Полный текст (481 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عمر بن عبد العزيز
إن الله لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا سدى، بل جعل لنا موعداً يجمعنا فيه للفصل والحكم بيننا، فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وطوبى لعبد خاف الله واتقى وآثر الآخرة على الدنيا.
стр. 177
وصية الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز لرعيته
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً.
أما بعد: عباد الله! أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
قال عمر بن عبد العزيز ﵀: أيها الناس! إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معاداً يجمعكم الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض، وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى وأتقى وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباق، وشقاوة بسعادة.
ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم تشيعون في كل يوم غادياً رائحاً إلى الله تعالى قد قضى نحبه وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد قطع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟ هذه كلمات لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، والإمام العادل الذي أقبلت عليه الدنيا بخيلها ورجلها فأعرض عنها رغبة في النعيم المقيم، ومجاورة رب العالمين، كان من أحسن الناس سيرة، وأطيبهم سريرة!
стр. 178
زهد عمر بن عبد العزيز ﵀ وورعه
إنه المجدد الأول لشباب الإسلام على رأس المائة الأولى، كما قال الإمام أحمد: إن الله يقيض لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، فنظرنا في المائة الأولى فوجدنا عمر بن عبد العزيز، ونظرنا في المائة الثانية فوجدنا الإمام الشافعي.
وتقول فاطمة بنت عبد الملك زوجة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: قد يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر بن عبد العزيز، ولكن لم أر في الناس أحداً أخوف لله من عمر بن عبد العزيز.
قال مالك بن دينار: تقولون مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز أقبلت عليه الدنيا فأعرض عنها.
ويقول مسلمة بن عبد الملك: دخلت على فاطمة فقلت لها: غيري قميص أمير المؤمنين - أي: عمر بن عبد العزيز وكان في مرض الوفاة - فقالت: نفعل إن شاء الله، ثم دخل في اليوم الثاني فقال: ألم آمركم أن تغيروا قميص عمر بن عبد العزيز؟! فقالت فاطمة: والله ما له قميص غيره.
ويقول غلام لـ عمر بن عبد العزيز: دخلت على مولاتي - أي فاطمة بنت عبد الملك - فغدتني عدساً، فقلت لها: كل يوم عدس؟ فقالت: هذا طعام مولاك أمير المؤمنين.
إنه خليفة المسلمين عباد الله! ولي الخلافة سنتان وخمسة أشهر غيَّر فيها منار الأرض، وملأ الأرض عدلاً بعد أن كانت قد ملئت ظلماً وجوراً.
стр. 179
الغاية من خلق الإنسان
يقول ﵀: أيها الناس! إنكم لم تُخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى.
قال الله : ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]، أيحسب الناس أن يتركوا سدى بلا حساب ولا عقاب؟ أو يتركهم الله دون أن يأمرهم بأوامر وينهاهم عن نواهي؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]! إن الله لم يخلق خلقه عبثاً ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم، عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين وأشفقن منه إشفاقاً ووجلاً وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعاً وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلاً، وحملها الإنسان على ضعفه وعجزه عن حملها، وباء بها على ظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله، وصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة، لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا في قلة مقامهم في هذه الدنيا الفانية، وسرعة رحيلهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني الباطلة والخدع الكاذبة، فخدعهم طول الأمل، وران على قلوبهم سوء العمل، فهم في شهوات الدنيا ولذات النفوس كيفما حُصِّلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها، إذا بدا لهم حظ من الدنيا بآخرتهم صاروا إليه زرافات ووحداناً، ولم يؤثروا عليه فضلاً من الله ولا رضواناً: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
عباد الله! إن الله خلقنا من أجل أن نعرفه بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته، ومن أجل أن نعبد الله وحده لا شريك له، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
стр. 180
الحث على الاستعداد ليوم القيامة
قال ﵀: أيها الناس! إنكم لم تخلقوا عبثاً ولم تتركوا سدى، وإن لكم معاداً يجمعكم الله فيه.
