليات تحتاج إلى مال لكي تشتريها.
وهكذا تقديم المال يعطي الصورة الحية لسعة مجال الجهاد الحقيقي، ثم يأتي الرجال بعد ذلك.
وميادين الجهاد عديدة، منها: قتال العدو، طلب العلم، حرب المنكرات، جهاد النفس، جهاد الهوى، كل ذلك من ميادين الجهاد، كما أن الجهاد يبحث أيضاً في آلته: الجهاد بالكلمة، الجهاد بالإنتاج، قائد القوات البريطانية في الحرب العالمية الأخيرة كان يأتي بشخصيات غير بريطانيين للجيش فعِيب عليه، فقال: الجندي الذي يعمل في الميدان يحتاج إلى سبعة جنود وراءه لتمويله، من يخبز له، ومن يطبخ له، ومن يخيط لباسه؟ ومن يقدم له عتاده؟ ومن يشغل المصانع التي تمونه بالذخيرة؟ ومن يمهد له الطريق؟ ومن يوصل له حاجاته؟ وكل أولئك جنود يعملون.
وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: (إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة) ، السهم الواحد يُرمى في سبيل الله يدخل فيه ثلاثة الجنة (صانعه، والممد به، والرامي به في سبيل الله .
فهذا الجندي في الميدان وراءه عدة جنود، إلا أن موضوع التموين كان في صدر الإسلام كل جندي يمون نفسه، وكل جندي مدرب قبل أن يأتي الإسلام، فقد كانوا كل يوم في غارة وكل يوم في قتال، فهم مدربون بفطرهم، لحماية أنفسهم أو للبغي والغارة على غيرهم، كما قال الشاعر: وأحياناً على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
стр. 645
دروس الجهاد من غزوة الأحزاب
إذاً: أنواع الجهاد متعددة، وقد ظهر جهاد الكلمة في غزوة الأحزاب بمظهر عجيب، كلمة فعلت أكثر مما تفعل الجيوش، فإنه لما جاء الأحزاب -قريش وأحلافها مع غطفان- وعلم ﷺ تحرك المشركين، وحفر الخندق بعد مشورة سلمان رضي الله تعالى عنه، وبهذه المناسبة كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: خطة الخندق خطة فارسية، حينما أخبر ﷺ أصحابه بما عزمت عليه قريش وأحلافها ومجيئهم يستأصلون المدينة كلها، فقال: (أشيروا علي) ، قال سلمان: كنا إذا حوربنا خندقنا، يعني اتخذنا الخندق حولنا، فأعجبته الفكرة وأخذ بها.
وحبذا لو دُرِست غزوة الخندق، من ناحية الأسباب والنتائج ومواقف الناس فيها، لتكون منهجاً في حالة السلم والحرب؛ لأن فيها من المبادئ العسكرية الشيء الكثير، فقد جعل النبي ﷺ الجيش تحت لواءين، لواء للمهاجرين ولواء للأنصار، وقسم الجميع عشرات، في تسلسل هرمي ينم عن عقلية عسكرية فذة.
واختلفوا في سلمان هل يكون تحت لواء المهاجرين أم تحت لواء الأنصار، المهاجرون يقولون: هو منا لأنه جاء مهاجراً من بلاد فارس، والأنصار يقولون: بل هو منا لأنه كان موجوداً حين جاء رسول الله ﷺ ، فيحكم الرسول ﷺ في قضية النزاع، ويقول: (سلمان منا أهل البيت) ، فبأي صلة وبأي رابطة ارتفع نسب سلمان الفارسي، وليس في دمه قطرة دم عربية حتى يصل إلى بيت النبوة!! إلى بني هاشم ذروة النسب والحسب في العرب بأي شيء وصل ذلك؟ هو عبَّر عن هذا فقال: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم أبوك من يا سلمان؟ لم يقل فلان ابن فلان، مع أن أبوه كان من سدنة بيت النار، لكن كل ذلك أُلغي، فقال: أبي الإسلام.
فحفروا الخندق بإشارة سلمان، وحينما هاجر ﷺ إلى المدينة واجه تيارات فكرية مختلفة، وأزمات اقتصادية، فالمدينة محصورة بين لابتين، والإنتاج لا يكفي كل من يأتيها، وليس هناك ميادين عمل، علي رضي الله تعالى عنه يؤاجر نفسه على أن ينزع كل دلو ماء بتمرة، لكن القضية ليست قضية إنتاج واقتصاد، فبدأ ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبين المهاجرين أنفسهم، ووجد المهاجرون قوماً يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فآثروهم بأموالهم واتسعت صدورهم لهم ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر:٩] ، والمهاجرون يتعففون عن أموالهم.
عبد الرحمن بن عوف يقول له أخوه من الأنصار: هلم أقاسمك مالي، ولي زوجتان، فانظر إلى من شئت منهما أطلقها وتعتد وأزوجك إياها.
فيقول: بارك الله لك في مالك وفي زوجاتك، دلني على السوق.
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ، يقابلهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] .
يأتي القسم الثالث: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] .
ومن هنا يقول الإمام مالك ﵀ لما سأله المهدي هل للخوارج حق في الفيء؟ قال: لا، كل من يبغض سلف الأمة وأصحاب رسول الله ليس له شيء من الفيء؛ لأن الله قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٧-٨] ، يقابلهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ [الحشر:٨-٩] .
فمن لم يقل في سلفه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ولم يقل ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] ، فليس له في الفيء نصيب، وكل من كان في قلبه غل لصحابي واحد فليس له في الفيء نصيب.
كان هذا هو المجتمع الأول، ماذا يفعل مع اليهود وهم أصحاب وطن وأصحاب إقامة؟ كتب وثيقة عهد المسلمين وبين اليهود، واليهود ثلاث قبائل، وكل قبيلة لها حلف مع الأوس أو الخزرج.
فعالجها ﷺ بتلك الوثيقة، وأصبح مرد النزاع في المدينة لرسول الله ﷺ .
وجاء في تلك الوثيقة أن على اليهود ألا يعينوا عدواً على المسلمين، وأن يدافع الجميع عن المدينة إذا داهمها عدو من الخارج، لأنها بلد الجميع.
فلما جاء الأحزاب نقضوا العهد وعزموا على قتال المسلمين مع المشركين، وبلغ الخبر رسول الله ﷺ فأرسل رجلين فقال: اذهبا وتحسسا، فإن رأيتما حقاً فارمزا لي رمزاً، وإن كان غير ذلك فاجهرا وصرحا، والعلة في عدم تصريحهم بنقض اليهود حتى لا يقع الروع في قلوب المسلمين، فذهبا وجاءا فقالا: عظل والقارة.
وفهِمها ﷺ .
стр. 646
نعيم بن مسعود والأحزاب
في تلك الأثناء جاء نعيم بن مسعود، قال: يا رسول الله إني أسلمت ولم يعلم بإسلامي قومي، فمرني بما تريد؟ قال ﷺ : أنت رجل فرد، يعني لو حملت السلاح ماذا تفعل، كواحد من الجماعة، ولكن ثبط عنا -الحرب الباردة- فذهب إلى يهود وكان حليفاً لهم، قال: يا معشر يهود لقد تورطتم مع أبي سفيان، ونقضتم العهد الذي بينكم وبين محمد، وأبو سفيان جاء بقريش، وجاء بالعرب من مكة ليس له هنا عشيرة ولا أموال ولا رباع، إن وجدها له استمر، وإن وجدها عليه رجع وترككم مع الرجل ولا طاقة لكم به قالوا: فماذا نفعل؟ وأنت صديقنا فماذا تنصحنا؟ قال: أنصحكم أن تتثبتوا من أبي سفيان، قالوا: بأي شيء؟ قال: اطلبوا منهم أربعين رجلاً يكونون عندكم كرهائن حتى لا يفر ويرجع ويترككم.
قالوا: صدقتنا.
وذهب إلى أبي سفيان فقال: يا أبا سفيان! إن اليهود ندموا على نقض العهد مع محمد، ولن يقاتلوه معك، وقد فكروا في مكيدة وسيطلبون منك أربعين رجلاً رهائن، ليقدموهم لمحمد ليضرب أعناقهم تكفيراً عن خطئهم في نقض العهد، قال: وما الرأي؟ قال الرأي إذا طلبوا منكم فلا تعطوهم.
قال: صدقتنا.
ومن الغد -وكان ذلك يوم جمعة- أرسل أبو سفيان لليهود طال الحصار، ونريد أن نناجز الرجل، فقالوا: لا يا أبا سفيان، تعلم أن يوم السبت لا نعمل فيه شيئاً، وتعلم ما وقع لأسلافنا في يوم السبت.
معلوم أن الله مسخهم قردة وخنازير كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] .
فقالوا: يوم السبت لا عمل، ومع ذلك أيضاً لن نقاتل محمداً معك حتى تقدم لنا رهائن، لئلا تتركنا وتذهب عنا ونبقى مع الرجل وحدنا، فقال أبو سفيان: صدقنا نعيم.
فقال أبو سفيان: والله ما نعطيكم رجلاً واحداً، فقالوا: صدق نعيم.
ومن الغد وقع النزاع بين الفريقين، وحصلت الفرقة بينهما.
فكلمات قليلة عملت أعظم مما قد يعمله جيش بأكمله، وكانت النهاية أن الله رد المشركين بغيظهم لم ينالوا خيراً، وأرسل عليهم الرياح تطفئ نارهم وتكفأ قدورهم وتهدم خيامهم إلى آخره.
إذاً: (ذروة سنامه الجهاد) ، الجهاد يكون بالمال، وبالنفس، وبالكلمة.
وقد يكون بأكثر من هذا، ولكن كل ما يمكن أن يخطر في بالك يدخل في باب المال، تقدم المستشفيات، تقدم العلاج، تقدم السلاح، تقدم اللباس، تقدم أي شيء للغزاة في سبيل الله، يقول ﷺ : (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا) .
стр. 647
من أحكام الجهاد
стр. 648
جهاد النفس
وهناك كلام في جهاد النفس لبعض العلماء، ويستدلون بحديث يتفق العلماء على تضعيفه (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) ، وهو جهاد النفس.
