Полный текст (863 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الفرض والواجب عند أبي حنيفة
عند الإمام أبي حنيفة ﵀ اصطلاح في الفرض والواجب، فالفرض: ما ثبت بدليل قطعي من كتاب الله، والواجب: ما ثبت بطريق الآحاد من سنة رسول الله ﷺ ، فمثلاً: عنده زكاة المال: فرض، بينما زكاة الفطر واجب؛ لأن زكاة المال جاءت بكتاب الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، و ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:٥٥] ، والمقصود هنا زكاة المال، سواءً كانت من الحبوب والثمار أو من الذهب والفضة أو عروض التجارة أو بهيمة الأنعام؛ لكن صدقة الفطر إنما جاءت بالسنة عن رسول الله ﷺ .
وكذلك الصلوات الخمس فروض، أما الوتر فهو عنده واجب؛ لأنه ثبت بسنة الآحاد، والجمهور يقولون: الوتر سنة؛ لكن لما كثرت فيه الأحاديث ارتقى عند أبي حنيفة إلى الوجوب، لكن ليس كالفرض، وهو يعادل السنة المؤكدة عند الجمهور.
قوله ﵊: (إن الله تعالى فرض فرائض) ، الجمهور على أن هذه الفروض هي: أركان الإسلام، وما أوجب الله العمل به، فلا شك أن الصلاة واجبة، والطهارة لها واجبة، إذ هي فرض لا تصح الصلاة إلا بها، والزكاة واجبة في جميع أصناف الأموال الزكوية، والصوم واجب، والحج والجهاد واجب بشروط، وهكذا كل ما أمر الله أن يُفعل، ورتب على تركه عقوبة، فهو فرض أو واجب، وكلاهما بمعنى واحد عند الجمهور.
стр. 667
معنى قوله: (فلا تضيعوها)
قال ﵊: (فلا تضيعوها) كأنه يقول: لا تضيعوا الصلاة؛ ولكن بم تضيَّع؟ بأحد أمرين: · إما بتركها حتى يخرج الوقت، وهذا تضييع لها.
· وإما بإتيانه إياها بغير خشوع ولا خضوع ولا تأمل فيها ولا ولا إلى آخره، كما جاء في الحديث: (إن العبد إذا صلى الصلاة بخشوع وخضوع وتلاوة صعدت إلى السماء، ولها رائحة زكية، كلما مرت بسماء قالت ملائكتها: ما هذا؟ قالوا: صلاة فلان، فأخذت تصلي عليه وتدعو له إلى أن تصل إلى عرش الرحمن، وإذا صلى الصلاة وضيعها؛ تأتي فتطرق السماء فلا تُفتح لها أبواب السماء، وتُلف كما يُلف الثوب الخَلِق، ويرمى بها إلى وجهه، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني) ، والتضييع: التفويت، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه حينما حمل رجلاً على فرس له في سبيل الله، ونعلم أن عمر لن يقتني فرساً إلا فرساً يتجاوب مع شجاعة عمر ومع قتاله، فلما حمل على هذا الفرس الجيد الأصيل الرحل الذي حمله عليه، وأخذه هبةً من عمر لم يستطع أن يؤدي واجب هذا الفرس؛ لأن الفرس قد يكلف أكثر من الولد: في طعامه ونظافته وترويضه وأداء واجبه إلى آخره، قال عمر: (فرأيت الذي أخذه قد ضيعه) ، بأي شيء؟ بعدم أداء واجبه، وإهمال حقه.
إذاً: الإهمال تضييع، والصلاة تضيَّع إما بتركها حتى يخرج وقتها، أو بأدائها في آخر الوقت كما جاء في بعض الروايات: (ينظر إلى الشمس حتى إذا ما اصفرَّت قام ونقرها نقر الغراب) ، وإما أن يصليها فرادى في أول وقتها، ويترك الجماعة وهو يستطيع أن يحضرها، أو يصلي جماعة وقلبه مشغول، ولذا قال في الآية الكريمة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] ، يقول بعض السلف: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ ولم يقل: في صلاتهم؛ لأنه قلَّ أن يسلم مسلم من أن يسهو في صلاته بنوع ما؛ ولذا شرع الله سجود السهو تداركاً لما عسى أن يقع من نقص، والإنسان لا يسلم وليس معصوماً من السهو، ولكن فرق بين أن يدخل في الصلاة ويكبر، ثم يذهب يحسب حساب البيع والشراء، ومكسب وربح، ورواح ومجيء، إلى آخره!
стр. 668
وجوب حفظ الفرائض وعدم تضييعها
الفرائض يجب أن تحفظ، جاء في الحديث: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن حفظها وحافظ عليها ... ) ، (حفظها) : أي: بواجباتها، و (حافظ عليها) أي: أداها في وقتها.
وجاء في الحديث: (أي العمل أفضل يا رسول الله؟! قال: إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الصلاة في أول وقتها) .
وجاء سائل آخر فقال له: (.
إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله) .
وجاء ثالث فقال له: (إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين) .
وقد أشرنا سابقاً بأن المفتي يجب عليه أن ينظر إلى شخصية المستفتي، وما الذي يصلح له؟ وهل كانت هذه الأسئلة في أوقات مختلفة؟ فحينما كانوا في حالة جهاد قال: (جهاد في سبيل الله) ، وحينما لم يكن هناك جهاد بل سلم قال: (الصلاة في أول وقتها) ، ولم يكن لهؤلاء أحد من الأبوين، وعندما جاء السائل وله أبوان، وعلم أنه مقصر في حقهما قال: (بر الوالدين) ، فأعطى كل سائل ما يناسبه.
مثلما يأتيك إنسان ويسأل: أي العمل أفضل؟ فتتأمل فيه وتقول له: الجندية؛ لأنك تجد فيه نشاطاً وطموحاً، وهناك إنسان تجد فيه الهدوء فتقول له: البيع والشراء خير لك، وتجد إنساناً آخر فتقول له: العمل في الدائرة الفلانية يناسبك.
وكثير من الجامعات لها برامج، ولها اختيار لبعض الأشخاص، وقد كان الشيخ محمد بن إبراهيم -يغفر الله له- يصنف الفوج الذي سيتخرج من كلية الشريعة أو كلية اللغة قبل أن يتخرجوا؛ على أساس ما يرى فيه من ملامح، وما يصلح له إما لتدريس أو لقضاء أو لتفتيش أو لعمل إداري.
ومما جاء عنه ﷺ في الأفضلية حديث: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله) ثم جعل قرين الإيمان بالله الصلاة على أول وقتها، بل إن الله سمى الصلاة إيماناً، فلما تحولت القبلة وأسف بعض الناس عمن مات ولم يصلِّ إلى الكعبة، وقالوا: ما يكون حال هؤلاء؟ أنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] ، الإيمان موجود؛ لكن سمى الصلاة إيماناً.
حديث -: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة) ، فإذا ضيع العمود أو كان هزيلاً لا يحمل البيت، وإن ضيعته ولو كان قوياً ما بنيت بيتاً، وإن جئت بعود هزيل كان لا قيمة له، وجاء في الحديث: (كم من مصلِّ ليس له من صلاته إلا التعب، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) .
وروي حديث أن امرأتين استأذنتا في الحر أن تفطِرا في غير رمضان، فقال: (تعالَيا، ويأتي بقدح للأولى، فإذا بها تقيء دماً ولحماً عبيطاً إلى نصف القدح، ثم الثانية تكمله، فقال: تصومان عن الحلال والحرام وتفطران على لحوم الناس؟!) ، وقال ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
стр. 669
علاج الوساوس في الصلاة
حظ الإنسان من صلاته ما عقل، وكثير من الناس يشتكي مما يعتريه من الوسوسة في الصلاة وشرود الذهن، فما علاجه؟ نحن وأنتم سواء، هذه أمور تغلب على الإنسان؛ ولكن كما ذكر العلماء: أكبر ما يعينك على نفسك في صلاتك: أن تتمعن وتستحضر معاني ما تقرأ، وتُسمع نفسك، لا أن تمرر القراءة على ذهنك كالتذكار أو كأحلام اليقظة، وتجهر بالقراءة بقدر ما تسمع نفسك فقط، لكي تشغل ذهنك بما تسمع.
قالوا: اتخاذ السترة في الصلاة من أسبابه، فتحجز النظر من أن يطيش أمامك، فإذا كنت قائماً فنظرك في حدود السترة، إذا ركعت كان نظرك في منتصف المسافة ما بين السترة وأطراف أصابع القدمين، فإذا سجدت كان نظرك في أرنبة أنفك من الجانبين، فإذا جلست للتشهد كان نظرك في حدود السترة، وهكذا حاسة النظر تكون محصورة.
أما من حيث حركات الصلاة والهيئات فإنك إذا بدأت بـ (الله أكبر) ورفعت يديك كأنك تركت كل شاغل دنيوي وراء ظهرك، واستدرت بقلبك ووجهك إلى القبلة، ثم قرأت واستمعت، فإذا انتهيت من ركن القراءة وتريد أن تنتقل إلى ركن الركوع ينبِّه الفقهاء بأن التكبيرة التي تأتي عند الانتقال لا تأتِ بها قطعاً إنما ائت بها مداً لتشغل فراغ انتقالك، فأنت قائم لا تقل: الله أكبر وتركع، لا.
بل قل: الله أكبر تبدأ في لفظ الجلالة وتنتهي بالتكبير عند استوائك راكعاً، فتكون في حركة الانحاء إلى الركوع مشتغلاً بلفظة (الله أكبر) ، فإذا استقر الظهر راكعاً اشتغلت بالتسبيح ثلاثاً، فإذا أردت الرفع من الركوع قلتَ: سمع الله لمن حمده، وتستغرق حركة الاعتدال في هذا الذكر، فلا يبقى حينها وقت للوسوسة، وهكذا إذا هويت إلى السجود شغلت حركة الهُوِيِّ بقولك: الله أكبر.
أهم الفروض التي افترضها الله على المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة، قال ﷺ : (فلا تضيعوها) ، بأي شيء؟ · إما بتأخيرها عن وقتها.
· وإما بالتشاغل عن أدائها وعدم إعطائها حقها.
ولكي يساعد الإنسان نفسه بنفسه انظروا إلى سماحة الشرع وإلى التنبيهات اللطيفة: فعندما تكون في مزرعتك، في مصنعك أو مكتبك أو أي عمل كان، فبغتةً تسمع المنادي: الله أكبر، ومهما كنت في أي عمل ستُصغي إلى قوله: (الله أكبر) ، وقد قال لك رسول الله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن -فلا تتركوه وتهملوه وتصكوا آذاناكم- فقولوا مثل ما يقول) ، فإذا كان هو ينادي الناس من أجل حضور الصلاة، فلماذا نحن نردد خلفه؟! من أجل أن نتفاعل، فهو في الأعلى فوق المنارة وبأعلى صوته، والآن وضعوا مايكروفونات، حتى يبلغ أبعد ما يكون.
وحينما تقول مثل ما يقول المؤذن تكون في شبه فترة انتقال، انتقال من عملك وأنت مفرغ جهدك كله، وشعورك وإحساسك كله، مستغرق فيما كنت فيه، فإذا بدأت تقول وأنت في عملك: (الله أكبر، الله أكبر) ، انشغل الذهن بتكبير الله، وتجاوب القلب مع المنادي، فلما يصل إلى (حي على الصلاة) تقول: نعم، الآن يجب أن أترك العمل، و (حي على الفلاح) تقول: إي والله! الصلاة هي الفلاح، وليس في العمل، و (الله أكبر، الله أكبر) تقول: نعم، الله أكبر من كل عمل، و (لا إله إلا الله) تقول: هي التي من أجلها خلقنا، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
فيدُك تترك ما فيها، إن كنت كاتباً تركت القلم، وإن كنت مزارعاً تركت آلة الزراعة، وإن كنت صانعاً تركت آلة الصناعة، وأجبت المنادي، فذهبت تتوضأ، واستعملت الماء، لأي شيء؟ هل أنت حرَّان تريد أن تتبرد؟ هل أنت متسخ تريد أن تتنظّف؟! لا، إنما تجيب (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) وأنت على أحسن حالة، فهي نظافة في الظاهر، وتنبيه للنظافة في الداخل، وأنت في تلك اللحظات سمعت النداء واستجبت إليه وجمعت شعورك وتوضأت وخطوت خطاك إلى المسجد.
