← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

من أخبار القضاة يذكر وكيع -صاحب أخبار القضاة- من فراسة القضاة ما يحار فيه العقل، ومما ذكر عن بعض القضاة أنه جاءه اثنان، فقال أحدهما: كنا في سفر، ونزلنا المنزل الفلاني، وأودعته مالاً، فلما جئنا أنكر المال، فراجعته فيما أودعته إياه ليحمله معه فإذا به ينكر، فسأله القاضي: هل لك بينة؟ قال: ليس عندي بينة، فقال له القاضي: لعلك نسيته في المكان الذي أودعته إياه، وذهب ولم يأخذه! قال: لا أنا متأكد أنه أخذه، وذهبنا والمال معه، فقال القاضي للمدعى عليه: اجلس، وقال للمدعي: اذهب إلى ذاك المكان، وفتش تحت الشجرة التي نمت عندها، وانظر لعلك تجد المال هناك، فذهب بناءً على أمر القاضي، واشتغل القاضي بقضايا الناس عنده، وبعد فترة فاجأ المدعى عليه وقال: صاحبك تأخر، ألم يكن قد وصل حتى الآن؟ فقال: لا، المحل بعيد، فقال: إذاً: أنت تعرف المكان! وحصل بينكما ما حصل، فسلمه للشرطة، وحكم عليه بدفع المال. ويقولون: الإنسان إذا شاور اكتسب عقلاً إلى عقله، وإذا قرأ اكتسب عقلاً إلى عقله.

стр. 737

ما وقع للشيخ من قضايا وعمل فيها بالقرائن وللمناسبة، رفعت إليَّ قضية أربعة غير سعوديين، ادعى أحدهم على شخص منهم بخمسة وثمانين ألف ريال -والقضية طويلة، وانظروا -يا إخواني- ما يعانيه القاضي-، وفيها اعتراف وتوقيع فلان، وكتابته: تكلفت بدفع مبلغ كذا لفلان، هو موقع، ويشهد عليه اثنان، والشهود كانوا غير موجودين، فالمدعى عليه أنكر وقال: هذا أنا لا أعرفه، وهذا ليس اسمي، وأخرج إقامة له فيها اسم غير الاسم المكتوب في السند، لو كنتم كلكم قضاة ماذا تقولون؟ ادعى على إنسان، واسم الإنسان ليس موجوداً، وهذا الشخص يحمل إقامة رسمية باسم غير الاسم الموجود في السند، ويقول: هذا الشخص عمري ما رأيته ولا أعرفه، فهل بقي للقاضي شيء بعد هذا يا جماعة؟! ما بقي له شيء، إلا أن الله يحق الحق، فقلت: أخبرني -يا فلان- كيف كتب هذا السند؟ وكيف كتب باسم غيره؟ فضحك شخص، فقلت: لماذا تضحك؟! وراء هذا شيء! فقال: اسمه الحقيقي هو الذي في السند، وسُفر سابقاً وجاء إلى المحل الفلاني، ودخل بهذا الاسم الجديد الذي في الإقامة، وهذه جريمة ثانية! قلت: وهل تعرفه؟ قال: أعرفه من كذا سنة، ونحن بالمملكة يعرف بعضنا بعضاً، قلت: يا فلان! ماذا تقول؟ قال: أبداً. لا أعرفه. وبعد أن تركت القضية وجلسنا جلسة ثانية، والشهود لم يأتوا، وهذا الرجل في السجن، وتجري -قدراً من الله- مناقشة فيما بينهم في كتب السند، فإذا بهم يسكتون، فسألت المنكر- سؤالاً مباغتاً: أين كتب هذا السند في الرياض أو في المدينة؟ فالذي كان يقول: لا أعرف، وليس هذا اسمي قال: كتب هذا السند في المدينة. إذاً: السند صحيح، فأراد أن يتراجع، ولكن قد أنطقه الله بالحق، ثم اعترف وقال: نحن أربعة التزمنا بالمال، فلماذا يدعي عليّ وحدي ويترك البقية؟ فهذا القاضي لما اختصم إليه اثنان، وليس عند المدعي بينة، هل قال: ليس لك عنده شيء، واحلف أنت أيها المنكر؟! لأنه إذا كان عنده استعداد أن يأكل مال الناس فما الذي يمنعه من أن يحلف؟ ولذا ابن القيم يقول: من حصر البينة على شاهدي عدل ربما أضاع حقوق الناس. وكذلك من اعتمد على مجرد الفراسة ربما ظلم الناس، والفراسة تخطئ وتصيب، وإقامة البينة على الدعوى ليس مبدأً في كتاب الله وسنة رسوله فحسب، ولكن رب العزة سبحانه يعامل عباده بالبينة والإقرار قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، وقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] ، فرب العزة لا يخفى عليه شيء، وإذا حكم لا معقب لحكمه، ولكن يأتي العبد يوم القيامة فيقول: ربي! لم أفعل هذا! قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] ؛ لأن الكافر ينكر، فإذا أنكر وكذّّب الملائكة ينطق الله جوارحه، كما قال الله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] . إذاً: كان رب العزة وهو سبحانه هو القائل عن نفسه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ، ولا تخفى عليه خافية، وهو مع ذلك يعامل الناس بالبينة، فيجب على القضاة أن يحكموا بالبينة.

стр. 738

قصة الجارية التي رض يهودي رأسها بين حجرين الرسول ﷺ جاءته قضية وهي مشهورة عند العلماء في باب الجنايات، وهي أن جارية وجدت وقد رُضّ رأسها بين حجرين، فجيء بها إلى النبي ﷺ فقيل لها: (من فعل بك هذا؟ وهي لا تتكلم؛ لأنها في حالة لا تسمح لها بالنطق، فأخذوا يعرضون عليها: فلان! فلان! فلان! حتى نطقوا باسم شخص يهودي، فأومأت برأسها: أي نعم) ، فهذه قرينة على حصر الدعوى في فلان. يقول مالك: التدمية لوثٌ، فإذا وجد إنسان يتشحط في دمه، وسئل: من فعل بك هذا؟ وقال: فلان، فـ مالك يعتبر هذا لوثاً، ويبني عليه القسامة، والآخرون يقولون: كيف نأخذ قول إنسان على خصمه؟ فنقول: هذا شخص في آخر لحظات من الدنيا، وأول قدومه على الآخرة، فالأصل أن يرجو فضل الله، ويتجنب الكذب والظلم، فمظنة الصدق منه موجودة. ويهمنا في هذه القضية أن اليهودي وجد جارية عليها ذهب وحلي، فأخذها إلى خربة وأخذ الحلي ورضَّ رأسها بين حجرين. ونقف وقفة ونقول: يا أصحاب الذهب والفضة والأموال! لا تقتلوا صبيانكم بأن تضعوا عليهم من الذهب ما يزيد عن الحاجة. فالطفلة الصغيرة يكفيها شيء يسير جداً تفرح به؛ لأن الذهب أغرى ذاك اليهودي على قتلها، فأهلها شاركوا في قتلها، ومثل هذا تجد ولداً عمره اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، يشتري له أبوه سيارة، ويذهب الولد بدون رخصة فرحاً بالسيارة يلعب بها، ثم يرتكب حادثاً، فمن الذي تسبب في هذا الحادث؟ الذي تسبب هو أبوه، ولو مات الولد في الحادث فأبوه هو الذي ساعد على قتله؛ لأنه أعطاه شيئاً ليس كفؤاً له. وتلك الجارية عرض عليها أسماء أشخاص من أصحاب السوابق، ولم يعرضوا عليها أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، بل عرضوا عليها من هم مظنة لهذا العمل. إذاً: السوابق لها أثر، وصحيفة السوابق عند الشرطة لها أثر في التحقيق الجنائي، ولما قالت: فلان، هل بمجرد ادعائها أُخذ بذلك مع أنه يهودي؟ لا، وإنما جيء به فاعترف، فرضَّ رأسه بين حجرين، أي: عومل بمثل ما فعل بالجارية، ولو قتلها بسلاح لقتل به. ويهمنا أن الرسول ﷺ لم يأخذ اليهودي بادعاء الجارية، وإن كان يهودياً فله حق الدفاع عن النفس، فلما أقرَّ أخذ بإقراره، وكان من الممكن أن ينزل وحي على رسول الله بذلك، ولكن لو جاء وحي إلى رسول الله فسيكون الحكم بمقتضى علم رسول الله، والقاضي لا يحكم بعلمه أبداً. فرب العزة لا يخفى عليه شيء، وهو لا يحكم على العبد بعلمه حتى يقيم البينة عليه، مع أنه لا تخفى عليه خافية. وكذلك الرسول ﷺ لو جاءه الوحي وأخبره فمن للقضاة بعد ذلك، وهم لا يأتيهم وحي؟ ولذا قال ﷺ في حديث أم سلمة: (إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر! أقضي نحو ما أسمع، فلعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر، فمن أقطعت له شيئاً من حق أخيه فإنما أقتطع له قطعةً من النار) سبحان الله العظيم! أقضي لكم على نحو ما أسمع. فإذا جاء رجل يدعي على شخص آخر، والقاضي يعلم القضية، فينبغي على القاضي أن يقول للمدعي: لا تحتكم إليَّ، وتحاكم عند غيري، وادعني للشهادة، أما أن أكون شاهداً وقاضياً فلا يمكن؛ لأن القاضي لا يحكم بعلمه، ولو حكم بعلمه فسيقول المدعى عليه: القاضي والخصم عليَّ، لكن يذهب إلى القاضي، ويبحث عن شهود آخرين غير القاضي. وفي هذا الباب جُعلت البينة على المدعي؛ لأن القاضي لا يحكم بعلمه، ولابد من تقديم البينة وإقامة ما يبين الحق، وهل البينة مجرد الشهود أو كل ما يبين الحق؟ يجوز للقاضي أن يحكم بالقرائن إذا اطمأن للقرائن، يقول ابن القيم: قد تكون القرينة أقوى من عدة شهود. وقد وجدنا في كتاب الله أن القرينة قد تبطل بقرينة أقوى منها، فقرينة الدم في قميص يوسف بطلت بقرينة سلامة القميص. إذاً: المسألة مسألة إقامة أدلة على صدق الدعوى، وإعمال القرائن لها منزلة كبيرة في الشرع، حتى لا تضيع حقوق الناس.

стр. 739

الإقرار ليس حجة مطلقاً يقولون: الإقرار ليس كل شيء، فقد يقر إنسان بما ليس واقعاً لمصلحة يرجوها من الإقرار، ويدرك ذلك من زاول القضاء، وما كل إنسان يدركه. يذكرون عن بعض القضاة أنه دخل عليه شيخ وشاب وادعى الشيخ على الشاب ألف دينار، فقال له القاضي: ما تقول في دعوى المدعي؟ قال: نعم، هي في ذمتي، فقال: اذهبوا وائتوني غداً. وكان القضاة يحضرهم العلماء والفقهاء للمشاورة، فلما قال القاضي: ائتوني غداً، قال جلساؤه: ما هذا التسويف؟! هما مدعٍ ومدعى عليه، والمدعى عليه معترف، فلماذا تؤخرهم إلى الغد؟ لماذا لا تحكم بمقتضى إقراره؟ فقال القاضي: ألم تروا سهولة إقراره؟! يعني: ما هي على العادة المعروفة، وكأنهما جاءا متفقين على هذا. ومن الغد في الصباح الباكر جاء والد ذاك الشاب يشكو إلى القاضي ولده، قال: ماذا به؟ قال: أتلف مالي، وأفسد حالي، إذا أعطيته المال يضيعه، وإذا لم أعطه قامت أمه وفعلت وفعلت، والآن عجز أن يأخذ مني شيئاً، فذهب وتواطأ مع فلان ليدعي عليه بالألف، ويعترف وليس عنده شيء، فتحكم عليه بالسجن، وتصر علي أمه لأخلصه، وأدفع الألف، ويتقاسمانه بينهما! ويهمنا -يا إخوان- معرفة عدالة الإسلام في إقامة البينة على من يدعى عليه، وباب البينة باب واسع.

стр. 740

الفرق بين المدعي والمدعى عليه من هو المدعي؟ ومن هو المدعى عليه؟ لو التبس الأمر على القاضي، ولم يميز بين مدعٍ ومدعى عليه، فربما قال للمدعي: تحلف؛ ولهذا يتفق العلماء على أن التفريق بين المدعي والمدعى عليه هو أساس القضاء؛ حتى يستطيع القاضي أن يميز بين من يطالب بالبينة، ومن يوجه إليه اليمين. والتفريق بين المدعي والمدعى عليه أن المدعي هو من إذا ترك ترك مع السلامة، والمدعى عليه لا يترك، بل يطالب ويطارد، والتعريف العلمي للمدعي هو: من ادعى شيئاً على خلاف الأصل، والمدعى عليه هو: من كان معه البراءة الأصلية. مثلاً: لو ادعى رجل على آخر ألف ريال، فذمة هذا الشخص غير مرتبطة بشيء، ومعها البراءة من هذه الدعوى. وهذا الذي يدعي الألف يدعي خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم شغل الذمة بحق الآخرين، فحينئذ لو أن القاضي قال لهذا: هات البينة! وقال: ما عندي، ثم قال له: احلف! فسيحلف؛ لأنه ما جاء يدعي إلا وهو مستعد لأن يأكل، فجانب المدعي دائماً أضعف من جانب المدعى عليه، كما يقولون: المدعى عليه بريء حتى تثبت إدانته. قد يقول المدعي: ما عندي بينة، جاءني منتصف الليل، وقال: أنا ظروفي الآن قاسية، أعطني ألف ريال فقال: نكتب سنداً، فقال له: ليل وما عندنا كاتب، فقال له: الله وكيلنا، خذ الألف واذهب، ومن الغد جاء وقال له: ليس بيننا شهود ولا كتابة، فاذهب اشتكي بي أينما تريد! فحينما يعجز هذا عن البينة، نقول لهذا المدعى عليه: يمين الله.

стр. 741

ليس كل دعوى يسمع لها يقول المالكية: ما كل دعوى تسمع على كل من ادعي عليه، مثال ذلك: لو كان في وقت الموسم شخص مقيم في المدينة، فإذا رجل من خارج المملكة قال له: تعال! لي عندك عشرة آلاف ريال، وهذا المدعي حاج، وعمره ما جاء إلى المدينة من قبل، ولا سافر إلى الهند أو إلى مصر أو إلى أي بلد، فالقاضي إذا عرضت عليه هذه القضية قال للمدعي: بينتك، قال: ما عندي بينة، هل حالاً يقول للمدعى عليه: احلف أنه ليس له عندك عشرة آلاف ريال؟ لا، بل يفكر أولاً: ما هي الرابطة والمناسبة التي ربطت بينهما في عشرة آلاف؟ وليس مجرد ما ادعى نسمع منه. لو أن إنساناً يريد أن يؤذي رجلاً مستقيماً في خلقه وفي أمانته، مستغن في ماله، ما عرف عنه الحِيَل ولا النصب، ولا يقترض من الناس، ومعروف للجميع أنه من علية القوم استقامةً وديانةً ودنيا، فلو جاء إنسان وقال: أنا أدعي على فلان الشيخ الكبير الفلاني أو الأمير الفلاني عشرة آلاف ريال، فنقول له: لماذا أعطيته؟ قال: قرضة حسنة أحتاجها وأعطيته إياها، فنقول له: خذها منه، قال: هو أنكرني، فهل بمجرد هذه الدعوى نأتي بالشيخ الفاضل ونقول له: احلف يا فلان؟! ربما هو يريد أن يحرجه ليعرض عليه اليمين فيفتدي عن يمينه بشيء، وهذا الذي يريده المدعي. ليس كل من ادعى دعوى تسمع منه، ولكن إن وقع للقاضي ما يدل على ذلك فلا مانع أن يحلف كبير القوم، وقد اختصم أُبي بن كعب مع أمير المؤمنين عمر ﵁ في جذاذ نخل، كل يدعيها له، فقال أُبي: إنك أمير المؤمنين، قال: لا، ولكن اختر من نحتكم إليه، قال: زيد بن ثابت، فذهبا إلى زيد بن ثابت، فسلما عليه، فرد ﵉، وقال: ها هنا يا أمير المؤمنين؟! فقال: لا ما جئتك أميراً للمؤمنين، إنما جئتك متحاكماً مع خصمي، قال: إذاً: اجلس مع خصمك، ما دعواك يا أُبي؟ قال: جذاذ نخيل لي عنده، قال: ألك بينة عليه؟ قال: لا، ولكن أطلب يمينه، أُبي يطلب اليمين من عمر، فـ زيد تأخذه العاطفة -وهذا ضعف في القضاء- فقال: أو تعفي أمير المؤمنين من اليمين؟ فصاح به عمر: ويحك -يا زيد - أكل الناس تعفيهم من اليمين أم قلت: عمر أمير المؤمنين، وتطلب أن نعفيه؟ لماذا لا يحلف عمر إذا كان صادقاً؟ قال: أتحلف؟ قال: نعم أحلف، فحلف أن النخل له، وليس لـ أُبي، فصرف القاضي دعوى أُبي لعدم إثباته دعواه، وعدم إقامة البينة، وليمين المدعى عليه، فخرج عمر مع أُبي، وعند باب البيت استوقفه عمر وقال: هل انتهت القضية؟ قال: نعم، قال: ألك عندي شيء؟ قال: لا، ليس لي عندك شيء، قال: النخل لك هديةً مني، فقيل لـ عمر: ولماذا لم تفعل ذلك قبل اليمين؟ قال: مخافة أن يتخذها الناس سنة، ويقولون: عمر لا يحلف، ولكن إن كان محقاً فليحلف وليستحق، وإن كان غير محق ونكل فليحكم عليه. بينما عثمان رضي الله تعالى عنه اُدعي عليه مبلغ تسعة آلاف، ادعاها المقداد، فقال عثمان: هي سبعة آلاف، قال: أتحلف أنها سبعة، وأترك الألفين؟ قال: لا، احلف أنت أنها تسعة، وأعطيك التسعة، وهذا يسمى في نظام القضاء: (رد اليمين على المدعي) ، فإذا رد المدعى عليه اليمين على المدعي، وحلف بمقتضى طلب المدعى عليه، أخذ بذلك القاضي، وإن كان بعض العلماء ردوا ذلك، فحلف المدعي أنها تسعة، فأعطاه تسعة آلاف، فقيل لـ عثمان: عرض عليك اليمين وأنت متأكد أنها سبعة، فلماذا ترد عليه اليمين وتعطيه المال؟ قال: نعم خشيت أن أحلف، فيأتي قدر من الله في أمر ما، فيقول عوام الناس: هذا لأنه حلف كاذباً فجاءه ذلك، يعني: افتدي يمينه بأن ردها على المدعي. وكذلك عبد الله بن عمر باع غلاماً، فجاء المشتري وادعى بأن فيه عيباً كتمه عنه ابن عمر، فقال ابن عمر: ما علمت أن فيه عيباً، ولا كتمت عنك، وكان القاضي عثمان فقال: لك بينة على أن العيب كان موجوداً عند البيع وأخفاه عليك؟ قال: ما عندي بينة، لكن يحلف، فقال ابن عمر: قل له: يقبل العبد على ما هو عليه وإلا رده عليَّ وأخذ ماله، فرده عليه ورد عليه ماله، وبعد سنة باعه بزيادة قدر نصف القيمة زيادة على ما كان عليه. إذاً: بعض الناس قد يحلف، وبعض الناس قد يترك، لكن المبدأ الأساسي أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.

