Полный текст (481 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أرض المحشر
أرض المحشر أرض بسيطة مبسوطة ليس فيها مرتفع ولا منخفض، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧].
وقال : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
قال ابن عباس: يزاد فيها وينقص، وتذهب جبالها وأشجارها وأوديتها وما فيها، وتمد مد الأديم العكاظي، أرض بيضاء مثل الفضة، لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة.
قال النبي صلى الله وعليه وآله وسلم: (يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء كقرص نقي -أي: نقي عن النخالة والقشرة- ليس فيها معلم لأحد)، ليس فيها برج ولا مرتفع ولا منخفض، بل الكل فيها ظاهر مكشوف الرجال والنساء، قالت عائشة ﵂: (الرجال مع النساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك).
إنه يوم عظيم عباد الله!
стр. 107
كيفية حشر الناس إلى أرض المحشر
كيف يحشر الناس إلى هذه الأرض أرض المحشر؟ يقول النبي ﵌: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا).
نار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى أرض المحشر.
وأرض المحشر قيل: هي فلسطين، هذه النار تسوق الناس تقيم معهم وتبيت معهم وتصبح معهم، تسوقهم إلى أرض المحشر.
عن قتادة عن أنس ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﵌: (كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ : أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!).
قال قتادة: بلى وعزة ربنا؛ وذلك قول الله : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].
فالكافر يسير على وجهه، ويحشر على وجهه، ويعاني بوجهه ما على أرض المحشر.
ويقول : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦].
قال ابن عباس: (وفداً) أي: ركباناً.
أي: أن أهل التقوى لا يحشرون على أقدامهم؛ لأن العرب تطلق الوفد على الذين يأتون على الرواحل.
ويقول علي ﵁: لا يحشرون والله! على أقدامهم، ولكن على نوق رحالها الذهب، ونجائب سرجها يواقيت إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت.
قال : ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] أي: عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من العطش، ولكنهم لا يردون إلى ماء، بل إلى جهنم وحميمها ومهلها وجحيمها، كما ورد في حديث الشفاعة الطويل: (يقال لهم: ما تشتهون؟ فيقولون: عطشنا، فيشار لهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً فيقال لهم: ألا تردون؟) فسبحان الله وبحمد الله أكبر، كانوا في الدنيا على السواء يأكلون ويشربون، ويذهبون ويجيئون فلما جاءهم الموت عرف كل منهم سبيله، واتضح له مقيله، فلما صاروا في البرزخ خلا كل منهم بعمله، وأفضى إلى ما قدم قبل أجله، فبينما هم كذلك إذ صرخ فيهم الصارخ، وصاح فيهم الصائح، فخرجوا من الأجداث مسرعين، وإلى الداعي مهطعين، هذا على النجائب، وهذا على الركائب، وهذا على قدميه، وهذا على وجهه، هؤلاء في النور ينظرون، وأولئك في ظلمات لا يبصرون، هؤلاء حلو أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً، وأولئك غلتهم الزبانية بالسلاسل، وعلتهم بالمقامع، يضربون بطوناً منهم وظهوراً، هؤلاء عليهم حلل السندس والإستبرق وسائر الألوان، وأولئك مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران، هؤلاء يقول لهم ربهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، وأولئك يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، ويقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
لقد ظهر الفرقان، وامتاز الفريقان، لقد صار الغيب شهادة، والمستور مكشوفاً، والمخبأ ظاهراً: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
كم صائم في الدنيا عظم يومئذ جوعه! كم كاسٍ في الدنيا طال يومئذ عريه! كم شارب في الدنيا اشتد يومئذ ظمؤه! كم ناعم في الدنيا حق يومئذ بؤسه! ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٣ - ٨٤].
стр. 108
أهوال الآخرة وأحوالها
تعالوا نستعرض أهوال الآخرة وأحوالها، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
الناس يترنحون من أهوال الآخرة كأنهم سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
وقال : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:١٣ - ٣٢].
ثم يذكر الله حيثيات وسبب هذا الحكم، فقال : ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٧].
ويقول : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]، فالله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فالله يمهل ولا يهمل، قال : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] أي: تتشتت فيه الأبصار، ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم:٤٣] أي: مسرعين، ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم:٤٣] قال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء؛ من شدة ما نزل بهم، ومن عظم هذا اليوم لا تتحرك رءوسهم، فقد تسمرت في اتجاه السماء، ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم:٤٣] لا تطرف أعينهم؛ لأنهم منتظرون في كل لحظة مصيبة، وفي كل دقيقة داهية، ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٣]، قال قتادة: خرجت قلوبهم من أجوافهم فتعلقت في حناجرهم؛ كما قال : ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨].
((وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ))؛ أي: لا شيء فيها.
وقال سعيد بن جبير: أرواحهم تمور وتتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه.
وقال : ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر:١٨]، قال عكرمة: إن الرجل ليتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً.
فيقول: إني قد احتجت إلى حسنة واحدة من حسناتك؛ لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول: يا أبت! ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف، ثم يتعلق بزوجته يقول: أي فلانة! أي زوج كنت لك؟ فتثني خيراً، فيقول: إني قد احتجت إلى حسنة واحدة من حسناتك؛ لعلي أنجو بها مما ترين، فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف.
فهذا الرجل احتاج إلى حسنة واحدة؛ حتى يثقل ميزان الحسنات على ميزان السيئات، وحتى يدخل جنة الله وينجو من الن
стр. 109
صفة الحساب يوم القيامة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أهوال القيامة وأحوالها كثيرة عظيمة تشيب لها الولدان.
فهذه صفة الحساب: عن أنس ﵁ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقلنا: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟! قال: من مخاصمة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله : ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم الله على فيه -أي: على فمه- ثم يقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل).
يقول الله : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].
وقال : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
فالعبد تشهد عليه جوارحه كما تشهد الأرض التي عمل عليها بطاعة الله أو بمعصية الله، تشهد عليه؛ يستنطقها الله يوم القيامة فتنطق، فمن عمل عليها بطاعة الله تشهد له بالخير، كما أنها تنطق على من عمل عليها بمعصية الله فتشهد عليه بالمعصية.
فينبغي على العبد أن يحذر من جوارحه، فإنها تستنطق يوم القيامة، وتشهد عليه، ويحذر من كل شيء وإن كان جماداً فإنه سيشهد عليه بأعماله يوم القيامة.
стр. 110
الميزان
أحوال القيامة كثيرة وعظيمة، فتعالوا إلى ميزان الحق، يقول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال : ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٨ - ٩].
فهذا الميزان ميزان عجيب له كفتان، هذا الميزان توزن فيه الأعمال، وتوزن فيه صحائف الأعمال، ويوزن فيه ثواب الأعمال، بل العمال أنفسهم يوزنون في هذا الميزان، يوضع العبد منهم في هذا الميزان يوم القيامة، وتوزن في ميزان الحق يوم القيامة الأعمال أنفسها، كما قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
فالأعمال الصالحة تجسد، ويكون لها وزن ومقدار بحسب قيمتها عند الله ، كما أن المعاصي كذلك تجسد، وتكون أعياناً، ويكون لها وزن يوم القيامة، قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وهكذا ما في قلوب العباد من حب وبغض، فمن يحب أهل الإيمان وأهل الالتزام ومن يحب الأنبياء والعلماء والدعاة والملتزمين بشرع الله فإن هذا يجسد ويوضع في ميزان الحق يوم القيامة، ومن يبغض أهل الإيمان ويحب أهل الكفر والفسوق والعصيان فإن ذلك يجسد كذلك، ويوضع في كفة السيئات في ميزان الحق يوم القيامة.
ويوضع في ميزان الحق كذلك صحائف الأعمال، كما قال النبي ﵌: (إن الله سيستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيقال: احضر وزنك، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فتوضع هذه السجلات في كفه، ويقال له: ألك حسنة؟ فيقول: لا، فتخرج له بطاقة عليها لا إله إلا الله، فتوضع هذه البطاقة في كفه والسجلات في كفه، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة).
هذا رجل حقق التوحيد، ولكنه وقع في ذنوب دون الشرك، فنجاه الله بالتوحيد.
ويوضع كذلك في ميزان الحق يوم القيامة ثواب الأعمال، كما روى الترمذي عن النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو كأنهما ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما).
يقول الترمذي: أي: يجيء ثواب عمله، أي: أن هذه الأمثال الثلاثة معناها مجيء ثواب عمله.
ويوضع في ميزان الحق يوم القيامة العباد أنفسهم، كما قال : ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، وقال النبي ﵌: (إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة).
فانظروا -عباد الله- إلى هذا الميزان العجيب!
стр. 111
الصراط
وبعد هذه الأحوال والأهوال من نجا من كل ذلك فإن أمامه عقبة الصراط.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (يضرب الصراط على متن جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذٍ: اللهم سلم سلم).
الرسل الذين اصطفاهم الله ، والذين رباهم على عينه واصطنعهم لنفسه، والذين قاموا بما أرسلهم الله به حق القيام، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل من هول هذا الموقف ومن خطر هذا الموقف، ومع هذا الرسل أنفسهم يقولون: اللهم سلم سلم.
وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، قال ﷺ : (هل رأيتم السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم)، أي: هذه خطاطيف تخرج من النار، وتتخطف الناس من ظهر الصراط بأعمالهم.
فالذي يقع في ذنب من الذنوب ألا يخشى أن يخطف بهذا الذنب من على الصراط فيكردس في نار جهنم؟ والعياذ بالله! فهذه الكلاليب تختطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق، ومنهم المكردس، ومنهم الناجي.
وفي الصحيح كذلك من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثم يؤتى بالجسر فيوضع على ظهر جهنم، قالوا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، تخطف الناس بأعمالهم، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في نار جهنم، ويكون آخرهم يتلبط على بطنه، وتعلق يد فيجرها، وتعلق رجل فيجرها، فإذا نجا من الصراط قال: رب لم أبطأت بي؟ فيقول: إني لم أبطئ بك، ولكن أبطأ بك عملك).
ويقول أبو سعيد ﵁: بلغنا أن الصراط أدق من الشعر، وأحد من السيف.
فهذا صحابي يقول: بلغنا، والذي بلغه هو رسول الله ﵌.
والمسلم يمر على الصراط بحسب الطاقة التي اكتسبها في الدنيا من الإيمان والعمل الصالح، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كشد الرجل، أي: إسراع الرجل في المشي، ومنهم من يتلبط على بطنه بحسب إيمانه، وبحسب عمله الصالح.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى عن الناس.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم إنا نسألك أن تقضي ديون المسلمين اللهم فك أسرى المسلمين اللهم اشف مرضى المسلمين اللهم رد غائب المسلمين اللهم ارحم موتى المسلمين.
اللهم إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تذل الكفر والكافرين اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده إلى نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه.
اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 112
ترجمة الإمام مسلم
يعتبر الإمام مسلم رحمه الله تعالى من أئمة الإسلام في الحديث، وصحيحه من أصح الكتب المصنفة بعد صحيح الإمام البخاري، وقد أثنى العلماء على الإمام مسلم وعلى كتابه الصحيح ثناءً حسناً يدل على المكانة السامية التي احتلها رحمه الله تعالى.
стр. 113
فضل إنظار المعسر وتنفيس كربة المكروب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قبل أن أتكلم عن الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري وصحيحه الجامع أسوة بشيخنا الفاضل الشيخ: محمد بن إسماعيل نذكر اليوم حديثاً من أحاديث النبي ﷺ تزداد به بركة الكلام وبركة المجلس، وهو قوله ﵌: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
فهذا الحديث الشريف قد جمع كثيراً من أبواب الخير، وما أحوجنا إلى أبواب الخير، وما أزهد الناس في هذه الأزمنة المتأخرة في الخير، فالنبي ﷺ يدل الأمة على ما فيه خيرها وصلاحها ونجاتها ونجاحها، فيقول ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).
فإن قال قائل: هذا الجزء من الحديث يوهم تنفيس كربة بكربة، وقد ورد في القرآن أن الحسنة بعشر أمثالها، فلماذا جعل هنا كربة مقابل كربة فقط؟
و
الجواب
أن كربة الدنيا إلى كربة يوم القيامة كلا شيء.
فقد وردت الأحاديث الكثيرة التي تذكر عظم كرب الآخرة، فمن ذلك قوله ﵌: (تدنو الشمس من رءوس العباد يوم القيامة قدر ميل أو ميلين -فتصهرهم الشمس- فمنهم من يصل عرقه إلى عقبيه، ومنهم من يصل عرقه إلى حقويه -أي: عظام الحوض- ومنهم من يصل إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه إلجاماً)؛ أي: يصل العرق إلى فمه فيكون له كاللجام.
فيصاب الناس يوم القيامة بما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما بلغكم؟ ألا تنظرون أحداً يشفع لكم عند ربكم، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى عيسى، ثم إلى نبينا محمد ﷺ ، فيشفع الشفاعة العظمى وهي المقام المحمود الذي قال الله فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
فتنفيس كربات المسلمين في الدنيا يكون سبباً لتنفيس الكربات العظيمة يوم القيامة.
ومعنى التنفيس: تخفيف الكربة، مأخوذ من فك الخناق حتى يأخذ المخنوق نفساً، فجزاء التفريج تفريج، قال ﷺ : (ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة).
التيسير على المعسر من جهة المال يكون بإنظاره إلى ميسرة، وهذا واجب لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فهذه أدنى الدرجات، والإنسان يؤجل الغريم الذي عليه دين حتى يتيسر حاله إلى وقت سداد الدين، فيجب على صاحب الحق أن يؤجل الغريم حتى يتيسر حاله.
فأعلى درجة من ذلك أن يسامحه في هذا المال؛ مساعدة منه في تيسير حاله، ودرجة أعلى من ذلك: أن يمده بمال جديد حتى يتيسر حاله.
وقد روي عن النبي ﷺ : (أن رجلاً كان يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لصبيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عني يوم القيامة، فتجاوز الله عنه).
وفي الصحيحين: (مات رجل فقيل: بم غفر لك؟ فقال: كنت أبايع الناس فأتجاوز عن المعسر وأخفف عن الموسر.
فقال الله :
стр. 114
فضل العلم
ثم قال ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
وهذا الطريق إما أن يكون طريقاً حسياً كالسير إلى مجالس أهل العلم أو الذهاب إلى عالم من أجل أن يسأله، أو إلى مدرسة مثلاً أو معهد يتعلم فيهما العلوم الشرعية، فهذا هو الطريق الحسي الذي يكون سبباً لتسهيل الطريق إلى الجنة.
وإما أن يكون طريقاً معنوياً كأن يتعاهد برنامجاً معيناً، أو يلتزم بمدارسة معينة يحصل فيها العلوم الشرعية، فمن سلك طريقاً معنوياً أو حسياً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.
والطريق إلى الجنة يوم القيامة كذلك إما أن يكون طريقاً حسياً وهو الصراط وما قبله وما بعده، وإما أن يكون طريقاً معنوياً؛ بأن ييسر الله هذا العلم الذي طلبه، والعلم طريق إلى الجنة، فكيف يتقي من لا يدري ما يتقي؟ قال بعض السلف: هل من طالب علم فيعان عليه؟ ثم قال ﷺ : (وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده).
فهذا من بركات دروس العلم، فإنك قد تحصل شيئاً من العلوم الشرعية من شريط أو كتاب، ولكن كيف تحصل السكينة والرحمة، وتحفك ملائكة الله ، ويذكرك الله فيمن عنده؟ فما أحوجنا إلى هذه البركات، وما أحوجنا إلى مجالس العلم التي تحيا فيها القلوب، ويتجدد فيها الإيمان، وتحصّل فيها الحكمة، ويتعرف فيها الحلال من الحرام، خاصة ونحن في أزمنة كثرت فيها الفتن والمحن، واختلط فيها الحابل بالنابل، فاستنشق الناس هذه الفتن فدخلت إلى قلوبهم من أعينهم ومن آذانهم، ومن كل حواسهم، فما أحوجنا إلى هذه المجالس الطيبة التي يحل فيها الإيمان، والتي هي أجواء الإيمان! كان أسيد بن حضير ﵁ يقرأ القرآن فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعلت فرسه تنفر منها فلما أصبح أخبر النبي ﷺ فقال: (تلك السكينة نزلت بالقرآن).
كان ﵁ كلما قرأ القرآن نفرت فرسه، فإذا سكت سكنت الفرس فنظر فرأى مثل الظلة -أي: السحابة- فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها، فأخبر النبي ﷺ فقال: (تلك الملائكة)، فالمصابيح هي الملائكة وقد رآها أسيد بن حضير بعيني رأسه.
والظلة هي السكينة، فالملائكة تنزل معها الرحمات، وتنزل معها السكينة، فالصحابة رأوا هذه الغيبيات بقوة يقينهم، وهذا من الغيب الذي يمكن أن يكشفه الله لمن شاء من عباده، وهو من قبيل الكرامة، ولا تكون هذه لمن ضعف يقينه، بل لمن عظم يقينه، كما شم بعض الصحابة رائحة الجنة، وهو أنس بن النضر فلقد وجد ريح الجنة من دون أحد، فهذا من الغيب الذي يمكن أن يطلع عليه الله من شاء من عباده على سبيل الكرامات.
فالحاصل: أن من فضائل مجالس العلم أنها تنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، وتحفها الملائكة، وجاء في حديث آخر أن الملائكة السيارة يبحثون عن مجالس الذكر.
ومن فضائل مجالس العلم أن يذكر الله أهلها فيمن عنده، فإن من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكره في ملأ -أي: في جماعة- ذكره الله في الملأ الأعلى وهم الملائكة المقربون.
стр. 115
النسب لا يوصل العبد إن قصر به العمل
ثم قال ﷺ : (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
قيل: بطأ به في المرور على الصراط؛ لأن الإنسان يبذل قوة وطاقة في المرور على الصراط بحسب إيمانه وبحسب عمله الصالح، وبحسب ما حصل من أسباب الخير في الدنيا.
فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كشد الرجل أي: إسراع الرجل في المشي، ومنهم من يحبو على بطنه فيقول: يا رب لم أبطأتني؟ فيقول: إني لم أبطئ بك، ولكن أبطأ بك عملك.
فمن كان بطيئاً في أعمال الخير بطيئاً في تحصيل الطاعات والحسنات، فهو كذلك يسير ببطء على الصراط حتى تتخطفه الكلاليب التي هي على الصراط فيقول: رب لم أبطأتني فيقول: إني لم أبطئ بك ولكن أبطأ بك عملك في المرور على الصراط.
وقيل: من أبطأ به عمله في الوصول إلى الدرجات: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢] فلم يسرع به نسبه لأن كل نسب مقطوع يوم القيامة إلا نسب رسول الله ﷺ ، فلا ينتفع بهذا النسب الشريف إلا من كان من أهل الإيمان والتقوى.
هذا بعض ما ذكر في هذا الحديث النبوي الشريف.
стр. 116
الإمام مسلم نسبه ومولده وصفته
أما ترجمة إمام الأئمة والأعلام: الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب كتاب الصحيح وهو أصح كتب السنة بعد صحيح الإمام البخاري، وقد جعل الله لهما من القبول في قلوب الخلق ما الله به عليم.
فلا يجهل أحد من المسلمين مكانة البخاري ومسلم، وكما قال شيخنا الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم: إن هؤلاء الأعلام ما ارتفعوا في الأمة بكثرة علمهم، وإنما ببركة إخلاصهم وتقواهم لله .
فلقد كان في الأمة الكثير من الأعلام، وكان الكثير من الحفاظ يتواجدون في خراسان أو نيسابور، وكانوا أئمة في الفقه أو الحديث أو التفسير ولكن لم يرتفع شأنهم كما ارتفع شأن البخاري ومسلم.
بل إن الكثير من علماء نيسابور أرادوا أن يحذوا حذو الإمام مسلم، وألفوا المسانيد أو الجوامع على غرار تأليف الإمام مسلم، ولكن لم يكتب لها من القبول ما كتب لصحيح الإمام مسلم.
فهذا من بركة الإخلاص، وبركة التقوى والخشية، فلاشك أن هؤلاء العلماء كانوا على درجة من الإخلاص والتقوى وخشية الله ومحبته جعلت لكتبهم هذا القبول، وجعلت لهؤلاء العلماء الأعلام المنزلة الرفيعة والذكر الحسن في الأمة.
فالإمام مسلم هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري.
وكنيته: أبو الحسين، الإمام الكبير، الحافظ المجود، الحجة الصادق.
مولده: قال الذهبي: ولد سنة أربع ومائتين.
والإمام البخاري أكبر من الإمام مسلم، فلقد ولد سنة أربعة وتسعين ومائة.
قال الذهبي عن الإمام مسلم: وما أظنه إلا ولد قبل ذلك.
صفته: قال الحاكم: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: رأيت شيخاً حسن الوجه والثياب، وعليه رداء حسن، وعمامة قد أرخاها بين كتفيه، فتقدم أصحاب السلطان فقالوا: قد أمر أمير المؤمنين أن يكون مسلم بن الحجاج إمام المسلمين، فقدموه في الجامع فكبر وصلى بالناس.
وقال الحاكم أيضاً: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم بن الحجاج يحدث في خان محمس فكان تام القامة، أبيض الرأس واللحية، يرخي طرف عمامته بين كتفيه.
والعلماء عند ترجمتهم للأعلام يركزون على العلم، وعلى الضبط والإتقان، وعلى الشيوخ والتلاميذ، أما معرفة صفاته الخلقية فيكون فيه نوع من الأنس عندما نعرف صفة الشيخ، أو عالم من العلماء فنستحضر صفته وكأننا في صحبته.
