Полный текст (863 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
شرح الأربعين النووية - الحديث الثلاثون [٤]
стр. 702
الحدود ولزوم الوقوف عندها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فما زلنا في شرح الحديث الثلاثين من الأربعين التي جمعها الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى، وهو حديث أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) ، حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره.
أيها الإخوة! إن هذا الحديث النبوي الشريف -كما قال العلماء-: أجمع حديث اشتمل على جوانب التشريع الإسلامي، ولا يوجد حكم يخرج عن نطاقه؛ لأنه جمع الفرائض والحدود والمنهي عنه والمباح، وهذه هي أقسام التشريع.
(إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها) ، أي: حافظوا عليها، والفرائض ما أُمر بفعله، وتقدم الكلام عليها، ثم قال: (وحد حدوداً فلا تعتدوها) ، ثم قال: (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) : وتقدمت الإشارة إلى نوع من الاشتراك في: (وحد حدوداً) و: (حرم أشياء) ، واختلف العلماء في المراد بالحدود، فقيل: هي العقوبات والزواجر، مثل: حد السرقة قطع، وحد الزنا رجم أو جلد، والقذف.
إلى آخره.
وقيل: المراد بـ (حد حدوداً) أي: ميَّز أحكاماً وبينها (فلا تعتدوها) .
وتقدم الكلام على ما جاء في كتاب الله من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] فيما يتعلق بالصيام والاعتكاف.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] ، فيما يتعلق بأمر الطلاق والنساء.
وما يتعلق بالمواريث والأنصباء في سورة النساء.
وما جاء في سورة التوبة بحفظ حدود الله.
وما جاء في سورة المجادلة في الظهار بين الرجل وزوجه.
وما جاء في سورة الطلاق في أمر العدة.
ويرى بعض العلماء أننا لو حملنا حدود الله على تلك المسميات لكان تكراراً للمعاني، (نهى عن أشياء) ، (حرم أشياء) ، والواقع أنه بالتأمل يظهر أن هناك فرقاً بين حدود الله وبين ما حرم الله، والكل فيه التحريم والمنع.
فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، وقد ذكرنا قول أبي حيان ﵀: (تلك) اسم إشارة للجمع، و (حدود) مجموعة، و (تلك) إشارة لمؤنث، وقد يُشار بها إلى البعيد، فتشمل أحكام الصيام كلها.
ولو رجعنا إلى الآيات قبلها بقليل لوجدنا الوصية والقصاص.
فنقول: إن في مسمى الحدود هنا معالم محددة معدودة: فالاعتكاف أيام معينة.
والصيام كذلك أيام معدودات.
والوصية في شيء محدود.
والقصاص في نفس.
إلى آخره.
وهكذا آية البقرة: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ.
﴾ [البقرة:٢٢٩] فهو أيضاً معدود، ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا.
﴾ [البقرة:٢٢٩] إلى آخره.
وكذلك آية النساء في المواريث أنصباء محددة معدودة.
وفي الظهار كفارة معينة معدودة.
وفي سورة الطلاق بيان للعدة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] .
فيكون شيء معين محدد؛ فلا تعتدوا تلك الحدود التي حدها الله.
стр. 703
أثر انتهاك المحرمات
نأتي إلى القسم الثالث في الحديث، وهو: (وحرم أشياء) ، وإذا جئنا إلى النصوص القرآنية نجد أن التحريم الوارد في كتاب الله للأشياء إنما يتعلق بصفات المحرمات، وكما يقول الأصوليون: (الحكم لا يتوجه إلى العين؛ ولكن إلى صفة فيها) .
وكلمة: (وحرم أشياء) نقف عندها وقفة خفيفة، وهي: إن الحق في فرض الفرائض وتحديد الحدود وتحريم الأشياء إنما هو لله وحده، ولا يحق لمخلوق أياً كان أن يقتحم هذا الباب ويقول: هذا حلال وهذا حرام، بل عاتب الله رسوله ﷺ حينما حرم على نفسه مباحاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] ، بل قال سبحانه محذراً: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] ، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
إذاً: حق التشريع بالفرض والتحديد والتحريم إنما هو لله سبحانه، وكذلك الإباحة والحلية كما قال الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] ، فلا أحد يملك ذلك.
ويقول علماء اللغة والمنطق: أعم العمومات كلمة: (شيء) ؛ إذ لا يخرج منها موجود في هذا الوجود، فكل موجود يصدق عليه أنه شيء من الأشياء، و (شيء) هنا لفظ مجمل، ولو جئنا إلى نصوص القرآن نجد -بنوع من التأمل- أن النصوص تنقسم إلى قسمين: قسم يكون عقوبة وابتلاءً.
وقسم يكون إرشاداً وتوجيهاً لمصلحة المكلف في ذاته.
فمن القسم الأول -وهو التحريم- قول الله سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] أي: بسبب ظلمهم واعتدائهم.
وقد يكون امتحاناً كما كان لليهود في قضية طالوت مع الجنود: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
﴾ [البقرة:٢٤٦] ، ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] ، وهذه مقاييس مادية في تولية الرئاسة.
والله يرد عليهم بمقومات الرئاسة والقيادة الفعلية الصحيحة: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] أولاً اختاره الله واصطفاه، واختيار الله لا يكون إلا للأصلح، وهنا ﴿وَزَادَهُ﴾ عليكم ﴿بَسْطَةً فِي﴾ مقومات القيادة و ﴿الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ؛ فالعلم يعرف به كيف يدير الجيش، وكيف يدير المعارك، وكيف يسوس الأمة، وملك جاهل لا يستطيع أن يسوس أمة، بلقيس لما كانت عاقلة وجاءها خبر سليمان، فكرت واستشارت ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل:٣٤] ، فكرت بعقلها، ولم تقل كما قال جندها: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾ [النمل:٣٣] ، الجندي يعرف السلاح والقوة؛ ولكن الملك يعرف السياسة وبُعد النظر والتدبير، ولهذا إذا دخل العسكري في السياسة أفسدها؛ لأن عمله في الميدان.
إذاً: من مقومات القيادة السليمة: العلم والجسم؛ فالعلم يخطط ويدبر، والجسم بقوته ينفذ.
وحينما فصل طالوت بالجنود ماذا قال لهم؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، ما قال لهم: (معطيكم نهراً) ، بل ﴿مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] .
وهنا يأتي
السؤال
لماذا يبتليهم بهذا النهر؟ ليعلم حقيقة الطاعة؛ لأنه رغم أنفهم صار ملكاً عليهم، فهو بدون اختيارهم، ومن هنا تظهر نتيجة العلم، وهل يقابل عدواً بقوم لم يرتضوه ملكاً؟ وهل يثق فيهم؟ وهل الثقة متبادلة بينهم أم منفية؟ منفية من جهتهم؛ لأنهم ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٤٧] ، استبعدوا أن يكون ملكاً عليهم، فهو مفروض عليهم، فهل سيخلصون معه في قتال العدو؟ وليس الأمر كما يقول بعض المفسرين: إنهم كانوا في الصيف الحار، وإذا شربوا امتلأت بطونهم، وإذا قابلوا العدو لا يستطيعون القتال، وهذا كلامٌ لا يُقال؛ فهم ليسوا أمام العدو حتى لا تكون هناك فرصة لأن يشربوا، فما زالوا بعيدين، وما وصلوا إلى العدو إلا بعد حين.
والذي يهمنا: أن في هذا امتحاناً لهؤلاء القوم؛ ليعلم حقيقة الطاعة والامتثال.
فقال الله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: أنهم بفعلهم قالوا: نحن لن نطيعه؛ وعليه فإنهم سوف يعتزلون القتال.
علي رضي الله تعالى عنه قبل محاربة الخوارج أرسل إليهم ابن عباس وناقشهم، ورجع منهم عشرة آلاف مقاتل، فقال لهم: (أما أنتم فاجتنبوا، لا تقاتلون معنا ولا مع عدونا) ، فهو لم يطمئن إليهم؛ لأنهم لتوهم رجعوا إليه، ودخلوا في صفه، فإذا جاءوا معه وقابلوا إخوانهم الذين كانوا معهم، فمن يضمن أن العاطفة تغلب عليهم، وينقلبون عليه؟ بل لا لنا، ولا علينا.
وهنا طالوت امتحنهم.
نأتي إلى هذه الأمة، ونجد أيضاً موضوع الامتحان في قول الله سبحانه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة:٩٤] ابتلاء (ليبلونكم) ، وقال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] .
إذاً: هنا ابتلاء، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:٩٤] .
فهم خافوا الله، والله يعلم منهم ذلك، فإن الله لا يخفى عليه شيء من قبل أن يوجد العالم؛ لكن ظهرت فضيلة هذه الأمة، وعلم الناس حقيقة مكانة الأمة المحمدية، لماذا؟ لأن هناك أمة قد ابتُليت بمثل هذا، وامتُحنت فرسبت، قال الله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] ، فماذا فعلوا؟ ما صبروا، وألقوا الشِباك يوم الجمعة، وجاءت الحيتان يوم السبت، وأخذوا الشباك يوم الأحد مليئة بالحيتان.
فتلك أمة احتالت على ما حرم الله في الصيد، وهذه أمة حافظت على حدود الله ومحارمه؛ فلما خرجوا في عمرة الحديبية ما امتدت يد صحابي واحد إلى صيد من طير أو من غزال أو من حيوان في الأرض، ويأتي الصيد يتحداهم، كما وصفه الله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة:٩٤] ، يأتي الصيد فيقف على سن الرمح الذي هو أداة صيده، أَمِنَ ويتحدى ويقف على سن الرمح، وتناله اليد! فيقال له: اذهب لا تمتحني فيك.
أبعد من هذا: يمر ﷺ بظبي يستظل في ظل شجرة، يريد أن يستريح، فيوقِف عنده رجلاً لئلا يهيجه أحد، ليس فقط نكف عن صيده، بل نحافظ عليه وعلى أمانه وراحته لئلا يأتي واحد فيروعه ويفر.
إذاً: هذا (ابتلاء) ليعلم حقيقة هذه الأمة التي وصفها الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] .
стр. 704
مقارنة بين ابتلاء بني إسرائيل وأمة محمد ﵊
الشيء بالشيء يُذكر، امتُحن بنو إسرائيل في مادةٍ امتُحنت فيها هذه الأمة، ورسب بنو إسرائيل، ونجحت هذه الأمة.
حينما خرج بنو إسرائيل من البحر وقال لهم الله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] ، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ.
﴾ [المائدة:٢٢] ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ، قالوا كلمة تستحي منها العجائز! الله يقول: ﴿الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] ، أي: وعدهم الله أنهم سوف يأخذونها، وقال رجلان منهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣] .
ومع هذا كله يقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] ، وأما هذه الأمة في غزوة بدر، يخرجون وهم نفر قليل (٣١٤) شخصاً، معهم (٧٠) بعيراً فقط، وفرسان، ويذهبون لأخذ قافلة لقريش بلغهم خبرها، وليس هذا من قطع الطريق، بل هو جزءٌ من المعاملةٍ بالمثل؛ لأن من هاجروا من مكة تركوا ديارهم وأموالهم، واستولى عليها المشركون هناك.
صهيب ﵁ لما خرج مهاجراً، لحق به أهل مكة، وقالوا له: والله! لا تذهب، جئتنا صعلوكاً لا مال لك، فصرت غنياً، ثم تريد أن تخرج بنفسك وبمالك! هذا لا يكون، قال: أرأيتم إن وصفت لكم مكان مالي، أتذهبون تأخذونه وتتركونني؟ وتعلمون أني رامٍ، والله! لا يطيش لي سهم أبداً، وكنانتي مليئة، فترك لهم المال، وأخذوا ماله عنوةً، بيعٌ رابح وصفقة رابحة، كما قال له ﷺ : (ربحت الصفقة) .
ورسول الله ﷺ عام الفتح قيل له: (أين تنزل غداً يا رسول الله؟! يعني: في أي البيوت؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من دار أو عقار؟!) فهم أخذوها وباعوها.
إذاً: المشركون سبقوا بالتعدي على أموال المهاجرين، وهذه قافلة خرج إليها ﷺ ؛ ولكن يريد الله أمراً كان مفعولاً.