стр. 742

المسائل المستثناة من قاعدة (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) هناك مسألتان جاءتا على خلاف الأصل، وهما، اللعان، والقسامة في القتل. واللعان هو: أن الرجل يقذف زوجته -عياذاً بالله- بشخص أجنبي، فالحكم أنه إن أنكرت المرأة يتلاعنا، فيقسم هو أربع مرات أنها زنت، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وهو المدعي عليها، ويدرأ عنها العذاب أن تقسم أربع مرات. إلخ. إذاً: في قضية اللعان بدأ المدعي بالأيمان، فلماذا لا يأتي بالبينة؟ من باب الستر جعل الله إثبات حد الزنا بأربعة شهود، ولكن كما قال سعد: أتركه، وأذهب آتي بأربعة شهود، ويكون قد قضى حاجته منها؟! لئن رأيته والله! لأضربنه بالسيف، فقال النبي ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني) . وكما يقال: لا يوجد في الإسلام طريق مسدود، فلولا اللعان لكان كل امرأة أدخلت بيت زوجها من شاءت وقالت: ما عنده بينة، فجعل الله مخرجاً للزوج بالأيمان. إذا جئنا إلى الزوجين، رجل يجاهر ويصرخ بأنه وجد زوجه على كذا، من يستطيع أن يخبر بهذا الخبر دون أن يكون واقعاً؟ إذاً: ضخامة الجريمة أنطقته أمام الناس، وجعلته يفضح نفسه وأهله، فكان لوثاً قوي جانبه في ادعائه، ويحتمل أن يكون صادقاً، فالأيمان دائماً في جانب الأقوى من الطرفين، وهي يدرأ عنها العذاب بالأيمان. وكذلك القسامة، فإنها تثبت مع اللوث، فإذا كان هناك قبيلتان متعاديتان، فوجدت أحد القبيلتين بين بيوت القبيلة الثانية قتيلاً منهم، فجاء أولياء القتيل وقالوا: تلك القبيلة التي تعادينا هم الذين قتلوه، فكلامهم فيه رائحة القوة بسبب العداوة التي بينهم، لكن إذا لم تكن هناك عداوة ولا خصومة ولا شيء، فما الذي يأتي بالتهمة على هؤلاء؟ فيمكن أن يكون هناك جماعة قتلوه ووضعوه عند هؤلاء الناس، وأنتم تعلمون قضية قتيل بني إسرائيل، وكانت المدينة مقسومة قسمين، وكان رجل له بنت، فطلب ابن أخيه من عمه أن يزوجه ابنته فامتنع؛ لأن له مالاً، والخاطب فقير، فماذا فعل الولد؟ قتل عمه ليأخذ ماله، ويتزوج ابنته، ثم حمله إلى جانب القرية من الجهة الثانية، ثم أصبح من الغد يشتكي إلى نبي الله موسى: هؤلاء قتلوا عمي! اخرج لي قاتل عمي، واقتص لي منه! فقالوا: والله! ما قتلناه ولا علمنا بقتله، فقال الله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة:٧٢] ثم ذبحوا البقرة وقال: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣] ، (كذلك) فيه إشارة إلى أمر مطوي في القصة (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) ، فضربوه فأحياه الله، وأخبرهم من قتله، وقال: قتلني ولد أخي! فمثل هذا الإحياء الذي شاهدتم وعاينتم كذلك يحي الله الموتى. إذا كان هناك لوث فمدعي الدم له حق أن يبدأ بالقسامة كما جاء في قضية حويصة ومحيصة في خيبر. إذاً: اليمين في جانب من هو أقوى في الدعوى، وتفاصيل ذلك في كتب الفقه في باب القضاء. ولكن يهمنا في هذا الباب اليمين، واليمين شهادة، وحينما جاء المدعي وادعى بأنه أعطى فلاناً ألفاً مثلاً، وأنكر المدعى عليه أن يكون أخذ شيئاً، وجاء المدعي بشاهدين، وقالا: نشهد أنه أعطاه، ماذا يفعل القاضي؟ يتحتم عليه أن يحكم عليه بمقتضى الشهادة، فيحكم القاضي بشهادة رجلين، مع أنه يمكن أن يكونوا كاذبين، فإذا أعوز المدعي حضور الشهود فهل يضيع الحق؟ لا، بل يأتي باليمين، وما معنى اليمين؟ يقول للقاضي: أنا يعوزني الشهود، ما كان عندنا أحد، ولكن رب العزة شاهد، ويقال للمدعى عليه: أتشهد الله بمعنى: تحلف بالله بأن دعوى خصمك كاذبة، وأنك لم تأخذ منه شيئاً؟ فحينما يقوم المدعى عليه ويقول: أحلف بالله! إنه لكاذب في دعواه، فمن الذي يكون حقاً حاكماً وشاهداً في تلك القضية؟ إنه الله؛ لأن معنى اليمين، أن المدعى عليه يقول: أشهد الله الذي لا تخفى عليه خافية، والذي يعلم صدق المدعي أو كذبه، ويعلم صدقي أو كذبي، فإنه عالم مطلع أنه ليس له عندي شيء، فالذي يصير خصماً للمدعى عليه بعد هذا اليمين هو الله، ومن هنا نعلم معنى الحديث الصحيح: (من حلف بغير الله فقد أشرك) ، وما علاقة الشرك بالحلف بالله؟ لأنك عندما تحلف بغير الله كأنك تعطي غير الله بعض صفات الله، إذا حلفت بنبي بملك بصالح بأي شخص، فكأنك أعطيت المحلوف به صفة العلم والاطلاع والقدرة على الانتقام، وهذه لا تكون إلا لله، ولهذا يقول ابن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقاً) لأن الكاذب يعلم بأنه كاذب، وربما يرجع فيستغفر، لا أن يصل إلى حد الشرك، وربما يأتي يستسمح من المدعي، وربما يأتي ويقر ويعترف، وربما خاف من القضاء والسجن وذهب في الخفاء إلى صاحبه وأعطاه الحق، كل ذلك ممكن. إذاً: اليمين معناها: إقامة الله سبحانه شاهداً على رد الدعوى، فإن كان صادقاً فالحمد لله، وإن كان كاذباً فالله هو خصيمه. ولهذا لو تتقصى أحوال الناس، وتتتبع الذين يقسمون بالله كذباً -وهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار- تجد أن الله يعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولعل الكثيرين يسمعون أخباراً في ذلك، ولا يقتصر الأمر على يوم القيامة. ومن قضايا اليمين أن الرسول ﷺ جعل اليمين على المنبر هنا في المسجد النبوي بعد العصر إذا كانت قضيةً كبيرة، مثلاً في مبالغ كثيرة أو دعوى لها خطرها، فيشرع أن يقسم المدعى عليه بالله بعد العصر عند منبر رسول الله ﷺ تعظيماً لليمين، وتنبيهاً للمدعى عليه.

стр. 743

صيغة اليمين التي يحلفها المنكر صيغة اليمين كما جاء في الأثر: (أن يقسم: والله! الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) . ويروى عن الحسن أنه ادعى على شخص دعوى، وتوجه اليمين إلى الخصم، فقال: الحسن: أنا أحلفه، فقال: قل: والله! ليس له شيء، فقيل: لماذا لم تحلفه بالصيغة: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة؟ قال: لا، أنا لا أريد هذا كله، بل قل: والله! لم آخذ شيئاً، فحلف، فأصيب بما أصيب، فقالوا للحسن: ما السر أنك لم تقبل صيغة اليمين الطويلة العريضة؟ قال: خشيت أن يرحمه الله لأنه عظمه -يعني في قوله: الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة-، فيمهله، وفعلاً كان ما كان. هذا الحديث أظن أنه من اختصاص القضاة، وفي هذا الباب نعلم مدى عدل الإسلام وسماحته، وليخش أولئك الذين يقتحمون أبواب الأيمان الكاذبة أن يعاقبهم الله، وليعلموا أن اليمين تكون على نية المستحلف لا على نية الحالف. والله أسأل: أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 744

شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس والثلاثون [١]

стр. 745

رعاية الشريعة لوشائج الأخوة من ناحيتي العدم والوجود

стр. 746

النهي عن الحسد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وسيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات-، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) رواه مسلم. هذا الحديث الجليل جمع عدة خصال يبين فيها ﷺ كثيراً من حقوق المسلمين لبعضهم على بعض، ويعالج شخصية المسلم في نفسه وفي تصرفه. ويبدأ ﷺ بأولى خطايا الخليقة، ألا وهي الحسد، فيقول: (لا تحاسدوا) . ويقول العلماء: الحسد قسمان: حسد مذموم، وحسد ممدوح ويسمى الغبطة، والحسد المذموم: هو تمني زوال نعمة الله عن عبده، والغبطة: أن يتمنى الإنسان من نعمة الله مثل ما أنعم على فلان دون أن يتمنى زوال تلك النعمة، وهو الوارد في قوله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) . وكون الإنسان يعطى الحكمة ليقضي بها بين الناس، أو المال ينفقه في سبيل الله ليس فيه مضرة على أحد، ولكن الحسد المذموم -الذي هو أول خطيئة وقعت- هو أن تستكثر النعمة على العبد وتزدريه أمامها، وتستصغره بالنسبة إليها، وتستكثرها عليه، وتتمنى زوالها عنه. ومن هنا قالوا لما خلق الله أبانا آدم بيديه كرمه وأسجد له الملائكة، وكان إبليس في صف الملائكة، ولا نقول: كان من الملائكة. وكان من عمّار الأرض في عالم الجن أو الحن أو البن -عالم قبل الإنس-، وقاتل في سبيل الله، ويقولون: لم يبق شبر في الأرض إلا وله فيه سجدة، فرفعه الله إلى مصاف الملائكة، ولكنه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- أعجِب بنفسه، فلما رأى خلق آدم، وأن أصله من طين، ونظر فإذا المولى سبحانه لم يقل له كبقية الكائنات (كن) فكان، ولكن خلقه بيده، وصوّر حلقته بيده، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: ثلاثة خلقها الله بيده، خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وخط الألواح لموسى بيده. فلما رأى إبليس تلك النعم العظمى استعظمها على هذا الذي خلِق من حمأ مسنون، ولذا لما أُمر بالسجود امتنع، وقال كما حكى الله تعالى عنه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] ، يقول علماء الأصول: هذا أول قياس فاسد ويسمونه فساد الاعتبار، والقياس الفاسد الاعتبار هو القياس في مقابل النص، فالمولى يقول له: اسجد. فيذهب إلى القياس فيرى أن أصله من نار، وأصل آدم من طين، ويخطئ في النتيجة، فجعل النار خيراً من الطين، وامتنع اعتزازاً بأصله واحتقاراً لأصل غيره، فما لك وللأصل، وما لك وللمقايسة، إن قال: (اسجد) ، فاسجد ولكن -كما يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه- أخطأ في المقدمة وفي النتيجة. فمَن الذي قال: إن النار خير من الطين؟ فالنار محرِقة مدمِّرة، والطين مثمر منيبت، فعندما تأتي بالنواة وتلقيها في النار فإنها تضيع وتحترق، وعندما تأتي بالنواة وتلقيها في الطين تصير نخلة ولها طلع هضيم، فأيهما أفضل وأخير؟ لكن الضلال -عياذاً بالله- والكبر والازدراء يعمي البصيرة، فلما استعظم النعمة على آدم احتقر آدم، فتكبر فكان جزاؤه -عياذاً بالله- الطرد المؤبد، وهكذا المعصية تجر إلى معصية أخرى، كما يقول الإمام ابن القيم ﵀، وكما يقول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: (إذا رأيت الحسنة من الشخص فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيت السيئة من الشخص فاعلم أن لها عنده أخوات) أي: أنهن عناوين، والشيء يدل على غيره. وهنا يقول ﷺ : (لا تحاسدوا) ، وإذا جئنا نحتكم إلى العقل فإنه إذا أعطى الله شخصاً مائة والثاني تسعين فليس للثاني أن يعترض، فهل الذي أعطى صاحبك مائة أنقص من حقك -يا صاحب التسعين- شيئاً؟ وهل أخذ من حقك وأعطاه، أم أنه أعطاه من واسع فضله؟ فإن كان هناك شيء من حقك فخذه، وإذا كان تفضلاً من الله فأعطى وزاد فلا يقال: لِم لَم يكن الحد الأدنى للجميع عشرة؟ فهذا تحكم على الله. فالحاسد يحارب الله، والحاسد معترض على قسمة الله، والله يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٢] ، وانظر في الفرائض، فالبنت لها النصف، والأخت الشقيقة لها النصف فهل لك أن تقول: يا رب! لماذا أعطيت هذا؟ ولماذا أعطيت هذا؟ وإن كان هناك وراء ذلك كله حكم باهرة، لكنه عطاء الله، وليس لك أن تتحكم في عطاء غيرك. فلو قدم عشرة أشخاص أضيافاً على إنسان، فأعطى أحدهم طاقية، وأعطى الثاني عمامة، وأعطى الثالث غير ذلك، فهل لأحدهم أن يقول: لماذا لم تعطني مثل فلان؟ فالله تعالى أعلم بما يصلح العبد، وفي الحديث: (وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك) ، فهو بصير بعباده، والعطاء كله من الله، والإمام علي رضي الله تعالى عنه يقول: (لو نظر الناس في أعطياتهم، ونظروا بعقل وتدبر لوجدوها متساوية متعادلة) ، فربما أعطي شخص ألف الدنانير، وأعطي غيره عشرة دنانير فقط، وفي باب الصحة أعطى صاحب الألف دينار عشرة في المائة من الصحة، وأعطى صاحب العشرة تسعين في المائة، فأعطى، وساوى في مجموع المال والصحة. والعقل والذكاء والعلم والتوفيق كلها أعطيات، فلو جمعت ما أعطاك الله في صحة البدن، وفي عقلك، وفي ذكائك وفي ارتياحك النفسي وطمأنينتك في حياتك خرجت بنتيجة متعادلة، فينقص هذا ويزيد ذاك والناس كلهم عند الله سواء، وكلهم عباد الله، وهو أدرى بأعطياتهم. وليس لك حق في أن تعترض على عطاء الله لغيرك، والواجب عليك أن ترضى بما أعطاك، فإذا رضيت بما أعطاك لا تتطلع إلى ما أعطى غيرك، ولعله لو زادك كانت الزيادة تطغيك وتهلكك، فإنسان حُرم الولد، فعاش حَجِلاً من الناس لا يدري لو جاء له ولد ماذا يفعل معه؟ فيمكن أن يتمنى على الله أنه لم يأت هذا الولد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] . فالخضر ﵇ قتل الغلام مخافة على أبويه، قال تعالى عنه: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف:٨٠] ، فقتله ليَسْلَم الأبوان من شره. وكذلك قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] . فاحمد ربك أنه جنب عنك الطغيان، ومهما أوتي العبد فما عساه يكون حاله ومآله، وتأمل مصير فرعون وهامان وقارون، بل وأهل الدنيا كلهم، فماذا أخذوا منها؟ وأين ذهبوا؟! فإذا تحاسد الناس تقاطعوا وتخاصموا، وانقطعت الصلات بينهم، ولكن إذا تحابوا وتقاربوا وتراضوا وتعاطفوا كانت المجتمعات كلها أمة واحدة، فالداء الذي قتل الأمم هو الحسد. ولذا بعض الناس يقول: الحاسد عينه تتقلب في نعم الله، وقلبه يتوقد ناراً. وفي الخبر عنه ﷺ أنه كان مع أصحابه فقال: (يخرج عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة) ، فإذا رجل يخرج حاملاً نعليه في يديه تقطر لحيته ماءً من وضوئه، وفي اليوم الثاني في نفس المجلس قال ﷺ : (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) ، فإذا الرجل الذي جاء بالأمس هو الذي جاء. فقال عبد الله بن عمرو: إن هذا ليس من جلساء رسول الله ﷺ ، ولا الملازمين له، وليس له شأن يميزه عن غيره، فيجب أن أرى السر الذي جعله من أهل الجنة بشهادة رسول الله ﷺ مرتين، فتبعه حتى عرف بيته، فجاءه بعد العشاء وطرق الباب، وقال له: بيني وبين أبي ما قد يكون بين الولد وأبيه، ولا أريد أن أبيت عنده، وأريد أن أكون ضيفك الليلة. وأراد أن ينظر إلى ما يكون من عمله في الليل، فكان أن تعشى الرجل وتعشى معه ضيفه، وناما إلى أذان الفجر، فقام وتوضأ فأوتر وصلى ركعتي الفجر، وذهب وصلى الفجر. فقال: ما هناك شيء جديد، ولعله في تعب، أو لعله يستحيي مني، إلا أنه فعل في الليلة الثانية والثالثة ما فعل في الأولى، فقال عبد الله: يا فلان! أصدقك الحديث، أنه ليس بيني وبين أبي شيء، ولكن وقع كذا وكذا، فأخبرني ما هي خبيئة السر التي لك عند الله؟ قال: يا ابن أخي! ليس عندي إلا ما رأيت، وليس لي شيءٌ خاص أخفيته عنك، فهذه حياتي. فذهب ولم يظفر بشيء، وبعدما ذهب ناداه فقال: إن يكن من شيء -أي: إن كان هناك شيء يميزني- فإنا نبيت وليس في قلوبنا غلٌ لأحد. فمن يقدر على هذ!؟ فهذه صفة أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر:٤٧] ، فوجود الغل يتنافى مع الأخوة، فالأخوة رقيقة شفافة لطيفة هادئة، لا تناسب ولا تجانس الغل ولا الحقد ولا الحسد. فهي مثل المسك الطيب لا يتجانس مع الروائح الكريهة أبداً، فهذا الرجل في الدنيا يعيش بقلب رجل من أهل الجنة، ولذا يبشره ﷺ بالجنة وهو حي يمشي على قدميه. فإذا رجعتم إلى بيوتكم، وأخذتم مضاجعكم، وأغمضتم الأعين فمن كان سليم الصدر فليحمد الله، ومن حدثته نفسه بشيء فليجلس وليتساءل: ماذا سأصنع؟ وما الذي سيعود علي؟ ولينتهر نفسه وليقل لها: أرقتيني وأتعبتيني فدعيني أنام. لأن صاحب الحسد والحقد على الناس إنما يتعب نفسه، فخصمك وعدوك وقرينك في محله لا يدري عنك، وقد يكون هادئ البال في أحسن نوم، وأنت تحرق نفسك في فراشك، وهذا لا يجدي شيئاً. ولكن قد يكون الحسد من ج

стр. 747

تحريم التناجش في البيع والشراء يعقب النهي عن الحسد قوله ﷺ : (ولا تناجشوا) ، والتناجش أو النجش نتيجة للحسد، والناجش: السائم في السلعة بدون رغبة في شرائها. كما إذا جاء إنسان إلى سلعة في السوق تباع بالمزاد العلني، فعرضت بخمسة، ثم صارت بستة، ثم بسبعة، فيأتي إنسان صديق للبائع أو خصم للمشتري -ومن هنا ينشأ النجش-، فيأتي وقد وقفت البيعة على سبعة فيقول: أشتريها بثمانية. وإذا كانت بتسعة يقول: بأحد عشر. فيدخل ويزيد، وغرضه بهذه الزيادة أحد أمرين: إما زيادة الثمن منفعة للبائع، وإما ارتفاع السعر تغريراً للمشتري، ولا تخرج عن هذين الأمرين، فعنصر الحسد موجود، والرغبة في المضرة موجودة، ومحاولة زيادة الثمن على المشتري موجودة، ولماذا تغرر به وتزيد عليه؟ إنه الحسد، حيث يحسده على شرائها. وهنا يقول العلماء: لو وقع النجش في سلعة واشترى المشتري على اعتبار أن المتزايدين كلهم يرغبون في شراء السلعة وأن المزاد صحيح، ثم علم أن هناك من كان ينجش معه، فالجمهور على أنه بالخيار كل، فإن شاء أمضى البيع على ما رست عليه السلعة، وإن شاء ردها، وإن شاء أخذ فرق النجش من السعر الأصلي. وهذا في باب المعاملات وباب البيوع، فليحذر أولئك الذين يريدون أن ينفعوا أشخاصاً على حساب الآخرين، فإن كان لك رغبة في الشراء مثل غيرك فاشتر، وإلا فارتك المساومة.

