Полный текст (863 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
طلب العلم حصن واقٍ من الشيطان وشَرَكِهِ
كل ما ذكر في الحديث من تنفيس عن مكروب، وتيسير على معسر، أو ستر على إنسان أعمال فردية، أو أعمال شخصية، ولكن طلب العلم -كما قالوا- أعم؛ لأن خيره ومردوده للآخرين، ولذا قالوا: عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
وجاء في بعض الآثار أن الشيطان جاء إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني العالم الجليل، والعابد الفاضل، فجاءه في محرابه في الليل وهو يتهجده وأضاء له نوراً شديداً في المحراب، ونادى: يا عبد القادر! أنا اليقين قد أتيتك فأسقطت عنك التكاليف، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ، وها أنا اليقين.
فقال: إخسأ يا لعين! لو أن التكاليف تسقط عن أحد لكان أحق المكلفين بذلك رسول الله ﷺ ، وهو كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فانقلب النور إلى دخان، وقال: والله لقد نجوت مني بعلمك، ولقد أضللت مائة عابد بذلك
стр. 772
فتوى العالم سبيل نجاة
ذكر في الحديث أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعاً وتسعين نفساً، فجاء إلى عابد راهب في صومعته فقال: أرايت لو تبت أيتوب الله علي؟ قال: أعوذ بالله، فبعد تسعة وتسعين لا توبة لك.
فأكمل به المائة، ثم جاء إلى عالم فقال: هل لي من توبة؟ قال: سبحان الله! ومن يحول بين العبد وربه، تب يتب الله عليك، ولكن إذا كنت عشت في هذه البلدة، وقتلت مائة نفس فلا تبق فيها، فاخرج منها إلى تلك القرية الفلانية، فإن فيها أقواماً صالحين يعبدون الله فكن معهم، وهنا نعرف خطر الجليس السيء، وبركة وخير الجليس الطيب.
كما جاء في الحديث: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء ... ) ، فالجليس الخبيث كنافخ الكير إن لم يأتك شرر ناره يؤذك بريحه، أما الجليس الصالح فكبائع المسك إن لم تشتر منه فإنه سيحذيك، فبعض الناس يمر على صاحب العطر، ويسأله: أعندك عود طيب؟ فيقول: نعم.
ويفتح القارورة ويطيبه، فهذا أقل شيء.
فأقل شيء أنك ستشم الريح الطيب من بائع المسك.
فخرج قاتل المائة، وفي أثناء الطريق أدركته المنية فمات، فتأتي ملائكة الرحمة وتأتي ملائكة العذاب ويختصمون فيه، فملائكة العذاب تقول: هذا ما عمل حسنة واحدة، وملائكة الرحمة تقول: هذا رجل مقبل علينا، تاب إلى الله توبة نصوحاً، والتوبة تجب ما قبلها، فاحتكموا فيما بينهم أيهم يتولى أمره، فأرسل الله سبحانه إليهم ملكاً على صورة رجل، فقال: قيسوا ما بين البلدين، فأيهما كان أقرب إليها ألحقوه بأهلها.
فقاسوا فإذا المسافة بينه وبين البلدة التي خرج إليها أقل بذراع واحد فقط.
وفي بعض الروايات أن الله أوحى إلى هذه أن تباعدي وإلى تلك أن تقاربي، وزوى الله الأرض، وفي بعض الروايات: فأومأ -وهو ميت- بصدره إلى جهة القرية التي خرج إليها، فتولته ملائكة الرحمة.
والذي يهمنا أن ذاك العابد الجاهل جهله قتله، وهذا العالم أفتى بعلم فنجا، ونجى هذا الرجل من الموت والهلاك والأمثلة في هذا عديدة، ونرجو المولى سبحانه أن يوفق الجميع لسلوك طريق العلم مهما كان، وبأية وسيلة.
стр. 773
صبر طالب العلم وزهده في الدنيا
وأحب أن أذكر إخواني طلبة العلم بأن الله تعالى يسر وجود الجامعة، فهي تأتي بكل إمكانات مساعدة الطالب، من إسكان، ونقليات، ومكافأة، ومستشفيات، وجزى الله المحسنين خيراً.
ولكن في المسجد النبوي شاهدنا ورافقنا وجالسنا في حلقة العلم أشخاصاً كانوا في الصباح تجدهم في الأسواق يحملون للناس على مناكبهم، وفي الصباح يحملون الماء إلى البيوت، وفي الصباح في الأسواق يتسببون، وإذا جاؤوا إلى صلاة المغرب تجدهم كالنجوم اللامعة في نظافتهم، وفي إنارة وجوههم بتقوى الله، ويجلسون بكتب الحديث يتلقون العلم على المشايخ في هذا المسجد، فهم في النهار خدام، وهم في المغرب أعلام.
فطلب العلم ليس له طريق يمنعه، وليس هناك في علم الإسلام سن يحدده، وليس هناك شيءٌ يحول دونه، بل قوله ﷺ : (سهّل الله له طريقاً إلى الجنة) -وهي أعلى منزلة وأعظم عطاء- يفيد أنه من باب أولى أن يسهل له طريقاً في الدنيا، فهل يُسهل له طريق الجنة ويعسَّر عليه طريق الدنيا؟! لا والله.
وطالب العلم قنوع يكتفي بما يكفيه، ولو وقفنا عند هذه الجملة من هذا الحديث لطال بنا الكلام عليها، وأعتقد أنه يكفي العلم شرفاً وفضلاً كونه علماًً، فهو يتحدث عن نفسه كما يقولون.
стр. 774
فضيلة حلق الذكر في المساجد
قال ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) .
ذكر في الحديث (في بيت من بيوت الله) ، وبيوت الله العرف خص بها المساجد، وهذه إضافة تشريف وتكريم، وإلا فالعالم كله لله، وكما جاء في القرآن الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] ، فهذه البيوت المضافة إلى الله إنما هي المساجد، وهي إضافة تكريم وتشريف، كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣] ، وكل الإبل والنوق في العالم لله، وهو الذي خلقها، ولكن هذه بالذات أضيفت إلى الله لتميزها بآية خاصة، وكذلك المساجد تميزت عن بقية البيوت، بيوت الملوك والأمراء والفقراء والأغنياء، وفي حديث الأعرابي حينما ترك ناقته خارجاً ودخل، ثم أخذ جانباً في المسجد، وجلس يريق بوله فزجره الصحابة الكرام قال ﷺ : (لا تزرموه، دعوه) ، فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، ثم دعاه: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ، أو كما قال رسول الله ﷺ .
فدعا الأعرابي وقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً.
فقال رسول الله ﷺ : (لقد حجرت واسعاً) ؛ لأنه وجد الرحمة، ووجد التيسير من رسول الله ﷺ ، ووجد الشدة من الآخرين.
والأصوليون يقولون: إذا وقع الخطأ يُنظر فيه ويرتكب أخف الضررين، وهذا ما حصل في حديث الأعرابي، وذكر الله هو كل ما يعرف الإنسان بربه ويصله به.
فقوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) ، جاء في بعض الروايات بلفظ: (في المسجد) ، وفي بعضها الآخر: (في مجلس يذكرون الله) ، فالعبرة هنا بعموم الذكر، وأشرنا إلى أن ذكر الله أعم عمومات العبادات، فهو ليس في حق الإنسان، ولا في حق الحيوان، بل ولا في حق الشجر والمدر، فالذكر عبادة جميع الكائنات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] .
فالحصى في كفه ﷺ سبح، والجذع الذي كان يتكئ عليه للخطبة حينما تحول إلى المنبر حن لفراقه وبكى، ونزل إليه ﷺ وخاطبه قائلاً: (إن شئت غرست في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت غرستك في الجنة) ، فاختار أن يغرس في الجنة، فهو جذع خشب يؤمن بأن هناك جنة.
وفي الموطأ في يوم الجمعة وفضله ورد: (وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة) .
فالدواب تعلم أن هناك ساعة، وتعرف أنها ستكون يوم الجمعة، وتعرف أنها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، ونحن ما كنا نعرف هذا.
فأهم ما يكون على العبد ذكر الله، وقد قالوا: هو غذاء القلب، وهو للإنسان كالماء للسمك، فالشخص الذي يغفل عن ذكر الله كالسمك إذا أخرجته من الماء، ولذا جاء الذكر في جميع التكاليف.
فحينما تأوي إلى فراشك للنوم فإن السنة تأتيك، وتقول لك: اضطجع على شقك الأيمن وقل: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، اللهم إن أمسكت روحي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها) .
وإذا استيقظت من نومك في الليل ذكرت الله.
وإذا استيقظت في الصباح تقول: (اللهم بك أصبحنا وبك نمسي) .
فإذا جئت إلى الصلاة، ذكرت الله في سجودك، وذكرت الله قبل سلامك، وذكرت الله بعد الصلاة.
وإذا رجعت إلى بيتك وتناولت طعامك تقول: باسم الله.
شبعت من طعامك تقول: الحمد لله.
فذكر الله في كل صغيرة وكبيرة.
وفي الصيام يخبرنا النبي ﷺ أن (للصائم فرحتين، فرحة عند فطره، وفرحة وعند لقاء ربه) ، وله دعاء مستجاب، وكذلك إخراج الزكاة، وكذلك في الحج، فالحج كله ذكر لله.
وكذلك إذا لبست ثيابك، أو خلعت نعلك، وفي كل أحوالك.
ولذا يمتدح الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] ، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ، ويأتي أيضاً بخواص الذكر فيقول تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] .
فالذكر من حيث هو عام، وأخص ما يكون إذا ذكر منفرداً خالياً بقلب خاشع.
فالسبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله يبدأون بإمام عدل، وينتهون بقوله: (ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) ، فاضت عيناه رغبة أو رهبة.
стр. 775
المقصود بالذكر في الحديث، وحكم القراءة الجماعية
وللذكر آداب عديدة، ويهمنا موضع الحديث (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) ، يقول ابن رجب في هذا الحديث: الحديث نص على اجتماع قوم يذكرون الله في المساجد.
وهنا يأتي خلاف العلماء في نوع الذكر المقصود، فالحديث فيه: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) ، فيقول: إن حملنا الذكر على خصوص التلاوة والمدارسة، بمعنى الفقه والعلم بكتاب الله، فهذا لا إشكال عليه، ولذا كان بعض السلف إذا صلوا الصبح اجتمعوا وقرأوا كتاب الله، وتدارسوه فيما بينهم، وتعلموا الفرائض، والفرائض من كتاب الله.
وإن كان المراد عموم التلاوة فقط فعلى أية صفة؟ ويذكر أن أهل دمشق وحمص ومكة كانوا إذا صلوا الصبح اجتمعوا لقراءة القرآن، إلا أن أهل دمشق وحمص يجتمع النفر منهم ويقرأون جميعاً في وقت واحد من سورة واحدة، ولكن أهل مكة كانوا يجتمعون فالشخص الواحد يقرأ العشر الآيات والبقية يسمعون، ثم يقرأ الآخر عشر آيات والبقية يسمعون، وقال: وهذا لا بأس به.
واستدل بعمومات، منها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يسمع القرآن من ابن مسعود، وكذلك عمر كان ربما يأمر الرجل يقرأ، ويسمع هو وأصحابه، واستمعوا إلى أبي موسى الأشعري، وكان عمر يقول له: اقرأ ونحن نسمع.
وقد يستدل لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] ، وبعض العلماء يقول: هذه خاصة في الصلاة، وبعضهم يقول: هي أعم من ذلك كله.
والذي يهمنا أن قراءة قارئ وسماع المستمعين لا غبار عليه، ولكن كونهم يجتمعون ويقرأون جميعاً فإن ابن رجب قال في شرح هذا الكتاب المبارك: بلغ ذلك مالك بن أنس، وتكلم مع رجل من أهل الشام فقال: أنتم تجتمعون لكذا وكذا! فقال: نعم.
قال: أما نحن فكان عندنا المهاجرون والأنصار، وما كانوا يفعلون ذلك، وكان الواحد منهم إذا صلى الغداة جلس يذكر الله ويسبحه، ولا يكلم بعضهم بعضاً اشتغالاً بالذكر.
ومن هنا اختلفوا في جواز اجتماع القوم ليقرأوا القرآن بصوت واحد في موضع واحد، أي: أن نأخذ المصحف ونقرأ مثلاً قوله تعالى: ﴿ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] في نفس واحد، أو أن الكل يصغي ويستمع وينصت ورجل واحد يقرأ ونحن نتأمل القراءة ونستمع إليه.
يقول ابن رجب في هذه الصورة: لا بأس بها للعمومات الواردة من أن النبي ﷺ كان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وعمر كان يأمر غيره فيقرأ وهم يستمعون.
أما أن يقرأوا جميعاً، فيحصل اللغط من بعضهم على بعض فهذه هي الصورة التي يقول عنها مالك: إن اجتماعهم لذلك في المسجد بدعة.
وعلى كلٍ فالحديث معنا فيه: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) ، وهل التلاوة التي كان يفعلها أهل مكة وحمص والشام كانت تلاوة فقط، أم تلاوة مع مدارسة؟ فإن كان مع التلاوة مدارسة وفهم القرآن، وعلم التفسير وما يتعلق بذلك فالحمد لله، وبها ونعمت، وإن كانت تلاوة فقط فكما قال ابن رجب: الصورة الجماعية هذه هي المكروهة، وصورة كون شخص واحد يقرأ والبقية يسمعون داخل في عموم الذكر، وفي سماع النبي ﷺ من غيره.