العير نجت، والنفير أقبلت، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] ، توقيت من الله .
ولما علم النبي ﷺ بأن العير التي هي الغاية فاتت، ومعه وعد من الله، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] لا بعينها، ولكن واحدةً منهما، وهذا نوعٌ من الترغيب؛ ولكن أيُّهما يا رب؟ ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] هذه رغبتكم؛ ولكن الله يريد ﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال:٧] .
فلما علم بأن العير قد نجت، والنفير قد أقبلت، استشار أصحابه، وتكلم المهاجرون وأحسنوا، وقال قائلهم: (والله يا رسول الله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ؛ ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله! لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ويقول سعد: يا رسول الله! لعلك تعنينا معشر الأنصار! قال: نعم.
فيتكلم رضي الله تعالى عنه ويقول: والله إنا لصبر عند اللقاء، والله! لو خضت بنا إلى برك الغماد لجالدناهم عليه) .
هؤلاء يقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ، وهؤلاء يقولون: نخوض البحر معك! إذاً: كان الحكم على هذه الأمة بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، حكم بحيثياته وموجباته، وهذا فضل من الله سبحانه.
إذاً: التحريم ابتلاء وامتحان لتظهر حقيقة المكلف.
وكل التكاليف ابتلاءات تعبدية، والواقع أنها -وإن كانت تعبدية- فهي لعلل موجودة ترجع إلى المكلف.
стр. 705
أنواع المحرمات
هذه الجملة في هذا الحديث: (وحرم أشياء) ، تأتي على كلِّ ما حرمه الله، وما حرمه الله بالتصوير الكلي في أمر الإسلام ينقسم إلى أقوال وأفعال.
стр. 706
المعتقدات المحرمة
من المعتقدات المحرمة: الشرك بالله، وتكذيب الرسل، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] ؛ لأنه قبلها قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦] ، وحرموا بعض بهيمة الأنعام مثل البحيرة والسائبة وغيرهما، والله هنا ناقشهم في ذلك: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ، الإبل والبقر والضأن والماعز، كأنه قال لهم: الذكور والإناث ما العلة في التحريم لأحدهما: الذكورة أم الأنوثة؟ ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي﴾ [الأنعام:١٤٣] ؛ لأنها لا تخرج عن ذلك؛ إما لعلة الذكورة أو الأنوثة أو اشتمال الرحم عليه، فلا موجب للتخصيص.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ.
﴾ [الأنعام:١٤٥] .
ثم هناك فيما بعد في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] فإذا جئنا إلى هذا التقسيم فيما يتعلق باعتقادات وأقوال وأفعال نجد من أول المعتقدات: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١] ، فمن أول ما يكون محرماً في الاعتقاد: الشرك بالله، وما يتعلق بتصديق الرسل، وبأخبار الأنبياء والمرسلين والأمم الماضية، وكل ما جاءك عن الله وعن رسول الله ﷺ ، فتعتقد صدق ذلك أو وجوب العمل به إذا صح لك سنده.
إذا جئنا إلى الأقوال المحرمة، فهي: كل ما كان مغايراً للحق من كذب أو غيبة أو نميمة، أو كل ما يتكلم به اللسان، ويتفاوت بعضه عن بعض، ومنه الكذب على الرسول ﷺ : (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) .
إذاً: من الأشياء التي حرمها الله ما يتعلق بالمنطق أو باللسان.
نأتي إلى غير العقائد وغير الأقوال: الأفعال: نجد محرمات في المطعومات والنكاح وفي الأزمنة والأمكنة.
стр. 707
المطعومات المحرمة
قال الله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ [الأنعام:١٤٥] ، وقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ.
﴾ [المائدة:٣] ، وكل هذه المسميات في هذه الآية حرام.
وتأتي السنة في هذا الباب وتزيد: كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، وتأتي السنة أيضاً بتحريم الحمر الأهلية؛ فسواء كان التحريم في نص كتاب الله، أو في سنة رسول الله فهي داخلة ضمن: (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) .
ومما يدل على عموم استحقاق السنة وتأهيلها للتشريع استقلالاً ما جاء في هذه المسميات: كل ذي ناب، وكل ذي مخلب، والحمر الأهلية، وتكلم العلماء في جزئيات من المحرمات تدخل تحت قاعدةٍ عامة في وصف النبي ﷺ ، وهي صفة مكتوبة في التوراة والإنجيل ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، فالخبائث: جمع خبيثة، وما هي تلك الخبائث التي اندرجت تحت هذا العنوان؟ نعلم جميعاً أن كل ما نص عليه الشارع بالتحريم فهو خبيث شرعاً، بقي العرف والعادة، فهناك أشياء لم يأتِ النص عليها بأعيانها، وقد بحث هذه المسألة والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- في أضواء البيان عند قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ.
﴾ [الأنعام:١٤٥] إلى آخر الآية، وذكر في هذا البحث ما فيه خلاف أو وفاق، على مبدأ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، فذكر من الطيور بعض ما لم يأتِ مسماه كالبوم والغراب والحشرات والحيوانات، وذكر الخلاف في الخيل والبغال والحمير وبقية السباع والضبع، وذكر حكم الزواحف، ومن كره الضب، ومن أباح الحيات والعقارب، وعند المالكية خلاف في الحيات هل تؤكل أو لا تؤكل؟ وكل ما يتعلق بحشرات الأرض، وذكر كل موضع وفاق أو خلاف.
وإذا كان الإسلام يحرم الخبائث فهو دين النزاهة، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤] .
إذاً: الخبائث محرمة.
وما حد الاستخباث؟ وهل كل ما استقذره الإنسان فهو خبيث؟ يقولون: المقياس في ذلك هم ذوو المروءات من أوساط الناس في المجتمع، لا في شدة الجوع، ولا في زيادة الترف، بل في الحالات العادية.
стр. 708
الأنكحة المحرمة
إذا جئنا إلى ما يتعلق بالأسرة وبالنكاح نجد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ.
﴾ [النساء:٢٣] ، وذكر التحريم بالنسب وبالسبب وبالمصاهرة.
فالتحريم بالنسب: الأصول والفروع مثل: الأمهات وجداتها، والبنات وبناتها، والأخوات والخالات والعمات، وبنات الأخ.
ثم جاء إلى المصاهرة: ما كان من زوجة الأب أو زوجة الابن.
ثم جاء إلى السبب: وهو الرضاع، الأخت من الرضاع والأم من الرضاع.
وجاء القرآن بنوع: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] والسنة جاءت بزيادة: (لا تجمعوا بين المرأة وخالتها أو المرأة وعمتها) .
стр. 709
الأزمنة المحرمة
ثم نأتي إلى الأزمنة: إذا نظرنا إلى التشريع في الإسلام من الزمان: فالله فاضَلَ في الأزمنة كما فاضَلَ في الأمكنة وكما فاضَلَ في الخلائق كلها.
فمن الأزمنة الفاضلة من أيام الأسبوع: يوم الجمعة، ومن أيام السنة: يوم عرفة، ومن ليالي السنة: ليلة القدر.
إذاً: هذه أزمنة فاضلة.
ولكن التفاضل في جانب، والذي يهمنا في باب التحريم قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦] ، تلك الأربعة الحرم حرم الله سبحانه الاعتداء فيها، بل وجعل النسيئة زيادة في الكفر، وكان العرب حينما يمر عليهم ثلاثة أشهر: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم يستطيلون تحريم ثلاثة أشهر لا يقاتلون فيها ولا يسلبون ولا ينهبون.
وقد أشرنا سابقاًَ إلى الحكمة الإلهية الجليلة في تحريم تلك الأشهر الحرم؛ لأن العرب كانوا يعيشون نظاماً قبلياً: (من عَزَّ بَزَّ، ومن غلب سلب) ، وكانوا يحجون إلى البيت وهم على شركهم، فمنهم من يأتي من أقصى الجزيرة من الخليج، ومنهم من يأتي من أقصى الجنوب من اليمن، وإذا أراد أن يحج فالقبائل أمامه تعترضه، فالله جعل أشهر الحج ضمن الأشهر الحرم التي يحرم الاعتداء فيها، قال الله سبحانه: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢] ، فكانوا يحترمون الهدي إذا سيق إلى البيت، والقلائد، وآمين البيت الحرام، فإذا عرفوا أنهم عمَّار أو حجاج كفوا عنهم.
فجعل الله الحج متزامناً مع الأشهر الحرم ليأمن الحاج من أقصى الجزيرة إلى البيت ذهاباً وإياباً فكان يأتي في ذي القعدة وجزء من ذي الحجة، ويرجع في جزء من ذي الحجة وكامل المحرم، وهكذا يتم حجه في الأشهر الحرم آمناً على نفسه وهديه، ورجب الفرد محرم أيضاً.
إذاً: هذه أشهر حرَّمها الله فلا تعتدوا فيها على أحد.
стр. 710
الأمكنة المحرمة
المكان المحرم: الحرم بكامله والمدينة: (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وإنما أبيحت لرسول الله ﷺ ساعةً من نهار) .
فإذا قتل المحرمُ صيداً ماذا عليه؟ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] ، فيُعاقَب.
стр. 711
الأموال المحرمة
إذا جئنا إلى الأموال بصفة عامة؛ فإن الله يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٨] ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين:١-٢] .
فحرم الأموال، وجاءت خطبة النبي ﷺ تقرر هذا في الحج: (أي يوم هذا؟! أي شهر هذا؟! أي بلد هذه؟! -أسئلة عجيبة! وأسلوب فيه تنبيه وإيقاف لم يعرفه العرب! سؤال عن المعلوم، ليستجمعوا قواهم ويسمعوا- فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، أليس هو اليوم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام؟! قالوا: بلى -يعني: تحريم ثلاث مرات- ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) ، فحرُمت تلك المقومات الثلاث: الأموال، والأعراض، والدماء.
وهي مقومات كل مجتمع، وكما يقول الأصوليون: الجواهر الست هي: الأديان.
والعقول.
والأبدان.
والأموال.
والأنساب.
والأعراض.
وهذه إذا لم تحفظ في أي مجتمع فلا قوام له، وإذا اضطرب الأمن لا يأمن الإنسان على نفسه أو ماله أو عرضه، فلا استقرار ولا حياة.
إذاً: (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) : يجب أن نحافظ على ما حرم الله، وكما قال الشافعي: لو أن الأمة أخذت بسورة ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١] لكفتها، ونقول: لو أن الأمة أخذت بهذا الحديث لكفاها.
لكن هل بيَّن تفصيل المحرمات ما هي؟ لا، وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم.
فلو أن الأمة جماعات وأفراد وقفوا عند ما حرم الله، ولم ينتهكوا حرمات الله؛ لكانت السعادة.
وقد ذكر ﷺ بأن المدينة حرام ما بين لابتيها، وما بين عَير إلى ثور يحرم فيها الصيد؛ ويكاد يتفق العلماء بأن الصيد في المدينة فيه تعزير، وليس فيه جزاء، وبعضهم يقول: يؤخذ سلب الصائد، إلى غير ذلك من أحكام أخرى.
ويهمنا أن الله حرم من الأزمنة أوقات، ومن الأمكنة أماكن، ومن المطعوم مطعومات، ومن الزواج زوجات، وكل ما يتعلق بحياة الإنسان الاجتماعية بيَّن الله ما يحل له وما يحرم.
стр. 712
فضل الله في الترخيص في بعض المحرمات للضرورة
ومن فضل الله سبحانه الترخيص للضرورة فيما هو حرام من المطعوم فقط فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣] ، وقال: ﴿فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] .
فتلك المطعومات بعمومها محرمة، وعند الضرورة تباح، ويتفق الجميع على ذلك بالنص القرآني: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ.
﴾ [المائدة:٣] ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣] ، قالوا: الباغي: الذي كان في سفره باغياً.
والعادي: الذي يتعدى حاجته في الأكل، أي: يجوز أن يأكل قدر حاجته ولا يتزود منها.