стр. 117
مكانة الإمام مسلم وثناء العلماء عليه
عن أحمد بن مسلمة قال: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
فعصر الإمام مسلم والبخاري هو العصر الذهبي لتدوين السنة؛ لأن الأئمة البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبا داود، وابن ماجه، والدارمي كانوا في عصر واحد، وقد دونوا لنا كتب السنة المعروفة المشهورة المتداولة، وهذه الطبقة كانت بعد طبقة الإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى النيسابوري.
وقبل هذه الطبقة طبقة: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان.
وقبلها طبقة كبار أتباع التابعين كالإمام مالك والسفيانين: سفيان الثوري بالكوفة، وسفيان بن عيينة بمكة والحجاز، وشعبة بن الحجاج، والأوزاعي، والليث بن سعد.
وطبقة صغار التابعين وفيها الإمام الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقد أخذوا عن كبار التابعين مثل: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وخارجة وهؤلاء من أئمة التابعين، ثم هؤلاء أخذوا عن الصحابة كـ أنس بن مالك وابن عباس وغيرهما ﵄.
فهذه طبقات تروى حتى نستحضر طبقة الشيخ نعلم من فوقه ومن تحته من تلامذته ومن شيوخه.
يقول: عن الحسين بن منصور قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ويعرف ويشتهر بـ إسحاق بن راهويه.
فقد ذكر مسلم بن الحجاج فقال: مربى كاب مبول، وهذا الكلام فيما يبدو بالفارسية ومعناه: أي رجل كان هذا.
وقال أبو عمرو أحمد بن المبارك: سمعت إسحاق بن منصور يقول لـ مسلم بن الحجاج: لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان ثقة من الحفاظ، كتبت عمن روى عنه، وسئل عنه أبي فقال: صدوق، فـ أبو حاتم الرازي من طبقة مسلم والبخاري، وأبي زرعة ولابنه عبد الرحمن كتاب مشهور وهو الجرح والتعديل، فـ عبد الرحمن بن أبي حاتم إمام حافظ ينقل عن أبي حاتم الرازي.
وقال أبو قريش الحافظ: سمعت محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بنيسابور، وأبو عبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
وقال أبو عمرو بن حبان: سألت ابن عقدة الحافظ عن البخاري ومسلم أيهما أعلم؟ فقال: كان محمد عالماً ومسلم عالماً، فكررت عليه مراراً ثم قال: يا أبا عمرو قد يقع لـ محمد بن إسماعيل الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ثم ذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان.
أما مسلم فقل ما يقع له من الغلط؛ لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع والمراسيل، فهذا سر الترجيح على صحيح البخاري؛ لأن مسلماً أرجح وأعلى درجة وأتقن لهذه الصنعة.
وقوله: (المسانيد) أي: الأحاديث المسندة، وذلك لأن البخاري ﵀ أكثر في صحيحه من المقاطيع والموقوفات والأحاديث المعلقة؛ لأن البخاري ﵀ قصد مع تجريد الصحيح استنباط الأحكام الفقهية والنكت الحكمية.
والناظر في كتاب البخاري يجد فيه الفقه، فيقول مثلاً: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، فيترجم للأبواب، ويقطع الأحاديث، ويذكر الأحاديث بأكثر من رواية وفي أكثر من موضع، ويستأنس بأقوال الصحابة وبالمقاطيع والأحاديث المعلقة؛ يستأنس بذلك للتراجم التي يترجم لها.
أما الإمام مسلم فقد قسم صحيحه إلى كتب، مثل كتاب الإيمان، وكتاب الصلاة، وكتاب الجنائز، ولم يبوب أبواباً، وكان في الكتاب الواحد يسرد الأحاديث الكثيرة، وربما ذكر الحديث الواحد مروياً بخمس روايات أو أكثر، يسرد هذه الروايات المتتابعة في موطن واحد.
أما التراجم الموجودة الآن في كتاب صحيح مسلم فالمشهور والمتداول أنها من صنع الإمام النووي فقد وضع هذه التراجم للأبواب، أما الإ
стр. 118
أهمية دراسة تراجم العلماء
ودراسة هذه التراجم لها بركات كثيرة منها: أن نعرف هذه القمم الشامخة.
ومنها: أن نتقرب إلى الله بحبهم.
ومنها: أن ننظر إلى الجهد الذي بذلوه؛ لحفظ سنة النبي ﵌.
ومنها: أن نتأسى بهم، وأن نستفيد من علمهم، وأن نقتدي بهم.
ومنها: نزول الرحمات، فإذا ذكر الصالحون نزلت الرحمات، فهذه بعض بركات من دراسة هذه التراجم.
стр. 119
أهمية صحيح مسلم
أما أهمية صحيح الجامع، فقد قال الإمام النووي ﵀: ومن حقق نظره في صحيح مسلم ﵀، واطلع على ما أودعه في إسناده وترتيبه وحسن سياقه، وبديع طريقه من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق، وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الروايات وتلخيص الطرق واختصارها، وضبط متفرقها وانتشارها، وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات، واللطائف الظاهرات والخفيات، علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بل يدانيه من أهل دهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقال الحافظ: حصل لـ مسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، حيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل البخاري وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من نيسابور اليوم فلم يبلغوا شأوه، فسبحان المعطي الوهاب! فهؤلاء الأئمة لم يكونوا أعلم أهل عصرهم، فإن الإمام مسلماً عرض كتابه الصحيح على أبي زرعة الرازي فما أشار إليه بحذفه كان يحذفه، فدل على علو رتبة أبي زرعة.
ولكن هؤلاء الأئمة رزقوا هذا العلم لحسن النية، كما قال الحافظ: سبحان المعطي الوهاب.
وقال ابن كثير ﵀ في ترجمة الإمام مسلم صاحب الصحيح الذي هو صنو صحيح البخاري عند أكثر العلماء.
وذهبت المغاربة وأبو علي النيسابوري إلى تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري.
يقول: فإن أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شيء من التعليقات إلا القليل، فإن صحيح مسلم لم ترد فيه إلا ثلاثة من الأحاديث المحذوفة والمعلقة في بداية السند.
أما صحيح البخاري ففيه الكثير بالمئات، وإنما ذلك استعانة يستعين بها وليست على شرطه، أي: ولكن يستأنس ويستعين بها فيما يرجحه من آراء فقهية.
فصحيح الإمام مسلم ليس فيه من التعليقات إلا القليل، وأنه يسوق الأحاديث بتمامها في موضع واحد، ولا يقطعها كتقطيع البخاري لها في الأبواب، فهذا القدر ينازع قوة أسانيد البخاري في الصحيح.
أما صحيح البخاري فيتميز بقوة الأسانيد كما قال بعضهم: أسانيد مثل نجوم السماء أمام متون كمثل الشهب أي: أن الأسانيد قوية جداً، والمتون مثل الشهب في قوتها كما سترى في ترجيح البخاري على مسلم، ولكن الإمام مسلماً جمع الرواة في مكان واحد، وكان عنده حسن ترتيب وتنسيق واختصار كما سنرى.
فهذا القدر لا يوازي قوة أسانيد البخاري واشتراطه في الصحيح لها ما أورده في جامعه من معاصرة الراوي لشيخه وسماعه منه.
فهذا فرق بين البخاري ومسلم، فالإمام البخاري كان يشترط السماع؛ فالشيخ إذا روى عن الشيخ بالعنعنة لا يقبل منه، حتى يثبت أن فلاناً سمع من فلان ولا يكفي فيهما المعاصرة، كأن يكون هذا في قطر وذاك في قطر آخر، فلم تحصل مشافهة، فـ البخاري لابد أن يتأكد من السماع.
أما الإمام مسلم فيحمل المعاصرة على السماع، يعني: يكتفي بالمعاصرة وإن لم يثبت السماع.
قال الذهبي: ليس في صحيح مسلم من العوالي إلا ما قل.
فالإمام الذهبي يعرف كل كتب السنة، فكلامه يكتب بماء الذهب لمن يعرف قيمة هذا الكلام.
ومعنى العوالي: أن يقل عدد الرواة بين المصنف أو بين الراوي وبين النبي ﷺ ، وكلما قل عدد الرواة كان الحديث أبعد من العلل حتى لو كان الرواة كلهم عدولاً ضابطين فإن العدل الضابط قد يهم، لأنه ليس معصوماً من الخطأ.
فنعيب على الإمام مسلم بأن أحاديثه لم تكن من العوالي، وإنما أكثر أسانيده فيها عدد كبير من الرواة بينه وبين النبي ﷺ ، ولذلك فإن كثيراً ممن عاصره استحسن متون الأحاديث، ولكنه اعتبر هذه الأسانيد نازلة فأورد هذه المتون بأسانيد أخرى أكثر علواً، وسيأتي ذكر جماعة من هؤلاء.
فيقول الإمام الذهبي: ليس في صحيح مسلم من العوالي إلا ما قل كـ القعنبي عن أفلح بن حميد.
واسم القعنبي هو: عبد الله بن مسلمة يروي عن الإمام مالك.
ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام، ومالك، والليث وليس في الكتاب حديث عالٍ لـ شعبة، ولا للثوري، ولا لـ إسرائيل وهو كتاب نفيس كامل في معناه، ف
стр. 120
صفة الرواة الذين أخرج لهم الإمام مسلم في الصحيح
وقال الحاكم: وأراد مسلم أن يخرج الصحيح على ثلاثة أقسام وعلى ثلاث طبقات: منها: الرواة، وقد ذكر هذا في صدر خطبته، فلم يقدر إلا على الطبقة الأولى ثم مات.
ثم ذكر الحاكم مقالة هي مجرد دعوى فقال: إنه لا يذكر من الأحاديث إلا ما رواه صحابي مشهور له راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه أيضاً راويان ثقتان فأكثر، ثم كذلك من بعدهم.
فقال أبو علي الجياني: المراد بهذا إن هذا الصحابي أو هذا التابعي قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حد الجهالة.
وقال القاضي عياض: والذي تأوله الحاكم على مسلم من اقتران المنية له قبل استيفاء غرضه إلا في الطبقة الأولى، فأنا أقول: إنك إن نظرت في تفصيل مسلم في كتابه الصحيح الحديث على ثلاث طبقات من الناس على غير تكرار.
فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ، ثم قال: إذا انقضى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان، وذكر أنهم لاحقون بالطبقة الأولى، أي: أنهم استدلوا بأحاديثهم حتى لا ينفرطوا، فهؤلاء مذكورون في كتابه لمن تدبر الأبواب.
فأهل الحفظ والإتقان لا خلاف في وجودهم في صحيح الإمام مسلم، ثم تكلم في الطبقة الثانية من أهل الستر والصدق فقال: والطبقة الثانية: قوم تكلم فيهم قوم وزكاهم آخرون، فخرج حديثه عمن ضعف أو اتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري في صحيحه في تخريج أحاديث عن بعض الشيعة غير الغلاة، والخوارج المعروفين بالحفظ والإتقان، ولم يكونوا من دعاة أهل البدع، وكذلك عن المعتزلة وغيرهم كثير، ولكن بشرط أن يكونوا معروفين بالصدق والأمانة والصيانة.