فهذا الحديث متعلق بالقرآن تلاوة ومدارسة، وأما إذا جلس يستغفر الله، أو جلس يسبح الله، أو جلس يحمد الله، أو جلس يصلي على رسول الله ﷺ ، أو جلس لأي نوع من أنواع الذكر فيما بينه وبين الله فلا مانع من ذلك، وقد جاء الحديث: (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة) .
وجاء عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا صلى الغداة ينتظر إلى طلوع الشمس، فإن عرض له عارض كتجديد الوضوء يترك رداءه، ويقوم ويقول: انتظروا مجيئي فسمعه بعض الناس فقالوا: من تكلم؟ فليس عندك أحد؟ قال: أكلم جلسائي فالملائكة تحف ذاكري الله.
وجاء في الحديث الآخر: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى بغيتكم فيجيئون فيحفون بهم إلى سماء الدنيا) .
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ، وليس معنى (حلق الذكر) الصور المعهودة عند بعض الناس التي استحدثت، إنما هي الواردة في سنة رسول الله ﷺ .
فاجتماع الملائكة أو بحثهم عن رياض الجنة -وهي مجالس الذكر- وارد في السنة، وقد ألّف العلماء الكتب في ترتيب وآداب ونصوص الذكر الوارد في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ .
стр. 776
آداب الذكر وأحكامه
يقول العلماء: إن أهم آداب الذكر إخلاص النية لله وحضور القلب؛ لأن العبرة بذلك، كما في الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ، فينظر إليها على أساس الإخلاص لله.
ويقول بعض العلماء: إذا كان جالساً في مجلسه يذكر الله فالأولى له استقبال القبلة، وبهذه المناسبة ننبه بعض الأشخاص الذين يصلون في المسجد، ويجلسون ينتظرون الصلاة في الصف الأول، فيستدبرون القبلة ويستقبلون الناس، ويتلون كتاب الله، فقد جاء في بعض الآثار أن السلف كانوا يمنعونهم، ويقولون: لا تحولوا دون الملائكة والقبلة.
لأن هناك ملائكة تصلي، فلا ينبغي أن يحول الجالس دون القبلة، فإذا استقبل القبلة كان هو وغيره سواءً، أما أن يجلس مستدبراً الكعبة مستقبلاً الناس فهذا جاء عن السلف أنهم كانوا يكرهون ذلك، فمن الآداب استقبال القبلة في الذكر.
وكذلك نقول للذي يسلم على رسول الله ﷺ عند قبره، ويريد الدعاء بعد أن يفرغ من السلام أن عليه أن يتحول عن ذاك المكان ويستقبل القبلة ويدعو الله ؛ لأن الكعبة هي قبلة الذكر وقبلة الدعاء، ومن هنا يقول الإمام أبو حنيفة: إذا أردت أن تسلم على رسول الله ﷺ فلا تأتِ مواجهاً؛ لأنك تستدبر القبلة، وإنما تأتي من الروضة، وتجعل الحجرة الشريفة عن جانبك وأنت مستقبل القبلة؛ لأنك حينما تسلم على رسول الله ﷺ أنت في أقرب القربات إلى الله.
ولكن وجدنا في مسند أبي حنيفة نفسه ما يوافق رأي الجمهور، وهو مطبوع مع مسند الشافعي.
ومن الآداب أن يكون على طهارة، فإن لم يكن على طهارة فلا مانع ما لم يكن جنباً، وله أن يذكر بجميع أنواع الذكر إلا القرآن إذا كان جنباً، فإذا كان جنباً فلا ولا حرف.
كما جاء في حديث علي رضي الله تعالى عنه: (كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً) .
ولهذا كره العلماء كراهة تحريم للجنب وللحائض أن يقرأا القرآن، وللحائض مباحث في ذلك عند مالك خاصة، ذكرها ابن رشد في بداية المجتهد، وهو أن المرأة إن كان لها ورد من حفظها فإن تركت القرآن مدة حيضتها ضاع عليها حفظها تيممت وقرأت وردها فقط؛ لئلا تنسى ما حفظت.
ومن باب آداب الذكر توخي الأوقات الفاضلة، كما بين الأذان والإقامة، وكذلك الدعاء وأنت ساجد، وغير ذلك من الآداب التي تذكر في كتب الأذكار الواردة يومياً.
والله تعالى أعلم.
стр. 777
الجائزة الإلهية للمجتمعين للذكر في المساجد
ويختم ﷺ هذا الحديث بتلك العبارة الخاتمة: (إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة) ، فكل ذلك للذاكرين الله سبحانه.
والسكينة تجد كثيراً من الناس يتكلمون في معناها.
وجاء في بعض روايات الحديث أن النبي ﷺ شخص ببصره إلى السماء، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى.
فنزلت عليهم السكينة يحملها الملائكة كالقبة، ولما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت عنهم) .
فالسكينة أمر معنوي، فتأتيهم الملائكة كالقبة لتغطيهم، ومعنى (وغشيتهم الرحمة) أي: غطتهم.
ويمكن أن يقال: إن السكينة من السكون والطمأنينة، والقرآن الكريم يقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ، فالسكينة التي ينزلها الله على الذاكرين هي ما يشعرون به من طمأنينة القلب، وارتياح النفس، وسعادة لا يعادلها شيء، فلو جئت إلى إنسان يملك الدنيا وهو قلق النفس مضطرب، فما قيمة هذه الدنيا عنده؟ ولو جئت إلى إنسان عنده قوت يومه وليله، وهو معافى في بدنه وقرير العين مطمئن القلب، فماذا ينقصه؟ لا شيء.
فهذه هي السكينة.
ومن هذا المعنى ننطلق إلى الروضة الوارد ذكرها في قوله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) ، وكل المعاني التي يوردها العلماء عليها وارد، وعليها اعتراض، ولكن لو قلنا: إن قوله: (روضة من رياض الجنة) معناه: أن من لوازم تلك الروضة أن يكون المتعبد فيها يشعر بالطمأنينة والسكينة إلى حد لا يشعر به خارج المسجد، كبيته والسوق فلا مانع من ذلك.
قوله: (وغشيتهم الرحمة) .
الغشاء: هو الغطاء، كأن الرحمة رداء ينتشر عليهم.
قال: (وحفتهم الملائكة) ، فالملائكة تحفهم بأجنحتها إما رأفة بهم، وإما إعجاباً بهم، وإما تطييباً لخواطرهم.
كما قال تعالى في ليلة القدر: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤] ، قالوا: من علامات القبول في تلك الليلة، أو من علاماتها أن يشعر الإنسان بروحانية في تلك الليلة.
قال: إذاً: (وذكرهم الله فيمن عنده) ، وفي الحديث قال النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) ، ويقولون: هذه الخصائص والفضائل لمن يذكرون الله سبحانه، سواءٌ أكانوا جماعة أم كان الذكر فرداً.
وفي الخاتمة قال: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) .
فالمطلوب هو العمل بما جاء في الحديث من الفرص وأعمال الخير، من تنفيس الكرب عن المكروبين، ومن تيسير العسر على المعسرين، ومن ستر العورات، ومن ذكر الله سبحانه، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ولذا جاء في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ، وجاء عنه ﷺ : (إن أوليائي إلا المتقون) ، ووقف ﷺ خطيباً فقال: (يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً) .
فالنسب فيما يتعلق بالدنيا ليعرف الإنسان نفسه والآخرين ليتعامل معهم، أما في الآخرة فلا.
стр. 778
شرح الأربعين النووية - الحديث السابع والثلاثون
стр. 779
كتابة الحسنات والسيئات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذا الحديث السابع والثلاثون في فضل الله ورحمته.
عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف.
في هذا الحديث النبوي الشريف يخبرنا النبي ﷺ عن رب العزة سبحانه أنه كتب الحسنات والسيئات، و (كتب) هنا بمعنى: أعلم الملائكة كيف تكتب الحسنات والسيئات على بني آدم، وما يكون موقفهم عند عمل العبد فعلاً أو عزمه على العمل، وبين لهم الهم بالفعل والتنفيذ العملي، وعلمهم ماذا تكتب الملائكة على الإنسان في هذا كله.
فقوله ﷺ : (إن الله كتب الحسنات والسيئات) بمعنى: بين منهجاً للملائكة كيف تكتب إذا عمل العبد فعلاً أو عزيمةً.
وقيل: المعنى يرجع إلى القضاء والقدر، أي: أن الله قدر الحسنات والسيئات، ولكن تتمة الحديث تؤيد المعنى الأول؛ لأن الحديث يبين ماذا للعبد في عمله وماذا للعبد في عزمه على العمل فهو بيان الإحصاء، وكيفية تسجيل الملائكة على العباد أعمالهم.
فبين النبي ﷺ الأقسام الأربعة وهي: الهم بالحسنة، وفعل الحسنة، والهم بالسيئة، وفعل السيئة، ويلحق بذلك ترك فعل السيئة، فهي أربعة أقسام يلحقها قسم خامس، وبدأ ﷺ ببيان أمر الحسنة فقال: (من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، ويضاعف الله لمن يشاء إلى سبعين ضعفاً، إلى سبعمائة ضعف، إلى إضعاف كثيرة) هذا مبدئياً، ويقابل هذا قوله: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) ؛ لأنه ترك السيئة، ولو فعلها كانت سيئة واحدة.
متى يكون العزم أو الهم مؤاخذاً عليه أو غير مؤاخذ عليه؟ وهل المضاعفة قاعدة عامة مطردة أم أن لها أحوال استثنائية فتتضاعف السيئات وتتضاعف الحسنات؟
стр. 780
أجر الهم بالحسنة
قوله ﵊: (من هم بالحسنة) ، الحسنة هي: كل ما جاء في الشرع الحث على فعله من الواجبات أو من المستحبات، من الفروض ومن النوافل، سواء كانت قولاً أو فعلاً، فلو أراد أن يصلي ركعتين، فجاء إنسان وجلس إليه وشغله عنها، فله حسنة، أو أراد أن يصوم يوماً فجاء ضيف وشغله عن الصوم، فله حسنة، وأراد أن يتصدق بجزء من المال فعرضت له حاجة ملحة فأنفق فيها هذا المال، فله حسنة، فكل هذه الأعمال من هم بها، ولكن عرض له عارض أوقف إتمام العمل بها، فحكم هذه النية الحسنة والهم بتلك الحسنة الطيبة، أن يكتب الله له في ذلك أجر، ويكتبها الله عنده حسنة كاملة.
وجاء التأكيد بكلمة: (كاملة) حتى لا يظن ظان بأنه يكتبها حسنة دون الحسنات المعتادة، بل هي حسنة بكمالها.
ويستدل العلماء على اعتبار النية والقصد، -خاصة في فعل الخير- بما جاء في الحديث: (إنما الدنيا لأربعة: رجل أعطاه الله مالاً وعلماً فهو يعرف حق الله فيه، فيؤدي حق الله، فهو في أعلى عليين، ورجل لم يعطه الله مالاً وأعطاه علماً، فقال: لو أن لي مالاً لعملت فيه من الخير والحسنات كما يعمل فلان، فهما في الأجر سواء) ، فهذا شخص لم يعط مالاً ولم ينفق، ولكن لما كان حريصاً على الخير، ولم يمنعه منه إلا قلته أو عدم وجوده، كان بحسن نيته وبعزمه على الفعل مع الفاعل بالفعل متساويين في الأجر.
وقد قال ﷺ في بعض الغزوات: (إن بالمدينة أقواماً ما هبطتم وادياً ولا صعدتم مرتفعاً، إلا شركوكم في الأجر، أقعدهم العذر) .
إذاً: حسن القصد وحسن النية يلحق العبد -إذا لم يتم له الخير لعجز أو تقصير أو مانع- بمن فعل ونفذ الفعل مباشرة، ومن هنا ينبه العلماء على أنه ينبغي للعبد أن يحرص على نية الخير، وعلى تجديد العزم، وعلى فعل الخير دائماً، يقول ابن رجب في شرحه لهذا الحديث: جاء رجل يطوف في المسجد الحرام، ويقول: من يدلني على عمل أداوم عليه ويرضي ربي؟ فقالوا له: جدد العزم دائماً على أن تفعل الخير، فإن لك أجر الخير ما دمت ناوياً فعله.
стр. 781
مضاعفة ثواب الحسنات
يكون للمؤمن بحسن النية أجر على ما لم يفعله، فإن عمل الحسنة بالفعل كتبت له عشر حسنات، وهذا هو الحد الأدنى في محاسبة المولى سبحانه لعباده، كما قال الله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] وهذا هو الحد الأدنى لجميع الناس في جميع الحسنات، ولكن في الحديث يقول: (إلى أضعاف كثيرة) أي: يضاعف لمن يشاء إلى أكثر من سبعمائة ضعف، وجاء في القرآن الكريم إلى سبعمائة كما جاء في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] والسبعة في مائة تساوي سبعمائة ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] يعني: فوق السبعمائة، فيضاعف الحبة فوق ذلك لمن يشاء.