стр. 748

النهي عن التباغض والتدابر قال ﷺ : (ولا تباغضوا) . فبدأ بالحسد، والحسد جر إلى تكليف المحسود بغرامة، وليس الحسد في النفس فقط، ولكنه تعدى إلى الضرر، فهو يجر إلى التلف وإلى الغرامة، وعندما تغرِّم إنساناً شيئاً في غير محله أيحبك أم يبغضك؟ فالحسد هو أصل الخطأ في التباغض، فكم أدى إلى أن يبغض الناس بعضهم، وإذا كان الناس يعيشون متحاسدين متباغضين يبغض بعضهم بعضاً، فأية حياة هذه؟ فقوله: (ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضاً. وإذا ما تباغض الناس فهل يتصافحون ويتعانقون أم يتدابرون؟ ولهذا قال: (ولا تدابروا) ، والتدابر: أن يعطي كل واحد ظهره للآخر، فبدلاً من أن يقبل عليه بوجهه يوليه ظهره، ويدبر عنه، والتدابر هذا نتيجة البغض، والبغض جاء من الغرامة التي كانت في النجش، والنجش وسببه الحسد؛ فرجعت هذه الخطايا كلها إلى الحسد. وقوله هنا: (ولا تباغضوا) لكون هذا العمل كأنه يهدم كل ما جاءت به الشريعة الإسلامية؛ لأن الإسلام جاء ليؤلف بين الناس، فأذهب الحواجز التي تفرق بين غني وفقير، وأمير ومأمور، ولذا قال ﷺ فيما سيأتي: (وكونوا عباد الله إخواناً) ، فحقيقة الإسلام، وحقيقة الرسالات في الأمم كلها المؤاخاة بين بني الإنسان؛ لأنهم في الأصل إخوة أبوهم واحد وأمهم واحدة. ولكن الحسد الذي يتعدى إلى الضرر يأتي بالتباغض والتدابر، وإذا وقع التدابر وقع التباغض. وهل قوله: (ولا تباغضوا) ، يتضمن النهي عن النجش وعن هذه الأمور؟ و الجواب أن كل ما فيه إيجاد التباغض بين أفراد الأمة يجب على الإنسان أن يتجنبه، إن لم يكن تديناً فمن باب المروءة. فعلامَ تبغض إنساناً مثلك فإن أخذ لك حقاً فإما أن تعفو وتصفح وتغفر، وإما أن تأخذ حقك بالمساواة، وبلا تباغض.

стр. 749

النهي عن أن يبيع المسلم على بيع أخيه قال ﷺ : (ولا يبع بعضكم بعضكم على بيع بعض) ، وكأنا رجعنا إلى السوق مرة أخرى، فهناك نهي عن النجش، وهو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وهنا نهي لعامة التجار إذ قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض) ، وجاءت منهيات أخرى تضم إلى قوله: (لا يبع بعضكم على بيع بعض) حيث ورد: (ولا يسم المسلم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته) ، فلا ينبغي لإنسان أن يبيع على بيع أخيه، ولا يساوم على سومه ليشتري على شراء أخيه ولا يخطب امرأة على خطبة أخيه؛ حفاظاً على التآخي، ومنعاً للتشاحن والتباغض. وبيعك على بيع أخيك يصوره العلماء بعدة صور: منها: تاجران متجاوران، أو شخصان متقاربان علم أحدهما أن صاحبه باع سلعة لفلان، وفلان المشتري ذهب ليشاور، أو ليأتي بالنقد، أو كان بينهما موعد بعد يومين أو ثلاثة، فيذهب التاجر الآخر إلى المشتري فيقول له: كيف فعلت؟ فيقول: اشتريت من فلان سلعة، فيقول: بكم؟ فيقول: بعشرين. فيقول: هي عندي بثمانية عشر. أو يقول: باعك سلعة مغشوشة، وأنا عندي سلعة جيدة أبيعكها بعشرين ولا أزيد عليك. فما الذي يحمله على هذا البيع المتذرع به؟ هل رغبة في نفع نفسه فقط، أم لإيقاع المضرة بغيره؟ فإن كان فيه نفع لك فإنك أوقعت المضرة بغيرك إذا علم صاحبك بهذا، ومن هنا يأتي التباغض والتدابر، وتقطع الأرحام، وتتباغض النفوس. ويقولون: يكون هذا ممنوعاً إذا اتفق المتساومان، أما لو كانت السلعة في السوق، وإنسان يسوم بخمسة، وآخر بستة فلا نقول له: لا تساوم على سومه، ولا تتقدم عليه؛ لأنها معروضة في المزاد للجميع، وليس هناك اتفاق من البائع مع أحد، فهي في سلم السوم، وما دام أنه ليس هناك نجش فلا مانع أن تساوم، لكن إذا انقطع السوم، أو كانت في محل بدون مزايدة، واشترى شخص السلعة واتفق معه، فلا يجوز لك أن تأتي من الخلف لتفسد البيع عليه، فتقول له: أنا آتيك بأحسن منها. وسواءٌ أكانت عنده سلعة أم كان دلالاً في السوق، فلا يفسد على الناس البيع الذي وقع. ومن صور السوم على سوم المسلم: أن المشتري يذهب بعد الاتفاق على السلعة للاستشارة، أو ليحضر المال، وهناك شخص واقف عند المكان يسمع، فيسأل صاحب السلعة: لماذا لم يأخذ المبتاع السلعة؟ فيقول له: اتفقنا وذهب ليأتي بالمال، فيقول له: الفلوس حاضرة، فخذها وأعطني السلعة. فإذا كان مالك حاضراً فسمت على سوم أخيك الذي ذهب، وأغريت البائع بأن يدفع إليك السلعة لكون الذي ذهب لا يعرف هل يأتي أم لا، أو إذا كانا اتفقا على عشرين بعشر، فتقول له: خذ واحداً وعشرين وأعطني فهذا سوم على سومه.

стр. 750

النهي عن أن يخطب المسلم على خطبة أخيه قال ﷺ : (ولا يخطب على خطبته) . إذا تقدم شخص إلى أسرة وخطب امرأة، وأصبحوا يتفاوضون ويتفاهمون في كيفية الزواج ومقدار الصداق، وكانوا قد اطمأنوا إليه فإنه يكون قد ركن بعضهم إلى بعض. وقد يأتي شخص يرى نفسه فوق ذاك الخاطب الأول، ويعلم من نفسه أنهم يطمعون فيه، فيأتي ويخطبها، وحينئذٍ فأقل شيء يقولونه أن يقولوا: لو تقدمت قبله، ليتك تقدمت من زمان، فبنتنا ضاع نصيبها مع هذا. فيفسد عليهم رضاهم بالخاطب الأول، فإذا ضعُفَت نفوسهم وقالوا: قبلناك يأتي الأول فيقولون له: لقد تأخرت، فيقول: نحن متفقون، فدعونا نتفاهم. فيقولون: لا. وحقيقة أمرهم أن المال جاء من جهة، والطمع والفساد جاءا من جهة أخرى. وهنا يقول الحنابلة: إن كانوا قد ركنوا إليه، وجاء خاطب وخطب فقبلوه فُسِخ العقد؛ لأنه معتدٍ، ولا يحق له أن يدخل عليها، ولو دخل عليها يفسخ هذا النكاح عند الحنابلة. وهذا من المزاحمة المذمومة وشح النفس. فإذا حسنت المعاملات، انقضى خطر الحسد، ومنع التناجش، وإذا لم يكن هناك بيع الآخرين، ولا تدابر فإنه سيصبح المجتمع بغير حسد، ولا بغض، ولا تدابر، ولن تجد إنساناً يتمنى مضرة لأخيه، وسيصبحون عباداً لله إخواناً. ومن عمل شيئاً من تلك المسميات فبعيد أن يكون من عباد الله المتآخين، وإنما يكون منتهكاً حرمة الأخوة بين الناس التي أمر بها رسول الله ﷺ . قال ﷺ : (وكونوا عباد الله إخوانا) . لو نظرنا وتأملنا فما أطيب كلمة (إخوان) ، فأنت أخي، وأنا أخ لك، والله تعالى يقول: (إنما المؤمنون إخوة) ، أما الأحساب والأنساب والمراكز والمواقف والعطاءات والأشكال فكلها نسبية، فإذا كان إنسان في أعلى نسب في الأمة، فهل كان له كسب وعمل حتى صار نسيباً؟ فالله أراد لك أن تأتي من أبوين شريفين نسيبين نسباً عالياً، وأنت حينما حُملت في البطن ونزلت إلى الدنيا ليس لك فضل في كونك حسيباً. وفرق بين النسب والحسب، فالنسب: هو صفة الأبوين، وما ينتميان إليه من هذه القبيلة أو تلك والحسب: هو ما يوجد لأسلافه من أمجاد مكتسبة يحسبها ويقول: كان أبي كذا. وكان جدي كذا. وخالي عالم، وابن عمي صفته كذا. وأمي من كذا. ويحسب أشياء مما يتفاخر بها الناس من المكتسبات. فكونك نسيباً لا فضل لك فيه، إنما هو شرف حصلت عليه فضلاً من الله، وكذلك كونك حسيباً، فماذا فعلت أنت حتى تشرف بفعلك؟ أتتشرف بفعل غيرك؟ فغيرك قد حسبوا، وأصبحوا من أهل الحسب الرفيع والفخار الكبير. كبعض الناس الآن، حيث يتشدق قائلاً: كانت لنا الدنيا وكنا قادة. فهؤلاء يقال لهم: وماذا فعلتم أنتم؟ هدمتم ذاك الحسب، وضيعتم ذاك الحسب، فاعملوا كما عمل أولئك. وتجد صاحب المال الكثير يتعالى على الفقير المسكين، فهو مال وعرض، وظل زائل يأتي ويذهب، كما قيل: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وقيل: وما تدري إذا يممت أرضاً بأي الأرض يدركك المبيت وكم من غني يصبح لا شيء عنده، وكم من فقير تفتح له الدنيا زهرتها؛ لأنه ليس لها قيمة، فهل هذا يطغيه أو يلهيه أو يشغله؟ فكل هذه الأشياء لا ينبغي أن تفرق بين بني الإنسان.

стр. 751

الأمر بالتآخي قال ﷺ : (وكونوا عباد الله إخواناً) . قوله ﷺ : (وكونوا) يوجه فيه إلى الناس الكينونة، كأنهم باستطاعتهم أن يصبحوا إخواناً، وهل هذا على ظاهره في هذا المقام؟ إذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجد أن أخوة المسلمين فيما بينهم لها أصلان: أصلٌ منحة وهبة من الله تعالى، وأصل أرشدنا رسول الله ﷺ إليه. أما الأصل هو الذي هو هبة من الله فإنه سبحانه يذَّكر عباده ويمتن عليهم به فيقول: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] . وهي نعمة الإسلام، فلقد رأينا في مطلع فجر الإسلام الأجناس المختلفة من الأقطار المتباعدة تتآخي تحت ظل دوحة الإسلام، فها هو ﷺ في مكة يأتيه صهيب الرومي، ويأتيه بلال الحبشي، وفي المدينة يأتيه سلمان الفارسي، وكل أولئك إخوة في الله الذي جمع العرب مع العجم. يقول الشاعر: أبي الإسلام لا أب لي سواه إن افتخروا بقيس أو تميم فحينما اختلف سلمان المهاجرون والأنصار في غزوة الخندق كان المهاجرون يقولون: سلمان منا، جاء مهاجراً من بلاد فارس. والأنصار يقولون: سلمان منا كان موجوداً حين قدم علينا رسول الله، فهو فارسي يتنافس فيه المهاجرون والأنصار، ويقضي فيه ﷺ بقوله: (سلمان منا أهل البيت) ، ولم يكن هاشمياً أو قرشياً فكان من آل البيت أعلى قمة نسب في العالم، كما قال ﷺ : (فأنا خيار من خيار) ، وذلك بالإيمان، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] . تلك الأخوة كانت أقوى وأعز من أخوة النسب والدم، حتى إنهم كانوا يتوارثون بها، وظهرت آثارها عملياً في ثلاثة مواطن يعجز خطيب أو كاتب أو شاعر أو أديب أو معبر بأي أسلوب أن يصور حقيقة المعنى. ففي غزوة أحد سنة ثلاث من الهجرة يأتي المشركون وكان فيهم ابن أبي بكر الصديق، ولم يكن أسلم بعد، ونظام القتال أوله المبارزة، فيخرج الابن ويقول: من يبارز؟ فينهض أبو بكر ليبارز ولده، فيمسكه رسول الله ﷺ ويقول: أبق على نفسك يا أبا بكر، فهذا أب يبارز ابنه، فهو قاتل أو مقتول، فإن قَتل قَتل مَن؟ وإن قُتل قُتل بيد من؟ فهما مصيبتان. فـ أبو بكر إذا قتل قتل بيد ولده، فذلك أشد على نفسه من أن يقتل على يد أبي جهل أو غيره. وفي غزوة المريسيع حدث أن غلاماً لـ عمر وغلاماً لأنصاري ازدحما عند الماء فضرب غلام عمر غلام عبد الله بن أُبي أو الأنصاري، فصاح أحدهما: ياللمهاجرين، وصاح الآخر: ياللأنصار؟ ودبت فيهم نحوه سابقة، فبلغت تلك المقالة عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين فقال: أو قالوها؟! ما نحن وهم إلا كمثل القائل: سمن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغت المقالة رسول الله فشغل الناس بالسير في القيلولة حتى وصل باب المدينة، وهناك أنكر مقالته التي قالها واعتذر وكذب الخبر، وجاء الوحي وكذبه، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] ، فأتى عبد الله بن أبي إلى أبيه عند أبواب المدينة واستل سيفه وأمسك زمام ناقة أبيه، وقال: والله لن تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، وتعلم أنك أنت الأذل وأن العزة لله ولرسوله. ويقولون: كان من أبر الشباب بأبيه. فأين ذهبت الرابطة النسبية؟ وأين ذهبت الأبوة والبنوة والبر؟ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ، وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، فتلك الأخوة التي هي نعمة من الله أقوى تلاحماً وترابطاً من البنوة والأبوة في النسب. فلما علم رسول الله ﷺ خبر عبد الله مع أبيه أرسل إليه أن: دعه يدخل. فدخل بإذن من رسول الله ﷺ . وبعد فترة تنافل الناس أن الرسول ﷺ سيقتل ابن أبي، فيأتي ولده ويقول: يا رسول الله! سمعت أنك تريد قتل فلان -وما قال أبي، فإن كنت فاعلاً لا محالة فمرني آتيك برأسه؛ إني لأخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا أستطيع أن أرى قاتل أبي يمشي على الأرض، فأقتله فأهلك؛ لأني قتلت مسلماً بكافر. فانظر إلى أي حد بلغ هذا، فهو مستعد أن يتولى قتل أبيه حرصاً على المسلمين؛ لأنه -من باب الحمية- لا يقوى على أن يرى قاتل أبيه، ولو كان أبوه كافراً وقاتله مسلماً، فيندفع وراء تلك الغريزة فيقتل قاتل أبيه، وبما أن قاتل أبيه مسلم، فحينئذٍ يكون قد قتل مسلماً بكافر، وهذه مصيبة لا يرضاها، بل هي الهلاك فقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، هو العنصر العملي الذي كلفنا به من رسول الله ﷺ ، وفي سورة الحجرات قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] ، وقال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ، وإذا أخذت من أول السورة بعد آدابها مع رسول الله ﷺ تجد الإصلاح بين الطوائف المسلمين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائفَتَان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩-١٠] . والآية تزيل عوامل البغضاء والقتل، بداية من سوء الظن بأخيك، ثم الانتقال إلى عدم التجسس وراءه، ثم الانتقال إلى ألاَّ تتبع التجسس بالغيبة، إلى آخر ما أتى في السورة. ومما يهمنا هنا فعله ﷺ في غرس المحبة، حيث يقول: (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا) ، فالجنة لا يدخل فيها إلا المتحابون، أما المتباغضون فليس لهم محل؛ لأن الجنة لا تصلح للتباغض، وهي أطهر من أن تسع متباغضين، والمولى سبحانه -كما جاء في الأحاديث- في بعض ليالي السنة المفضلة يطلع على أهل الأرض فيغفر لهم جميعاً إلا المتخاصمَين، فيقول: (أرجئوهما حتى يصطلحا) ، فكيف نتباغض؟ وكيف نكون متباغضين في الجنة؟ ثم قال ﷺ (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ -فهي وسيلة المحبة التي يمكن أن تكتسبوها أنتم- أفشوا السلام بينكم) ، وجاء الحديث الآخر: (تهادوا تحابوا) ، والهدية تسل الضغينة من الصدر، فأرشد ﷺ إلى أن تتعاطف مع أخيك أن تبدأه بالسلام، وأن تبادله الهدايا، وجاء الحديث الصحيح: (حق المسلم على المسلم ست) ، فإذا أديت حق أخيك وأدى حقك، عندها تكونان متحابين، وهذه الخصال الست هي قوله ﷺ : (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) . فإذا لقيته سلم عليه وقل: (السلام عليكم) ، وإن دعاك لوليمة فأجبه، وإذا طلب منك النصح فانصح له، وإن غاب عنك أو مرض فعده، وإذا قضى نحبه ومات فشيعه. فإذا وفى كل إنسان حق أخيه عليه كان الناس عباد الله إخواناً. وفي قوله ﷺ : (وكونوا عباد الله إخوانا) ، قد يقول قائل: على أي شيء هذه الأخوة؟ فيقال: مبدأ الإسلام المؤاخاة، فالمسلم -حقيقة- أخو المسلم، ولا يقال: كيف يكونان أخوين وأحدهما عربي والآخر عجمي، وهذا من الشرق وهذا من الغرب، فمن أين جاءت الأخوة؟ فأخوة النسب لا كسب لك فيها، فأخوك شقيقك لا تستطيع أن تلغي أخوته، وهي مفروضة عليك شئت أم أبيت، ولكن الأخوة التي لك هي أن تتخذ كل من قال: (لا إله إلا الله) أخاً، وهذه الكلمة هي النسب الأعلى، فالمسلم أخو المسلم، سواءٌ أكان إخباراً بالواقع أم أمراً في صورة الإخبار، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، فهو إخبار بالإرضاع، أو تكليف بأن يرضعن. ثم قال ﷺ : (المسلم أخو المسلم) ، ومقتضى تلك الأخوة ليس ادعاءً، وليس -كما يقول بعض الناس- إشارة في إثبات الهوية أو في جواز السفر، فليس الإسلام بالبطاقة كما يعبر بعض الناس، وإنما هو عمل، وما دام المسلم أخا المسلم فمقتضى الأخوة وثمنها ألا يظلمه، فظلمك أخاك عجب، وإذا ظلمت أخاك فمن ستنصف؟ ولذلك قال: (لا يظلمه) ، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. قال ﷺ : (ولا يخذله) وفرق بين الظلم والخذلان، فالظلم: أن يصدر منك ما يؤذيه، والخذلان: أن تترك غيرك يظلمه وأنت تنظر، وهذا ليس من صفة المسلم، ولا من مقتضيات الإخاء، فالأخ حقيقة هو الذي يناصر أخاه، وقد جاء في الأثر: (ما من امرئ مسلم يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من حقه وينتهك فيه عرضه إلا خذله الله في موطن يجب فيه نصرته ... ) فيأتيك وقت تحتاج فيه إلى النصرة فلا تجد؛ لأنك فرطت في نصرة أخيك. وجاء في الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقال رجل: يا رسول! الله أنصره إذا كان مظلو