عباد الله! غفل الناس عن وظيفة حياتهم، وعن السبب الذي خلقهم الله له، كما غفلوا عن المعاد الذي سيجمعهم الله فيه، مع أن الله ذكر لنا قربه فقال : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال : ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] فقرَّب لنا يوم القيامة حتى جعله كغد، وأخبر أن طول هذا اليوم خمسين ألف سنة، فقال : ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٤ - ٧].
وقال : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
وقال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨].
ويقول النبي ﵌: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة)؛ أي: لو أن العبد يجر على وجهه في طاعة الله، يؤذى في الله ويعذب في الله .
الواحد منا لو تعرض لشيء قليل من البلاء يظن أنه قد استوجب الجنة، وأنه سوف يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، ويشعر أنه ما بينه وبين الجنة إلا نزول ملك الموت.
وهذا الظن -عباد الله- ظن فاسد: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة).
стр. 181
بيان عظم رحمة الله
قال ﵀: وإن لكم معاداً يجمعكم الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض.
خاب وشقي عبد لم تنله رحمة الله التي وسعت كل شيء، كتب الله في كتاب فهو عنده فوق العرش: (إن رحمتي سبقت غضبي)، وفي رواية: (تغلب غضبي)، وفي رواية: (غلبت غضبي).
وورد أيضاً: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، وأرسل في الخلق رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، واحتجز الله ليوم القيامة تسعة وتسعين رحمة، فلو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد، ولو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد).
стр. 182
الخوف من الله سبب في النجاة يوم القيامة
قال ﵀: وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى.
قال رجل للحسن البصري: ما نفعل بأقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا أن تطير؟ فقال له الحسن البصري: لأن تخوف حتى تدركك المآمن خير لك من أن تأمن حتى تدركك المخاوف.
قال الله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢].
فمن خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة، ومن أمن مكر الله في الدنيا أخافه الله يوم القيامة، وأدركته المخاوف يوم القيامة.
وإنما يكون الخوف عباد الله! نتيجة لعلم العبد بالله وبدين الله ، وبعلم العبد بعيوب نفسه وسيئات عمله، فكلما ازداد علم العبد بالله وأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته ازداد خوفاً من الله ، كما قال النبي ﵌: (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، وكما قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
قال ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً، وكفى باغترار بالله جهلاً.
وقيل للإمام الشعبي: يا عالم، قال: إنما العالم من يخشى الله.
فكل من علم عن الله وأسمائه وصفاته ودينه يزداد خوفاً من الله ، فمن ثم غلب الخوف على الأنبياء والأولياء والعلماء، وغلب الأمن على الفراعنة الأطغياء، والكفرة والعوام والرعاع والطغام حتى كأنهم قد حوسبوا وفرغ منهم، فلم يخشوا سطوة العقاب، ولا نار العذاب، ولا بعد الحجاب: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
стр. 183
من طلب الدنيا ترك الآخرة
قال ﵀: وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى، وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباق، وشقاوة بسعادة.
من طلب الآخرة يترك الدنيا عباد الله، ومن طلب الدنيا ترك الآخرة، والله جعل العباد مهيئين بفطرتهم للخير والشر، كما قال : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠].
وبين الله للناس طريق الهداية وطريق الضلال، كما قال : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، وهذه هداية البيان عباد الله.
وكما قال : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت:١٧]، فالعبد مهيأ بفطرته للخير والشر، والله أنزل الكتب وبعث الرسل فصار العباد كأنهم يختارون أحد شيئين: إما أن يشتروا الضلالة بالهدى، أو يشتروا الهدى ويبيعون الضلالة، لأن الهدى والضلال لا يجتمعان، قال : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦] فلما كان الإنسان ميسر إلى الأمرين بطبيعة الخلقة وبتيسير الله وتبيين الله للناس الخير من الشر، صار من يختار الهدى كأنه يبيع الضلالة، ومن يختار الضلالة كأنه يبيع الهدى، كما قال : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة:١٦]؛ أي: فازوا بالتجارة الخاسرة والبائرة.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] أي: إلى أساليب التجارة الناجحة.