والآخرون يقولون: إذا كان في فلاة وليس أمامه إلا هذه الميتة، ولا يعلم أنه سيجد ميْتةً ثانية أو لا، فإن له أن يتزود منها إلى أن يجد الطعام الحلال، وهذا تيسير واسع، ومن فضل الله سبحانه أنه لم يجعل على المسلم طريقاً مسدوداً أبداً.
فهذا المطعوم الحرام عند الاضطرار يحل وليحيي نفسه، من باب ارتكاب أخف الضررين، ولو تأملت جميع ما جاء النص فيه بالتحريم لوجدت الحكمة من وراء ذلك ترجع إلى المكلفين، فإن الله غني عن أن يشرِّع لنفسه أو لحكمة ترجع إليه، وتقدم لنا: (لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً) .
لو تأملتم جميع أنواع المحرمات لوجدتم الحكمة ترجع إلى المكلفين، حتى في الابتلاء؛ لكي يتأدبوا، وقضية الابتلاء ظهر فيها المخالف من الموافق، وقضية الصيد فترة تمرين وتدريب؛ لأنه ليس الصيد وحده المنهي عنه، بل زوجته معه، وتكون معه في فراشه وسفره، فلا تمتد يده إليها، لماذا؟ لأنه في فترة يقول فيها: (لبيك اللهم لبيك) ، والذي يقول هذا لا يلبي داعي الغريزة في ذلك الوقت، فإذا استطاع أن يرفض دواعي الغريزة وينصرف إلى تلبية الله وحده، واستطاع أن يكف يده عن الصيد المباح؛ فلَأَن يكف نفسه ويعفها وهي محرمة عن مال الغير، وحيوان الغير فمن باب أولى.
وكذلك إذا جئنا إلى الميتة والدم ولحم الخنزير حتى ما أهل لغير الله به، تجد الحكمة راجعة إلى المكلفين؛ لِمَا فيها من أضرار بالغة، وهذا باب واسع في بيان حكمة التشريع.
ولو جئنا إلى الربا: فيه الفساد الأخلاقي، والفساد الاقتصادي، بعض الدول الآن بدأت تقلل من نسبة الربويات أو الفوائد الربوية؛ لِمَا وقعوا فيه، وكارثة الدولار والأسهم في أوروبا التي ضج لها العالم كان سببها ارتفاع نسبة الربا.
يهمنا: أنك لن تجد شيئاً حرمه الله لغير حكمة، حتى في النكاح، فإن الأمهات والبنات والأخوات ما حرمها الله إلَّا لحكم متعددة، وليس لحكمة واحدة.
إذاً: (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) ، وهناك في الحدود: (فلا تعتدوها) ، وهنا لماذا لم يقل: (فلا تقربوها) ؟ لأن التحريم كحجاب قائم بين العبد المكلف وبين ما حرم الله، فاجعل هذا الحجاب قائماً وحافظ عليه، واجعل لك وقاية من عذاب الله بعدم ارتكاب المحرم، والذي يرتكب المحرم فكأنه انتهك الحجاب الذي أقامه الله؛ لأنه يقتحم الحمى، (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) .
стр. 713
المباح وموقعه من التشريع
قال رسول الله ﷺ : (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان) .
ما حكم هذه الأشياء التي سكت عنها؟ وهل هناك أشياء ليست داخلة في الفرائض ولا الحدود ولا المحرمات؟ نعم؛ لأن الأشياء إما فرائض مأمور بها، وإما حدود محدودة ومنهي عنها، والباقي مباحات، والإباحة حكم، وإذا سكت عنها فلماذا تدخلوا فيها؟ قالوا: تركها لحياة الناس، فلا هي من ضمن المحرمات التي لا ينبغي تناولها، ولا هي من ضمن الفروض التي يتعين الالتزام بها، وهذه شئون الحياة التي بين الناس، ما لم يكن فيها نص من الله، فقد تكون الأمور دنيوية فيما تأكل وتلبس، وتعاملك مع الناس مما ليس فيه ضرر ولا ضرار وأكل لأموال الناس بالباطل، فإذا سلم من المنهيات ولم يأتِ تحت نطاق اللوازم، فهو من المباح المسكوت عنه.
فإذا جدَّ جديد ولم يكن له نص في كتاب الله بماذا نلحقه؟ هل بالفرائض أم بالحدود أم بالمنهي عنه أم بالمسكوت عنه؟ قالوا: بالمسكوت عنه، والأصل في المسكوت عنه الإباحة، ويتفق على ذلك الأصوليون ما عدا المعتزلة.
فالأصل في الأشياء قبل ورود الشرع فيها أنها مباحة.
فإذا سكت الشرع، وجاءت أشياء مستجدة، فنقول: الأصل فيها إن كانت ضمن ما حرم الله، أو ضمن العلة التي من أجلها حرم الله، كما حرم الخمر لعله الإسكار، قال ﷺ : (كل مسكر خمر) ، فربط الحكم بالوصف، أي: بالعلة المسكرة، فلو جاءنا عسل من نوع من النحل مسكر لقلنا: هو حرام؛ فقد حرَّم ما يضر بالجسم، ولو وجدنا حيتاناً في البحر سامة قلنا: هي حرام، لأنه داخل تحت عموم تشريع نهي وتحريم.
لكن لو وجدنا أصنافاً ليست فيها مضرة، لا تضر بالعقائد، ولا تتعلق بالعقول فتفسدها، ولا بالأبدان، ولا بالأنسال فهي حلال، ولا يجوز للإنسان أن يتناول طعاماً يضر بالنسل، أي: يضيع منه الرجولة، ويعدمها، ويفقدها، ولا يفسد التخصيب الذي جعله الله فيه، وكذلك المرأة لا يحق لها أن تتناول طعاماً أو عقاراً جديداً يفسد عليها جهازها، ويمنعها من الحمل؛ لأن هذا مضر بالجسم، ويتعارض مع حقيقة مقصوده شرعاً: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم) ، إلى غير ذلك، وهذا على سبيل المثال.
فقوله: (سكت عن أشياء) ، من هنا كان التحذير من التعمق في السؤال في زمن رسول الله ﷺ ، قال الله: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] .
وقال ﷺ : (من أعظم الناس ذنباً رجل يسأل عن شيء لم يكن محرماً فيأتي تحريمه بسبب سؤاله) ، ولذا كانوا يكرهون السؤال، بل ويخافون من الأسئلة، ويفرحون حينما يأتي الأعرابي الآفاقي ليسأل ويسمعون.
وهكذا ينبغي على الإنسان عدم التعنُّت والتنطُّع في الأسئلة، ويروى -والله أعلم- أن رسول الله ﷺ في حال عودته من مكة مر على حوض ماء، فقام رجل وقال: (أخبرنا يا صاحب الحوض! هل ترد السباع والكلاب على حوضك أم لا؟ فقال ﷺ : يا صاحب الحوض! لا تخبرنا، إنه فيه تنطُّع، نرد على السباع، وترد السباع علينا، لها ما أخذت في أجوافها شراباً، ولنا ما أبقت شراباً وطهوراً) .
المهم هنا: (يا صاحب الحوض! لا تخبرنا) ؛ لأن هذا الرجل فيه تنطُّع.
وكذلك روي في أثر: (تأتينا الأجبان من الشام، وعندهم الميتة وعندهم المجوس، فهل نأكلها؟ قال: سموا الله وكلوها) .
سئل علي: (إن أهل اليمن يصبغون الثوب بالبول -لما فيه من الحموضة، فكانوا يضيفونه في الألوان ليثبتها- فقال: إن علمت أن فيه بولاً فلا تصلِّ فيه -أي: في شخصك أنت-، وإذا كنت لم تتأكد ولم تتيقن فأنت مع الناس) .
ومن هنا نقول للذين يتساءلون عن الذبائح أو اللحوم المستوردة: إن علم في حد ذاته طريقة ذبحها أو تحضيرها، وأنها محرمة في نظر الشرع فيكف عنها، أو أخبره من يثق به فلا مانع، أما أن يحكم بتحريمها على الناس فلا.
وعلى كلٍّ فإنهم كانوا يكرهون التنطُّع في الأسئلة مخافة أن يأتي الشرع بتحريم المسئول عنه.
جاء عن ابن عمر أنه قال: ما وجدتَه في سوق المسلمين فخذه، يعني: على سبيل العموم، وعلى هذا لا ينبغي للإنسان أن يتعمق في الأسئلة حتى يحرم على العامة ما ليس محرماً عليهم، أو يشدد عليهم فيما ليس فيه تشديد.
(وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) وفي بعض الروايات: (وما كان ربك نسياً) .
والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .
стр. 714
الأسئلة
стр. 715
كيفية التمييز بين الذبائح
السؤال
كيف نستطيع أن نميز بين الذبائح الحلال والمحرمة؟
الجواب
هناك قرائن، فهناك ذبائح تأتي من بلاد وثنية لا يعرفون أي دين سماوي، لا يهودية ولا نصرانية، ونعلم قطعاً أن تجهيزها ثم على أيدي أولئك اللادينيين، فإذا كان الأمر كذلك فأعتقد أن هذه واضحة، وما تحتاج إلى توقف في أنها محرمة؛ لكن التي تأتينا من دول أهل الكتاب كبريطانيا أو إيطاليا أو غيرها من الدول التي تدين بدين سماوي، فالله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] فـ ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يشمل اليهود والنصارى، وبإجماع المسلمين أن المراد بطعامهم الذبائح وليس اللبن ولا الفاكهة؛ لأنها ليست من أطعمتهم، فهي من نبات الأرض أو الحيوان.
فطعامهم الذي لهم دخل في إيجاده هو الذبيحة، ويتفق الفقهاء على أننا إذا جهلنا ماذا يصنع فيها فلا حرج علينا فيها، وإذا علمنا أن طريقته موافقةً لطريقة المسلمين فلا شبهة فيها؛ ولكن مَن علم رأي العين أو عن طريق إخبار الثقة، وتأكد بأنه فعل فيها ما لو فعله مسلم لا يجوز أكلها، بأن خنقها، أو غمسها في الماء، أو صعقها بالتيار الكهربائي، فكل ذلك لو فعله مسلم لا تحل به الذبيحة.
الجمهور على عدم جواز أكلها، ما عدا ابن العربي من المالكية فإنه يقول: لو رأيت الكتابي يسلُّ عنق الدجاجة لأكلتها، على عموم: (وطعامهم) .
ولكن هذا وإن كان عاماً فإنه يخصص بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١] ، وكذلك ذبائح المجوس فإنها ميتة، ولا يحل للمسلم أن يأكلها.
وعلى كلٍّ فالمراد بهذه الخاتمة للحديث: عدم التعمق فيما لا شبهة فيه، أما لو ظهرت التهمة وقامت الشبهة: ف (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) .
والله تعالى أعلم.
стр. 716
حكم الجمع بين الأختين في النكاح
السؤال
الله ذكر المحرمات في النكاح، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، وهناك: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥-٦] ؛ فأطلق عموم الزوجات، والرسول ﷺ نهى عن جمع المرأة مع خالتها، أو مع عمتها، فهل هذا يكون ناسخاً لقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ؟
الجواب
الجمهور على أن السنة الآحاد لا تنسخ الكتاب، والخلاف مشهور عند الأصوليين: هل هذا جائز شرعاً وواقع فعلاً أم لا؟ ووالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: هو جائز عقلاً، ومُخْتَلَف في وقوعه فعلاً.
أما هذا الحديث مع تلك الآية فليس من باب النسخ؛ ولكنه من باب التخصيص، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ من جميع الصور في الزوجات ما عدا المسمى، ويُخَصُّ من وراء ذلك خصوصُ الجمع بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها.
والشافعي ﵀ يقول: ما من حديث عن رسول الله إلا وله أصل في كتاب الله.
ولعل هذا الحديث مأخوذ ومنطلَق من قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٣] ، ولما قيل لرسول الله: (تزوَّج بنت فلان، قال: لا تعرضوا علي نساءكم، فقالت: إن خير من يشاركني في خير أختي) ، فكانوا يرون أن الأخت تشارك الأخت في الخير، وعرضت بعض زوجات النبي أختها على رسول الله، فقال: (إنها لا تحل لي) .