стр. 752

النهي عن غش المسلم واحتقاره قال ﷺ : (ولا يكذبه) . يقولون: يكفي الإنسان دناءة أن يحدث إنساناً بحديث يظنه صادقاً فيه والمتحدث يعلم كذبه، وأعتقد أن هذا منتهى ما يمكن أن ينزل إليه الإنسان، فشخص يأتمنك ويأخذ كلامك مأخذ الصدق كيف يسوغ لك أن تكذب عليه؟ وإذا أخذنا بهذه فقط -أي: (لا يكذبه) - وعملنا بها صلح المجتمع كله. فعند الحسد لا تحسده، والناجش يقال له: إذا كنت تسوم سوماً صحيحاً فافعل، وإلا فلا تناجش، ولا تبغض أخاك. ففي المعاملات، وفي المواعيد، وفي العهود، وفي كل ما يمكن في حياة الإنسان إذا استمسك الجميع بقوله (لا يكذبه) كان الجميع على صفاء وعلى صراط مستقيم. قال ﷺ : (ولا يحقره) ، وهذا عود على بدء، وهذا من أساليب القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنه إذا طال المقام يعاد للتذكير بما تقدم. ففي سورة البقرة يقول تعالى في أولها: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢-٣] ، وفي آخر سورة البقرة يقول تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ،فبدأت السورة بالإيمان، وانتهت ورجعت إلى الإيمان. فقوله ﷺ : (لا يكذبه) ، سلم الجميع. (ولا يحقره) ، يرجع إلى أول شيء وهو الحسد، وسبب الحسد أنك احتقرت الإنسان على ما أعطاه الله من نعم، فاستكثرتها عليه، ولو أنك لم تحتقره لما استكثرت النعمة عليه. ولو كان شخصاً كبيراً وعظيماً ذا شأن لاستقللت النعمة عليه، ولقلت: هو يحتاج إلى زيادة، لكن احتقرته بالنسبة لما أعطاه الله؛ لأن منشأ الحسد أن تحقر المحسود، ثم تتكبر وتتعاظم عليه. ومن هنا كانت نتائج تلك الأخوة بين المتآخيين قوله ﷺ : (لا يظلمه) ، فالإنسان لا يظلم نفسه، فكذلك لا يظلم أخاه. ومن فضائل تلك الأخوة أن الرسول ﷺ أخبرنا بأنها من دواعي ومن أسباب إكرام الله للمتآخين يوم القيامة بأن يظلهم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، حيث قال ﷺ : (سبعة يظلهم الله) وفيه قال ﷺ : (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) . ومن العجيب أيضاً أن تلك الأخوة في الله تصحب هؤلاء المتآخين إلى الجنة بكل رحابة صدر وسلامة، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ، والأخوة في الله لا يستطيع إنسان أن يعطيه حقها، ويترتب على ذلك -كما أشرنا- ألا يظلمه، وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) . فقال: (يا عبادي!) ولم يقل (يا مسلمون) أو: (يا مؤمنون) . فالله حرم الظلم على العباد ولو كانوا كافرين، ولا ينبغي للإنسان أن يظلم غيره، بل يقول العلماء: لا تظلم أحداً ولو حيواناً، كما أخبر ﷺ عن المرأة البغي التي سقت الكلب لما اشتد به العطش، فشكر الله لها فغفر الله لها ذنوبها. ولما سأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم: (يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر) ، ولا يجوز أن تحمل الدابة فوق طاقتها. فالظلم ممنوع، وكما جاء في الحديث: (الظلم ظلمات يوم القيامة) ، ولو كان المظلوم كافراً فأنت مخطئ، فقد جاء في الحديث: (واتق ودعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) . والمشركون كانوا إذا جاءتهم الشدائد والعواصف في البحر وغيره يدعون الله وحده، كما جاء في قصة عكرمة لما هرب عام الفتح وركب في السفينة وهاج بهم البحر، فقال ربان السفينة: أيها الناس! سلوا الله وحده أن ينجيكم، والله لا ينجي من هذه إلا الله فقال عكرمة: إذا كان لا ينجي في البحر إلا الله فلا ينجي في البر إلا الله، لئن أنجيتني -يا رب- من هذه لآتين محمداً فأضع يدي في يده. فهو هارب من الإسلام، وهارب من قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] ، والمشركون يقولون -كما حكى الله تعالى عنهم-: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، فلمّا علم أنه ليس هناك عند الشدة إلا الله، قال: نرجع إليه وحده. وحصين لما سأله رسول الله ﷺ : (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء. فقال رسول الله ﷺ : فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء) ، ومع هذا الكفر يحرم الله تعالى ظلمهم. فإذا كان هذا مع الحيوان ومع الكافر فكيف بالإنسان المسلم، وله عليك أخوة الإسلام؛ لقوله ﷺ : (لا يظلمه ولا يخذله) ، وخذلانه أن تراه في موقف يذل فيه، وتستطيع أن ترفع عنه الذلة وتتركه. ولذلك يقولون: زكاة الجاه كزكاة المال، فزكاة الجاه والمنصب أن تتدخل لنصرة أخيك المسلم إذا استطعت أن تنصره، فلا تسلمه لعدوه، ولا تخذله حينما يستنصر بك وأنت قادر على نصرته؛ لأنه من حق الأخوة، وإذا تركته يُخذل وأنت ترى بعينك فإنه أيضاً سيتركك إذا أوذيت، فتقف معه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

стр. 753

شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس والثلاثون [٢]

стр. 754

تحريم الكذب على المسلم يقول ﷺ : (المسلم أخو المسلم، لا يلظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره ... ) فنهى عن الكذب عليه بقوله: (ولا يكذبه) ، فمن أعظم الخيانة أن تحدث الرجل بالحديث يظنك صادقاً وأنت كاذب. فليس هناك خسيسة أردأ من الكذب؛ لأن الإنسان ما عنده حبل يقاد ويربط به إلا الكلمة التي يقولها، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤] ، فالوفاء يكون بالعهد وبالعقود، فتقول الكلمة وتلتزم بها، وقد جاء في قصة أبي سفيان حينما قدم الشام، وكان الرسول ﷺ أرسل الكتب للملوك، فسأله هرقل أسئلة كثيرة عن الرسول ﷺ ، وأبو سفيان ما استطاع أن يكذب، فكان يحاول أن ينقص من قدر النبي ﷺ عند هرقل، ولكن بغير كذب، فلم يجد إلا شيئاً واحد أراد أن يغمز به، وحين سأله: أيغدر بكم إذا عاهد؟ قال: لا. وبيننا وبينه عهد ولنا منه فترة لا نعلم ما حدث فيها. أي: لا نعلم في الفترة هذه ما الذي حصل. وأراد أن يدخل شيئاً آخر فقال: ألا أخبرك بما يدل على أنه كاذب؟ قال: ما هو؟ قال: أخبرنا أنه في ليلة جاء من المسجد الحرام إلى مسجدكم هذا وصلى فيه ورجع في ليلته، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً عودة. فهذه التي أراد أن يدخل منها، فإذا ببطريق على رأسه يقول: نعم لقد علمت بتلك الليلة. فالتفت إليه هرقل فقال: وما أعلمك بها؟ قال: كنت لا أنام حتى أغلق أبواب المسجد، وفي ذات يوم جئت إلى باب عجز البوابون عن إغلاقه، فدعوني فجئت، فدعوت أهل النجارة فنظروا فإذا السجاف قد نزل على الباب، فقالوا: لا نستطيع أن نحرك فيه شيئاً، فدعه إلى الغد حتى يطلع النهار، فتركناه مفتوحاً، ولما جئت في الصبح وجدت الباب يفتح ويقفل، ووجدت الصخرة التي عند الباب مخروقة وفيها أثر ربط دابة، فقلت والله ما أمسك بابنا هذه الليلة إلا لنبي، وقد جاءه وصلى فيه. فلما خرجوا من عند هرقل -وكانت جماعته معه- قالوا: يا أبا سفيان! أنت بين يدي هرقل، وما منعك أن تكذب على محمد كذبة تنزل من شأنه عنده؟ قال: خشيت أن يأخذ علي كذبة فلا يصدقني بعد ذلك. فهو رجل مشرك يحتاط لنفسه أن يكذب كذبة فتسقط كلمته. فإذا كان أبو سفيان وهو مشرك، مع هرقل وهو مسيحي، ومروءة أبي سفيان وهو على شركه تأبى عليه أن يكذب فكيف بالمسلم.

стр. 755

الاحتقار ناتج عن الحسد قال ﷺ : (ولا يحقره) . هنا -كما يقولون- محط الرحل، وعود على بدء، فأول الحديث (لا تحاسدوا) ، وأشرنا إلى أن سبب الحسد بين الناس هو الكبر من جهة والاحتقار من جهة أخرى، أي: احتقار صاحب النعمة واستكثارها عليه، كأنه ما يستحقها. فالله أنعم عليه بالعافية، أو بالأخلاق، أو بمال، وأكثر ما يكون الحسد بين الناس على المال الزائد، أما الأدب والأخلاق والديانة فما يُحسد عليها، ويحسدون على الشيء الفاني العاجل. فمنشأ حسد الشخص للآخر أن يحتقره أمام تلك النعمة عليه، وأول خطيئة في الخليقة حسد إبليس لآدم، والحسد يجر إلى الكبر، والكبر يجر إلى العصيان، والعصيان -عياذاً بالله- يطرد من رحمة الله. وهناك مسألة أسميها فلسفة المعصية؛ فإننا وجدنا آدم قد عصى ربه ونسي، وإبليس عصى ربه وامتنع، فكلاهما وقعت منه المعصية، ولكن معصية آدم كانت أن الله نهى آدم أن يأكل من الشجرة فأكل، وإبليس أمره الله أن يسجد لآدم مع الملائكة فامتنع، فكلاهما وقع في معصية. ولكن بالنظر إلى تحليل -ولا نقول: فلسفة- المعصية والدافع لها نجد أن آدم ﵇ حينما أكل من الشجرة ما جاء بطواعية وإصرار، فقال: ما علي من هذا النهي، فأنا آكل على ما أريد، وإنما أتاه الشيطان وما زال يغريه، كما قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢١-٢٢] ، وكذلك قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] ، وهما لا يريدان شيئاً غير الخلود في الجنة، فجاءهما من الطريق الذي يرغبان فيه، (وَقَاسَمَهُمَا) أي: حلف وأقسم لهما أنه ناصح، وهو كاذب، فزلت بهما القدم. لكن لما عرف آدم أنه أخطأ تاب إلى الله، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧] ، فتلقى الكلمات ورجع وأناب إلى ربه لأن معصيته لم تكن عن سبق إصرار، بل كانت عن جهالة ونسيان وخطأ. ولكن إبليس أول ما رأى خلقة آدم جعل يطوف حوله ويضحك، وأخيراً قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] ، فمعصية إبليس كانت عن سبق إصرار وتكبر واحتقار لآدم، فهناك فرق بين المعصيتين، فكانت نتيجة معصية إبليس اللعن والطرد عياذاً بالله، ونتيجة معصية آدم أنه أناب إلى ربه فتاب إليه فاجتباه وهدى، وتلقى كلمات من ربه وتاب عليه. وعوداً على بدء، ففي أول الحديث (لا تحاسدوا) ، فإذا سلم الإنسان من أن يحقر أخاه لن يحسده، وكل ما يراه من نعمة الله على أخيه يقول: (يستحق) و: (زاده الله) ؛ لأنه في نظره كبير، وليس في نظره حقيراً، فلا يقارن بين النعمة وبين هذه الشخصية إلا بالمعادلة الكريمة، فكلما أعطاه الله نعمة عظُم في عينه، لا أن يحقره على ذلك. وفي مسألة الكذب يقول بعض العلماء: هناك مواطن قد يحسن فيها الكذب -ولكن لا نريد أن نتوسع فيها- ومن ذلك إذا كان الإنسان يسعى بالصلح بين متخاصمين لإصلاح ذات البين، ولكنه كذب ممدوح، بمعنى أنه علم أن اثنين متخاصمان، فيأتي إلى الأول ويعاتبه على خصومته لأخيه، ويخبره أن صاحبه نادم على ما يقول، وأنه يتمنى لقاءه، مع أنه ما سمع منه شيئاً، فهذا يبدي أيضاً رغبة في اللقاء، فيذهب إلى الآخر. ويقول نفس الشيء، فيبدي رغبة في اللقاء، فيأخذ وعداً من كل منهما ويتلاقيان على المصافحة، وعلى الصفح، وعلى التلاقي والأخوة، فهذا لا بأس به.

стр. 756

كرامة العبد بالتقوى هناك نقطة جوهرية في الحديث، وهي موضع افتراق الطرق بين الناس، في قوله ﷺ : (التقوى ها هنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا) ، ويشير إلى صدره الكريم ثلاث مرات. وبهدوء وبرفق نقف عند هذه الإشارة إلى التقوى في الصدر، والصدر فيه القلب، فإذا نظرت إلى سياق الحديث (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا) ، وجئنا إلى تصحيح ذاك الخطأ في التعامل، فالمسلم أخو المسلم، ولا يحق له أن يحسده، ولا أن ينجش عليه، ولا أن يبغضه، ولا أن يلقاه مدبراً عنه؛ لأنه أخوه، والمسلم لا يظلم أخاه، والمسلم لا يكذب على أخيه، والمسلم لا يحقر أخاه. ويحقر الإنسان الإنسان لأنه صغر في عينه، فإما أن يكون فقير المال، وإما أن يكون نحيل الجسم، وإما أن يكون دنيء المنزلة، وغيرها من عوامل الدنيا التي يقيس بها الناس، فإذا كان فقيراً أو كان ضعيفاً أو لا منزلة له ولا حسب ولا نسب سقط من أعين بعض الناس. فالرسول ﷺ يضع لنا قاعدة، بل قضية منطقية، فلماذا يحقر بعضكم بعضاً؟ أللفقر، أم لضعف الجسم، أم لعدم فصاحة القول؟ فهذه مقاييس فاسدة، وهذا مقياس باطل، لقد جاء القرآن الكريم وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، فمقياس الكرم، ومقياس الرفعة، ومقياس المنزلة العالية عند الله التقوى. فمقاييس الناس عند الله بالتقوى، وكرم الناس عند الله بالتقوى، وهذا تصحيح للمفاهيم الخاطئة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يعدون أكرمهم أرفعهم حسباً، وأغناهم، وأقواهم، وتصحيح الشريعة للمفاهيم الخاطئة في قضايا عدة، ومنها حديث: (ليس الشديد بالصرعة) ، فنحن نعرف الشخص القوي فينا أنه الذي يصرع الآخرين، فهذا هو المقياس عندنا. فجاء الإسلام وصحح هذه الناحية، وقال: تلك قوة حيوانية، فهذا الشخص الذي يصرع اثنين الثور أقوى منه، وأقوى من أربعة من مثله، وكذا الحمار يحمل أكثر منه، فهي قوة بهيمية، ثم بين الشدة فقال: (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) ، وليس في الحيوانات من يقدر على ذلك، وهذا خاص بالإنسان. فصحح وعدل مقياس القوة في البشر بأنها قوة نفس، وقوة أخلاق، وقوة ضبط لأعصاب عند الغضب. وفي تصحيح مقياس آخر يقول: (أتدرون من المفلس؟) ، أي من هو في نظركم ومقاييسكم المفلس؟ قالوا: المفلس فينا -يا رسول الله- من ليس له درهم ولا دينار ولا متاع. أي ليس لديه فلس، وهذا مقياس عند كل الناس. قال: (المفلس من أمتي يوم القيامة من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرح عليه، ثم طرح في النار) . فمن كان يخطر على باله هذا الإفلاس. كالحال في الدنيا، كرجل عنده الملايين، ولكن أخذ من هذا وضيَّع، وأخذ من هذا وضيَّع، وأخذ من ذا ومن ذا، فجاء أصحاب الحقوق يطالبون بحقوقهم، حينها الحاكم يحجر عليه، ويبيع أملاكه ويوزعها على الغرماء، فكان ذا مال ورصيد في البنك ومن الغد أصبح صفر اليدين، لكن في الدنيا يمكن أن يعمل ويبدأ من جديد، فيقترض أو يعطف عليه الناس ويتصدقون عليه، لكن يوم القيامة لا يستطيع، فهذا من تصحيح المقاييس. وهنا في الدنيا تحقر أخاك؛ لأنه لا مال له، وتعظم غيره؛ لأنه صاحب مال! فتحقر هذا؛ لأنه ضعيف نحيل، وتكرم ذاك؛ لأنه ذو جسد وجسم مهيب! وتحقر هذا؛ لأنه عيي لا يتكلم، وتعظم ذاك؛ لأنه فصيح خطيب بليغ! وتلك المقاييس المادية خاطئة وباطلة، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، وبالتقوى تكون الكرامة، والتقوى في الصدر، فلا تعلم حقيقة الشخص أمامك، ولا يمكن أن تحكم عليه بمظهره؛ لأن حقيقة الحكم عليه بالتقوى، والتقوى ليست أمراً ظاهراً، ولذا جاء في الأمثلة العملية منه ﷺ أنه كان ﷺ جالساً، فمر رجل ذو هيئة، فقال ﷺ لرجل عنده جالس: (ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا -والله- حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل، فقال له رسول الله ﷺ : ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا) . فأنت قد تمتدح شخصاً لمنظر العين والأمر المادي المحسوس، وغيره إن خطب من عندك فلن تزوجه، وإن شفع عندك لا تقبل شفاعته، وإذا تكلم لا تسمع لكلامه، وتتركه، لكن هذا عند الله خير من ملء الأرض من ذاك، فهل المفاضلة بالشكل أم بما وقر في القلب؟

стр. 757

حقيقة التقوى علماء الحديث والسلف على المعنى المتقدم في معنى قوله: (التقوى هاهنا) ، وبعض الناس ذهب إلى فهم خاطئ، وقال: (التقوى هاهنا) ، معناه أنه إذا كان القلب تقياً فلا عليك من أي شيء بعد ذلك، ولو أنك ما صليت ولا صمت ولا حججت ولا زكيت ولا فعلت شيئاً، كما يقولون: طهِّر قلبك. فهذه خدعة، ومتى يكون القلب طاهراً نقياً مليئاً بالتقوى وهو يترك الصلاة والصيام والزكاة والحج؟ فهل هذا تقي؟ بل شقي، فهذا فهم خاطئ فهمه بعض الناس. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ، فيقول الصديق رضي الله تعالى عنه: من الهدى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فليس المعنى أن عليكم أنفسكم، ولا يضركم من ضل! فمن الاهتداء أن تأمروا وتنهوا، فإذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وقمتم بواجبكم فبعد هذا يتحقق قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] . فالحديث بين أيدينا يصحح مفاهيم الناس، ويمنعهم أن يحتقر بعضهم بعضاً لأمور مادية، بل يقول: إن مقياس الكرامة ومنع الاحتقار إنما هو في التقوى، والتقوى ليست لها معالم ظاهرة، ولكنها تقر في القلب. وقد جاء في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ، فكيف يدعي أناس أن القلب إذا ملئ بالتقوى اكتفى؟ فالحقيقة أنه إذا ملئ بالتقوى فاض على الجسم والجوارح كلها بالتقوى. وجاء حديث آخر أنه ﷺ مرّ على شخص يصلي ويعبث في الأرض أمامه، فقال ﷺ : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) . فالقلب يسيطر على الجسم، فإن ملئ بالتقوى فكل الأعضاء تبع له، وكما يقولون: القلب هو الملك وسلطان الجسم، فكيفما يكون القلب يكون الجسم تبعاً له، فإذا كان تقياً طاهراً فالجسم كله تبع له. فلتصحح المفاهيم في قوله ﷺ : (التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا) ، رداً على من يحتقر غيره لأمر مادي.