جاء في الحديث: (إذا توضأ الإنسان فغسل يديه، تناثرت ذنوب كفيه مع آخر قطر الماء، وإذا تمضمض تناثرت ذنوب فيه، وإذا غسل وجهه تناثرت ذنوبه مع آخر قطر الماء، وإذا غسل قدميه تناثرت ذنوب القدمين، وكان له بممشاه إلى الصلاة بكل خطوة حسنة، ويُمحى عنه بكل خطوة سيئة أو خطيئة، ويرفع له بها درجة، وكانت صلاته له نافلةً) يعني: صلاتك زيادة خير لك عن هذه الحسنات.
فاستحضر من أول لحظة أن قوله: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) إنما هو عملية تحضير للذهن وللقلب، وجمع للشعور، فإذا جئت ووقفت في الصف وقلت: (الله أكبر) ، فحينها فعلاً دخلت على ربك، يقول الحسن رضي الله تعالى عنه: (إذا أردت أن تدخل على الله بلا استئذان وتكلمه بلا ترجمان؛ فأسبغ الوضوء، ثم ائت المسجد واستقبل القبلة وكبر للصلاة) .
مَن استأذنت وأنت داخل من الباب؟ ما استأذنتَ أحداً، فالباب مفتوح، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] ، ثم تدعو بأي لغة كانت، ونحن نرى هذا خاصةً في الحرمين، جميع الألسنة واللغات تقف في صف واحد، وكل يسأل ربه بلغته دون أن يحتاج إلى ترجمان بينه وبين الله، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] .
من ناحية أخرى: انظروا إلى النوافل، فقبل كل فريضة سنة، ربما وفقك الله واستيقظت من النوم مبكراً قليلاً، وسمعت الأذان وأجبت وتوضأت وجئت وفيك نوع من الكسل، فصليت سنة الصبح، ثم أقيمت الصلاة وصليت الفجر.
فحينما أتيت على تلك التهيئة أو التعبئة التي عبأتك إياها كلمات الأذان، ثم جئت وصليت ركعتين كمقدمة أو تهيئة؛ فكأنك قمت بين يدي الله بركعتين زيادة في التهيئة، وليسمح لي الجماعة الرياضيون الذين يقولون: قبل أن يدخل الرياضي الملعب يسخن؛ لأن أعضاءه وعضلاته جامدة، فيأتي ببعض الحركات الآلية العضلية حتى لا يصاب بشد عضلي، ثم يدخل إلى الميدان أو الملعب وهو متهيئ.
فنقول: المسلم يؤدي النافلة قبل الفريضة تهيئةً لقيامه بين يدي الله وهو في أكمل ما يكون استحضاراً، وهذه زيادة تحضير، وسمِّها ما شئت؛ لأنها تعطيك زيادة تنبُّه ويقظة ورغبة فيما عند الله.
فإذا دخلت في الفريضة عفوياً ربما تحتاج إلى شيء من التحضير؛ لكن إذا صليت السنة كان التهيؤ أكمل، وكل فريضة -كما أشرنا- قبلها نافلة، فهذا الفجر له ركعتان قبلية، وتلك الظهر لها ركعتان أو أربع قبلية، وتلك العصر قبلها أربع، والمغرب كانوا يصلون قبلها ركعتين، يقول الراوي: (حتى إن الغريب إذا دخل المسجد رأى الناس قد بادروا إلى السواري فيظن أن الناس قد صلوا المغرب) ، وجاء في الحديث: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، وقال في الثالثة: لمن شاء) ؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة لازمة، وقال: (بين كل أذانين صلاة) ، والمغرب كغيره له أذانان، وهما: الأذان والإقامة.
وهكذا قبل صلاة العشاء نافلة، وبعدها نافلة.
стр. 670
حرص الشيطان على إفساد صلاة المسلم
أن تلك التقدمات من الأذان والوضوء وتجاوبك مع المؤذن في كلمات الأذان تهيئة للدخول في الصلاة؛ ثم يأتيك الشيطان، ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا لشيء قد نسيته، وأظنكم تعلمون قصة الإمام أبي حنيفة ﵀، فقد كان جالساً في المسجد فإذا برجل يقول: يا إمام! لقد دفنت مالاً لي ونسيته، فكيف أحصل عليه؟ قال: إذا انتصف الليل فقم وتوضأ وأسبغ الوضوء وصلِّ ركعتين لله ولا تحدِّثَنْ نفسك فيها بشيء، فإذا فرغت من الصلاة فستعرف أين المال؟ فمن الغد جاء وقال: جزاك الله خيراً! لقد وجدت المال.
فقال أصحاب أبي حنيفة: ما علاقة صلاته في الليل بالمال الذي كان قد دفنه؟! ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف:٦٣] فالشيطان هو الذي أنساه، فإذا جاء ليصلي تلك الصلاة بخشوع وخضوع وعدم محادثة نفسه فيها بشيء خالصةً لوجه الله، فهذه تحرق الشيطان، ولا يستطيع أن يصبر عليها، فيشغله فيها بأن يذكره موضع المال.
وقالوا للرجل: كيف عرفت مكان المال؟ قال: فعلتُ كما قال لي الإمام، وحرصت ألَّا أحدث نفسي فيها بشيء، فإذا بي حينما جلست للتشهد أسمع من يقول لي: المال كان في المحل الفلاني، فعجَّلت بالتشهد، وذهبت إلى المال فوجدته.
ونقول: ستجيئكم صلاة العشاء، وحينما تسمعون المقيم يقول: قد قامت الصلاة، فانظر في ساعتك، وحينما يقول: السلام عليكم ورحمة الله، انظر في الساعة، فالأربع ركعات كم أخذت؟ ست أو خمس دقائق، ولا يمكن أن تصل إلى عشر أبداً، اجعلها تصل إلى ثمان دقائق بحيث تأخذ كل ركعة دقيقتان ثمان دقائق ولا يقدر الإنسان أن يضبط نفسه فيها!! لكن الشيطان عدو مبين، ومهما يكن من شيء فلا ينبغي للإنسان أن يسترسل معه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] ، فيرجع حالاً، فربما يأخذك الشيطان ويذهب بك إلى مكة، ويضحك عليك، ويقول لك: ستذهب إلى عمرة وتطوف وتسعى، ثم لا تشعر بنفسك إلا وأنت على الصفا، لكن إذا انتبهت وأنت في رابغ فارجع، ولا تذهب معه إلى مكة.
وقد يأتي للتاجر: البضاعة وصلت إلى المحل الفلاني، والباخرة في المحل الفلاني، وفيها كذا، وفيها الآن كذا وكذا.
فيحاول أن يذهب بك حتى تشتغل به وتتجاوب معه.
وطالب العلم قد تأتيه المسألة التي كانت شاغلة لباله: تجدها في محل كذا، اطلبها في كتاب كذا كل إنسان يأتيه من الباب الذي يستجيب إليه.
وليس هناك إنسان يستطيع أن يمتنع نهائياً من الوسوسة، وليس معصوماً من ذلك؛ لأن الشيطان يجند كل قواه عند الصلاة، وكما يقول بعض العلماء: هل السارق يدخل بيتاً خرباً؟ لا، لكن يختبئ فيه فقط؛ لكن ليسرق منه فلا.
لكن أين يذهب السارق ليسرق؟ إلى البنوك أو الخزائن الكبيرة أو البيوت العامرة، والمؤمن حينما يكون بين يدي الله فإن الخزينة ملأى، فهو يريده في تلك اللحظة.
إذاً: (فرض فروضاً فلا تضيعوها) ، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً للحفاظ على فروضه .
стр. 671
فروض ضيعها العباد
стр. 672
تضييع الصلاة
باب الصلاة -يا إخواني- كبير، ولذا يقولون: من الحفاظ على الصلاة: المحافظة على النوافل الراتبة، حتى قال بعض العلماء: من تعمد ترك النوافل تسقط شهادته.
وإذا كان كذلك؛ فما القول في الرجل الذي جاء إلى الرسول ﷺ وقال: (والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص) ، ويقسم ﷺ على فلاحه إن صدق، قالوا: ذلك رجل أخذ نفسه بحد السيف، وبالعزم القاطع، فهو لا له ولا عليه، وحافظ على فروضه؛ ولذا جاء في الحديث: (أفضل ما تقرب إلي عبدي بما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل -فنوافل العبادات هي مرتقى الصالحين في وصولهم إلى الغاية القصوى- حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها) .
فهذا بالنوافل، أما الفرائض فهي الحد الأدنى؛ لأنك إذا التزمت بالفرائض فقط فوقع تقصير فسيقع في الفرائض؛ لكن إذا التزمت النوافل مع الفرائض فوقع تقصير فسيقع في النوافل، كما قال ﵊: (ألا وإن لكل ملك حمى، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه) ؛ لكن إذا جعل بينه وبين الحمى قدر ميل، فعندما تشذ منه غنمة هل تنزل في الحمى أم في المسافة التي بينها وبين الحمى؟ في المنطقة المحايدة -كما يقولون-، لكن إذا اقترب بغنمه على حدود الحمى فلو أن شاة شذت عنه متراً واحداً فستدخل في الحمى، أرأيت لو كان هذا الحمى ناراً مؤججة هل ستدنو منه؟ أرأيت لو كان بحيرة أو بئراً عميقاً هل ستدنو منه؟ ستبتعد مخافة أن تسقط فيه.
وهكذا النوافل هي حمى وحفاظ لتلك الفرائض كما جاء في الحديث: (انظروا هل لعبدي من نوافل؟ -أي: حينما يُنظر في صلاته- فتقول الملائكة: نعم -يا رب- له نوافل، فيقول: اجبروا فريضته من نافلته) ، يعني: احتياطاً، يقول ابن عباس: وهكذا بقية العبادات.
стр. 673
تضييع الصوم
نأتي إلى الصوم، كيف يضيع الصوم؟ · إما بالتساهل في أمره، وعدم الصبر على الجوع والعطش -عياذاً بالله- ويفطر.
· وإما أن يمسك شكلياً عما أحل الله، ويفطر على المحرمات، وتقدم لنا: (والصوم جنة -أي: يحفظه ويقيه- ما لم يخرقها، قالوا: بم يخرقها يا رسول الله؟! قال: بكذب أو بسباب أو بغيبة أو نميمة) وما هي قيمة هذه الجنة المخرَّقة؟ ما تحمي بشيء، السيارة المصفحة إذا كان فيها خرق بقدر خمسة سنتيمترات فستنفُذ منها الرصاصة؛ لكن كما قال جابر رضي الله تعالى عنه: (لا يصوم العبد حقاً حتى تصوم جوارحه) ، والحديث أعم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
إذاً: تضييع الصيام: إما بتركه بالكلية، وإما بإهمال مراعاة حقوقه.
وكذلك للصوم نوافل، فقد جعل الله لرمضان ستاً من شوال، وجعل في أول السنة وفي آخرها عشراً من ذي الحجة ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، والاثنين، والخميس، ومن كل شهر ثلاثة أيام، كما في وصية رسول الله ﷺ لـ أبي هريرة وأبي ذر كلاهما قال: (أوصاني خليلي بثلاث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وألَّا أنام حتى أوتر، وركعتي الضحى) .
وصوم ثلاثة أيام -كما يقول مالك - ليس فيه تحديد، إن شاء جعلها في هذا الشهر من أوله، والشهر الثاني من آخره حتى لا يهجر الأيام كلها عن الصوم، وجاء عنه ﷺ ترتيب ذلك فقال: (لا تختصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام) إن كان يقوم فيقوم ليالي الأسبوع كلها، ولا يفرد ليلة الجمعة بالقيام خاصة، وإن كان يصوم فيصوم من الأيام ما شاء، ولا يفرد يوم الجمعة بصوم، وجاء في الحديث: (من صام يوم الجمعة فليصم يوماً قبله أو يوماً بعده) ، حتى لا يُفرد هذا اليوم بصيام، وجميع الأيام صالحة لصوم التطوع ما عدا يومي العيدين ويوم الشك، وفي صوم ثلاثة أيام منى لغير من لم يجد الهدي خلاف.
إذاً: الصوم مما فرض الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ؛ فلا تضيعوه.
ومن عجيب ما يذكر! أن عثمان رضي الله تعالى عنه مر على شاب في رمضان وهو سكران، فقال: ويحك! أطفالنا صيام وأنت مفطر!.