والمعنى صحيح ولكن ليس على هذا الأساس، حقيقة الجهاد الأكبر جهاد النفس، من حيث إنك تجاهدها في العبادات على الإخلاص في العمل، وتجاهدها على أداء الواجب من إقام الصلاة التي قال الله عنها: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة:٤٥] فتحتاج إلى جهاد.
الصدقة يقول ﷺ : (ما تصدق إنسان بدرهم حتى يفك عنه سبعين لحي جمل) .
فالشح كأنه بمثابة سبعين جملاً، يمسكون على المنفق ليردوه عن نفقته، ولا يتصدق التصدق إلا بعد انفكاك منها، ولن يكون ذلك إلا إذا كان عنده يقين وإيمان وتصديق بما سيعوضه الله من الأجر عن صدقته يوم القيامة.
ولهذا قالوا: جهاد النفس مقدم على غيره من أنواع الجهاد، وقال بعض العلماء بتقديم جهاد العلماء؛ لأن الأصل أن الشخص لن يحمل السيف بيده ويذهب إلى المعركة إلا بعد جهاد داخلي يقتنع عن طريقه بحقيقة الجهاد الخارجي، أما أن نترك الجهاد للعدو، ونعتكف ونجلس لنهذب أنفسنا ونروضها ونترك قتال العدو، فهذا لا يقوله عاقل.
والقرآن أشار إلى أمر عجيب، يرجع إلى هذه القضية ويبين أن جهاد النفس وإصلاحها هو المرتبة الأولى، لكنه لا يكون مقدماً عملياً على جهاد العدو.
أعتقد أن أكبر غزوة في الإسلام هي بدر الكبرى، مع أن صلح الحديبية كان فتحاً، لكن بدراً كانت غزوة غير متوقعة، بل كما قيل: كانت بدر بقيادة السماء.
ومن المعلوم أن كل غزوة لا بد لها من مقدمات، ولا بد لها من تهيئة، ولا بد لها من سوابق، إما أن تفرضها أنت أو تفرض عليك، وفي كلتا الحالتين تكون عالماً بظروف العدو عدداً وعدة وزماناً ومكاناً ودوافع، وبدر بخلاف هذا كله، فإنهم خرجوا لعير يأخذونها، وليس فيها إلا أربعين رجلاً، فخرجوا خفافاً: (من كان ظهره حاضراً فليركب) ، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، فيندبهم النبي ﷺ لذلك، ليستردوا بعضاً من أموالهم التي تركوها في مكة وأخذها كفار قريش، إذاً: أخذ المسلمين للعير ليس قطع طريق كما يقول المغرضون في ذلك، بل إعادة للحق إلى أهله.
خرجوا ولكن ذهبت العير وأتى النفير، ويخبر الله عما كان يجيش في صدور الصحابة فقال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال:٧] ، فيأتي النفير، ويشاور النبي أصحابه، فيتفقون على النفير، ثم يأتي أرض المعركة، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] ، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَان مَفْعُولاً﴾ [الأنفال:٤٤] ، حتى الحِس يختلف، ترونهم قليلين، ويقللكم أيضاً في أعينهم، فكما تنظرون إليهم قلة هم ينظرون إليكم قلة، ليطمع الكل في الثاني، سبحان الله! ويصف الموقف:: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] ، منزل المسلمين يكون في العدوة الدنيا، هي أرض رملة تغوص فيها الأقدام، ومنزل المشركين أرض سبخة صلبة قوية، وحينما يتراءى الجمعان ينزل الله المطر من السماء، فتتماسك الرملة وتثبت عليها الأقدام، والأرض السبخة حينما يسقط عليها المطر تصير أرضاً زلقة، فالمطر ينزل فيكون لأقوام نصراً ولأقوام هزيمة، وهذا كله ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢] .
إذاً: ميادين القتال عديدة، ووسائل الجهاد أيضاً متعددة، وجهاد النفس مقدم، وما انتهت معركة بدر إلا والمسلمون أسروا سبعين وقتلوا سبعين، ورجعوا بالغنائم، وقد نزلت الملائكة تقاتل معهم يقودهم جبريل.
وبعد المعركة اختلفوا في أمرين: في الأسارى والغنائم، وقد جاء فيها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] ، وأول حديث عن غزوة بدر لا يتكلم عن الانتصارات ولا عن الصبر ولا عن الثبات، إنما تكلم عن الأنفال أنها لله وللرسول، وأنتم اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم سبحان الله، أي: قبل أن تنتصروا على العدو لا بد أن تنتصروا على ذات بينكم، لأن الجماعة إذا لم تكن مصلحة ذات بينها ومتلاحمة كالجسد الواحد وكالبنيان، فلن تستطيع أن تنتصر على عدوها فمن لم ينتصر على داخليته، ويحسن الارتباط بينه وبين أخيه، لن يستطيع أن ينتصر على عدوه الخارجي ولا أن يصلح غيره من بعده.
إذاً: لا شك أن جهاد النفس هو المبدأ، حيث ينطلق بعد إصلاح نفسه إلى قتال العدو، ولا أقول بترك قتال الأعداء، والجلوس لترويض وتهذيب أنفسنا في المساجد أو في المعتكفات، ونترك العدو يحتل الديار، لا يقول هذا عاقل أبداً.
стр. 649
منزلة الجهاد في سبيل الله بين الأعمال
بقي حكم الجهاد في سبيل الله، قلنا: إن أنواع الجهاد كثيرة، منها جهاد في طلب العلم، جهاد في العبادة، جهاد للعدو، وكلٌ بحسبه، وقد ثبت في الحديث: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله) .
وجاء إليه آخر فقال: (أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: إيمان بالله، قال ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين) .
وجاء آخر فقال: (أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: إيمان بالله، قال ثم ماذا: الصلاة على وقتها) .
سبحان الله سؤال واحد والإجابة مختلفة جهاد، بر والدين، صلاة؛ لأن كل شخص له ما يلائمه، أو أن كل زمن له جهاده، فإذا كانت المعركة مقبلة، فالأفضل أن تحمل السلاح، وإذا كان سلماً ورأيت شخصاً عاقاً أو مقصراً في حق والديه فالأفضل أن تأمره ببر والديه، وإن جدت شخصاً مقصراً عن أداء الصلوات في أوقاتها أمرته بالمحافظة على الصلاة في أول وقتها.
إذاً: المفتي طبيب يصف الدواء على حسب الحاجة، فمن كان أهلاً لحمل السلاح وجهناه للسلاح، ومن كان ذا أبوين يحتاجانه وهو مقصر في حقهما وجهناه إلى والديه، وهكذا في أمر الصلاة، بل ونقول في جميع الأمور، كل بحسب صلاحيته.
وأشرنا سابقاً إلى الشاب الذي خرج على المسلمين والرسول ﷺ في مجلسه مع أصحابه، وكله نشاط وحيوية، فقال أحد الجلساء: لو كان هذا في سبيل الله -أي: لو كان هذا النشاط وهذه الطاقة توجه إلى سبيل الله- فقال ﷺ : (إن كان خرج يسعى على ولده فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياء وتفاخراً فهو في سبيل الشيطان) ، فالرسول ﷺ يجعل الساعي ليعف نفسه أو ليكفها عن الحرام ويعول أسرته -أبويه أو زوجه أو أولاده- في سبيل الله.
إذاً: الجهاد ميادينه واسعة وكل بحسبه.
نأتي إلى الجهاد في الميدان وهو الذي يكثر فيه الكلام وينصرف إليه المعنى عند الإطلاق.
стр. 650
حكم الجهاد في سبيل الله طلباً ودفعاً
يتفق العلماء على أن الجهاد قسمان، ما يسمى الآن بالهجوم، وما يسمى بالدفاع، ويصطلح عليه الفقهاء الجهاد ابتداءً وطلباً، والجهاد دفاعاً وصداً.
فالجهاد الذي هو دفاع عن النفس لا ينبغي لاثنين أن يختلفا في حكمه، لأن في شرعة كل كائن حي أن من هوجم يدافع، أرأيت لو جئت إلى دجاجة معها فراخها وهاجمتها ماذا تفعل معك، أتستسلم لك أم تدافع عن نفسها؟ تدافع.
فالدفاع عن النفس فرض عين حتى عند الدجاج إذاً: هذا القسم لا ينبغي لأحد أن يتكلم فيه.
ولهذا أجمع المسلمون على أن الجهاد قد يكون فرض عين على كل شخص، رجل، امرأة، صغير، كبير، بإذن، بدون إذن، وذلك حينما يداهم العدو بلدة وجب مدافعته على كل مستطيع من أهل تلك البلدة.
بل كما يقولون: حتى لو لم تجد المرأة سلاحاً، فلها أن تدافع ولو بغطاء القِدْر.
الدفاع عن النفس لا ينبغي لأحد أن يتكلم فيه ولا يثير فيه خلافاً، إنما الخلاف والكلام في القتال ابتداءً وطلباً، حينما يذهب المسلمون إلى الكفار في ديارهم ويقولون: الإسلام أو الجزية أو القتال.
فهذا قتال طلبي وهذا الذي شُرِع على المسلمين لكن بتدرج، يقول ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... ) الحديث، إذا القتال ابتداءً مفروض في الإسلام، ولكن حينما تكتمل لهم القوة، ويقدرون على ذلك، وقد أخذ هذا النوع في الإسلام باب التدرج، ففي مكة كان المسلمون يصبرون على التعزير، ويصبرون على العذاب، وربما يموت الشخص تحت التعذيب، ومع ذلك لم ينتصر واحد لنفسه، ولما جاء الأنصار وبايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة قالوا: يا رسول الله! ائذن لنا أن نميل على أهل الموسم بأسيافنا.
فيقول: إنا لم نؤمر بقتال بعد.
لماذا لم يدعهم وتكون هذه مقدمة تخوِّف العرب؟ لأنه لم يؤمر؛ ولأن الوقت لم يحن، فإذا كان المسلمون في حالة تجمع وحالة وحدة وحالة قوة، فرض عليهم أن يذهبوا إلى الكفار ويدعوهم إلى الإسلام، فإن لم يسلموا فالجزية، فإن لم يدفعوها استعانوا بالله وقاتلوهم.
