← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأثر السلبي المترتب على حب المال الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين, وحجة على العباد أجمعين. وقد ترك أمته على الواضحة الغراء، والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينه، وإن الله لسميع عليم. فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً. أما بعد عباد الله: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين. قوله : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٧٦ - ٨٣]. هذه القصة -عباد الله- هي قصة المال الذي يطغي صاحبه، والذي لا يعترف صاحبه بأن الله أنعم عليه بهذه النعمة، فلا يؤدي زكاة ماله، ولا يشكر ربه ، ولا يستعمل النعمة في طاعة الله ، بل يتكبر على عباد الله، ويبغي على عباد الله ، ويحسن الظن بنفسه، يظن أنه بمهارته وبذكائه وبسعيه حصَّل هذا المال، فيقول: أنا رجل عصامي ما ورثت هذا المال: بل اكتسبته بجهدي ومهارتي. لا يعترف بأنه نعمة من عند الله ، فيقول: ﴿إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]. فكلما ازداد ماله يزداد كبراً ويزداد بغياً ويزداد عجباً بنفسه، ثم هي قصة الدنيا التي تزهو وتعجب الناظرين، فيتمنى الناس ما عنده من زينة الدنيا، ثم عاقبة هذه الزينة الزائفة إلى الفناء وإلى الزوال: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]. ولكن أهل العلم -عباد الله- لا يغترون بزينة الدنيا، ويعلمون أن الآخرة هي الحيوان، وأن الدنيا عرض زائل. فقصة قارون -عباد الله- التي قصها الله علينا في كتابه، في خاتمة سورة القصص: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦]، قيل: كان ابن عم موسى، وقيل: كان عمه لأبيه وأمه، وهناك قول بأنه كان من قومه الذين أرسل بالدعوة إليهم، أي: كان من قبط مصر، فآتاه الله : ﴿

стр. 142

الحث على إنفاق المال في وجوه الخير قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. فكل عبد أنعم الله عليه بنعمة، فإن من شكر هذه النعمة أن يستعملها في طاعة الله ، ولا يستعملها في معصية الله ، كما قال موسى عندما قتل القبطي: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]. أي: بما أنعمت علي من قوة البدن، ومن السلطان ومن الوجاهة فلن أكون ظهيراً للمجرمين، فمن أعطاه الله علماً فعليه أن يسعى في تعليم هذا العلم، ومن أعطاه الله مالاً فلينفق من هذا المال في طاعة الكبير المتعال، قال النبي ﵌: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجلاً آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها). فمن أعطاه الله جاهاً ومنزلة في قلوب الناس، فزكاة ذلك الشفاعات الحسنة: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]. فعلى العبد أن يشكر نعمة الله عليه، مهما كانت هذه النعمة، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. قال بعضهم: لا تنس نصيبك من طاعة الله ، وهذا غاية الوعظ والنصح عباد الله؛ لأن هذا هو النصيب الحقيقي من الدنيا، وقال بعضهم: هو من باب الترفق به: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. أي: أنك لا تترك زينة الدنيا بالكلية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]. أي: الرزق الحلال والتمتع بالطيبات والمباحات، يشارك المؤمنون الكافرين في الدنيا، ولكنه وقف في الآخرة على المتقين، وعلى أهل الدين والإيمان. وقيل: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. أي: لا تنس أنك لا تنال من الدنيا إلا الزاد والكفن. فانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الزاد والكفن أي: أن هذا نصيب العبد من الدنيا، قال النبي ﵌: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر). فالعبد قد يجمع الدنيا ويكنزها ولا يخرج حق الله منها، ثم يترك هذا المال بأجمعه لورثته، فورثته إما أن يكونوا من الصالحين، فينفقون هذا المال في طاعة رب العالمين، فيجد المال الذي اكتسبه والذي بخل بزكاته وبإنفاقه حتى على نفسه، يجده في ميزان غيره يوم القيامة، أو يستعين به الورثة على معصية الله ، فيكون قد جمع لهم المال، وتركه لهم يعصون به الكبير المتعال، فهو على كلا الحالتين نادم عباد الله، ولكن من أنفق ماله في طاعة الله ، فإنه يجد هذا المال موفوراً مدخراً يوم القيامة. كان بعض السلف إذا أتاه سائل، يقول: مرحباً بمن جاء يحمل حسناتي إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: نعم السائلون، ينقلون حسناتنا إلى الآخرة بغير أجرة، أي: يبدلون هذه العملة إلى حسنات يوم القيامة، ولا يأخذون أجراً على ذلك.

стр. 143

نصيحة المؤمنين لقارون بإنفاق المال في مرضاة الله وعدم الفساد في الأرض قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]. لما نصح المؤمنون قارون بأن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، وأن يحسن في ماله، نصحوه بعموم الإحسان في كل شيء، الإحسان في عبادته لله ، والإحسان إلى والديه، والإحسان إلى جيرانه، والإحسان إلى جميع الخلق: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]. ثم نهوه عن البغي والفساد في الأرض: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]. فكانت نصيحة جامعة مانعة عباد الله، فما كان رد قارون الذي أعماه ماله، قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]. أي: أنه نسب النعمة إلى نفسه، أو لعله قال: إن الله أعطاني هذه النعمة. لعلمه بشرفي وكرامتي، ولأني أستحق هذه النعمة؛ ولذلك قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨]. أي: أن الله أهلك من هو أشد قوة منه وأكثر مالاً منه، فلو كان إعطاء المال والنعمة، وإعطاء الجاه والسلطان علامة على رضا الله ، فكيف أهلك الله من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 144

رد قارون على من نصحه من المؤمنين وموقف أهل الآخرة وأهل الدنيا منه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. قال مخبراً عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]: أي بمهارتي وذكائي وبجدي واجتهادي: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٨ - ٧٩]. خرج في تجمله وفي زينته وفي موكبه، فأعجب هذا المنظر أهل الدنيا الذين لا يعرفون الله ، والذين لا يعرفون الدار الآخرة، الذين يغترون بظاهر الدنيا وزينتها، ولا يدرون كيف وصل هذا المال إلى هذا الشخص، فقد يصل إليه بالبغي والعدوان، وقد يكون هذا المال من ظلم الناس وسرقة أموالهم، فكيف يغتر المؤمن بالدنيا عباد الله، (ما الدنيا في الآخرة كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع)، كم يعيش العبد في الدنيا؟ يقول : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥]. وقال : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٤]. وقالوا: هي عشية أو ضحاها، فالدنيا ساعة، بل لا تساوي ساعة من ساعات يوم القيامة، فكيف بالآخرة؟! خلود في النعيم المقيم، أو العذاب الأليم. فالمؤمنون -عباد الله- لا يغترون بزينة الدنيا، ولا يغترون بزخرفها، وإنما يغتر بذلك من بخس حظه من العلم النافع، والعمل الصالح: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]. مقاييس مختلة عباد الله، فالعبد المؤمن لا يحسد أهل الدنيا على دنياهم؛ لأن الدنيا تزول عن قليل عباد الله، فمن أراد أن يحسد فعليه أن يحسد أهل العلم النافع، وعليه أن يحسد أهل العمل الصالح، كما قال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها). وقال بعضهم: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا، فنافسه في الدين. وقال بعضهم: إذا استطعت ألا يسبقك أحد إلى الله فافعل، قال : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. فإذا ذكر الله الآخرة، شرع لنا التنافس والتسابق، فيها، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]. وإذا ذكر الله الدنيا والسعي على المعاش قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥]. فالناس يتسابقون ويتسارعون إلى الدنيا، ولكنهم لا يتسابقون ويتسارعون إلى الآخرة، ولكن أهل العلم النافع -عباد الله- هم الذين يعلمون صفة الدنيا وزوالها، وأنها كقطعة الثلج رخيصة الثمن، سريعة الذوبان، والآخرة جوهرة غالية الثمن ومع ذلك لا تزول، فهم يتسابقون إلى الآخرة، ويتسارعون في نيل درجاتها. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]. أي: لا يلقى الآخرة ولا يلقى ثواب الله إلا الصابرون، أو لا يعلم هذا العلم ولا يفهم هذا الفهم ولا يلقى ذلك إلا الصابرون الذين صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصية الله ، وصبروا على الأقدار التي تخالف هوى نفوسهم، فهم لا يغترون بالدون، ولا يبيعون الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون. فالمؤمنون لا ينافسون على زينة الدنيا وزخرفها، ولكنهم ينافسون على النعيم المقيم، ومجاورة رب العالمين، فلا يغترون بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِه

стр. 145

حياة البرزخ الموت حق كتبه الله على كل مخلوق، فإذا مات المرء انتقل إلى القبر أول منازل الآخرة، وفيه يلاقي أول الجزاء على عمله، فهو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، وبهذا نطقت الأدلة، وعليه تظافرت النصوص، ولا يتم الإيمان إلا بالإيمان به.

стр. 146

الإيمان بحياة البرزخ من أركان الإيمان إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، و ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: فنتكلم اليوم إن شاء الله تعالى عن حياة البرزخ وعن حياة القبور، ونحن في زمان كثر فيه الكلام عن عذاب القبر وعن حياة القبر، والذين من شأنهم التكذيب ويكادون ينطقون بكلمة الكفر ينتظرون فرصة من أجل أن يطعنوا في أي عقيدة من عقائد الإسلام. والإيمان بالبرزخ وبحياة القبر -عباد الله- يدخل في الإيمان باليوم الآخر. والإيمان باليوم الآخر هو الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﵌ عن الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). واليوم الآخر يتضمن ما قبل يوم القيامة من الموت، ومن حياة البرزخ، ومن علامات قيام الساعة، وما يتضمنه اليوم الآخر - أي يوم القيامة - من البعث والنشور والموازين والجسر أو الصراط، وما سوى ذلك مما ثبت في كتاب الله أو صحّت به سنة رسول الله ﷺ ، فهو يدخل في أمور الإيمان الستة التي يجب على المؤمن أن يؤمن بها، والتي لا ينجو العبد ولا يسعد في الدنيا والآخرة حتى يؤمن بها.