ثم قال القاضي عياض: فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه وطرح الطبقة الرابعة.
فالطبقة الأولى: طبقة الحفاظ، والثانية: طبقة أهل الستر والصدق، والثالثة: تكلم فيهم قوم وزكاهم آخرون، وليس كل من تكلم فيه ضعيفاً بمجرد هذا الكلام، بل لابد أن يكون الجرح مفسراً، بحيث يخرجه عن العدالة، فليس كل من تكلم فيه بالضعف يخرج بذلك من عداد أهل العدالة.
قال الذهبي: بل خرج أحاديث الطبقة الأولى، والطبقة الثانية إلا النزر القليل مما يستنكره في الطبقة الثانية، ثم خرج لأهل الطبقة الثالثة أحاديث ليست بالكثيرة، وذلك في الشواهد والاعتبارات والمتابعات.
أما ترتيب الإمام مسلم للأحاديث، فيذكر الروايات التي ليس فيها مطعن والتي رواها أئمة حفاظ، ثم يروي عن رواة أقل منهم في الإتقان والحفظ، ثم يروي عمن تكلم فيهم بالضعف، وإن لم يكن هذا الكلام قادحاً، وسوف نجيب عن الإمام مسلم في إخراجه حديث جماعة ممن تكلم فيهم.
ثم قال الذهبي: وقل أن خرج لهم في الأصول شيئاً، والمراد بالأصول الأحاديث الأولى في بداية الأبواب والتي رواها الأئمة الحفاظ، ثم هناك شيء مهم هنا وهو قوة هذه المتون، وأنها أحاديث صحيحة؛ لقوة الأسانيد، فلا يضر الحديث أن يأتي من طرق أخرى فيها بعض من تكلم فيه بالضعف، بل هذا مما يزيدها قوة عند التعارض بكثرة الطرق.
فالذين تكلم فيهم بالضعف كان يذكرهم في الشواهد والمتابعات بعد أن يورد الأسانيد النظيفة أولاً.
ثم قال الذهبي: وقلّ أن خرج لهم في الأصول شيئاً، ولو استوعبت أحاديث أهل هذه الطبقة في الصحيح لجاء الكتاب في حجم ما هو مرة أخرى، ولنزل كتابه بذلك الاستيعاب عن رتبة الصحة، وهم: عطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، ويزيد بن أبي زياد، وأبان بن صمعة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو بن علقمة وطائفة أمثالهم فلم يخرج لهم إلا الحديث بعد الحديث، وهي أحاديث قليلة، فإذا كان لها أصل ساق أحاديث هؤلاء.
فالذين يكثرون من هذه الأحاديث التي فيها من تكلم فيهم هم: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، والدارمي وغيرهم من أصحاب السنن الذين لم يشترطوا الصحة.
يقول الذهبي: فإذا انحطوا إلى إخراج أحاديث الضعفاء الذين هم أهل الطبقة الرابعة.
وأما أهل الطبقة الخامسة ممن أجمع على اطراحه وتركه لعدم فهمه وضبطه، أو لكونه متهماً فينظر أن يخرج لهم أحمد، والنسائي، ويورد لهم أبو عيسى الترمذي فيبينه بحسب اجتهاده، فيقول: هذا مجمع على تركه، هذا ضعيف، هذا لم يوثقه أهل العلم، فهذه ميزة في كتاب جامع الإمام أبي عيسى الترمذي.
يقول: ويورد لهم أبو عيسى فيبينه بحسب اجتهاده، لكنه قليل، ويورد لهم ابن ماجه أحاديث قليلة ولا يبين والله أعلم، وقلما يورد منها أبو داود فإن أورد بينه في غالب الأوقات.
يقول: وأما
стр. 121
دقة الإمام مسلم وشدة تحريه في الجامع الصحيح
قال الإمام النووي ما ملخصه: سلك مسلم ﵀ في صحيحه طرقاً بالغة في الاحتياط والإتقان والورع والمعرفة؛ وذلك مصرح بكمال ورعه، وتمام معرفته، وغزارة علومه، وشدة تحقيقه بحفظه، وتقعده في هذا الشأن، وتمكنه من أنواع معارفه، وتبريزه في صناعته، وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه، لا يهتدي إليها إلا أفراد في الأعصار، فرحمه الله ورضي عنه، وأنا أذكر أحرفاً من أمثلة ذلك.
قوله: (رضي عنه) هي على سبيل الدعاء، فيجوز أن تقول لإنسان: رضي الله عنك على سبيل الدعاء، أما على سبيل الخبر فلا يجوز أن تقول إلا للصحابة، فإنهم يختصون بذلك؛ لأنهم هم الذين ﵃ وأرضاهم.
يقول ﵀: وأنا أذكر أحرفاً من أمثلة ذلك تنبيهاً بها على ما سواها، إذ لا يعرف حقيقة حاله إلا من أحسن النظر في كتابه مع كمال أهليته ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر إليها صاحب هذه الصناعة، كالفقه والأصولين -يعني: المصطلح وأصول الفقه- والعربية، وأسماء الرجال ودقائق علم الأسانيد والتاريخ، ومعاشرة أهل هذه الصنعة، ومباحثتهم مع حسن الفقه ونباهة الذهن، ومداومة الاشتغال بالذهن وغير ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها.
فمن تحري مسلم ﵀: اعتناؤه بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا.
والفرق بين (حدثنا) و (أخبرنا) أن من يسمع مع جماعة من لفظ الشيخ يقول (حدثنا)، ومن سمع لوحده يقول (حدثني).
أما من قرأ على الشيخ وهو جالس فإنه يقول: (أخبرنا) إذا كان معه جماعة من طلبة العلم، فلو كان لوحده يقول: (أخبرني).
وكثير من العلماء لا يفرقون بين (حدثنا) و (أخبرنا) فيقولون: هما درجة واحدة، وبعض العلماء يرجح (أخبرنا) على (حدثنا)، لأن الشيخ قد يسهو في القراءة عندما يقرأ فلا يستطيع أحد أن يرد عليه، ولكن لو قرئ على الشيخ والشيخ جالس متيقظ فإذا أخطأ القارئ فإن الشيخ يرد عليه، فقد كان الطلبة يقرءون على الإمام مالك الموطأ، ولهذا كان بعض العلماء يرجح القراءة على الشيخ على نفس قراءة الشيخ.
فالحاصل: أن الإمام مسلماً كان من الذين يفرقون بين (حدثنا) و (أخبرنا)، فـ (حدثنا) لابد فيها أن يسمع الطالب لفظة الشيخ وكلام الشيخ، أما (أخبرنا) فإن الطالب يقرأ على الشيخ.
يقول النووي ﵀: وتقييده ذلك على مشايخه وفي روايته.
فإذا قال له شيخه: حدثنا فلان فإنه يثبت هذه الكلمة وكذلك إذا قال له: أخبرني.
يقول: وكان من مذهبه ﵀ الفرق بينهما، وأن (حدثنا) لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و (خبرنا) لما قرئ على الشيخ.
وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق.
ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة كقوله: حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان، يعني: أن الحديث له راويان، ولكن لفظ المتن مختلف فيميز فيقول: حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان، وهذا من شدة دقة الإمام مسلم وتحريه.
يقول ﵀: قال أو قالا: حدثنا فلان، وكما إذا كان بينهما اختلاف في حرف من متن الحديث أو صفة الراوي أو نسبه أو نحو ذلك فإنه يبينه، وربما كان بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى، ولكن كان خفياً لا يتفطن له إلا ماهر في العلوم التي ذكرتها في أول الفصل مع اطلاع على دقائق الفقه ومذاهب الفقهاء.
ومن ذلك تحريه في رواية صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة كقوله: حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن همام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ .
أي: أن صحيفة همام بن منبه هي مجموعة أحاديث فيها مائة أو مائتا حديث، فهو يذكر أحاديث من هذه الصحيفة لا يذكرها بالسند؛ لأنه روى بسند واحد جملة أحاديث.
فمن تحري الإمام مسلم عندما يروي حديثاً من هذه الصحيفة يقول مثلاً: حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن همام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: يقول رحمه الله تعالى: فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : (إذا توضأ أحدكم فليستنشق)، الحديث.
ومن ذلك: تحريه في مثل قوله: حدثنا عبد الله بن مسلمة -ولقبه القعنبي - حدثنا سليمان -يعني: ابن بلال - فلو قال الإمام مسلم: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان بن بلال لكان في ذلك شبهة كذب على شيخه، فهو يريد أن يبين في الرواة أنه سليمان بن بلال، لأنه قد يكون أكثر من سليمان في نفس الطبقة.
يقول
стр. 122
الجواب على من عاب على مسلم إخراجه عن بعض الضعفاء
الجواب على من عاب على مسلم إخراجه عن جماعة ممن تكلم فيهم بالضعف: قال الإمام النووي: عاب عائبون مسلماً بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح.
ولا عيب عليه في ذلك، بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده.
وذلك أن التضعيف والتوثيق مسألة اجتهادية، فقد يكون الراوي هذا ثقة عند الإمام مسلم، وهذه مسألة اجتهادية فلكل اجتهاده.
فالجواب الأول: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتاً مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذلك.
وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب، يعني: الراجح أنها أوهام ولم يثبت عليهم هذا الطعن.
الثاني: أن يكون ذلك واقعاً في المتابعات والشواهد لا في الأصول، فيذكر الأسانيد السليمة برواية الحفاظ المتقنين أولاً ثم أهل الستر والصدق، ثم من تكلم فيهم بالضعف.
فيكون مطمئناً للمتون بالأسانيد الأولى، ثم يذكر بعد ذلك أسانيد فيها شيء من الكلام.
يقول: أن يكون ذلك واقعاً في المتابعات والشواهد لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه.
الجواب الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته.
أي: أن الإمام مسلماً روى عن راو ثم اختلط هذا الراوي بعد رواية الإمام مسلم عنه.
يقول: كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر -أي أن الإمام مسلماً روى عنه قبل أن يختلط- فهو في ذلك كـ سعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق وغيرهما ممن اختلط آخراً، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك.
الجواب الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفياً بمعرفة أهل الشأن في ذلك؛ لأن الحديث قد يكون ثابتاً من رواية الثقات، ولكنه حديث نازل يعني: أن عدد الرواة كثير في السند.
فقد يرويه الإمام مسلم بسند عال، ولكن فيه بعض الرواة ممن تكلم فيهم، وهو مطمئن أن أهل عصره يعرفون أن هذا الحديث ثابت برواية الحفاظ، فلا يضر أن يكون بعض رواة السند ممن تكلم فيهم إذا كان السند عالياً، وذلك في الشواهد والمتابعات.