وبعض قضاة المدينة مر على شاب وهو مفطر في رمضان فأخذه وجلده، فقال: ألا تستحِي! الأطفال في البيوت صائمون، وأنت في رمضان مفطر! فتكلم عليه، فقال: تكون هذه الأولى والأخيرة، ولم يُرَ بعد ذلك مفطراً! والصحابة رضي الله تعالى عنهم ائتمروا بما في حديث: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) ، وكذلك كانوا يفعلون في الصوم، فقد كانوا يروضون الأطفال على الصوم والجوع، فإذا بكى الطفل أعطوه اللعب يتلهى بها، فطفلٌ يُجَوَّع ساعةً أو ساعتين، وطفل يُجَوَّع أربع أو خمس ساعات، وطفل يُجَوَّع نصف النهار، وهكذا كان أمهاتنا يصنعن بالأطفال الصغار، فحينما يبكي يقلن له: فيما بعد، فيما بعد، أجيء لك بالطعام، وأصلحه لك، إلى أن تمر بعض الساعات وهو يشعر بشيء من الجوع، فكانوا يعودون الأطفال على الصيام كما يعودونهم على الصلاة.
стр. 674
تضييع الزكاة وخطره
أما الزكاة فمجالها واسع، وتضييعها يكون بما يلي: إما أن يتركها بالكلية.
وإما أن يتغاضى عن بعض ماله، فلا يخرج الزكاة عن بعضه.
وإما أن يدقق في الحساب، وإذا أراد أن يعطي النصاب المفروض فتَّش، هل يخرج هذه؟ لا، هل يخرج هذه؟ لا، هذه كذا، وينظر في الأصلح له، فهذا تضييع، بخلاف المؤمن الذي يتعامل بصدقته مع الله.
ولعلكم تذكرون قصة الصحابي مع عامل الزكاة الذي أرسله رسول الله ﷺ عاملاً إلى جهة الحنكية والنخيل وهذه النواحي الشرقية، فمر على صاحب إبل عند الماء، فكانت الإبل خمساً وعشرين، فقال: عليك بنت مخاض؛ لأن زكاة الإبل كل خمس فيها شاة إلى عشرين، فخمس وعشرون فيها بنت مخاض، وست وثلاثون فيها بنت لبون، إلى آخره، وبنت المخاض التي ولدت العام الماضي وأمها حامل هذه السنة، فهي بنت سنة وبدأت في الثانية، فقال له: زكاة إبلي بنت مخاض؟! قال: نعم، قال: ليست ظهراً فيُركب، ولا ضرعاً فيُحلب، لكن هذه ناقة كوماء خذها في سبيل الله، فقال العامل: لا أستطيع أن آخذها، فما فرض الله عليك إلا هذه الصغيرة، يعني: وقد قال ﷺ : (وحد حدوداً فلا تعتدوها) ، والمفروض عليك في إبلك بنت المخاض الصغيرة هذه، (فاختصم العامل مع صاحب المال، فهو يقول: فريضتك بنت المخاض، فيقول الآخر: لا، خذ ناقة كوماء) .
هل رأيتم خصومة مثل هذه؟! هل سمعتم بمثلها؟! العامل يقول: ائت بالصغيرة هذه، وصاحبها يقول: لا، خذ هذه الكبيرة.
لماذا؟ لأنه يتعامل مع الله، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥] .
فحينما اشتدت الخصومة قال العامل: لا تتعب نفسك، ولا تتعبني، إن كنت مصراً عليها فدونك رسول الله بالمدينة، اذهب بها إليه، أنا لا أقدر أن آخذها، لاحظوا أمانة العمال إلى أي حد وصلت؛ فجاء مع العامل بناقته، فقال العامل للرسول ﷺ : يا رسول الله! هذا الرجل جئت إلى إبله، وقص عليه القضية، فقال ﷺ لصاحبها: (أطيبةً بها نفسك؟ قال: نعم والله يا رسول الله! كيف أدفع بنت مخاض في سبيل الله، وهي ليست ظهراً يُركب، ولا ضرعاً يُحلب؟! لكن أحب أن تأخذ مني هذه الناقة، فقال للعامل: خذها، وقال لصاحبها: بارك الله لك في إبلك) .
ثم عاش الرجل إلى زمن معاوية رضي الله تعالى عنهما، وكان يعطي العشرات من الإبل في زكاة إبله؛ ببركة دعوة النبي ﷺ له: (بارك الله لك في إبلك) ، فهذه الدعوة لا تذهب سدى.
وهكذا -أيها الإخوة- فحفظ الزكاة وعدم تضييعها يكون: بضبط نصابها، وبوفاء حقها.
ولذا قال الفقهاء: إخراج زكاة الحبوب والحيوان والثمار من أوسط النوع، لا من جيده فيكون إرهاقاً على المالك، ولا من رديئه فيكون تضييقاً على المسكين.
ولذا عمر رضي الله تعالى عنه لما مرت عليه أنعام الصدقة وجد شاة حافل ضرعُها فقال: والله ما أعطى هذه أهلُها بطيب نفس.
والرسول ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (وإياك وكرائم أموالهم! واتقِ دعوة المظلوم -لأنك إذا أخذت كرائم الأموال ظلمتهم فيدعون عليك- فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .
من أخطر أنواع تضييع الفرائض تضييع الزكاة، فقد يجتهد في حسابها، ويتخير نوعها، ويقدمها بأكمل ما تكون؛ ولكن يحبطها ويبطلها، كمن يصنع بركة عسل ويضع فيها قطرات من الصَبِر والثوم، والله تعالى يقول: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] .
إذاً: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً﴾ [البقرة:٢٦٣] .
تضييع الزكاة أخطر من تضييع الصوم والصلاة؛ لأنه قد تكون بشيء ما من الرياء أو الإيذاء، ويجب أن يحفظ شعور المسكين الذي يدفع له، ولا يتمنن عليه بما يعطيه؛ فهو حق واجب، ﴿وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] .
كلف الله رسوله ﷺ أن يتحمل مسئولية جمع الزكاة وليس له شيء منها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، وقال ﷺ : (من أعطاها طيبةً بها نفسه فبها ونعمت، ومن منعها أخذناها وشطر ماله عزمةً من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) ، فهو يقوم بجمعها وتوزيعها وليس له منها شيء.
ومنذ أن عُطِّلت الزكاة وقُطعت الصلة بين الغني والفقير ووُجدت الفجوة، جاءت المبادئ التي تهدم وتنتزع البركة، وجاءت مبادئ يُنادَى بأن يحل محلها غيرها! والله لا يؤدي واجب الزكاة إلا الزكاة؛ لأنها كما قال تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] ، تطهر الغني من دنس الشح، وتزكي الفقير من درن الحقد، فالزكاة عامل ربط وتعاطف ومؤاخاة، والله أعلم، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 675
شرح الأربعين النووية - الحديث الثلاثون [٢]
стр. 676
أسرار الحج
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على نبي رب العالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فمما فرض الله على المسلمين وضيعوه الحج.
стр. 677
من عبادات
والحج خاتمة أركان الإسلام، وبعضهم يتورع عن هذه الكلمة ويقول: خامس أركان الإسلام، ومهما يكن من شيء فالحج يجمع جميع أركان الإسلام فروعاً وأصولاً.
ففي العقيدة فيه توحيد الله سبحانه بادئ ذي بدء: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ، فقد جمعت هذه التلبية التوحيد بأقسامه الثلاثة: توحيد الربوبية: (النعمة لك والملك) .
توحيد الألوهية: (لا شريك لك) .
توحيد الأسماء والصفات: فيما يوصف الله من صفات الجلال والكمال.
ثم تأتي بعد ذلك بقية الأركان: ففيه الصلاة: تصلي ركعتي الطواف.
وفيه الصوم: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] .
وفيه إنفاق المال: (ما الاستطاعة يا رسول الله؟! قال: الزاد والراحلة) .
ولما كان أعظم الأركان، ويشمل الكثير من العبادات، وفيه مشقة الرحلة والسفر؛ جعله الله على المستطيع.
стр. 678
سبل المحافظة على الحج حسياً
كيف يؤدَّى هذا الركن العظيم، وكيف يحافَظ عليه ولا يضيَّع؟ يلفت النظرَ إلى ذلك قولُ عمر رضي الله تعالى عنه: (الوفد كثير، والحج قليل) ، فيحتاج الحج إلى حفاظ عليه، وقيام بواجباته، حتى يكون حجاً حقيقياً.
أول خطوة في الحج ليست التجرد ولبس الإزار والرداء وقولك: (لبيك) في الميقات، لا، فالحج يبدأ عند جمع المال للحج، يبدأ الحج مع كل إنسان من موطن كسبه لرزقه؛ فيبدأ مع العامل في عمله، والزارع في مزرعته، والصانع في مصنعه والموظف في مكتبه.
لماذا؟ لأن الرسول ﷺ وضع لنا القاعدة الأساسية العامة فقال ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ، وقال: (من حج بمال حلال وزاد حلال وراحلته حلال، فوضع رجله في الغرز فقال: لبيك اللهم لبيك، قيل له: لبيك وسعديك، حجك مبرور، وذنبك مغفور.
وإن حج بمال حرام، وزاد حرام، وراحلته حرام، فقال: لبيك، قيل له: لا لبيك ولا سعديك، ارجع مأزوراً لا مأجوراً) .
ولو جئنا إلى البديهة العقلية والنظام الاجتماعي: فأنت وافد على الله في بيته، أتفد عليه بما حرم عليك؟ أتسرق وتقول: يا رب! أنا جئتك؟! لا يا أخي! رد المال لصاحبه، وابق في محلك وقل: لبيك، ولا تأت بمال حرام! وهذا يشبه لو أنك سرقت ثوب جارك، ثم دعاك لوليمة العرس عنده، فهل تلبس الثوب الذي سرقته منه لتحضر وليمته؟! وبم تفسر هذا الفعل يا أخي؟! نعم الله على الإنسان كثيرة، ويدعوك إلى بيته: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج:٢٧] ، فبأي صفة تأتي؟ يجب أن تأتي بما يناسب مجيئك، ومن جئت إليه.
ولهذا تأتي محظورات الإحرام لتهذب الإنسان، وتحوره في شخصيته، وتجعله خلاف الشخصية الأولى، قال ﷺ : (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ، قالوا: وبر الحج بأن يرجع صاحبه وقد صار خيراً مما كان، أنت ذهبت والاستقامة عندك (٥٠ %) أو (٦٠ %) أفترجع وأنت (٩٠ %) ؛ لكن إذا ذهبت وأنت (٧٠ %) ثم ترجع وأنت (٥٠ %) ، فستكون هذه انتكاسة، كإنسان دخل المستشفى وهو مريض (٥٠ %) ، والمفروض ما دام أنه في مستشفى طيب، وعنده تجاوُب للعلاج، وعناية فإنه سيخرج متعافٍ بالكلية، أو حتى في النقاهة (٩٠ %) ، وكذلك الحج يعتبر مصحة نفسية بل وبدنية؛ فعلى الإنسان أن يراعي هذا العمل.
стр. 679
سبل المحافظة على الحج معنوياً
الحج له مقدمات وآداب ونتائج، فإذا تهيأت لك النفقة والزاد الحلال وجئت إلى الميقات، يقال لك: قف! إنك ستدخل منقطة جديدة فيها تُحَوَّر الشخصية، ستدخل في بوتقة، وتخرج من باب آخر بغير الشخصية الأولى، فتتجرد من ثيابك، وهل نزع الثياب ولبس الإزار والرداء مجرد شكليات أم أن وراءه شيء؟ لا والله! بل وراءه أشياء.
دخلنا إلى الميقات، وفيه مصري وشامي ومغربي وهندي وعربي وأعجمي، وغني وفقير، وو إلى آخره، وخرجنا من الباب الثاني سواسيةً، إزار ورداء، المصري ترك ثوبه أو جبته، وهذا ترك برنسه، وهذا ترك عباءته، والكل خرج بشكل واحد، الغني الذي كان يلبس ثياباً فاخرة رجع للإزار والرداء، والفقير الذي كان ثوبه مهلهلاً خرج بإزار ورداء، لا فرق لغني على فقير، ولا لكبير على صغير، ولا لمأمور على أمير، الكل سواسية.
إذاً: حصل تحوير أم لا؟ حصل مبدئياً.
وحينما تنزع ثيابك العادية تغتسل، وهل ثَمَّة نجاسة أو وسخ تريد أن تزيله؟ لا، لكن حينما تغتسل للإحرام تشعر بأنك تزيد في النقاء والتطهر، ويجب أن تنظر إلى الداخل، وتطهر صدرك، فلعله كان هناك تطاول على خلق الله، أو كان هناك غمز ولمز، أو كانت هناك سخريات، أو تفاخر، فيجب أن يغسَّل هذا كله: (الطهور شطر الإيمان) ، وألزم ما يكون من الطهارة أن تطهر داخليتك، فهل تنظف الظاهر والداخل تتركه على ما هو عليه؟! فتخرج من الميقات وأنت فعلاً تقول: لبيك اللهم لبيك، أقبلت عليك -يا رب- بكليتي قلباً وقالباً.