إذاً: نقول: تحريم جمع المرأة مع خالتها، والمرأة مع عمتها، قريب من تحريم الجمع بين الأختين؛ لما فيه من قطيعة الرحم.
لماذا نهى الله أن نجمع بين الأختين؟ لأن هناك منافسة، ولئلا يكون هناك طلاق: (لا تطلب إحداكن طلاق أختها لتكفئ إناءها) يعني: لا تطلب طلاق أختها ليتزوج بها.
إذاً: يكون هناك منافسة وقطيعة، فكذلك المرأة مع بنت أختها والمرأة مع بنت أخيها.
والحنابلة يقولون: جمع المرأة مع بنت عمها يكون جائزاً؛ لأن العم أبعد قليلاً، وابن العم يتزوج ببنت العم، فكونه يجمع بين ابنتي العم فلا مانع، أو ابنتي الخالة فلا مانع، أما الخالة وابنت أختها فلا؛ لأن بنت الأخت مثل البنت، والخالة مثل الأم، فكأن الحديث له علاقة بما جاء في نص القرآن الكريم، وليس هذا من باب النسخ؛ ولكنه من باب التخصيص، وأجمع الأصوليون على جواز تخصيص الكتاب وتقييده بالسنة الآحاد كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] ، وقول النبي ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان) ، فيكون هذا تخصيص لعموم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] وكذلك الأمر هنا: تخصيص لعموم (ما وراء ذلك) .
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 717
شرح الأربعين النووية - الحديث الحادي والثلاثون
стр. 718
شرح حديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله سلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملتُه أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) .
حديث حسن، رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة] .
أيها الإخوة! نجد في ألفاظ هذا الحديث تصويراً لاتجاه أصحاب النبي ﷺ وبُعد غايتهم، فهذا رجل جاء يسأل رسول الله عن عمل، لا لمال يحصل عليه، ولا لرئاسة يتولاها، ولا لمفخرة في الدنيا؛ ولكن جعل نصب عينيه أن يكون في الدنيا محبوباً عند الناس، وفي الآخرة محبوباً عند الله، فمحبة الله سبحانه غايته، وهكذا حال الصحابة يسعون بكل أعمالهم للحصول على شرف محبة الله سبحانه، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وإن تبادل المحبة بين العبد وربه أمر عجيب! يصعب على إنسان أن يصوِّر كنهه، وهو -كما يقولون-: أمرٌ ذوقيٌّ، يتذوقه الإنسان ولا يستطيع أن يعبر عنه.
هذا الرجل أقره رسول الله ﷺ على هذا الاتجاه؛ لأن غايته سليمة، ومطلبه كريم، ويوجهه إلى العمل الذي يحصل به على هذه المحبة من الله ومن الناس: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) .
إذاً: الزهد طريق المحبة، فإن كان لله فزهدك في الدنيا، وإن كان للناس ففي ترك ما في أيديهم.
ولو فتشنا تفتيشاً أدق قليلاً: فهل الذي بأيدي الناس كله والذي يزهد فيه الإنسان إنما هو جزء من الدنيا؟! ولكن عملياً: الزهد في عموم الدنيا هو الزهد في خصوص ما بأيدي الناس.
стр. 719
تعريف الزهد في الدنيا
كثر كلام العلماء في تعريف الزهد، فترك الكسب ليس بمناسب، ويقول بعض العلماء: الزهد في السلطة أشد على النفس من الزهد في الدينار والدرهم، أو أشد على النفس من الزهد في الذهب والفضة، وفي التاريخ أن بعض خلفاء بني أمية جاءه رأس بعض الناس فنكت بالقضيب في وجهه وهو يقول: والله! إنك كنت لي صديقاً حميماً؛ ولكن هذا الملك عقيم، كان صديقاً ولكن خرج عليه، فقتله حفاظاً على الرئاسة والملك! وبعض الناس يتكلف ويقول: الزهد من ثلاثة حروف: زاي وهاء ودال، فالزاي: من الزينة، والهاء: من الهوى، والدال: من الدنيا، وكلها ترجع إلى مدلول واحد؛ لأن الزينة والدنيا شيء واحد.
وبعضهم يقول: حقيقة الزهد هو: القناعة بقضاء الله، والرضا بعطائه الذي أعطاكه.
ويقول أحمد بن حنبل: الزهد في الدنيا قصر الأمل فيها.
ويبحثون مسألة: أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ فيرجح كثير من العلماء أنه الغني الشاكر؛ لأن غناه مع شكره سينتفع به غيره.
стр. 720
من زهد السلف
أويس القرني، أويس رجل من أهل اليمن أوصى رسولُ الله ﷺ عمر بن الخطاب به، فقال له: (إن استطعت أن يدعو لك فافعل) وذكر له صفته.
عمر وفود اليمن: أفيكم أويس القرني؟ إلى أن وجده فقال: ادعُ الله لي.
قال: كيف أدعو لك وأنت أمير المؤمنين؟! قال: ادعُ الله لي أولاً، فدعا له، ثم قال له: إن الرسول ﷺ أوصاني بك.
قال: أما وقد علمت بذلك فأنا أريد أن أخرج من المدينة.
قال: إلى أين ستذهب؟ قال: إلى العراق.
قال: سوف أعطيك خطاباً لعامل العراق.
قال: أريد أن أكون في عامة الناس، لا يعلم بي أحد.
ثم ذهب يعمل أجيراً عند رجل، فكان عمر يوصي وفود أهل العراق أن يسلموا عليه.
فكان الحُجاج يسألون عن أويس القرني: أين هو؟ وأين محله؟ وعند مَن؟ حتى استدل عليه رجل وقال: أوصاني عمر أن أبلغك السلام، فقال: ألقيت عمر؟ قال: نعم، فخرج من الكوفة، ولم يعلم به أحد فيما بعد! فهذا يريد أن يكون في عامة الناس، على ما هو عليه من منزلة عند الله، ولا يرغب في الدنيا، حتى عمر يقول له: أعطيك كتاباً كوصية، فرفض، والشخص منا عندما يكون له حاجة عند إنسان، ينظر! صديقه ليكون الواسطة، فيقول له: اعمل معروفاً وأعطني خطاباً له، ووصِّه عليَّ، وهذا أمير المؤمنين يريد أن يكتب لعامله ليكرمه، فيقول: لا أريد أحداً يعلم بي، أريد أن أكون في عامة الناس! وعمر بن عبد العزيز كان من أعظم الشباب تمتعاً، وفي أبهه.
يقول بعض المؤرخين: كان إذا لبس حلة وخلعها لا يرجع إليها، وإذا أرسل حلة للغسال ليغسلها فإن الناس يرسلون ثيابهم لتغسل عند هذا الغسال لتُغسل عقب ثياب عمر وتصيب من طيبها! وحينما تولى الخلافة خرج من هذا كله، وزوجته كان أبوها خليفة، وأخوها خليفة، فقال لها: يا فاطمة! أنا تركت الدنيا وخرجت منها واشتغلت بهؤلاء الناس، فإن كنت تريدين البقاء معي على ما أنا عليه فابقي أو فاذهبي إلى أهلك! فقالت: بل أكون معك.
وعندما أراد أن يُصْلِح بيته كانت تصنع الطين وتناوله إياه، فهذا هو الذي خرج من الدنيا فعلاً بعد أن امتلكها.
وكذلك مصعب بن عمير الذي أرسله رسول الله ﷺ ليقرئ أهل المدينة، ويعلمهم الإسلام، فبعد بيعة العقبة الثانية ذهب إلى الأوس والخزرج على مياههم ليدعوهم إلى الإسلام.
يقول الذهبي في ترجمته: مَرَّ ذات يوم على أصحاب رسول الله فخفضوا رءوسهم حياءً لأنهم لا يجدون ما يكسوه، وكان عليه إزار مرقع بقطع من الأدم أي: الجلد!! وكانت أمه ذات ثراء، وكانت تكسوه اللين من الثياب، وتطعمه الناعم من العيش، فترك ذلك كله لله ولرسوله، وترك أمه وكل نعيمها وأموالها مسخرة لخدمته وترفيهه، فأسلم فخرج من هذا كله، وهاجر وصار رداؤه وإزاره مخرقاً ومرقعاً بجلد، وربما كان جلد قربة قديمة أو جلدَ فروة أو شيئاً من هذا يُرقَّع ثوبه به! ومع هذا كان هو الداعية الأول، والمعلم الأول في المدينة قبل هجرة رسول الله ﷺ إليها.
стр. 721
حقيقة الزهد
نريد أن نبين موطنين في كتاب الله يكشفان لنا حقيقة الزهد.
فليس الزهد ترك العمل بالكلية، والعزوف عن الدنيا، والهروب منها، بل هو تسخيرها وتذليلها وجمعها وإنفاقها في سبيل الله وفي أوجه الخير.
الموطن الأول في سورة آل عمران: يصور لنا متاع الدنيا بمختلف مجالاتها، ويبين لنا أن من شُغل بتلك المفاتن وكانت غايته، فهي نهايته، ومن أعرض عنها ولم يقف عندها، وكانت وسيلة في يده وليست غاية، فهو حقيقة الزاهد وما له عند الله سبحانه أعظم.
стр. 722
أهل الدنيا
قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران:١٤] ، وهذا أمر جِبِلِّي، وغريزة في الإنسان، وسيد الخلق ﷺ يقول: (حبب إلي من دنياكم ثلاثاً: الطيب والنساء -وهذان متلازمان- وجُعِلت قرة عيني في الصلاة) ، يعني: النساء والطيب ما شغلاني عن الصلاة، بل كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فما شغله الفراش ولا الزوجات ولا الطيب عن أداء واجبه والتقرب إلى ربه.
قال تعالى: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ ، مكدس بعضُها فوق بعض، ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ ، ليست خيلاً عاديةً هاملة، بل خيلاً عربية أصيلة، ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ﴾ ، من البقر والإبل والغنم، ﴿وَالْحَرْثِ﴾ : كل المزروعات، ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، من المسمَّيات التي هي ألذ ملاذِّ الدنيا، وهل هناك مال آخر؟ الآن أصبح هناك العمارات، وهي داخلةً في هذا، فهي تقابل الحرث في السابق، عمائر فاخرة، ومبانٍ شاهقة، ولكن كل ذلك متاع، والمتاع شيء مؤقت.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، وهل وصفُ الحياة بـ (الدنيا) من الدنو والقرب أو الدناءة؟ من الدنو والقرب في مقابل الآخرة.
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] أي: المرجع، وهو جنة الخلد.
إذا نظرنا في هذا: فإن تلك المسميات هي متاع الحياة الدنيا، وعلى الإنسان ألا يكون معها لمجرد المتعة، والنتيجة ذاهبة، لكن إذا كانت وسائل وليست غايات فلا بأس، فالمرأة هي سبيل الولد، والنكاح مقصد من مقاصد الحياة لبقاء النسل وعفة الإنسان، وإذا تزوج الرجل فإنه يعف نفسه، ويعف المرأة أيضاً، ويولد له من يذكر الله معه ومن بعده.
إذاً: ينبغي أن المرأة وسيلة للإعفاف، ولبقاء النسل، ولعمارة الكون، ولتكثير هذه الأمة، ولتحقيق رغبته ﷺ في قوله: (فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) .
وينبغي أن يطلب الولد ليكون صالحاً يدعو له، أو يكون وديعة عند الله وشهيداً في سبيل الله، أو يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر عالماً بكتاب الله، وعمله في صحائف والده.
أما الخيل فقد أشرنا أنها على ثلاثة أقسام: أجر، وستر، ووزر.
وهكذا الأنعام إذا اقتناها، وأدى حق الله فيها وفي رقابها وظهورها؛ كان له بذلك الأجر العظيم.
عثمان رضي الله تعالى عنه جهَّز جيش العسرة، وإذا لم يكن عنده مال فكيف يجهز جيشاً؟! ولهذا يقول بعض الناس: كثير من الوعاظ يذم الدنيا ويقبحها وكأنها مصيبة وجريمة وقعت على الناس، هذه الدنيا إن لم تكن موجودة فكيف نكتسب الآخرة؟ فنحن لا نحصل على ثواب الآخرة إلا من الدنيا، فالدنيا مزرعة الآخرة.