فطوبى لمن خاف لله تعالى وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباق، وشقاوة بسعادة.
الدنيا كلها عباد الله! لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي جناح بعوضة ما سقى الله منها كافراً شربة ماء.
من تدبر حال النبي ﵌ وأصحابه، وكيف أنهم كان يمر عليهم الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة ولا يوقد في بيت من بيوت رسول الله ﵌ نار، وكان ﷺ ينام على الحصير حتى أثر الحصير في جنبه، وكان ﵌ يقول: (ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها).
وانظروا إلى أهل الكفر والعصيان والتمرد على دين الله ، كم عندهم من زينة الدنيا وزخرفها! قال : ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠]، وقال : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
فالمؤمن عباد الله! لا يطلب الدنيا ولا يسعى إلى الدنيا، قال : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
المؤمن عباد الله! همته أعلى من حطام الدنيا، فهو لا ينافس على حطامها ولا يسعى لشهواتها، بل هو يسعى إلى النعيم المقيم ومجاورة رب العالمين، هو يريد أن يزاحم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فباع قليلاً بكثير؛ لأن الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى، ولا تظلمون فتيلاً، فالدنيا مثلها -عباد الله- كمثل قطعة الثلج، رخيصة الثمن، سريعة الذوبان، والآخرة كالجوهرة، غالية الثمن ومع ذلك فهي باقية، فالدنيا عباد الله! نسبتها إلى الآخرة لا شيء، قال : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧].
لو أن العبد عاش في الدنيا في أعظم النعيم -عباد الله- ثم كانت نهايته وعاقبته النار -والعياذ بالله- لا يغني عنه ما وجده من نعيم الدنيا شيئاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧].
يقول النبي ﷺ : (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة واحدة، ثم ي
стр. 184
كفى بالموت واعظاً
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: قوله ﵀: ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفه بعدكم الباقون، ألا ترون أنكم تشيعون في كل يوم غادياً رائحاً إلى الله تعالى، قد قضى نحبه وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد قطع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب؟! لا شك أن الموت عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين! كان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة وقف وقال: موعظة بليغة وغفلة شنيعة، يذهب الأول والآخر لا يعتبر.
وكان أبو هريرة ﵁ إذا شهد جنازة يقول: اغدوا فإنا رائحون.
وكان السلف ﵃ لا يعرفون أهل الميت من غيرهم لبكاء الجميع، فكل يبكي على جنازة نفسه لا على الميت: كل ابن آدم وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول ألا للموت كأس أي كأس وأنت لكأسه لا بد حاسي إلى كم والممات إلى قريب تُذَكَّر بالممات وأنت ناسي قال الحسن البصري ﵀: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فيها فرحاً، وما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت في عينه الدنيا وهان عليه كل ما فيها.
ونظر ابن مطيع إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى وقال: والله لولا الموت لكنت به مسروراً، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا.
تذكروا -عباد الله- إخواننا الذين كانوا معنا ثم رحلوا، تذكروا -عباد الله- من عرفناهم ومن عايشناهم ثم رحلوا عنا! أين ذهبوا؟ سألت الدار تخبرني عن الأحباب ما فعلوا فقالت لي أناخ القوم أياماً وقد رحلوا فقلت فأين أطلبهم وأي منازلٍ نزلوا فقالت بالقبور وقد لقوا والله ما فعلوا أناس غرهم أمل فبادرهم به الأجل فنوا وبقي على الأيام ما قالوا وما عملوا وأُثبت في صحائفهم قبيح الفعل والزلل ندامى في قبورهم وما يغني وقد حصلوا أين من كانت الألسن تهذي بهم لتهذيبهم، وصار خلق الاختبار يجري بهم لتجريبهم، أقام قيامتهم منادي الرحيل فصاروا في القبور وحداناً لا أنيس لغريبهم؟ أين أهل الوداد الصافي في التصافي؟ أين الفصيح الذي إذا شاء أنشأ في القول الصافي؟ أين قصورهم التي تضمنتها مدائح الشعراء؟ صار ذكر القوي في القوافي، لقد نادى الموت أصحاب العوالي، والقصور العوالي الطوافي.