فأي الحسنات التي تتضاعف، وأي الحسنات التي تقف عند العشر؟ يقول العلماء: المضاعفة ليس مردها للفعل من حيث هو، ولكن للفاعل ولظروف الفعل، فإذا كان الإنسان مقبلاً على العمل بنية خالصة وإقبال على الله، وراغباً في الخير، ومؤمناً بوعد الله، فهو ليس كشخص يساق إلى العمل سوقاً، فإذا وجبت الزكاة على رجل، فتلكأ فيها حتى أخذها منه الإمام، فليس كالشخص الذي يبادر، وينتقي خير ماله، ويدفع الزكاة طيبة بها نفسه، وهو يرجو فضل الله! أيضاً: لا يستوي الشخص الذي يؤمن بجزائه على عمله، ويعلم أنه يتعامل مع الله على حد قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] ؛ والشخص الذي يخشى من الإمام، ويخاف عقابه لعدم إخراج في الزكاة، فيحاول أن يخرج الواجب فقط، فذاك شخص يريد الكمال في الأداء؛ وهذا شخص يريد أن يقف عند أدنى حد الإجزاء فهل هما سواء؟! ليسوا سواءً، فالشخص الذي يحاول أن يقف عند أدنى حد فيما يجزئه؛ ليس كالشخص الذي يصل إلى القمة فيما يجب عليه، فالمولى سبحانه ينظر إلى قلب هذا المؤمن، وقلب هذا المؤمن، فيضاعف لمن يشاء بقدر قوة إيمان كل منهما: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) فبقدر الإخلاص في القلب، وبقدر الإيمان تكون زيادة الأجر عند الله .
فمثلاً: في الصلاة يكون الناس في صف واحد، يركعون ركوعاً واحداً، ويرفعون رفعاً واحداً، ويسجدون سجوداً واحداً، ويكون ما بين صلاة هذا وذاك كما بين المشرق والمغرب! فهل هما سواء، ليسوا سواءً.
وبعض العلماء يقول: المضاعفة تكون خاصة للصدقة في سبيل الله، وما كان من الأمور الأخرى كصدقة لفقير أو مسكين أو لقضاء حاجة فهي تضاعف إلى حد العشرة، والذي في سبيل الله هو الذي يتضاعف إلى سبعمائة، ولكن قد تضاعف صدقة المسكين في حاجة، من الحاجات أشد خطراً، وأعظم بالاً، وأشد احتياجاً عند هذا المسكين من تلك الأموال التي تذهب في سبيل الله، فالمضاعفة تكون بحسب الواقعة وبحسب الشخص.
وقالوا أيضاً: الحسنات تزداد وتتضاعف بحسب قلب صاحبها ويقينه وإيمانه، وقد جاء عنه ﷺ فيما يتعلق بالحلق والتقصير للتحلل من الحج أو العمرة أنه دعا للمحلقين ثلاث مرات فقال: (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين، وفي الثالثة قال: والمقصرين) فحينما دعا ﷺ بهذه الصورة، قالوا: يا رسول الله! ما بال المقصرين؟ أي: لماذا لم تترحم عليهم؟ وما بال المحلقين تخصهم بهذا الدعاء؟ قال العلماء: المحلقون ما كانوا في أي شك، وما شكوا في الأمر بالتحليق، فحلقوا شعورهم وهم موقنون كل اليقين بأن هذا هو الحق، وأن هذا هو الحكم، وأن هذا هو امتثال أمر الله ورسوله؛ لأنه أمرهم أن يحلقوا رءوسهم، ولكن المقصرين لم يطمئنوا لذلك، فكأن المقصر يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، والمقصر مقصر في حد ذاته كما يقولون.
إذاً: ليسوا سواء، وفرق بين الذي يقبل على العلم إيماناً ويقيناً وبين الذي يدفع إليه دفعاً.
إذاً: تتضاعف الحسنة بحسب ميزان الإيمان في قلب المؤمن.
стр. 782
مضاعفة الحسنات في الأوقات والأماكن الفاضلة
وتتضاعف الحسنات أيضاً بحسب المكان والزمان، ومضاعفة الحسنات في الزمان والمكان جاءت فيه النصوص الكثيرة، فمن حيث الزمان نعلم أن الرسول ﷺ فضل بعض أوقات الزمن من ساعة ومن يوم ومن ليلة ومن شهر على بعض، وكل ذلك جاءت فيه النصوص.
فمن المفاضلة في ساعة من الأربع والعشرين الساعة ساعة يوم الجمعة، قال ﵊: (فيه ساعة لا يوافقها عبد قائم يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه) ، وهذه ساعة في يوم الجمعة، ويوم الجمعة بكامله أيضاً أفضل أيام الأسبوع، وقد حثنا ﷺ على كثرة الصلاة والسلام عليه في ذلك اليوم، ووهو يوم خلق فيه آدم ﵇، وفيه أسكن الجنة، وفيه سرت الملائكة إليه، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يصادفها عبد يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه.
وكذلك عرفة، قال ﵊: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة) ، وصوم يوم عرفة يكفر سنتين، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة، فتلك الأيام لها فضائلها، وتتضاعف فيها الأعمال ما لا تتضاعف في غيرها.
وشهر رجب جاء عنه ﷺ (أن رجلاً جاءه وسلم عليه، فرد ﵇ وكأنه لم يبال به، فسأله: ألم تعرفني يا رسول الله؟! قال: من أنت؟! قال: أنا الرجل الذي جئتك العام الماضي وأسلمت ورجعت، قال: قد تغير حالك، وكانت صفتك كذا وكذا، فقال: منذ فارقتك ما أفطرت يوماً أي: كان مداوماً على الصيام قال: صم من كل شهر ثلاثة أيام، أو صم الإثنين والخميس، أو صم يوماً وأفطر يوماً، وصم من الأشهر الحرم وأفطر) ، فالأشهر الحرم يستحب الصوم فيها، والصوم فيها أفضل من غيرها.
وكذلك العشر الأول من ذي الحجة، بين ﷺ : (أنه ما عبد الله في أيام خيراً منها) ، وأقسم الله بها في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر:١] ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] .
وكذلك ليلة القدر هي خير من ألف شهر، أي: من ثلاث وثمانين سنة، فهذه من الأوقات الفاضلة التي فضلها الله على غيرها، والتي تتفاضل فيها الأعمال.
ونأتي إلى الأمكنة: فهذا المسجد النبوي (صلاة فيه تعدل ألف صلاة) ، وهذا لا يتعلق بالمصلي، إنما أوقعت الصلاة في مكان منحه الله فضل مضاعفة الصلاة، وجاء في حديث ضعيف مذكور في أعذب الموارد: (رمضان بالمدينة يعدل سبعين رمضان في غيرها) ، لكن هذا حديث سنده ضعيف، لكن حديث (ألف صلاة) صحيح ثابت.
وإذا جئنا إلى مكة: (فصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة) ، فالأمكنة تتضاعف فيها الحسنات.
стр. 783
مضاعفة السيئات
وهل السيئات تتضاعف أيضاً؟ الحديث فيه: (ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) ، إن قيل: كيف يهم بالسيئة وإذا لم يفعلها تكتب له حسنة، فكل الناس يهمون بالسيئات؟!
الجواب
إذا هم بالسيئة وترك فعلها، فإنا نسأل: ما موجب الترك؟ هل تركها رغبة عنها من أجل خوفه من الله، أو تركها لعارض منعه قهراً؟ يختلف العلماء في هذه النقطة فقط، فبعضهم يقول: إن هم بالسيئة ولكنه لم يفعلها لمانع قاهر له، فإنه يأثم على هذا الهم، يقولون: لأنه يوجد خاطرة وفكرة، وهمٌّ وعزيمة.
فالفكرة والخاطرة: شيء يخطر بالبال ويمر، ولا يبقى عندك، ولا تتردد الخاطرة في فكرك، فإن استقرت في قلبك فهي هَمٌ وتصميم، فإن أردت التنفيذ فهو العزم، فالعزم هو: الهم الأكيد، والهم والهمة: أخذ الأهبة للعمل.
فإذا هم الرجل بسيئة فننظر: هل أخذ في أسباب تحقيقها أم هو مجرد خواطر تجول في ذهنه؟ فإذا كان مجرد تفكير بلا عزم، والهم بالتنفيذ لم يأت بعد، فيتفق العلماء على أن مجرد الخواطر ومجرد التفكير قبل الأخذ في أسباب التنفيذ لا يؤاخذ عليها، كما قال ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم) فحديث النفس خواطر لا يؤاخذ بها.
لكن إذا جالت الفكرة في فكره وذهنه ثم رسخت وأصبحت عزماً، وهم بالفعل، ولكن عرض له عارض خارج عن إرادته منعه من التنفيذ مع وجود التصميم منه، فهل يقال: تكتب له حسنة، أو تكتب عليه سيئة؟ بعض العلماء يقول: هذه لا يسلم منها؛ لأنه ما منعه من السيئة إلا شيء خارج عن إرادته، وعزمه لا زال موجوداً، فهذا العزم المؤكد على فعلها الذي لم يتراجع عنه يؤاخذ عليه، واستدلوا بحديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) ، وهذا الذي كان حريصاً على قتل صاحبه هل موقفه مجرد الحرص ومجرد العزم أم أنه باشر أسباب القتل؟ باشرها، والتقى بخصمه، وجعلا يتضاربان ولكنه عجز، فوجد مع الهم: العزم والتصميم والأخذ في الأسباب ومباشرة السبب، ولكنه عجز، فهذا يأثم على همه هذا، ومثله كمثل شخص أراد أن يسرق، وجلس في بيته، وقال: والله! فلان بيته خالٍ، فلو كسرت القفل، ودخلت لآخذ الفلوس، ثم أشتري سيارة وأذهب إلى مكان كذا، وأخذ يبني قصوراً على الرمال في الخيال وهو في محله! وقال: ليس هذه الليلة، لكن غداً، حتى ما قال: إن شاء الله غداً أذهب وأنفذ، وبات على هذا، وجاء بالمقص الذي يقص القفل، وتركه عنده إلى يوم الغد، ولكن في الغد لم يذهب، وقال: ربما تأتي الشرطة، وربما يأتي صاحبه، وربما المسألة تصل إلى قطع اليد، فترك السرقة، ماذا تقولون في مثل هذا؟ إنه ترك السرقة مع عدم الأخذ بالأسباب، ولم يأت إلى خطوة التنفيذ، فتكتب له حسنة؛ لأنه رجع من قبل نفسه، لكن إذا ذهب بالمقص، ووضع المقص على القفل، وصار يحاول كسره، فسمع نحنحة الحارس آتياً فرمى بالمقص وهرب، فهل هذا هم بسيئة فلم يفعلها، فتكتب له حسنة؟ بل تكتب عليه سيئة واحدة فقط، وهذا من رحمة الله الواسعة، فإنه لم يكتبها سيئتين، وهذه الصورة لا يسلم منها، ولا تكتب له حسنة، والحديث يقول: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) ، فهل ندخل بينه وبين رحمة الله الواسعة؟! لا، ولكن لا نترك الناس يعبثون.
إذاً: اختلف العلماء فيمن هم بالسيئة، وأعد لها كل العدة، ولم يمنعه منها إلا مانع قهري، فقيل: كيف تكون له حسنة في ذلك؟ والرسول ﷺ وإن أطلق لكن مقتضيات الأحكام العامة أو مقتضيات النصوص كلها تدل على أنه يأثم، كحديث: (إنما الدنيا لأربعة ... ) وذكر أن أحدهم قال: لو أن لي مالاً لعملت من الخير مثلما يعمل فلان، فهما سواء في الأجر، (ورجلاً لم يعطه الله مالاً، ولم يعطه علماً) ، فلم يعرف حق الله فيه، فهو في أسفل السافلين؛ لأنه صرف ماله في معصية الله، وعمل المعاصي بالفعل، والرجل الثالث: لم يعطه الله مالاً، ولم يعطه علماً، فقال: لو أن لي مثل مال فلان لعملت من الخير ومن المتعة والشهوة مثل ما يفعل فلان، فهو مثله في الإثم، فهذا ليس لديه المال، ولكن تمنى أنه لو تمكن لفعل كما فعل فلان، فلحق به في الدرك الأسفل، فهو همّ وتمنى أن يكون ولكن أعجزه قلة المال.
فإذاً: العزم المصمم الذي يجعل الشخص حريصاً على المعصية، ولم يكف عن المعصية إلا لعارض منعه قهراً؛ فهذا يأثم.
стр. 784
أنواع الهم
خلاصة كلام العلماء في قوله: (هم بحسنة، وهم بسيئة) : الهم همان: ١- هم مؤكد ومصمم على الفعل بعزم، ولم يمنع منه إلا العجز، كحديث: اللذين التقيا بسيفيهما، فالقاتل موجود همه وعزمه، والمقتول لا ينقص عنه في الهم والعزيمة، ولكن القاتل ظفر بالقتل، والمقتول عجز، فقبل وقوع القتل هما لا يتفاوتان في الهم والعزيمة بل هما سواء، فكل منهما حريص على قتل الآخر، فوجد الحرص والهم المؤكد من كل منهما.
٢- هم بمجرد الخطرات، مثل رجل أراد أن يسرق وفكر وعمل كل التخطيط، ولكن لم يرد التنفيذ، وما عنده عزم، بل هو مجرد خاطرة في البال، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نقنع بالقليل، ونترك الذنب، فتأتي الفكرة تراوده مرة أخرى في أن يسرق دكان فلان، ثم يقول: لا، هذا مال زائل، وسيأتي ثم يذهب في طريقه، وما أتى بالحرام سيذهب في الحرام، وسأقنع بما أعطاني الله، فهذا الذي يفكر في مجرد السرقة، ولم يكن عنده التصميم والعزم الأكيد، ولم يذهب بالفعل إلى المحل الذي يريد سرقته، فله حسنة.