ومن تلك اللحظة تسير على مثال ملاك في شخصية إنسان، وتعلن التلبية، سِلْم لكل خلق الله، شعرك لا تنتف منه أي شعرة، وظفرك لا تأخذ منه أي وصلة، والصيد لا تمد يدك إليه، ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة:٩٤] لماذا؟ ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:٩٤] سبحان الله! محرم يقول: لبيك يا رب! والصيد أحل الحلال ويقول له: لا تأكله! والجمَّال أو السائق أو التاجر معك في سيارة واحدة يقتل الصيد ويأكل! مَن أولى بأكل الصيد؟ المحرم؛ ولكن لا.
زوجتك التي معك أحلها الله لك بكلمة الله، وقبل أن تقول: لبيك، أنت معها في الفراش، وحينما قلت: لبيك، قال: قف! لا تمسها.
ما السبب؟ أنت لما دخلت منطقة الميقات، دخلت من أجل تحوير شخصية، حتى تتعود العفة، وكف اليد عن الإيذاء والتعدي، وضبط النفس عن محارم الله؛ لأن الشخص الذي يكف يده عن الصيد لا يمدها إلى المال الحرام، والشخص الذي يتعفف عن زوجته لا يعتدي على محارم الآخرين، وهكذا تمشي وأنت سِلْم للطير في الهواء، وللوحش في الفلاة، وللزوجة التي معك حتى تقضي نسكك، فأنت في هذه الفترة في محل التمرين والتدريب والترويض، فإذا نجحت في هذه المرحلة نجحت في غيرها، فإذا وقع منك اعتداء أخذت جزاءه، فإن قتلت صيداً ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] ؛ وإن قربت زوجتك فعليك أن تمضي في هذا الحج على فساده، وعليك حج من عام قادم.
стр. 680
آداب الحج
قال الله في ذكر الآداب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] ، حتى المجادلة والمناقشة لا تجوز في الحج ولو كانت في حق، اللهم إلا مناقشة في مسألة علمية، بما يصحح إحرامك وحجك وصلاتك في سفرك، وفيما يتعلق بأمر دينك دونما جدال، بل على سبيل المفاهمة، وليس على سبيل المجادلة.
ما الفرق بين المفاهمة والمجادلة؟ المفاهمة: طلب الفهم، وكل واحد من المتفاهمَين يحاول أن يفهم من غيره ويفهِّمه.
ولكن الجدل: هو أن تفتل الحبل بقوة حتى يصير صلداً، والجديلة: هي القوية؛ من برم الحبال وظفرها بعضها مع بعض.
فالجدال فيه نقاش بشدة وحدة، أما المفاهمة فعلى سبيل المعروف والأخذ والعطاء، والقصد الوصول إلى الحق.
كل من الجدال والفسق والرفث ممنوع في كل وقت؛ لكنه في الحج ألزم.
لماذا؟ إذا كان كل اثنين سيتجادلان، ويأتي عربي وأعجمي، ويأتي واسع الصدر وضيق الصدر أحمق، فإذا حصلت مجادلة مع كل اثنين تخاصما فسيصير الحج فوضى.
لكن لا، فالذين يأتون من كل فج عميق هم في حاجة إلى التآلف والتعارف.
ومن هنا وجب أن يكون عمل المسلم في الموسم كله لأداء مناسكه، أما أن نشغل وقت الموسم لغير ذلك فهذا هو العبث، وخروج بالحج عن مجاله، فضلاً عن إفساده أو تضييعه.
فالحج ملتقى للمسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، والحرم مأمن لكل من يفد إليه، حتى الطير والوحش، وكانوا في الجاهلية يحترمون ذلك، فقد كان الرجل يرى قاتل أبيه أو أخيه فلا يرفع إليه نظره، ويتركه.
لماذا؟ حرمةً للبيت، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] .
فإذا خرج من الحرم قلنا: شأنك به.
إذاً: آداب الحج تبدأ منذ أن تحرم، وتلتزم بتلك الآداب: والرفث هو: حديث النساء بحضرة النساء، أنتم جئتم لتحجوا أم جئتم لتتغزلوا؟! هذا لا ينبغي.
والفسوق هو: الخروج عن الطاعة، ومنه: قولهم: فسقت النواة من الرطبة، وفسقت الحبة من الرحى: خرجت عن طحنها، وخرجت النواة من رطبتها، والفسق: الخروج عن طاعة الله، والفويسقة: الفأرة تخرج ليلاً للإفساد.
فلا فسوق في اللسان: بسباب أو جدال أو قذف.
ولا فسوق في اليد: بالاعتداء وإيذاء الآمنين.
ولا فسوق في العين: بالنظر والتتطلع إلى ما لا يجوز لها.
ولا فسوق في الأذن: بالاستماع إلى ما لا يحل لها.
ولا فسوق للقدم والرجل: بالسعي إلى ما لا يجوز لها.
((وَلا فُسُوقَ)) : عامة في كل ما هو خروج عن جادة الإسلام، فمن أدى مناسك الحج على تلك الآداب كيف تكون عاقبته؟!
стр. 681
هيئة قدوم الحاج إلى مكة ودخوله إليها
كل ما يتقدم عرفة تهيئةً لذلك اليوم العظيم.
فتمشي على تلك الحالة ملتزماً آداب الحج، ملبياً لله سبحانه، مؤمِّناً كل مخلوق من شرِّك، اللهم إلا المعتدي، كما يقال: سلم لمن سالمنا، وحرب لمن عادانا، ولا نقول مثلما يقول النصارى: إذا ضربك أحد على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن، لا والله! فإن اعتدوا علينا اعتدينا عليهم؛ ولذا قال ﷺ : (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والعقرب والحدأة والغراب والكلب العقور) ، إذا جاءت الحدأة وخطفت منا الأكل أنتركها؟ أو جاءت الفأرة أو العقرب، أو الحية أنستسلم لها؟ لا؛ لأن هذه مفسدات.
إذاً: المحرم سِلْم لمن سالمه، وحرب لمن عاداه، فإذا سار في طريقه حتى وصل مكة شرفها الله، يدخلها متذكراً دخول رسول الله ﷺ عام الفتح، فإنه دخل متواضعاً خافضاً رأسه حتى يكاد جبينه الشريف أن يمس رحل الراحلة تواضعاً لله أن فتح عليه مكة، وأنت شكراً لله أن منَّ عليك بهذا المجيء، وتأكد أنه ليس لوفرة مالك؛ فكم تركتَ أغنى منك في بلدك! ولا بقوة بدنك؛ فكم تركت من هو أقوى منك.
جئت بدعوة من الله، ولذا تقول: لبيك، وفي اللغة: حينما يناديك إنسان تلبي أي: تجيب الداعي، وأي نداء تلبيه أنت؟ يقول العلماء باتفاق: إن الله سبحانه لما كلف خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام برفع القواعد من البيت قال: يا إبراهيم! نادِ في الناس: إن الله ابتنى لكم بيتاً فحجوه، وهو قوله سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] .
﴿رِجَالاً﴾ يعني: على أرجلهم، وليس المعنى رجالاً دون النساء، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ : ذكر هذا في مقابل الرجال، والآن يأتون بسيارات، أو طائرة أو باخرة أو غواصة، ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ .
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] : هل يمكن أن تتحقق المنافع مع الجدال والخصومة واتخاذ المناسك شعارات خاصة؟ لا والله! لا تتم المنافع للناس إلا بالتآلف والتآخي واعتبار ذلك نعمة من الله؛ لأنه أعظم مؤتمر إسلامي ينظر فيه المسلمون مصالحهم.
فإذا وصلت إلى البيت، حمدت الله سبحانه، واستشعرت نعمته عليك، وأول ما تبدأ: الطواف بالبيت، كشخص ملهوف، وشخص له وجدان، وله إحساس ينتظر تلك اللحظة من زمن بعيد، فيأتي كالعاشق الولهان يطوف حول البيت تعبيراً عن اشتياقه لله، وأداءً للنسك الذي أوجبه الله عليه.
لما بنى إبراهيم البيت قال الله له: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ : نادِ في الناس: إن الله ابتنى لكم بيتاً فحجوه.
قال: وأين يبلغ ندائي؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ.
فصعد إبراهيم ﵇ على جبل أبي قبيس ونادى: أيها الناس! -وأين الناس الذين عنده؟ هو بوادٍ غير ذي زرع؛ ولكنه أمر الله- إن الله ابتنى لكم بيتاً فحجوه.
فلبى كل من أراد الله له الحج، حتى الذراري في الأصلاب، من لبى مرة حج مرة، ومن لبى أكثر حج أكثر.
أنت الآن تجلس بمذياع صغير قَدر الكف تضعه في جيبك وتحرك إبرةً صغيرةً، فيدور بك العالم من شرق إلى غرب ويأتيك بالأصوات، إذاعات على حسب موجات الأثير، تعطس في المذياع فيسمعك من كان في آخر الدنيا، إذا كان هذا صنعُ البشر، فكيف بالخالق ؟! فهو قادر أن يُبلغ الأصوات للخلق جميعاً حتى الذراري في أصلاب آبائهم.
وكما جاء في حديث خطبة الوداع في منى، يقول راوي الحديث: (ففتح الله أسماع الحجيج حتى سمعوا خطبة رسول الله ﷺ وهم في خيامهم) ، الرسول ﵊ يخطب في منى في مسجد الخيف، والله يفتح الأسماع ويبلغ الأصوات، فسمع كل من كان في منى، أكانت هناك مكبرات صوت؟! لا، لكن الله هو القادر على كل شيء؛ فكل من كان في منى سمع خطبة رسول الله، (بلغوا عني ولو آية) ، (رب مبلغ أوعى من سامع) ، وخطبهم وبين لهم أحكام الإسلام بمجملها في ذلك اليوم في تلك الخطبة.
إذاً: حينما تقول: لبيك، فهو إجابة لذلك النداء: إن الله بنى لكم بيتاً فحجوه، وقلت: لبيك، وأنت في صلب أبيك.
стр. 682
الحفاظ على أعمال الحج
نقول أيضاً: كيف تحافظ على طوافك، وهو أول أركان العمل؟ قد يكون طواف قدوم، أو طواف حج، أو طواف عمرة! فإذا طاف الطائف حول البيت والحِجر تم طوافه، أما إذا فعل مثل أولئك الذين يختصرون الطواف من داخل الحجر، فيدخل ويخرج من الباب الثاني، ويترك الحجر عن يمينه، فما طاف بالبيت، وضيع حجه.
إذا جاء وحافظ على طوافه، ثم جاء إلى السعي بين الصفا والمروة، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة:١٥٨] إلى آخر السياق، فيؤدي هذا النسك كما أمر الله .
وهكذا وتجردك وتهذيب نفسك وكفها عما أحل الله فضلاً عما حرم، وطوافك بالبيت، والتزامك الملتزَم، وتقبيلك الحجر، وصلاة ركعتي الطواف خلف المقام.
وتذكر: أيُّ مقام هذا؟ ولمن؟ كان إبراهيم ﵇ يقوم ببناء البيت ومعه إسماعيل، وهذا الحجر كان يرتفع به إبراهيم عند البناء وينزل به، ما كان هناك (مصعد) ، ولا كانت هناك آلات رافعة، وتتذكر مع كل ذلك نعم الله وقدرته.
فإذا جئت إلى الصفا والمروة تذكرت الآية الكبرى، وأخذت الدرس الأكبر في حياتك من قصة أمنا هاجر، وفي الأثر: (اسعوا كما سعت أمكم هاجر) .
وأنت تطوف وتهرول ثلاثة أشواط، لماذا تهرول؟ تذكر حينما كانوا في صلح الحديبية، وكتبوا الصحيفة وأبرموا الاتفاقية على أن يرجعوا ويأتوا من عامهم القادم معتمرون ثلاثة أيام ويرجعون، فجاءوا لقضاء العمرة.
فلما جاءوا إلى البيت وأرادوا أن يطوفوا لعمرتهم في السنة التي تلي عمرة الحديبية، وهم على مقتضى الشرط عزل، إلا السيوف في قرابها، فلما أصبحوا في بطن مكة بين يدي العدو، وأهل مكة قد أخلوا لهم الطرقات، وخرجوا على رءوس الجبال لينظروا ماذا يفعل محمد ومن جاء معه? فيأتيهم أستاذهم الأكبر إبليس، ويقول لهم: أين أنتم؟ هؤلاء قد جاءوا من يثرب، وقد أنهكتهم حمى يثرب، وأنهكهم السفر، لو ملتم عليهم ميلة رجل واحد لقضيتم عليهم واسترحتم، انظروا إلى هذه المكيدة! فبيننا وبينهم عهد، وهذا العهد كما يقال: حبر على ورق، ليس له قيمة، ومن سيحاسبهم بعد هذا؟! يحرضهم على أن ينقضوا العهد وأن يقتلوا المسلمين داخل المطاف! أسألكم بالله لو نفذوا هذه الفكرة ماذا يفعل المسلمون؟ هل عندهم مدد يأتيهم من المدينة؟ ومتى يجيئهم؟ هل عندهم مدد من القبائل المجاورة؟ ولا يستطيعون أن يعاونوا هؤلاء على قريش؛ ولكن كما يقول علماء التربية: لا يفل الحديد إلا الحديد.