стр. 123
المقارنة بين صحيح البخاري وصحيح مسلم
قال الإمام النووي: اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري، ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري.
والقصة معروفة أن الإمام مسلماً كان يتعلم من الإمام البخاري، وكان يتعلم من محمد بن يحيى الذهلي ثم لما وقع الكلام بين محمد بن يحيى الذهلي والإمام البخاري ونسب للإمام البخاري القول بخلق القرآن، فقال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: من كان يجالس محمد بن إسماعيل فلا يجلس إلينا، أو من قال باللفظ فلا يجلس إلينا، كان مسلم يقول بما يقوله الإمام البخاري، وهما بريئان من هذه التهمة، وهما من أئمة أهل السنة، فترك الإمام مسلم مجلس محمد بن يحيى الذهلي وأرسل إليه كل الأحاديث التي سمعها منه.
ومن باب الإنصاف: لم يرو الإمام مسلم في صحيحه حديثاً واحداً عن الإمام البخاري مع أن البخاري شيخه، وهو أكبر منه وأعلم منه.
أما الإمام البخاري فروى أحاديث عن محمد بن يحيى، واعتبر أن ما وقع بينه وبين محمد بن يحيى ليس قادحاً في عدالته، فكان يقول: حدثنا محمد ويسكت.
стр. 124
تزكية النفوس
لقد شرع الله لعباده طاعات وعبادات بها تزكو نفوسهم، فمنها فرائض وواجبات، وأولها التوحيد، ومنها نوافل، وإنما يزكو بها العبد، ويرتقي إلى منازل الأولياء والصالحين بالعبادات المشروعة فحسب، وأما العبادات المبتدعة فلا ترقى بصاحبها إلى منازل الأولياء، وإنما تهوي به إلى الحضيض، ولا تزيده من الله إلا بعداً.
стр. 125
معنى التزكية
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢].
فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
إن من مهمات النبي الكريم ﷺ : تزكية نفوس العباد، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]، فمن مهمات النبي ﷺ : تزكية النفوس.
والتزكية هي التعلية، وهي التطهير كما سميت صدقة المال الواجبة زكاة؛ لأن بها يطهر المال عندما يخرج العبد حق الله فيه، وكذلك يصفو قلب المزكي ويتخلص من عادة الشح والبخل والتعلق بالمال، وتطهر نفس الفقير من حسد الغني، ويطهر المجتمع من الحوادث التي تكون نتيجة لتفاوت الطبقات وعدم حصول الفقير على شيء من مال الغني، فهي زكاة للمال، وزكاة للمزكي وزكاة للمزكى عليه، وزكاة للمجتمع.
فالتزكية: هي التنمية، وهي التطهير، وهي التعلية، يقال: زكا الزرع إذا بلغ كماله.
كذلك النفس تزكو عندما تستجيب لأمر الله ، ولأمر رسول الله ﵌.
وقد من الله على عباده بهذه التزكية، فقال : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١]، وكان النبي الكريم ﷺ يدعو الله بهذه الزكاة فكان من دعائه: (اللهم أعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)، فكان يسأل الله أن يزكي نفسه.
أقسم الله في كتابه أحد عشر قسماً متوالياً -وليس في القرآن كله من أوله إلى آخره أقسام متوالية على هذا النسق وبهذا العدد- على أن فلاح العباد في تزكية نفوسهم، وعلى أن خيبتهم في تدسية نفوسهم، فقال : ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ١٠].
فالله يريد أن يلفت أنظار العباد إلى خطر هذه الحقيقة، وهي أن فلاح العباد وفوزهم ونجاحهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة في تزكية نفوسهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠].
والتدسية عكس التزكية، فالتزكية: التنمية والتطهير والإعلاء.
والتدسية: التصغير والتحقير حتى تصير النفس حقيرة دنيئة لا تكاد ترى من حقارتها ودناءتها، كما قال : ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩]، أي: يخفيه في التراب، فلا فلاح للعباد في الدنيا والآخرة إلا في تزكية نفوسهم، والنفس بطبيعتها -وهذه عجيبة من عجائب النفس البشرية- فيها استعداد للتعلية والترقية حتى يكون العبد أفضل من ملائكة الله ، وفيها استعداد كذلك للتدسية والتصغير حتى يصير العبد أخبث من إبليس، كما قال بعضهم: وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من ج
стр. 126
الغاية من تزكية النفس
التزكية درجات، والعبد يزكي نفسه حتى يصير أفضل من ملائكة الله ، وحتى يدخل جنة الله ، فإذا دخل جنة الله دخلت عليه الملائكة من كل باب: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، فالنفس فيها استعداد للتزكية -أي: للتعلية- وفيها استعداد كذلك للتدسية، قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
وقال : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:١ - ٦].
فدواب الأرض أحسن حالاً من الكفار الذين لا يعبدون الله ولا يعرفون الله ، كما قال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٥٥]، فهؤلاء شر من يدب على الأرض، فهم أشر وأخبث وأقل درجة من الحشرات التي تدب على الأرض، والكلب والخنزير أفضل منهم؛ لأنهم بنص الآية شر من يدب على الأرض، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فالله ذكر أنهم كالأنعام، ثم نزل بدرجتهم عن الأنعام فقال: ((بَلْ هُمْ أَضَلُّ))، فانظروا إلى طبيعة النفس البشرية وكيف استعدادها للترقية والتزكية والتعلية، وكيف أنها مستعدة كذلك للتدسية والتصغير والتحقير، فلا يمكن للعبد أن يسعد في الدنيا والآخرة ولا يمكن أن يحيا حياة طيبة ينتقل بها إلى سعادة أبدية سرمدية إلا بتزكية نفسه، فلا يفلح العبد إلا بتزكية نفسه.
قال عبد الله بن المبارك ﵀: إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا، فينبغي علينا أن نكرهها.
النفس جاهلة ظالمة، كما قال : ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، والجاهل والظالم لا يعرف مصلحته ولا يعرف ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، فصلاح النفس في توحيد الله، وصلاح النفس في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ولكن النفس الجاهلة لا تأتي معك على ذلك، فينبغي عليك أن تكرهها كما يكره الصبي، وكما يكره المجنون على ما فيه فلاحه، وعلى ما فيه نجاحه.
كذلك فلاح العبد في طاعة الله والطاعات تثقل على النفوس الجاهلة، كما قال : ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]، فيثقل على الجاهلين وعلى الظالمين أن يدخلوا بيت الله، ويثقل على الجاهلين والظالمين أن يقفوا بين يدي الله دقائق معدودة في الصلوات الخمس، مع أنهم قد يقفون ساعات طويلة طلباً لربح دنيوي أو شهوة دنيوية، وهذا من جهلهم بمواقع الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فالنفس جاهلة ينبغي على العبد أن يجبرها في بداية الأمر على طاعة الله، وعلى الاستجابة لله وللرسول ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].
فالشرع حياة للقلوب وحياة للأبدان، والذين لا يهتدون بشرع الله، ولا يؤمنون بدين الله أموات غير أحياء، وما يشعرون أيان يبعثون، قبور تتحرك على الأرض: وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور.
فالحياة الحقيقية في طاعة الله ، والسعادة في طاعة الله فينبغي للعبد أن يكره نفسه أولاً على طاعة الله قال بعض السلف: سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، ثم سقتها بعد ذلك وهي تضحك.
وقال بعضهم: عالجت قيام الليل سنة وتمتعت به عشرين سنة، أي: أنه في السنة الأولى كان يجبر نفسه على قيام الليل ويشق عليه القيام وهو يعالج نفسه ويجبر نفسه على قيام الليل، فلما تعلمت النفس الجاهلة وذاقت حلاوة الطاعات وحلاوة العبادات صار يتمتع بقيام الليل، كما قال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وقال بعضهم: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة.
وقال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أزعجني إلا طلوع الفجر، ونحن في وقت الشتاء والشتاء كما ورد في بعض ا
стр. 127
وسائل تزكية النفوس
كيف تكون التزكية وما هي وسائل أهل السنة والجماعة في التزكية؟
стр. 128
تزكية النفس بإخلاص التوحيد
التزكية عند أهل السنة والجماعة تزكية بالتوحيد أولاً؛ لأن أكبر نجاسة هي الشرك بالله ، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، قلوبهم نجسة؛ لأنها مشركة وهذه النجاسة يقول الفقهاء: بأنها نجاسة معنوية، والدليل على ذلك أن ثمامة بن أثال شاعر بني حنيفة ربط في المسجد قبل أن يسلم من أجل أن يرى الصحابة وهم يصلون ويدعون الله ، ويمر عليه النبي ﷺ فيقول: (ما عندك يا ثمامة؟ فيقول: عندي خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن ترد المال فسل ما شئت، فيطلقه النبي ﷺ في اليوم الثاني أو الثالث فأسلم ثمامة بن أثال).
فلو كان الكافر نجساً نجاسة عينية؛ لنزه مسجد النبي ﷺ عن هذه النجاسة، كذلك يجوز للمسلم أن يتزوج بالكتابية ولا يسلم من عرقها، والواجب عليه الغسل والطهارة كما هو الواجب على من تزوج بالمسلمة فهذه نجاسة معنوية كنجاسة الخمر، وطهارة هذه النجاسة ليست طهارة بالماء ولكنها طهارة بالتوحيد كما أرسل الله موسى إلى فرعون يقول له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٨ - ١٩] أي: تتزكى بالتوحيد ونبذ الشرك، ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٨ - ١٩].
وقال : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، استدل بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على كفر مانع الزكاة، ولكن الصحيح والراجح أن الزكاة هنا هي التزكية بالتوحيد كما قال ابن عباس ﵄: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٨] أي: تتزكى بالتوحيد ونبذ الشرك، فأكبر نجاسة هي نجاسة الشرك بالله فتكون بداية التزكية عند أهل السنة والجماعة أن يبدأ العبد بالتعرف على الله ، والتعرف على النبي ﷺ وأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فهذه التزكية الأولى، تزكية بالتوحيد فلا يدعو غير الله لا يذبح لغير الله لا ينذر لغير الله لا يحلف بغير الله لا يستغيث بغير الله لا يعلق قلبه رجاءً أو خوفاً أو محبة أو توكلاً على غير الله ؛ لأن العبادة هي: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فلا إله إلا الله كلمة تخلع بها كل الأصنام وكل الآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله ، فإن معنى لا إله إلا الله، أي: لا إله بحق أي: لا معبود بحق إلا الله ؛ لأن الإله من عبد بحق أو بباطل، فكل الآلهة التي تعبد من دون الله كالشمس والقمر، والبقر والنجوم والطواغيت والهوى والشياطين وغير ذلك مما يعبد من دون الله كل هذه آلهة باطلة، والعرب يفهمون هذه الكلمة.