ولكن اليوم كل دولة بحدودها وسيادتها، وكل دولة لا تستطيع أن تتدخل في شئون الأخرى، ولا توجد دولة من الدول تستطيع أن تفعل ذلك وحدها، أخبروني من هي الدولة التي تستطيع أن تذهب إلى روسيا أو إلى بريطانيا أو إيطاليا أو أمريكا وتقول: أسلموا أو الجزية أو القتال؟ إذاً: القتال ابتداءً فرض على مجموعة المسلمين، وفي الوقت الحاضر إذا استطاعوا القيام بالنوع الثاني -الدفاع عن النفس ومجاهدة العدو والاحتفاظ بما بأيديهم- فذلك ظفر كبير.
أما إذا دوهمت دولة من الدول -عربية كانت أو إسلامية- واستنفر إمام تلك الدولة الشعب على قتال عدوه، وجب على الجميع أن ينفر معه، وإذا عيَّن، وقال: عندنا قتال في الجهة الفلانية ويصلح له فلان وفلان وفلان، لخبرتهم أو لمعرفتهم، فيتعين على هؤلاء أن يجيبوا، وكذلك الشخص المتطوع في الحراسة في الثغور، إذا نشبت الحرب وجب عليه أن يشارك، ولا يحق له أن يرجع.
стр. 651
لمن يكون الإعلان للنفير العام ؟
أما ما عدا ذلك فهو فرض كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
وقضية إعلان الجهاد وإعلان الهدنة باب واسع، يقول الماوردي: على الأمة أن تجيب ولي أمرها في أربع حالات: إعلان الجهاد على العدو، وقبول الهدنة معه، ونوع المكيال والميزان، ونوع العملة التي يتعاملون بها.
فإذا أعلن ولي أمر المسلمين حرباً وجب على الأمة أن تساعده، وإذا أعلن قبول الهدنة وجب على الأمة أن تساعده، وإن كان في نظرهم غير مصيب؛ لأن النظر في هذه الأمور لا يكون إلا لولي الأمر، كما وقع في صلح الحديبية، حيث قبل ﷺ شروط المشركين على مضض، ولم يقبلها عمر، وقال له الرسول ﷺ : (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) ، أي: أسير على نور الله من الله، وبتوجيه من الله، فلا ينبغي للأفراد أن يختلفوا على ولي أمرهم إذا أعلن حرباً أو قبل هدنة، أو أنزل عملة ما، أو مكيالاً وميزاناً ما؛ لأن هذا من المصالح العامة التي هي من حق الإمام.
стр. 652
ملاك الأمر كله
ثم بعد ذلك يقول ﷺ لـ معاذ: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله.
الحديث) ، ملاك الأمر: هو جماع الأمر، وما يملك أطرافه وصلبه وحواشيه، كأنه يقول: ما تمتلك به كل ما تقدم.
فأخرج ﷺ لسانه وقال: (أمسك عليك هذا) ، ولم يقل: أمسك عليك لسانك، بل أخرج لسانه ﷺ وأشار إليه بإصبعه، ليجعله في صورة حية أمام معاذ، مع أن معاذاً يعرف اللسان ويفهم الكلام، لكن ليبرز الموضوع عملياً، فقال معاذ: (أوإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟) ، أي: بالصغير والكبير!! قال: (ثكلتك أمك) ، الثكل هو: إذهاب الأولاد حتى لم يبق إلا واحد.
ثم قال: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم -شك من الراوي- إلا حصائد ألسنتهم) ، وهذا تشبيه ثان، الإنسان في الحياة يزرع والحياة مزرعة، والحصاد يكون يوم القيامة، وهذا كقوله ﵊: (الدنيا سوق) ، وقوله: (كل الناس يغدو فبائع نفسه) ، فتارة تكون الدنيا سوق وأنت السلعة، وتارة تكون مزرعة وأنت الزارع، ما تزرع هنا تحصده هناك.
(حصائد ألسنتهم) ، لم يقل: حصاد، بل: حصائد، كأن اللسان يزرع أنواعاً، ومن زرع الشوك يجني شوكاً، ومن زرع الورد يجني ورداً وفلاً.
ومن زرع الخير يجده، ومن زرع غير ذلك يجد ما زرع؛ لا ظلم اليوم.
إذاً: الكلمة هي من أخطر ما يكون، ولا يمكن أن يوفي إنسان حصاد اللسان في لحظات، ولكن لنعلم أن أخطر حصاد اللسان الصدق والكذب، (وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) ، والكذاب مآله إلى النار.
يقول الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: إبليس استحيا من أن يكون كذاباً حينما قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ، ثم قال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] .
لو لم يستثن هذه لكان كذاباً لأن هناك أشخاصاً لا يغويهم، فاحترس لذلك لئلا يكون كذاباً.
وأبو سفيان وهو أشد أعداء رسول الله ﷺ قبل أن يسلم، عندما مُثل بين يدي هرقل، وقال له هرقل: إني سائلك عن هذا الرجل، ويقول لمن معه: كونوا من ورائه، فإن صدق صدقوه، وإن كذب كذبوه.
ثم سأله، فلما خرج من عنده قال: ما منعني أن أكذب وأحقر من أمر محمد عنده إلا أنني خشيت أن يؤثر عني الكذب!! إلى هذا الحد.
إذاً هذا الموضوع مهم جداً، ويكفينا دلالة على ذلك ما قاله ﷺ في التحذير من آفات اللسان -ومصداقاً لذلك فقد قال الشافعي: كل حديث له دليل من كتاب الله- قوله سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .
وأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، ويجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويجعلنا وإياكم من الصادقين، وأن يجنبنا وإياكم الكذب والغيبة والنميمة، وكل ما لا يرضى ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .
стр. 653
شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [٦]
стр. 654
الترهيب من آفات اللسان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا في حديث معاذ الذي جاء فيه: (قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] ، حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٩] ، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم) .
هذا الحديث الطويل الذي بيّن أصول الإسلام، وبيّن الأركان والنوافل وأبواب الخير المتعددة، وشبه فيه الإسلام بالرأس للجسد، والصلاة بالعمود للبيت، والجهاد بالسنام.
ثم بعد ذلك يقول صلوات الله وسلامه عليه: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) ، ملاك ذلك وامتلاك ذلك: هو الشيء الذي يجمع أطراف الشيء، تقول: امتلكت البيت بأي شيءٍ امتلكته؟ بزمامه، بصكه، بمفتاحه.
فملاك الأمر: قوامه الذي به تجتمع أطرافه كلها، وهنا يقول معاذ: (بلى يا رسول الله) ، فيأتي ﷺ إلى اللسان ويشير إلى لسان نفسه، ويقول: (كف عليك هذا) ، وكما يقول البلاغيون وعلماء النحو: اسم الإشارة يعين مسماه، أي: للتعيين والتحديد، وكما يقول علماء الوضع: أسماء الإشارة موضوعة لموضوع خاص، فكلمة (هذا) صالحة لكل ما تشير إليه.
ولكن لا يستعمل إلا لفرد واحد معيَّن عند الاستعمال، تقول: هذا الرجل هذا الكتاب هذا العمود فتعيَّن هذا العمود دون عمد المسجد كلها، مع أنها صالحة أن تستعمل مع كل عمود على حدة، ولذا كان التعيين بلسانه ﷺ لأهمية الأمر.
стр. 655
فوات بعض الأحكام عن بعض الصحابة لا بنقص من مكانتهم
فيقول معاذ: (وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟!) ، كأن معاذاً لم يكن يعرف إجابة هذا السؤال وهو الذي قال فيه ﷺ : (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ) ؛ لكن فات عليه أنه يؤاخذ بما يتكلم به.
إذاً: لا غرابة أن تفوت بعض الأحكام على بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، ويعرفها الآخرون، أو لا يعرفونها ويسألون عنها رسول الله ﷺ ، وقد جاءت نماذج عديدة من ذلك، ويستدل ابن رجب وابن القيم وغيرهما بهذا الحديث على أن كثيراً من آحاد الأحكام قد تخفى على بعض الصحابة ثم تتبين لهم بعد ذلك بأن لم يكونوا سمعوا فيها خبراً عن رسول الله ﷺ ، وقد يجتهدون في المسألة ويوفقون إلى طبق ما جاء فيه النص عن رسول الله ﷺ .
وكنا نشير إلى نماذج من تلك النماذج ما وقع بين عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب، كل هؤلاء في المسجد النبوي الشريف اختلف رجلان في هذا المسجد إذا وطئ الرجل زوجته ولم ينزل هل عليه غسل أم لا؟ فقال عثمان: لا غسل عليه، لقوله ﵊: (إنما الماء من الماء) وقال الآخر: عليه غسل، فقال عمر لـ علي: ما تقول أنت يا علي في هذه؟ مسألة في كل البيوت وتخفى عليهم، فيقول علي: علام تسألني وتسأل غيري، وبجوارك أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، إرسل إليهن فسلهن.
فيرسل عمر رضي الله تعالى عنه إلى أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فتقول سلوا عائشة فإنها أعلم بذلك مني.
ويسألونها فتقول: كان ﷺ يفعل ذلك ويغتسل، وقالت: قال ﷺ : (إذا جلس بين شعبها ثم جهدها فقد وجب الغسل) ، وقالت: قال ﷺ : (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل) .
وجاء الخبر إلى عمر فقال: لا أسمح أحداً يقول: لا غسل، إلا جعلته مثلاً لغيره، فقال ابن كعب على رسلك يا أمير المؤمنين! كنا في بادئ الأمر لا نغتسل إلا من الماء -نزول المني-، ثم عُزِم علينا فيما بعد، يعني أن الذي قال: لا غسل عليه، أخذ بما كان في أول الأمر، والذي قال: عليه الغسل، أخذ بما كان في آخر الأمر، وصاحب المقالة الأولى لم يبلغه الحديث الثاني.
وأيضاً: فقد جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال: يا ابن عباس ما لي أرى الناس اختلفوا في حجة رسول الله ﷺ وهو لم يحج إلا مرة واحدة، قال: وفيم ذلك يا بن أخي؟ قال: بعضهم يقول: أهلّ في مصلاه قبل أن ينصرف، وهناك من يقول: أهلّ حينما ركب راحلته، وهناك من يقول: أهلّ حينما صعد البيداء، ولا أدري من أين أهلّ، قال: يا ابن أخي! أنا أخبرك.