стр. 147

شبه المكذبين بحياة البرزخ والرد عليها والمكذبون بحياة البرزخ وحياة القبور يقولون -جهلاً منهم-: إن القرآن لم يشر إلى عذاب القبر ولا إلى حياة القبر. والجواب على هؤلاء -عباد الله-: إن الله ما تعبّدنا بالكتاب وحده، بل تعبّدنا بالكتاب المنزّل وبسنة نبينا محمد ﷺ المرسل، كما قال : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] فآيات الله هي: القرآن، والحكمة هي: سنة النبي ﵊. وقال : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]. وقال : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. فالذكر في هذه الآيات يقصد به السنة. أي أنزل الله على نبيه محمد ﷺ وحيين: وحي متلو متعبّد بلفظه ومعناه، متعبّد بتلاوته، ووحي أوحى الله به إلى النبي ﷺ معناه، وعبر عنه النبي ﷺ بلفظه وبكلامه، كما قال ﷺ : (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه)، أي: السنة. فالله تعبّدنا بكتابه وبسنة نبيه ﵌، فلو لم يرد في القرآن آية واحدة تشير إلى حياة القبر وإلى عذابه لكان الواجب على كل مسلم أن يؤمن بحياة القبور؛ لأن السنة النبوية قد تواترت بذلك كما سنرى إن شاء الله تعالى.

стр. 148

الرد من القرآن على شبه المنكرين لعذاب القبر والجواب المفصّل على هؤلاء: إن القرآن وردت فيه آيات كريمات تشير إلى حياة القبر وعذابه، ولكنهم من جهلهم بالقرآن وبسنة النبي ﵊ يطعنون في الإسلام. ومن هذه الآيات القرآنية التي تشير إلى حياة القبر قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فهذا تهديد من الله بعذاب القبر وبحياة البرزخ. كما قال : ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧]، أي: وأمامه عذاب غليظ. تقول السيدة عائشة ﵂: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور! تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه وحية عند قدميه، يقرصانه حتى يلتقيا في منتصفه، فذلك قول الله : ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. وهذا تهديد من الله بعذاب البرزخ. ويقول الله : ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧]، أي: دون عذاب الآخرة، وكثير من الظالمين يموتون في الدنيا ولا يُعذّبون، وهذه الآية تشير إلى أنهم لا بد أن يعذّبوا عذاباً دون عذاب الآخرة، فلا بد أن هذا العذاب في القبور. ومن ذلك: قوله : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١]. استدل حبر الأمة البحر ابن عباس بهذه الآية على عذاب القبر، فقال: إن الله قال: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة:٢١]، ولم: يقل العذاب الأدنى، فدل على أنهم قد يعذبون من العذاب الأدنى في الدنيا وتبقى لهم بقية من العذاب الأدنى يعذبون بها في القبور، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١]. ويقول الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. ففرعون وأهله يُعذّبون في النار عباد الله. وأشارت الآية إلى أنهم يعذبون في الغدو والعشي -أي: طرفي النهار- إشارة إلى أنهم يعذّبون طوال النهار، ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. وقال الله في سورة الواقعة: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٥]. فقد ذكر الله في بداية السورة القيامة الكبرى فقال: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١ - ١١] فقسّم الناس إلى ثلاثة أقسام، وذكر في نهاية السورة القيامة الصغرى، فمن مات فقد قامت قيامته، وقسّم الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة، فدل على أنهم ينقسمون إلى هذه الأقسام الثلاثة بعد الموت وبعد قيامتهم الصغرى، كما أنهم ينقسمون هذه الأقسام كذلك بعد القيامة الكبرى، وقدّم القيامة الكبرى على القيامة الصغرى للعناية بها، فدّلت هذه السورة على

стр. 149

الرد من السنة على شبه المنكرين لعذاب القبر وكما دلّت الآيات القرآنية الكريمة -عباد الله- على حياة القبر وعلى عذابه دلّت كذلك السنة النبوية المطهّرة، بل تواترت الأحاديث عن النبي ﵌ في إثبات حياة القبر. ومن ذلك أحاديث تبيّن أنه لا بد أن يُفتن الناس في قبورهم، ولا بد أن يسألوا في قبورهم، وأحاديث يأمر فيها النبي ﷺ بالتعوذ من عذاب القبر، وأحاديث يبين النبي ﷺ أنه سمع بعض المعذّبين يُعذّبون في قبورهم، وأحاديث تبيّن صوراً من صور هذا العذاب وأسبابه. ومن هذه الأحاديث -عباد الله- التي تُثبت عذاب القبر: ما ورد عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: إنهما يُعذّبان وما يُعذّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول)، وفي رواية: (لا يستتر من البول) وفي رواية: (لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة، ثم أمر النبي ﷺ بجريدة فشقها نصفين وقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا). ومنها كذلك: ما ورد عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (بين رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار إذ حادت به بغلته، فكادت أن تلقيه، فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة -أي: أن الدابة فزعت فزعاً شديداً عندما سمعت الصراخ أو أحسّت بعذاب من يُعذّب في هذه القبور، فكادت أن تلقي برسول الله ﵌ فقال النبي ﵌ للصحابة الكرام: أيكم يعرف أصحاب هذه القبور؟ فقال رجل: أنا، فقال النبي صلى الله عليه، وآله وسلم: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال النبي ﷺ : إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها، ولولا ألا تدافنوا -أي: لا يدفن بعضكم بعضاً؛ خوفاً من أن يمس الذي يدفن شيئاً من عذاب القبر- لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع، ثم قال ﷺ : استعيذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: استعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال، قال: استعيذوا بالله من شر فتنة المحيا والممات). وكذلك في حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ كان يأمر إذا فرغ العبد من التشهد الأخير أن يستعيذ بالله من أربع: من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال). ووردت كذلك أحاديث نبوية شريفة تدل على السؤال في القبر، وما يسأل عنه العبد في قبره، وقد ورد في حديث البراء بن عازب أن المؤمن يأتيه ملكان فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ويسأل عن دينه فيقول: ديني الإسلام، ويسأل عن رسول الله ﷺ ويقال له: كيف عرفت رسالته؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى فآمنت به وصدّقت، والكافر يقول: هاه هاه لا أدري، فقد فاته أن يعرف ربه ، كان مشغولاً بمعرفة من يلعب الكرة، وبمعرفة الممثلين والممثلات والفاسقين والفاسقات، ففاته أن يعرف ربه ، وفاته أن يتعرف على نبيه الكريم ﷺ ، وأن يدرس سيرته ومعجزاته ﷺ ، فيقول الكافر والمفرّط: هاه هاه لا أدري، فتقول الملائكة: لا دريت ولا تليت. وفي حديث قتادة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم حين يولون عنه مدبرين، ثم يأتيه ملكان فيقولان: من ربك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله). قال قتادة: وبلغنا أنه يُفتح له في قبره سبعون ذراعاً ويملأ عليه خضراً إلى يوم يُبعثون. ومن الأحاديث التي تثبت عذاب القبر: ما قيل للنبي ﷺ : (ما أحد يقف عليه ملك إلا هيل -أي: مهما كان يعرف الإجابة، ومهما كان قد درس التوحيد، ولكنه وحيد فريد في قبره ضعيف لا حيلة له ولا وسيلة، يأتيه ملكان أسودان أزرقان فيجلسانه ومعهم المطراق- فقال النبي ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]) فلا يثبت عند ذلك إلا المؤمنون. وأنت ترى الناس في الدنيا في كامل صحتهم وعافيتهم وعقلهم ومع ذلك يتمكن منهم الشيطان ويسوقهم حيث أراد، فكيف بهم إذا تخاذلت قواهم وضعفت قوتهم؟ وكيف بهم إذا بلغ الكرب منهم مبلغه وقت معاناة السكرات، وهم في غاية الضعف واليأس من الدنيا والألم، والشيطان أشد ما يكون عليهم عند خروج الروح؟ فهناك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] فلا يثبّت