فيأتي جبريل ﵇ ويخبر رسول الله بما أتى به إبليس.
إذاً: تلك فكرة متوجهة للمسلمين، ويجب أن نبطلها بفكرة مناقضة، لا تكن كالشخص المريض البردان الذي لا يقدر أن يحرك نفسه، لا، بل شَمِّر وهروِل، فنزلوا الطواف مهرولين مشمرين، والمشركون ينظرون إلى هؤلاء يقفزون مثل الغزلان، فقال بعضهم لبعض: يقولون: أنهكتهم حمى يثرب وأضعفهم السفر، والله! إنهم ليطوفون وكأنهم الغزلان، ما لنا طاقة بمثل هؤلاء، وأبطلت الخدعة أو الفكرة في محلها.
تأتي أنت اليوم يقول لك المطوف: اضطبع وهرول، فنقول: أولئك لما طافوا كانوا خائفين، ونحن اليوم آمنون ولسنا خائفين! فلماذا نهرول؟ فنقول لك: من حكم العقل في الشرع أبطل السنة.
جاء رجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أمير المؤمنين! لقد هرولنا مع رسول الله حينما كنا خائفين، والآن نحن آمنون فعلام نهرول؟ قال: يا ابن أخي! لقد هرولنا ونحن خائفون، وهرول رسول الله ﷺ في حجة الوداع ونحن آمنون وهرولنا معه، فتلك سنة رسول الله.
أنت الآن آمن والحمد لله، أدامها الله علينا وعلى المسلمين جميعاً، وحينما تهرول وتسأل عن الحكمة، يقال لك: أصحاب رسول الله وقع عليهم كذا وكذا، فتتذكر فضل الله عليك، وتعرف مدى حقهم علينا؛ لأننا نعيش في ظل كفاحهم وجهادهم، وننظر كم ضحوا من أجل الإسلام والمسلمين من بعدهم.
стр. 683
عبرة وعظة من السعي بين الصفا والمروة
تأتي إلى الصفا والمروة، فيقال: اجرِ بين العلَمين، أيضاً ستسأل: لماذا أجري؟ ومن العجب! أني سمعت شخصاً يقول له صبيٌّ صغيرٌ: اجرِ هنا، قال: لماذا؟ قال: لأن سيدتنا هاجر كانت تجري هنا لما كانت تطلب الماء لولدها.
فكان جوابه: هي تطلب الماء لولدها، وأنا ما علاقتي؟! هذا من قلة الفهم! الرسول ﷺ كم بينه وبين هاجر؟ ومع هذا كان يجري ويسرع بين العلَمين؛ لأنك عندما تمشي تلك الخطوات تأخذ هذا الدرس في هذا المكان، وثق أن كل خطوة وكل شبر تخطوه في مناسك الحج هو درس وعبرة! نعلم جميعاً أن أرض الشام تسمى أرض النبوات؛ لأن جميع أنبياء بني إسرائيل كانوا في الشام، فلما صار بنو إسرائيل غير صالحين لحمل الرسالة للبشر نقلها الله إلى البيت الحرام، وإلى ذرية إسماعيل، ونقلها إلى تلك البقعة في شخصية إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قال الله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] ، ومن الابتلاء أنه حرم الولد، وما رزقه إلا بعدما بلغ الثمانين من عمره، ومن الابتلاء ما وقع له في بادئ أمره مع أبيه، ومع النمرود ومع قومه حتى تحداهم في الأصنام وكسَّرها، فأوقدوا له النار، وصبر عليها، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، ثم هاجرَ، وكل ذلك ابتلاء من الله، وإبراهيم يتم ويوفي: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] .
﴿فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة:١٢٤] ، ومن الابتلاء: أنه لما رُزِق الولد، لم يقر عنده، وتطيب نفسه به لله، ثم بأمر من الله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ، كأن قوله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يريد به: عوضاً عن الزرع والمياه ونحوها.
ثم تأتي الدعوة: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً﴾ [إبراهيم:٣٧] ما قال: أرجلاً أو عيوناً أو أشخاصاً، لا.
بل ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧] ، تكون في أقصى الشرق أو أقصى الغرب وقلبك يهوي إلى بيت الله الحرام، وربما ترسل الهدايا إلى البيت، والرسول ﷺ كان يرسل هديه من المدينة إلى مكة وهو جالس في بيته.
فترك إبراهيم هاجر وطفلها الرضع، وتأتي هنا المعجزة والدرس لكل من يسعى بين الصفا والمروة، امرأة مع طفل رضيع، ومعها سقاءٌ من ماء بواد غير ذي زرع، يضعها إبراهيم ويعود راجعاً.
فتسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ - راجع إلى الشام.
- لمن تدَعْنا هاهنا؟ - لله.
- آلله أمرك بهذا؟ لأنه شيء غير معقول! - نعم.
- اذهب فلن يضيعنا الله.
لاحظوا إيمان امرأة معها طفل تخاف عليه، ما دام أن هذا أمر الله فاذهب فلن يضيعنا.
أي إنسان عنده هذا اليقين بالله؟ ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ ، ولا ماء ولا أنيس ولا جليس ولا شيء، وهي وحدها ومعها طفلها، فقالت: ما دام أن هذا من أمر الله فاذهب؛ فنحن في رعاية الله ولن يضيعنا.
أيوجد اتكال على الله أكثر من هذا؟! ثم الماء الذي في السقاء انتهى، فأخذت تبحث عن الماء، وتريد أن تستطلع الوادي؛ لأن مكانها عند البيت منخفض، وإلى الآن تجدون محل الكعبة منخفضاً، حتى إن السيول كانت تدخل الحرم.
فنظرت إلى أقرب مرتفع إليها لتصعده وتستطلع ما وراءه لعلها تجد غادياً أو رائحاً يسعفها بماء، فكان الصفا، فصعدت عليه ولم تجد شيئاً.
فنظرت إلى أقرب مرتفع آخر تستطلع ما وراءه فإذا به المروة، وحينما تنزل من الصفا إلى بطن الوادي ينخفض مستوى النظر ويغيب عنها طفلها، فتسرع حتى تأتي إلى الجانب الثاني لترى ولدها، فتمشي مشياً عادياً، وهكذا بقيت ذاهبة آتية سبع مرات، فإذا بالمولى الكريم يغيثها بجبريل، فيأتي ويشق زمزم.
ولِم لَم يكن هذا من أول مرة؟
الجواب
لما كانت آمالها مرتبطة بأسباب الأرض والخلق تُركت حتى تخلصت من تلك العلائق البشرية، ولم يكن أمامها مطمع في مخلوق، واتجهت إلى الخالق بكل إخلاص، فكان الفرج من عند الله.
وهكذا المولى سبحانه يريد أن تخلص اتجاهك إليه، وإذا رفعت أكفك وقلت: يا ألله.
لا يكون في القلب سواه، فإذا توجهت حقيقة بقولك: يا ألله، كان لله، وليس لأحد سواه، فثق عندها بالإجابة.
وبعضهم يقول: هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب.
لكن أقول: لا، عند الاضطرار والتوجه بصدق، فإن أي اسم من أسماء الله يجري على لسانك يجيبك به؛ لأن المولى يريد أن تخلص له بالدعاء، كما جاء في حديث نصرة المظلوم: (إني لأنصر المظلوم ولو كان كافراً) ، لماذا؟ لأنه علم أن له رباً فدعاه، فالكافر المشرك الذي يعبد الصنم أو يقول: الله ثالث ثلاثة، أو يقول: عزير ابن الله، هذا يفعله في حالة الرخاء والسعة، وعند الشدة يترك كل شيء، ويتجه إلى الله الواحد الأحد؛ لينصره من مظلمته، وهنالك يستجيب الله له؛ لأنه رفض كل الآلهة، واتجه إليه وحده.
حصين لما جاء وسأله رسول الله: (كم لك من إله؟ قال: سبعة.
ستة في الأرض، وواحد في السماء.
قال: من الذي لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء) .
يعني: عند الرغبة أطلب منه، وعند الرهبة أخاف منه، والبقية لست خائفاً منهم، ولا أطلبهم، فإذا كان الذي لرغبتك ورهبتك هو الذي في السماء، وهو الله سبحانه، فإذاً أنت مؤمن بالله في حالة الطلب.
وهكذا أمنا هاجر حينما سعت وترددت كان ترددها بمثابة صقل لهذا القلب، ونزع لكل خيوط الأمل من الأرض والبشر، حين تتوجه التوجه الخالص إلى الله، فجاء جبريل يشق الصخرة، وتنبع عين زمزم على وجه الأرض، حتى ترى الماء عند ولدها، وتأتي وتقول: زمِّي زمِّي، ويقول ﷺ : (رحم الله هاجر! لولا أنها زمَّتها لكانت زمزم نهراً يجري) .
إذاً: كيف تحافظ على السعي؟ وكيف تستفيد منه؟ الشخص الذي هذب نفسه، وجدد يقينه بالله، وتوكل عليه حق اتكاله؛ ينقلب إلى بلده وهو لا يرجو ولا يخشى ولا يعبأ بأحد إلا بالله.
стр. 684
دروس من منى وعرفات
ثم تأتي إلى عرفات، وقد هيئت تهيئةً كاملةً في العفة وفي الأمانة وفي التوكل، فتأتي إلى عرصة عرفات وأنت عبد رباني حقاً، وهناك يتجلى المولى سبحانه لأهل الموقف، كما جاء في الحديث: (إذا كان عشية يوم عرفة ينزل ربنا إلى سماء الدنيا يباهي بأهل الموقف ملائكةَ السماء) ، أهل الموقف يخطئون ويصيبون، وملائكة السماء ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ، لكن يباهي الله بأهل الموقف الملائكةَ ويقول: انظروا (انظروا إلى عبادي! جاءوا شعثاً غبراً ماذا يريدون؟ فيقولون: يا رب! يرجون رحمتك، ويخشون عذابك.
فيقول سبحانه: أُشهدكم -يا ملائكتي- أني قد غفرت لهم، أفيضوا مغفوراً لكم، ولمن شفعتم فيه) .
بعد هذا تنزل إلى منى، وتبدأ برمي جمرة العقبة، والقضية ليست حصيات ترميها أو تتمرن على هدف؛ فقد كنت قبل الحج مثقلاً بذنوب، ومكبلاً بقيود أوثقك بها عدوك إبليس، وحمَّلك إياها، وأنت قد جئت إلى بيت الله، وها أنت تفيض من عرفات لا قيد عندك ولا وزر عليك، فهل تكون نشيطاً أم كسلاناً، قوياً أم ضعيفاً؟ لا شك أنك قوي، فتأتي إلى عدوك وتأتي إلى الجمرات وهي رمزٌ للشيطان، كان يبدؤك بالعداوة وبالنكال وبالحرب وينتصر عليك، وأنت الآن في موقف القوي المنتصر، فتعلن عليه الحرب: باسم الله، الله أكبر، رجماً للشيطان، وإرضاءً للرحمن.
والذي يبدأ بالحرب على عدوه، ويعلنها عليه، أينام له ويسكت؟ لا، بل يكون في يقظة دائمة.
стр. 685
وقفة مع نحر الهدي ورمي الجمرات
ثم تذهب وتنحر الهدي وتتذكر فداء إسماعيل، وتتذكر بر الوالدين، وتذكر قول إبراهيم لإسماعيل ﵉: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] ، لو جاء أبوك الآن وقال: أريد أن أذبحك، أريد أن أقطع إصبعك، ماذا ستقول؟ ستقول: يا أبي! ماذا بك؟! ما الذي صار في عقلك؟! بل لو قال: أريد نصف مالك لامتنعت.
وهذا إبراهيم يقول لولده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الصافات:١٠٢] ولاحظ قوله: (إن شاء الله) ، فهي أكبر عون للعبد ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] ، ويتم الأمر: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٣-١٠٥] هنا انتهت المهمة.
ومن هذا تأخذ درسك: إن كنت ولداً فإلى أي حد تبر أبويك؟! وإن كنت والداً فإلى أي مدى تطيع الله فيما أمرك؟! وكذلك الأم.