стр. 758

احتقار المسلم خطيئة موبقة قال ﷺ : (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) . (بحسب) أي: بكفيه، نقول: حسبي كذا. بمعنى: يكفيني. وامرؤ: مذكر امرأة. لأن الأصل في الوضع في اللغة للمذكر، ويؤتى للمؤنث بالعلامة الفارقة، وهي الزائدة؛ لأن الزيادة تدل على الفوارق، فامرؤ مؤنثه امرأة. وإذا كان التعبير هنا بلفظ المذكر فدائماً وأبداً يقولون: إن المذكر يغلب، فلو وجد مائة امرأة ومعهم طفل ذكر لرجع الضمير على المذكر. فالمعنى: بحسب امرئ وامرأة كذلك من الشر أن يحقر أخاه المسلم. والآية الكريمة تفصل، حيث يقول تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١] ، والسخرية قد تكون بالغمز واللمز، وقد تكون بالإشارة، وفي بعض الآثار أن بعض زوجات رسول الله ﷺ جاءت وخرجت، فواحدة قالت: حسبك منها أنها -أي: غير طويلة- وأشارت بيدها، فقال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) ، ما قال: بماء العين؛ لأن مياه العيون عذبة، والماء العذب أقل شيء يغيره، لكن ماء البحر مالح، وملوحته وكثافة الملح فيه تجعله يحتمل الكثير، ولا يتغير إلا بالشيء الكثير جداً يزيد عن الملوحة وكثافته. فبحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وهنا يقول العلماء: في هذا اللفظ أيضاً مقارنة، فالشخص الذي يحقر الثاني لأي شيء يحقره؟ فإذا كان يرى نفسه مثله، فهل يحقره؟ وهل هناك إنسان يحقر إنساناً مثله؟ فلو أن طالبين كلاهما راسب في الفصل، أيحقر أحدهما الآخر؟ ولو كانا ناجحين أيتفاخر أحدهما على الآخر؟ إلا في حال كون درجات أحدهما أكثر، لكن لو كانت درجات كليهما متساوية فهل من حق أحدهما أن يفخر على الآخر؟ فلا يحقر الإنسان إنساناً وهو يرى نفسه مساوياً له، بل إن وجد نفسه على قمة الجبل ووجد الثاني ينحدر في الوادي فحينئذ يحقره، أو كان يسكن في قصر عالٍ جداً وهذا في كوخ، أو كان يركب فرساً جواداً، وذلك يمتطي سلحفاة. فلا يحقر إنسان إنساناً إلا إذا رأى لنفسه عليه فضل زيادة، وفضل الزيادة المقابل للاحتقار التكبر، ولذا يأتي الحديث: (العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعنى في شيء منهما عذبته) ، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) . ولذا كان جزاء الاحتقار قوله: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه) ؛ لأن من لوازم احتقاره لأخيه المسلم أن يتعاظم في نفسه، وإبليس ما حسد آدم واحتقره إلا حين رأى نفسه أنه من عنصر ناري فوق الخلق، فكانت الطامة عليه، عياذاً بالله.

стр. 759

كل المسلم على المسلم حرام وعوداً على بدء مرة أخرى ينتقل الحديث إلى الخاتمة، فلا تظلم أخاك المسلم، ولا تنجش عليه فتزيد في الثمن ليؤكل ماله بالباطل، ولا تحقره، واحفظ عرضه، ولا تسخر منه. وفي قوله: (كل المسلم على المسلم حرام) إشارة إلى أن المراد كل المسلم، فما قال: كل المسلمين؛ لأن السور الكلي يحيط بالفرد، وإنما المراد المسلم بمجموعه، ومجموع المسلم هيكله وجسمه وماله وعرضه وسمعته، أي: بهيكله حساً ومعنى، فالمسلم كله بمجموعه حرام على المسلم الآخر. ونص ﷺ على أمور أساسية، فبدأ ﷺ بعد الإجمال بالتفصيل، وبدأ بدمه ثم ماله ثم عرضه، وأهم ما في الإنسان دمه، أي: نفسه، وماله الذي يكتسبه، والمال صنو النفس، وعرضه الذي إذا مات في سبيل الدفاع عنه مات شهيداً. فالإنسان قد يخاطر بنفسه في سبيل حماية عرضه، وقد يخاطر بنفسه في سبيل حماية ماله، فالثلاثة متساوية، النفس والمال والعرض. وإذا كان دم المسلم على المسلم حرام، فلا يجوز له أن يسفك قطرة منه، فهي حرام، وهذا الأمر بالذات يعلنه ﷺ في أعظم المواقف وأشدها حرمة، وهو يوم الحج الأكبر، فبعد أن حج الناس، وطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، وجاؤوا إلى عرفات، وفي عشية عرفة يتجلى المولى سبحانه يباهي بهم الملائكة، ورموا الجمرات، ونحروا الهدي، وجعلوا الشعر، فإنهم يتطهرون من ذنوبهم، ويخرجون منها كيوم ولدتهم أمهاتهم. فأصبحوا في طهارة ونقاء، فليلزم كل إنسان تلك الصفة، وليحافظ عليها، ولا يدنسها ولا يكدرها بشيء، ففي يوم الحج الأكبر قال ﷺ : (أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟، أي بلد هذا) ، فكلما سأل ﷺ كانوا يسكتون، قال الرواي: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فلعله يأتي الوحي ويغير الأسماء، وأخيراً قال: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا) . فأروني صيغة تحذير مثل هذه! فيحرم الرسول ﷺ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم فيما بينهم حرمة مكررة مضاعفة ثلاث مرات كحرمة اليوم والشهر والمكان، فهل بعد هذا يستبيح مسلم دم مسلم؟ لا والله. والأصوليون يقولون: إن شرائع الإسلام كلها، والشرائع السماوية ما جاءت إلا لتحمي تلك الأمور الخمسة التي هي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب ومعه العرض. فتلك الخمس إذا صينت في أي مجتمع كان مترابطاً، وكان مجتمعاً سعيداً، وإذا ما ضاعت تلك الأمور في أي مجتمع فلا قوام له، فمجتمع بلا دين لا يوجد، ولذا يقول علماء الاجتماع: لا يمكن أن تجد أمة بلا دين، سواء أكان صحيحاً أم باطلاً، فمن الممكن أن ترى مدينة بلا ملعب ولا مسبح، أما بدون معبد فلا يمكن أبداً، فلا بد من الدين، فالدين أمر فطري، وقد يخطئ الناس فيه وقد يصيبون. وكذلك حفظ النفس، فالحيوان يدافع عن نفسه، وهل وقعت خصومة بين اثنين إلا من إحدى الطرق الثلاث، إما اعتداء على الدم، أو على المال، أو على العرض، فإذا حفظت النفس وحفظت الأموال وصينت الأعراض فلا خصومة في المجتمع بعد ذلك. فكل المسلم على المسلم حرام، ويتبع حفظ الدم حفظ الجوارح أيضاً، حتى جاء أنه كان الصحابة مجتمعين، فقام رجل وبيده حبل يجره، فقام رجل وأمسك بالحبل فأفزعه، فنهى ﷺ أن يفزع المسلم أخاه، ونهى المسلم أن يأخذ عصا أخيه جاداً أو هازلاً، فتأخذها تمزح معه وتروعه فيها، فيبحث عنها وأنت لا تريد سرقتها، ولكن تريده أن يبحث عنها قليلاً، فلا يجوز لك أن تخيفه بهذا الأمر، أو أنك تحزنه، أو أنك تفزعه في هذه الأمور. والمال قل أو كثر لا يجوز لإنسان أن يأخذه من أخيه إلا بطيب نفس، ولو كان أقل ما يمكن أن يسمى مالاً، وكذلك عرضه لا يعتدي عليه، والعرض ليس معناه النسب فحسب، بل شخصه وذاته كذلك، ولذا حرم ﷺ وحرم القرآن الكريم أن تغتاب أخاك المسلم، وجاء في الحديث أن ابن عمر نظر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: (ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) . والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢] ، ولما سأل الصحابي رسول الله ﷺ : أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) ، والبهتان أن ترمي الشخص بما ليس فيه، والاغتياب: أن تذكره بما فيه. فإذا كان لك عنده حق فما لك وله، ولماذا تذكره بما يكره؟ فنجد هذا الحديث النبوي الشريف في أعلى مراتب الكمال في الإسلام، ولذا يذكره الإمام مسلم -كما ذكر هنا النووي - في باب البر والصلة. ويضاف إلى هذا الحديث الحديث الآخر: (حق المسلم على المسلم ست) ، فهنا قال ﷺ : (لا يظلمه ولايخذله، ولا يكذبه ولا يحقره) ، فأضف إليها قوله ﷺ : (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) . ولو أن المجتمع الإسلامي وقف عند هذا الحديث، وأعطى كل إنسان حق أخيه عليه، فهل سيوجد في العالم مجتمع فوق هذا؟ فـ أفلاطون يتكلم عن المدينة الفاضلة، ويتخيل مدينة مثالية خيالية في أهلها وأصحابها، لكن هل هناك مجتمع أفضل من هذا المجتمع المسلم في هذه الآداب؟ لا والله! وقال ﷺ : (ولا يخطب على خطبته) ، فإذا كان الخاطب الأول عنده زوجتان أو ثلاث ويريد أن يتزوج الرابعة، والآخر ما تزوج بعد، أو كان الخاطب الأول على النصف في الاستقامة، وهو يرى في نفسه كثرة استقامة فليس له أن يذهب ويخطبها ويبعدها عن ذاك الشخص ما داموا قد ركنوا إليه، والغالب أن أهل المرأة لا يركنون إلا بعد البحث، اللهم إلا إن كنت تعلم من أمر الخاطب ما لا يرتضيه الله في دينه أو دنياه، أما لو كان عنده ثلاث أو اثنتان أو عشرون جارية وزوجتان، فليس لك شغل في هذا، وأما أمر الدين في الأمور الظاهرة فإنهم إن جاءوا يستشيرونك فلك أن تبين بقدر الحاجة في بابها، وما عدا ذلك لا حق لك فيه، وما يدريك لعلها تسعد مع ذاك أكثر من سعادتها معك! فلا ينبغي للإنسان أن يرى في نفسه الخير على غيره، ويتقدم إلى خطبة المرأة نظراً لأنه أحق بذلك، فإذا ركنوا إليه فلا تتقدم بعده. والله تعالى أعلم. والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الإخوة المتحابين في الله، العاملين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 760

شرح الأربعين النووية - الحديث السادس والثلاثون [١]

стр. 761

تفريج الكرب عن المؤمن وجزاؤه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وسيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم بهذا اللفظ. إن هذا الحديث المبارك الطويل يشتمل على عدة أمور، وكلها توجيه إلى الخير، من تعاون بين المسلم وأخيه، وسلوك الطريق القويم، وطلب العلم وذكر الله . ويبدأ الحديث بهذه الجملة النبوية الكريمة: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) . و (نفَّسَ) على وزن (فعَّلَ) من النَّفَس، والنفَس هو الذي به قوام الحياة، وإذا منع النفس عن الإنسان فقد حياته، وهكذا جميع الحيوانات لابد لها من التنفس، فإذا ما ضيق الخناق على إنسان، وضيقت عليه مجاري التنفس قرب من الموت، واشتدت كربته، إلا إذا جاء إنسان وفك هذا الخناق ونفَّس عنه، أي سمح للنفَس أن يجري. وما من كربة أشد على الإنسان من أن يُخنق خنقاً ويمنع النفس حتى يوافيه أجله، وما من نعمة على الإنسان أعظم من أن يسمح له أن يتنفس نسيم الحياة. فهنا النبي ﷺ يشبه كل كربة تقع بأي إنسان يضيق بها صدراً ويضعف عندها بالشخص الذي خُنق وضُيق عليه الخناق، ولا يدري ماذا يفعل، فيأتي إنسان فاعل خير ينفس عنه تلك الكربة أياً كان نوعها، سواء أكانت في بدنه، أم في ماله، أم في عياله، أم في عرضه، أم في أية مهمة من مهام حياته. كالحال في إنسان مريض ضاق صدراً بمرضه، وجاء طبيب وأعطاه الدواء، ووافق فضلاً من الله وتعافى، كان ضيق النفس فأصبح مستريحاً، فلو أن شخصاً رأى آخر قد أخذه (الربو) حتى ضاق صدره، فجاء وأعطاه ما ينفس عنه فقد نفس كربته. أو كان إنسان مديناً، وضاق ذرعاً بدينه، وأصبح لا يستطيع أن يواجه الغرماء، فجاء إنسان وكلّم غرماءه ليمهلوه ويصبروا عليه، أو يضعوا من ديونهم فإنه يكون قد نَفَّسَ عنه، أو جمع له من أهل الخير ودفع الدين عنه فإنه يكون قد نفس عنه كربة من كرب الدنيا. وكذلك لو سُجِن في أمر مادي، فذهب وشفع وجمع المال وخفف من سجنه فإنه يكون قد نفس عنه. وهكذا في جميع أموره، كما لو كان ولده سجيناً، أو مريضاً، أو كان مكروباً بأية حالة من الحالات، فسعى في رفع كربته بأية حال يكون قد نفس عن مؤمن كربة. وكل ما يشق على الإنسان في حياته فهو كربة، وكل من يخفف عنه تلك المشقة فهو منفِّس عنه. وتقدمت الإشارة إلى أن الحياة معاوضة، وأن مطالب الناس فيها إما جلب النفع، وإما دفع الضر، فكل من جلب لك نفعاً كان لك فيه نظرة، وكانت لك به علاقة عاطفة ومودة بقدر ما جلب لك من نفع، وكذلك دفع الضر. وقد وصف القرآن الكريم النبي ﷺ بهذين الوصفين وزيادة، قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، فكل ما فيه عنت على الإنسان يشق عليه ﷺ أياً كان ذلك. ومن أمثلة ذلك: ما كان منه ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج لما كلِّف بخمسين صلاة، وقال له كليم الله موسى ﵇: هذا أمر كثير! بلوت بني إسرائيل قبلك بأقل من ذلك فلم يطيقوا، فارجع إلى ربك فسله التخفيف فرجع، ونفَّس عن الأمة، فبعد أن كانت خمسين أصبحت خمساً. وفي رمضان صلى في المسجد وصلى جماعة بصلاته، ثم صلى الليلة التالية فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: (قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم) . وكذلك قوله وقد أخر صلاة العشاء (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) . (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء مع كل صلاة) . ويقول ﷺ : (إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف؛ شفقة على أمه) . ، فالأم حين تكون في الصلاة وتسمع ولدها يبكي تكرب لأجله وتنشغل فنفَّسَ عنها. فكل إنسان يسعى بشفاعة أو بمال أو بأية وسيلة من الوسائل ينفِّس عن المؤمن كربة، فالجزاء من جنس العمل، ففي يوم القيامة ينفس الله عنه كربة مقابل تلك، وكرب القيامة ليست مثل كرب الدنيا، فكرب الدنيا مهما كانت ستمضي، وآخرها الموت، بخلاف كرب القيامة. ولو تتبعنا حياة الآخرة كما جاء في النصوص -وهي عندنا يقين أكثر من يقيننا بأنفسنا- فإننا سنجد أنه من أول خروج الروح يضيق الإنسان، فإذا ما حشرجت الروح وبلغت الحلقوم فكيف يكون حال الإنسان؟ وحينئذ ينفِّس الله عنه كربة. فإن خرجت الروح جاء إلى القبر وسئل، وكم من كربة هناك، فينفس الله عنه من كرب القبر. فإذا جاء المحشر يوم القيامة، وجاء الموقف، وجُمع الناس يلجمهم العرق، فمنهم من يصل العرق إلى قدميه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى صدره، ومنهم من يصل إلى فمه، وكل ذلك من كربات يوم القيامة، فينفس الله عنه. كذلك عند تطاير الصحف لا يدري الإنسان من أين يأتيه كتابه، فيُكرب عندها، ويفرج الله عنه. وكذلك حينما يرد الناس على حوضه ﷺ ويذاد أقوام كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] . وفي ذلك اليوم يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] . هناك يناديهم المنافقون فيقولون -كما حكى الله تعالى عنهم-: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣] ، وأيّ كربة أشد من ذلك؟ وهكذا عند الميزان، وكل مواقف القيامة كرب، ويفرج الله سبحانه على عبده مقابل ما فرج عن أخيه في الدنيا. وأيهما أحب إليك؟ أن تسعى لتفرج كربة أخيك المسلم في الدنيا مقابل تفريج كربة عنك يوم القيامة، أم أن تضيق عليه فيُضيق عليك؟! وإنك إن استشعرت ذلك فوالله لتدفعن المال، ولتعملنَّ جاهداً بقدر استطاعتك، ما دام أن المسألة فيها معاوضة إلى هذا الحد، فكل إنسان يخشى كرب يوم القيامة. وانظر إلى عطاء المولى سبحانه، وهذا لأنك حينما تسعى لتفرج كربة المؤمن فإن هذا المؤمن عبد الله. وإذا كان جار لك مسافراً، وأولاده في بيتك أو في بلدك، وأصاب أحدهم مكروه، وقضي عليه ما قضي، فذهبت في غيبة والده إلى المستشفى، وقمت باللازم وكأن والده موجوداً، وأنهيت المشكلة، فإذا جاء أبوه فماذا سيفعل لك؟ وكيف يقدر لك هذا الجميل؟ فإذا كان في حق العبد مع العبد في نطاق محدود فرب العزة سبحانه -ولله المثل الأعلى- أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. فكيف حالنا مع بعضنا؟ هل نأتي بالمشاكل على بعضنا، ونضيق الخناق، ونسعى في الإيذاء، أو أننا ننفس عن كرب إخواننا؟ أعتقد أن الطريق السوي واضح، وصدق الرسول الكريم ﷺ إذ يقول: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) .