أما الذي قال إنه أهل في مصلاه فقد سمع هو ذلك ولم يسمعه غيره، وأما الذي قال إنه أهل حينما استقلت به راحلته فقد سمع ذلك ولم يسمع ما قبله، وأما الذي قال إنه أهلّ حينما استوى على البيداء فقد سمع ذلك ولم يسمع ما قبله، وكلٌ أخبر بما سمع، والكل صادق.
فهذه مسائل قد تخفى، ومما وقع لـ عمر رضي الله تعالى عنه حينما ذهب إلى الشام، وفي طريقه بلغه أن الطاعون وقع بالشام في عمواس، فوقف هل يدخل على الطاعون ومعه أصحاب رسول الله ﵊، أو يرجع عما كان يريد، فاستشار الناس فاختلفوا عليه، يقول ابن عباس: قال لي عمر: ادع من كان هنا من المهاجرين، فجاءوا فسألهم فاختلفوا عليه، فبعضهم يقول: لا تدخل، وبعضهم قال: توكل على الله وادخل، فقال: انفضوا عني، ادع لي من كان هنا من الأنصار، واختلفوا عليه أيضاً، وأخيراً قال: ادع لي مشيخة قريش، فجاءوا فلم يختلف عليه واحد منهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين جئت بوجوه القوم وخيار أصحاب رسول الله ﷺ معك، فلا نرى أن تدخل بهم على الطاعون ونرى أن ترجع، فنادى في القوم: إني مصبح على ظهر.
فلما سمع القوم المنادي ينادي، سمع عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً تلك المشاورات، قال: ما الأمر؟ فأخبروه بما كان، فقال: عندي في ذلك علم عن رسول الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) ، فكبر عمر رضي الله تعالى عنه وحمد الله أنه وافق رأيه ما كان عليه رسول الله ﷺ .
فإذاً جاءنا حديث عن رسول الله ﷺ ، وجاءنا خبر عن صحابي من أصحاب رسول الله يخالف هذا الحديث، فلا يكون ذلك طعناً في الصحابي، ولا يكون طعناً في الحديث يضعفه، ولكن نقول: هذا الحديث رواه صحابي آخر سمعه عن رسول الله ﷺ وهذا الصحابي الجليل الذي لم يوافق ما جاء عن رسول الله ﷺ لم يسمع بهذا الحديث، ولو سمع لكان أسبق الناس إليه.
وعلى هذا يحترم العلماء آراء الصحابة والتابعين، ويلتمسون الأعذار لمن لم تبلغه سنة رسول الله ﷺ .
ونخطو خطوة أخرى إلى الأئمة الأربعة، ونقول لطلبة العلم، ونؤكد عليهم أن يرجعوا ويقرءوا كتاب الإمام ابن تيمية ﵀: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، حيث ذكر فيه أسباب الخلاف وجعلها عشرة، ومنها ألا يبلغه الحديث فيكون معذوراً، أو يبلغه ولكن لم يصح سنده عنده، وقد يصح عند غيره، وقد يبلغه ويصح سنده لكن يتعارض مع ما هو أقوى منه عنده، وقد يبلغه ويصح سنده ولا يتعارض عنده ولكن يختلف في فهمه مع الآخرين.
إذاً: كل هذا من الأعذار التي تكون سبباً في اختلاف الأئمة ﵏ في بعض المسائل، وليس ذلك عيباً، وليس ذلك نقصاً، وليس ذلك من باب الفرقة فيما بينهم.
وهذا معاذ رضي الله تعالى عنه وقد شهد له النبي ﷺ بأنه أعرف الأمة بالحلال وبالحرام، ومع ذلك لا يعلم بأن الإنسان مؤاخذ بكل ما تكلم به، مع أن في هذه القضية قرآناً يتلى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، الرقيب العتيد يحصي عليه ما يقول ليحاسب بمقتضاه، لا أنه يكتب ولا محاسبة! فالشخص العادي لا يفعل هذا صاحب الدكان يأخذ دفتراً ويقيد كل صغيرة وكبيرة حتى يعمل حسابه إذاً: رقيب وعتيد هذا كله يدل على أن كل ما يتلفظ به الإنسان أنه يكتب، ولا يكتب إلا للازم الفائدة وهو المحاسبة عليها.
стр. 656
معنى قول النبي ﵊: (ثكلتك أمك!) نحوه
ثم نأتي إلى جواب الرسول ﷺ : (ثكلتك أمك) : الثكل هو فقد الولد، كما جاء عن بعض الأعراب (ثكل أرأمها ولداً) ، وهي امرأة كان لها ولدان أحدهما فارس شجاع جيد، والآخر عادي مُهمَل، فكان تعنى الأم بالولد النجيب الفارس وتهمل الثاني، فقُتِل الولد النجيب -والمثل موجود في كتب الأدب- فلما قتل النجيب لم يبق إلا ذاك المسكين الضعيف، صارت الأم تحنو على هذا، فقالوا: هنيئاً لك أمك تحنو عليك، قال: ثكل أرأمها ولداً.
أي: ثكلها بولدها الذي ذهب هو الذي جعلها تعطف علي، وقبل هذا ما كانت تسأل عني.
وهنا مسألة: من المعروف أن الرسول ﵊ لم يكن سباباً ولا لعاناً ولا فاحشاً، فكيف يصدر منه في حق معاذ قوله: (ثكلتك أمك) وهو الذي قال له: (والله إني لأحبك؟!) .
يقول العلماء: تلك ألفاظ تقال ولا يراد معناها، وإنما هي عبارات تجري على اللسان كضرب المثل، تعبر عن عدم الرضا، وقد جاء أبعد من هذا، فلما كان ﷺ في حجة الوداع، وبعد أن طاف بالبيت سأل عن صفية -وكانت نوبتها- فقالت له عائشة: إنها حائض.
فقال (عقرى حلقى -لغة قريش- أحابستنا هي؟ ثم قال: أكنت أفضت -طفت- يوم النحر.
قالت: نعم قال: فانفري إذاً) .
فهنا قوله ﷺ : (عقرى حلقى) ، العقر: إصابة بمصيبة، يقولون: عقر الدابة إذا ضرب عرقوبها، والعاقر التي لا ولد لها.
وهل يدعو رسول الله ﷺ على زوجة من زوجاته أن تكون عاقراً لا تلد! هذا أكبر عيب في النساء.
حلقى: يعني حالقة شعر رأسها، والمرأة لا تحلق الشعر إلا في أكبر المصائب، إذاً: هل الرسول يدعو على زوجة من زوجاته بهذه الألفاظ؟ قال العلماء: إنما هي كلمات تجري على الألسنة دون إرادة معناها.
كالوالد أو الوالدة عندما يجري على لسانه بالدعاء على ولده إذا غضب عليه ولا يقصد ذلك.
فهذه أشياء تجري على اللسان غير مرادة، وما هنا كذلك، لكنه يبين عظيم خطر الموقف، لأن هناك لو لم تكن طافت طواف الإفاضة فإنها ستحبسهم أسبوعاً حتى تطهر، والناس كلهم متجمعون ولن ينفر أحد قبل أن ينفر رسول الله ﷺ ، فتحصل مشقة على الناس.
وهنا يستعظم رسول الله ﷺ أن نهمل حصائد الألسنة فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ) .
وهل يكب: إذا سقط الشخص على ظهره يقال له: استلقى على قفاه، وإذا سقط على وجهه يقال: انكب على وجهه، وهنا: (وهل يكب) استفهام، لكن من باب الاستنكار، ولذلك قال: (وهل يكب الناس على وجوههم في النار) ، ما قال يلقيهم، بل قال: يكبهم على وجوههم، لأنه أشد من الإلقاء، أو قال: (على مناخرهم) ، وليس هناك تعارض، لأن المناخر من الوجوه، ولكن ذكر المناخر لأنها موضع الأنفة والكبر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٦] فجعل موضع الأنفة والاستكبار أول ما يلامس الأرض ليعبر عن مدى مهانة صاحبه.
стр. 657
دخول اللسان في أغلب المعاصي
قوله: (إلا حصائد ألسنتهم) فيه تشبيه كلمات اللسان بالزرع الذي ينبت، فليتأمل كل واحد ماذا زرع؟ لأنه لابد غداً أنه سيحصده، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
يقول العلماء: أخطر حديث فيما يتعلق بنطق اللسان حديث معاذ هذا، ثم أخذوا يفصلون بعض العلماء يقول: لا يوجد ذنب ولا توجد معصية إلا ومعها اللسان يتكلم، لكن قد توجد بعض المعاصي بدون اللسان.
وقالوا: أعظم حصائد اللسان المحرمة الكذب والنميمة والغيبة، وأعظمها عند الله الشرك بالله، كمن دعا غير الله، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩-٢٠] .
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم:٢٣] ، والذي سماها هو اللسان، فاتخاذ الند لله ومع الله من حصائد الألسن، ومعها اعتقاد القلب، لكن اللسان هو الذي يعبر عنه إذاً: كل ما في القلب يعبر عنه اللسان.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً وإن كان هذا يقوله علماء الكلام لقضية أخرى، لكن اللسان ترجمان الإنسان.
ويقول آخر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فالإنسان نصفان: نصف مع القلب يريد ويرغب، والنصف الثاني مع اللسان الذي يعبر عما يريد القلب ويرغب فيه.
ولذا الأخبار في هذا الباب طويلة جداً وأجمعها ما جاء في الأحاديث أن كل يوم يصبح الإنسان، تأتي الجوارح وتقول للسان: اتق الله فينا، لأن بك الصلاح وبك الفساد.
стр. 658
استثناء إبليس لئلا يكون كذاباً
اللسان يتكلم والجوارح كلها تتحمل التبعة، ولذا جاء: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) .