стр. 150

اختلاف أحوال حياة البرزخ عن حياة الدنيا إن الحمد نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد. فقد يقول قائل: إننا نكشف القبور فلا نرى نيراناً تؤجج ولا نرى حيات سود أو دهم، ولا نرى القبر يضيق على صاحبه، ولا يملأ عليه خضراً، ولا يتسع عليه قبره بل القبر كما هو، والجواب -عباد الله-: إن الله جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، وجعل الله لكل دار أحكاماً تختص بها. وأول ما تختص به دار البرزخ أن ملائكة الله تنزل على العبد عند موته ولا يشهدهم الحاضرون، كما قال الله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] فإن كان مؤمناً أتاه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، ويجلسون منه مد البصر ويقولون: أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى رضاً من الله ورضوان، وإن كان كافراً أتته ملائكة العذاب وتجلس ومعها المسوح، وتأمر روحه بالخروج، ومع ذلك فالحاضرون لا يشهدون ذلك ولا يسمعون شيئاً من ذلك، والميت يشاهد ذلك ويسمع شيئاً من ذلك، كما ورد عن بعض السلف أنه كان يقول: مرحباً بهذه الوجوه، ومد أحدهم يده وقال: أهلاً صاحبي أهلاً حبيبي، وقال بعضهم: هذا يوم أسود، عندما رأى السواد أمام عينيه مد البصر. والميت -عباد الله- الذي يموت على الإيمان وعلى طاعة الرحمن تبدو عليه السكينة وكأنه نائم، والذي يموت على غضب الله وعلى معصيته ويُحال بينه وبين كلمة التوحيد تبدو عليه علامات الفزع والجزع والخوف، وقد يسود وجهه ويصير مثل القرص المحترق. وهذه العلامات تظهر -عباد الله- عند خروج الروح وعند الغسل وعند الدفن وبعد الدفن. والحاصل: أن كل ما هو من أمر الآخرة فقد غيّبه الله عن حسّ المكلّفين حتى يتميز المؤمن من الكافر، فالملائكة تخاطب الروح، والعباد في الدنيا لا يرون ذلك ولا يسمعون، ثم تخرج روح المؤمن ولها رائحة أطيب من رائحة المسك، ولها شعاع أضوأ من شعاع الشمس، والحاضرون لا يشهدون ذلك ولا يشمونه، ثم تأتي الروح فتشاهد تغسيل البدن، ثم تسير روح المؤمن فوق الجنازة وتقول: قدّموني قدّموني، والحاضرون لا يسمعون ذلك ولا يشاهدونه، ثم لا يمنع التراب من أن الروح تتصل بالجسد اتصالاً يعلمه الله حتى يُسأل العبد في قبره. فكل ما كان من أمور الآخرة فقد غيّبه الله عن حسّ المكلّفين، والمسيح الدجال يأتي قبل القيامة بماء ونار، فماؤه نار تلظى، وناره ماء بارد، وقدرة الله عجيبة، ولكن الناس يكذّبون. والعبد المؤمن إذا قبر يصير قبره روضة من رياض الجنة، ولو قُبر بجواره رجل كافر أو فاجر يكون قبره حفرة من حفر النار، وليس عند الأول خبر عن الثاني ولا عند الثاني خبر عن الأول. والإنسان قد يرى في النوم أنه في جنة الله أو يرى أنه في حج أو عمرة، أو يزور أحبابه أو ما فيه فرح النفوس وبجواره شخص نائم يرى عكس ذلك، فقد يرى أنه يُعذّب أو يرى أنه في مصيبة من المصائب وليس عند أحدهما خبر عن الآخر. فالله جعل الدور ثلاثة، وجعل لكل دار أحكاماً تختص بها، وحجب ما كان من أمور الآخرة عن حس المكلّفين، ولذلك يُعذّب أصحاب القبور عذاباً تسمعه البهائم، وفي بعض القرى إذا أُصيبت البهائم بالإمساك يذهبون بها إلى القبور فتخرج ما في بطونها لما تسمع من الهلع ومن الصراخ ومن الفزع، فهذا عذاب تُحس به البهائم وتسمعه؛ لأنها غير مكلفة، أما الإنس والجن فقد حجب الله ذلك عن حسهم.

стр. 151

عذاب القبر أو نعيمه يعم كل شخص ولو لم يدفن أو تفرقت أجزاؤه وقد يقول قائل: هل العبد الذي لم يقبر كأن تتفرق أجزاؤه بحريق أو غرق أو يأكله السبع أو يُعلّق في مهاب الريح ينال من عذاب القبر؟ الجواب إن عذاب القبر -عباد الله- يلحق كل من استحق هذا العذاب سواء قُبر أو لم يُقبر، والله قادر على أن يوصّل روح الكافر بذرات الجسد وإن تباعدت أجزاؤه، وأن ينال الجسد ما ينال الروح من العذاب، فالله يجعل لروح المؤمن أو لروح الكافر اتصالاً بالذرات وإن تفرقت، وكان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام بين أيديهم، وسمع الصحابة ﵃ حنين الجذع اليابس للنبي ﷺ ، وقال : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] وكان حجر يسلم على النبي ﷺ بمكة قبل أن يُبعث، وكلما مر عليه رسول الله ﷺ يقول له: السلام عليك يا رسول الله! فإذا كانت الجمادات فيها إدراك وتسبح بحمد الله وقد سمع حنين الجذع وتسبيح الطائر فكيف بالجسد الذي كان يوماً شيئاً مذكوراً حياً متحركاً مريداً؟ كيف لا يذوق في القبر نعيماً أو عذاباً؟ وكيف لا يتنعم المؤمن في قبره؟ ولا يتعذب الكافر والفاجر في قبره؟

стр. 152

أسباب عذاب القبر أما أسباب عذاب القبر فهي إجمالاً: سخط الله على العبد، فمن أسخط الله في الدنيا وتمرد على شرعه وانتهك حرماته استحق عذاب الله وسخطه ، وسينال قسطه ونصيبه من عذاب القبر، كما أن من أرضى الله وسارع في رضاه ومحابه فإنه ينال من نعيم القبر قبل أن ينال نعيم الآخرة، ويصير قبره روضة من رياض الجنة. وهناك أسباب وردت بها الأحاديث، فمن ذلك: عدم الاستبراء أو الاستنزاه من البول، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه). ومن ذلك: السعي بالنميمة، والنميمة هي: نقل الكلام على سبيل الإفساد. ومن ذلك: الجهل بالله وبدينه، كما يقول المفرّط: لا أدري، فالجاهل يُعذّب على جهله؛ لأنه ما تعلم التوحيد وما عرف طاعة الحميد المجيد، فيُعذّب على جهله بدين الله ، وعلى جهله برسول الله ﷺ . ومن ذلك ما ورد في حديث سمرة: الرجل الذي يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، والرجل الذي ينام عن الصلاة المكتوبة أو يتعلم القرآن فلا يقوم به في الليل ولا يعمل به في النهار. ومن ذلك: الزناة والزواني. ومن ذلك: آكل الربا. ومن ذلك: الغلول، يقول ﷺ : (إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه في قبره ناراً)، ومن الغلول استحلال المال العام؛ لأن الغلول سرقة من الغنيمة قبل أن تقسّم، واستحلال المال العام غصباً من أموال الناس كلهم، لأن هذا المال ليس ملكاً للحكومة ولا لرئيس الجمهورية، بل هو ملك لجميع المسلمين. فسرقة المال العام والأخذ منه هو من الغلول ومن أسباب عذاب القبور.

стр. 153

الأسباب المنجية من عذاب القبر وأما الأسباب التي تنجي من عذاب القبر فمنها: أن يتوب العبد إلى الله صباح مساء أن يصبح على توبة وأن يمسي على توبة، وأن يستحضر الآخرة بين عينيه، وأن يستحضر اللحظات التي تخرج فيها روحه، والتي يكون فيها على هضبة يهبط منها إلى روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وهو لا يدري أين يُسلك به، فيبتعد عن أسباب سوء الخاتمة ويأخذ بأسباب حسن الخاتمة. ومن ذلك: المرابطة في سبيل الله . ومن ذلك: الشهادة في سبيل الله . ومن ذلك: تعلم سورة تبارك، قال ﷺ : (إن سورة ثلاثون آية شفعت في صاحبها حتى نجاه الله من العذاب). اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم إنا نسألك أن تهدي شباب المسلمين، وأن تهدي نساء المسلمين، وأن تهدي شيوخ المسلمين، وأن تهدي أطفال المسلمين. اللهم إنا نسألك أن ترفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، ورد المسلمين إليك رداً جميلاً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين. اللهم اقض الدين عن المدينين، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم ارحم موتى المسلمين. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وسلم تسليماً.

стр. 154

شرح بعض الأدعية لقد أوتي النبي صلوات الله وسلامه عليه جوامع الكلم وملك ناصية البلاغة، فكان يجمع المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، ومما ظهرت فيه بلاغته وفصاحته ﷺ الدعاء، فقد كان يدعو ربه بأوجز عبارة وأوضح بيان متقيداً في ذلك بآداب الدعاء، ومعلماً أمته من بعده كيفية طلب الخير من الله ودفع البلاء.

стр. 155

شرح حديث: (اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق) الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته، وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، ترك أمته على الواضحة الغراء، والمحجة البيضاء، فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن عمار بن ياسر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين). هذه الكلمات الطيبات من جوامع كلم النبي ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يعجبه من الدعاء أجمعه، أي: أجمعه لكل خير، مثل قوله: (اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا وما لم نعلم).