ولذلك ما أعطوها للنبي ﷺ حتى علموا أنهم يقومون بحق هذه الكلمة فلا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله، وتوحيد الربوبية أن تعتقد أنه لا رب إلا الله والرب هو الخالق وهو الرزاق، وهو الذي يربي الناس بالنعم، وهو الذي يجمع الناس ليوم لا ريب فيه، وهو المشرع فلا يجوز أن تتحاكم إلى غير شرع الله .
أو أن تعتقد أن غير الله له حق التشريع فهذا توحيد الربوبية فلا رب إلا الله.
وتوحيد الأسماء والصفات أن تثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ إثباتاً بلا تشبيه، وأن تنزه الله عن مشابهة المخلوقين تنزيهاً بلا أباطيل فهذا توحيد الأسماء والصفات أن تثبت لله كلما أثبته لنفسه وكلما أثبته له رسوله ﷺ ، فليس أحد أعلم بالله بعد الله من رسول الله ﵌ فلا تنفي الصفات بدعوى تنزيه الله ولكن يجب عليك أن تثبت لله ما أثبته لنفسه، كما قال : ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]، وقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، رد على المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه، وقوله : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، رد على المعطلة الذين عطلوا الله عن صفات كماله فالله سميع بصير، ولكن سمعه ليس كسمع المخلوق فإن سمع المخلوق محدود وبذبذبات معينة وعلى مسافة معينة، وليس بصره محدوداً كبصر المخلوقين في ظروف معينة كتوفر الضوء وتكون الأجسام على حجم معين فإذا كانت دقيقة جداً لا يراها، أو على مسافة معينة فإذا كانت بعيدة جداً لا يراها وإذا كان بينه وبين هذه الأشياء جدار ف
стр. 129
تزكية النفوس بأداء الفرائض
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
بعد توحيد الله ينبغي على من أراد أن يزكي نفسه ينبغي عليه أن يجتهد في أداء ما افترض الله كما ورد في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فينبغي على العبد أن يبدأ بالفرائض فيستكملها أولاً؛ لأنها رأس المال، فينظر في صلاته هل يصلي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي ويخشع في الصلاة، ويتم الركوع والسجود، فيصلي في أول الوقت وفي الجماعة ويأتي بشرائط الصلاة وسنن الصلاة، هل يصوم شهر رمضان كما أمر الله ، هل عنده مال تجب فيه الزكاة، هل يستطيع حج بيت الله الحرام فهكذا ينبغي على العبد أن يبدأ طريق التزكية بأداء الفرائض، وأفضل الأعمال أداء ما افترض الله والورع عما حرم الله وحسن النية فيما عند الله .
стр. 130
تزكية النفس بالاستزادة من النوافل
فبعد ذلك يبدأ العبد بفتح أبواب النوافل لما ورد أيضاً في هذا الحديث القدسي عن أبي هريرة: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها)، وفي رواية: (ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)، فبعد أن يزكي العبد نفسه بالتوحيد وأداء فرائض الله يزكي نفسه بكثرة النوافل فيفتح على نفسه أبواب النوافل نوافل الصلاة ونوافل الصيام ونوافل الحج والعمرة ونوافل الصدقات بعد أداء الزكاة الواجبة ونوافل الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﵌.
قال العلماء: ما بال النوافل كانت هي السبب الموصل إلى محبة الله دون الفرائض؟ قيل: لأن العبد يفعل الفريضة مخافة العقوبة ورجاء الأجر، أما النافلة فإنه يفعلها بإخلاص نية التحبب إلى الله فهو إذا لم يؤد الفرض متعرض للعقوبة، ولكن النافلة ليست هناك عقوبة في تركها، فلما خلصت النية في النوافل كانت النوافل هي السبب الموصل إلى محبة الله دون الفرائض، فطريق التزكية بالتوحيد ثم بأداء الفرائض ثم بالتحبب والتقرب إلى الله بالنوافل المشروعة لتزكية النفس.
стр. 131
التزكية عند الصوفية
أغنانا الله بالشرع المتين عن أن نبتدع طرقاً للتزكية كما فعلت الصوفية فإنهم يبتدعون طرقاً يزعمون أنها تزكي نفوسهم وأنها تقربهم إلى الله ، من ذلك أنهم يحرمون على أنفسهم ما أحل الله كالزواج وأكل الطيبات.
وهذا لم يتعبدنا الله به بل قال النبي ﷺ : (وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فمن ترك الزواج بدعوى أنه يزكي نفسه، أو يقول: هو يأنس بالله ولا يأنس بالزوجة فهذا مردود؛ لأن سيد العابدين ﷺ تزوج ثلاث عشرة امرأة وقيل: خمس عشرة امرأة ومات عن تسع وما شغله ذلك عن كمال عبوديته لله وقال: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) ومع ذلك كان سيد العابدين وكان سيد الشاكرين وسيد الصابرين، فالأنس بالزوجة أنس طبيعي لا يعارض الأنس بالله .
كذلك من طرقهم في التزكية أنهم يزكون أنفسهم -زعموا- بذكر اسم الله المفرد، مظهراً أو مضمراً فيظل أحدهم يصيح طوال الليل ويقول: الله الله ولو قال العبد: الله ألف مرة لا يصير بذلك مسلماً حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
فكلمة الله لا تتضمن كفراً ولا إيماناً بل ينبغي أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فهذا الذكر بالاسم المفرد مظهراً، وأما المضمر فيقول: هو هو ويظل طوال الليل يقول: هو هو، ويقول بعضهم: لا هو إلا هو ويقولون: الذكر بالاسم المفرد مظهراً هو ذكر العوام ومضمراً هو ذكر الخواص ولا هو إلا هو هو ذكر خواص الخواص وهذا ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، فهذه وسائل مبتدعة ذمها الشرع المتين.
فلا يجوز للعبد أن يتقرب بالذكر إلا أن يتضمن الذكر معنى كاملاً صحيحاً يقول: الحمد لله، الله أكبر، لا إله إلا الله، يقرأ القرآن ولكن لا يستمر على الذكر بالاسم المفرد مظهراً أو مضمراً، وهذه الطرق المشئومة عند الصوفية أوصلتهم إلى النهايات المشئومة من القول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد.
فلو ظل طوال الليل يقول: هو هو، يأتي له الشيطان يقول: الله هذا المصباح أو هذا الجدار فيقتنع الجاهل بذلك ويلتبس عليه الأمر، كما قال أبو يزيد البسطامي: ما في الجب إلا الله، وقال بعضهم -والعياذ بالله-: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا.
فهم يعتقدون بأن الله يحل في الأشياء وأن فرعون عندما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، لم يخطئ في ذلك يعتذرون لفرعون بأن الله حل فيه، وهذا القول كفر مصادم لآيات الله ولكتاب الله ، فمن سلك هذا الطريق أوصله إلى نهايات مشئومة.
فكمال العبودية وكمال التزكية عند أهل السنة والجماعة أن تعتقد بأنك عبد لله ، فهم يزكون أنفسهم من أجل الوصول إلى تحقيق كمال العبودية لله .
وقد وصف الله أكابر الخلق بالعبودية فقال: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢].
ووصف الله نبينه محمداً ﷺ بالعبودية في أسمى مواقفه وفي أحسن أحواله فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، وهذا في مقام الدعوة إلى الله ، وقال في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، وقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، قال الإمام الطحاوي في تشريفات نبينا محمد ﷺ قال: وأن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى وأنه إمام الأتقياء وخاتم الأنبياء وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء، فهذا كمال التزكية عند أهل السنة والجماعة أن يحقق العبد كمال العبودية لله وهي تشريف وتكريم كما قال القاضي عياض: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا بخلاف الصوفية الذين يزعمون الفناء والحلول والاتحاد ويقولون: عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانياً تقول للشيء كن فيكون، وهذا الحديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ ، فمهما ترقى العبد لا يكون أفضل من حال نبينا محمد ﷺ ، ولم يكن يقول للشيء كن فيكون، بل كان عبداً أنعم الله عليه بكمال العبودية وشرفه الله بها وقال ﷺ : (أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة)، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله و
стр. 132
تلك الدار الآخرة
الدنيا دار ابتلاء ودار عبور إلى الدار الآخرة، والناس يردون الدنيا وعنها يصدرون، فمنهم من يصدر عنها بتجارة رابحة مع الله ، وهم المتقون الذين لم يغتروا بزخرفها وزينتها، وعلموا أنها ليست دار قرار وإنما هي متاع قليل، وأن الآخرة خير وأبقى، ومنهم من يصدر عنها بتجارة خاسرة، وهم الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وجعلوها نصب أعينهم، فمن أجلها يعملون ويكدحون، فأعمى حب الدنيا بصائرهم، وجاءهم الموت فنقلهم إلى الدار الآخرة بلا زاد ولا عدة، ولم تنفعهم أموالهم التي جمعوا في الدنيا، بل كانت عليهم وبالاً.
стр. 133
فوائد وعبر من قصة قارون
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمةً ومنةً وفضلاً، فهذا عدله وحكمته، وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء، والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢] فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً.
أما بعد فأصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
قال الله : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٧٦ - ٨٣].
стр. 134
قصة قارون تمثل قصة كل من اغتر بالدنيا وتعلق بزخرفها
هذه القصة هي قصة المال الذي يطغي صاحبه، والذي لا يعترف صاحبه بأن الله أنعم عليه به، فلا يؤدي زكاة ماله، ولا يشكر ربه ، ولا يستعمله في طاعة الله ، بل يتكبر به على عباد الله، ويبغي به على عباد الله ، ويحسن الظن بنفسه، يظن أنه بمهارته وأنه بذكائه وأنه بسعيه حصل هذا المال، فيقول: أنا رجل عصامي، ما ورثت هذا المال بل اكتسبته بجهدي ومهارتي، لا يعترف بأنه نعمة من عند الله ، فكلما ازداد ماله يزداد كبراً ويزداد بغياً ويزداد عجباً بنفسه.
ثم هي قصة الدنيا التي تزهو وتعجب الناظرين، فيتمنى الناس ما في هذه الدنيا من زينة ثم عاقبة هذه الدنيا الزائفة إلى الفناء وإلى الزوال كما قال عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
ولكن أهل العلم لا يغترون بزينة الدنيا، ويعلمون أن الآخرة هي الحيوان، وأن الدنيا عرض زائل.
قصة قارون التي قصها الله علينا في كتابه في خاتمة سورة القصص بقوله : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦]، قيل: كان ابن عم موسى، وقيل: كان عمه لأبيه وأمه، وهناك قول: بأنه كان من قومه الذين أرسل بالدعوة إليهم؛ أي: كان من قبط مصر، فآتاه الله ﴿مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]؛ أي: أن مفاتيح الكنوز تثقل على الجماعة الكبيرة ذات القوة أن يحملوها، وقيل: خزائنه تنوء بالعصبة أولي القوة.
стр. 135
اغترار قارون وإمعانه في الضلالة رغم كل ما قدم إليه من نصح
قال الله : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦].