فاللسان والقلب مرتبطان، وإذا جئنا إلى قضية الكذب والصدق، نجد بأن كل مخلوقات الله إلا الإنسان بل وذوو المروءة من بني الإنسان أيضاً يتحاشون الكذب، فمن ذلك ما كنا نسمع من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه أنه كان يقول: إبليس يتحاشى الكذب حتى لا تؤخذ عليه غلطة، وذلك حينما قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩-٤٠] ، فقالوا: حينما أقسم بعزة الله ليغوينهم أجمعين، أدرك بأن بعض عباد الله سيفلت منه، فاستثنى وقال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] .
قدمنا سابقاً أن يحيى أو زكريا لقي الشيطان، فقال: أخبرني عن أقسام الناس وتصنيفهم عندك؟ قال: ثلاثة أقسام: قسم أنت وإخوانك الرسل، يئسنا منهم، وعجزنا عنهم.
وقسم استرحنا منهم، لأنهم رهن الإشارة حيثما نشير إليهم يأتوننا، وهم الجهال وصفاتهم كذا وكذا.
وقسم لم نيأس منهم ولم نطمع فيهم.
قال: من هؤلاء؟ قال: بقية الناس الذين نحتال عليهم ويقعون في الذنوب ويرتكبون المعاصي، ونكدسها عليهم، ففي لحظة ينتبه الواحد منهم ويستغفر الله فيغفر الله له؛ فلم نيأس منهم لأننا نقدر عليهم، ولم نطمع فيهم لأنهم يستغفرون! إذاً: الشيطان مع جهده احترز عن الكذب بالاستثناء بين يدي الله سبحانه.
стр. 659
نظرة الجاهلية إلى الكذب
بل من المعلوم أن أصحاب المروءات لا يرون الكذب من شيم الرجال، بل نجد ذلك -أيضاً- حتى عند أهل الجاهلية الذين كانوا على عبادة الأوثان، وخير شاهد على ذلك قصة أبي سفيان حينما كان بين يدي هرقل.
الرسول ﷺ كان قد أرسل بكتب إلى الملوك، وممن أرسل إليهم قيصر الروم، فلما جاءه الخطاب وقرأه وفيه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] إلى آخره، فقال لوزرائه: إذا جاء وفد من العرب فأخبروني، مع أنه كان عالماً بالنجوم، وقد رأى نجم نبي الختان قد ظهر، فقال: أي الأمم تختتن، قالوا: العرب، قال: إذا جاء وفد من العرب فأخبروني، فلما جاء وفد أبي سفيان وجماعة معه، قال: أنتم من العرب؟ قالوا: بلى.
جئتم من الحجاز؟ قالوا: بلى أظهر فيكم من يقول إنه نبي؟ قالوا: بلى.
قال: من أقرب الناس إليه نسباً فيكم؟ قالوا: أبو سفيان.
قال: ادن، واجلسوا أنتم من ورائه، إني سائله أسئلة، فإن صدق فصدقوه وإن كذب فكذبوه.
فقال: إني سائلك عن هذا الذي ظهر عندكم، أكان أبوه ملكاً؟ قال: لا، قال: أكان في قومه من يدعي النبوة؟ قال: لا.
قال: أجربتم عليه كذباً؟ قال: لا.
قال: أقاتلتموه؟ قال: بلى.
قال: كيف كان القتال بينكم؟ قال: سجالاً؛ تارة لنا وتارة علينا.
قال: أخبرني عمن يدخل في هذا الدين، أيخرج منه أحد بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال: أيكذب عليكم؟ قال: لا.
ثم قال: سألتك: أكان في آبائه ملك فقلت لا، فلو كان أبوه ملكاً لقلت يطلب ملك أبيه الضائع.
ثم سألتك: أكان في قومه من يدعي النبوة فقلتَ لا، ولو كان فيهم لقلت: يدعي ما ادعاه غيره.
وسألتك: أحاربتموه، قلت: بلى والحرب سجال، وهكذا شأن الأنبياء مع الأمم.
وسألتك: أيخرج أحد ممن دخل في دينه بعد أن دخل فيه فقلتَ لا، وهكذا بشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب.
وسألتك: أيغدر، قلت لا.
وسألتك: أيكذب، قلت: لا يكذب.
فإذا كان لا يكذب على الناس فلن يكذب على الله.
ثم قال أبو سفيان: ألا أخبرك بما تعلم أنه يكذب؟ قال: وما هي؟ قال: ويزعم لنا أنه أتى مسجدكم هذا، ورجع إلينا في ليلة واحدة، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً في المجيء وشهراً في العودة.
هذه التي وجدها أبو سفيان.
ثم قال أبو سفيان بعد أن خرج من قصر الملك: والله ما منعني الكذب عليه بين يدي هرقل إلا أن يؤخذ عني الكذب.
حينما قال: ألا أخبرك بما تعلم أنه كذَب، وقال: لقد أخبرنا أنه أتى إلى مسجدكم هذا وصلى فيه ورجع من ليلته، هذه أكبر دليل عند أبي سفيان على الكذب، وكان دهقان من دهاقنة بيت المسجد على رأس الملك، قال: نعم وقد علمت تلك الليلة، قال: وما علمك بهذه الليلة.
أبو سفيان يأتي بالقصة من أجل أن يتهم رسول الله ﷺ بالكذب، والله يأتي بالدهقان ليصدق على ما قال أبو سفيان بأنه جاء وصلى ورجع في ليلة.
فقال له الملك: وما علمك بذلك؟ قال: كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، وفي تلك الليلة غلقت الأبواب إلا باباً واحداً، فعالجته، فدعوت الخدم واجتمعنا عليه فلم نستطع فدعوت النجاجرة، -هكذا يقول ابن كثير في القصة- فدعوت النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن الجدار أو السجاف قد نزل على الباب، والليل مظلم ولا نستطيع أن نفعل شيئاً، فدعه إلى الصباح لنرى من أين أُتِي ونصلحه، فتركته على ما هو عليه، ومن الغد في الصباح بادرت إلى الباب فإذا به كالعادة يقفل ويفتح، ونظرت إلى صخرة عند الباب فإذا بها مخروقة وبها أثر دابة، فعلمت أن هذا لا يكون إلا لنبي! والذي يهمنا أن أبا سفيان وهو لا زال على الشرك عدواً للإسلام، يقول: ما كذبت -يعني أحب ما يكون إليه أن يكذب رسول الله عند هرقل يقول: ما منعني أن أكذب على رسول الله إلا خشية أن تؤخذ علي كذبة، فلا يصدقني في خبر بعد ذلك.
فكيف به بعد إسلامه، وهكذا يُسأل ﷺ : أيسرق المسلم؟ فيقول: نعم أيفعل أيفعل حتى إذا سئل: أيكذب؟ فقال: لا.
سبحان الله، والحديث الآخر: (وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) .
стр. 660
بشاعة تصوير الكتاب والسنة للغيبة
وتأتي قضية الغيبة والنميمة، والآثار الكبيرة فيها، يقول تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١٢] .
يشبه القرآن الكريم المغتاب بشخص ذهب إلى المقبرة ونبش القبر وأخرج الميت وانهال عليه يأكل من لحمه، وهذه صورة فظيعة، ويا لفظاعتها! وصورة قريبة من تلك الصورة حكاها النبي ﷺ عندما (كان يمشي مع جماعة من الصحابة، فتكلم شخص بكلمة عن شخص غائب، ثم مر ﷺ بجيفة حمار شائل، فقال: أين المتكلم بكلمة كذا؟ قالوا: هذا هو، قال: انزل فكل من هذه الجيفة، قال: يغفر الله لي ولك، ومن يأكل من هذه؟ قال: للكلمة التي قلتها أشد جيفة من هذه) .
انظر التشبيه العملي، نلاحظ أنه لما سمع ﵊ كلام ذلك الرجل سكت عنه، لكن لما رأى تلك الجيفة تكلم تصديقاً لكتاب الله ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات:١٢] فجعله كمن يأكل من لحم أخيه ميتاً؛ لأن الأخوة تقتضي الحفاظ عليه، والأخوة تمنع من أن تعضه بالفم وهو حي، أو أن تناله بأبسط مكروه، فكيف بأكله ميتاً؟ بل لو كان حياً وبينك وبينه عداوة وقد مات، فلن يبقى للعداوة أثر بعد الموت.
وأما النميمة -عياذاً بالله- فتوقع بين القوم فتناً، والفتنة أكبر من القتل، فقد تقع بين القبائل حروب تأتي على الأخضر واليابس بسببها، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) .
стр. 661
صور ونماذج من مزح الصحابة
وفي المزح قد يبحث الشخص عن كلمة سواء كانت حقاً أم باطلاً ليضحك القوم، أما لو كانت طرفة أدبية، أو نكتة لطيفة، أو كان فيها توجيه، فلا مانع منها، وقد كان الرسول ﷺ يمزح مع أصحابه ولا يقول إلا حقاً.
والصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا أيضاً يمزحون، ومما يروى أن أعرابياً جاء على عهد النبي ﷺ وأناخ راحلته عند باب المسجد، وجاء بعض الصحابة وقالوا: يا نعيمان!! نحن منذ فترة من الزمن ما أكلنا اللحم، قال: فماذا تريدون أن أفعل؟ قالوا: انحر لرجل ضيف عند رسول الله، وسيعطيه الرسول بدلاً عنها من إبل الصدقة، وتكاثروا عليه حتى نحرها، وتقاسموا لحمها، وخرج الرجل من عند رسول الله ﷺ فلم يجد ناقته، فأخبر النبي ﵊ بذلك، فسأل النبي أصحابه عنها، فأخبروه بأن نعيمان ذبحها وفرق لحمها، فدعاه وقال له: ما الذي حملك على هذا؟ قال: الذين دلوك علي هم الذين حرضوني، فضحك ﷺ وأعطى الأعرابي ثمن ناقته من عنده.
لا نقول إن هذا من باب إجازة التسلط على أموال الناس، لا، فالصحابة لم يفعلوا ذلك إلا بمقصد حسن، وبحسن ظن في رسول الله ﷺ ، بخلاف ما إذا كان عن تعد، كما فعل غلمان عندما أخذوا ناقة لرجل من الأعراب، فذبحوها وأكلوها، فلما خرج، قال: من فعل هذا؟ قالوا غلمان حاطب، فلما سئلوا عن علة ذلك، قالوا: كنا جائعين، فغُرم سيدهم قيمة الناقة مثلين، وألزم بالنفقة التي تكفي لغلمانه فلا يجوعون فيعتدوا على أموال الناس.