стр. 156

شرح قوله في الحديث (اللهم بعلمك الغيب ما كانت الوفاة خيراً لي) ما يسأله العبد من ربه إما أن يكون مقطوعاً بأنه من الخير، كأن يسأل الله الجنة والنجاة من النار، أو يسأله إيماناً، أو توكلاً، أو حباً لله ، فهذا يقطع بأنه من الخير، فيلزم العبد أن يسأل الله إياه، وإما أن يكون لا يدري هل هو من الخير أو من الشر، فينبغي عليه أن يعلق ذلك بعلم الله أنه من الخير له، كأن يقول: اللهم وفقني إلى هذا السفر إن كان خيراً لي، اللهم قدر لي هذا الزواج إن كان خيراً لي، كما علمنا النبي ﷺ الاستخارة، وكان هذا بدلاً من الاستقسام بالأزلام ومن التطير، فقد كان العرب في الجاهلية إذا أراد العبد أن يعمل شيئاً ولا يدري هل هو من الخير أو من الشر -كأن يريد سفراً- فإنه يضرب طيراً بحجر، فإذا طار ناحية اليمين تيمن واستبشر وسافر، وإن طار ناحية الشمال تشاءم وترك السفر. أما الاستقسام بالأزلام فكان يأخذ ثلاثة أقداح ويكتب على أحدها افعل، وعلى الثاني لا تفعل، ويترك الثالث لا يكتب عليه شيئاً، ويأخذ منها قدحاً، فإذا خرج له القدح افعل يفعل، وإذا خرج له لا تفعل لا يفعل، وإذا خرج الذي ليس عليه شيء أعاد الاستقسام بالأزلام. فأبدلنا النبي ﷺ بدلاً من ذلك دعاء الاستخارة، أن يصلي العبد ركعتين من غير الفريضة، ويدعو الله : (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه). ولما كان سؤال العبد للموت أو للمزيد من الحياة لا يدري هل هو من الخير له أو من الشر له علق ذلك بعلم الله ، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)؛ لأن العبد لا يعلم ما يحدث في بقية عمره، هل يزداد قرباً لله ، وحباً له ؟ أو يبعد عن الله وينقلب على عقبيه، نسأل الله العافية، فلذلك علق هذا الدعاء بعلم الله ، (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي). وإلا فالأصل ألا يسأل العبد الموت، كما قال النبي ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إن كان محسناً فلعله يزداد، وإن كان مسيئاً فلعله يستعتب)، فالعبد لا يتمنى الموت؛ لأن الدنيا مزرعة للآخرة يا من بدنياه انشغل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل لا دار للمرء قبل الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها فلا يتمنين أحد الموت، لأن كل يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة؛ لأنه يزداد خيراً وقرباً إلى الله ، بل كل لحظة من لحظات عمره جوهرة ثمينة يستطيع أن يشتري بها كنزاً لا يفنى أبد الآباد. وفي الحديث الآخر: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، فالعبد لا يسأل الموت لضر نزل به من فقر أو مرض أو غير ذلك من أنواع البلاء؛ لأنه قد يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، أي: كالذي يحتمي من حر الرمضاء -أي: شدة الحر- بالدخول إلى النار؛ لأنه لا يدري ما له في الآخرة، ولا يثق بعمله، بل ينبغي له أن يجتهد في طاعة الله ، ويسأل الله أن يبارك في عمره، وأن يزيده ثباته على دين الله وطاعة لله ، ولكنه إذا خاف على دينه أو أشفق على يقينه أو خشي أن يموت على غير ملة الإسلام أو على غير طاعة الملك العلام فعند ذلك يجوز له أن يتمنى الموت كما في حديث اختصام الملأ الأعلى، (وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون) فإذا خشي العبد على دينه وأشفق على يقينه فعند ذلك يجوز له أن يتمنى الموت كما تمنى بعض السلف الموت من كثرة الفتن، ومن خشيتهم على إيمانهم.

стр. 157

شرح قوله في الحديث (اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة) ثم قال: (اللهم إني سألك خشيتك في الغيب والشهادة)، وهذا من المقطوع به أنه من الخير، فلذلك لم يعلقه بعلم الله بالغيب وقدرته على الخلق، بل قال: (اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة). ومحك الخشية الحقيقية لله في الغيب، وإن كانت الخشية ممدوحة في كل وقت، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]؛ لأن خشية الله هي التي تدفع العبد لكل خير، وقد قال النبي ﷺ : (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، فكلما ازدادت خشية العبد لله ازداد له طاعة وابتعد عن معصيته . قال عبد الله بن مسعود ﵁: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً. وقيل للشعبي: من العالم؟ قال: إنما العالم من يخشى الله، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. والمحك الحقيقي -عباد الله- أن تخشى الله بالغيب، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، لأن العبد قد يترك الذنب أمام الناس، وقد يجتهد في الطاعة أمام الناس، رجاء مدحهم أو هرباً من ذمهم، فالخشية الحقيقية هي الخشية في الغيب.

стр. 158

شرح قوله في الحديث (وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى) ثم قال: (وكلمة الحق في الغضب والرضا)، لأن العبد إذا غضب قد لا يحكم بالحق، أو إذا كان الحكم على أحد من أعدائه فقد لا يحكم بالعدل والحق، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، ولذلك نهي القاضي أن يحكم وهو غضبان؛ لأن هذا قد يحمله على الحكم بغير الحق، وقاسوا على ذلك شدة الجوع، وشدة الخوف، والحاجة إلى النوم؛ لأنه يخرج عن حال الاعتدال، فيخرجه ذلك عن الحكم بالعدل. ثم قال: (والقصد في الفقر والغنى)، والمحك الحقيقي -عباد الله- في الإنفاق أن يكون مقتصداً في الغنى، فيقتصد إذا بسط الله عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٩]، فينبغي للعبد أن يكون مقتصداً في الفقر والغنى.

стр. 159

شرح قوله في الحديث (وأسألك نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع) وقوله: (وأسألك نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع)، والنعيم الذي لا ينفد قيل: هو نعيم الجنة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]. وقال النبي ﷺ : (يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه)، فما عند الله لا ينقص بالعطاء، لو أعطى الله للأولين والآخرين جميع ما يؤملونه ويطلبونه منه فإنه لا ينقص مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، فما عند الله باق، وفاكهة الجنة، ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٣]، أي: إنها إذا أخذ العبد منها شيئاً خرج مكانها مثلها، فهي لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولا تختفي في فصل وتظهر في آخر، بل هي على الدوام موجودة في جنة الله ، فقيل: هذا هو النعيم الذين لا ينفد، ولما أنشد لبيد بن ربيعة العامري قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال له عثمان بن مظعون: صدقت. فقال: وكل نعيم لا محالة زائل قال: كذبت؛ فإن نعيم الجنة لا يزول. (وأسألك نعيماً لا ينفد)، قيل: النعيم الذي لا ينفد هو نعيم القلب بالله وبطاعته . قال مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله . فالنعيم بطاعة الله لا ينفد؛ لأن الطاعة ينشرح بها الصدر، ويفرح بها القلب، ويأنس بها العبد بالرب ، بخلاف الشهوات الدنيوية المحرمة، فإنها كطعام لذيذ مسموم من أكله تمتع به لحظات، ثم تكون عاقبته إما الموت وإما العطب وإما المرض، أما النعيم بطاعة الله فهو النعيم الذي لا ينفد. قال بعضهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيوف. وقال بعضهم: والله إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة كما نحن فيه والله إنهم لفي عيش طيب. وقال شيخ الإسلام: ما يصنع بي أعدائي وأنا جنتي وبستاني في صدري؟! إن سجني خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله. وكان يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. فقيل: هذا هو النعيم الذي لا ينفد؛ لأنه نعيم متصل، يتصل فيه نعيم الدنيا بنعيم الآخرة، فللمؤمنين حياة طيبة في الدنيا ينقلبون منها إلى سعادة أبدية سرمدية في جنة الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]، فهم في سعادة بطاعته في الدنيا، ثم ينقلبون بعد ذلك إلى قبورهم وهي روضة من رياض الجنة، ثم إلى النعيم الأكبر في الآخرة. وأما الفجار فهم في ضنك المعاصي، وفي الهم والغم والحزن وضيق الصدر، ثم ينتقلون من ذلك إلى ضيق اللحود، وإلى حفرة من حفر النار، ثم يحشرون بعد ذلك في العذاب الأكبر والعياذ بالله. وقوله: (وقرة عين لا تنقطع) وهي قرة العين بالله وبطاعته ، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، فقرة العين بالله هي قرة العين بطاعته وهي قرة العين التي لا تنقطع، وهي السعادة التي لا منتهى لها، كما قال النبي ﷺ : (حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، أي: من أمور الدنيا الدنية حبب إليه النساء والطيب، وما كانت قرة عين النبي ﷺ -أي: منتهى راحته وسعادته- في شيء من الدنيا، بل كانت في أم العبادات وفي سيدة الطاعات، (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وكان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة، عملاً بقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وكان يقول: (أرحنا بها يا بلال!)، وكان يصلي حتى تتورم ساقاه، وتتفطر قدماه، فيقال له: (أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)، فقد كان سيد الشاكرين والصابرين. وكان يواصل وينهى عن الوصال، أي: يصوم اليومين والثلاثة أو أكثر دون إفطار. وكان للصحابة همة عالية في طاعة الله ، فقد كانوا يتابعون رسول الله ﷺ في ذلك، وكان ينهاهم النبي ﷺ عن الوصال نهي شفقة عليهم، فيقولون: (إنك تواصل، فيقول: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني). لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد فحبه لله وشغله به يغنيه عن كثير من الطعام والشراب، وكلما ازداد إيمان العبد وحبه لله فإنه يستغني عن الأسباب الأرضية، كما قال النبي ﷺ : (المؤمن يأكل في معيّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)، فالمؤمن يكفيه القليل من الطعام،