وفي بعض الآثار: (من الناس من يسب الدنيا، فتقول له: قبح الله أعصانا لله! أنا الذي أعصي الله أم أنت؟!) ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النبي ﷺ فطلع لنا جبل أحد، فقال: (يا أبا هريرة! وددت لو أن لي مثل جبل أحد ذهباً، أقول به هكذا وهكذا -وأشار يميناً وشمالاً- فلا يمضي ثلاثاً وعندي منه شيء، إلا شيء رصدته لدَينٍ) ، فالرسول تمنى أن يكون عنده مثل أحد ذهباً؛ لكي ينفقه في سبيل الله.
إذاً: الأموال والقناطير المقنطرة يجب أن تكون: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) .
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤]
стр. 723
فضل الزهد في الدنيا
هذه الأشياء محبَّبة ومزيَّنة عند الناس وكأنها كل شيء، لكن قال الله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران:١٥] ، من شهوة النساء والبنين والقناطير المقنطرة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اتقوا محارم الله ومعصيته ونواهيه ، وامتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران:١٥] .
إذاً: هؤلاء عندهم الحرث، والحرث جنات وحدائق وبساتين؛ ولكن ليس مثل هذه الجنات؛ لأن جنات الآخرة تجري من تحتها الأنهار، وجنات الدنيا كما قال الله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ [الكهف:٣٢-٣٣] ، لكن جنات الآخرة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ، وليس هو نهراً واحداً، بل المتنوعة الأصناف كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] .
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤] ؛ لا تظن أنه متاع الحياة الدنيا من أول آدم إلى يوم القيامة! لا، بل يقصد به مدة حياة الإنسان، والله سبحانه جعل لنوح ﵇ عمراً طويلاً: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت:١٤] ؛ وكما جاء في الأثر: (إذا كان يوم القيامة يؤتى برجل من أهل النار فيُغمس غمسة في النار، ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله! يا رب! ثم يؤتى برجل من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة ثم يقال له: هل مر بك بؤس في الدنيا قط؟ فيقول: لا والله! ما رأيت شيئاً) ، إذاً: نعيم الدنيا كله للكافر لا يساوي غمسة في النار! وفي الحديث: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع!) ، كم يأخذ هذا؟ هذا مثل الدنيا في الآخرة! وفي الحديث (لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها) ، فالنعيم الحقيقي الذي لا يعادله شيء في الوجود، هو الدوام والخلود في الجنة، وأيُّ شخص في الدنيا سواء أكان عاقلاًَ أو نصف عاقل إذا قيل له: نبني لك مدينة خيالية؛ من أثاث ونعيم ومتاع وجوارٍ مدة حياتك، وبعد ذلك إلى النار -عياذاً بالله-، أو تعيش نصف حياتك في هذا النعيم والنصف الثاني في الصحراء، أو نبني لك عشةً وعندك من الماء ما تيسر، ومن الخبز ما يكفيك بالكفاف، وعندك الهواء الصافي، والظل، وتستمر فيها على استمرار، فأيهما تختار؟ سيختار الحياة العادية بصفة دائمة، ولن يختار المدينة الخيالية التي يعيش فيها نصف عمره، ثم النصف الآخر يُرمى به في الصحراء؟ فما الفائدة من النعيم ثم الجحيم؟ ولذا يقولون: لو أن إنساناً خير بين بيت من خشب دائم، وبيت من ذهب مؤقتٍ؛ لكان العاقل يختار البيت الدائم، فكيف ببيت من ذهب دائم تستبدله ببيت من خشب؟! حينما تتذكر الجنة -نسأل الله من فضله- تشعر بأن نعيمها هو النعيم المقيم ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران:١٥] ، فهو عطاء دائم، وأنت مخلد فيه، وأعتقد أنه لو نقص نصف هذا النعيم مع الخلود فيه فلن يضرك شيء.
إذاً: بقاء الجنة وخلود الإنسان فيها أكبر نعيم، وهو أكبر من نعيم الجنة نفسها، وهذا النعيم الدائم هو السعادة بكاملها، ومع هذا أيضاً: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران:١٥] .
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] ، عندما تنظر للمرأة في الدنيا ترى أن ثلاثة أرباع عمرها في حالة الله أعلم بها، وربع العمر ضائع في الدورة الشهرية؛ لكن نساء الجنة مطهرات من هذا كله، فالمرأة في الدنيا إذا ولدت فشهران يذهبان في النفاس، وشهر قبل النفاس في الوحم، وجِبِلَّة الإنسان يأكل ويفرِّغ؛ لكن أزواج الجنة مطهرات من ذلك كله، بل كما في الآية الكريمة: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] ، وأيضاً إذا عاد إليها وجدها بكراً.
إذاً: هناك فرق كبير، بل ليس هناك موضع مقارنة، قال تعالى: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران:١٥] ، قال الله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ، قال الله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥] ، ونضرب أمثلة لذلك -ولله المثل الأعلى-: إذا جئت ضيفاً على صديق، وشعرت بأن زيارتك لهذا الصديق تفرحه، ألا يكون ذلك إكمالاً لسرورك بوجودك في ضيافته؟! بخلاف إذا جئت ضيفاً عند شخص وشعرت أنه يستثقل وجودك.
فإذا شعر الإنسان أنه مخلد في جنة نعيمها كما بين سبحانه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ، وهو مخلد فيها، ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ، ثم بعد هذا كله قال الله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ .
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥] بصير بأعمالهم، وسيجازيهم على قدر ما عملوا، وبحسب موقفهم فيما زُيِّن لهم من تلك المسميات.
стр. 724
من صفات الزاهدين في الدنيا
انظر إلى وصف أولئك الذين وعدهم الله بالجنة التي هي خيرٌ من زينة الدنيا ومتاعها، فمن هؤلاء أصحاب النعيم؟ قال الله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦] ، ليس الإنسان معصوماً من الذنب، ولو لم يكن هناك ذنب، وطلبوا المغفرة فإن ذلك علو في درجاتهم، كما هو حال سيد الخلق ﷺ ، غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويقول: (توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) ، ويحث على الاستغفار فيقول: (إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة) وفي رواية: (مائة مرة) .
ولذا قالوا: استغفاره ﷺ علو في درجاته، وبعضهم يقول: يستغفر للمؤمنين؛ لكن هذا جانب وذاك جانب آخر، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣] .
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦] ، وهذه هي صفات الزُّهَّاد حقاً، فمَن اتصف بهذه الصفات فهو الزاهد حقاً، وما هي صفاتهم؟ قال الله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٧] : الصابرين على ماذا؟ على تلك الشهوات التي زُيِّنت لهم، فإذا لم يجدها إنسان من هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ ، فماذا يكون موقفه؟ كما قال الله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] ، وكما قال ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ، والصوم هو عين الصبر.
﴿الصَّابِرِينَ﴾ : عن معصية الله، وعلى قضاء الله، وعلى أداء طاعة الله، وكل ما يمكن أن تأتي به من أفعال الخير والقربات والمكرمات والمروءة والإنسانية، فإنه يدخل تحت عنوان: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ وأقوال العلماء في وصف الزاهدين تدخل تحت هذه الصفات الآتية.
إذاً: أول صفات الزاهدين حقاً أو المؤمنين حقاً الذين لم تغرهم زينة الحياة الدنيا: الإيمان واللجوء إلى الله وطلب المغفرة: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ثم: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ .
ثانياً: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٧] ، الصادقين في كل شيء، وليس في الحديث فقط، فالله يقول: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] ، الصدق في التعامل مع الله، الصدق في التعامل مع الناس، الصدق في التعامل مع النفس، الصدق في التعامل مع كتاب الله وسنة رسوله، فالصادقين عنوان عام في كل ما أتوه.
ثالثاً: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ [آل عمران:١٧] : سبحان الله! (صابرين) و (صادقين) ! ولعل مجيء (صابرين) أولاً يوحي بأن الصدق يحتاج إلى صبر، فقد يحدث لإنسان موقف، والصدق قد يؤذيه أو يحمِّله مشقةً؛ لكن لم يضيع مبدأ الصبر، وانطلاقاً من الصبر تصدُق وتقول الحق وتتعامل بالصدق، فإذا كان صابراً صادقاً يأتي القنوت مع الله، والقنوت: الطاعة والخشية والخشوع والخضوع.
رابعاً: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ [آل عمران:١٧] ، هؤلاء الصابرون الصادقون القانتون لهم في الدنيا الأموال والقناطير المقنطرة التي زُينت لهم وامتلكوها، فماذا فعلوا بها؟ أنفقوها، وفي حديث أبي هريرة: (لو كان لي مثل جبل أحد، ولقلت به هكذا وهكذا، ولا يبقى عندي منه شيء) ، ثم هو إنفاق إجمالي في كل أوجه الإنفاق، كما سيأتي في نظيرها في سورة الحديد ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [الحديد:١٨] ، فينفقون في كل أوجه الإنفاق وسبل الخير، مساعدة ضعيف، إعطاء فقير، تجهيز غازٍ، علاج مريض، كل أنواع الإنفاق التي جاءت أيضاً في سورة البقرة: ﴿سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة:٢٧٤] ، ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، في كل أوجه الخير، وعلى جميع الحالات.
خامساً: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] وسيد الخلق ﷺ كان يقوم الليل يصلي ويستغفر في السحر.
وفي الحديث الصحيح: (إذا كان ثلث الليل الآخر، ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟) .
إذاً: هذه هي صفات المؤمنين حقاً، وهي صفات الذين سلموا مما زُيِّن للناس من حب الشهوات، ولم يقفوا عندها.
ثم قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٨-١٩] فهم التزموا به، وأقاموا حدوده وتعاليمه، هذا هو الموطن الأول في هذه السورة.
стр. 725
قسوة القلوب وعلاجها
ننتقل إلى الموطن الثاني، وهو في سورة الحديد، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] .
في هذه السورة أمر عجيب! ففيها عرض حالة المؤمنين والمنافقين في القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ.
﴾ [الحديد:١٢] إلى آخره، ثم جاء محل الشاهد فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٦-١٨] ، يقول ابن عباس في هذه الآية الكريمة: (عاتبنا الله بعد بدء الوحي بثلاثة عشر عاماً، ويقول مجاهد: بعد أربع سنوات، لاختلاف إسلام بعضهم البعض.
قال الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ [الحديد:١٦] آن يئون، الأوان هو: الزمن، أي: ألم يحضر الوقت.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد:١٦] أي: من هذه الأمة.
﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] ، قالوا في التفسير: إن أصحاب رسول الله ملوا ملةً أو غفلوا غفلة فعاتبهم الله.
وقوله: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: من الوحي.
وخشوع القلب يكون بما ذكر الله في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] ، هذه حقيقة المؤمن حقاً، يتأثر بكتاب الله عند سماعه وتدبره.
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ، فأولئك الذين يقولون: نزهد في الدنيا، وننقطع إلى العبادة، إلى أي مدى يصلون؟! ﴿تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ .
ثم يذكِّرهم بقوله: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ ، أي: من اليهود والنصارى.
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ ، ومع طول الأمد جاء النسيان.
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إذاً: النسيان وطول الأمل في الدنيا يقسِّي القلب، ويُنْسِي الإنسان ذكر الله، ولذا لما قيل لـ أحمد ﵀: ما الزهد؟ قال: عدم طول الأمل.
فمن لم يطل أمله في الدنيا فهو زاهدٌ فيها، فهي عنده سواء جاءت أو راحت.
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ، فما دام النسيان جاء، جاءت قسوة القلب، وكان الفساد كما في الحديث: (إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله ... ) إلى آخر الحديث.
ثم يأتي التنبيه وإيقاظ الفكرة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ، ولماذا ذكر الأرض هنا مع قسوة القلب؟ أي: كما أنه سبحانه القادر المقتدر على إحياء الأرض وهي جماد بعد موتها، فهو قادر على أن يحيي القلوب بعد موتها، فيحييها بالتذكرة بعد الغفلة، وبالإيمان بعد الكفر، وبالذكر بعد النسيان، وكأن هنا تنبيه! لا تيئسوا من رحمة الله، إن مضى عليكم شيء، ووقع على القلوب قسوة، فجدِّدوا ذكر الله، وجدِّدوا العلاقة مع الله؛ فإن الله قادر على أن يعيد لتلك القلوب حياتها، وتحيا بذكر الله، وما نزل من الحق، كما تحيا الأرض بعد موتها وأنتم تشاهدون.