إذاً: الهم الذي يصحبه العزم المؤكد شيء، والهم الذي هو مجرد خاطرة في البال شيء آخر، ومن هنا يبحث العلماء في تفسير قوله تعالى في قصة نبي الله يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع زوجة الملك: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] ، هل كان الهم من الجانبين متساوياً؟ لا والله! قالوا: إن همها كان مع سبق الإصرار والعزم المؤكد؛ لأنها كما قال الله: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] أي: هلم، أو تهيئت لك، فعندها عزم مؤكد وتصميم سابق على ما تريد، ولكن هم يوسف هو أمر خاطر، وهمه بها ليس هو الهم الذي يؤدي إلى الفعل، فرأى برهان ربه، فهمه هو: الخاطر والغريزة الجبلية في الإنسان، لكنه قاومها ودافعها، ولم يسترسل مع خواطر نفسه مثل زوجة العزيز، فإنها لم يمنعها من تنفيذ ما كانت تريده إلا ما قاله الله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] ، فهمها وهم يوسف مختلفان، ولذا قال الشاهد من أهلها: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
يهمنا قوله في الحديث: (من هم بسيئة فلم يعملها ... ) ، لماذا لم يعملها؟ جاء في بعض الروايات: (إنما تركها من جرائي) ، أي: تركها مخافة الله، فهذا الخوف من الله هو سبب الحسنة التي تكتب له، فكأنها توبة من جديد.
إذا قدر أنه عمل سيئة بالفعل: سرق أو زنا أو كذب فتكتب له سيئة واحدة، ولم يقل: كاملة كما نبه عليه المؤلف ﵀، فالحديث أكد الحسنة بأنها كاملة، حتى لا يظن أنها الحسنة رقم اثنين أو رقم ثلاثة، بل هي حسنة كاملة رقم واحد، وجاء هنا بسيئة، وما قال: سيئة كاملة؛ لأن سيئة الفعل ليست كحسنة الفعل، بل قال: (كتبها سيئة واحدة) ، وكأن في كلمة (واحدة) نوع من التقليل، نعم هو لم يقل: ناقصة، لكن الفرق في اللفظ واضح، وهو يعطينا نوع تخفيف، ويشعرنا بذلك أنه جاء في بعض الآثار أن العبد إذا أذنب يقول ملك الحسنات لملك السيئات: انتظر لعله يستغفر، انتظر لعله يتوب، إذاً: هي سيئة واحدة، لكنها قابلة للمحو، وقابلة للإزالة، فقد تزول بأي مكفر من مكفرات الذنوب.
يقول العلماء: الحسنة والسيئة تتضاعف -كما أشرنا- بالزمان، وتتضاعف بالمكان، وتتضاعف بالأشخاص، فالصلاة تتضاعف في هذا المسجد النبوي الشريف، والحسنة أيضاً تتضاعف في مكة، وجاء في حديث مضاعفة السيئة في مكة، ولم يأت ذلك في المدينة، بل في مكة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] ، فقال: (ومن يرد) ، وقد سئل أحمد ﵀: هل يحاسب العبد على همه بالمعصية؟ قال: لا، إلا بمكة، ولو كان في عدن ونوى قتل إنسان عند البيت لكتب عليه الوزر، ولو كان خارج مكة ونوى ارتكاب الإثم في مكة فإنه يضاعف له الإثم على ذلك.
ولذلك يقول العلماء: من عصى الملك في بلاطه أو على بساطه ليس كمن يعصي الملك وهو في آخر مملكته وفي آخر بلاده، ولله المثل الأعلى، فحرمة البيت عظيمة عند الله؛ وقد قال ﷺ : (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فلا تحل لأحد، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها إلى يوم القيامة) ، ومن هنا كان لها أحكام خاصة، وقال الله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] ، يأمن فيه الإنسان والحيوان والطير، بل حتى الشجر يأمن أن تقلعه أو تعتدي عليه؛ لأنه في حرم الله، فهو مأوى كل مسلم من مشارق الأرض ومغاربها، فإذا لم يكن الإنسان آمناً على نفسه، آمناً على ماله فكيف يؤدي حق الله؟!
стр. 785
الأشهر الحرم
وجعل المولى سبحانه في السنة أزمنة محرمة، وكان العرب في الجاهلية يعظمونها، وكانوا يكفون عن القتال والأذى فيها، وهي الأشهر الحرم.
قال الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة:٣٦] أي: تعظيم حرمات تلك الأشهر ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] ، والأشهر الحرم هي: شهر رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثلاثة أشهر متواليات، ورجب الفرد.
وقال الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ، وما هي الأشهر المعلومات؟ هي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فشوال انفرد بأشهر الحج، والمحرم انفرد بالأشهر الحرم، وذو القعدة وذو الحجة اشتركا في أشهر الحج والأشهر الحرم، فإذا كان شوال وذو القعدة وذو الحجة هي أشهر الحج، والمحرم من الأشهر الحرم، فالمولى سبحانه يقول: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢] ، فيحرم على الناس في منازلهم، وعلى القبائل في أماكنهم، أن يحلوا شعائر الله، ولا آمين البيت الحرام الذين يبتغون فضلاً من الله.
أي: فلا تحلوا الأشهر الحرم، ولا تحلوا الشعائر، ولا القلائد، ولا آمين البيت، وهم قاصدو البيت الحرام من الحجاج والمعتمرين، فقد كان الحاج من قبل يأتي من أقصى الجزيرة أو من البحرين أو من دول الخليج متجهاً إلى مكة، ويحتاج في مجيئه إلى نحو شهر ونصف، فلو خرج من نصف شوال، وجاء إلى مكة، وأدرك عرفة، فيقضي شهراً ونصفاً في سفره وحجه، ثم إذا أراد أن يرجع فمعه بقية ذي الحجة وشهر المحرم، فيذهب الحاج الذي من أقصى الجزيرة ويرجع إلى أهله في الأشهر الحرم، وهو معصوم الدم، آمناً من تلك القبائل، فوقت الحج يتزامن مع الأشهر الحرم لتحفظ حرمة الحاج.
وفي الوقت الحاضر يأتي الحجاج من الصين، ومن موسكو، ومن واشنطن، ومن أقصى العالم، فقد يصل في عشر ساعات بالطيران، فيأتي ويرجع في الأشهر الحرم، وإذا وصل إلى مكة فهو في الأشهر الحرم، وفي البلد الحرام، فحينئذٍ يؤدي حجه آمناً مطمئناً، قد أمنه المولى، ومن اعترض الحاج، ومن أزعج الحاج أو أزعجه أو أقلقه أو أخافه؛ فهو محارب لله؛ لأن الله أمنه، فيأتي هذا ويخفر ذمة الله.
الله يقول: يا عبادي! هلم إلى بيتي آمنين، بيتي أعددته لكم ومن دخله كان آمناً، ثم يأتي هذا ويتعدى على من أمنهم الله! وهم في غفلة عن هذا، فكل من أهاج حاجاً، وكل من آذى مسلماً جاء للحج، وكل من أخاف إنساناً في حرم الله، فقد توعده الله بالعذاب الأليم.
لو أن إنساناً دخل بيتك، ثم جاء إنسان وفتح الباب واعتدى عليه، فقد اعتدى على صاحب البيت أيضاً، فالمولى سبحانه جعل الحرم آمناً، وجعله عتيقاً من الجبابرة، وأمن هواءه وأرضه وسماءه، ثم يأتي إنسان فيستهين بتلك الحرمة، ويعتدي على حرم المولى لعباده الذي جعله آمناً فوالله إنه لإجرام كبير، ولا يؤمن على هذا المعتدي مكر الله.
стр. 786
حرمة المسجد الحرام
إذاً: الحسنة تتضاعف، والسيئة تتضاعف بعظم حرمة المكان؛ ولهذا قالوا: من قتل في الحرم نفساً خطأً فالدية تغلظ، ونحن نعلم بأن القتل نوعان: عمد وخطأ، والعمد فيه القصاص إلا أن يعفو أهل الدم، والخطأ فيه الدية مائة من الإبل، لكن إذا وقع القتل خطأً في الأشهر الحرم أو في حرم مكة، فينص الحنابلة على أن الدية تتضاعف، أي: تغلظ، والدية قد تكون مغلظة وقد تكون عادية، فالدية العادية مائة من الإبل أياً كانت، ولكن المغلظة منها أربعون ناقة حاملاً، وأين يجد أربعين ناقة حاملاً؟ فهذا من باب التغليظ بسبب حرمة المكان والزمان.
قالوا: من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، إلا إذا كان في مكة، فإنه يؤاخذ على هذا الهم، فإن عملها ضوعفت عليه السيئة، قال مجاهد وهو ممن أخذ عن ابن عباس: الحسنة تتضاعف في مكة والسيئة كذلك، ومن هنا لما أمر أمير المؤمنين عمر ﵁ ابن عباس أن يقيم للناس الحج، أي: يكون مفتياً للحجاج، قال: لا أستطيع أن أسكن بلداً تتضاعف فيه السيئة كما تتضاعف فيه الحسنة، ولكن أسكن الطائف، وإذا جاء وقت الحج نزلت إلى مكة مدة الحج، فسمح له بذلك، ثم توفي ابن عباس في الطائف لهذا السبب.
стр. 787
فضل الله تعالى في مضاعفة الحسنات
فهذا الحديث يبين كيفية تعامل العبد مع ربه، وكيفية تعامل الملائكة مع العبد، وقد روي عن ابن مسعود وعن أحمد قالا: ما أهلكه من غلبت عشراته آحادُه، أي: الحسنة بعشر، والسيئة بواحدة، ومع هذا فمن الناس من يأتي يوم القيامة وسيئاته أكثر عدداً من حسناته! فالمولى يضاعف لك الحسنة بعشر، ولا يحاسبك على السيئة إلا بواحدة ما لم تتب وتستغفر، ومع هذا كله تكون حصيلة السيئات عندك يوم القيامة أكثر من الحسنات! فلا يهلك على الله إلا هالك.
روى النسائي وأبو داود وأحمد ﵏ أن النبي ﷺ قال: (خصلتان لا يحافظ عليهما مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسيرتان، وقليل من يفعلهما! إذا قال بعد كل صلاة: سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، عشراً عشراً، فتلك خمسون ومائة) أي: لأن كل واحدة عشر مرات، فهي ثلاثون، يقول ذلك عقب كل صلاة، فثلاثون في خمس صلوات بمائة وخمسين، قال: (وإذا أوى إلى فراشه سبح الله وحمد الله وكبره مائة مرة، فتلك خمسمائة وألفا حسنة) أي: لأن مائتان وخمسون في عشرة بـ (٢٥٠٠) ، قال: (وهو لن يفعل سيئات بهذا العدد) ، أو كما قال ﵊.
وهذا الحديث والتوجيه النبوي الكريم معادلة، لتعرف كم حسناتك في اليوم وكم سيئاتك، فإذا حرصت على سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، عقب كل صلاة عشراً عشراً، كان مجموع ذلك مائة وخمسين؛ فمائة وخمسون في اللسان، ولكن في الميزان تكتب ألفاً وخمسمائة؛ لأن مائة وخمسين في عشرة بألف وخمسمائة، وعند النوم تقولها مائة مرة، فهي بألف، فيكون لديك ألف وخمسمائة عقب الصلوات ولديك ألف عند الإيواء إلى الفراش، فمجموع الحسنات عند الله ألفان وخمسمائة حسنة، ولن يعمل العبد إن شاء الله سيئات بقدر ذلك.
فلو عملنا هذا، فحصيلة الحسنات أكثر بلا شك، فما عمل من خير بعد ذلك فهو فضل له، وهو سيعمل خيراً غير هذا؛ فسيلقي السلام، وسيلقى أخاه بوجه طلق، وسيعاون هذا، وسيتصدق، وسيقول كلمة الحق، وكل ذلك حسنات له، ومع هذا كله يأتي إنسان يوم القيامة وسيئاته أكثر من حسناته!! نسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 788
الأسئلة
стр. 789
مضاعفة أجر الصدقة بحسب حاجة المسكين
السؤال
هل الصدقة تتضاعف بحسب شدة حاجة المسكين؟
الجواب
أليست الحسنات في ذاتها أيضاً تتفاضل؟ قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] يقول أبو حيان: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) فيها احتمالان: الأول: الحسنة من حيث هي من باب الحسن، والسيئة من حيث هي من باب الإساءة لا يستويان، فهذه حسنة معروفة، وهذه سيئة قبيحة، فهما متباعدان ونقيضان.
الثاني: ولا تستوي الحسنة في ذاتها، بل يوجد حسنة رقم واحد، وحسنة رقم اثنين، وحسنة رقم عشرة، وكذلك السيئة تتفاوت، وقد أشرنا إلى تفاوت الحسنات بحسب عمل العبد، وقد قال ﷺ لأصحابه: (سبق درهم مائة ألف درهم!) ، والدرهم واحد، لكنه يقول لهم: (سبق درهم مائة ألف درهم!!) فميزان العقل والمنطق والحساب والرياضيات يتساءل: كيف هذا والجنس واحد؟! فالدرهم هو الدرهم، وهذه مئات الآلاف من الدراهم، فكيف هذا العدد كله يتأخر ويسبقه درهم واحد؟! فبين ﷺ ذلك فقال: (رجل معه درهمان، فتصدق بأحدهما، ورجل عنده مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف وتصدق بها) .