стр. 160

شرح قوله في الحديث (وأسألك لذة النظر إل وجهك ولا فتنة مضلة) الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن كثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. يقول ﷺ : (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين). هذه الكلمات التي كان يدعو بها رسول الله ﷺ تتفجر بالخير. وقوله: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقاءك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) يسأل الله لذة النظر إلى وجهه الكريم، وهذا أعلى نعيم أهل الجنة، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فالحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله . ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان كما يرى القمران هذا تواتر عن رسول الله لم ينكره إلا فاسد الإيمان يقول النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا -وأشار إلى القمر ليلة البدر- لا تضامون في رؤيته)، وفي رواية: (لا تضارون في رؤيته)، أي: لا يزحم بعضكم بعضاً، كما أنكم لا تتزاحمون عند رؤية القمر، فمن بالإسكندرية ينظر إلى القمر، ومن بالقاهرة ينظر إلى القمر، ولا يحدث تضام ولا تضار عند رؤية القمر، فهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي؛ فإن الله أجمل من كل شيء، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، وأحاديث الرؤية هي أدلة على الفوقية؛ لأننا عندما ننظر إلى القمر ننظر إلى الأعلى، لا ننظر يميناً ولا شمالاً ولا أسفل منا، بل ننظر إلى أعلى، فنسأل الله لذة النظر إلى وجهه الكريم، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فالنظر -عباد الله- إلى وجه الله أعلى نعيم أهل الجنة، تتنضر الوجوه بالنظر إلى الله ، فنسأل الله تعالى أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم. وقوله: (والشوق إلى لقائك)، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥]، فمن صام في الدنيا عن شهواته أدركها غداً بعد وفاته، ومن تعجل ما حرم عليه من لذاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، فتأهب واجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتك، واجعل الفطر عند الله يوم وفاتك. وقوله: (في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) الضراء المضرة هي شدة الفقر أو طول السجن أو شدة المرض، فهذا قد يفتن العبد عن دينه، هذه الضراء المضرة. (ولا فتنة مضلة)، الفتنة هنا المراد بها البدعة، أن يبتعد العبد عن طريق الله ، أو عن طاعة الله بفتنة من فتن الشبهات.

стр. 161

شرح قوله في الحديث (اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين) ثم ختم هذا الكلام الطيب بقوله: (اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)، وهذا يدل على أن العبد إذا تزين بزينة الإيمان فإن هذا يكون أدعى إلى أن يكون هادياً مهدياً، قال النبي ﷺ : (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسيا وخير صيام المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا فـ (الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)، فينبغي للعبد -عباد الله- أن يتزين بزينة الإيمان، وهذه الزينة تكون نتيجة لامتلاء قلبه بالإيمان، حتى أشرقت جوارحه ووجهه كما يقولون، والأولياء هم: الذين إذا رأوا ذكر الله ؛ لأنهم أقبلوا على الله فأقبل الله عليهم، ومن أقبل الله عليه أضاءت ساحاته، واستنارت جوانبه. وكان أيوب السختياني سيد شباب أهل البصرة في زمن التابعين إذا خرج ورآه أهل السوق سبحوا وهللوا وكبروا؛ لما يرون عليه من آثار العبادة والإقبال على الله . اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. ولا شك أن صلاح الظاهر يكون نتيجة لصلاح الباطن، وهو يعكس صلاح الباطن، قال عمر ﵁: من أظهر لنا خيراً ظننا به خيراً وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شراً ظننا به شراً وأبغضناه عليه. فينبغي على العبد أن يتزين بزينة الإيمان. ومن زينة الإيمان كذلك: أن يلتزم بالهدي والسمت النبوي، وأن يلتزم بسنة النبي ﷺ ، فإن هذا أيضاً من زينة الإيمان، فينبغي على الدعاة إلى الله أن يتزينوا بزينة الإيمان؛ حتى ينفع الله بدعوتهم، فلا يكون الداعية خارجاً بمظهره وبأقواله وبأعماله عن شرع الله ثم يرجو أن يهدي الله به، وأن يفتح به قلوب العباد، فهذه الكلمات المباركات من النبي ﷺ تجمع خير الدنيا والآخرة. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والأمريكان الحاقدين، ومن والاهم من العلمانيين والمنافقين، والذين يشيعون الفواحش في بلاد المسلمين. اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لسائر خلقك عبرة وآية. اللهم اهد شباب المسلمين، واهد شيوخ المسلمين، واهد أطفال المسلمين، واهد نساء المسلمين بالعفة والحجاب والحياء يا رب العالمين! اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، ورد المسلمين إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 162

شهر رمضان من حفظ الله في حياته حفظه الله في دنياه وآخرته، وحفظ له إيمانه؛ إذ بيده كل شيء، وبيده النفع والضر سبحانه، وهو الكاتب لمقادير الخلائق قبل أن يخلقوا، ومن ثم لا يجوز للعبد أن يسأل أحداً من البشر ما ليس في مقدوره، ولا أن يستعين به في ذلك، بل يسأل ربه ويستعين به ﷻ في كل أمره.

стр. 163

بيان إرشادات الحديث: (احفظ الله يحفظك) الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. روى الترمذي وغيره عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كنت خلف النبي ﷺ فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). هذا الحديث عباد الله! وصية النبي ﷺ لابن عمه حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄، ومن خلاله ينصح الأمة كلها. قال أحد العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني حتى كدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه: (احفظ الله يحفظك) فالجزاء دائماً من جنس العمل، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وكما قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وكما قال النبي ﷺ : (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) فمن حفظ حدود الله وحفظ حقوقه، وحفظ أوامره ونواهيه حفظه الله ، ومن ضيع تقوى الله ولم يحفظ حدوده فقد ضيع نفسه.

стр. 164

حفظ الله للعبد يشمل دينه ودنياه وجوارحه قوله: (احفظ الله) أي: احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، والحفظ نوعان: أما النوع الأول: أن يحفظ الله على العبد دنياه، وأن يحفظ الله على العبد جوارحه، وأن يمتعه بسمعه وبصره وقوته، ويحفظ أولاده. وثب أحد العلماء وثبة شديدة وكان قد تجاوز المائة فعوتب على ذلك فقال: جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. وقال سعيد بن جبير لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك، متأولاً قول الله : ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]، فصلاح الآباء يكون سبباً في حفظ الأبناء، وقد يكون حفظ الله بشيء تكرهه النفوس لفقر أو لسجن أو لمرض، نسأل الله تعالى العافية، فيتضرر العبد بذلك وما هو إلا حفظ الله كما ورد في بعض الآثار: (إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، وإني إن أسقمته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم وإني إن أصححته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى وإني إن أفقرته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر وإني إن أغنيته أفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم إني عليم خبير). فالله قد يبتلي العبد ببلاء ويكون هذا البلاء هو عين النعمة وعين الحفظ للعبد، وإن العبد ليتهيأ للإمارة ويتهيأ للأمر من أمر الدنيا فالله تعالى يقول لملائكته: (اصرفوه عنه فإني إن يسرته له أدخلته النار) ويظل العبد يتبرم وما هو إلا حفظ الله ، فهذا النوع الأول من الحفظ عباد الله، أن يحفظ الله على العابد جوارحه، وأن يمتعه بسمعه وبصره وقوته، وأن يجعل ذلك الوارث منه. النوع الثاني من الحفظ عباد الله: أن يحفظ الله للعبد إيمانه؛ كما قال الله في حق يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، وكما قيل في قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] قالوا: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار. فهذا حفظ الله للعبد جوارحه، ويحفظ له قوته وأولاده، ويحفظ له دينه حتى يموت وهو متمسك بالإسلام: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) أي: تجده معك.

стр. 165

معية الله لمن حفظه من حفظ حدود الله وحفظ أوامره ونواهيه كان الله معه، وهذه هي معية التأييد والنصرة والتسديد وإجابة الدعاء، وهي المعية الخاصة، كما قال النبي ﷺ لما قال له أبو بكر: (لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]. وكما قال لهارون وموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، أي: بتأييدي ونصري وبسماع دعائكما. وهذه المعية الخاصة عباد الله! بخلاف المعية العامة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، هذه هي المعية العامة عباد الله! فالجميع تحت سمع الله وتحت بصره، وهذه المعية العامة عباد الله! تستوجب من العبد الحذر من الله والخوف منه ومراقبته. أما معية التأييد والنصرة والتسديد فتستوجب من العبد أن يستغني بالله ، وأن يتقوى ويستأنس بالله . يذكر أن أحد العلماء كان يجلس وحده ويكثر من الخلوة، فقيل له: ألا تستوحش وحدك؟ قال: كيف ذلك وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟ فهذه هي المعية الخاصة معية الأنس ومعية التأييد ومعية النصرة.

стр. 166

سؤال الله والاستعانة به (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) فالعبد لا يجوز له أن يسأل غير الله ؛ لأنه ليس هناك أحد قادر على جلب جميع المصالح ودفع جميع المضار إلا الله . قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، فالله تعالى مالك خزائن السملوات والأرض، وهو وحده القادر على جلب النفع ودفع الضر، ومن دون الله من الآلهة الباطلة لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ضراً فضلاً عن أن يدفعوا عن غيرهم ضراً، أو يجلبوا لأنفسهم أو لغيرهم نفعاً، فهم عاجزون: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]. فإذا سألت فاسأل الله، والسؤال عباد الله! إظهار نقص وفقر وذل وحاجة، والله يريد من عبده المؤمن ألا يظهر نقصه وفقره وحاجته إلى غير الله ، كما قال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة، ثم تلا قول الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]). والله غني كريم يحب من العباد أن يسألوه، وأن يطلبوا قضاء الحوائج منه سبحانه؛ لأنهم فقراء محاويج، ولأنهم مجبولون على الشح وعلى حب المال وحب الخير، فإذا سألت ابن آدم فإنه يغضب من ذلك، وإذا لم تسأل الله يغضب، كما في الحديث: (من لم يسأل الله يغضب عليه). كان أحد الناس يتردد على بعض الملوك فنصحه أحد العلماء وقال: يا هذا! تذهب إلى من يسد دونك بابه ويخفي عنك غناه، ويظهر لك فقره، وتدع من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه، ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب قال: (وإذا استعنت فاستعن بالله)، خلق الله العبد ضعيفاً، ومن طبيعته أن يستعين بغيره؛ فإذا استعان بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق فهذا لا ينافي التوحيد، ولكن أن يستعين بمخلوق في أن يشفي له مريضه أو يرد له غائبه، أو يهدي له ضاله، فهذه استعانة شركية، فالاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله استعانة شركية.