قال: ﴿اعْلَمُوا﴾ ، وكأننا جهلنا أو نسينا أو غفلنا فلم نتأمل؛ فيعلِّمنا، ويقول: انظروا وتأملوا واعلموا من واقع الحياة عندكم، فكذلك القلوب القاسية.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ ، ارجعوا إلى عقولكم، وانظروا إلى ما بين أيديكم، وقايسوا بعقولكم، فاعتبروا يا أولي الأبصار! وكل ذلك من آيات الله الكونية لنرجع إلى أنفسنا.
ما الذي يرجع القلوب إلى ما هي عليه؟ ما الذي يجدِّد الإيمان بالله؟ ما الذي يُذهب الغفلة؟ ما الذي يليِّن تلك القلوب القاسية؟ ترى الفقير وتعرض عنه، وتسمع أنين المريض أو المعتل أو المحتاج وتصك أذنك عنه، وترى ذا الحاجة والفاقة وتغمض عينيك عنه، ما هذه القسوة؟! متى تكون ليِّن القلب رحيماً؟
الجواب
إذا أحسنت إلى الفقراء، قال الله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد:١٨] ، وكأنه سبحانه يقول: قسوة قلوبكم موت لها، والمولى قادر على إحيائها كإحياء الأرض الميتة، فالأرض الميتة ينزل فيها المطر فيحييها، وقلوبكم ينزل لها الوحي فيحييها، واستجيبوا لهذا الوحي عملياً بأن تزهدوا في الدنيا بألَّا تكون غاية لكم، وبألَّا تعضوا عليها بالنواجذ، وبأن تحرصوا على فك العاني والتخفف عن المسكين وإعطاء المحتاجين.
وكأن سائلاً يسأل فيقول: يا رب! ما الذي يعيد لقلوبنا حياتها؟ وما الذي يذهب عنها قسوتها؟ فيقول: انظروا إلى ذوي الحاجات بعين العطف والرأفة والشفقة، ومدوا إليهم أيديكم بالعطاء، وفي الحديث: أن رجلاً شكا قسوة قلبه لرسول الله فقال: (امسح رأس اليتيم) ، وهل المراد مجرد مسح رأسه؟ وهل هذا المسكين حالقٌ شعرَه أو لا؟ وليس المراد مجرد إمرار اليد على رأسه، بل الغرض من هذا: التلطف والرأفة والرفق به، ومؤانسته وإذهاب البؤس عنه، وأن تشعره بأنه منك وأنت له.
إذاً: المراد بمسح رأس اليتيم هو الإشفاق والرأفة به، وإشعاره بالحفاظ على حسه وشعوره، وتشعره بأنه فرد من أفراد المجتمع، إن فقد أبويه فأنت له أب، وهذا من باب العطف على الناس والرحمة بهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد:١٨] ، والنساء شقيقات الرجال.
стр. 726
كيفية استقراض الله من عباده
قال تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ [الحديد:١٨] ، المسكين مصرفٌ للصدقة فقط؛ ولكن التعامل مع الله، فأنت تقرض الله، فهو أعطاك واستقرضك.
بعض الآباء يدلل بعض الأبناء فيعطيه ويعطيه ويعطيه ثم قد يقول له: يا فلان! أعطني خمسة ريالات، ثم أعطيك إياها في البيت.
فالولد يفرح، ويقول: أبي الذي أعطاني الآن يطلبني! تفضل! لأنه يعلم أن الذي طلب منه الخمسة الآن سيعطيه خمسيناً أو أكثر فيما بعد، لكن إذا قلتَ له: ما عندي شيء، وهو قد أعطاك في الصباح كذا وكذا، فسيقول: أعطيه ويبخل عليَّ؟! لكن رب العزة سبحانه يعطي ويتفضل، ثم يستقرض من عباده ليرحموا عباده، ويشفقوا عليهم، وليُشعر العبد بأن المال إنما هو من الله، وهو الذي سيجازيك؛ لأن من تتصدق عليه لا يستطيع أن يكافئك، فهو في حاجة إلى مساعدتك، فكيف يرد جميلك؟! لا يستطيع.
إذاً: حقيقة التصدق إنما هي إقراض لله سبحانه، ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ والذي يقرض الله تكون نتيجته: أن الله هو الذي يضاعف له القرض، ومع هذا له أجر كريم، والله سبحانه يضاعف لمن يشاء بعد السبعمائة.
стр. 727
شهادة الله للأمة بإيمانها بالرسل
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:١٩] ، وفي سورة آل عمران قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦] ، ولم يقل هنا: ورسوله، بل ورسله؛ لأن مؤمني هذه الأمة يؤمنون بجميع الرسل؛ ولأن من كفر برسول واحد فكأنما كفر بجميع الرسل، وقد شهد الله لهذه الأمة بالإيمان بالرسل جميعاً فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ؛ لأن الذي أرسل أولهم هو الذي أرسل آخرهم، والناموس واحد.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ [الحديد:١٩] ، يقولون: (الصِّدِّيقون) أعلى درجة بعد النبوة.
ثم قال تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩] ، أي: الذين آمنوا والذين تصدقوا، وبعض القراء يجعل ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ ابتداء كلام جديد، وبعضهم يجعل (الشهداء) ثالث الثلاثة الأوصاف المتقدمة، (المصَّدِّقين) و (الصِّدِّقين) و (الشهداء) فالأصناف الثلاثة ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ .
стр. 728
حقيقة الدنيا
ثم قال تعالى بعد هذا العرض: ﴿اعْلَمُوا﴾ [الحديد:٢٠] : مرة أخرى، هناك ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [الحديد:١٧] ، لما ندبهم إلى الصدقة وإلى الإقراض والإيمان قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الحديد:٢٠] .
هناك: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ﴾ [آل عمران:١٤] إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاِ﴾ [آل عمران:١٤] .
وهنا قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ مثل قوله: (زُيِّنَ) ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] وليس الكفر هنا بمعنى الكفر الذي هو ضد الإسلام، إنما معناه: الزُّرَّاع، كما في الآية الأخرى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] ، وهو المثل الذي ضربه الله لأصحاب محمد ﷺ : ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح:٢٩] .
وهنا قال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ يعني: الزُّرَّاع، والزارع يسمى كافراً؛ لأن الكفر في اللغة: الستر، والكافر سمي كافراً لأنه يستر آيات الوحدانية لله، وسمي ظلام الليل كافراً، ويقال: أدخلت يدها في كافر، أي: في ظلام الليل.
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ، انظر مَثَل الدنيا! انظر المراحل والتصوير البليغ! ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ ، نزل وتقبلته الأرض فأنبتت الزرع، وأعجب زارعه، ثم يهيج إلى أقصى حدود بهجته، (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) .
بعد هذا (فتراه) ، والفاء هنا للتعقيب القريب، بعدما يصل إلى زهرته وإلى أوج نضرته يرجع فيصفَرُّ، وبعد الاصفرار يبقى فترة قليلة، ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ [الحديد:٢٠] ، كيف ينطبق هذا المثال على الدنيا؟ مثال في بني آدم: أول ما يخرج من الرحم مثل الحشيش والنبات الذي نبت لتوِّه، ثم بعد ذلك يأخذ في النمو إلى أن يكتمل شبابه، ويبلغ أوج قوته، ثم يبدأ فيرجع إلى أن ينحني ظهره، ويتحطم ويصير ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [الحج:٥] ، ويصير أقل من الطفل، وهكذا الدنيا: تبدأ تزدهر وتصل إلى كمالها، ثم تبدأ في العودة والرجوع حتى تصير حطاماً.
ثم قال تعالى في سورة الحديد: ﴿وَفِي الآخِرَةِ.
﴾ ، وهناك في سورة آل عمران: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] ، ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ للكفار الذين تقدم ذكرهم ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠] للذين آمنوا، والذين أقرضوا الله، والذين أنفقوا،.
إلى آخر صفاتهم.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] ، وفي آل عمران: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤] ، وقطعاً الحياة الدنيا متاع الغرور، فمن اغتر بها خسر، كما في قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤] ، إذاً: الدنيا متاع الغرور، فاحذر أن تغرك الدنيا.
وأيُّ عاقل يغتر بهذه الدنيا؟! إن كنت تمتلك مالاً، فهل هو أكثر من مال قارون؟! وإن كان لك ملك وسلطان، فهل هو أكثر من ملك سليمان؟! أنت ضعيف، وكم من الحيوانات أقوى منك.
قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، ثم ماذا كان؟ ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] .
هل جُمِعت لك النساء؟! سليمان كانت له أكثر من مائة امرأة! هل جُمِعت لك الخيل؟! ومهما كانت كثرتها، وبأي حالة من الحالات فأنت فقير، فلم تغتر بالدنيا؟! ومن هنا من سلم من غرور الدنيا فهو زاهد، فالزاهد من سلم من آفاتها في ذاتها، كما قال بعض السلف: المدر والحجر سواء، وسيأتي التنبيه عليه.
стр. 729
المخرج من فتنة الدنيا
قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] ، وأنت بالخيار، إن وقفت عند متاعها غرَّتك وأهلكتك فيها، وهذا نصيبك، وإن أعرضت عنها -كما أعرض غيرك- سلِمت منها كما سلِم غيرك، يقول بعض العبَّاد: إن لله عباداً فُطَنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحيٍّ وطنا جعلوها لجةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا لله عبادٌ فُطناء، فالفَطِن الحقيقي هو الذي لا يغتر بالدنيا، ويضعها في موضعها، والغبي هو الذي تضحك عليه، فليس الزهد أن تعرض عن الدنيا بكل ما فيها؛ ولكن اجمعها بقدر ما تستطيع، وأنفقها في سبيل الخير بقدر ما تستطيع.
إذا كانت الدنيا متاع الغرور، وهذا تصويرها ومآلها، فما العمل؟ قال الله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] ، أعرضوا عن هذه الدنيا، والمسابقة إلى المغفرة تكون في الآخرة أم في الدنيا؟ في الدنيا، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] ، بأي شيء؟ بكل أنواع الخير، بدنية أو مالية، ﴿سَابِقُوا﴾ ولم يقل: (بادروا) ، بل ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
﴾ [الحديد:٢١] مثل آية آل عمران: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران:١٦] ، ﴿.
لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد:٢١] ، فالمسابقة إلى الخير ليست بعقلك ولا بجِدِّك؛ ولكنه فضل من الله سبحانه، فالمؤمن إذا وجد نفسه تسعى على طريق الخير فليعلم أنه فضل من الله، ولا يغرنك ذلك، ولا تقولن: هذا بجِدي وفَهمي وعلمي، لا والله! إنه ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٤٢] و: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد:٢٧] ، واعلم أنها نعمة وفضل من الله لك، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] .
انظر إلى حقيقة الدنيا! وسبق أن بعضهم قال: الزهد الرضا بالقدر، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [الحديد:٢٢] ، تلك زينة الحياة الدنيا، وذلك العطاء المتفاضل، المنع والعطاء، كل ذلك ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد:٢٢-٢٤] .
يقولون: مصيبة الأرض: الجدب وعدم المطر وغيره، وفي أنفسكم: المرض والعافية والفقر والغنى، وكل هذه الأشياء.
ما أصاب إنسان من مصيبة كونية أو بدنية أو مالية أيَّاً كانت إلا كانت هذه المصيبة مكتوبة عليه في كتاب من قبل أن يخلق، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] : والبرء هو: الخلق، ومن أسماء الله البارئ المصور.
وتقدَّم حديث: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) فإذا كنت تؤمن بالقدر حقاً رضيت عن الله ، وإذا أقبلت عليك الدنيا لم تفرح بها، وإن ذهبت لم تحزن عليها، وأيُّ رفعة للعبد في هذا؟ وكما قيل: الحجر والمدر يستويان.