ففرق بين هذا الذي جاء عن تقصير، وذاك الذي عن حسن قصد أو عن رغبة فيما عند رسول الله ﷺ .
ومن أمثلة ذلك أن الرسول ﷺ لما ظاهر من زوجاته شهراً، وكان عمر في العالية وجاء زميله الذي كان يقاسمه الأيام، فقد عمر بن الخطاب وجاره لهما بستان في العالية، ولا يستطيعان أن ينزلا معاً إلى رسول الله ﷺ لسماع الأحاديث، ولا يستطيعان أن يجلسا معاً ويتركا المسجد، فتناوبا، فيجلس هذا في البستان وينزل هذا يسمع من رسول الله ﷺ ، وحين يأتي في الليل يسمِّعه ما سمع من رسول الله ﷺ ، وغداً ينزل الآخر، وهكذا يتناوبان.
فيوم جلس عمر ونزل صاحبه، فلما عاد إليه قال: يا ويح عمر! قال: ماذا حصل، هل داهم الأعراب المدينة؟ قال: لا، ولكن طلق رسول الله زوجاته.
فنزل عمر وبدأ بـ حفصة بنته، فقال لها: ما بالك طلقك رسول الله ﷺ ؟ قالت: لم يطلقني، فقال لها: فأين هو؟ قالت: هو في العلية.
قال: فماذا حصل؟ قالت: نساؤه طلبنه النفقة.
فطعنها عمر في خاصرتها، وقال لها: أغرك أن جارتك أوضأ منك وجهاً، وأحب إلى رسول الله ﷺ ؟ ثم قال: والله لأصعدن إلى رسول الله ﷺ ولأضحكنه.
فلما صعد قال: السلام عليك يا رسول الله! فرد ﵇.
فسأله: هل طلقت أزواجك يا رسول الله؟! قال: لا.
ولكنهن يطلبنني النفقة.
قال: والله يا رسول الله! لو رأيت بنت فلان -يعني: زوجة عمر - وهي تقول وتقول إلى أن ذكر أشياء ضحك رسول الله ﷺ وقال: ما جئت هنا إلا من طلباتهن كذا وكذا.
فـ عمر رضي الله تعالى عنه تعمد أن يأتي بالأخبار التي تضحك رسول الله ﷺ ؛ لأنه علم أنه غضبان من زوجاته.
وقد جاء عن عمر أنه لقي رجلاً فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! أريد أن أطلق زوجتي.
قال: ولم، قال: لا أحبها، فزجره وقال: ثكلتك أمك، وهل كل البيوت تبنى على المحبة، أين الوفاء وأين المروءة وأين مكارم الأخلاق، وأين وأين حتى رجع الرجل.
ومرة أخرى يأتي إنسان إلى بيت عمر، ثم يرجع من بابه، فيعرف خبره عمر، فيسأله عن سبب عودته من بابه، فيقول: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت أشتكي زوجتي إليك، وكثرة نزاعها معي، فلما وصلت إلى باب بيتك فإذا بي أسمع زوجك ترفع صوتها عليك، فقلت: إذا كان هذا أمير المؤمنين يصبر على زوجه، فلماذا لا أصبر أنا كذلك.
فقال له عمر: وكيف لا أصبر عليها وهي أم ولدي، وفراشي، وحافظة مالي، وطاهية طعامي، ومنظفة ثيابي.
فهذا هو عمر ﵁ الذي جاء يقول إن زوجتي تقول وتقول، حتى ضحك رسول الله ﷺ .
إذاً: الكلمة التي يقولها الإنسان لا يريد إلا أن يضحك القوم دونما غاية وراء ذلك، هذا هو العبث، أما إذا كان لإصلاح ذات البين أو لتفريج هم إنسان، كأن تجد إنساناً يخنقه الغضب، وتحتبس العبرة في عينه، ومع كلمات هادئة أو كلمات لطيفة، تسرِّي عنه كل الذي يعانيه، فتكون هذه أعظم صدقة منك عليه؛ فهذا لا بأس به.
وأعظم ما يكون من ذلك: عندما يتكلم الإنسان في العلماء، ولا يلقي لذلك بالاً، بل قد يكون عن قصد وتدبير.
وكم جاءت الأحاديث أن شر الناس رجل خبب زوجة على زوجها، أو عبداً على سيده، وما ذلك إلا باللسان أو بالكلام.
ويذكرون أن عمر رضي الله تعالى عنه دخل على أبي بكر فإذا به ممسك طرف لسانه -جاذباً له- وهو يقول: تب إلى الله أوردتني المهالك! قال: مه يا خليفة رسول الله ﷺ ، قال: لولاه استرحت.
فإذا كان الصديق رضي الله تعالى عنه يحاسب لسانه عملياً كما يقولون، فكيف يكون بالآخرين؟ وفي قوله ﷺ : (وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال:- على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) ، جعل ﷺ فيه أعمال اللسان زرعاً، والزرع لا بد له من حصاد، فمن يزرع الشوك لا يحصد إلا الشوك، وعلى هذا يكون التشبيه من حيث العمل ومن حيث النتيجة، وكما ذكر ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج مما رآه عند قوم يحرثون ويبذرون فيطلع ويحصدون في يومهم ثم يعود النبات مرة أخرى، وكلما حصدوا طلع النبات، وذكر أن هذا هو الجهاد في سبيل الله، وأنه ثمرة أو حصاد زرعهم.
والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا وإياكم زلات اللسان، وما الغمز ولا اللمز ولا الهمز ولا الاستهزاء ولا السخرية ولا الكذب ولا الغيبة ولا النميمة ولا الفتنة إلا من حصائد اللسان.
وبعض العلماء يقول: واعجبا! اللسان محبوس وراء أربعة جدران، ومع هذا ينفذ منها، أنت تطبق عليه الفكان بأسنانهما، والشفتان بطرفيهما، ومع ذلك يفلت منهما ويأتي بالكلمات التي لا تليق.
ويقولون: كل سهام يمكن تداركها إلا سهم اللسان، فإذا نفذت الكلمة من الشفتين لم تستطع أن تستردها.
نسأل الله تعالى أن يقينا وإياكم شر ألسنتنا، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
وخير ما نختم به هذا الموضوع قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ، يا لسان! قل خيراً فتغنم أو اصمت فتسلم لأنك بين أحد أمرين إن كنت متكلماً فلا تتلكم إلا لتغنم، وإلا فاصمت لتسلم والله تعالى أعلم.
стр. 662
شرح الأربعين النووية - الحديث الثلاثون [١]
стр. 663
شرح حديث: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: [عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره] .
هذا الحديث يعتبره علماء الحديث من أجمع الأحاديث لأحكام الشريعة؛ لأن الرسول ﷺ قسم أحكام الشريعة كلها إلى: · فرائض.
· وحدود.
· ونواهٍ.
· ومباحات.
ولا يوجد حكم في الشرع إلا وهو داخل تحت قسم من هذه الأقسام، ولذا يقولون: هو أجمع حديث لأحكام الشريعة الإسلامية.
стр. 664
تعريف الفرض لغة
قوله ﷺ : (إن الله فرض) : الفرض في اللغة: القطع، ولو جئت إلى فقه اللغة لوجدت التقارب بين القرض بالقاف، والفرض بالفاء، فالفرض: القطع، والقرض تقول: قرض الفأر الثوب بمعنى: أكله وقطعه، وقرض الحبل الحجر: إذا حزَّ فيه من طول اللُبث أو طول الحركة، ومنه: الفرائض (المواريث) فلكل شخص حصة من التركة مقطوعة من رأس المال، وهكذا قالوا: الفرض هو الحد والقطع والتحديد.
ويقول الفقهاء فيما اصطلحوا عليه في أصول الفقه: الفرض والواجب مترادفان إلا في الحج.
والواجب لغة الثابت، فكل ما فرضه الله فهو ثابت، فبينهما ارتباط، ولذا قالوا: هما مترادفان، ومن استدلالهم على أن الواجب: الثابت قول الشاعر: أطاعت بنو بكر أميراً نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب واجب، بمعنى: ساقط وثابت.
وقال في الآية الكريمة عن البُدن: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦] ؛ لأن الإبل والبدن تنحر قائمة، فإذا نحرت سقطت على جنبها، وثبتت في مكانها فلا تبرحه.
стр. 665
تعريف الفرض عند الفقهاء
يقول الفقهاء: الفرض والواجب مترادفان في جميع العبادات إلا في الحج؛ لأن الفرض والواجب سواء، فهما ركنان في العبادة ولا تصح إلا بهما.
والحج فيه الفرض والواجب والركن والواجب.
والركن: جزء الماهية، وليس شرطاً في صحتها؛ ولكن جزء منها.
وفرق بين الركن والشرط، والصلاة فيها ركوع وسجود وقراءة، وهذه الصلاة لا تصح إلا بطهارة وباستقبال القبلة؛ ولكن الطهارة عمل خارج عن عملية الصلاة، تتطهر في بيتك وتصلي في المسجد، وكذلك استقبال القبلة؛ فاستقبال الجهة خارج عن ماهية الصلاة، ثم تكبير وقراءة وركوع وسجود وسلام.
فالركن جزء الماهية، فيقولون: الركن والفرض والواجب كله سواء إلا في الحج، فالركن في الحج: ما لا يتم الحج إلا به، وإذا فات فلا حج، والواجب في الحج يُجبر بدم.
ومثلوا لهذا بالوقوف بعرفة فهو ركن في الحج، وكذا الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة واجب، ورمي الجمار واجب لو تركه يُجبر بدم، والحج صحيح، وطواف الوداع يُجبر بدم والحج صحيح؛ لأنه واجب، خلافاً لـ مالك.