فانظروا هذه المقارنة، فشخص عنده درهمان فقط، فتصدق بواحد، فنسبة الصدقة من رأس المال (٥٠%) ، والباقي معه بعد الصدقة (٥٠%) ؛ لأن الباقي واحد فقط، وهذا الذي عنده مال كثير، مثلاً مليون، وجاءه مشروع من المشاريع، فمرة يبيع بيته أو يبيع أرضه فربح عشرات الملايين، وقال: هذه مائة ألف، أو مائتا ألف ريال صدقة، فلو تصدق صاحب عشرة ملايين بمائتي ألف، فالمائتا الألف من العشرة الملايين، نسبتها واحد من مائتين، فأين واحد من مائتين من خمسين في المائة؟! فهي نسبة مئوية بعيدة جداً.
ولو أن صاحب العشرة الملايين تصدق بمليون، فهي عشرة بالمائة وسيبقى له بعد ذلك تسعة ملايين، ولا يشعر بشيء خسره.
إذاً: هناك فرق كبير بين القلب الذي يسخو بنصف رأس ماله ولم يبق بيده إلا درهم واحد، والشخص الذي تصدق بشيء لم يشعر به، ويبقى عنده ما يغطي ما تصدق به عشرات المرات، فالدرهم الواحد إذا خرج من قلب نقي، وصاحبه يكثر من ذكر الله، فهو أفضل من صاحب المئات التي خرجت من قلب لا يحس بأثرها كإحساس قلب صاحب الدرهمين، ومن هنا تتفاضل الحسنات فيما بينها.
وأنت لو تصدقت لإنسان محتاج، وعنده (٧٠%) من قدر حاجته، فأعطيته (٣٠%) لسد حاجته، وأتيت لإنسان محتاج لـ (١٠٠%) ، وأعطيته (٢٠%) من حاجته، فهل صدقة (٢٠%) التي أعطيتها لهذا تعادل (٣٠%) التي كملت بها لصاحب السبعين؟ وأيهما أشد سداداً لصاحبها؟ فصاحب (٧٠%) لا بأس بحاله، حتى لو كان صاحب (٥٠%) ، لكن هذا الذي ليس عنده شيء، فهو مسكين لاصق في الأرض كما قال الله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] ، وليس لديه شيء يحركه، فأنت حركته وأنعشته بصدقتك، فهي أفضل.
إذاً: الحسنة في ذاتها تتفاوت بحسب حاجة المحتاج، كما أنها تتفاوت بتفاوت الزمان والمكان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه.
стр. 790
شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والثلاثون
стр. 791
شرح حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ... )
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري] .
стр. 792
الزيادات التي لم تثبت
هذا الحديث النبوي الشريف يعتبر عند العلماء من أشرف وأخص ما جاء في فضل أولياء الله سبحانه.
وهذا الحديث بهذه الألفاظ قال النووي هنا: رواه البخاري، وظن بعض الناس أن البخاري انفرد به، ولا يوجد الحديث في كتب السنن سوى البخاري، ولكن يوجد هذا الحديث أيضاً في حلية الأولياء، وذكره السيوطي في رسالة مختصرة، وكتب فيه الشوكاني كتاباً مستقلاً سماه: قطر الولي بشرح حديث الولي، وقد طبع كتابه هذا، وذكر أن أحمد ﵀ ذكره في كتاب الزهد، وكذلك البيهقي؛ ولكن لضيق الوقت لم أتمكن من الاطلاع عليه في كتابي أحمد والبيهقي، وهو موجود بنصه في الجزء الثامن من حلية الأولياء، وأنصح طالب العلم ألا يكتفي بكتاب البغية الذي فهرس أحاديث الحلية؛ لأن هذا الحديث بالذات سقط من الفهرس، وهو يوجد في الجزء الثامن في ترجمة الحسن بن يحيى بن الحسنين.
وقد تكلم عليه ابن حجر فيما لا يقل عن خمس أو ست صفحات في الجزء الحادي عشر من فتح الباري في كتاب التواضع.
واستشكل بعض العلماء فقال: ما علاقة هذا الحديث باب التواضع؟ وإذا رجع طالب العلم إلى مرجعه فسيجد الجواب على ذلك مفصلاً، ويقول الشوكاني في كتابه على هذا الحديث: لم يكن عندي أثناء شرح هذا الحديث سوى فتح الباري لـ ابن حجر.
إذاً: هذا الحديث له أهميته، وعني به شراح الأربعين النووية، وفعلاً عني به أيضاً ابن حجر، وشرحه على ما جاء بألفاظه التي سمعنا.
ونحب أن ننبه أنه سبق وأن ذكرنا هذا الحديث عرضاً في بعض الليالي، وذكرنا في آخره زيادة كنا نحفظها أثناء الطلب، وسمعناها من مشايخنا، وفسروها لنا بما يتفق مع معنى الحديث، والزيادة هي: (وجعلته عبداً ربانياً يقول للشيء: كن، فيكون) ، وتساءلنا: ما معنى (عبداً ربانياً يقول) إلى آخره؟ فقالوا: يجعله مجاب الدعوة، ولكن بما أن الأمر نص عن رسول الله ﷺ ، فقد بحثنا عن تلك الزيادة في المراجع فلم نجدها، وبلغني أن بعض الإخوة يجتمعون عند فضيلة الشيخ حماد الأنصاري -وكلنا يعرف سعة مكتبته وعلمه- ويبحثون عن تلك الزيادة، وأعتقد أن تلك المراجع كلها لم تذكرها؛ ولذا أحببت التنبيه على ذلك؛ ليعرف طالب العلم أنها لا توجد في كتب السنن، والأولى التحفظ من ذكرها، وما جاء في الحديث في صحيح البخاري فيه الكفاية؛ لأن الله سبحانه قال: (لئن سألني لأعطينه، ولئن استنصرني -وبعض الروايات- استنصر بي لأنصرنه) وسيأتي تفصيل ذلك.
وفي هذا المسجد النبوي الشريف دروس وعبر لطالب العلم، وأذكر هذا لا اعتذاراً في الموقف، ولكن بياناً للمنهج، وقد اجتهد عمر رضي الله تعالى عنه، وأراد أن يحدد المهور اجتهاداً منه، فتقوم امرأة وتقول: ليس لك ذاك يا عمر! والله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠] فكيف تحدد شيئاً لم يحدده الله في كتابه؟! فقال عمر وبملء فيه، وعلى رءوس الأشهاد، وعلى منبر رسول الله ﷺ : أخطأ عمر، وأصابت امرأة.
ولقد رفع ذلك عمر عند أصحابه.
وفي هذا المكان بالذات، وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في دروس رمضان في التفسير، وعند الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٦] إلى آخر الآية، قال: أيها الإخوة! كنا قلنا سابقاً أن تلك الأشهر قد نسخت، ونسختها آية السيف -كما يقول بعض المفسرين-، ولكن بعد التأمل والبحث ظهر لنا أنها لم تنسخ، وأنها باقية على حرمتها، فأحببنا أن ننبه الإخوان على ما سبق أن قلناه.
وهكذا أيها الإخوة! يبلغ الحاضر منكم الغائب أن تلك العبارة بحثتها شخصياً في تلك المراجع، فلم أجد لها ذكراً في تلك المراجع؛ ولذا نقف على ما جاء في صحيح البخاري، وما جاء في الحلية بزيادة بعض الألفاظ فنعرض لها عند شرح الحديث إن شاء الله، وأحمد الله مرة أخرى، وأشكر الإخوة الذين نبهوا على ذلك، والحمد لله.
стр. 793
من هو الولي ؟
يقول ﷺ فيما يرويه عن ربه سبحانه أنه قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ، هنا يقف العلماء عند: (من عادى لي ولياً) من هو الولي؟ وكيف يعاديه؟ وكيف يؤاذنه الله بالحرب؟ وهل كل عداوة تدخل في هذا؟ يقول العلماء: الولي من نص القرآن الكريم عليه بقوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ومن قانون اللغة العربية في البلاغة -في مبحث الوصل والفصل في البيان- أن الجملة إذا كانت جديدة تعطف بالواو، وإذا كانت مفسرة أو مرتبطة بما قبلها كأن تكون جزءاً من كل، أو بياناً لمجمل، فإنها لا تعطف بالواو ولكن تأتي تابعة لها، وأشرنا إلى ذلك مراراً، وهذه القضية البلاغية تحل إشكالات كثيرة عند طلبة العلم في مآزق المواقف، وخاصة في مواقف العقائد.
بيان لذلك: تجد في مستهل المصحف الشريف قوله سبحانه: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] (هُدًى) لمن؟ (لِلْمُتَّقِينَ) ثم جاء بعد ذلك بأوصاف لأشخاص، وهل الأوصاف جاءت معطوفة بالواو أو جاءت متصلة بدون عطف؟ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢-٣] ولم يقل: (هدى للمتقين والذين يؤمنون بالغيب) لا، يقول البلاغيون: لو قيل: ومن المتقون الذين يهتدون بالكتاب؟ قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] ، ولو جاء بالواو لكانت مفرقة، وكان عندنا قسمان: لو قيل: (هدى للمتقين، والذين يؤمنون بالغيب) يبقى عندنا متقون، وعندنا مؤمنون بالغيب.
إذاً: الوصل والفصل في البيان هو سر البلاغة، ومن هنا: أجاب أحمد بن حنبل ﵀ على من استشكل أمر المعية، وهي إثبات ما جاء في كتاب الله بدون تأويل ولا صرف للمعنى، وذلك في قضية نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، عندما قال المولى سبحانه لما أرسله وأخاه إلى فرعون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة:٧] وبمجموع هاتين الآيتين قال أحمد ﵀: إن معية الله لموسى وأخيه تفسر بما بعد المعية ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ ولم يقل: (وأسمع وأرى) ، وإلا كانت معية سمع ورؤية، ولكن قال: (أسمع وأرى) ، وهي عين المعية التي بينها ، فهي معية تأييد ونصرة، وهي عين المعية في غار حراء مع النبي ﷺ في قصة الهجرة عندما خرج ﷺ قال تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، قالها ﷺ حينما قال أبو بكر: والله! يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى تحت قدمه لأبصرنا، قال: (ما بالك باثنين الله ثالثهما؟) ، المولى بين لموسى بقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، ومعية الله العامة هي لجميع الخلق بالعلم والاطلاع: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ، وأحمد قال: اقرأ ما قبلها واقرأ ما بعدها ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا﴾ [المجادلة:٧] وآخرها: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] قال: بدأها بالعلم وختمها بالعلم فهي معية علم، ومعية العلم لجميع الكائنات مستوية، ولكن معية التأييد والنصرة خاصة لرسله ولأوليائه.
إذاً: الولي من الموالاة، والموالاة القرب، والعداوة من العدوة، والعدوة البعد يقال: عدوة الوادي أي: كل واحدة في جانب، وهنا قوله: (من عادى لي) يقول ابن حجر: واستشكل العلماء كلمة (عادى لي) ، فالمفاعلة هنا معاداة مع أن ولي الله لا يعادي أحداً؛ لأنه متصف بالحلم ومكارم الأخلاق وسعة الصدر، فكيف تكون المعاداة بين ولي الله وبين شخص آخر؟ وأجيب عن ذلك: بأن المعاداة هنا: إنما هي من جانب واحد، كما تقول المعاناة حين تعاني الأمر، وكذا يقال: المسافر وليس مفاعلاً مع شخص آخر، والمقاتل والمزاحم معه شريك، والمناقش والمجادل معه شريك، ولكن المسافر ليس معه إنسان مفاعل معه، إذاً: المعاداة هنا تكون من جانب واحد.
стр. 794
المعاداة التي تستوجب محاربة الله
هل كل معاداة لولي تستوجب حرباً لله؟
الجواب
لا، ولقد وقع النقاش والخلاف في أمور دنيوية بين خيرة الأمة وأكرمها عند الله، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، فهل كانت معاداة؟ قالوا: لا، والخصومة في أمر الدنيا من طبيعة البشر، فـ عمر ﵁ اختصم مع أبي بن كعب في نخيل، وقال أبي: ألأنك أمير المؤمنين؟! وهذه خصومة، فقال: لا والله! اختر من شئت نحتكم إليه، قال أبي: نحتكم إلى زيد بن ثابت، ويذهب أمير المؤمنين مع خصمه إلى دار زيد، ويدخلان معاً، فيقول زيد: هلم يا أمير المؤمنين! فيقول عمر: لا، ما جئتك أميراً للمؤمنين، إنما جئتك مختصماً مع خصمي، فقال: اجلس مع خصمك، فيجلس مع خصمه، فقال زيد: ما دعواك يا أبي؟! قال: نخل لي في كذا وكذا، قال زيد: ألك بينة عليها؟ قال: لا، وأطلب يمينه، فتساهل زيد وقال: أوَتعفي أمير المؤمنين من اليمين؟ فصاح عليه عمر: ويحك! جرت في الحكم، أكل الناس تشفع فيه في الحكم؟! لماذا لا توجه إليّ اليمين؟! قال: أتحلف؟ قال: نعم أحلف، فحلف عمر، وبمقتضى عدم البينة، وحلف المدعى عليه، برئت ذمته، وحكم بالنخيل لـ عمر، وصرف النظر عن دعوى المدعي، وهذه خصومة في القضاء، لكن هل هي معاداة لولي الله؟ لا والله! إنما هي أمور جبلية في أمور الدنيا، ومن هنا يقول العلماء: (من عادى لي ولياً) ، ليس منه المطالبة بحق شرعي، ولنأت إلى سر الحديث وإلى البلاغة التي تُشم ولا تُلمس في هذا اللفظ النبوي الكريم، تحسسوا معي يا إخوان! (من عادى لي ولياً) ، ولم يقل: من عادى ولياً لي، بل (من عادى لي ولياً) ، فهل تجدون فيها فرقاً أم لا؟ الذوق البلاغي هنا: بتقديم (لي) على (ولياً) ، فإن تقديم الجار والمجرور هنا، وإضافته إلى المولى سبحانه يُشعر بأن المحاربة تكون لمن عادى الولي لكونه ولياً لله، أما لو قال: (من عادى ولياً لي) ، فقد يكون هذا الولي عنده ما يوجب المعاداة، لكن (من عادى لي) ، يعني: من أجلي وبسببي وباسمي، فمن عاداه وهو ينتمي إليّ فقد آذنته بالحرب، والحديث في بلاغته يُشعر بأن العداوة المنهي عنها والمحذر منها هي أن يعاديه لكونه ولياً لله، ومن الذي يعادي ولي الله لولايته لله؟ نعلم جميعاً أن ولاية الله لا تحصل بالمعصية والفسوق والخروج على كتاب الله وسنة رسوله، ولا بمخالفة الإجماع وشق عصا المسلمين، فهذا الحديث -كما يتفق العلماء- يعتبر فاصلاً بين الحق والباطل.