стр. 762

فضل التيسير على المسلمين في الدين قال ﷺ : (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) . التيسير: الرخاء، والتعسير: الصعوبة، فإذا كان الإنسان مع أخيه المؤمن فلييسر في معاملته، فإذا جاء وطلب منك أمراً يسرت عليه، سواء أكان في أمر دين أم أمر دنيا، يقول العلماء في هذه: إن جاء إنسان واستعار منك شيئاً فتلفت تلك العارية، فقل: لا عليك، أنت في سعة حتى يتيسر لك ردها. أو اقترض منك وجاء الأجل ولم يستطع السداد، فلا تعسِّر عليه وتكرب أمره، بل يسِّر له وافسح له في المدة، واجعل له من أمره فرجاً، فإن يسَّرت عليه وهو معسر لا يستطيع السداد فاسمع ما قاله ﷺ : (من أنظر معسراً فله بكل يوم مِثْله صدقة) ، فإن تصدقت فلك بالصدقة حسنة، وإن أقرضت وأنظرت المعسر كان لك بكل يوم مِثْله صدقة. وقد تتصدق على إنسان في غنى، أو ليس في شدة حاجة، أو أن من عادته أن يسأل، فإن لم تعطه أنت أعطاه غيرك، ولكن المقترض لا يأتيك إلا عند الشدة وعند الحاجة، وقد لا يجد من يعطيه، فإذا حل الأجل وأنظرته كان لك في كل يوم كأنك تصدقت عليه بهذا الدين. ومن التيسير ما قاله العلماء: لو أن إنساناً جاء واستفتى طالب علم، وعنده في فقه المسألة طريقان: طريق وعر شديد صعب، وطريق هين ميسر، فأيهما الأولى: أن يسلك به طريق الصعوبة والعسر، أم يسلك به طريق السهولة واليسر؟ قالوا: الأولى أن يسلك به طريق اليسر لا طريق العسر، مادام موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله. يحكى أن ملكاً بالأندلس في ذات مرة في رمضان واقع أهله، فأحضر المفتي وسأله: ما كفارة الوطء في نهار رمضان؟ قال: صوم شهرين متتابعين. فلما اجتمع به العلماء قالوا له: لماذا لم تذكر له العتق؟ قال: خشيت أن أقول له: العتق والعبيد عنده بكثرة، فيتساهل ويعتق ويواقع أهله، فجئته بصيام شهرين لأنه يعجز عن ذلك. فمع من الحق؟ هل مع هذا الذي سلك طريق الصعوبة، أم مع الثاني الذي معه النص، وهو أن الرسول ﷺ جاءه أعرابي يضرب صدره، وينتف شعره، ويقول: هلكت وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : (هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا والله قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: وهل وقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام. -يعني عجزت عن شهر رمضان، فهل صوم شهرين؟ - قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: والله ما عندنا شيء. ثم أُتي النبي ﷺ بعرق من تمر فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: أطعمه أهلك) . فأي يسر بعد هذا، وقد جاء في سياق الحديث أنه لما وقع منه هذا الشيء ذهب إلى جماعته فقال: قوموا معي إلى رسول الله ﷺ لعلي أجد عنده حلاً لهذه المشكلة. قالو: اذهب وحدك، نخشى أن ينزل علينا عذاب. فلما جاء إلى النبي ﷺ ورجع إلى بيته بوعاء فيه تمر، جاءهم، فقال: جئتكم فلم أجد عندكم إلا الشدة والقسوة، وأتيت رسول الله ﷺ فوجدت عنده الرحمة. فطالب العلم ليس صاحب سلطة وعصا وقسوة يهلك العباد، فإذا وجدت طريقاً ميسراً يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله فاسلكه، فهذا الواجب عليك. ثم إن هذا المفتي الذي أفتى الملك بالأندلس قال له العلماء: أخطأت في ذلك؛ لأن الشرع حكيم والرسول ﷺ بدأ بالعتق أولاً، ثم انتقل من العتق إلى الصوم، ومن الصوم إلى الإطعام، ألا ترى أن الملك لو صام عشرين شهراً بدلاً عن شهرين فلن ينفع الناس بصيامه شيئاً، بل يمكن أن يعجز عن أداء مهمة ملكه، ولكن إذا أعتق رقبة واحدة ألا تتحرر تلك الرقبة، وكل من يأتي من نسلها يكون محرراً إلى يوم القيامة؟! فأيهما أولى -كما يقول الأصوليون-: النفع المتعدي أم النفع القاصر؟ المتعدي بلا شك. وفي الحديث أن تاجراً ممن كان قبلنا كان يوصي عامله: خذ ما تيسر واترك ما تعسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا. فقال الله : (قد تجاوزت عنك) . إذاً: فالمولى يعامل الإنسان بمثل معاملته لخلقه، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يرفق بالناس في كل حال، وفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (: ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما) ، ولماذا تجد طريقاً سهلاً معبداً فتتركه وتذهب إلى الوعر في قمم الجبال؟ ولما بعث ﷺ معاذاً وأبا موسى الأشعري إلى اليمن قال لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا) . وإذا نظرنا في العبادات فالأمر كذلك، فقد جاء أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وأسلم ورجع إلى أهله، وبعد سنة جاء وسلم على رسول الله ﷺ ، فسلم فرد عليه رسول الله ﷺ سلامه، وكأنه لم يحتف به، فقال: ألم تعرفني يا رسول الله؟ قال: (من أنت؟ قال: أنا الذي جئتك العام الماضي في كذا وكذا. قال: فإنك أتيتني وجسمك ولونك وهيئتك حسنة، فما بلغ بك ما أرى؟ قال: مذ فارقتك ما أفطرت يوماً. قال: صم يوماً من الشهر. فقال: زدني قال: فصم يومين. حتى قال: فصم ثلاثة أيام من الشهر) . وعبد الله بن عمرو بن العاص كان يقوم بالقرآن كاملاً في الليلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (أتقرؤه في ليلة؟ قال: نعم. قال: اقرأه في عشرين. قال: دعني استمتع بقوتي. قال: اقرأه في خمس عشرة، إلى سبع ليالٍ) وهذا في مسند أحمد ﵀، وبعضهم يقول: نزل معه إلى ثلاثة ليال. وذكر الآخرون أنه كان يصوم ولا يفطر، فخيره النبي ﷺ ، فلما كبُر قال: (يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه) . فحينما يسلك الإنسان طريق اليسر يستطيع أن يواصل إلى ما شاء الله. مثلاً: أنت تريد أن تأتي إلى مكة تمشي على قدميك على افتراض أنه ليس هناك سيارة ولا طائرة، ومشيت على سعة، فحينما تتعب من المشي تجلس في ظل شجرة ثم تواصل السير، وإذا جاءك النوم نمت، فإنك لو أردت أن تتجاوز البحر إلى السودان وأفريقيا والمغرب إلى ما شاء الله فإنك تستطيع أن تواصل، وعقلاً يمكن ذلك. لكن إذا ذهبت جرياً إلى أقصى ما تستطيع من الجري، أتستطيع أن تصل إلى منطقة قريبة؟ وهكذا إذا أخذ الإنسان طريق اليسر فإنه يستطيع أن يواصل إلى ما شاء الله. ولهذا -كما يقول العوام- الدين يسر، بل جاء الحديث: (عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا) ، وقال ﷺ :. (ولن يشادّ هذا الدين أحد إلا غلبه) ، فتعمل بقدر استطاعتك، ولما دخل ﷺ فرأى حبلاً معلقاً في السقف سأل: لمن هذا؟! فقيل: لـ زينب، إذا غلبها النوم أمسكت بالحبل. فقال: (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد) . وقال ﷺ : (إذا وجد أحدكم النوم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب نومه؛ إن أحدكم لعله أن يذهب يستغفر الله فيسب نفسه) . وقال: (إن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى) . فمبدأ الإسلام التيسير، والله قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥-٦] . فسمة الإسلام التيسير، وليست التعسير، فمن يسر على مسلم في أي شيء من أمور الدنيا كالمعاملات أو في أمور الدين كالعبادات، أو في أي شيء ما دام في نطاق الحق ولم يخرج عنه يسر الله تعالى عليه. ويكفي في هذا أن رسول الله ﷺ سيد الخلق وأقدرهم على طاعة الله ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.

стр. 763

فضيلة ستر المسلم قال ﷺ : (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) . بعض العلماء يقف وقفة تنبيه عند الألفاظ، فالحديث في أوله (من نفس عن مؤمن) ثم: (من يسر على معسر) ، وهناك قال: (من ستر مسلماً) . ففي تنفيس الكرب جاء بالمؤمن، وستر العورة جاء فيه بالمسلم، مع أن في بعض ألفاظ الحديث أيضاً ذكر المؤمن، كما في: (الرحلة في طلب العلم) . يقول العلماء: الكربة قد تكون ظاهرة أو خفية، والإيمان من أعمال القلب خفي. فأركان الإيمان كلها اعتقادية، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وكلها خفية، لكن الإسلام صلاة وصيام وزكاة وحج، وكلها أمور ظاهرة. فكذلك ستر العورة، فأكثر ما تكون تكون ظاهرة، وأما في أي شيء يكون ستر العورة، فبعضهم يقول: في العورة الشرعية الحسية التي تبطل الصلاة بانكشافها. فإذا وجدته فقيراً ما عنده ثوب أعطيته ثوباً وسترته، أو وجدت إنساناً بلغ ويريد الزواج، ويخشى على نفسه العنت، ويريد أن يستر عورته ساعدته على الزواج، فهذه عورة أيضاً تتصل بالعورة الأولى، وساعدت على ستر عورته حساً. ولكن معنى الحديث أعم؛ لأن النبي ﷺ حينما جيء بـ ماعز قال لـ خالد: (هلا سترته بردائك بدل أن تأتيني به) . فالستر على المسلم في عورته في كل ما يخشى أن يفتضح فيه، ولذا قال ﷺ : (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) ، فإذا ما كان إنسان مستقيماً وزلت به قدمه في أية ردية كانت، فقال باللسان وأخطأ في غيبة إنسان، أو يد امتدت إلى شيء مما لا يليق، أو زلت به قدمه إلى حد من حدود الله ولم يرفع إلى ولي الأمر فإنك تستره. جاء رجل إلى ابن مسعود وقال أنا ذاهب إلى الشرط أستدعيهم، قال: لماذا؟ قال: جارنا فلان يشرب الخمرة. قال: ارجع، هل نصحته؟ قال: لا. قال: اذهب إليه فانصحه أولاً. والذي يهمنا أن ستر العورة يكون للعورة الإنسانية البشرية، ويكون لمعنى أعم من ذلك، سواءٌ أكان في النكاح وستر الإنسان أم في ارتكاب خطيئة. ولـ أبي أيوب الأنصاري ﵁ قصة يذكرنا بها هذا الحديث، فإنه ﵁ سمع أن الحديث في مدينة الفسطاط بمصر، فشد رحاله راحلاً في طلب هذا الحديث إلى مصر، فلما قدم الفسطاط أمر من يستأذن له على الأمير، وقال: فلان عندك؟ قال: مرحباً أبا أيوب الأنصاري، ما حاجتك؟ قال: لي حاجة عند فلان، فابعث معي من يدلني على منزله. فذهب معه من يدله على منزله، فقال: قل له: أبو أيوب في الباب، فأخبره، فجاء الرجل وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب إلى مصر؟ انزل. قال: لا. سمعت حديثاً لم يبقَ أحد سمعه إلا أنا وأنت فجئت أتوثق منه، سمعنا حديثاً في ستر عورة المسلم. قال: نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر عورة مسلم في الدنيا ستر الله عورته في الدنيا والآخرة) ، فلوى عنان بعيره وقفل راجعاً، فقال له: انزل. قال: لا. وهنا نعلم أن العلماء رضي الله تعالى عنهم وأصحاب رسول الله وأهل الحديث ما كانوا يرحلون لزينة ولا لزخرف، ولا لأي شيء إلا لطلب العلم، وإذا حصل طلبته عاد حالاً. وفي هذه القصة يقولون: ما أدركت جائزة الأمير أبا أيوب إلا بعد أن وصل العريش، فالأمير أرسل بجائزة وهدية إلى أبي أيوب صاحب رسول الله ﷺ ، فصاحب الهدية أسرع وراءه فما أدركه إلا في العريش، وما كان هناك قناة السويس؛ إذ كانت الصحراء متصلة عائد إلى المدينة. ومن المناسبة التنبيه إلى ما يتخصص فيه طالب العلم ويتفرغ لعلمه الذي جاء إليه أو لمهمته في مادته التي ابتعث من أجلها. يقولون في ترجمة ابن القاسم صاحب مالك لما جاء إلى المدينة: جاء الفيل في يوم من الأيام فهرع الناس كلهم ينظرون إلى الفيل، وبقي ابن القاسم عند مالك، فقال له: لم لم تقم تنظر إلى الفيل وليس بأرض قومك؟ قال: إنما جئت أطلب العلم من مالك، ولم آت لأرى الفيل. فهذا جاء لطلب العلم، وما أغراه شيءٌ من الغرائب. وكذلك أبو أيوب، ونحن نعلم طبيعة الصحراء وطبيعة الجزيرة وطبيعة المدينة، ونعرف طبيعة مصر بنيلها وبأشجارها وبهواءها وبكل ما فيها، فلم يغره شيءٌ من ذلك كله ليجلس أو يستريح من السفر يوماً أو يومين، بل جاء في طلب علم وحصّله ورجع. فرحل أبو أيوب من أجل هذا الحديث من المدينة إلى فسطاط عمرو بمصر من أجل أن يتثبت في هذا الحديث. يقول العلماء: الستر على المسلم ما لم يفضح نفسه هو، بمعنى أن يجاهر ولا يبالي. فهذا الشخص الذي لا يبالي بشعور الناس ولا بإحساسهم قد هتك ستر نفسه، أما الشخص الذي يستتره والذي يستحيي، والذي يقع منه الخطأ على غير قصد فهو الذي يستره والعصمة في البشر للرسل فقط. فليس في البشر معصوم إلا الرسل، فلا ينبغي لإنسان أن يبادر حالاً، ولا ينبغي لإنسان أن يتتبع عورات المسلمين، وفي بعض الآثار: (من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) ، فدل أن تستره تتبعه حتى تكشف أمره! فهذا لا ينبغي. وإذا جئنا من ناحية المروءة والإنسانية فإن الوقوع في زلة مرض وخطأ، فإذا وجدت إنساناً مريضاً أتزيده مرضاً على مرضه، أم تحاول أن تداويه ليتشفى من هذا المرض؟! وإذا كنت تمشي في الطريق وفيه حفره، ووجدت إنساناً في غفلة منه سقط في تلك الحفرة، أتأتي وتهيل عليه التراب، أم تقول: لا بأس عليك. وتمد يدك إليه، وتنبهه إلى أن يحذر في المرة القادمة، فأيهما ينبغي للإنسان وتقتضيه مروءته؟ فهذه الفقرة من هذا الحديث لو وقف عندها إنسان وكررها مراراً فإنها تنفعه، فليحذر المسلم أن يتتبع عورات الناس، وإذا وقف على شيءٍ قدراً لا ينبغي أن يشيعه، ولا ينبغي أن يفضح إنساناً وهو قادر على أن يستره، ولو شفع في أمره قبل أن يصل إلى السلطان فلا مانع، ولكن إذا وصل إلى الحاكم فهناك لا شفعة، ولا تدخل لأحد. قال ﷺ : (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) . الله رب العزة مالك الملك بيده ملكوت السموات والأرض يكون في عون العبد مادام العبد في عون أخيه. وما سعة عونك أنت، وأنت تحتاج إلى من يعينك، ولكن -تفضلاً من الله- مادمت في عون عبد من عباد الله يكون الله في عونك. فإنسان له عدة أولاد، فقدم إنسان معروفاً لأحد أولاده، فهو بالجبلة يشفق عليه، أو يكرمه، أو يحفظ له جميله، ورب العزة سبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء وإذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون؛ يكون في عونك مقابل أن تكون في عون أخيك. فتنفيس الكربة عن المكروب عمل في عونه، وستر عورة إنسان عمل في عونه، والتيسير على معسر عمل في عونه، فكأن هذه الجملة تذييل على كل ما تقدم، فما دمت في عون أخيك في كشف كربته، أو ستر عورته، أو تيسير أمره فالمولى سبحانه في عونك، وهل أتريد أن تتخلى عن عون الله؟ فهو طريق يُسِّر لك وفُتِح أمامك لتستجلب عون الله، وفي الحديث: (يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟!) . والنصوص في هذا كثيرة يبين فيها أن من يحسن إلى عبد من عباد الله كأنه أسدى الجميل إلى لله كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] ، والله في غنى، والله هو الذي أعطاك، لكن عليك أن تعطي عبده حتى لا يعاتبك: مرض عبدي جاع عبدي عري عبدي، كما في الحديث: (يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدتني ذلك عندي؟) ، أي: أكافئك وأجازيك. فالذي يفعل الخير مع عباد الله متعامل مع الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥] . وبهذا الوعد الصادق: (والله في عون العبد) ، تأتي آحاد الجزئيات، فمن اقترض وهو ينوي السداد فالله في عونه حتى يسدد، من تزوج بنية العفاف فالله في عونه. وكانت أم المؤمنين ميمونة تقترض. وهي في غنى عن القرض، فقيل: كيف تستدينين وليس عندك وفاء؟ قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله . فقوله:: (والله في عون العبد) ، فيه مقابلة عجيبة؛ فرب العزة سبحانه يكون في عونك مقابل أنك في عون أخيك، مثل الصلاة على النبي ﷺ ، ففي الحديث:: (من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً) ، فاللهم صل وسلم وبارك عليه. فهل هناك أسمى وأكمل وأطيب من هذه التوجيهات النبوية الكريمة، فبعد هذا التوجيه ينبغي أن يكون بعضنا عوناً لبعض، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ، ولا يكن بعضنا على العكس للآخر يكيد له ويضايقه وصدق ﷺ في قوله:: (والله في عون العبد) ، حتى قالوا: إن كلمة العبد أعم من مؤمن ومسلم، فلو جاءك ذمي أو معاهد أو مشرك، وطلب منك العون على أمر دنيوي وعاونته فإن الله يعينك. ألم يقل رسول الله ﷺ : (في كل كبد رطبة أجر) ؟ فإذا كان الأجر في الحيوان فكيف ببني الإنسان؟! لما سقت المرأة البغي الكلب لشدة عطشه رحمها الله. والمرأة لما حبست الهرة فلم تطعمها ولم تتركها عذبها الله في النار. إذاً: فالإنسان كيفما كان مشركاً أو كافراً أعنه في أمر الدنيا. وأمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه مر في المدينة فإذا برجل