والعاقل لو تأمل! شيء فاتك أتحزن عليه؟! وما يدريك بنتيجة لو جاء؟ في غزوة أحد رجع رئيس المنافقين بثلث الجيش، وفات على المسلمين حضورهم القتال، وحزن المسلمون، ولكن لما انكشف الحجاب ماذا كان الأمر؟ قال سبحانه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] .
إذاً: رجوعهم وعدم حضورهم المعركة كان خيراً، وهكذا أنت قد تتمنى مالاً، أو تتمنى ولداً، أو تتمنى وظيفةً، وتتمنى وتتمنى ولكن ما تدري ماذا في تلك الأمنية إن حُقِّقت لك؟ والمجال ليس مجال ذكر القصص في هذا؛ ولكن العاقل لا يحزن على ما فاته بقدر الله.
ثم لا تكن شديد الفرح بما جاءك، ولذا يقول بعض الناس: (اجعل ما فاتك صبراً، واجعل ما أتاك شكراً) ، لا تحزن على شيء فاتك؛ لأنه بقضاء الله، ولا تفرح كل الفرح بما جاءك وتفخر به وتتمادى به.
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣] : جاءت هذه الآية بعد ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا﴾ [الحديد:٢٣] .
صحيحٌ أن الإنسان يفرح بأي نعمة كانت، لو امتلك ثوباً جديداً سيفرح به؛ ولكن فرح شكر للنعمة لا فرح بطر، ولذا أعقبها بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣] ، المختال الفخور هو الذي يختال بما جاءه.
إذاً: اجعل ما جاءك من الدنيا شكراً لله، واصرفه في مرضاة الله، ولا تجعله خيلاء وفخراً على عباد الله.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد.
стр. 730
شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والثلاثون
стр. 731
شرح حديث: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين] .
هذا الحديث يعتبر أساساً وأصلاً في علم القضاء، والحديث مع إيجازه يبين واقع العدالة والإنصاف في الإسلام، وأن كل دعوى ليس عليها بينة فهي مرفوضة.
وقوله: (لو يعطى) يقولون في علم العربية: (لو) حرف امتناع لوجود (لو يعطى الناس بدعواهم) الدعوى بألف مقصورة، والدعوة بالتاء، والفرق بينهما: أن الدعوى المقصورة هي الادعاء والتقاضي، والدعوة بالتاء: هي الدعوة إلى الوليمة ونحوها.
الدعوى تجمع على دعاوى، والدعوة للطعام تجمع على دعوات.
يبين ﷺ أنه لولا البينة ولولا العدالة، وأنه لا يعطى كل إنسان ما ادعاه؛ لتقدم أناس بالدعوى في أموال أشخاص ودمائهم أي: كل يدعي ما يشاء، وليس الأمر كذلك، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
يقول علماء العربية: (لكن) للاستدراك، ودائماً تأتي بين نفي وإثبات، تقول: ما جاء زيد لكن جاء عمر، ما جاء زيد صباحاً ولكن جاء مساءً، وهنا كذلك واقعة موقعها؛ لأن المعنى لا يعطى الناس كل ما ادعوه، وإنما يعطون بمقتضى البينة، فوقعت (لكن) بين النفي والإثبات في المعنى.
أما ألفاظه فقوله: (لو يعطى الناس بدعواهم) أي: فيما يدعون به، (لادعى رجال) ، وهل الحديث خاص بالرجال فقط دون النساء أو أن النساء كذلك؟
الجواب
النساء داخلة فيه كذلك، ولكن ذكر الرجال هنا للتغليظ؛؛لأن أكثر ما تكون الدعاوى بين الرجال.
(لادعى رجال أموال قوم ودماءهم) ، هنا جاء لفظ القوم بعد لفظ الرجال، فهل القوم هم الرجال أم أن كلمة القوم تعم الرجال والنساء معاً؟ يقولون في العربية: لفظ القوم خاص بالرجال ولا يدخل فيه النساء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] ، قالوا: لو أن كلمة (قوم) تشمل الجنسين لكانت تكفي عن إعادة ذكر النساء، واستدلوا بقول الشاعر: وما أدري ولست أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء فقابل بين النساء وبين القوم.
واستدل الآخرون بألفاظ وردت تدل على أن القوم يشمل الرجال والنساء معاً، ولكن قالوا: يشمله بقرينة التكليف في الشرع.
وقوله ﷺ : (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي- جاء لفظ الحديث باسم الفاعل- واليمين على من أنكر) كان مقتضى السياق واليمين على المنكر، لكن قال في الأول: (البينة على المدعي) ، واليمين على من يقابل المدعي بالإنكار.
стр. 732
القرائن ودورها في إثبات الحقوق
نرجع إلى قوله: (ولكن البينة) ما هي البينة؟ ابن القيم ﵀ له كتاب نفيس جداً في هذا الباب وهو: الطرق الحكمية، وينبغي لطالب العلم أن يقرأ هذا الكتاب ولو لم يكن قاضياً، ولكن من باب العلم.
البينة مأخوذة من البيان، والبينة كل ما يبين الحق ويفصله عن الباطل، وليست قاصرةً على الشهود أو الإقرار فقط، فقد تكون قرينة من القرائن أقوى من مائة شاهد، وقد يتواطأ الشهود على شهادة الزور، وقد يقر الإنسان إقراراً غير واقع، ومن هنا ندعو جميعاً للقضاة: أن ينور الله بصائرهم، ويريهم الحق حقاً، ويرزقهم اتباعه؛ لأن الأمر دقيق جداً، وفي القرآن الكريم والسنة اعتبار القرائن، ومن ذلك ما يلي:
стр. 733
قصة يوسف وما وقع فيها من قرائن معتبرة
في كتاب الله قصة نبي الله يوسف، ونحن نعلم القضية بكاملها، ولما حصل له الاتهام والسجن برأه الله بما أيده به من القرائن، ومنها: أن شهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت، فمجرد شق القميص قرينة على الذي بدأ بالمراودة.
وقبل هذا كانت هناك قرينة كاذبة قابلتها قرينة أقوى منها، وذلك أن إخوة يوسف ألقوه في غيابت الجب، ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٦-١٧] سبحان الله العظيم! بكاء وجاءوا على قميصه بدم كذب ليخبروا أباهم بأن الدم قرينة على أن الذئب أكله، لكن أباهم كان أفقه منهم، فأخذ القميص ونظر فيه فرأى فيه الدم، ولكن فات عليهم أن يمزقوا القميص وقال: يا سبحان الله! متى كان هذا الذئب حليماً كيساً يأكل يوسف ولا يشق قميصه؟! ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] ، فهم وضعوا في القميص دماً كذباً، وما كان عندهم مختبرات في ذاك الوقت لتحلل هذا الدم، ليروا هل هو دم شاة أم دم إنسان؟ لأنه بإجماع الطب أن دم الإنسان لا يتفق مع أي حيوان من الحيوانات الأخرى، ولا دم حيوان مع أي حيوان آخر، وهذه من حكمة المولى سبحانه، بل دماء البشر مختلفة فيما بينهم، وفيها فصائل مختلفة، وما كل إنسان دمه يتفق مع دم الآخر.
стр. 734
قصة المرأتين اللتين ذهب الذئب بابن أحدهما
من تاريخ الأمم والأنبياء ما يرويه لنا نبينا ﷺ : (أن امرأتين ولد لكل واحدة منهما ولد، فغفلتا عن ولديهما، فجاء الذئب وخطف واحداً من الولدين، فاختلفتا في الولد الموجود، وكل واحدة منهما تدعيه لنفسها، فجاءتا إلى نبي الله داود، وسمع منهما، فحكم به للكبرى، فمرتا على سليمان، فسألهما عن خبرهما، فقالت: هذا ولدي حكم به داود لهذه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما نصفين، فقالت الصغرى: لا تفعل، هو لها، ولا تشق الولد، فانتزعه من الكبرى ودفعه إلى الصغرى) ؛ فالكبرى لم تمنع من شقه؛ لأنها وترت في ولدها وتريد أن توتر الأخرى مثلها، ولما رأى شفقة الصغرى من أن يشق الولد نصفين واختيارها أن يبقى حياً في يد الغير أولى من أن يكون ميتاً، فعرف من قرينة عاطفة الأم أن الولد لها، وعرف من تساهل الأخرى أنها لا تبالي، فانتزعه من الكبرى، ودفعه للصغرى.
стр. 735
عمل النبي ﷺ بالقرائن مع حُيي بن أخطب وغيره
أجلى رسول الله ﷺ بني النضير إلى خيبر، وبعد سنة أو سنتين حاصر النبي ﷺ خيبر، وجاء حُيي بن أخطب وطلب من رسول الله ﷺ أن ينزل إليه ليكلمه، وفاوضه على الصلح بأن يخرجوا، وليس معهم إلا الثياب التي يلبسونها، ويتركون السلاح والمال والحيوان وكل شيء بشرط ألا يخونوا المسلمين، وإذا خانوا برئت منهم ذمة الله ورسوله، فوافقوا على هذا الشرط، فلما خرجوا سأل رسول الله حُيي بن أخطب عن الذهب، وكان قد خرج من المدينة عند الإجلاء بجلد ثور مليء بالذهب والحلي، فقال: الذهب فني، وأكلته الحروب، فقال ﷺ : (العهد قريب، والمال كثير) ، يعني: المال كثير، وهذا الوقت القصير لا يأكل هذا المال الكثير، فمعنى هذا أنهم أخفوا المال، فأنكر فدفعه إلى الزبير فمسه بعذاب، وقيل: جاءت امرأة إلى الزبير وقالت: كنت أرى حُيياً يحوم حول تلك الخربة، فذهبوا إلى تلك الخربة، وفتشوا فيها، فوجدوا الذهب مدفوناً هناك، ويقولون في نظام التحقيق والمباحث: المجرم يحوم حول مكان الجريمة، فيراقبون مكانها، ولابد أن يدفعه أمر بدون شعور إلى أن يذهب إلى محل الجريمة ليرى فيها، فجيء به وضربت عنقه.
يهمنا قول الرسول ﷺ (العهد قريب، والمال كثير) فهذه قرينة على أن المال لم يصرف، بل هو باق، وهم قد جحدوا المال، ثم تبين أنه موجود.
стр. 736
من أخبار القضاة
يذكر وكيع -صاحب أخبار القضاة- من فراسة القضاة ما يحار فيه العقل، ومما ذكر عن بعض القضاة أنه جاءه اثنان، فقال أحدهما: كنا في سفر، ونزلنا المنزل الفلاني، وأودعته مالاً، فلما جئنا أنكر المال، فراجعته فيما أودعته إياه ليحمله معه فإذا به ينكر، فسأله القاضي: هل لك بينة؟ قال: ليس عندي بينة، فقال له القاضي: لعلك نسيته في المكان الذي أودعته إياه، وذهب ولم يأخذه! قال: لا أنا متأكد أنه أخذه، وذهبنا والمال معه، فقال القاضي للمدعى عليه: اجلس، وقال للمدعي: اذهب إلى ذاك المكان، وفتش تحت الشجرة التي نمت عندها، وانظر لعلك تجد المال هناك، فذهب بناءً على أمر القاضي، واشتغل القاضي بقضايا الناس عنده، وبعد فترة فاجأ المدعى عليه وقال: صاحبك تأخر، ألم يكن قد وصل حتى الآن؟ فقال: لا، المحل بعيد، فقال: إذاً: أنت تعرف المكان! وحصل بينكما ما حصل، فسلمه للشرطة، وحكم عليه بدفع المال.
ويقولون: الإنسان إذا شاور اكتسب عقلاً إلى عقله، وإذا قرأ اكتسب عقلاً إلى عقله.