ولي الله فعلاً كما جاء في الكتاب الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس:٦٣] ، ومقتضى الإيمان: الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله، والإيمان يستلزم العمل بالحق والتمسك به، فقولك: آمنت بالله، تؤمن بكل صفات الله، وتؤمن بكل ما جاء عن الله، ومما جاء عن الله كتابه سبحانه ورسوله الذي ارسله إلينا، فمن مقتضى الإيمان الإيمان برسالة النبي ﷺ ، فتلتزم كل ما جاءك به.
عندما تقول: (لا إله) نفيت الآلهة كلها بكلمة (لا) ، فإذا جئت تقول: (إلا الله) ، (إلا) أداة استثناء، وما بعدها يغاير ما قبلها، فنفيت عموم الآلهة كلها، وأثبت إلهاً واحداً وهو الله، فإذا اتخذت شريكاً مع الله، وقربت قرباناً لغير الله، ناقضت ذلك، ولم تكن ملتزماً بها، فلا يصح قولك: (لا إله إلا الله) إلا بنبذ جميع الآلهة سوى الله، وقد فهم ذلك المشركون تماماً وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، فلا يكون مع الله أحد.
стр. 795
أول نداء في القرآن
بمقتضى إيمانك برسول الله، تؤمن أن الرسول ﷺ أرسله الله رسولاً، وأعطاه مقومات البعثة، وهي شواهد الصدق والإرسال، كما اء في أول سورة البقرة، يقول والدنا الشيخ الأمين: هو أول نداء في المصحف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١-٢٢] هلموا! اعبدوا ربكم! الرب الموجد المربي المدبر كما روي في الحديث: (أدبر عبادي بما أعلم في قلوبهم) ، فرب العالمين هو خالق الكون والعوالم كلها، ومربيها على نعمه وعلى أرزاقه، وتدبيره لخلقه بما يصلحهم، هو خلقك، والذي خلقك هل يتركك؟ لا, هل خلقك وحدك؟ لا، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ثم بعد خلقك أقام لك بيتاً كبيراً جداً، فجعل الأرض فراشاً مستوية مهداً، تنبت لك تحفر فيها تشقها مسخرة لك، ليست من الحديد الصلب فتعجز عن زراعتها، وليست من الصخور التي تعجز أن تشقها، والأرض مهاداً، والجبال أوتاداً، فهي ممهدة مثل البيت الممهد بفراشه، لو فرشها لنا حريراً لكنَّا نعجز؛ لأن الحرير ما ينبت، والتربة التي عليها هي اختيار المولى تفعل فيها ما شئت، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ مثل القبة، وفي هذا البناء بمهاده وقبة بنائه ينزل الماء من السماء، فتقبله الأرض المهاد الفراش فتنبت، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٤-٣٢] .
من الذي أنزل الماء من السماء صباً؟ من الذي شق الأرض للنبات الرطب الناعم؟ من الذي جعله مثمراً حباً وعنباً وقضباً وزينوناً ونخلاً؟ من الذي ينبت هذه ويثمرها؟ إنه الله.
إذاً: يا ابن آدم! كن عاقلاً، واشكر النعمة وقابلها بأداء حق صاحبها، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢] والند المماثل المعاند، يقال: فلان شريك لفلان، الشريك قد يكون له العشر، وقد يكون ضعيفاً، وقد يكون غشيماً، شريك بتجارة وعمره ما باع بدرهم، شريك في مصنع وعمره ما صنع بآلة، ويطلق عليه شريك، لكن الند المماثل وقد يكون أحسن منك، أنت تاجر وأنا أتجر منك، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ معانداً مضاداً لله في خلقه، ثم تصرفون العبادة له، ((وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة:٢٢] ، يقول والدنا ﵀: هذه دلالة صدق على لا إله إلا الله ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ، لا والله! ما خلقنا من غير شيء، ولا خلقنا أنفسنا، إذاً: الله خلقكم غصباً عنكم، ثم يأتي دليل على أن محمداً رسول الله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] ، عبدنا الذي اصطفيناه وأرسلناه برسالة، ثم أنتم تكذبون بالرسالة، أنتم ما كذبتم بعبدنا، فأنتم تعرفون محمد بن عبد الله ﷺ ، وتعرفون مولده ونشأته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] هم ما أنكروا محمد بن عبد الله، ولا أنكروا صدقه ولكن أنكروا الذي جاءهم به ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] يا سبحان الله! ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢] أهم يقسمونها؟ لا.
هذه رحمة الله يجعلها حيث شاء، إن كنتم في ريب من هذا الكتاب الذي أنزلنا على عبدنا وهو محل الرسالة، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣] هاتوا شهداءكم، احضروا وتجمعوا وتعاونوا: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] انظروا هذه العظمة يا إخوان! ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)) وأعلم أنكم لن تفعلوا، وهل فعلوا؟ لا والله، ما فعلوا وصدق الله في قوله فيهم: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) .
، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَة﴾ [البقرة:٢٤] سبحان الله العظيم! إذاً: تصديق الرسالة أن تؤمن بهذا الكتاب، فإذا قلت: محمد رسول الله، صدقت بالرسالة التي جاء بها، ومقتضى تصديقك بالرسالة أن تعمل بمقتضاها، ونضرب مثلاً في العصر الحاضر بما يسمونه السلك الدبلوماسي، أي دولة في العالم مستقلة بذاتها، ولكن كما يقولون: الناس للناس من بدوٍ وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم لا يوجد دولة في العالم تعيش لوحدها أبداً، ولا يوجد فرد يعيش في العالم وحده، كل دولة محتاجة للأخرى، تترابط معها في تجارة في سياسية في علم، كيف تفعل؟ هل رئيس كل دولة يذهب إلى كل رئيس؟ لا أبداً، كل دولة تجعل لها سفيراً، فالدولة عندما ترسل سفيراً لها، السفير هذا ليس مرسلاً من أفراد الشعب، بل من رئيس الدولة، فحينما يذهب السفير نسمع أنه يقدم أوراقاً لرئيس الدولة التي جاء إليها، فيأخذها وزير الخارجية، ويعرض الأوراق على رئيس الدولة، وتعمل له مراسيم رسمية، ويُعلن بأن سفير الدولة الفلانية عندنا هو فلان.
فإذا جاءهم بقصاصة ورق جاءهم بتلغراف جاءهم بهاتف هل هو من عند شخصيته أم من عند الدولة التي أرسلته؟ من عند الدولة التي أرسلته؛ لأننا حينما قبلنا أوراق اعتماده فهو يعبر عمن أرسله فيما بعد، فإن كانت العلاقة دبلوماسية وسياسية ماشية طيبة فأهلاً وسهلاً، وكل شيء على العين والرأس، وإذا اختلت السياسية والعلاقة نبدأ نسوف له، والأجوبة تكون سياسية، فيقال: عفواً ما عندنا إمكانيات وطالما كانت العلاقة حسنة كانت الاستجابة سريعة، وعندما تسوء العلاقة يحصل التواء في المعاملة، فإذا وصلت إلى القمة في الإساءة قالوا: خذوا سفيركم من عندنا.
وهكذا عياذاً بالله حينما تسوء علاقة العبد بربه! يرفض معنى الرسالة! ويرفض معنى رسول!
стр. 796
من لوازم الولاية اتباع السنة
قولك (محمد رسول الله) التزام منك برسالة محمد بكل ما جاء به، فتتبع كتاب الله وسنة رسوله، والسنة مع الكتاب سواء، كما قال السيوطي: الوحي وحيان: وحي أمرنا بكتابته وتعبدنا بتلاوته، وهو القرآن، ووحي لم نؤمر بكتابته، ولم نتعبد بتلاوته، وهو السنة، وقرأ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .
وفي الآية الكريمة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] إلى آخره.
إذاً: الولي هو الذي يقوم بكتاب الله، وسنة رسوله، ويؤمن باليوم الآخر وغيرها من أركان الإيمان الستة، ولا يكفي التصديق بمجرد يوم سيأتي، بل يلزم أن يؤمن بكل مواقفه، وما جاء من أخبار اليوم الآخر من البعث والحساب والميزان والصراط والجنة والنار وحوض لكل رسول، وللرسول ﷺ حوض، فكل ما جاء به الخبر عن يوم البعث فهو داخل تحت عنوان: (والإيمان باليوم الآخر) .
فولي الله حقاً هو الذي التزم بحقيقة الإيمان بالله، وبرسول الله ﷺ ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] .
إذاً: معاداة ولي الله، لا تكون بأذيته في البيت والجوار أو بحد الأرض، لا والله، إنما تكون فيما كان به ولي لله بإيمانه وتقواه، فمن عادى ولياً مؤمناً تقياً في إيمانه وتقواه فهو المحارب لله، يأتي جاهل ويحارب العلماء! يأتي حاقد ويحارب ويكره ويبغض أصحاب رسول الله! يأتي حاقد ويكره إنساناً مسكيناً متبعاً ملتزماً مصلياً صائماً تقياً! يكون معادياً له لضعفه وتجنبه إيذاء الناس، فهذا عاداه في أمر دنيوي أو فيما هو به ولي لله؟! وهكذا من عادى مؤمناً لإيمانه، أو عادى تقياً لتقواه، أو عادى عالماً لعلمه، أو عادى داعياً لله لدعوته، فهؤلاء هم المحاربون لله، وفعلاً هؤلاء هم الذين يحاربهم الله؛ لأنهم يعادون من؟ من ينضمون إليه، وتحت لوائه، وينتسبون إليه: (من عادى لي ولياً) .
وهنا يبحث العلماء عن لوازم مقتضيات الولاية، فلوازم الولاية هي التمسك بالكتاب والسنة، والمبادرة إليها، وتقوى الله والورع والزهد، وتاريخ المسلمين مليء بذلك، فإذا ادعى الولاية لله مع تركه كتاب الله وسنة رسوله، ومع وجود المعاصي، نعم، ليس معصوماً، ولكنه يجاهر بالمعصية، ويستمر عليها، فهو كاذب، أما المتقون فقال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] ، الولي لا يقول: إنه لا يخطئ، لا، ليس معصوماً، ولكن هل يستمر في الخطأ؟ هل يأتيه عمداً؟ قد تزل به قدم، قد قد.
فهو ليس معصوماً، ولكن سرعان ما يرجع إلى الله .
стр. 797
الكرامات والفرق بينهما وبين المعجزات
قالوا: من علامات الولاية الكرامة، وليس صحيحاً، كم من ولي لله لم تجر على يده كرامة، وكم من شخص عادي قد تجري على يده الكرامة.
والكرامة: أمر خارق للعادة، يجريها الله على يد من شاء من خلقه، ولكن إن كانت على يد رسول فهي معجزة، فالمعجزة للرسول، والكرامة للولي، والفرق بينهما: أن المعجزة تجري على يد النبي والرسول في موقف التحدي.
أما الكرامة فتأتي من باب الإكرام، فلا يقف ولي ويتحدى ويقول: سأفعل كذا لا، ولكن الرسول هو الذي يقول ذلك عندما يتحداه قومه، ولكن الولي تأتيه عفواً، وغالباً ما تكون الكرامة له في مقام الدعوة إلى الله، يؤيد الله بها دعاة الحق؛ ولذا يقول العلماء: كرامات الأولياء معجزات للأنبياء؛ لأنه ما جرت على يده تلك الكرامة إلا لاتباعه لذاك الرسول ﷺ .
стр. 798
هل خوارق العادات من الكرامات ؟
ويذكر العلماء أيضاً: إذا جرى خرق العادة على أيدي بعض الناس، ننظر أهو على وصف القرآن له أم لا؟ فقد تجري خوارق العادات على أشخاص غير مرضيين، كما يذكرون عن بعض الأشخاص في الهند، يستدرجه الشيطان، ويجري على يده شيئاً من خوارق العادات، كل ذلك لا عبرة له، ننظر لهذا الشخص الذي جرت الكرامة على يده هل هو من أولياء الله حقا، أو هو من أولياء الشيطان عياذاً بالله؟! وذكروا كرامات جرت على يد الصحابة والتابعين وتابعيهم، والله فضله واسع على عباده ولا مانع من أن تجري الكرامة على يد عبد صالح في أي وقت، وفي أي زمان ومكان، ما دام أنه على ما وصف الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] .