نعى الله نبيه محمداً ﵌ إلى نفسه وهو في الدنيا، فقال : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقال : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
أرسل عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى أخيه يعزيه في وفاة ابنه فقال: أما بعد: فإنَّا أناس من أهل الآخرة أُخرجنا إلى الدنيا، والعجب من ميت يبعث إلى ميت يعزيه في ميت.
والسلام.
ألا ترون أنكم تشيعون في كل يوم غادياً رائحاً إلى الله تعالى، قد قضى نحبه وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد قطع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب.
اللهم أيقظنا من غفلتنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تهدي الضالين، وأن ترد الغائبين إلى بيوتهم يا رب العالمين! اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين! اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا! اللهم أعز من أعز الدين، وأذل من خذل الدين! اللهم إنا نسألك أن تعزنا بالإسلام قائمين، وأن تعزنا بالإسلام قاعدين، وألا تشمت بنا الأعداء والحاسدين.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 185
فضل الصبر والشكر
الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، فهما الجناحان اللذان يطير بهما المؤمن إلى الجنة، فلا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا إيمان لمن لا شكر له، وقد أثنى الله على الصابرين والشاكرين في كتابه، وبين فضلهما في سنة نبيه ﷺ .
стр. 186
مفهوم الصبر وفضله
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عهده وحكمته وهو العزيز الحكيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً.
أما بعد: عباد الله! أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
عباد الله! لما كان الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، كان جديراً بمن أحب نجاة نفسه وآثر سعادتها ألا يهمل هذين الأصلين العظيمين، وأن يطير إلى الله بهذين الجناحين الصبر والشكر، والصبر آخية المؤمن الذي يجول ثم يرجع إليها، وساق إيمانه التي لا اعتماد له إلا عليها، ولا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان في غاية الضعف وصاحبه ممن ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].
стр. 187
تعريف الصبر لغة وشرعاً
قيل في تعريف الصبر لغة: هو الحد.
وشرعاً: هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحو ذلك.
وقيل: الصبر: هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.
وقيل: الصبر تجرع المرارة من غير تعبث.
وقيل: هو الوقوف مع البلوى بلا شكوى.
والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، فقد قال أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، وقال الله : ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، وقال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦].
مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]،فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، أما الشكوى إلى المخلوق فإنها تنافي الصبر.
رأى أحد العلماء رجلاً يشكو إلى أخيه فقال له: والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.
стр. 188
الأدلة على فضل الصبر من الكتاب
الصبر عباد الله! جعله الله جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، وجنداً غالباً لا يهزم، وحصناً حصيناً لا يهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وقد مدح الله الصابرين في كتابه، وأخبر أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، فقال : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، وأخبر الله أن معيته للصابرين، وفي ذلك أفضل ترغيب للراغبين، فقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦].
وجعل الله الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، وجزم الله بأن الصبر خير لأهله مؤكداً ذلك باليمين، فقال : ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، وأخبر الله أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو، وإن كان ذا تسليط، فقال : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠].
وعلق الله الفلاح بالصبر والتقوى، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
وبشر الله الصابرين بثلاث، كل واحدة منها خير مما عليه أهل الدنيا يتنازعون، فقال : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
وأخبر الله أن الصابرين هم الفائزون بجنته والناجون من عذابه، فقال : ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١].
وقال في أربع آيات من كتابه مشيراً إلى أن أهل الانتفاع بآياته هم أهل الصبر وأهل الشكر، فقال : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥].
стр. 189
الأدلة على فضل الصبر من السنة
أهل الصبر وأهل الشكر هم الذين ينتفعون بآيات الله ، قال النبي ﷺ : (من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوفى من الصبر).