قيل: الذي نصحه هو موسى.
وقيل: الذي نصحه المؤمنون من أتباع موسى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص:٧٦] نصحوه بخمس نصائح: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٦ - ٧٧].
فنصحوه بهذه النصائح الخمس: النصيحة الأولى: قالوا: لا تفرح، أي: فرح بطر وأشر، فرح إعجاب بالنعمة وغرور بها، ولكن من فرح بها لأنها نعمة من عند الله واستوجب منه هذا الفرح شكر نعمة الله عليه، فهذا الفرح يكون ملازماً لشكر الله كما قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
فنعمة الله إذا اعترف العبد بها وفرح بها واعترف أنها نعمة من عند الله وقام بواجب شكرها، فهذا الفرح محمود، ولكن الفرح الذي ذمه المؤمن على قارون هو فرح البطر الذي يطغي صاحبه، ويغتر صاحبه بنعمة الله عليه، ويظن أن له منزلة عند الله ، أو أنه يستحق التكريم والتشريف، كما أخبر الله عن الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]، والذي قاله صاحب الجنتين: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦].
مع أنه كفر بالله عندما قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦] فهو يكفر بالآخرة، ومع ذلك يعتقد أنه لو كان ثم آخرة لكان له جنة أفضل من جنة الدنيا؛ لأنه اعتاد في الدنيا أن يكون مميزاً وأن يكون مكرماً، وأن يكون أكثر من الناس، فهو يظن أن الآخرة كذلك.
وأن من كان أكثر مالاً وأولاداً وجاهاً وسلطاناً في الدنيا فهو في الآخرة كذلك، وما درى أن الآخرة خافضة رافعة، ترفع أهل الإيمان وتخفض أهل الكفر والنفاق والعصيان، يرتفع في الآخرة أهل التقوى كما قال : ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢].
ويقول النبي ﷺ : (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو ينفق ماله يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأحسن المنازل عند الله.
ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو آتاني الله مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته وهما في الأجر سواء.
ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهذا بأسوأ المنازل عند الله، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو آتاني الله مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء).
وأكثر الناس ليس عندهم زينة من الدنيا ولا أعراض من أعراض الدنيا، ومع ذلك يتمنون لو أن عندهم مالاً يعصون به الكبير المتعال ويبغون به في الأرض، ويفسدون به في الأرض، وإنما ينفع المال إذا كان لصاحبه علم، فهو بأحسن المنازل عند الله : (رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو ينفق ماله يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً).
كذلك يلحق هذا بالنية من عنده علم وليس عنده مال، فعاد الشرف بجملته على العلم وأهله، والله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا لمن أحبه، قال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، ومفهوم الحديث: من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين وإن كان رئيساً وإن كان وزيراً وإن كان أميراً، فإذا لم يفقه في دين الله فمهما أعطي من زينة الدنيا، فإن الله لم يرد به خيراً، قال الله : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥] أي: لولا أن تكون الفتنة شديدة على أهل الإيمان لجعل الله ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ
стр. 136
استعمال النعم في مرضاة الله وطاعته علامة شكرها ودليل دوامها
قال الله : ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٦ - ٧٧]، فكل عبد أنعم الله عليه بنعمة فمن شكر هذه النعمة أن يستعملها في طاعة الله ولا يستعملها في معصية الله ، كما قال موسى عندما قتل القبطي: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] أي: بما أنعمت علي من قوة البدن ومن السلطان ومن الوجاهة فلن أكون ظهيراً للمجرمين.
فمن أعطاه الله علماً عليه أن يسعى في تعليم هذا العلم، ومن أعطاه الله مالاً فعليه أن ينفق من هذا المال في طاعة الكبير المتعال، قال النبي ﵌: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)، ومن أعطاه الله جاهاً ومنزلة في قلوب الناس فزكاة ذلك الشفاعات الحسنة كما قال : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥].
فعلى العبد أن يشكر نعمة الله عليه مهما كانت هذه النعمة.
стр. 137
العمل للآخرة لا يعني الإعراض عن الدنيا بالكلية
قال : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
قال بعضهم: لا تنس نصيبك من الدنيا، أي: من طاعة الله ، وهذا غاية الوعظ والنصح؛ لأن هذا النصيب الحقيقي من الدنيا، وقال بعضهم: هو من باب الترفق به ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] أي: أنك لا تترك زينة الدنيا بالكلية، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] أي: الرزق الحلال والتمتع بالطيبات والمباحات في الدنيا يشترك فيه المؤمنون والكافرون، ولكنه وقف في الآخرة على أهل الإيمان.
وقيل: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] أي: لا تنس أنك لا تنال من الدنيا إلا الزاد والكفن: فانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الزاد والكفن أي: أن هذا نصيب العبد من الدنيا، قال النبي ﷺ : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فإن الذي ينفقه من ماله وإن الذي يمسكه مال وارثه)، فالعبد قد يجمع الأموال في الدنيا ولا يخرج حق الله منها ثم يترك هذا المال بأجمعه لورثته، وورثته إما أن يكونوا من الصالحين فينفقون هذا المال في طاعة رب العالمين، فيجد المال الذي اكتسبه والذي بخل بزكاته والذي بخل بإنفاقه حتى على نفسه يجده في ميزان غيره يوم القيامة، أو يستعين به الورثة على معصية الله فيكون قد جمع لهم المال وتركه لهم يعصون به الكبير المتعال.
فهو على كلا الحالتين نادم، ولكن من أنفق ماله في طاعة الله فإنه يجد هذا المال موفوراً مدخراً يوم القيامة.
كان بعض السلف إذا أتاه سائل يقول: مرحباً بمن جاء يحمل حسناتي إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: نعم السائلون ينقلون حسناتنا إلى الآخرة بغير أجرة أي: يبدلون هذه العملة إلى حسنات يوم القيامة ولا يأخذون أجراً على ذلك.
وقال : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، لما نصحه المؤمنون بأن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة وأن يحسن في ماله، ونصحوه بعموم الإحسان في كل شيء ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، ثم نهوه عن البغي والفساد في الأرض: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧].
فكانت نصيحة جامعة مانعة، فـ قارون الذي أعماه ماله ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: أنه ينسب النعمة إلى نفسه، أو يقول: الله أعطاني هذه النعمة لعلمه بشرفي وكرامتي ولأني أستحق هذه النعمة، أي: أنه لابد أن يكون كريماً عند الله فيعطيه الله هذه النعمة.
ولذلك قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨] أي: أن الله أهلك من هو أشد قوة منه وأكثر مالاً منه، فلو كان إعطاء المال والنعمة وإعطاء الجاه والسلطان علامة على رضا الله ، فكيف أهلك الله ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 138
الحث على المسارعة في أعمال الآخرة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
قوله : ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: بمهارتي وذكائي وبجدي واجتهادي، ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٨ - ٧٩].
خرج في تجمله وفي زينته وفي موكبه فأعجب هذا المنظر أهل الدنيا الذين لا يعرفون الله والذين لا يعرفون الدار الآخرة، الذين يغترون بظاهر الدنيا وزينتها ولا يدرون كيف وصل أهل المال إلى هذا المال، فقد يصلون إليه بالبغي والعدوان، وقد يكون هذا المال من أموال الناس بالظلم أو السرقة، فهم لا يعرفون كيف وصل إلى هذا الحد، وإن كان المال حلالاً فكيف يغتر المؤمن بالدنيا والدنيا في الآخرة كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما يرجع.
كم يعيش العبد في الدنيا يقول : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥].
وقال : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٤]، وقالوا: هي عشية أو ضحاها فالدنيا ساعة، بل لا تساوي ساعة من ساعات يوم القيامة، فكيف بالآخرة خلود في النعيم المقيم أو العذاب الأليم.
فالمؤمنون لا يغترون بزينة الدنيا ولا يغترون بزخرفها، وإنما يغتر بذلك من بخس حظه من العلم النافع والعمل الصالح ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، فالعبد لا يحسد أهل الدنيا على دنياهم؛ لأن الدنيا تزول عن قليل، فمن أراد أن يحسد فعليه أن يحسد أهل العلم النافع، وعليه أن يحسد أهل العمل الصالح كما قال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)، وقال بعضهم: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الدين، وقال بعضهم: إذا استطعت ألا يسبقك أحد إلى الله فافعل.
قال : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فإذا ذكر الله الآخرة شرع لنا التنافس والتسابق.
قال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، وإذا ذكر الله الدنيا والسعي على المعاش، قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥].
فالناس يتسابقون ويتسارعون إلى الدنيا ولكنهم لا يتسابقون ويتسارعون إلى الآخرة، ولكن أهل العلم النافع الذين يعلمون خبث الدنيا وزوالها، وأنها كقطعة الثلج رخيصة الثمن سريعة الذوبان، والآخرة جوهرة غالية الثمن، فهؤلاء يتسابقون على الآخرة ويتسارعون إلى درجات الآخرة، ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٧٩ - ٨٠] أي: لا يلقى الآخرة ولا يلقى ثواب الله إلا الصابرون، وقالوا: لا يعلم هذا العلم ولا يفهم هذا الفهم ولا يلقى ذلك إلا الصابرون الذين صبروا على طاعة الله وصبروا عن معصية الله ، وصبروا على الأقدار التي تخالف هوى نفوسهم فهم لا يغترون بالدون ولا يبيعون الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون، لا ينافسون على زينة الدنيا وزخرفها، ولكنهم ينافسون على النعيم المقيم ومجاورة رب العالمين فلا يغترون بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطان.
стр. 139
الاعتبار بسرعة زوال الدنيا وتبدد زينتها وزخرفها
قال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨٠ - ٨١]، والفاء للتعقيب، وهي إشارة إلى سرعة زوال الدنيا كما قال : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧]، وقال : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١].
وهذه عاقبة كل جبار وكل متكبر وكل باغ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] أي: به وبماله وخزائنه وقصره، فصار عبرة للمعتبرين ومن لم يعتبر بغيره صار عبرة لغيره، والسعيد من اعتبر بغيره والشقي من اعتبر بنفسه، قال : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
فإذا جاء عذاب الله ، وإذا جاءت نقمة الله لا يستطيع من على وجه الأرض أن يردوا عذاب الله أو يحمي الطاغي الباغي من عذاب الله أو من انتقام الله ، قال الله عنه ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢]، فهنا علموا والعبرة أن تعلم وأن تعتبر قبل أن ينزل عذاب الله ، فالفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل، فهؤلاء ما عرفوا ذلك إلا بعد وقوع عذاب الله بـ قارون، قال : ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨٢]، فقوله: (ويكأن) (وي) أداة للتعجب والندم، وكأنهم ندموا على مجرد هذا الظن، وعلى مجرد هذا التمني وقالوا: بأنهم كان يمكن أن يخسف بهم؛ لأنهم تمنوا ما فيه قارون مع أنه كان من البغاة وكان من الكافرين وكان من المتكبرين فتمنوا ما هو فيه.