стр. 799
قصة عمر بن الخطاب في ندائه لسارية
ذكر الشوكاني وابن كثير قصة سارية، وللأسف أن بعض الناس قد يتكلم فيها، ولكن وجدناها ذكرها الشوكاني، وهو رجل محدث ومتحرٍ، ويحارب التقليد، ويلزم بالاجتهاد، وهي قصة عمر رضي الله تعالى عنه في هذا المسجد على هذا المنبر وهو يخطب، وكان جيشه في أفغانستان أو ما وراء النهر، فعندما تقدموا انكشفوا، وأراد العدو أن يلتف عليهم، فسمعوا من يقول: يا سارية! الجبل، فيرجع سارية إلى الجبل ويعتصم به، ويقابل العدو ويقاتل فينتصر، ويأتي البشير بالفتح، ويسأله ماذا كان أمركم؟ فقال: كدنا أن نهلك لولا أننا سمعنا صوتاً ولا ندري من أين يكون، يا سارية! الجبل فرجعنا إلى الجبل وانتصرنا! وقد طعن في هذه القصة بعض الناس، والشوكاني من أعلام القرن الثالث عشر يثبتها في كتابه في شرح هذا الحديث.
стр. 800
سماع سعيد بن المسيب الأذان من حجرة النبي ﷺ
سعيد بن المسيب من أجل التابعين وكبار الفقهاء السبعة في المدينة، في وقعة الحرة تعطل الأذان والصلاة في هذا المسجد ثلاثة أيام، لم يستطع إنسان أن يأتي إليه، وكان هو وحده الذي يأتي إلى المسجد، ويقول: أربعون سنة ما أذن المؤذن إلا وأنا في المسجد، وما رأيت قفا رجل في الصلاة.
أي: كان مداوماً على الصف الأول، فقيل له: ألا تخشى الفتنة؟ فيقول: لا، ويأتي إلى المسجد، وتذكر كتب المؤرخين بأنه في تلك الأيام الثلاثة كان يأتي إلى المسجد، وليس هناك مؤذن، فكان يسمع الأذان من داخل الحجرة النبوية، فينهض ويقيم الصلاة ويصلي، من كان يؤذن له؟! أمور خصه الله بها، لا تقل: كيف يأتي ذلك؟ كيف يكون؟ ليس للعقل حكم فيها ولو كان للعقل حكم فيها، ما كانت خارقة للعادة.
стр. 801
قصة العلاء بن الحضرمي في نزول المطر وركوبه البحر
يذكرون روايتين عن العلاء بن الحضرمي أنه حينما ذهب إلى البحرين: رواية ابن كثير تقول: عندما اشتد عليهم العطش وكادوا يموتون، صلى ركعتين، وسأل ربه أن يغيثهم، فجاءت سحابة تقبل من بعيد، حتى أظلت عليهم، وأمطرت، فشربوا وسقوا دوابهم، وملئوا أوعيتهم، ثم انصرفوا.
والشوكاني ذكر رواية أخرى ذكرها صاحب الحلية، وذكرها السيوطي عنه، يقول: اشتد عليهم العطش، فدعا ربه، فمشى قليلاً فإذا نهر يجري من السماء، يعني: من ماء المطر يجري، فشربوا وملئوا أوعيتهم، وسقوا دوابهم ومشوا.
فرجع شخص من القوم إلى ذلك المكان فلم يرَ له أثراً.
يقول ابن كثير في قصته: ولما وصلوا إلى البحر -وهذا كان في الدهماء في الربع الخالي حينما وصلوا إلى البحرين- وجدوا العدو قد علم بهم، ولم يجدوا السفن ليركبوها إلى الجزيرة، ووقفوا أمام البحر، فقالوا: ماذا نفعل؟ جئنا مسيرة شهر، فهل نرجع؟ لا، فقال العلاء: أيها القوم! إن الله قد أراكم في البر آية، وهو قادر على أن يريكم في البحر آية، وإني عازم عزماً، قالوا: وما هو؟ قال: أخوض هذا البحر! قالوا: على بركة الله، فوقف وقال: أيها البحر! أنت تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله، عزمت عليك لتجمدن لنعبر إلى عدو الله، فجمد الماء وعبر المسلمون، يقول ابن كثير: فلم يترجل الفارس ولم يحتفِ المتنعل، ومشوا على الماء، وقاتلوا العدو وانتصروا.
стр. 802
قصة رجل مات فرسه فبعثه الله له
ذكر الشوكاني أيضاً وغيره: أنه في بعض الغزوات مات فرس شخص، فقالوا له: هلم متاعك نحمله معنا! قال: أمهلوني ساعة، فذهب وتوضأ وصلى وقال: يا رب! لا تجعل لأحدهم عليّ منة، أعرني فرسي إلى البيت، فتحرك الفرس وقام، فركب إلى أن وصل إلى البيت، جاء ولده يستقبله وقال: يا ولدي! لا تُدخل الفرس، خذ المتاع، ودع الفرس فإنه عارية! فلما أخذ المتاع عن ظهره سقط ميتاً!
стр. 803
الكرامات وأثرها في الناس
لا نطيل الكلام في ذلك، وهذا أمر ثابت لا ينبغي لأحد أن ينكره، ولا ينبغي لأحد أن يسترسل فيه ويثبت ما يتخيله، ولكن ما كان واقعاً بالفعل صدقناه، كما ذكر عن بعض السلف حينما جاء الأسد وكلمه، وكان تائهاً في الطريق، فيأتي الأسد فيدله على الطريق حتى يعرف مكانه إلى غير ذلك من الأمور التي أثبتها العلماء، وهذا أمر لا دخل للعقل فيه، والمرجع فيه للسند والإثبات، وكل ما أثبته الثقات من العلماء مما وقع من مثل ذلك صدقناه، ووقوع مثل هذا ليس مجرد كرامة لصاحبه، ولكنه تجديد إيمان من يسمع بذلك، ألم يكن أصحاب رسول الله ﷺ عندما يرون المعجزة من المعجزات يزدادون إيماناً؟ في غزوة الخندق استعصت عليهم الكدية، وتكسرت معاول القوم، فجاء إليها رسول الله ﷺ بمعوله، وفي رواية أنه توضأ ونضح الماء عليها، ثم نزل إليها وضرب الضربة الأولى، فأبرقت فرأى قصور عدن، ثم ضرب الضربة الثانية فأبرقت ورأى قصور صنعاء، وتكسرت أكثر، ثم الثالثة وكل مرة يكبر ﷺ ، ويقول: (فتحت كذا وفتحت كذا) أبو هريرة إنه أسلم عام خيبر، لكن يروي عمن حضر، أنه كلما خرجت سرية أو جيش ليقاتل، يقول: اذهبوا حيث شئتم، فلا تفتحوا بلداً إلا وقد أخبرنا رسول الله عنها علماً.
الصحابة لما كانوا يحفرون الخندق، يقول جابر أو غيره: والله! لقد كان أحدنا يخاف عندما يذهب يقضي حاجته، اليهود حولهم من كل جهة، والأحزاب يأتون من هنا واليهود من هنا فكان الموقف حرجاً، قال تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] ، فلما جاءت الكدية وكبر رسول الله وقال: (فتحت كذا وفتحت كذا) أليس ذلك من باب الطمأنينة عندهم؟! وكذلك تكثير الطعام! وكلما رأى الصحابة معجزة لرسول الله ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، وكذلك المؤمن عندما يرى خارق العادة على يد مؤمن متقٍ داع إلى الله، يكون هذا أدعى إلى تصديقه.
إذاً: المؤمن التقي الذي يدعو إلى الله، ويقوم بحق الله سبحانه! يجب التعاون معه، وتجب نصرته، لا أن نعاديه، فإن عاداه أحد فهل عاداه لشخصه أو عادى ربه؟ إذاً: يصدق عليه قوله: (فقد آذنته بالحرب) .
стр. 804
المواطن التي أعلن الله فيها الحرب على من عصاه
في حد علمي لم يعلن الله المحاربة إلا في ثلاثة مواطن، هذا الموطن الأول: (من عادى لي ولياً) .
الموطن الثاني: الربا قال الله فيه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] الموطن الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣] الذين يخيفون الناس ويقطعون الطرق، فالله هو الذي يحاربهم، لماذا؟ لعظم جريمتهم.
إذاً: الجريمة تعظم وتصغر، وكذلك الحسنة تعظم وتصغر، وقد يكون بالنسبة للشخص بعينه تعظم سيئته أو حسنته.
فآل بيت رسول الله ﷺ ، هل هم كسائر الناس؟ لا، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب:٢٨] أي: فلكنّ الذي تردنَ ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩] ، يعني: نساء النبي ﷺ ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠] يعني: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢] وهناك يقابل بقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا﴾ ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣١] انظروا الجزاء! عندما يأتي بعد هذا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥] يعني: المسلمين والمسلمات، لكل من اتصف بتلك الصفات مغفرة وأجر عظيم، ولكن نساء النبي ﷺ من يقنت منهن وتعمل صالحاً لها الأجر مرتين، ولها رزق كريم، المقام يختلف! والشخصية تختلف! وهنا المعصية لما كانت محاربة لولي الله، ولما كان المحارب يحارب الله ورسوله والمؤمنين جميعاً، كان الجزاء ناجزاً والعقوبة مضاعفة، القتل الصلب القطع من خلاف، النفي من الأرض.
كذلك الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] وهذه الجملة الأخيرة (فقد آذنته بالحرب) أحب إليّ أن تترك، كما يقول العلماء في أحاديث الوعيد: تمرر كما جاءت، فإن التفصيل يهونها، (آذنته بالحرب) لو كررتها دونما شرح كانت أشد إرهاباً، وأوقع في النفس من أن يقال: يأخذه بذنبه يفعل به يسوي به لا، اتركه لأنه معلن عليه الحرب من الله، وأي إجرام أكثر من هذا؟! وأي إخافة أشد من ذلك؟! أي دولة أعلنت الحرب على دولة تستمر الثانية في طوارئ ليلاً ونهاراً، وتعمل خنادق وتؤدي وتعمل، وتظل عاجزة، لأنهم بشر، ويمكن أن تستعين بأمة أخرى، ولكن هذا بمن يستعين على الله؟ إذاً: نترك تفسير هذه العبارة على ما هي عليه، ومن أراد الزيادة في ذلك فليرجع إلى ابن حجر في فتح الباري، فسيجد أقوالاً موجودة، وسيرجع بعد التفصيل إلى الإجمال مرة أخرى.
стр. 805
شرح قوله: (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)
ثم يأتي البيان، وكأنه قيل: يا رب! ومن أولياؤك الذين لا نحاربهم؟! من أولياؤك الذين لا نعاديهم؟! ومن أولياؤك الذين تحارب أعداءهم؟! الولاية قربة أو لا؟ الولاية قربة، الولي متقرب إلى الله، يقول: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل) كأن الحديث يقول: حقيقة أولياء الله الذين أدوا الفرائض المفروضة عليهم، وزادوا في اجتهادهم بالنوافل، إذاً: الذين يدعون الولاية ولا يؤدون الفرائض، يبقون أولياء من؟! الذين يدعون الولاية وهم كعامة الناس لا أزيد عن الخمس ولا أنقص، وغيره يجتهد في النوافل هل يكونون سواء؟ ليسوا سواء.
إذاً: هذا الحديث كما يقول العلماء: فاصل بين الحق والباطل، فاصل بين الدعوة والدعاية، فاصل بين الحقيقة والادعاء، فلو رأينا خارق عادة على إنسان هل نحكم بأنه ولي؟ لا، فمجرد رؤية خارق العادة قد تكون بخدعة لا ندركها، بعض الناس قد يأتي بأمور عجيبة لخفة يدٍ أو سحر فتظن أنها كرامة! سحرة فرعون سحروا أعين الناس، فنحن ننظر أولاً -قبل أن ننظر إلى خارق العادة- إلى من جرت على يده، وما موقفه من الدين؟ يقول أئمة وعلماء التصوف الحقيقيون الذين ينقل عنهم ابن تيمية؟: كل دعوى بدون بينة فهي باطلة، والبينة على الدعاوى شاهد عدل، وكل من ادعى دعوة في الإسلام بدون شاهدي عدل فدعواه مرفوضة، وشاهدا العدل عندنا كتاب الله وسنة رسوله، فإن كان يقيم البينة على أنه من أولياء الله، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ، فإيمانه كرامة، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: ليس بلازم أن نراه يطير في الهواء أو يمشي على الماء، لا، قد يكون مجرد توفيقه في عمله ودعوته إلى الله، وإصلاح الناس على يده من أكبر الكرامات، نحن قد نجد كثيراً من الناس لهم مجهودهم الكبير في الدعوة إلى الله، وما خلفوا للمسلمين من تراث علمي نافع، ولا نستطيع أن نقول: هؤلاء أولياء الله، والله والاهم.
إذاً: ليس مجرد وجود خرق العادة يكون لازماً أنه من ولي، إنما لازم الاتباع، الحكم السليم على شخصيته أولاً.
والله تعالى أعلم.
стр. 806
شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والثلاثون
стр. 807
شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) حديث حسن، رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما] .