وقال النبي ﷺ : (لا يزال البلاء في العبد المؤمن في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة).
وقال ﷺ : (إن الرجل لتكون له عند الله منزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها).
وقال ﷺ : (يوم القيامة يتمنى أهل العافية أن لو كانت جلودهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء).
عن عطاء بن رباح ﵀ قال: (أخذ ابن عباس ﵄ بيدي فقال: ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت: بلى.
قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني لأصرع وأتكشف، فقال النبي ﷺ : إن شئت صبرت ولك الجنة).
أخبرها النبي ﷺ أن جزاء صبرها على هذا المرض هو جنة الله ، وخيرها بين أن يدعو لها فتشفى من هذا المرض أو تستمر عليه وتدخل جنة الله ، فقال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك، فقالت: أصبر يا رسول الله! ولكني أتكشف، فدعا لها النبي ﷺ ألا تتكشف، فكانت بعد ذلك تصرع ولا تتكشف).
عن أم سلمة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.
قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسوله ﵌.
стр. 190
أحوال السلف مع الصبر
قال عمر بن الخطاب ﵁: نعم العدلان ونعمت العلاوة.
إشارة إلى قول الله : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]، فالعدلان ما يوضع على جانبي سنام البعير: الصلوات والرحمة ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧].
لما أرادوا قطع رجل عروة بن الزبير قالوا له: لو سقيناك شيئاً كي لا تشعر قال: إنما ابتلاني ليرى صبري، أفأعارض أمره، ثم وضعوا المنشار في ساقه فوقعت ساقه دون أن يأخذ شيئاً يذهب عقله حتى لا يعرف ربه في هذا الوقت، وحتى لا يشعر بألم هذه الجراحة، فانظروا إلى صبر السلف ﵃.
قال سفيان ﵀: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوساً؛ إشارة إلى قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
فلابد أن يبتلي الله العبد، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
فالله يبتلي العباد ويمتحنهم، فإذا أيقنوا أيقنوا بعالمية الله وبرحمة الله ، وإذا صبروا على عذاب الله يجعلهم الله أئمة يهدون بأمر الله .
стр. 191
ما قيل في الصبر وأنواعه
والصبر قيل: هو شجاعة النفس.
وفي ذلك قيل: الشجاعة صبر ساعة والنفس لها قوة إقدام وقوة إحجام، فالصبر أن يجعل قوة إقدامها إلى ما يرضي الله ، وقوة إحجامها عما يسخط الله ، والعبد مطالب بالصبر عباد الله! في البلاء وفي النعمة، وفي قضاء الله ، مطالب بالصبر على بلاء الله ؛ لأن الله يبتلي الناس من أجل أن ينظر هل يصبروا أو يجزعوا، كما قال الله حكاية عن أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم:٢١]، فعكس الصبر هو الجزع.
فالله يبتلي الناس من أجل أن يظهر فقرهم إليه سبحانه، ومن أجل أن يصبروا على قضائه ويرضوا بقدره، فهذا هو الصبر عند القضاء.
وكذلك الصبر على طاعة الله ، كالصبر على الصيام وعلى الجهاد في سبيل الله، وعلى الصدقة والإنفاق والحج والعمرة، وكل ذلك.
كذلك الصبر عن معصية الله ، فمن الناس من عنده صبر على طاعة الله ، ولكن لا يصبر عن بعض المحرمات، ومن الناس من يصبر عن المعاصي ولكنه لا يجتهد في طاعة الله ، فينبغي على العبد أن يوطن نفسه على الصبر وعلى الشكر لله .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 192
مفهوم الشكر وفضله وطرائفه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
النصف الثاني من الإيمان عباد الله! هو الشكر، والشكر تعريفه قيل: هو الثناء على المنعم بما أولاكه من معروف، وهو يكون على القلب واللسان والجوارح.