فعند ذلك قالوا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢] أي: لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة والعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
فهذه عبرة كيف تزول الدنيا سريعاً عن أصحابها الذين يغترون بها ولا يعملون للآخرة ولا يبذلون في طاعة الله ولا يستعملون نعم الله عليهم في التقرب إلى الله ، ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨٢] أي: ليس بسط الرزق علامة على رضا الله، وليس تأخير الرزق علامة على سخط الله ، فليس الأغنياء هم الذين رضي الله عنهم والفقراء هم الذين سخط الله عليهم كما يظن أهل الكبر وأهل الغرور من الدنيا، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢].
ثم عقب الله هذه القصة بآية كأنها قانون وكأنها سمة ربانية فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
فالمتقون عباد الله وأهل الإيمان لا يريدون الدنيا ولكنهم يريدون الآخرة، وما قدر لهم من رزق في الدنيا فلابد أن يأتيهم كما قال النبي ﷺ : (إن الرزق ليطلب ابن آدم كما يطلبه أجله)، وفي بعض الآثار كذلك: (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه ثم يدركه الموت)، فما قدر له في الدنيا لابد أن يأتيه، ولكنه يطلب الآخرة فهمته أعلى من الدنيا لا يرغب في الحطام ولكنه يرغب في النعيم المقيم ومجاورة رب العالمين، لا يرضى بالدون ولا يبيع الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعط
стр. 140
حب الشهوة
شهوات الدنيا كثيرة، ومنها المال، وقد انقسم الناس في التعامل معه إلى فريقين؛ فريق جعل كل همه جمع المال من حله ومن غير حله، فهو يخبط فيه خبط عشواء، فهذا بأخبث المنازل، وفريق يأخذ بالأسباب الشرعية ويجمعه من حله، ويقوم فيه بما يرضي ربه ، فهذا بأحسن المنازل، وإن مما ذكره الله تعالى في كتابه بشأن النظرة الإنسانية الممقوتة إلى المال قصة قارون ففيها العظة والعبرة.
стр. 141
الأثر السلبي المترتب على حب المال
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين, وحجة على العباد أجمعين.
وقد ترك أمته على الواضحة الغراء، والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينه، وإن الله لسميع عليم.
فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً.
أما بعد عباد الله: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين.
قوله : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٧٦ - ٨٣].
هذه القصة -عباد الله- هي قصة المال الذي يطغي صاحبه، والذي لا يعترف صاحبه بأن الله أنعم عليه بهذه النعمة، فلا يؤدي زكاة ماله، ولا يشكر ربه ، ولا يستعمل النعمة في طاعة الله ، بل يتكبر على عباد الله، ويبغي على عباد الله ، ويحسن الظن بنفسه، يظن أنه بمهارته وبذكائه وبسعيه حصَّل هذا المال، فيقول: أنا رجل عصامي ما ورثت هذا المال: بل اكتسبته بجهدي ومهارتي.
لا يعترف بأنه نعمة من عند الله ، فيقول: ﴿إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨].
فكلما ازداد ماله يزداد كبراً ويزداد بغياً ويزداد عجباً بنفسه، ثم هي قصة الدنيا التي تزهو وتعجب الناظرين، فيتمنى الناس ما عنده من زينة الدنيا، ثم عاقبة هذه الزينة الزائفة إلى الفناء وإلى الزوال: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
ولكن أهل العلم -عباد الله- لا يغترون بزينة الدنيا، ويعلمون أن الآخرة هي الحيوان، وأن الدنيا عرض زائل.
فقصة قارون -عباد الله- التي قصها الله علينا في كتابه، في خاتمة سورة القصص: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦]، قيل: كان ابن عم موسى، وقيل: كان عمه لأبيه وأمه، وهناك قول بأنه كان من قومه الذين أرسل بالدعوة إليهم، أي: كان من قبط مصر، فآتاه الله : ﴿
стр. 142
الحث على إنفاق المال في وجوه الخير
قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
فكل عبد أنعم الله عليه بنعمة، فإن من شكر هذه النعمة أن يستعملها في طاعة الله ، ولا يستعملها في معصية الله ، كما قال موسى عندما قتل القبطي: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧].
أي: بما أنعمت علي من قوة البدن، ومن السلطان ومن الوجاهة فلن أكون ظهيراً للمجرمين، فمن أعطاه الله علماً فعليه أن يسعى في تعليم هذا العلم، ومن أعطاه الله مالاً فلينفق من هذا المال في طاعة الكبير المتعال، قال النبي ﵌: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجلاً آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
فمن أعطاه الله جاهاً ومنزلة في قلوب الناس، فزكاة ذلك الشفاعات الحسنة: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥].
فعلى العبد أن يشكر نعمة الله عليه، مهما كانت هذه النعمة، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
قال بعضهم: لا تنس نصيبك من طاعة الله ، وهذا غاية الوعظ والنصح عباد الله؛ لأن هذا هو النصيب الحقيقي من الدنيا، وقال بعضهم: هو من باب الترفق به: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
أي: أنك لا تترك زينة الدنيا بالكلية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢].
أي: الرزق الحلال والتمتع بالطيبات والمباحات، يشارك المؤمنون الكافرين في الدنيا، ولكنه وقف في الآخرة على المتقين، وعلى أهل الدين والإيمان.
وقيل: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
أي: لا تنس أنك لا تنال من الدنيا إلا الزاد والكفن.
فانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الزاد والكفن أي: أن هذا نصيب العبد من الدنيا، قال النبي ﵌: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر).
فالعبد قد يجمع الدنيا ويكنزها ولا يخرج حق الله منها، ثم يترك هذا المال بأجمعه لورثته، فورثته إما أن يكونوا من الصالحين، فينفقون هذا المال في طاعة رب العالمين، فيجد المال الذي اكتسبه والذي بخل بزكاته وبإنفاقه حتى على نفسه، يجده في ميزان غيره يوم القيامة، أو يستعين به الورثة على معصية الله ، فيكون قد جمع لهم المال، وتركه لهم يعصون به الكبير المتعال، فهو على كلا الحالتين نادم عباد الله، ولكن من أنفق ماله في طاعة الله ، فإنه يجد هذا المال موفوراً مدخراً يوم القيامة.
كان بعض السلف إذا أتاه سائل، يقول: مرحباً بمن جاء يحمل حسناتي إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: نعم السائلون، ينقلون حسناتنا إلى الآخرة بغير أجرة، أي: يبدلون هذه العملة إلى حسنات يوم القيامة، ولا يأخذون أجراً على ذلك.
стр. 143
نصيحة المؤمنين لقارون بإنفاق المال في مرضاة الله وعدم الفساد في الأرض
قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].
لما نصح المؤمنون قارون بأن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، وأن يحسن في ماله، نصحوه بعموم الإحسان في كل شيء، الإحسان في عبادته لله ، والإحسان إلى والديه، والإحسان إلى جيرانه، والإحسان إلى جميع الخلق: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].
ثم نهوه عن البغي والفساد في الأرض: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧].
فكانت نصيحة جامعة مانعة عباد الله، فما كان رد قارون الذي أعماه ماله، قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨].
أي: أنه نسب النعمة إلى نفسه، أو لعله قال: إن الله أعطاني هذه النعمة.
لعلمه بشرفي وكرامتي، ولأني أستحق هذه النعمة؛ ولذلك قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨].
أي: أن الله أهلك من هو أشد قوة منه وأكثر مالاً منه، فلو كان إعطاء المال والنعمة، وإعطاء الجاه والسلطان علامة على رضا الله ، فكيف أهلك الله من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 144
رد قارون على من نصحه من المؤمنين وموقف أهل الآخرة وأهل الدنيا منه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
قال مخبراً عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]: أي بمهارتي وذكائي وبجدي واجتهادي: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٨ - ٧٩].
خرج في تجمله وفي زينته وفي موكبه، فأعجب هذا المنظر أهل الدنيا الذين لا يعرفون الله ، والذين لا يعرفون الدار الآخرة، الذين يغترون بظاهر الدنيا وزينتها، ولا يدرون كيف وصل هذا المال إلى هذا الشخص، فقد يصل إليه بالبغي والعدوان، وقد يكون هذا المال من ظلم الناس وسرقة أموالهم، فكيف يغتر المؤمن بالدنيا عباد الله، (ما الدنيا في الآخرة كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع)، كم يعيش العبد في الدنيا؟ يقول : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥].
وقال : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٤].
وقالوا: هي عشية أو ضحاها، فالدنيا ساعة، بل لا تساوي ساعة من ساعات يوم القيامة، فكيف بالآخرة؟! خلود في النعيم المقيم، أو العذاب الأليم.
فالمؤمنون -عباد الله- لا يغترون بزينة الدنيا، ولا يغترون بزخرفها، وإنما يغتر بذلك من بخس حظه من العلم النافع، والعمل الصالح: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩].
مقاييس مختلة عباد الله، فالعبد المؤمن لا يحسد أهل الدنيا على دنياهم؛ لأن الدنيا تزول عن قليل عباد الله، فمن أراد أن يحسد فعليه أن يحسد أهل العلم النافع، وعليه أن يحسد أهل العمل الصالح، كما قال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
وقال بعضهم: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا، فنافسه في الدين.
وقال بعضهم: إذا استطعت ألا يسبقك أحد إلى الله فافعل، قال : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
فإذا ذكر الله الآخرة، شرع لنا التنافس والتسابق، فيها، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١].
وإذا ذكر الله الدنيا والسعي على المعاش قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥].
فالناس يتسابقون ويتسارعون إلى الدنيا، ولكنهم لا يتسابقون ويتسارعون إلى الآخرة، ولكن أهل العلم النافع -عباد الله- هم الذين يعلمون صفة الدنيا وزوالها، وأنها كقطعة الثلج رخيصة الثمن، سريعة الذوبان، والآخرة جوهرة غالية الثمن ومع ذلك لا تزول، فهم يتسابقون إلى الآخرة، ويتسارعون في نيل درجاتها.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠].
أي: لا يلقى الآخرة ولا يلقى ثواب الله إلا الصابرون، أو لا يعلم هذا العلم ولا يفهم هذا الفهم ولا يلقى ذلك إلا الصابرون الذين صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصية الله ، وصبروا على الأقدار التي تخالف هوى نفوسهم، فهم لا يغترون بالدون، ولا يبيعون الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون.
فالمؤمنون لا ينافسون على زينة الدنيا وزخرفها، ولكنهم ينافسون على النعيم المقيم، ومجاورة رب العالمين، فلا يغترون بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِه
стр. 145
حياة البرزخ
الموت حق كتبه الله على كل مخلوق، فإذا مات المرء انتقل إلى القبر أول منازل الآخرة، وفيه يلاقي أول الجزاء على عمله، فهو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، وبهذا نطقت الأدلة، وعليه تظافرت النصوص، ولا يتم الإيمان إلا بالإيمان به.
следующие страницы →