هذا الحديث يتكلمون على سنده، ويكثر العلماء من القول فيه، وأكثرهم على ضعف سنده، ولكن تحسين المؤلف له لا عن طريق السند، ولكن عن طريق الشواهد، وما يتقوى به من غيره، والقاعدة عند علماء الحديث: أن الحديث إذا كان ضعيف السند، -أي: أن في رجاله من يتكلم فيه- ولكن المعنى صحيح، ويتقوى بنصوص أخرى هي صحيحة؛ فإنهم يحسنونه، وهو المعروف بالحسن لغيره، وهذا الحديث مما صح معناه، وشهدت له نصوص أخرى سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
قوله ﷺ : (إن الله تجاوز لي) التجاوز: التعدي، تقول: جاوزني فلان، أي: تعداني، وتقول: تجاوزت عن حقي الذي عند فلان أي: تعديته وأسقطته، وهنا يقول ﷺ : (إن الله تجاوز لي) بمعنى: أسقط لي عن أمتي.
وقوله: (الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) ، هذه مسائل يخبرنا ﷺ أن الله أكرم الأمة برسوله في ذلك، ومفهوم المخالفة: أن الله لم يتجاوز لنبي غيره لأمةٍ من الأمم عن تلك الثلاث، وهذا المنصوص عليه، لأن الأمم الماضية كانت تؤاخذ بما أخطأت، وبما نسيت، وبما أكرهت عليه، أما الخطأ والنسيان والإكراه، فكما جاء في قوله : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وفي الحديث عنه ﷺ : أنها عندما نزلت قرأها ﷺ ، فكان كلما قرأ واحدة منها يقول الله تعالى: (قد فعلت، قد فعلت) .
إذاً: هذه الأمور الثلاث كانت الأمم من قبل مؤاخذة بها، وهي الإصر والأغلال التي كانت عليهم، ومما أكرم الله أيضاً هذه الأمة مع تلك الثلاث التوبة، فقد كانت توبة بني إسرائيل -كما بيّن أن يقتلوا أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] ، كانت توبتهم في تلك الواقعة أن يقتل بعضهم بعضاً، وهذه الأمة جعل الله لها التوبة: الندم على ما فات، والعزم على عدم العودة، وكراهية الذنب كما يكره أن يقذف في النار.
فمن توافرت فيه تلك الشروط الثلاثة صحت توبته، ولو عاد بعد ذلك بدون إصرار فإن الله أيضاً يتوب عليه ما دام صادق النية، والتوبة تكون فيما بينه وبين الله، وقد أتى الرجل الذي اقترف ما اقترفه مع امرأة أجنبية إلا أنه لم يجامعها، إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! أصبت حداً فطهرني، قال: وما ذاك؟ قال: وجدت امرأة في أقصى المدينة، ما تركت شيئاً يفعله الرجل مع المرأة إلا فعلته، غير أني لم أجامعها، فنزل قوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله؟! قال: بل لك ولأمتي جميعاً) .
إذاً: كانت الأمم الماضية توبتها غير توبة هذه الأمة في الكيفية، وكانوا يؤاخذون بالخطأ والإكراه.
أما قضية الإكراه فجاء في الحديث: (مر رجلان مسلمان في طريقهم على قوم لهم صنم نصبوه على قارعة الطريق، لا يسمحون لأحد أن يمر من هذا الطريق إلا إذا قرب إلى صنمهم قرباناً، فقالوا لهذين الرجلين: قربا قرباناً واجتازا، فقالا: ما كنا لنقرب لغير الله شيئاً، فقالوا: قربا ولو ذباباً، فقال: أحد الرجلين: أما الذباب فأمر هين، فقرب ذبابة فخلو سبيله فدخل النار، وأما الثاني فقال ما كنت لأقرب لغير الله ولو ذبابة، فضربوا عنقه فدخل الجنة) فهذا امتنع في مقام الإكراه على تقريب ذبابة، فقتل فدخل الجنة، وجاء في حق مؤمني هذه الأمة: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] .
فهذا بيان من الله سبحانه بأن من تكلم بكلمة الكفر مكرهاً معفو عنه، وقد نزلت تلك الآية الكريمة وما بعدها في عمار بن ياسر، أخذه المشركون وأخذوا أبويه ياسراً وأم عمار سمية وعذبوهم، وقتلت سمية، وتكلم عمار بما يريدون فتركوه، ثم جاء إلى النبي ﷺ وقال: (هلكت يا رسول الله! قال: وما ذاك؟ قال: الأمر كذا وكذا قال: كيف تجدك الآن؟ قال: قلبي مطمئن بالإيمان بالله وبرسوله، قال: أنت على ما أنت عليه الآن، وإن عادوا فعد) .
وهكذا الإسلام ما كان الشخص في موقف شدة إلا وجاءت الرخصة، ولا في موقف ضيق إلا وجاء الفرج.
وهنا يتكلم العلماء في حكم الخطأ والنسيان، وحكم الإكراه، فقوله: تجاوز لي، أي: تسامح الله عما يقع من المسلم عن طريق الخطأ أو طريق النسيان أو طريق الإكراه، وكيف يكون هذا؟ يقسم العلماء ما يقع فيه الخطأ والنسيان والإكراه إلى أمور قولية وفعلية، ثم يأتون من جانب آخر فيقولون: المخطئ والناسي هل هما في وقت الخطأ والنسيان مكلفان أو مرفوع عنهما التكليف؟ جاء في الحديث الآخر: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) أي: أن العقل مات، وهو أداة الإدراك ومناط التكليف، وإذا عمل الرجل عملاً مخطئاً فيه أو ناسياً إياه أو مكرهاً عليه، ففي الحديث الذي هو القاعدة العامة يقول: (إنما الأعمال بالنيات) ، وهذا يفعل الفعل ناسياً إياه، إذا كان قد أقسم ألا يدخل بيت فلان، فنسي ودخل فهل له قصد في الدخول؟! لا، وإذا أخطأ في دار فلان عن دار فلان، أو بثوب فلان عن ثوب فلان فهل قصد؟ لا.
يقول العلماء: الخطأ قسمان: خطأ ضد الصواب، وخطأ ضد الطاعة، فالخطأ الذي فيه الكلام هنا هو الخطأ ضد الصواب، فإذا أراد إنسان شيئاً وأخطأ ففعل غيره فمعفوا عنه، مثل القتل، فالقتل يكون عمداً وخطأ، والآخرون يقولون: عمد وشبه العمد، وخطأ وشبه الخطأ، فالقتل العمد: هو ما كان عن قصد، وقد سبق إصرار لشخص بعينه، وأما الخطأ فهو: أن يقوم الشخص ليفعل شيئاً مأذوناً له فيه، فإذا به يصيب غير المأذون فيه، ومثلوا له: لو أنه أخذ سهماً ورمى صيداً، وكان وراء الصيد شخص نائم، وهو لا يدري عنه، فنفذ السهم من الصيد وأصاب النائم، هل هذا يكون عامداً لقتله؟ ليس عامداً لقتله، وإنما قتله خطأ، لأنه كان قصد الصيد، وإصابة الإنسان المعصوم ليس في ذهنه، ولم يخطر له ولم يرد ذلك أبداً، فهذا خطأ ضد الصواب، ومن هنا جاء الحديث يشهد لذلك: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ -أي: الخطأ ضد الصواب- فله أجر) أي: أجر على اجتهاده وإن لم يصب الحق، وقد امتدح الله سبحانه نبيه سليمان وداود في قضية واحدة، وقال في حقهما: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] .
أما الخطأ الذي هو ضد الطاعة، فهذا معصية، تقول: فلان أخطأ، وفلان أطاع.
ولذا يقال في الأول: مخطئ، وهو الذي جانب الصواب، ويقال في مقابل الطاعة: خاطئ، فالخاطئ الذي يفعل المعصية عمداً، ويترك الطاعة قصداً، والمخطئ هو الذي يقع فيما لا يريد أن يقع فيه، فلهذا قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ) ولكن هل كل خطأ متجاوز عنه؟ يقولون: الفعل إما حق لله، أو حق للآدمي أو مشترك بينهما، فما كان حقاً لله فإنه يتجاوز الله عنه، وما كان فيه حقاً لآدمي فإنه لا يعفى من حق الآدمي نتيجة خطئه.
ولذا يقول الأصوليون: هناك ما يسمى بخطاب التكليف، وخطاب الوضع، فخطاب التكليف فيه الأمر بالفعل أو بالنهي، وخطاب الوضع فيه العلامات والشروط والضمان وغير ذلك، فإذا جاء إنسان يمشي وبدون قصد كسر إناء لشخص، فإن كسر الإناء بدون قصد منه فيه أمران: إتلاف مال المسلم، والتعدي على حق الغير، فإثم التعدي مرفوع عنه؛ لأنه لم يتعمد التعدي على حق الغير، ولكن تعويض هذا المال الذي أتلفه لا يسقط عنه، فعليه أن يدفع القيمة، ويرفع عنه الإثم والخطأ، لأن ضمان المتلف لا يسقط عن الصغير، بل لا يسقط عن الدابة والبهيمة، فإذا كان هناك طفل صغير دخل بيت إنسان مع أبيه، ثم أخذ يعبث وأتلف شيئاً لصاحب البيت، فإن والد الصغير ملزم بضمان ما أتلفه الصغير، وإن كان الصغير غير مكلف.
стр. 808
الخطأ في تعيين القبلة وقت الغيم
يبحث العلماء فيما يترتب على الخطأ، والنسيان، فيقولون فيما يتعلق بالخطأ: لو أن جماعة في صحراء وحان وقت الصلاة، وأرادوا أن يستقبلوا القبلة في صلاتهم، فاجتهدوا في ذلك، ثم تبين لهم بعد أن خرج الوقت أنهم أخطئوا في تعيين جهة القبلة، فما حكم صلاتهم التي أخطئوا فيها في استقبال القبلة؟ إذا كانوا يعلمون أن القبلة في جهة معينة، ثم خالفوا واستقبلوا جهة أخرى عمداً فإن صلاتهم باطلة؛ لأنها تفتقد شرط الصحة، أما إذا كانوا لا يعلمون، واجتهدوا بكل ما في وسعهم، واقتضى رأيهم أنها في الجهة الفلانية وصلوا إليها، ثم بعد ذلك تبين لهم أنهم لم يصيبوا القبلة، فإن أدركوا ذلك في الوقت، كأن جاء إنسان من أهل البلدة وأخبرهم بالقبلة فعليهم أن يعيدوها؛ لأن الوقت باقٍ، وأما إذا لم يعلموا بذلك إلا بعد خروج الوقت فالصلاة قد مضت، ولذا جاءت الآية الكريمة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ، وقد وقع هذا للنبي ﷺ وبعض أصحابه، صلوا ثم طلعت الشمس، فتبين لهم أنهم قد صلوا لغير القبلة، وعظم عليهم ذلك، فعفا الله عنهم، وقبلت صلاتهم، هذا فيما يتعلق بالقبلة للنص الوارد فيها؛ وقد جاءت نصوص أخرى تبين أن الله سبحانه يقبل صلاة المسافر في نوافله إذا استدبر القبلة قصداً، وكان ﷺ في عودته من مكة يصلي النافلة وهو مستقبل المدينة، والكعبة من ورائه، ويقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] .
هذا إذا وقع الخطأ ولم يتبين إلا بعد خروج الصلاة، أما إذا أخطأ في شيء غير ذلك هل يمكن تداركه أم لا؟ إن كان في صلب الصلاة، فيوجد تفصيلات عديدة طويلة محلها كتب الفقه والفروع.
стр. 809
حكم من نسي ركناً من أركان الصلاة
من نسي ركناً من أركان الصلاة هل يعيد الصلاة؟ الركن هو: جزء الماهية، فإنه حينئذٍ عليه أن يتدارك ما نسيه؛ لأن الركن لا يمكن أن يجزئ عنه غيره، وننبه على خطأ من يقول: إن سجود السهو يجبر كل سهو في الصلاة، لا، وقد أجمع العلماء على أن سجود السهو لا يجزئ عن ركن الصلاة، لا عن ركوع، ولا عن سجود، ولا عن سجدة كاملة، إنما يجزئ عما يسمى بالواجبات، كما سجد ﷺ للسهو عندما قام في الثانية ولم يجلس للتشهد الأول، ومرة صلى الرباعية وفي الركعة الثانية، فقال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن) ، وهذا يسمى عند المناطقة بـ (كلية السلب) ، فقال: (بل كان ذلك يا رسول الله! وفي القوم أبو بكر وعمر فقال ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم -يا رسول الله! - فرجع واستقبل القبلة، وجاء بركعتين ثم سجد سجود السهو، ثم سلم بعد ذلك) .
إذاً: من سها عن شيء في الصلاة فإن كان ركناً من أركانها فعليه أن يأتي بما نسي، ولا تجبر سجدتا السهو ما كان ركناً؛ لأن الركن جزء الماهية.
стр. 810
حكم من أكل أو شرب ناسياً في نهار رمضان
كذلك إذا نسي الصائم فأكل أو شرب، الجمهور يقولون: جاء النص في خصوص الصوم: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) ، قالوا: هذا امتنان من الله على العبد بأنه أطعمه وسقاه، فقال: الأئمة -ما عدا مالك ﵀: لا قضاء عليه ولا إثم، ويقول مالك ﵀: أما الإثم فلا إثم عليه، ولكن عليه قضاء يوم مكان اليوم، واستدل على ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، قال: هذا الذي أكل أثناء النهار ما أتم، قالوا: إنه ناسٍ قال: لا إثم عليه، ولكن عليه أن يأتي بيوم مكان اليوم.
والصحيح -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنه لو كان يلزمه قضاء يوم مكانه لبينه ﷺ ؛ لأنه لا يجوز في حقه صلوات الله وسلامه عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
следующие страницы →