إذاً: الحج فيه أعمال يفوت إن تركت، سواء كانت خطأً أو نسياناً أو عمداً، من فاته الوقوف بعرفات فلا حج له؛ لحديث: (الحج عرفة) ، ويبقى بإحرامه، ويأتي الكعبة ويطوف ويتحلل بعمرة، وعليه الحج من عامٍ قابل، وإذا أخر طواف الإفاضة لم يتم حجه إلى أن يطوف بالبيت؛ لذا قالوا: الفرض والواجب في جميع العبادات سواء ما عدا الحج.
стр. 666
الفرض والواجب عند أبي حنيفة
عند الإمام أبي حنيفة ﵀ اصطلاح في الفرض والواجب، فالفرض: ما ثبت بدليل قطعي من كتاب الله، والواجب: ما ثبت بطريق الآحاد من سنة رسول الله ﷺ ، فمثلاً: عنده زكاة المال: فرض، بينما زكاة الفطر واجب؛ لأن زكاة المال جاءت بكتاب الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، و ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:٥٥] ، والمقصود هنا زكاة المال، سواءً كانت من الحبوب والثمار أو من الذهب والفضة أو عروض التجارة أو بهيمة الأنعام؛ لكن صدقة الفطر إنما جاءت بالسنة عن رسول الله ﷺ .
وكذلك الصلوات الخمس فروض، أما الوتر فهو عنده واجب؛ لأنه ثبت بسنة الآحاد، والجمهور يقولون: الوتر سنة؛ لكن لما كثرت فيه الأحاديث ارتقى عند أبي حنيفة إلى الوجوب، لكن ليس كالفرض، وهو يعادل السنة المؤكدة عند الجمهور.
قوله ﵊: (إن الله تعالى فرض فرائض) ، الجمهور على أن هذه الفروض هي: أركان الإسلام، وما أوجب الله العمل به، فلا شك أن الصلاة واجبة، والطهارة لها واجبة، إذ هي فرض لا تصح الصلاة إلا بها، والزكاة واجبة في جميع أصناف الأموال الزكوية، والصوم واجب، والحج والجهاد واجب بشروط، وهكذا كل ما أمر الله أن يُفعل، ورتب على تركه عقوبة، فهو فرض أو واجب، وكلاهما بمعنى واحد عند الجمهور.
стр. 667
معنى قوله: (فلا تضيعوها)
قال ﵊: (فلا تضيعوها) كأنه يقول: لا تضيعوا الصلاة؛ ولكن بم تضيَّع؟ بأحد أمرين: · إما بتركها حتى يخرج الوقت، وهذا تضييع لها.
· وإما بإتيانه إياها بغير خشوع ولا خضوع ولا تأمل فيها ولا ولا إلى آخره، كما جاء في الحديث: (إن العبد إذا صلى الصلاة بخشوع وخضوع وتلاوة صعدت إلى السماء، ولها رائحة زكية، كلما مرت بسماء قالت ملائكتها: ما هذا؟ قالوا: صلاة فلان، فأخذت تصلي عليه وتدعو له إلى أن تصل إلى عرش الرحمن، وإذا صلى الصلاة وضيعها؛ تأتي فتطرق السماء فلا تُفتح لها أبواب السماء، وتُلف كما يُلف الثوب الخَلِق، ويرمى بها إلى وجهه، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني) ، والتضييع: التفويت، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه حينما حمل رجلاً على فرس له في سبيل الله، ونعلم أن عمر لن يقتني فرساً إلا فرساً يتجاوب مع شجاعة عمر ومع قتاله، فلما حمل على هذا الفرس الجيد الأصيل الرحل الذي حمله عليه، وأخذه هبةً من عمر لم يستطع أن يؤدي واجب هذا الفرس؛ لأن الفرس قد يكلف أكثر من الولد: في طعامه ونظافته وترويضه وأداء واجبه إلى آخره، قال عمر: (فرأيت الذي أخذه قد ضيعه) ، بأي شيء؟ بعدم أداء واجبه، وإهمال حقه.
إذاً: الإهمال تضييع، والصلاة تضيَّع إما بتركها حتى يخرج وقتها، أو بأدائها في آخر الوقت كما جاء في بعض الروايات: (ينظر إلى الشمس حتى إذا ما اصفرَّت قام ونقرها نقر الغراب) ، وإما أن يصليها فرادى في أول وقتها، ويترك الجماعة وهو يستطيع أن يحضرها، أو يصلي جماعة وقلبه مشغول، ولذا قال في الآية الكريمة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] ، يقول بعض السلف: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ ولم يقل: في صلاتهم؛ لأنه قلَّ أن يسلم مسلم من أن يسهو في صلاته بنوع ما؛ ولذا شرع الله سجود السهو تداركاً لما عسى أن يقع من نقص، والإنسان لا يسلم وليس معصوماً من السهو، ولكن فرق بين أن يدخل في الصلاة ويكبر، ثم يذهب يحسب حساب البيع والشراء، ومكسب وربح، ورواح ومجيء، إلى آخره!
стр. 668
وجوب حفظ الفرائض وعدم تضييعها
الفرائض يجب أن تحفظ، جاء في الحديث: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن حفظها وحافظ عليها ... ) ، (حفظها) : أي: بواجباتها، و (حافظ عليها) أي: أداها في وقتها.
وجاء في الحديث: (أي العمل أفضل يا رسول الله؟! قال: إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الصلاة في أول وقتها) .
وجاء سائل آخر فقال له: (.
إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله) .
وجاء ثالث فقال له: (إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين) .
وقد أشرنا سابقاً بأن المفتي يجب عليه أن ينظر إلى شخصية المستفتي، وما الذي يصلح له؟ وهل كانت هذه الأسئلة في أوقات مختلفة؟ فحينما كانوا في حالة جهاد قال: (جهاد في سبيل الله) ، وحينما لم يكن هناك جهاد بل سلم قال: (الصلاة في أول وقتها) ، ولم يكن لهؤلاء أحد من الأبوين، وعندما جاء السائل وله أبوان، وعلم أنه مقصر في حقهما قال: (بر الوالدين) ، فأعطى كل سائل ما يناسبه.
مثلما يأتيك إنسان ويسأل: أي العمل أفضل؟ فتتأمل فيه وتقول له: الجندية؛ لأنك تجد فيه نشاطاً وطموحاً، وهناك إنسان تجد فيه الهدوء فتقول له: البيع والشراء خير لك، وتجد إنساناً آخر فتقول له: العمل في الدائرة الفلانية يناسبك.
وكثير من الجامعات لها برامج، ولها اختيار لبعض الأشخاص، وقد كان الشيخ محمد بن إبراهيم -يغفر الله له- يصنف الفوج الذي سيتخرج من كلية الشريعة أو كلية اللغة قبل أن يتخرجوا؛ على أساس ما يرى فيه من ملامح، وما يصلح له إما لتدريس أو لقضاء أو لتفتيش أو لعمل إداري.
ومما جاء عنه ﷺ في الأفضلية حديث: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله) ثم جعل قرين الإيمان بالله الصلاة على أول وقتها، بل إن الله سمى الصلاة إيماناً، فلما تحولت القبلة وأسف بعض الناس عمن مات ولم يصلِّ إلى الكعبة، وقالوا: ما يكون حال هؤلاء؟ أنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] ، الإيمان موجود؛ لكن سمى الصلاة إيماناً.
حديث -: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة) ، فإذا ضيع العمود أو كان هزيلاً لا يحمل البيت، وإن ضيعته ولو كان قوياً ما بنيت بيتاً، وإن جئت بعود هزيل كان لا قيمة له، وجاء في الحديث: (كم من مصلِّ ليس له من صلاته إلا التعب، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) .
وروي حديث أن امرأتين استأذنتا في الحر أن تفطِرا في غير رمضان، فقال: (تعالَيا، ويأتي بقدح للأولى، فإذا بها تقيء دماً ولحماً عبيطاً إلى نصف القدح، ثم الثانية تكمله، فقال: تصومان عن الحلال والحرام وتفطران على لحوم الناس؟!) ، وقال ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
стр. 669
علاج الوساوس في الصلاة
حظ الإنسان من صلاته ما عقل، وكثير من الناس يشتكي مما يعتريه من الوسوسة في الصلاة وشرود الذهن، فما علاجه؟ نحن وأنتم سواء، هذه أمور تغلب على الإنسان؛ ولكن كما ذكر العلماء: أكبر ما يعينك على نفسك في صلاتك: أن تتمعن وتستحضر معاني ما تقرأ، وتُسمع نفسك، لا أن تمرر القراءة على ذهنك كالتذكار أو كأحلام اليقظة، وتجهر بالقراءة بقدر ما تسمع نفسك فقط، لكي تشغل ذهنك بما تسمع.
قالوا: اتخاذ السترة في الصلاة من أسبابه، فتحجز النظر من أن يطيش أمامك، فإذا كنت قائماً فنظرك في حدود السترة، إذا ركعت كان نظرك في منتصف المسافة ما بين السترة وأطراف أصابع القدمين، فإذا سجدت كان نظرك في أرنبة أنفك من الجانبين، فإذا جلست للتشهد كان نظرك في حدود السترة، وهكذا حاسة النظر تكون محصورة.
أما من حيث حركات الصلاة والهيئات فإنك إذا بدأت بـ (الله أكبر) ورفعت يديك كأنك تركت كل شاغل دنيوي وراء ظهرك، واستدرت بقلبك ووجهك إلى القبلة، ثم قرأت واستمعت، فإذا انتهيت من ركن القراءة وتريد أن تنتقل إلى ركن الركوع ينبِّه الفقهاء بأن التكبيرة التي تأتي عند الانتقال لا تأتِ بها قطعاً إنما ائت بها مداً لتشغل فراغ انتقالك، فأنت قائم لا تقل: الله أكبر وتركع، لا.
بل قل: الله أكبر تبدأ في لفظ الجلالة وتنتهي بالتكبير عند استوائك راكعاً، فتكون في حركة الانحاء إلى الركوع مشتغلاً بلفظة (الله أكبر) ، فإذا استقر الظهر راكعاً اشتغلت بالتسبيح ثلاثاً، فإذا أردت الرفع من الركوع قلتَ: سمع الله لمن حمده، وتستغرق حركة الاعتدال في هذا الذكر، فلا يبقى حينها وقت للوسوسة، وهكذا إذا هويت إلى السجود شغلت حركة الهُوِيِّ بقولك: الله أكبر.