جاء الشيطان إلى إسماعيل وقال له: أين تذهب مع أبيك؟ قال: لينفذ أمر الله.
قال: مره فلينتظر حتى يأتي الوحي عياناً؛ فيأخذ الحصاة ويرميه.
فيذهب للشيخ: أين تذهب بولدك؟ قال: لأنفذ أمر الله.
قال: انتظر حتى يأتيك الوحي عياناً؛ فيأخذ الحصاة ويرميه.
فيذهب للأم هناك: تركتِ ولدك مع هذا الشيخ! أتدرين ماذا يفعل به؟ فتقول: إلى أمر الله، إنه أبوه.
قال: سيذهب الآن ليذبحه.
قالت: إنه أمر الله، وتأخذ الحصاة وترميه.
ويقولون: هذا سبب رمي الجمرات الثلاث، والله تعالى أعلم.
قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:١٢٨] ، والله أراه المناسك، ولا زالت من زمن إبراهيم حتى اليوم مناسك المسلمين.
وهكذا يجب عليك أن تكون محافِظاً على حجك دونما ضياع ولا إهمال، حتى تقضي حجك.
روي أن النبي ﷺ ذكر فضل الحج من مجيئك وخطو راحلتك، وطوافك وسعيك ووقوفك بعرفة إلى طوافك بالبيت وفيه: (تطوف بالبيت ويأتي ملك يربد بكفه بين كتفيك ويقول: استقبل عملاً جديداً، فصحيفتك بيضاء نقية) .
وهكذا نكون قد حافظنا على الحج بما أوجب الله .
والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.
стр. 686
شرح الأربعين النووية - الحديث الثلاثون [٣]
стр. 687
فريضة الجهاد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: من الواجبات التي ضيعها الناس الجهاد.
وقد يكون الجهاد واجباً عينياً، وقد يكون واجباً كفائياً؛ ولكن يهمنا أن الله أوجبه في الجملة، والحفاظ عليه مسئولية على الأمة الإسلامية، لا مسئولية فرد من الأفراد، ولا جماعة من الجماعات، ولا دولة من الدول، بل مسئولية العالم الإسلامي كله.
وتضييع الجهاد يكون بأحد أمرين: ١- تركه بالكلية.
٢- أو ترك إعداد العدة له.
стр. 688
من إعداد العدة: الاهتمام بالصناعات العسكرية
إن الله أمر الأمة أن تعد العدة للقتال ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ.
﴾ [الأنفال:٦٠] إلى آخره.
والرسول ﷺ يقول: (إذا اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) .
فاتباع أذناب البقر دليل على الاشتغال بالزراعة، والتبايع بالعينة دليل على الاشتغال بنوع من أنواع البيوع المختلف في حكمها، والجمهور على تحريمه، ومعنى هذا: ترك الجهاد والاشتغال بأمور الدنيا.
وقد بين المولى سبحانه ذلك فقال: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ، وفسرها الصحابي الجليل أبا أيوب الأنصاري بأن ذلك بترك الجهاد في سبيل الله، وذلك حينما اصطف المسلمون مع أعدائهم في بعض المعارك، فقام فارس من المسلمين واخترق صف العدو حتى نفذ من الجهة الأخرى، ثم كر راجعاً، فقال بعض القوم: ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقال: لا والله! أنتم تفسرون هذه الآية على غير ما نزلت، كنا أصحاب رسول الله ﷺ نجاهد مع رسول الله، فقلنا ذات يوم: لقد فتح الله على رسوله، وانتشر الإسلام، وعلت راية المسلمين، لو رجعنا إلى مزارعنا فأصلحناها، وإلى تجاراتنا فأدرناها؛ فنزلت الآية الكريمة: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: بترك الجهاد، والاشتغال بأمور الدنيا.
ومدار الأمر كله في هذا الباب على إعداد العدة، وكل شيء يعد، والآية الكريمة لم تحدد نوعاً من العدة، وتركت ذلك لتقدير المسلمين بحسب ظروف الحياة، فالعدة في سابق الزمن كانت بالخيل والسيف والرمح، واليوم بكل ما وُجد.
ويقول الخبراء العسكريون: السلاح اليوم هو الإنتاج.
ويقول النووي من قبل: إن تعلم الصناعات واجب كفائي، وعلى الأمة أن تتعلم كل صناعة حتى الإبرة -يقول ذلك في مقدمة المجموع -وهو موسوعة فقهية- حينما تكلم على أقسام العلوم، وما يجب على الأمة أن تتعلمه، وأنه يجب تخصص طوائف للفنون المختلفة- ويقول: لو قصرت الأمة الإسلامية في صناعة الإبرة لاحتاجت إلى عدوها في جلب الإبرة وتحكم العدو فيها في تلك الإبرة، فتجلس عرياناً لا تستطيع أن تخيط ثوباً، هكذا يقول النووي ﵀.
ونحن اليوم شاهدنا جانبين في الحرب والسلم، وإن كنا لا نتتبع الإذاعات والأخبار فقد استفاضت الأخبار في مد روسيا أنابيب لصربيا، فأمريكا ماذا فعلت؟ أعلنت عليها حرباً، بأي شيء؟ لا بالقذائف ولا بالنوويات ولا بالصواريخ، بل منعت عنها القمح، امتنعت من تصدير القمح لها، فقامت روسيا تفرج عن رصيد ذهبي من رصيدها لتشتري القمح من كندا.
وفي أثناء معركة رمضان -حرب العبور- وقفت روسيا قطع الغيار عن الجيش المصري حتى يدفعوا الثمن نقداً، ويقوم الملك فيصل -الله يغفر له ويرحمه- ويقدم شيكاً مفتوحاً، ويدفع قيمة قطع الغيار فوراً.
وأي نكاية أكثر من هذه؟! في أثناء المعركة تمنع القطع وتقول: أعطونا الثمن فوراً، بلد في حرب، واقتصادها متحمل الشيء الكثير، وفي تلك اللحظة تقول: أعطونا؟! فمعنى ذلك أنكم ضدنا في هذه الحرب! إذاً: المنتج للسلاح هو المتحكم في العالم.
قال الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] : القوة تكون في السلاح والإنتاج والاقتصاد والتعليم، وأصبحت الأسلحة الآن كيماوية وغيرها.
الأمة اليوم ضيعت الجهاد في سبيل الله بتضييع إعداد العدة التي تقابل سلاح العدو، وكما يقولون: لا يفل الحديد إلا الحديد، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥١] ، بأي شيء يدفعون؟ كلما تعادلت القوتان أمن الناس من الحرب، أما إذا غلبت كفة إحدى الجانبين فما الذي ينتظر؟ أن ينقض القوي على عدوه؛ لكن إذا عرف أن هناك ما يقابل سلاحه تعادلت الكفتان فتوقفتا.
فالأمة اليوم ضيعت الجهاد، وكان السلف رضي الله تعالى عنهم يقاتلون قدر الطاقة، وكان هارون الرشيد ﵀ يغزو سنة، ويحج أخرى.
стр. 689
من إعداد العدة: التدريب والتعليم
الجهاد في سبيل الله مما أوجبه الله، فكيف نحافظ عليه كما نحافظ على أركان الإسلام؟ نعد له العدة، والعدة هذه هل ستعمل بذاتها تلقائياً أم أنها تحتاج إلى أيدٍ تُعْمِلها؟! تحتاج إلى أيدٍ عاملة.
إذاً: يجب إعداد الرجال والشباب، وتدريبهم وتعليمهم وتمرينهم حتى تكون هناك قوة.
وليس الجندي مجرد الذي يحمل السلاح في الميدان، بل كذلك من يخدم هذا الجندي في مصانع الأسلحة والأنسجة، فهناك من يصنع له الفراش، وهناك من يصنع له الثياب، فكل من يؤمِّن طلبات الجندي فهو في الجندية، وهو في سبيل الله.
من عظيم أجر الفارس أن فرسه ما ترتع في مرعى، ولا تشرب من ماء ولا تصعد شرفاً، ولا تهبط وادياً، ولا تروث روثاً، إلا كان ذلك كله في حسناته، أما المجاهد بنفسه فيكفي تلك الصفقة التي بينه وبين الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] .
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠-١١] .
إذاً: مما يجب على الأمة الإسلامية مجتمعة: أن تعيد النظر في أمر الجهاد في سبيل الله، وقد أشرنا أنه قبل أن نرفع السلاح ونقاتل العدو؛ يجب أن نصلح ذات بيننا، كما جاء في مطلع سورة الأنفال، وهي في ذكر أعظم انتصار للمسلمين في غزوة بدر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] ، فقبل أن يتكلم عن المعركة ونتائجها قال: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ، وهذا باب واسع، ويهمنا التنبيه عليه فقط.
ننتقل إلى القسم الثاني من الحديث، وقد انتهينا من جعل القسم الأول: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها) أي: بالحفاظ عليها وإقامتها.
стр. 690
الحدود في الإسلام
قال رسول الله ﷺ : (وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها) : هذا القسم الثاني من الحديث، ويستوجب من طالب العلم أن يقف عنده طويلاً أكثر من قوله: (فَرَض فرائض) ؛ لأن: (حدَّ حدوداً) أعم من تلك الفرائض.
стр. 691
تعريف الحد لغة
الحد في اللغة: المنع، تقول: هذا حد البيت، أو: هذا حد الملك، وكل عين من العقارات لها حدود أربعة: شرق وغرب وشمال وجنوب، وفائدة هذا الحد: أن تمنع المحدود أن يخرج عن حده، وتمنع غير المحدود أن يدخل داخل تلك الحدود، فهو مانع، وكما قالوا: إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند يعني: امنعها.
وقالوا: سميت العقوبات لبعض الجرائم حدوداً؛ لأنها تمنع الناس من الوقوع فيها، وسماها ﷺ حداً في قضية المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده، ثم سرقت ورُفع أمرها إلى الرسول ﷺ ، وصدر الأمر بقطع يدها، فأرسلوا إليه حب رسول الله وابن حبه أسامة يشفع فيها، فقال ﷺ : (أتشفع في حد من حدود الله؟!) قالوا: قطع اليد حد في السرقة، والجلد حد في الشرب أو القذف أو الزنا للبكر، والرجم حد في زنا الثيب.
وهذه الحدود موانع وزواجر عن وقوع الإنسان في هذه المعاصي التي جُعلت لها هذه الحدود.
ويقال عن المتوفَّى عنها زوجُها: هي في حداد؛ لأنها مُنعت من الزينة، سمي الحديد حديداً لقوة مناعته.
إذاً: الحد في اللغة: المنع.
стр. 692
تعريف الحد شرعاً
الفقهاء يقولون: الحد: هو ما شرعه الله عقوبةً على المعاصي، قال ﷺ : (إقامة حد خير من مطر أربعين يوماً) ، وهذا من بركة تحكيم كتاب الله.
ويطلق الحد على المعنى الأصلي: التعريف والتمييز.
ويقول المناطقة: الحد هو ذكر الجنس مع الفصل، فحد الإنسان عند المناطقة: أنه حيوان: وهذا الجنس، ناطق: وهذا الفصل؛ لكي يميزوه عن الصاهل والناهق.
إلى آخره، فالكل حيوان؛ لكن يأتي الفصل الذي يختص بهذا النوع فيميزه ويحدده.
وتقول: حد الشفعة كذا، وحد الواجب كذا، أي: تعريفه وتمييزه عن غيره.
فقالوا: الحد: كل ما نهى الله عنه وبينه وميزه عن غيره، فأصبح محدوداً بتعريف الشرع إياه.
وبعضهم يقول: الحد هو الشرط.
стр. 693
ذكر الحد في سورة البقرة
لو تتبعنا كتاب الله في لفظة الحد بكل تأنٍّ نجدها جاءت في سورة البقرة عدة مرات، وفي النساء، والتوبة، والمجادلة، والطلاق، فلننظر في هذه الألفاظ التي جاء فيها لفظ الحد: أول ما يصادفنا لفظ الحد في سورة البقرة، في آية الصيام وحكم الاعتكاف: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] .
وإذا تأملت المصحف من أول ﴿الم﴾ [البقرة:١] تجد تقسيم الناس الثلاثي: مؤمنين وكافرين ومنافقين، ثم تجد سياقاً طويلاً مع بني إسرائيل: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى.
﴾ [البقرة:٦٠] ﴿أَفَتَطْمَعُونَ.
﴾ [البقرة:٧٥] ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:٩٢] ، إلى أن يأتي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ .
إذا وقفنا عند حدود الله تلك نجد بعض المفسرين يقول: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، يعني: لا تقربوا النساء وأنتم عاكفون.