стр. 167

النفع والضر بيد الله (واعلم أن الأمة لو اجتمعت أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك). وهذا مدار الوصية عباد الله! فلو علم العبد أن الأمر كله لله ، وأن نواصي العباد بيده سبحانه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، وعلم أن خزائن السماوات والأرض بيد الله ، وعلم أن مقادير الخلائق بيد الله ؛ فعند ذلك لا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله ، وعند ذلك يحفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، فإذا اقتنع العبد وأيقن أن الأمر كله بيد الله، وأن الخلق ملك لله ، وأن الله له الأمر وله النهي وله الحكم؛ فعند ذلك لا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله ، ولن يطلب الرزق إلا من الله ، ولا يطلب مغفرة الذنوب إلا منه سبحانه، كذلك لا يطلب الهداية إلا منه سبحانه. قال رسول الله ﷺ : (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، هذا فيه إشارة إلى أن المقادير قد كتبت منذ أزمنة متطاولة؛ ولطول هذه المدة جفت الصحف، كما قال النبي ﷺ : (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، وكما ورد في الحديث: (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما سيكون إلى يوم القيامة). فالله يعلم قبل أن يخلقنا متى يولد الواحد منا ومتى يرزق ومتى يموت، وهل هو من أهل الجنة أو هو من أهل النار والعياذ بالله، وكل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال ﷺ : (رفعت الأقلام وجفت الصحف). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 168

شهر رمضان أيام معدودات آخره أفضل من أوله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! كنا بالأمس القريب ندعو ونبتهل ونقول: اللهم بلغنا رمضان! ونحن عباد الله الآن نستعد لتوديع هذا الشهر الكريم، فهو كما قال الله : ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، مع أن الشهر عباد الله! تسعة وعشرون يوماً، أو ثلاثون يوماً، إلا أن الأزمنة الشريفة والأوقات الطيبة تمر سريعاً، فهذا الشهر هو شهر البركة وشهر الرحمة، ولا ندري هل نعمّر حتى ندرك موسماً آخر من مواسم المغفرة والرحمة. أتترك من تحب وأنت جار وتطلبهم وقد بعد المزار تركت سؤالهم وهمو حضور وترجو أن تخبرك الديار فنفسك لم ولا تلم المطايا ومت كمداً فليس لك اعتذار يا شهر رمضان! ترفق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى ساعة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كل ما تخرق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق. عسى وعسى من قبل وقت التفرق إلى كل ما نرجو من الخير نرتقي فيجبر مكسور ويقبل تائب ويعتق خطاء ويسعد من شقي عباد الله! كل زمان شريف فآخره أشرف من أوله، فالليل أشرف من النهار، وآخر الليل أشرف من أول الليل، فإذا كان ثلث الليل الآخر ينزل ربنا جل وعز إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟).

стр. 169

الحث على تحري العشر الأواخر من رمضان كذلك هذا الشهر الكريم عباد الله! كله بركة وخير ورحمة، ولكن آخره أشرف من أوله، وكان النبي ﷺ يخص العشر الأواخر من رمضان بأنواع من العبادات كما تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله) وشد المئزر قيل: علامة على الجد والاجتهاد في العبادة. والصحيح: أن شد المئزر علامة على اعتزال النساء؛ لأن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، والمعتكف ممنوع من مباشرة النساء، كما قال الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فالمباشرة تفسد الاعتكاف، فكان يشد المئزر، وما ذلك إلا لأن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليل رمضان وقال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، أباح لهم أن يستمتعوا بالنساء في ليالي العشرين الأولى من رمضان، ثم ندبهم إلى الاجتهاد في تحري ليلة القدر وطلبها، وأن لا يظلوا في اللهو المباح، فيضيع عليهم ثواب هذه الليلة التي تساوي عمر الإنسان، والتي لو قامها العبد إيماناً واحتساباً لغفر الله له ما تقدم من ذنبه. قال الإمام مالك ﵀ في موطئه: (بلغنا أن النبي ﷺ أري أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته) أي: خشي ألا يبلغوا من الدرجة ومن الفضل ما بلغته الأمم السابقة، قال: (فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر)، أي: خير من أكثر من ثمانين سنة، فمن حرم خيرها فقد حرم. فينبغي على العبد أن يتحرى العشر الأواخر من رمضان، فإنه قد مضى منها شطرها، فعلينا أن نجتهد فيما بقي. والسبع الأواخر من رمضان كذلك أشرف من أول هذه العشر، فينبغي أن يجتهد العبد في طلب ليلة القدر، فمن العبادات التي خص بها النبي ﷺ هذه العشر اعتزال النساء، ومن ذلك أنه كان يحيي ليله، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يقوم الليل طوال السنة، كما أمره الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٥]. فكان يقوم كل يوم في السنة ثلث الليل أو نصف الليل، يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً، فقوله: (أحيا ليله)، قيل: أحيا معظم الليل، أي: كان يحيي معظم الليل في رمضان ويطيل قيامه. قوله: (وأيقظ أهله) أي: للقيام، فهذه عبادات خص بها النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان.

стр. 170

مشروعية الاعتكاف وزكاة الفطر الاعتكاف: هو قطع العلائق عن الخلائق، والاشتغال بخدمة الملك الخالق ، أن يلزم العبد المسجد للصلاة والذكر والدعاء والبكاء، ولا يخرج إلا لحاجة، أي: للبول والغائط، واختلفوا فيما سوى ذلك، فإذا خرج لغير حاجة بطل اعتكافه بإجماع العلماء، فينبغي لمن أراد أن يعتكف وأن ينال ثواب هذه العبادة ألا يخرج من المسجد إلا لحاجة شديدة. كذلك في العشر الأواخر من رمضان شرعت زكاة الفطر طهرة للصائم، وهي صاع من طعام، أي: من بر، أو من قمح أو من شعير أو من أقط -وهو اللبن المجفف- أو من تمر أو من زبيب، فهذه هي المنصوص عليها، وقاس العلماء عليها غيرها مما يقتات ويدخر، كالأرز والعدس وغير ذلك. وجمهور العلماء على عدم جواز إخراج القيمة، فإما أن يشتري العبد لنفسه هذه الأصناف أو صنفاً من هذه الأصناف، ويوزعها على من يقبلها، أو يوكل من يشتري له ذلك، أما أن يخرجها نقوداً، فإن الناس -خاصة في هذه الأزمان المتأخرة- لا يحسنون إنفاق هذه النقود، فقد ينفقونها في معصية الله فضلاً عن أن العبادات على التوقيف، فإذا قال النبي ﷺ : (زكاة الفطر صاع من طعام أو من شعير أو من أقط أو من تمر أو من زبيب)، فتكون هذه هي الزكاة المطلوبة. وتخرج الزكاة في المكان الذي فيه الإنسان ببدنه، ويمر عليه عيد الفطر وهو فيه، فمن كان بمصر تخرج في مصره، ومن كان في بلد آخر يمر عليه عيد الفطر وهو فيه تخرج في هذا المكان؛ لأن زكاة الفطر وقتها قبل صلاة العيد، ولكن رخص بعض السلف توسعة على الناس أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، فإذا خرج الإمام لصلاة العيد فإن وقت زكاة الفطر يكون قد انتهى بذلك. هذه عبادات شرعت في نهاية هذا الشهر الكريم، فيا أصحاب الذنوب العظيمة! الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فما منها عوض ولا لها قيمة، من يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة والمنحة الجسيمة، يا من أعتقه مولاه من النار! إياك أن تعود بعد أن صرت حراً من رق الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وأنت تقترب منها؟! أينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟! اللهم أحسن خاتمتنا، واختم لنا هذا الشهر الكريم بخير يا رب العالمين! اللهم اجعل خير أيامنا في هذا الشهر خواتمه، اللهم اقبل منا ومن المسلمين الصيام والقيام وتلاوة القرآن. اللهم اجبر كسر المسلمين بفراق هذا الشهر، اللهم اجبر كسرنا بفراق هذا الشهر، اللهم إنا نسألك أن توفقنا لرمضان سنين عديدة وأزمنة مديدة، وأن تمتعنا بالطاعة والعافية، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم من كادنا فكده يا رب العالمين! ومن مكر بنا فامكر به يا رب العالمين! اللهم إنا ندرأ بك في نحور أعدائك، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم لا ينسلخ هذا الشهر الكريم إلا وأمة الإسلام ترفل في أثواب العز والكرامة، اللهم ارفع راية الإسلام في كل مكان يا رب العالمين! فوق كل أرض وتحت كل سماء يا رب العالمين! اللهم اقبل عمرة إخواننا المعتمرين، واجبر من لم يتمكن من الخروج يا رب العالمين! وافتح عليه في الطاعة والعبادة ما يعوضه أحسن العوض. اللهم فك أسر إخواننا المأسورين، وسائر المأسورين في سجون العالم يا رب العالمين! من المسلمين، اللهم فك أسر إخواننا وسائر المسلمين يا رب العالمين! اللهم فك أسر المأسورين، وفرج كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد شباب المسلمين، واهد أطفال المسلمين، واهد نساء المسلمين، اللهم زينهم بالعفة والحجاب والحياء يا رب العالمين! اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 171

طريق التوبة إن العبد في هذه الحياة بحاجة إلى التوبة في كل وقت، وقد كان النبي ﷺ يتوب في اليوم مائة مرة، والتوبة قد أمر الله بها جميع الناس، وحثهم عليها وهو سبحانه يفرح بتوبة عبده ورجوعه إليه، والمسلم يستعد للقاء الله سبحانه بالتوبة النصوح التي يكون فيها صادقاً مع الله حتى يقبل عند ربه سبحانه.