أهم الفروض التي افترضها الله على المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة، قال ﷺ : (فلا تضيعوها) ، بأي شيء؟ · إما بتأخيرها عن وقتها.
· وإما بالتشاغل عن أدائها وعدم إعطائها حقها.
ولكي يساعد الإنسان نفسه بنفسه انظروا إلى سماحة الشرع وإلى التنبيهات اللطيفة: فعندما تكون في مزرعتك، في مصنعك أو مكتبك أو أي عمل كان، فبغتةً تسمع المنادي: الله أكبر، ومهما كنت في أي عمل ستُصغي إلى قوله: (الله أكبر) ، وقد قال لك رسول الله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن -فلا تتركوه وتهملوه وتصكوا آذاناكم- فقولوا مثل ما يقول) ، فإذا كان هو ينادي الناس من أجل حضور الصلاة، فلماذا نحن نردد خلفه؟! من أجل أن نتفاعل، فهو في الأعلى فوق المنارة وبأعلى صوته، والآن وضعوا مايكروفونات، حتى يبلغ أبعد ما يكون.
وحينما تقول مثل ما يقول المؤذن تكون في شبه فترة انتقال، انتقال من عملك وأنت مفرغ جهدك كله، وشعورك وإحساسك كله، مستغرق فيما كنت فيه، فإذا بدأت تقول وأنت في عملك: (الله أكبر، الله أكبر) ، انشغل الذهن بتكبير الله، وتجاوب القلب مع المنادي، فلما يصل إلى (حي على الصلاة) تقول: نعم، الآن يجب أن أترك العمل، و (حي على الفلاح) تقول: إي والله! الصلاة هي الفلاح، وليس في العمل، و (الله أكبر، الله أكبر) تقول: نعم، الله أكبر من كل عمل، و (لا إله إلا الله) تقول: هي التي من أجلها خلقنا، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
فيدُك تترك ما فيها، إن كنت كاتباً تركت القلم، وإن كنت مزارعاً تركت آلة الزراعة، وإن كنت صانعاً تركت آلة الصناعة، وأجبت المنادي، فذهبت تتوضأ، واستعملت الماء، لأي شيء؟ هل أنت حرَّان تريد أن تتبرد؟ هل أنت متسخ تريد أن تتنظّف؟! لا، إنما تجيب (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) وأنت على أحسن حالة، فهي نظافة في الظاهر، وتنبيه للنظافة في الداخل، وأنت في تلك اللحظات سمعت النداء واستجبت إليه وجمعت شعورك وتوضأت وخطوت خطاك إلى المسجد.
جاء في الحديث: (إذا توضأ الإنسان فغسل يديه، تناثرت ذنوب كفيه مع آخر قطر الماء، وإذا تمضمض تناثرت ذنوب فيه، وإذا غسل وجهه تناثرت ذنوبه مع آخر قطر الماء، وإذا غسل قدميه تناثرت ذنوب القدمين، وكان له بممشاه إلى الصلاة بكل خطوة حسنة، ويُمحى عنه بكل خطوة سيئة أو خطيئة، ويرفع له بها درجة، وكانت صلاته له نافلةً) يعني: صلاتك زيادة خير لك عن هذه الحسنات.
فاستحضر من أول لحظة أن قوله: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) إنما هو عملية تحضير للذهن وللقلب، وجمع للشعور، فإذا جئت ووقفت في الصف وقلت: (الله أكبر) ، فحينها فعلاً دخلت على ربك، يقول الحسن رضي الله تعالى عنه: (إذا أردت أن تدخل على الله بلا استئذان وتكلمه بلا ترجمان؛ فأسبغ الوضوء، ثم ائت المسجد واستقبل القبلة وكبر للصلاة) .
مَن استأذنت وأنت داخل من الباب؟ ما استأذنتَ أحداً، فالباب مفتوح، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] ، ثم تدعو بأي لغة كانت، ونحن نرى هذا خاصةً في الحرمين، جميع الألسنة واللغات تقف في صف واحد، وكل يسأل ربه بلغته دون أن يحتاج إلى ترجمان بينه وبين الله، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] .
من ناحية أخرى: انظروا إلى النوافل، فقبل كل فريضة سنة، ربما وفقك الله واستيقظت من النوم مبكراً قليلاً، وسمعت الأذان وأجبت وتوضأت وجئت وفيك نوع من الكسل، فصليت سنة الصبح، ثم أقيمت الصلاة وصليت الفجر.
فحينما أتيت على تلك التهيئة أو التعبئة التي عبأتك إياها كلمات الأذان، ثم جئت وصليت ركعتين كمقدمة أو تهيئة؛ فكأنك قمت بين يدي الله بركعتين زيادة في التهيئة، وليسمح لي الجماعة الرياضيون الذين يقولون: قبل أن يدخل الرياضي الملعب يسخن؛ لأن أعضاءه وعضلاته جامدة، فيأتي ببعض الحركات الآلية العضلية حتى لا يصاب بشد عضلي، ثم يدخل إلى الميدان أو الملعب وهو متهيئ.
فنقول: المسلم يؤدي النافلة قبل الفريضة تهيئةً لقيامه بين يدي الله وهو في أكمل ما يكون استحضاراً، وهذه زيادة تحضير، وسمِّها ما شئت؛ لأنها تعطيك زيادة تنبُّه ويقظة ورغبة فيما عند الله.
فإذا دخلت في الفريضة عفوياً ربما تحتاج إلى شيء من التحضير؛ لكن إذا صليت السنة كان التهيؤ أكمل، وكل فريضة -كما أشرنا- قبلها نافلة، فهذا الفجر له ركعتان قبلية، وتلك الظهر لها ركعتان أو أربع قبلية، وتلك العصر قبلها أربع، والمغرب كانوا يصلون قبلها ركعتين، يقول الراوي: (حتى إن الغريب إذا دخل المسجد رأى الناس قد بادروا إلى السواري فيظن أن الناس قد صلوا المغرب) ، وجاء في الحديث: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، وقال في الثالثة: لمن شاء) ؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة لازمة، وقال: (بين كل أذانين صلاة) ، والمغرب كغيره له أذانان، وهما: الأذان والإقامة.
وهكذا قبل صلاة العشاء نافلة، وبعدها نافلة.
стр. 670
حرص الشيطان على إفساد صلاة المسلم
أن تلك التقدمات من الأذان والوضوء وتجاوبك مع المؤذن في كلمات الأذان تهيئة للدخول في الصلاة؛ ثم يأتيك الشيطان، ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا لشيء قد نسيته، وأظنكم تعلمون قصة الإمام أبي حنيفة ﵀، فقد كان جالساً في المسجد فإذا برجل يقول: يا إمام! لقد دفنت مالاً لي ونسيته، فكيف أحصل عليه؟ قال: إذا انتصف الليل فقم وتوضأ وأسبغ الوضوء وصلِّ ركعتين لله ولا تحدِّثَنْ نفسك فيها بشيء، فإذا فرغت من الصلاة فستعرف أين المال؟ فمن الغد جاء وقال: جزاك الله خيراً! لقد وجدت المال.
فقال أصحاب أبي حنيفة: ما علاقة صلاته في الليل بالمال الذي كان قد دفنه؟! ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف:٦٣] فالشيطان هو الذي أنساه، فإذا جاء ليصلي تلك الصلاة بخشوع وخضوع وعدم محادثة نفسه فيها بشيء خالصةً لوجه الله، فهذه تحرق الشيطان، ولا يستطيع أن يصبر عليها، فيشغله فيها بأن يذكره موضع المال.
وقالوا للرجل: كيف عرفت مكان المال؟ قال: فعلتُ كما قال لي الإمام، وحرصت ألَّا أحدث نفسي فيها بشيء، فإذا بي حينما جلست للتشهد أسمع من يقول لي: المال كان في المحل الفلاني، فعجَّلت بالتشهد، وذهبت إلى المال فوجدته.
ونقول: ستجيئكم صلاة العشاء، وحينما تسمعون المقيم يقول: قد قامت الصلاة، فانظر في ساعتك، وحينما يقول: السلام عليكم ورحمة الله، انظر في الساعة، فالأربع ركعات كم أخذت؟ ست أو خمس دقائق، ولا يمكن أن تصل إلى عشر أبداً، اجعلها تصل إلى ثمان دقائق بحيث تأخذ كل ركعة دقيقتان ثمان دقائق ولا يقدر الإنسان أن يضبط نفسه فيها!! لكن الشيطان عدو مبين، ومهما يكن من شيء فلا ينبغي للإنسان أن يسترسل معه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] ، فيرجع حالاً، فربما يأخذك الشيطان ويذهب بك إلى مكة، ويضحك عليك، ويقول لك: ستذهب إلى عمرة وتطوف وتسعى، ثم لا تشعر بنفسك إلا وأنت على الصفا، لكن إذا انتبهت وأنت في رابغ فارجع، ولا تذهب معه إلى مكة.
وقد يأتي للتاجر: البضاعة وصلت إلى المحل الفلاني، والباخرة في المحل الفلاني، وفيها كذا، وفيها الآن كذا وكذا.
فيحاول أن يذهب بك حتى تشتغل به وتتجاوب معه.
وطالب العلم قد تأتيه المسألة التي كانت شاغلة لباله: تجدها في محل كذا، اطلبها في كتاب كذا كل إنسان يأتيه من الباب الذي يستجيب إليه.
وليس هناك إنسان يستطيع أن يمتنع نهائياً من الوسوسة، وليس معصوماً من ذلك؛ لأن الشيطان يجند كل قواه عند الصلاة، وكما يقول بعض العلماء: هل السارق يدخل بيتاً خرباً؟ لا، لكن يختبئ فيه فقط؛ لكن ليسرق منه فلا.
لكن أين يذهب السارق ليسرق؟ إلى البنوك أو الخزائن الكبيرة أو البيوت العامرة، والمؤمن حينما يكون بين يدي الله فإن الخزينة ملأى، فهو يريده في تلك اللحظة.
إذاً: (فرض فروضاً فلا تضيعوها) ، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً للحفاظ على فروضه .
следующие страницы →