ويجيب البعض الآخر ك أبي حيان ويقول: لا، هذا مفرد، ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ [البقرة:١٨٧] هذا شيء واحد؛ ولكن (تِلْكَ) : اسم إشارة ترجع إلى آيات الصيام بكل ما فيها من أحكام، وآيات الصيام نجد في أولها: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٤] ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً﴾ [البقرة:١٨٤] ، ثم: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى﴾ [البقرة:١٨٧] ، ثم: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] .
إذاً: آيات الصيام فيها حدود من المحرمات، وفي النهاية قال: ﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] .
ولكن قبل آية الصيام تجد آية الوصية عند الموت: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] ، وتجد قبل الوصية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] ، وقبلها: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة:١٧٧] ، وقبلها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:١٧٦] .
وقبلها: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ [البقرة:١٧٣] .
ثم ذكر المحيض، ثم الإيلاء والحلف على الزوجة، ثم الطلاق: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة:٢٢٧] .
وسياق عشرة الزوجة طويل، من آية نكاح المشركات والمشركين، وكل ذلك موضوعه يتعلق بعشرة الزوجة ابتداءً وعشرةً وفراقاً.
إذاً قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يعني: محارمه التي حرَّمها وحدَّها وميَّزها وجعلها بين الحلال والحرام، ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] .
стр. 694
ذكر الحد في سورة التوبة
ننتقل إلى سورة التوبة قال الله: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧] ، هذه الحدود عامة، سواء كانت في العقوبات أو في الحلال والحرام.
ثم في نفس السورة بعد الأولى بعدة آيات نجد قوله تعالى:: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١٢] ، وهذه شاملة، وفيها مدح للذين يحفظون حدود الله ومحارمه مطلقاً.
стр. 695
ذكر الحد في سورة المجادلة
ننتقل إلى سورة المجادلة قال الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:١-٢] ، بعد منكرٍ وزور عفوٌّ عفور، لاحظوا فضلَ الله! ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً.
﴾ ، قد تحتاج: (والله شديد العقاب) ؛ لكن (والله عفو غفور) ، والله! إنها لسعةُ فضل من الله؛ لأنها قضايا قد تقع بين الزوجين، وكأن الله يرشد الزوجين إلى المغفرة والرحمة فيما يقع بينهما، لا أن يقفا بسوط وبعصا، ويعاقب كل منهما صاحبه، مع أن الظهار لا يأتي إلا في حالة الغضب، فلو قال: (والله شديد العقاب) ، إذاً: فدَعْه يأخذ حقه منها؛ لكن (عفو غفور) فبدلاً من أن تقول لها: أنت علي كظهر أمي، قل لها: أنت كأختي عاطفةً ورحمةً ومودة، أنت تقول منكراً من القول وزوراً، والله يقول لك: أنا عفو غفور! ثم بعد هذا المنكر من القول والزور من العبد يأتي الحل وفض المشكلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣] : ليس معنى (يَعُودُونَ) أي: إلى قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، لا، بل يعود إلى التي قال لها: أنت علي كظهر أمي، يعود إليها كزوجة، ولكن قبل ذلك: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] ، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [المجادلة:٤] ، وما قال: (فمن لم يجد) ؛ لأن هذا راجع إلى الاستطاعة، والصيام موجود.
﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [المجادلة:٤] : هم مؤمنون من السابق؛ ولكن لتؤمنوا بفرائضه وتشريعاته، والإيمان بالله يستلزم السمع والطاعة، وكأنه يقول: إيمان عمل، إيمان تنفيذ.
﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ.
﴾ [المجادلة:٤] : لأنه قال: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة:٤] ، فمن لم يؤمن بتشريع الله، ولم يعمل بهذه الحدود ويقيمها كما أمر الله يكون كافراً، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٤] .
إذاً قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة:٤] لقضية الظهار بكاملها، والإيمان بالله يكون اعتقادياً، وعملياً.
стр. 696
أقسام خطاب الله للنبي ﷺ في القرآن
ويقول الله في سورة الطلاق: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق:١] ، وهذا نداء خاص للنبي ﷺ ، ولذا ويقول العلماء: إذا جاء الخطاب بخصوص النبي ﷺ فله عدة حالات: - تارة لا يدخل هو في الخطاب أبداً، وليس هو معنياً به، والأمة معنية به في شخصيته.
- وتارةً يكون خاصاً به فلا يشركه أحد غيره.
· وتارةً يكون الخطاب خاصاً به، والأمة تشترك معه فيه.
стр. 697
قسم لا يتناوله ولا يمكن أن يدخل تحت نطاقه
مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣] : (الكاف) هذه متوجهة إلى المخاطَب بها، وهو الرسول ﷺ .
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣-٢٤] : أين أبَوَا رسول الله ﷺ ؟ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف﴾ سبحان الله! أبوه توفي وهو حملٌ في بطن أمه، وأمه توفيت وعمره خمس سنوات، والقرآن نزل عليه بعد أن جاوز الأربعين من عمره.
فكيف يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] ، وهما غير موجودين الآن؟ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] ، هو ليس بقائل لهما.
﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] : هما ليسا موجودَين حتى ينهرهما؛ فالخطاب -إذاً- خاص بشخصه ﷺ ، والحكم لغيره.
ولماذا جاء الخطاب بخصوصه مع أنه ليس داخلاً فيه؟ إعظاماً لحق الأبوين، أي: لو كان أبواه على قيد الحياة لكان هذا حكمهما، حتى ولو ماتا على الكفر، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] .
تحسسوا رحمة الله يا إخوان! تحسسوا سعة فضل الله، الأبوان كافران يجاهدان الابن على أن يشرك بالله، والمولى سبحانه الذي يأمران بالإشراك به يقول: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] : يحرضاني على الشرك وتقول لي: صاحبهما بالمعروف! أبواك هما سبب وجودك، حقي أنا متساهل فيه؛ لكن حقهم عليك لا تضيعه، ما دمت مسلماً لي وعبداً من عبادي؛ فإني أريدك على المثالية العليا، لا أريد عبداً من عبادي يضيع حقاً واجباً عليه.
стр. 698
قسم يختص به وحده
مثل قضية المرأة الواهبة نفسها، قال الله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] : أبداً، ما أحدٌ له دخل في هذه الآية، ولذا لا يحق لمسلم أن يستبيح بضع امرأة بوهبها نفسها إليه، فهل تقول: وهبتُ نفسي إليك، فيقول: قبلت، وتباح له؟ لا.
بل هذه خالصة للنبي، لماذا؟ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] فهو ولي من لا ولي له، كما لو كانت لك أمة وتعتقها وتتزوجها، لا تحتاج إلى إنسان يعقد لك عليها؛ لأنك أنت وليها.
ولذا حينما صعَّد النظر فيها وصوَّب وتركها، قام رجل وقال: (زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، قال: ماذا عندك لتدفع لها صداقاً؟ ثم قال: زوجتكها بما معك من القرآن) ، وهل قال لها: ائت بأبيك أو أخيك أو عمك أم أنه هو الذي تولى زواجها؟ هو الذي زوَّجها لا غيره، وكانت تريد أن تزوج نفسها به، وهذا معناه: أنها بعيدة عنه، وتحل له، وليس هو من محارمها، ومع ذلك يقول: (زوجتكها) .
لماذا؟ لأن له حق الولاية على كل مسلم، فتصح الهبة إليه، أما أنت فلا ولاية لك على غيرك.
стр. 699
قسم خاص به وتشترك معه الأمة
مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [التحريم:١] ، ولا أخص من هذا: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] ، وهذا خطاب خاص بشخصية الرسول ﷺ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم:١] ، أي: أنت.
﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١-٢] ، كان يقول والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه-: الخطاب ابتداءً للنبي؛ ولكن الأمة معه بدليل: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] ، ولو كان خاصاً به لقال: (قد فرض الله لك تحلة يمينك) ؛ ولكن لما جاء إلى الحكم وإلى إصلاح هذا الأمر شمل الأمة.
إذاً: الأمة داخلة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ، فيشملها الحكم؛ لكن سبب الحكم كان خاصاً برسول الله.
يقول الله: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق:١] ، هذا خطاب للنبي ﵊ ومعه غيره.
﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ : أولاً.
﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ : ثانياً.
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ : ثالثاً.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] أي: لا تخرجوهن أنتم اعتداءً وغضباً، وكذلك هن لا يخرجن؛ لأن لها الحق أن تبقى إلى العدة ما دامت رجعية.
﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق:١] : خمسة أحكام، فقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق:١] ، راجعة لجميع ما تقدم من آداب وأحكام الطلاق من إحصاء العدة وإبقاء الزوجة في بيت الزوجية ولا تُخْرَج ولا تَخْرُج ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ .
стр. 700
الفرق بين (تعتدوها، وتقربوها) في الحدود
في هذا الحديث قال: (وحد حدوداً فلا تعتدوها) ، وفي الآية: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] ) .
ولو رجعنا إلى المواضع في كتاب الله التي ذُكرت فيها الحدود، وعمل لها أحد فهرساً سيجدها قد شملت جميع أبواب الحرام في كتاب الله، فمنها: · ما يتعلق بالعبادات في الصيام.
· وما يتعلق بالدماء.
· وما يتعلق بالأحكام عند الموت في الوصية.
· ثم يأتي إلى الاعتكاف تتمةً للعبادات.
· ثم يأتي إلى موضوع الطلاق.
· وما يتعلق أيضاً بنوعية الزواج من المشركات والمشركين.
· وما يتعلق بالإيلاء.
وكل ذلك من أحكام الأسرة والأحوال الشخصية كما يقولون.
إذاً: يستطيع الإنسان أن يقول: فرق بين (تَقْرَبُوهَا) و (تَعْتَدُوهَا) ، ولو جئنا إلى ما يتعلق بالطلاق والخُلع والأخذ من الزوجة، ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ، كلها أمور مالية، ومعالِم لا يجوز أن تُتَخَطَّى.
ولكن إذا جئنا إلى ﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: كونوا بعيدين عنها قليلاً، نجدها ليست في الماليات، وليست في الحقوق الشخصية الذاتية؛ ولكن ﴿بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ﴾ [البقرة:١٨٧] إذاً: هذا في حِلِّيَّة الوطء في ليل رمضان.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فلو قال هنا (فلا تعتدوها) ، فمعناه: أننا جئنا إلى نقطة الصفر مع الفجر؛ لكن ﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] أي: أمسكوا عن الأكل والشرب والنساء قبل الفجر، ولا تقربوا الفجر بهذه الأمور.
فقوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] : إذا حملنا المباشرة على الوطء فقوله: ﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] فيه تحريم اللمس والقبلة ونحو ذلك.
إذاً: قضية ﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ تستلزم الابتعاد، وتجعل هناك منطقة محرمة، ولذا ناسب معها ﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] ، أما بقية الحدود الأخرى أو الأحكام الأخرى فهي أمور عادية ليس فيها حظ للنفس والشهوة؛ لأن ما يتعلق بالغريزة يجب أن يبتعد عنه.
لعل في هذا القدر من شرح هذا الحديث يكفي لبيان ما جاء في هذا الحديث.
وقد شرحنا قوله: (فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها) .
وبقي معنا قوله: (ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم ... ) ، وستأتي تتمة للكلام عن باقي الحديث فيما بعد إن شاء الله.
وبالله تعالى التوفيق.
وأسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يقيم حدود كتاب الله، وممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 701
شرح الأربعين النووية - الحديث الثلاثون [٤]
стр. 702
الحدود ولزوم الوقوف عندها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فما زلنا في شرح الحديث الثلاثين من الأربعين التي جمعها الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى، وهو حديث أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) ، حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره.
أيها الإخوة! إن هذا الحديث النبوي الشريف -كما قال العلماء-: أجمع حديث اشتمل على جوانب التشريع الإسلامي، ولا يوجد حكم يخرج عن نطاقه؛ لأنه جمع الفرائض والحدود والمنهي عنه والمباح، وهذه هي أقسام التشريع.
(إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها) ، أي: حافظوا عليها، والفرائض ما أُمر بفعله، وتقدم الكلام عليها، ثم قال: (وحد حدوداً فلا تعتدوها) ، ثم قال: (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) : وتقدمت الإشارة إلى نوع من الاشتراك في: (وحد حدوداً) و: (حرم أشياء) ، واختلف العلماء في المراد بالحدود، فقيل: هي العقوبات والزواجر، مثل: حد السرقة قطع، وحد الزنا رجم أو جلد، والقذف.
إلى آخره.