стр. 764

العلم وفضله

стр. 765

فضل العلم والعلماء يأتي ختاماً لذلك قوله ﷺ : (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) ، ما معنى سلك؟ السلك: هو الخيط الصغير تسلكه في عين الإبرة. (طريقاً) الطريق: فعيل من الطَّرْق. والطَّرْق: الدق. فالطريق تطرقه بقدميك. فقال:. (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة) . فإذا جئنا إلى جانب من العرض النبوي الكريم نقول: تلك الأبواب المتقدمة لا يستطيع إنسان أن يلجها كلها إلا عن طريق العلم. وإن جئنا من جانب آخر قلنا: كلها طرق خير مفتحة، ولكن طلب العلم خير من ذلك كله؛ لأن طلب العلم أوسع أفقاً، ويستطيع طالب العلم أن ينتفع وينفع أكثر من أولئك جميعاً، ولذا جاء الحث على طلب العلم، وهذا باب واسع جداً، أوسع من تلك الأبواب المتقدمة. وأُلِّفت التآليف في ذلك، وأحسن ما ألف في هذا لـ ابن عبد البر: (جامع العلم وفضله) ، وما من كتاب إلا وفيه بيان فضل العلم. وأعلى قمة لشرف طلب العلم والعلماء هذا السياق الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] . فمن الذي شهد؟ الله الذي شهد أنه لا إله إلا هو، فالشاهد الله، والمشهود عليه (أنه لا إله إلا هو) . وَالْمَلائِكَةُ عطف على شهادة الله، والثالث أُوْلُوا الْعِلْمِ فيكفي شرفاً لأهل العلم أنهم ثالث ثلاثة في الشهادة على أعظم شيءً في الوجود، وهو وحدانية المولى سبحانه؛ لأن غير أهل العلم لا يعرفون ذلك، فلا يعلمون ولا يشهدون. ويأتي قوله تعالى من باب المقارنة: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] . فهل تستوي الظلمات والنور، أو الظل والحرور؟ فشرف العلم وطلبه باب واسع جداً لا يستطيع إنسان أن يوفيه في حديث أو حديثين. ولكن نأتي بدعابة علمية، أو ببيان لطالب العلم في آثار تفضيل العلم، وهو أن الله كرّم كل فرد عالم في جنسه على عموم الجنس. فالمولى حينما أخبر الملائكة أنه يستخلف آدم، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] ، فالملائكة قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فلم يقل: أقدر. ولم يقل: قادر. وقال: أصنع ما أشاء بل قال:. ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] ، فاحتج عليهم بالعلم. وبعد ذلك قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣١-٣٣] فالقضية كلها ماشية في فلك العلم. وبعد هذا كله أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، فالله سبحانه أراد أن يبين شرف آدم المخلوق الجديد الذي كانوا يرونه من طين وصلصال وفخار، ولكن المولى نفخ فيه من روحه. فبم ظهر فضل وشرف آدم على غيره، أو بم استحق أن تحييه الملائكة، أو يؤمر الملائكة أن تسجد إليه؟ بالعلم. ثم نزل آدم إلى الدنيا فقال الله تعالى له: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] . وقال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧] . فسلك طريق الهدى وطريق العلم. ثم نأتي إلى نبي الله سليمان وما أعطاه الله من الملك، فقد كان تحت يده من الجنود من الجن والإنس والطير ما لم يؤته أحد، فيأتي في موقف من المواقف ويستعرض هذه فقال لما حكى الله عنه: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:٢٠-٢٢] ، فحالاً جاء، فلم يعتذر عن غيابه، ولم يسأل ماذا قال عني؟ وكما -كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه- صاحب علم دنيوي جغرافي وحده قدراً يأتي ويتطاول به على نبي الله ﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] . فذاك الهدهد الصغير يأتي ويقول لنبي الله سليمان: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ) ، فما قال: علمت ما لم تعلم. بل قال: (أَحَطتُ) من الإحاطة، بعد أن كان الحكم عليه بالعذاب أو الذبح، لكنه جاء بسلطان العلم. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ﴾ [النمل:٢٧] ، أي: أؤجل الحكم حتى نتأمل، ونتروى ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧] ، فقدّم الصدق كأنه توجس من أنه غير صادق، ولا يتأتى للهدهد أن يتطاول على ملك وعلى نبي الله سليمان إلا وعنده بعض الشيء، فقال له: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا﴾ [النمل:٢٨] ، فكان محكومنا عليه بالإعدام، وإذا بالحكم يوقف تنفيذه ويصبح سفيراً مفوضاً، ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:٢٨] ، وكانت السفارة موفقة، فبعد المفاوضة والمراسلات والمشاورات جاءت، وأسلمت لله رب العالمين. فهذا الهدهد ذهب وأتى وقص عليه قائلاً -كما حكى الله تعالى عنه- ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٢-٢٤] ، فالهدهد يميز بين السجود لله وحده، وبين السجود للشمس والقمر من دون الله، ثم قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٢٥] ، والمفسرون يقولون: هذا من كلام الهدهد اعترض عليهم أنهم لا يسجدون لله سبحانه، ويسجدون للشمس والقمر. فالهدهد يدرك، وبفضل العلم الجغرافي الذي اكتسبه سلِم من القتل ومن التعذيب، وأصبح سفيراً مفوضاً بين سليمان وبلقيس. وفي أول سورة المائدة يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ * وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٣-٤] . فالكلب إذا علمته الصيد فعند أن تزجره ينزجر -أي: يسمع الأوامر- إذا أمسك عليك أكلت مما صاد لك، والأسد وهو سلطان الوحوش لا يجوز أكل ما ترك من فريسة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة:٣] ، وكلها محرمة معطوفة على الميتة، فإذا أكل السبع -وهو سلطان الوحوش- ولم ندرك الصيد ونذكه فهو ميتة، وأما ما صاده الكلب المعلم فيجوز لنا أن نأكل، والفرق بينهما -مع فوارق الجنسين-: العلم. فما سلك إنسان طريقاً يلتمس فيه علماً إلا سهل الله له طريقاً إلى الجنة. وهذا الحديث يشعر بالرحلة في طلب العلم، وقد ألفت في ذلك الكتب. وأبو الدرداء كان في البصرة، فجاءه شخص وسلم عليه، فقال: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت لحديث عندك. قال: آلله! ما جاءت بك حاجة ولا تجارة؟ قال: لا -والله-، ما جاء بي إلا حرصي على أن أسمع حديثاً عندك. قال: أبشر سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) . ونحن نعلم أن المولى سبحانه جعل سلوك طريق لطلب العلم قرين الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] ، فطائفة تذهب تقاتل، وطائفة تذهب تتفقه في الدين لترجع وتنذر قومها بما عملت. إذاً فالنفر في طلب العلم كالنفر في الجهاد سواءً، وجاء الحديث الصحيح عنه ﷺ : (من أتى إلى مسجدي هذا لعلم يعلمه أو يتعلمه كان كمن غزا في سبيل الله) . وسلوك الطريق يحصل بأية وسيلة كانت، وسواء أكان سلوك الطريق للرحلة والسفر، أم كان سلوك الطريق إلى الأستاذ أو المدرسة أو الجامعة.

стр. 766

العلم علمان: غاية ووسيلة والعلم هنا هو علم كتاب الله وسنة رسوله، وما يساعد عليه، وأمور الدنيا خاضعة لذلك، أي: من سلك طريقاً لعلم الهندسة ليبني لنا بيوتاً تؤينا، أو سلك طريق علم الزراعة لينبت لنا طعاماً يقيتنا، أو سلك طريق الدفاع والسلاح لينتج سلاحاً يقينا العدو، أو أي مجال سلكه لله ولرسوله ولأمة المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] ما دام يبتغي بذلك وجه الله. ولكن العلماء ينبهون على أن المراد في هذا الذي عليه الحث هو علم الكتاب والسنة، وما يساعد على فهمه، والعلماء الحاضرون، أو علماء المناهج يقسمون المواد إلى قسمين: قسم أساسي، وقسم تكميلي، أو قسم غاية، وقسم وسيلة، فمثلاً تفسير القرآن ومعرفة معاني كتاب الله غاية، ولكن لا يمكن أن تفهم كتاب الله إلا بمعرفة اللغة العربية التي أنزل بها، فلابد أن تعرف الفاعل من المفعول، ولابد أن تعرف المسند من المسند إليه، ولابد أن تعرف المبتدأ من الخبر، ولابد أن تعرف الحال من الصفة، وتعرف كل ما يتعلق بعلم العربية، وتعرف من شواهد العرب في أشعارها وأقوالها ما يفسر لك كلمات القرآن التي بها أنزل هذا الكتاب وذاك الحديث، حتى علم المنطق المتأخر، وليس المتقدم الذي فيه الفلسفة، إذا كان للدفاع عن شبه العقيدة على من يُدخل على الناس الشبه فيها، وعلم الحساب من أجل أن تعرف الفرائض وتقسم التركات، فإذا لم تعرف الحساب والجمع والضرب والطرح والقسمة لا تستطيع أن تقسم الفرائض ولا تعرفها. فكل علم كان وسيلة لغاية فهو شريف، فالوسيلة تأخذ حكم الغاية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن هنا ينبه العلماء على ضرورة معرفة أصول الفقه لكل من يشتغل بالكتاب والسنة، وكان دائماً والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: جهلة الأصول عوام العلماء. فلا يستطيع أن يتفقه في حديث، ولا في آية، ولا أن يستنتج حكماً لواقعة حدثت ليس فيها نص إلا إذا كان عالماً في الأصول يرجع للقواعد، ويستطيع أن يدخل النازلة تحت قاعدة من القواعد العامة. وقوله: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً) ، يدخل فيه أي طريق طويلاً أو قصيراً، وفي الحكمة التي على لسان الناس: اطلبوا العلم ولو في الصين. وفي الحديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ، أي فيما يتعلق بالأمور الشخصية، وحق الله على العباد. ويهمنا التنويه على بعض المسائل لنعلم جميعاً أن طلب العلم -كما أشرنا- فريضة على كل مسلم فيما يتعلق بحق الله عليه، وفرض كفائي فيما عدا ذلك من عموم علم الكتاب والسنة، وما يتطلبه من مكملات أو من أسباب توصل إلى الغايات. فمن الأسباب التي توصل إلى الغايات في علم كتاب الله علم العربية التي بها يفهم كتاب الله، وعلم الأصول -كما قالوا- فيما يتعلق بدلالة العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. وفي سنة النبي ﷺ كذلك ما يتعلق بطرق معرفة صحة الحديث ومصطلح الحديث عند العلماء، ومعنى (مصطلح) : أي: ما اصطلح عليه العلماء في أسماء الأحاديث باعتبار المتن أو السند، كتسميتهم الحديث مرفوعاً، أو موقوفاً، أو متصلاً، أو منقطعاً، أو معلاً، أو شاذاً، أو غير ذلك. وكل ذلك حق وواجب على طلبة العلم.

стр. 767

شرح الأربعين النووية - الحديث السادس والثلاثون [٢]

стр. 768

فضل العلم في الحياة وبعد الممات بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فعلى كل أمة أن توفر طلبة للعلم ينقطعون لذلك أداءً للواجب على الأمة، ومن نفع العلم لصاحبه ما جاء في الحديث الصحيح: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، والعلم الذي ينتفع به ما حصل به النفع ولو مسألة، كما جاء عنه ﷺ أنه قال: (الدال على الخير كفاعله) ، وكقوله: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) . وسبب ورود حديث: (الدال على الخير كفاعله) أنه ﷺ جاءه رجل يطلبه أن يعينه ويساعده، فدله على آخر، فلما ذهب إليه فساعده قال ﷺ : (الدال على الخير كفاعله) . ومن هنا أجمع العلماء على أنه ما من مسلم في الإسلام إلى يوم القيامة يكتب له في صحيفة حسناته حسنة إلا وللرسول ﷺ مثلها في صحيفته؛ لأنه الدال عليها، وهكذا طالب العلم، وما دل عالمٌ جاهلاً على مسألة له فيها أجر إلا وكان لهذا العالم مثل أجر العامل، كما قال ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة من غير أن ينقص من أجورهم شيء) . ويذكر الذهبي في ترجمة عروة بن الزبير أنه اجتمع هو ومصعب وعبد الله وكلهم أبناء حواري رسول الله الزبير بن العوام، ومعهم عبد الله بن عمر، فاجتمعوا في الحجر في ظل الكعبة، فقالوا فيما بينهم: تمنوا، فقال عبد الله: أتمنى الخلافة، وقال مصعب: أتمنى إمارة العراق، وقال عروة بن الزبير: أتمنى أن يأخذ الناس العلم عني، وتمنى ابن عمر فقال: أتمنى المغفرة. يقول الذهبي عن راوي هذا الخبر: وقد نال كل واحد منهم أمنيته، فنال عبد الله الخلافة، ونال مصعب الولاية على العراق، ونال عروة جمع العلم والحديث ونرجو لـ عبد الله بن عمر أن يكون قد نال أمنيته أيضاً. عبد الله بن الزبير بويع بالخلافة على الحجاز ونالها، ومصعب بن الزبير نال ولاية العراق، وكان شجاعاً كريماً معطاءً، وقُتل عبد الله في مكة في خلافته، وقُتل مصعب بالعراق في ولايته، وبقيت أمنية عروة بن الزبير وأمنية عبد الله بن عمر، أو لسنا الآن ننعم ونعيش ونجد العلم مما رواه عروة رضي الله تعالى عنه؟ فأي الأماني والأمنيات بقيت لأصحابها؟ فالخلافة قتلت صاحبها، والإمارة قُتل في ظلها صاحبها، ولكن أخذ الناس عن عروة العلم هو الذي بقي، وما زلنا كلما ذكرنا اسمه نترضى عنه. فلو تأملنا نتائج الأفراد وأعمالهم فلن نجد مثل العلم أمنية ولا طريقاً يسلكه الإنسان، وقالوا: ولو كان مسألة واحدة. فتعلم مسألة واحدة خير من عبادة ستين سنة عُمل بها أو لم يُعمل. ونأتي إلى ما بعد ذلك في التاريخ فنجد قضيتين أيضاًَ في شخصيتين عظيمتين هما مالك بن أنس ﵀ وأبو جعفر المنصور وهو في الخلافة، فيأتي أبو جعفر إلى مالك ويقول: يا مالك! لم يبق في الناس أعلم مني ولا منك، أما أنا فقد شغلتني الخلافة، وأما أنت فوطئ للناس كتاباً يسيرون عليه، وإياك وعزائم وشدائد ابن عمر ورخص ابن عباس يقول مالك: علمني التأليف آنذاك فلا هو في الشدة النهائية، ولا في التراخي والتسيب، بل وسط بين هذا وذاك. ولما وضع مالك كتابه وتوفي أبو جعفر جاء هارون الرشيد إلى المدينة ومعه ابناه الأمين والمأمون صاحبا ولاية العهد، ونزل هارون في بيت الإمارة، وطلب من مالك أن يأتي بموطئه إليه ليقرأه على ولديه، فأجابه مالك: إن العلم يؤتى إليه ولا يأتي. فعلم هارون أنه ينبغي أن يذهب إليه، فجاء هارون إلى بيت مالك، فوجد جارية تستأذن له على مالك، فأوقفته عند الباب واستبطأ عليه في الإذن ثم أذن له، فقال هارون: ما هذا يا مالك؟! طلبناك فامتنعت علينا، وجئناك فحبستنا على بابك! قال: نعم. طلبتني وأجبتك أن العلم يؤتى إليه ولا يأتي، وجئتني فعلمت أنك لم ترد دنيا ولا جاهاً ولا منصباً إنما تريد حديث رسول الله ﷺ ، فأحببت أن أتهيأ لحديث رسول الله ﷺ فاغتسلت وأخذت أحسن ثيابي وأذنت لك. قال: هلم بكتابك فاقرأه علينا، قال: إن هذا العلم لا ينفع سراً، قال: وماذا تريد؟ قال: في المسجد مع طلبة العلم. فعلم خدام هارون ونصبوا كرسياً في المسجد للخليفة، فجاء مالك إلى المسجد للدرس فوجد الخليفة على كرسي والناس من حوله، فبدأ حديثه بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم قال: من تواضع لله رفعه، فعلم هارون أنه المعني، فأمر بتنحية الكرسي وجلس مع الناس. فأين وقف الخليفة أبو جعفر؟ وأين وقف هارون؟ لقد وقفا على باب مالك؟ وأما الموطأ فهو الكتاب الأول أو الثاني بعد كتاب الله آنذاك، وأول ما دوِّن من سنة رسول الله، كما قال الشافعي: ما بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك، وإن كان بعض الناس يقول: جاء بعده صحيح البخاري، ولكن هذا مبحث ندعه في جانب. فلا زال الموطأ -بحمد الله- يتربع في قلوب العباد، ويستنير طلبة العلم بما حواه.

стр. 769

الرحلة في طلب العلم طلب العلم لا يساويه شيء، وفضل العلم لا يوازيه فضل، وشرف العالم بعلمه والعامل بمقتضاه ليس بعده شيء، وهذا فيما يتعلق بمن سلك طريقاً يطلب فيه علماً. ونجد السلف في رحلتهم لطلب العلم قد ضربوا أروع الصور، فـ أبو أيوب الأنصاري يرحل إلى الفسطاط في مصر لطلب حديث، وجابر بن عبد الله يرحل إلى دمشق في طلب حديث، حتى ألف العلماء: الرحلة في طلب العلم. ونبي الله موسى سأله الناس: هل يوجد من هو أعلم منك؟ فقال: لا. فقال الله له: إن عبداً من عبادي أعلم منك. قال: وأين مكانه؟ فأخبره، فقال: كيف أعرفه؟ قال: خذ معك حوتاً مطبوخاً، وذلك ليتغذى به، فمشى على جانب البحر حتى إذا جاوز المكان قال لغلامه -كما حكى الله عنه-: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٢-٦٥] . وهناك فرق بين قوله: (عجباً) و (سرباً) ، فالتعجب من إحياء الحوت الذي كان للغداء، ولكن حينما كان رفيق موسى معه واستراح عند الصخرة، إذا بالحوت يتحرك في مكتله، ويأتي إلى الماء وينزل، فقال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف:٦١] ، أي: جاعلاً سراباً وراءه؛ ليعلم القارئ والناظر أن الحوت حينما وصل إلى الماء لم يختفِ فيه ويذهب؛ لأن هذا يعني أنه قد يكون ميتاً على ما كان عليه، ولكن بعد أن أحياه الله ومشى في الماء ترك السراب وراءه، أي: جعل الماء منشقاً ليتأكد الرائي بأن الحوت قد عادت إليه حياته، ولم يكن مجرد سقوط في الماء ليرسب في قاعه أو يكون في وسط الماء. فشق طريقاً سرباً ليرى الرائي وليسمع القارئ ويعلم أن الحوت عادت إليه حياته. والذي يهمنا أن موسى ﵇ سعى إلى الخضر ليتعلم ما لم يكن يعلمه، ويذكر العلماء في قصة موسى مع الخضر آداب العالم والمتعلم، فقد نبهه الخضر فقال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٧-٦٩] . فقد يكون طالب العلم في بداية أمره يسمع من شيخه حديثاً أو حكماً أو مسألة لا يدرك أو لا يحيط بها فكراً، أو لا يقوى على فهمها وإدراكها، فلا يكن ذلك سبباً في انتقاده لشيخه، او اعتراضه عليه، أو انصرافه عنه وعدم ملازمته والأخذ عنه. ونعلم جميعاً أن الله سبحانه أعطى الخضر ما لم يعط موسى، وأعطى موسى ما لم يعطِ الخضر، وقد قال ﷺ : (رحم الله موسى لو صبر لرأينا علماً واسعاً) . وجاء عنه ﷺ : (يوشك أن يضرب الرجل أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجد عالما أعلم من عالم أهل المدينة) ، ويرى كثير من السلف أن المعني به مالك بن أنس، وينازع في ذلك ابن حزم ويقول: مالك كان في عصره كثير من زملائه وأقرانه، ومالك كان من قبله علماء ومن بعده علماء. ولكن يهمنا أن النبي ﷺ يعلن أنه يأتي على الناس وقت يضربون فيه أكباد الإبل لطلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم بالمدينة. وإذا أخذنا ذلك مع حديث (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) علمنا أن الإيمان لا يكون إلا عن علم، وبوب البخاري ﵀: (باب العلم قبل العمل) ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ، فاعلم أولاً، وإذا لم يكن العلم وكان الجهل اتخذوا آلهة متعددة، ولما جاءهم الوحي وأمروا أن يقولوا: (لا إله إلا الله) قالوا لجهلهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] ، ولكن إذا نظرنا إلى هذا الحديث: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) عرفنا من باب اللزوم أن من لازم إرز الإيمان إلى المدينة أن يسبقه العلم ويلتقيان بها. فتظل المدينة -بحمد الله- دار العلم وعاصمة العلم ومقره، وإن كان قد جاء عليها زمن تعطل فيها بعض الشيء، ولكن لم ينقطع؛ لأنه حينما انتقلت الخلافة إلى الشام كان العلماء هناك، ولما انتقلت إلى العراق كان العلماء هناك، وما خلت المدينة في عصر من عصورها من العلماء، لكن يقلون أو يكثرون. وقد ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (من راح إلى مسجدي لعلم يعلمه أو يتعلمه كان كمن غزا في سبيل الله) . ويذكر البخاري في كتابه الأدب المفرد أن النبي ﷺ قال: (سيأتي أقوام من أقطار الدنيا -أو سيأتيكم أقوام من أقطار الدنيا- يطلبون العلم فأقووهم وعلموهم) . ومعنى (أقووهم) ساعدوهم، أو: آووهم، فكان ابن مسعود كلما جاءه طالب علم يقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ .

стр. 770

المسجد النبوي منارة العلم الأولى نحن نعلم بأن العلم في أقطار الدنيا، والجامعات الإسلامية وغيرها في المدينة وغيرها من أقطار العالم الإسلامي، ولكن حينما يأتي الطالب إلى الجامعة، ويسمع حديث رسول الله ﷺ ، ويأتي مرة أخرى إلى مسجد رسول الله ﷺ أولى جامعات العالم الإسلامي يجد للحديث تلاوة جديدة لا يجدها في غير ذلك المكان؛ إذ كان أول مدرس ومعلم في تلك المدرسة جبريل ﵇، فكان يلقي على رسول الله ﷺ ، ويسمع المسلمون منه، كما جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) . وهكذا كان المسجد النبوي أولى الجامعات الإسلامية بالمسمى الحديث، وكان أول معلم فيه جبريل ﵇، فيأتي إلى رسول الله ابتداءً بالوحي، ويأتي إلى جلساء رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام فيعلمهم أمر دينهم، ومن ثم ما وجد كتاب كتب في العالم، ولا أقيمت صلاة في العالم، ولا نادى مناد على منارة في العالم، ولا صيم رمضان في العالم، ولا أديت زكاة في العالم، ولا جاء حاج من العالم إلا من آثار تعليم هذه الجامعة المحمدية. فإذا جاء إنسان إلى أكبر جامعات العالم، وسمع كتاب الله، وسمع حديث رسول الله ﷺ ، ثم جاء هو بنفسه وسمع تلك الآية وسمع ذاك الحديث في مسجد رسول الله ﷺ ، فوالله ثم والله ليجدن لتلك الآية ولهذا الحديث من الأثر في قلبه ما لم يجده هناك؛ لأن الإنسان يتأثر، ومقوماته تتأثر بالزمان وبالمكان. فإذا ذهبنا إلى المدرسة أو إلى المعهد، وسمعنا المدرس يشرح حديثاً، أو يشرح آية، ثم جئنا إلى صلاة الجمعة في مسجد رسول الله ﷺ وسمعنا الإمام على المنبر يتلو تلك الآية، أو يتلو ذلك الحديث وجدنا لهذه التلاوة الجديدة ولهذا الحديث -لانطلاقها من منبر رسول الله ﷺ أثراً أعظم في نفوسنا. وبهذه المناسبة أنبه طلبة العلم بالمدينة أنهم مكلفون من جانب رسول الله ﷺ ، وحمّلهم الوصية والأمانة بأن كل من قدم من الخارج من أقطار الدنيا يطلب علماً فإنه يجب عليهم أن يعلموهم، ويجب عليهم أن يستقبلوهم، ولئن كانت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فتحت أبوابها واستقبلت طلابها، فإن الأحق بذلك والأسبق إليه هو المسجد النبوي الشريف، وأسأل الله تعالى لي ولكم جميعاً التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم من طلبة العلم العاملين به، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 771

طلب العلم حصن واقٍ من الشيطان وشَرَكِهِ كل ما ذكر في الحديث من تنفيس عن مكروب، وتيسير على معسر، أو ستر على إنسان أعمال فردية، أو أعمال شخصية، ولكن طلب العلم -كما قالوا- أعم؛ لأن خيره ومردوده للآخرين، ولذا قالوا: عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. وجاء في بعض الآثار أن الشيطان جاء إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني العالم الجليل، والعابد الفاضل، فجاءه في محرابه في الليل وهو يتهجده وأضاء له نوراً شديداً في المحراب، ونادى: يا عبد القادر! أنا اليقين قد أتيتك فأسقطت عنك التكاليف، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ، وها أنا اليقين. فقال: إخسأ يا لعين! لو أن التكاليف تسقط عن أحد لكان أحق المكلفين بذلك رسول الله ﷺ ، وهو كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فانقلب النور إلى دخان، وقال: والله لقد نجوت مني بعلمك، ولقد أضللت مائة عابد بذلك

стр. 772

فتوى العالم سبيل نجاة ذكر في الحديث أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعاً وتسعين نفساً، فجاء إلى عابد راهب في صومعته فقال: أرايت لو تبت أيتوب الله علي؟ قال: أعوذ بالله، فبعد تسعة وتسعين لا توبة لك. فأكمل به المائة، ثم جاء إلى عالم فقال: هل لي من توبة؟ قال: سبحان الله! ومن يحول بين العبد وربه، تب يتب الله عليك، ولكن إذا كنت عشت في هذه البلدة، وقتلت مائة نفس فلا تبق فيها، فاخرج منها إلى تلك القرية الفلانية، فإن فيها أقواماً صالحين يعبدون الله فكن معهم، وهنا نعرف خطر الجليس السيء، وبركة وخير الجليس الطيب. كما جاء في الحديث: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء ... ) ، فالجليس الخبيث كنافخ الكير إن لم يأتك شرر ناره يؤذك بريحه، أما الجليس الصالح فكبائع المسك إن لم تشتر منه فإنه سيحذيك، فبعض الناس يمر على صاحب العطر، ويسأله: أعندك عود طيب؟ فيقول: نعم. ويفتح القارورة ويطيبه، فهذا أقل شيء. فأقل شيء أنك ستشم الريح الطيب من بائع المسك. فخرج قاتل المائة، وفي أثناء الطريق أدركته المنية فمات، فتأتي ملائكة الرحمة وتأتي ملائكة العذاب ويختصمون فيه، فملائكة العذاب تقول: هذا ما عمل حسنة واحدة، وملائكة الرحمة تقول: هذا رجل مقبل علينا، تاب إلى الله توبة نصوحاً، والتوبة تجب ما قبلها، فاحتكموا فيما بينهم أيهم يتولى أمره، فأرسل الله سبحانه إليهم ملكاً على صورة رجل، فقال: قيسوا ما بين البلدين، فأيهما كان أقرب إليها ألحقوه بأهلها. فقاسوا فإذا المسافة بينه وبين البلدة التي خرج إليها أقل بذراع واحد فقط. وفي بعض الروايات أن الله أوحى إلى هذه أن تباعدي وإلى تلك أن تقاربي، وزوى الله الأرض، وفي بعض الروايات: فأومأ -وهو ميت- بصدره إلى جهة القرية التي خرج إليها، فتولته ملائكة الرحمة. والذي يهمنا أن ذاك العابد الجاهل جهله قتله، وهذا العالم أفتى بعلم فنجا، ونجى هذا الرجل من الموت والهلاك والأمثلة في هذا عديدة، ونرجو المولى سبحانه أن يوفق الجميع لسلوك طريق العلم مهما كان، وبأية وسيلة.

стр. 773

صبر طالب العلم وزهده في الدنيا وأحب أن أذكر إخواني طلبة العلم بأن الله تعالى يسر وجود الجامعة، فهي تأتي بكل إمكانات مساعدة الطالب، من إسكان، ونقليات، ومكافأة، ومستشفيات، وجزى الله المحسنين خيراً. ولكن في المسجد النبوي شاهدنا ورافقنا وجالسنا في حلقة العلم أشخاصاً كانوا في الصباح تجدهم في الأسواق يحملون للناس على مناكبهم، وفي الصباح يحملون الماء إلى البيوت، وفي الصباح في الأسواق يتسببون، وإذا جاؤوا إلى صلاة المغرب تجدهم كالنجوم اللامعة في نظافتهم، وفي إنارة وجوههم بتقوى الله، ويجلسون بكتب الحديث يتلقون العلم على المشايخ في هذا المسجد، فهم في النهار خدام، وهم في المغرب أعلام. فطلب العلم ليس له طريق يمنعه، وليس هناك في علم الإسلام سن يحدده، وليس هناك شيءٌ يحول دونه، بل قوله ﷺ : (سهّل الله له طريقاً إلى الجنة) -وهي أعلى منزلة وأعظم عطاء- يفيد أنه من باب أولى أن يسهل له طريقاً في الدنيا، فهل يُسهل له طريق الجنة ويعسَّر عليه طريق الدنيا؟! لا والله. وطالب العلم قنوع يكتفي بما يكفيه، ولو وقفنا عند هذه الجملة من هذا الحديث لطال بنا الكلام عليها، وأعتقد أنه يكفي العلم شرفاً وفضلاً كونه علماًً، فهو يتحدث عن نفسه كما يقولون.

стр. 774

فضيلة حلق الذكر في المساجد قال ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) . ذكر في الحديث (في بيت من بيوت الله) ، وبيوت الله العرف خص بها المساجد، وهذه إضافة تشريف وتكريم، وإلا فالعالم كله لله، وكما جاء في القرآن الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] ، فهذه البيوت المضافة إلى الله إنما هي المساجد، وهي إضافة تكريم وتشريف، كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣] ، وكل الإبل والنوق في العالم لله، وهو الذي خلقها، ولكن هذه بالذات أضيفت إلى الله لتميزها بآية خاصة، وكذلك المساجد تميزت عن بقية البيوت، بيوت الملوك والأمراء والفقراء والأغنياء، وفي حديث الأعرابي حينما ترك ناقته خارجاً ودخل، ثم أخذ جانباً في المسجد، وجلس يريق بوله فزجره الصحابة الكرام قال ﷺ : (لا تزرموه، دعوه) ، فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ثم دعاه: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ، أو كما قال رسول الله ﷺ . فدعا الأعرابي وقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً. فقال رسول الله ﷺ : (لقد حجرت واسعاً) ؛ لأنه وجد الرحمة، ووجد التيسير من رسول الله ﷺ ، ووجد الشدة من الآخرين. والأصوليون يقولون: إذا وقع الخطأ يُنظر فيه ويرتكب أخف الضررين، وهذا ما حصل في حديث الأعرابي، وذكر الله هو كل ما يعرف الإنسان بربه ويصله به. فقوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) ، جاء في بعض الروايات بلفظ: (في المسجد) ، وفي بعضها الآخر: (في مجلس يذكرون الله) ، فالعبرة هنا بعموم الذكر، وأشرنا إلى أن ذكر الله أعم عمومات العبادات، فهو ليس في حق الإنسان، ولا في حق الحيوان، بل ولا في حق الشجر والمدر، فالذكر عبادة جميع الكائنات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] . فالحصى في كفه ﷺ سبح، والجذع الذي كان يتكئ عليه للخطبة حينما تحول إلى المنبر حن لفراقه وبكى، ونزل إليه ﷺ وخاطبه قائلاً: (إن شئت غرست في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت غرستك في الجنة) ، فاختار أن يغرس في الجنة، فهو جذع خشب يؤمن بأن هناك جنة. وفي الموطأ في يوم الجمعة وفضله ورد: (وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة) . فالدواب تعلم أن هناك ساعة، وتعرف أنها ستكون يوم الجمعة، وتعرف أنها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، ونحن ما كنا نعرف هذا. فأهم ما يكون على العبد ذكر الله، وقد قالوا: هو غذاء القلب، وهو للإنسان كالماء للسمك، فالشخص الذي يغفل عن ذكر الله كالسمك إذا أخرجته من الماء، ولذا جاء الذكر في جميع التكاليف. فحينما تأوي إلى فراشك للنوم فإن السنة تأتيك، وتقول لك: اضطجع على شقك الأيمن وقل: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، اللهم إن أمسكت روحي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها) . وإذا استيقظت من نومك في الليل ذكرت الله. وإذا استيقظت في الصباح تقول: (اللهم بك أصبحنا وبك نمسي) . فإذا جئت إلى الصلاة، ذكرت الله في سجودك، وذكرت الله قبل سلامك، وذكرت الله بعد الصلاة. وإذا رجعت إلى بيتك وتناولت طعامك تقول: باسم الله. شبعت من طعامك تقول: الحمد لله. فذكر الله في كل صغيرة وكبيرة. وفي الصيام يخبرنا النبي ﷺ أن (للصائم فرحتين، فرحة عند فطره، وفرحة وعند لقاء ربه) ، وله دعاء مستجاب، وكذلك إخراج الزكاة، وكذلك في الحج، فالحج كله ذكر لله. وكذلك إذا لبست ثيابك، أو خلعت نعلك، وفي كل أحوالك. ولذا يمتدح الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] ، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ، ويأتي أيضاً بخواص الذكر فيقول تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] . فالذكر من حيث هو عام، وأخص ما يكون إذا ذكر منفرداً خالياً بقلب خاشع. فالسبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله يبدأون بإمام عدل، وينتهون بقوله: (ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) ، فاضت عيناه رغبة أو رهبة.

стр. 775

المقصود بالذكر في الحديث، وحكم القراءة الجماعية وللذكر آداب عديدة، ويهمنا موضع الحديث (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) ، يقول ابن رجب في هذا الحديث: الحديث نص على اجتماع قوم يذكرون الله في المساجد. وهنا يأتي خلاف العلماء في نوع الذكر المقصود، فالحديث فيه: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) ، فيقول: إن حملنا الذكر على خصوص التلاوة والمدارسة، بمعنى الفقه والعلم بكتاب الله، فهذا لا إشكال عليه، ولذا كان بعض السلف إذا صلوا الصبح اجتمعوا وقرأوا كتاب الله، وتدارسوه فيما بينهم، وتعلموا الفرائض، والفرائض من كتاب الله. وإن كان المراد عموم التلاوة فقط فعلى أية صفة؟ ويذكر أن أهل دمشق وحمص ومكة كانوا إذا صلوا الصبح اجتمعوا لقراءة القرآن، إلا أن أهل دمشق وحمص يجتمع النفر منهم ويقرأون جميعاً في وقت واحد من سورة واحدة، ولكن أهل مكة كانوا يجتمعون فالشخص الواحد يقرأ العشر الآيات والبقية يسمعون، ثم يقرأ الآخر عشر آيات والبقية يسمعون، وقال: وهذا لا بأس به. واستدل بعمومات، منها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يسمع القرآن من ابن مسعود، وكذلك عمر كان ربما يأمر الرجل يقرأ، ويسمع هو وأصحابه، واستمعوا إلى أبي موسى الأشعري، وكان عمر يقول له: اقرأ ونحن نسمع. وقد يستدل لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] ، وبعض العلماء يقول: هذه خاصة في الصلاة، وبعضهم يقول: هي أعم من ذلك كله. والذي يهمنا أن قراءة قارئ وسماع المستمعين لا غبار عليه، ولكن كونهم يجتمعون ويقرأون جميعاً فإن ابن رجب قال في شرح هذا الكتاب المبارك: بلغ ذلك مالك بن أنس، وتكلم مع رجل من أهل الشام فقال: أنتم تجتمعون لكذا وكذا! فقال: نعم. قال: أما نحن فكان عندنا المهاجرون والأنصار، وما كانوا يفعلون ذلك، وكان الواحد منهم إذا صلى الغداة جلس يذكر الله ويسبحه، ولا يكلم بعضهم بعضاً اشتغالاً بالذكر. ومن هنا اختلفوا في جواز اجتماع القوم ليقرأوا القرآن بصوت واحد في موضع واحد، أي: أن نأخذ المصحف ونقرأ مثلاً قوله تعالى: ﴿ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] في نفس واحد، أو أن الكل يصغي ويستمع وينصت ورجل واحد يقرأ ونحن نتأمل القراءة ونستمع إليه. يقول ابن رجب في هذه الصورة: لا بأس بها للعمومات الواردة من أن النبي ﷺ كان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وعمر كان يأمر غيره فيقرأ وهم يستمعون. أما أن يقرأوا جميعاً، فيحصل اللغط من بعضهم على بعض فهذه هي الصورة التي يقول عنها مالك: إن اجتماعهم لذلك في المسجد بدعة. وعلى كلٍ فالحديث معنا فيه: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) ، وهل التلاوة التي كان يفعلها أهل مكة وحمص والشام كانت تلاوة فقط، أم تلاوة مع مدارسة؟ فإن كان مع التلاوة مدارسة وفهم القرآن، وعلم التفسير وما يتعلق بذلك فالحمد لله، وبها ونعمت، وإن كانت تلاوة فقط فكما قال ابن رجب: الصورة الجماعية هذه هي المكروهة، وصورة كون شخص واحد يقرأ والبقية يسمعون داخل في عموم الذكر، وفي سماع النبي ﷺ من غيره. فهذا الحديث متعلق بالقرآن تلاوة ومدارسة، وأما إذا جلس يستغفر الله، أو جلس يسبح الله، أو جلس يحمد الله، أو جلس يصلي على رسول الله ﷺ ، أو جلس لأي نوع من أنواع الذكر فيما بينه وبين الله فلا مانع من ذلك، وقد جاء الحديث: (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة) . وجاء عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا صلى الغداة ينتظر إلى طلوع الشمس، فإن عرض له عارض كتجديد الوضوء يترك رداءه، ويقوم ويقول: انتظروا مجيئي فسمعه بعض الناس فقالوا: من تكلم؟ فليس عندك أحد؟ قال: أكلم جلسائي فالملائكة تحف ذاكري الله. وجاء في الحديث الآخر: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى بغيتكم فيجيئون فيحفون بهم إلى سماء الدنيا) . وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ، وليس معنى (حلق الذكر) الصور المعهودة عند بعض الناس التي استحدثت، إنما هي الواردة في سنة رسول الله ﷺ . فاجتماع الملائكة أو بحثهم عن رياض الجنة -وهي مجالس الذكر- وارد في السنة، وقد ألّف العلماء الكتب في ترتيب وآداب ونصوص الذكر الوارد في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ .
следующие страницы →