стр. 172

الحث على المبادرة بالتوبة الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الأخلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه. ثم أما بعد: عباد الله! قال بعضهم: المعاصي سلسلة في عنق العاصي لا يفكه منها إلا الاستغفار والتوبة. وقال بعضهم: أرقهم قلوباً أقلهم ذنوباً. وقال بعضهم: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. عباد الله! مصيبتنا في التفريط واحدة: إنا ليجمعنا البكاء وكلنا يبكي على شجن من الأشجان نحن في شهر ليس شهر الصيام والقيام والقرآن فحسب، ولكنه شهر التوبة وشهر الرجوع إلى الله ؛ لأنه شهر تفتح فيه أبواب السماء، وتفتح فيه أبواب الرحمة، وتفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وتسلسل فيه الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر. ثم إن النفس تنكسر بالصيام، ويطوع الصيام النفس الأمارة بالسوء للنفس المطمئنة، فمن لم يستطع قهر نفسه في رمضان، ومن لم يستطع أن يلزم نفسه تقوى الله وطاعة الله في رمضان فمتى يستطيع أن يقهر نفسه؟! ومتى يستطيع أن ينتصر على نفسه؟! ومتى يستطيع أن يطوع نفسه لله ؟! والتوبة باب مفتوح بين العبد وبين ربه، فتح الله هذا الباب العظيم، ودعا كل الناس للولوج من هذا الباب، فدعا الله للولوج من هذا الباب كل طوائف البشر، دعا الله المنافقين، ودعا الله المشركين، ودعا الله اليهود والنصارى، ودعا الله المسرفين على أنفسهم من أمة النبي محمد ﷺ ، كما دعا الله المؤمنين الصالحين، دعا الله كل العباد للدخول من باب التوبة، فدعا إلى ذلك المنافقين فقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]. ودعا المشركين فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. كما دعا الله اليهود والنصارى فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]. والذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، فقال بعد أن ذكر حالهم: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]. كما دعا الله إلى التوبة المسرفين على أنفسهم من أمة النبي محمد ﷺ فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. كما دعا الله المؤمنين الصادقين، فنزل قول الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فهذه آية مدنية -أي: نزلت بعد الهجرة- أمر الله فيها الصحابة الكرام بالتوبة بعد الإيمان والهجرة والجهاد والصبر، وعلق فلاحهم بالتوبة، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَي

стр. 173

شروط التوبة والتوبة لها شروط ستة: الشرط الأول: أن تكون خالصة لله ؛ فإن التوبة عبادة، بل هي من أحب العبادات إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وقال النبي ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه راحلته، فأيس منها، فأتى شجرة فجلس في ظلها، وقال: أجلس هنا حتى أموت). والدابة والراحلة عليها طعامه وشرابه عليها أسباب الحياة: (وهو في أرض صحراء مهلكة، فبينما هو كذلك إذا هو بها أمامه فأمسك بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح). فالتوبة عبادة تفتقر إلى ما تفتقر إليه سائر العبادات من الإخلاص لله . الشرط الثاني: أن يقلع العبد عن الذنوب، فتستحيل التوبة مع المداومة على مقارفة الذنوب. الشرط الثالث: أن يندم على فعلها، والندم توبة، والذنب إما أن يحرق بنار الندم في الدنيا، أو يحرق بنار الآخرة. الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود. وقال بعض العلماء: إن عاد إلى الذنب مرة ثانية تبين بأن توبته ليست صادقة. والصحيح أن العزم على عدم العودة هو شرط التوبة وليس الشرط عدم العودة؛ لأنه كم من محب للصحة يأكل ما يضره. وقيل للحسن: الرجل يعمل الذنب فيستغفر ثم يعود؟ فقال الحسن: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملوا من الاستغفار. أي: أن العبد لو عزم على عدم العودة إلى الذنب ثم عاد إليه مرة ثانية، ثم علم أن الله لن يقبل توبته؛ لأنه عاد إلى الذنب لكان هذا يأساً من رحمة الله ، ولم يكن للعبد عند ذلك إلا سبيل الشيطان وسبيل المعاصي، فينبغي أن يعزم العبد عزماً أكيداً على عدم العودة. الشرط الخامس: رد المظالم؛ لقوله ﷺ : (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات)، لا يكون التعامل بالعملة الصعبة، لا بالريال السعودي، ولا بالدولار، ولكن بالحسنات والسيئات في وقت لا يستطيع العبد أن يزيد في حسناته حسنة، ولا أن ينقص من سيئاته سيئة، فينبغي أن يرد العبد المظالم إلى أهلها، (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات). الشرط السادس: أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه التوبة، قبل إغلاق باب التوبة، ويغلق باب التوبة على الخلق كلهم إذا طلعت الشمس من مغربها، فإذا جاء: ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. وقال النبي ﵌: (إن الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها). وهي علامة كبرى من علامات الساعة، فإذا طلعت الشمس من مغربها أراد الناس كلهم التوبة، إذا رأوا الشمس تشرق من جهة المغرب فهذه علامة على اختلال النظام الكوني، وعلى قرب قيام الساعة، ولكن يغلق عند ذلك باب التوبة، ثم تخرج دابة من الأرض تكلم الناس، وتسم المؤمن على جبهته بأنه مؤمن، وتسم الكافر بأنه كافر، فمن لم يدخل في الإيمان قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل خروج دابة الأرض لا ينفعه الإيمان؛ لأن باب التوبة قد أغلق، باب التوبة الذي يظل مفتوحاً للخلق كلهم طوال الحياة الدنيا يغلق، وعند ذلك، ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. كذلك يغلق باب التوبة أمام كل عبد إذا بلغت روحه الحلقوم، كما قال النبي ﵌: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، ما لم يصل إلى الغرغرة وإلى الحشرجة، فيظل العبد في غيه وفي إعراضه وفي معاصيه، ويسوف بالتوبة ويؤجل التوبة، وأكثر الناس يطلبون التوبة في الوقت الذي يغلق فيه باب التوبة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، فسوى الله بين من لم يتب عند موته وبين من يموت على غير توبة، فقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨]. وهذا فرعون أراد التوبة عندما عاين الغرق فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، فرد الله عليه فقال: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ ا

стр. 174

علامات فساد التوبة وعلامات صحتها هناك علامات للتهمة في التوبة، وعلامات لصحة التوبة، فمن علامات التهمة: - استمرار الغفلة وانتكاس القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته. - ومن ذلك: ألا يستحدث العبد أعمالاً صالحة بعد التوبة، فإذا وجد العبد في توبته هذه العلامات؛ فإنه يشك في توبته، وينبغي أن يعلم أن توبته تحتاج إلى توبة. - ومن ذلك: طمأنينة النفس، فكأنه قد علم بأن توبته قد قبلت، وأن حوبته قد محيت، ولم يبق إلا أن تقوم القيامة حتى يعطى منشوراً بالأمان، فهذه علامات التهمة. وأما علامات صحة التوبة فمنها: أن يستحدث العبد أعمالاً صالحة بعد التوبة، فهي التي تصدق التوبة وتشير إلى أن التوبة كانت توبة صادقة، قال ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]، أي: توبة صادقة وتوبة صحيحة. ومن ذلك: أن يظل العبد على الخوف حتى تنزل عليه الرسل بقول الله : ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. فهناك يزول خوفه، فإنما يقال ذلك لمن طال خوفه في الدنيا، وعظم حزنه على ما فرط منه، أما من لم يخف الله ، ومن لم يحزن على ما فرط منه فلا يقال له شيء من ذلك. من علامات الصحة كذلك: أن يتقطع قلب العبد خوفاً من الله ، قال الله : ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:١١٠]. قال سفيان بن عيينة تقطعها بالتوبة، ومن لم يتقطع قلبه بالتوبة في الدنيا تقطع قلبه إذا عاين الحقائق، وإذا عاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين. ومن علامات الصحة كذلك: كسرة تصيب قلب العبد فتتطرحه على باب الله ذليلاً، ويكون حاله كحال عبدا أبق وهرب من سيده بعد كثرة جناياته ومخالفاته، فأحيط به وأعيد إلى سيده وهو يعلم أنه لا حياة له، ولا سعادة له إلا في طاعة سيده، وهو لا يستغني عن سيده طرفة عين، فلله ما أحلى قوله عند ذلك: أسألك بقوتك وضعفي إلا رحمتني، أسألك بغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخائف الضرير، يا من ذل لك قلبه، وخشعت لك جوارحه: يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 175