وقيل: المراد بـ (حد حدوداً) أي: ميَّز أحكاماً وبينها (فلا تعتدوها) .
وتقدم الكلام على ما جاء في كتاب الله من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] فيما يتعلق بالصيام والاعتكاف.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] ، فيما يتعلق بأمر الطلاق والنساء.
وما يتعلق بالمواريث والأنصباء في سورة النساء.
وما جاء في سورة التوبة بحفظ حدود الله.
وما جاء في سورة المجادلة في الظهار بين الرجل وزوجه.
وما جاء في سورة الطلاق في أمر العدة.
ويرى بعض العلماء أننا لو حملنا حدود الله على تلك المسميات لكان تكراراً للمعاني، (نهى عن أشياء) ، (حرم أشياء) ، والواقع أنه بالتأمل يظهر أن هناك فرقاً بين حدود الله وبين ما حرم الله، والكل فيه التحريم والمنع.
فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، وقد ذكرنا قول أبي حيان ﵀: (تلك) اسم إشارة للجمع، و (حدود) مجموعة، و (تلك) إشارة لمؤنث، وقد يُشار بها إلى البعيد، فتشمل أحكام الصيام كلها.
ولو رجعنا إلى الآيات قبلها بقليل لوجدنا الوصية والقصاص.
فنقول: إن في مسمى الحدود هنا معالم محددة معدودة: فالاعتكاف أيام معينة.
والصيام كذلك أيام معدودات.
والوصية في شيء محدود.
والقصاص في نفس.
إلى آخره.
وهكذا آية البقرة: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ.
﴾ [البقرة:٢٢٩] فهو أيضاً معدود، ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا.
﴾ [البقرة:٢٢٩] إلى آخره.
وكذلك آية النساء في المواريث أنصباء محددة معدودة.
وفي الظهار كفارة معينة معدودة.
وفي سورة الطلاق بيان للعدة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] .
فيكون شيء معين محدد؛ فلا تعتدوا تلك الحدود التي حدها الله.
стр. 703
أثر انتهاك المحرمات
نأتي إلى القسم الثالث في الحديث، وهو: (وحرم أشياء) ، وإذا جئنا إلى النصوص القرآنية نجد أن التحريم الوارد في كتاب الله للأشياء إنما يتعلق بصفات المحرمات، وكما يقول الأصوليون: (الحكم لا يتوجه إلى العين؛ ولكن إلى صفة فيها) .
وكلمة: (وحرم أشياء) نقف عندها وقفة خفيفة، وهي: إن الحق في فرض الفرائض وتحديد الحدود وتحريم الأشياء إنما هو لله وحده، ولا يحق لمخلوق أياً كان أن يقتحم هذا الباب ويقول: هذا حلال وهذا حرام، بل عاتب الله رسوله ﷺ حينما حرم على نفسه مباحاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] ، بل قال سبحانه محذراً: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] ، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
إذاً: حق التشريع بالفرض والتحديد والتحريم إنما هو لله سبحانه، وكذلك الإباحة والحلية كما قال الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] ، فلا أحد يملك ذلك.
ويقول علماء اللغة والمنطق: أعم العمومات كلمة: (شيء) ؛ إذ لا يخرج منها موجود في هذا الوجود، فكل موجود يصدق عليه أنه شيء من الأشياء، و (شيء) هنا لفظ مجمل، ولو جئنا إلى نصوص القرآن نجد -بنوع من التأمل- أن النصوص تنقسم إلى قسمين: قسم يكون عقوبة وابتلاءً.
وقسم يكون إرشاداً وتوجيهاً لمصلحة المكلف في ذاته.
فمن القسم الأول -وهو التحريم- قول الله سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] أي: بسبب ظلمهم واعتدائهم.
وقد يكون امتحاناً كما كان لليهود في قضية طالوت مع الجنود: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
﴾ [البقرة:٢٤٦] ، ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] ، وهذه مقاييس مادية في تولية الرئاسة.
والله يرد عليهم بمقومات الرئاسة والقيادة الفعلية الصحيحة: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] أولاً اختاره الله واصطفاه، واختيار الله لا يكون إلا للأصلح، وهنا ﴿وَزَادَهُ﴾ عليكم ﴿بَسْطَةً فِي﴾ مقومات القيادة و ﴿الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ؛ فالعلم يعرف به كيف يدير الجيش، وكيف يدير المعارك، وكيف يسوس الأمة، وملك جاهل لا يستطيع أن يسوس أمة، بلقيس لما كانت عاقلة وجاءها خبر سليمان، فكرت واستشارت ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل:٣٤] ، فكرت بعقلها، ولم تقل كما قال جندها: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾ [النمل:٣٣] ، الجندي يعرف السلاح والقوة؛ ولكن الملك يعرف السياسة وبُعد النظر والتدبير، ولهذا إذا دخل العسكري في السياسة أفسدها؛ لأن عمله في الميدان.
إذاً: من مقومات القيادة السليمة: العلم والجسم؛ فالعلم يخطط ويدبر، والجسم بقوته ينفذ.
وحينما فصل طالوت بالجنود ماذا قال لهم؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، ما قال لهم: (معطيكم نهراً) ، بل ﴿مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] .
وهنا يأتي
السؤال
لماذا يبتليهم بهذا النهر؟ ليعلم حقيقة الطاعة؛ لأنه رغم أنفهم صار ملكاً عليهم، فهو بدون اختيارهم، ومن هنا تظهر نتيجة العلم، وهل يقابل عدواً بقوم لم يرتضوه ملكاً؟ وهل يثق فيهم؟ وهل الثقة متبادلة بينهم أم منفية؟ منفية من جهتهم؛ لأنهم ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٤٧] ، استبعدوا أن يكون ملكاً عليهم، فهو مفروض عليهم، فهل سيخلصون معه في قتال العدو؟ وليس الأمر كما يقول بعض المفسرين: إنهم كانوا في الصيف الحار، وإذا شربوا امتلأت بطونهم، وإذا قابلوا العدو لا يستطيعون القتال، وهذا كلامٌ لا يُقال؛ فهم ليسوا أمام العدو حتى لا تكون هناك فرصة لأن يشربوا، فما زالوا بعيدين، وما وصلوا إلى العدو إلا بعد حين.
والذي يهمنا: أن في هذا امتحاناً لهؤلاء القوم؛ ليعلم حقيقة الطاعة والامتثال.
فقال الله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: أنهم بفعلهم قالوا: نحن لن نطيعه؛ وعليه فإنهم سوف يعتزلون القتال.
علي رضي الله تعالى عنه قبل محاربة الخوارج أرسل إليهم ابن عباس وناقشهم، ورجع منهم عشرة آلاف مقاتل، فقال لهم: (أما أنتم فاجتنبوا، لا تقاتلون معنا ولا مع عدونا) ، فهو لم يطمئن إليهم؛ لأنهم لتوهم رجعوا إليه، ودخلوا في صفه، فإذا جاءوا معه وقابلوا إخوانهم الذين كانوا معهم، فمن يضمن أن العاطفة تغلب عليهم، وينقلبون عليه؟ بل لا لنا، ولا علينا.
وهنا طالوت امتحنهم.
نأتي إلى هذه الأمة، ونجد أيضاً موضوع الامتحان في قول الله سبحانه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة:٩٤] ابتلاء (ليبلونكم) ، وقال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] .
إذاً: هنا ابتلاء، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:٩٤] .
فهم خافوا الله، والله يعلم منهم ذلك، فإن الله لا يخفى عليه شيء من قبل أن يوجد العالم؛ لكن ظهرت فضيلة هذه الأمة، وعلم الناس حقيقة مكانة الأمة المحمدية، لماذا؟ لأن هناك أمة قد ابتُليت بمثل هذا، وامتُحنت فرسبت، قال الله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] ، فماذا فعلوا؟ ما صبروا، وألقوا الشِباك يوم الجمعة، وجاءت الحيتان يوم السبت، وأخذوا الشباك يوم الأحد مليئة بالحيتان.
فتلك أمة احتالت على ما حرم الله في الصيد، وهذه أمة حافظت على حدود الله ومحارمه؛ فلما خرجوا في عمرة الحديبية ما امتدت يد صحابي واحد إلى صيد من طير أو من غزال أو من حيوان في الأرض، ويأتي الصيد يتحداهم، كما وصفه الله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة:٩٤] ، يأتي الصيد فيقف على سن الرمح الذي هو أداة صيده، أَمِنَ ويتحدى ويقف على سن الرمح، وتناله اليد! فيقال له: اذهب لا تمتحني فيك.
أبعد من هذا: يمر ﷺ بظبي يستظل في ظل شجرة، يريد أن يستريح، فيوقِف عنده رجلاً لئلا يهيجه أحد، ليس فقط نكف عن صيده، بل نحافظ عليه وعلى أمانه وراحته لئلا يأتي واحد فيروعه ويفر.
إذاً: هذا (ابتلاء) ليعلم حقيقة هذه الأمة التي وصفها الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] .
стр. 704
مقارنة بين ابتلاء بني إسرائيل وأمة محمد ﵊
الشيء بالشيء يُذكر، امتُحن بنو إسرائيل في مادةٍ امتُحنت فيها هذه الأمة، ورسب بنو إسرائيل، ونجحت هذه الأمة.
حينما خرج بنو إسرائيل من البحر وقال لهم الله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] ، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ.
﴾ [المائدة:٢٢] ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ، قالوا كلمة تستحي منها العجائز! الله يقول: ﴿الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] ، أي: وعدهم الله أنهم سوف يأخذونها، وقال رجلان منهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣] .
ومع هذا كله يقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] ، وأما هذه الأمة في غزوة بدر، يخرجون وهم نفر قليل (٣١٤) شخصاً، معهم (٧٠) بعيراً فقط، وفرسان، ويذهبون لأخذ قافلة لقريش بلغهم خبرها، وليس هذا من قطع الطريق، بل هو جزءٌ من المعاملةٍ بالمثل؛ لأن من هاجروا من مكة تركوا ديارهم وأموالهم، واستولى عليها المشركون هناك.
صهيب ﵁ لما خرج مهاجراً، لحق به أهل مكة، وقالوا له: والله! لا تذهب، جئتنا صعلوكاً لا مال لك، فصرت غنياً، ثم تريد أن تخرج بنفسك وبمالك! هذا لا يكون، قال: أرأيتم إن وصفت لكم مكان مالي، أتذهبون تأخذونه وتتركونني؟ وتعلمون أني رامٍ، والله! لا يطيش لي سهم أبداً، وكنانتي مليئة، فترك لهم المال، وأخذوا ماله عنوةً، بيعٌ رابح وصفقة رابحة، كما قال له ﷺ : (ربحت الصفقة) .
ورسول الله ﷺ عام الفتح قيل له: (أين تنزل غداً يا رسول الله؟! يعني: في أي البيوت؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من دار أو عقار؟!) فهم أخذوها وباعوها.
إذاً: المشركون سبقوا بالتعدي على أموال المهاجرين، وهذه قافلة خرج إليها ﷺ ؛ ولكن يريد الله أمراً كان مفعولاً.
العير نجت، والنفير أقبلت، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] ، توقيت من الله .
ولما علم النبي ﷺ بأن العير التي هي الغاية فاتت، ومعه وعد من الله، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] لا بعينها، ولكن واحدةً منهما، وهذا نوعٌ من الترغيب؛ ولكن أيُّهما يا رب؟ ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] هذه رغبتكم؛ ولكن الله يريد ﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال:٧] .
فلما علم بأن العير قد نجت، والنفير قد أقبلت، استشار أصحابه، وتكلم المهاجرون وأحسنوا، وقال قائلهم: (والله يا رسول الله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ؛ ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله! لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ويقول سعد: يا رسول الله! لعلك تعنينا معشر الأنصار! قال: نعم.
فيتكلم رضي الله تعالى عنه ويقول: والله إنا لصبر عند اللقاء، والله! لو خضت بنا إلى برك الغماد لجالدناهم عليه) .
هؤلاء يقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ، وهؤلاء يقولون: نخوض البحر معك! إذاً: كان الحكم على هذه الأمة بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، حكم بحيثياته وموجباته، وهذا فضل من الله سبحانه.
إذاً: التحريم ابتلاء وامتحان لتظهر حقيقة المكلف.
وكل التكاليف ابتلاءات تعبدية، والواقع أنها -وإن كانت تعبدية- فهي لعلل موجودة ترجع إلى المكلف.
стр. 705
أنواع المحرمات
هذه الجملة في هذا الحديث: (وحرم أشياء) ، تأتي على كلِّ ما حرمه الله، وما حرمه الله بالتصوير الكلي في أمر الإسلام ينقسم إلى أقوال وأفعال.
следующие страницы →