стр. 737
ما وقع للشيخ من قضايا وعمل فيها بالقرائن
وللمناسبة، رفعت إليَّ قضية أربعة غير سعوديين، ادعى أحدهم على شخص منهم بخمسة وثمانين ألف ريال -والقضية طويلة، وانظروا -يا إخواني- ما يعانيه القاضي-، وفيها اعتراف وتوقيع فلان، وكتابته: تكلفت بدفع مبلغ كذا لفلان، هو موقع، ويشهد عليه اثنان، والشهود كانوا غير موجودين، فالمدعى عليه أنكر وقال: هذا أنا لا أعرفه، وهذا ليس اسمي، وأخرج إقامة له فيها اسم غير الاسم المكتوب في السند، لو كنتم كلكم قضاة ماذا تقولون؟ ادعى على إنسان، واسم الإنسان ليس موجوداً، وهذا الشخص يحمل إقامة رسمية باسم غير الاسم الموجود في السند، ويقول: هذا الشخص عمري ما رأيته ولا أعرفه، فهل بقي للقاضي شيء بعد هذا يا جماعة؟! ما بقي له شيء، إلا أن الله يحق الحق، فقلت: أخبرني -يا فلان- كيف كتب هذا السند؟ وكيف كتب باسم غيره؟ فضحك شخص، فقلت: لماذا تضحك؟! وراء هذا شيء! فقال: اسمه الحقيقي هو الذي في السند، وسُفر سابقاً وجاء إلى المحل الفلاني، ودخل بهذا الاسم الجديد الذي في الإقامة، وهذه جريمة ثانية! قلت: وهل تعرفه؟ قال: أعرفه من كذا سنة، ونحن بالمملكة يعرف بعضنا بعضاً، قلت: يا فلان! ماذا تقول؟ قال: أبداً.
لا أعرفه.
وبعد أن تركت القضية وجلسنا جلسة ثانية، والشهود لم يأتوا، وهذا الرجل في السجن، وتجري -قدراً من الله- مناقشة فيما بينهم في كتب السند، فإذا بهم يسكتون، فسألت المنكر- سؤالاً مباغتاً: أين كتب هذا السند في الرياض أو في المدينة؟ فالذي كان يقول: لا أعرف، وليس هذا اسمي قال: كتب هذا السند في المدينة.
إذاً: السند صحيح، فأراد أن يتراجع، ولكن قد أنطقه الله بالحق، ثم اعترف وقال: نحن أربعة التزمنا بالمال، فلماذا يدعي عليّ وحدي ويترك البقية؟ فهذا القاضي لما اختصم إليه اثنان، وليس عند المدعي بينة، هل قال: ليس لك عنده شيء، واحلف أنت أيها المنكر؟! لأنه إذا كان عنده استعداد أن يأكل مال الناس فما الذي يمنعه من أن يحلف؟ ولذا ابن القيم يقول: من حصر البينة على شاهدي عدل ربما أضاع حقوق الناس.
وكذلك من اعتمد على مجرد الفراسة ربما ظلم الناس، والفراسة تخطئ وتصيب، وإقامة البينة على الدعوى ليس مبدأً في كتاب الله وسنة رسوله فحسب، ولكن رب العزة سبحانه يعامل عباده بالبينة والإقرار قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، وقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] ، فرب العزة لا يخفى عليه شيء، وإذا حكم لا معقب لحكمه، ولكن يأتي العبد يوم القيامة فيقول: ربي! لم أفعل هذا! قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] ؛ لأن الكافر ينكر، فإذا أنكر وكذّّب الملائكة ينطق الله جوارحه، كما قال الله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] .
إذاً: كان رب العزة وهو سبحانه هو القائل عن نفسه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ، ولا تخفى عليه خافية، وهو مع ذلك يعامل الناس بالبينة، فيجب على القضاة أن يحكموا بالبينة.
стр. 738
قصة الجارية التي رض يهودي رأسها بين حجرين
الرسول ﷺ جاءته قضية وهي مشهورة عند العلماء في باب الجنايات، وهي أن جارية وجدت وقد رُضّ رأسها بين حجرين، فجيء بها إلى النبي ﷺ فقيل لها: (من فعل بك هذا؟ وهي لا تتكلم؛ لأنها في حالة لا تسمح لها بالنطق، فأخذوا يعرضون عليها: فلان! فلان! فلان! حتى نطقوا باسم شخص يهودي، فأومأت برأسها: أي نعم) ، فهذه قرينة على حصر الدعوى في فلان.
يقول مالك: التدمية لوثٌ، فإذا وجد إنسان يتشحط في دمه، وسئل: من فعل بك هذا؟ وقال: فلان، فـ مالك يعتبر هذا لوثاً، ويبني عليه القسامة، والآخرون يقولون: كيف نأخذ قول إنسان على خصمه؟ فنقول: هذا شخص في آخر لحظات من الدنيا، وأول قدومه على الآخرة، فالأصل أن يرجو فضل الله، ويتجنب الكذب والظلم، فمظنة الصدق منه موجودة.
ويهمنا في هذه القضية أن اليهودي وجد جارية عليها ذهب وحلي، فأخذها إلى خربة وأخذ الحلي ورضَّ رأسها بين حجرين.
ونقف وقفة ونقول: يا أصحاب الذهب والفضة والأموال! لا تقتلوا صبيانكم بأن تضعوا عليهم من الذهب ما يزيد عن الحاجة.
فالطفلة الصغيرة يكفيها شيء يسير جداً تفرح به؛ لأن الذهب أغرى ذاك اليهودي على قتلها، فأهلها شاركوا في قتلها، ومثل هذا تجد ولداً عمره اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، يشتري له أبوه سيارة، ويذهب الولد بدون رخصة فرحاً بالسيارة يلعب بها، ثم يرتكب حادثاً، فمن الذي تسبب في هذا الحادث؟ الذي تسبب هو أبوه، ولو مات الولد في الحادث فأبوه هو الذي ساعد على قتله؛ لأنه أعطاه شيئاً ليس كفؤاً له.
وتلك الجارية عرض عليها أسماء أشخاص من أصحاب السوابق، ولم يعرضوا عليها أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، بل عرضوا عليها من هم مظنة لهذا العمل.
إذاً: السوابق لها أثر، وصحيفة السوابق عند الشرطة لها أثر في التحقيق الجنائي، ولما قالت: فلان، هل بمجرد ادعائها أُخذ بذلك مع أنه يهودي؟ لا، وإنما جيء به فاعترف، فرضَّ رأسه بين حجرين، أي: عومل بمثل ما فعل بالجارية، ولو قتلها بسلاح لقتل به.
ويهمنا أن الرسول ﷺ لم يأخذ اليهودي بادعاء الجارية، وإن كان يهودياً فله حق الدفاع عن النفس، فلما أقرَّ أخذ بإقراره، وكان من الممكن أن ينزل وحي على رسول الله بذلك، ولكن لو جاء وحي إلى رسول الله فسيكون الحكم بمقتضى علم رسول الله، والقاضي لا يحكم بعلمه أبداً.
فرب العزة لا يخفى عليه شيء، وهو لا يحكم على العبد بعلمه حتى يقيم البينة عليه، مع أنه لا تخفى عليه خافية.
وكذلك الرسول ﷺ لو جاءه الوحي وأخبره فمن للقضاة بعد ذلك، وهم لا يأتيهم وحي؟ ولذا قال ﷺ في حديث أم سلمة: (إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر! أقضي نحو ما أسمع، فلعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر، فمن أقطعت له شيئاً من حق أخيه فإنما أقتطع له قطعةً من النار) سبحان الله العظيم! أقضي لكم على نحو ما أسمع.
فإذا جاء رجل يدعي على شخص آخر، والقاضي يعلم القضية، فينبغي على القاضي أن يقول للمدعي: لا تحتكم إليَّ، وتحاكم عند غيري، وادعني للشهادة، أما أن أكون شاهداً وقاضياً فلا يمكن؛ لأن القاضي لا يحكم بعلمه، ولو حكم بعلمه فسيقول المدعى عليه: القاضي والخصم عليَّ، لكن يذهب إلى القاضي، ويبحث عن شهود آخرين غير القاضي.
وفي هذا الباب جُعلت البينة على المدعي؛ لأن القاضي لا يحكم بعلمه، ولابد من تقديم البينة وإقامة ما يبين الحق، وهل البينة مجرد الشهود أو كل ما يبين الحق؟ يجوز للقاضي أن يحكم بالقرائن إذا اطمأن للقرائن، يقول ابن القيم: قد تكون القرينة أقوى من عدة شهود.
وقد وجدنا في كتاب الله أن القرينة قد تبطل بقرينة أقوى منها، فقرينة الدم في قميص يوسف بطلت بقرينة سلامة القميص.
إذاً: المسألة مسألة إقامة أدلة على صدق الدعوى، وإعمال القرائن لها منزلة كبيرة في الشرع، حتى لا تضيع حقوق الناس.
стр. 739
الإقرار ليس حجة مطلقاً
يقولون: الإقرار ليس كل شيء، فقد يقر إنسان بما ليس واقعاً لمصلحة يرجوها من الإقرار، ويدرك ذلك من زاول القضاء، وما كل إنسان يدركه.
يذكرون عن بعض القضاة أنه دخل عليه شيخ وشاب وادعى الشيخ على الشاب ألف دينار، فقال له القاضي: ما تقول في دعوى المدعي؟ قال: نعم، هي في ذمتي، فقال: اذهبوا وائتوني غداً.
وكان القضاة يحضرهم العلماء والفقهاء للمشاورة، فلما قال القاضي: ائتوني غداً، قال جلساؤه: ما هذا التسويف؟! هما مدعٍ ومدعى عليه، والمدعى عليه معترف، فلماذا تؤخرهم إلى الغد؟ لماذا لا تحكم بمقتضى إقراره؟ فقال القاضي: ألم تروا سهولة إقراره؟! يعني: ما هي على العادة المعروفة، وكأنهما جاءا متفقين على هذا.
ومن الغد في الصباح الباكر جاء والد ذاك الشاب يشكو إلى القاضي ولده، قال: ماذا به؟ قال: أتلف مالي، وأفسد حالي، إذا أعطيته المال يضيعه، وإذا لم أعطه قامت أمه وفعلت وفعلت، والآن عجز أن يأخذ مني شيئاً، فذهب وتواطأ مع فلان ليدعي عليه بالألف، ويعترف وليس عنده شيء، فتحكم عليه بالسجن، وتصر علي أمه لأخلصه، وأدفع الألف، ويتقاسمانه بينهما! ويهمنا -يا إخوان- معرفة عدالة الإسلام في إقامة البينة على من يدعى عليه، وباب البينة باب واسع.
стр. 740
الفرق بين المدعي والمدعى عليه
من هو المدعي؟ ومن هو المدعى عليه؟ لو التبس الأمر على القاضي، ولم يميز بين مدعٍ ومدعى عليه، فربما قال للمدعي: تحلف؛ ولهذا يتفق العلماء على أن التفريق بين المدعي والمدعى عليه هو أساس القضاء؛ حتى يستطيع القاضي أن يميز بين من يطالب بالبينة، ومن يوجه إليه اليمين.
والتفريق بين المدعي والمدعى عليه أن المدعي هو من إذا ترك ترك مع السلامة، والمدعى عليه لا يترك، بل يطالب ويطارد، والتعريف العلمي للمدعي هو: من ادعى شيئاً على خلاف الأصل، والمدعى عليه هو: من كان معه البراءة الأصلية.
مثلاً: لو ادعى رجل على آخر ألف ريال، فذمة هذا الشخص غير مرتبطة بشيء، ومعها البراءة من هذه الدعوى.
وهذا الذي يدعي الألف يدعي خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم شغل الذمة بحق الآخرين، فحينئذ لو أن القاضي قال لهذا: هات البينة! وقال: ما عندي، ثم قال له: احلف! فسيحلف؛ لأنه ما جاء يدعي إلا وهو مستعد لأن يأكل، فجانب المدعي دائماً أضعف من جانب المدعى عليه، كما يقولون: المدعى عليه بريء حتى تثبت إدانته.
قد يقول المدعي: ما عندي بينة، جاءني منتصف الليل، وقال: أنا ظروفي الآن قاسية، أعطني ألف ريال فقال: نكتب سنداً، فقال له: ليل وما عندنا كاتب، فقال له: الله وكيلنا، خذ الألف واذهب، ومن الغد جاء وقال له: ليس بيننا شهود ولا كتابة، فاذهب اشتكي بي أينما تريد! فحينما يعجز هذا عن البينة، نقول لهذا المدعى عليه: يمين الله.
следующие страницы →