أقسام الناس في التوبة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. الناس في التوبة على أقسام: فمن الناس من لا يوفق لتوبة، فيحيا حياته كلها لا يوفق للحظة صدق واحدة مع الله ومع نفسه فيتذكر ذنوبه، ويتوب إلى الله ، ويرجع إلى الله ويستقيم على طاعة الله . فهو لا يعرف لماذا خلق؟! وما هي الوظيفة التي أنيطت به؟ ولا يعرف إلا المعاصي والشهوات، فهو يأكل من أجل أن يعيش، ويعيش من أجل أن يأكل، لا هدف له في حياته، لا يعبد الله بأمره ونهيه، ولا يسعى لإعزاز دين الله ورفع راية الله ، فيحيا في الدنيا حياة البهائم، كما قال : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. لعله ما دخل في حياته كلها بيت الله ، بل لعله لا يدخل إلا مرة واحدة، ولا يدخل على قدميه ولكن محمولاً على خشبته، ولا يدخل من أجل أن يصلي، بل من أجل أن يصلى عليه، فهذا الدخول لا ينفعه؛ لأنه ما دخل بإرادته، كما إذا وجهوه بعد موته إلى القبلة لا ينفعه كذلك؛ لأنه كان في حياته إلى غير القبلة، كان لا يتوجه للقبلة في حياته، فكيف ينفعه إذا مات أن يوجه إلى القبلة وهو بغير إرادة؟! وهو ما توجه إلى قبلة الله بإرادته، فكيف ينفعه أن يوجه إلى القبلة بعد موته؟! فهؤلاء لا يحيون الحياة التي يحبها الله ، والتي يريدها الله لهم، بل يعيشون حياة البهائم، لم يكونوا في الدنيا جمادات لا تحس، فكذلك في الآخرة، قال : ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧]، يأتيه الهلاك والعطب والبوار والدمار من كل مكان وما هو بميت. وأين يذهب وهو في دار القرار؟ ولمن يترك هذا العذاب الذي قد تسبب فيه؟ فالذين يصدون عن سبيل الله ، والذين يحاربون أولياء الله ، والذين يشيعون الفواحش في بلاد المسلمين، والذين يعرضون عن طاعة رب العالمين يقولون يوم القيامة كما أخبر الله عنهم: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦]، يندمون حين لا ينفع الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧]. فالعبد يندم حين لا تنفع الندامة، ويطلب الرجوع إلى الدنيا وقد فنيت الدنيا، ولم يبق إلا ما بعد يوم القيامة، فينبغي للعاقل أن ينتبه لنفسه، وأن يفكر في أحواله، وأن يقف مع نفسه لحظة صدق هل هو مؤمن بالله مؤمن بالآخرة؟ لحظة واحدة قد تكون سبباً للسعادة الأبدية في جنة الله ، لحظة صدق واحدة يجلس فيها العبد مع نفسه ويتفكر في ذنوبه السالفة وجناياته الماضية، فيصلح الماضي كله بتوبة يتوب فيها إلى الله ، ويصلح الحاضر بعمل صالح ويصلح مستقبلة بالعزيمة على الاستمرار على طاعة الله . ومن لم يعتبر بغيره صار عبرة لغيره، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه وصار عبرة لغيره. هذه حالة الأشقياء، وهي حالة أكثر الخلق، فأكثر الخلق معرضون عن طاعة الله، معرضون عن شريعة الله ، مستمرون على معصية الله ، يقولون سوف نتوب، وهذا التسويف يطول بهم، فلا يفيقون عباد الله إلا وهم في عسكر الموتى، نادمين بين الخاسرين، فينبغي على العبد أن يستدرك ما فات، وأن يرجع إلى رب الأرض والسماوات. كثيراً ما يموت أهل المعاصي وهم متلبسون بمعاصيهم، فيكون ذلك خزياً لهم في الدنيا مع خزي الآخرة وعذاب الآخرة، وكثيراً ما يحدث ذلك لشارب الخمر. أتأمن أيها السكران جهلاً بأن تفجأك في السكر المنيه فتضحي عبرة للناس طراً وتلقى الله من شر البريه هذه حالة الأشقياء عباد الله! أن يستمر العبد على المعاصي والذنوب حتى يرجع إلى الله ولا يكون له حيلة ولا وسيلة، إن الذي يخسر شيئاً من ماله يتحسر عليه، والذي يخسر بعض أولاده يحزن على ذلك ويتحسر، والذي يفقد بعض أعضائه يتحسر على ذلك، فيكف إذا خسر العبد نفسه؟ وكيف إذا كان نصيبه النار؟ خسروا أنفسهم فصاروا في النار خالدين فيها، لا ينفعهم جاههم، ولا ينفعهم مالهم ولا تنفعهم عشيرتهم، ولا ينفعهم شيء من الدنيا، ولو ملك ملء الأرض ذهباً وأرد أن يفدي نفسه بذلك ما قبل منه، لا يقبل منه ملء الأرض ذهباً ولو أفتدى به، وكان يسهل عليه في الدنيا أن يسلك طريق الله ، وأن يستقيم على شرع الله

стр. 176

عمر بن عبد العزيز إن الله لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا سدى، بل جعل لنا موعداً يجمعنا فيه للفصل والحكم بيننا، فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وطوبى لعبد خاف الله واتقى وآثر الآخرة على الدنيا.

стр. 177

وصية الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز لرعيته الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: أيها الناس! إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معاداً يجمعكم الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض، وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى وأتقى وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباق، وشقاوة بسعادة. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم تشيعون في كل يوم غادياً رائحاً إلى الله تعالى قد قضى نحبه وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد قطع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟ هذه كلمات لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، والإمام العادل الذي أقبلت عليه الدنيا بخيلها ورجلها فأعرض عنها رغبة في النعيم المقيم، ومجاورة رب العالمين، كان من أحسن الناس سيرة، وأطيبهم سريرة!

стр. 178

زهد عمر بن عبد العزيز ﵀ وورعه إنه المجدد الأول لشباب الإسلام على رأس المائة الأولى، كما قال الإمام أحمد: إن الله يقيض لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، فنظرنا في المائة الأولى فوجدنا عمر بن عبد العزيز، ونظرنا في المائة الثانية فوجدنا الإمام الشافعي. وتقول فاطمة بنت عبد الملك زوجة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: قد يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر بن عبد العزيز، ولكن لم أر في الناس أحداً أخوف لله من عمر بن عبد العزيز. قال مالك بن دينار: تقولون مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز أقبلت عليه الدنيا فأعرض عنها. ويقول مسلمة بن عبد الملك: دخلت على فاطمة فقلت لها: غيري قميص أمير المؤمنين - أي: عمر بن عبد العزيز وكان في مرض الوفاة - فقالت: نفعل إن شاء الله، ثم دخل في اليوم الثاني فقال: ألم آمركم أن تغيروا قميص عمر بن عبد العزيز؟! فقالت فاطمة: والله ما له قميص غيره. ويقول غلام لـ عمر بن عبد العزيز: دخلت على مولاتي - أي فاطمة بنت عبد الملك - فغدتني عدساً، فقلت لها: كل يوم عدس؟ فقالت: هذا طعام مولاك أمير المؤمنين. إنه خليفة المسلمين عباد الله! ولي الخلافة سنتان وخمسة أشهر غيَّر فيها منار الأرض، وملأ الأرض عدلاً بعد أن كانت قد ملئت ظلماً وجوراً.

стр. 179

الغاية من خلق الإنسان يقول ﵀: أيها الناس! إنكم لم تُخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى. قال الله : ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]، أيحسب الناس أن يتركوا سدى بلا حساب ولا عقاب؟ أو يتركهم الله دون أن يأمرهم بأوامر وينهاهم عن نواهي؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]! إن الله لم يخلق خلقه عبثاً ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم، عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين وأشفقن منه إشفاقاً ووجلاً وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعاً وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلاً، وحملها الإنسان على ضعفه وعجزه عن حملها، وباء بها على ظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله، وصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة، لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا في قلة مقامهم في هذه الدنيا الفانية، وسرعة رحيلهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني الباطلة والخدع الكاذبة، فخدعهم طول الأمل، وران على قلوبهم سوء العمل، فهم في شهوات الدنيا ولذات النفوس كيفما حُصِّلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها، إذا بدا لهم حظ من الدنيا بآخرتهم صاروا إليه زرافات ووحداناً، ولم يؤثروا عليه فضلاً من الله ولا رضواناً: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. عباد الله! إن الله خلقنا من أجل أن نعرفه بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته، ومن أجل أن نعبد الله وحده لا شريك له، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].

стр. 180

الحث على الاستعداد ليوم القيامة قال ﵀: أيها الناس! إنكم لم تخلقوا عبثاً ولم تتركوا سدى، وإن لكم معاداً يجمعكم الله فيه. عباد الله! غفل الناس عن وظيفة حياتهم، وعن السبب الذي خلقهم الله له، كما غفلوا عن المعاد الذي سيجمعهم الله فيه، مع أن الله ذكر لنا قربه فقال : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال : ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] فقرَّب لنا يوم القيامة حتى جعله كغد، وأخبر أن طول هذا اليوم خمسين ألف سنة، فقال : ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٤ - ٧]. وقال : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. وقال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨]. ويقول النبي ﵌: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة)؛ أي: لو أن العبد يجر على وجهه في طاعة الله، يؤذى في الله ويعذب في الله . الواحد منا لو تعرض لشيء قليل من البلاء يظن أنه قد استوجب الجنة، وأنه سوف يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، ويشعر أنه ما بينه وبين الجنة إلا نزول ملك الموت. وهذا الظن -عباد الله- ظن فاسد: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة).
следующие страницы →