فالقلب لمعرفة النعمة، تعرف أن هذه نعمة من عند الله لا تنسبها إلى نفسك، ولا ترى أنك تستحق هذه النعمة، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، كمن ينعم الله عليه بنعمة المال فيقول: هو باجتهادي وهو بذكائي، وما رأى أن الله يكتب الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن من العباد من يكون أغبى الخلق وتراه كذلك أكثر الناس مالاً، ومنهم من يكون أذكى الناس، ولكن الله يقدر له رزقه، كما قال بعضهم: تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب فينبغي للعبد أن يعرف النعمة، وأن يعترف بأنها نعمة، وأنها من عند الله ، فالقلب لمعرفة النعمة ولمعرفة المنعم بهذه النعمة.
واللسان لحمد الله ، والثناء عليه والتحدث بنعمه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١].
قال بعضهم: تحدثوا بنعم الله فإن التحدث بها شكر، قال : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]، فالعبد قد يكون ميسور الحال، ولكنه يظهر للناس أنه فقير ومحتاج، وكي تظهر للناس نعمة الله عليه ينبغي أن تظهر نعمة الله على لسانه وعلى حاله، حتى يعرف الفقراء من الأغنياء فيطلبون حقهم منهم، فاللسان عباد الله! للتحدث بالنعمة ولحمد الله وللثناء على الله ، والجوارح لاستعمال النعمة في طاعة الله ، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
قالوا: ما كانت تمر على آل داود ساعة من ليل أو نهار إلا وفيهم عبد مصل لله أو ذاكر لله (وكان النبي ﷺ يصلي من الليل حتى تتورم ساقاه وحتى تتفطر قدماه فيقال له: أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)، بل هو بأبي وأمي سيد الشاكرين وسيد الصابرين ﵌.
فينبغي للعبد أن يستعمل النعمة في طاعة الله ، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] أي: أن العبد الذي ينعم الله عليه بالقوة أو بالمكانة أو بالشفاعة أو بالمال، ينبغي أن يستعمل النعمة في طاعة الله ولا يستعملها في معصيته.
هناك بند رابع للشكر قل من تنبه له: وهو أن تشكر من أتت النعمة على يديه، فهذا من شكر نعمة الله عليك، كما قال النبي ﷺ : (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، فالنعمة من الله ، ولكن الله تعالى يسوقها إليك عن طريق بعض خلقه، وغالباً يكون محباً أو يكون لبيباً عاقلاً مؤمناً، فينبغي أن تشكر كذلك من أتت النعمة على يديه! فهذه بنود أربعة للشكر عباد الله.
стр. 193
ثناء الله على الشاكرين وهدايته لهم
خص الله الشاكرين من بين عباده بهدايته، فقال : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]، فهدى الله الفقراء والموالي والعبيد، فقال الأغنياء: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: لو كان هذا الدين خيراً لكنا نحن أحق به، كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١].
فمقياس العظمة عندهم المال والأولاد والجاه والمنصب فقالوا: لو كان هذا القرآن حقاً ولو كانت هذه الرسالة حقاً لنزلت على الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي، ولكنها نزلت على خير البشر وخير الأولين والآخرين وسيد الأنبياء والمرسلين.
فالله جعل هداية الفقراء فتنةً للأغنياء، فقال الأغنياء: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣]، فقال الله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]، فالله يعلم من يقدر النعمة، ومن يقوم بشكرها.
كذلك أخبر الله عن أبي البشرية الثاني وهو نوح ﵇ بأنه عبد شكور، وأثنى عليه بالشكر إشعاراً للعباد بأن يقتدوا بأبيهم نوح الذي هو أبو البشرية الثاني بعد آدم؛ لأن الله جعل ذريته هم الباقين، فنحن جميعاً من ذرية نوح، كما أننا نحن جميعاً من ذرية آدم، فكل من كان معه في السفينة من المؤمنين لم يعقبوا ولم ينجبوا إلا أولاد نوح، فلم يكن لآدم ﵇ ذرية إلا من ذرية نوح، فأثنى الله عليه بالشكر، فقال : ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، كذلك أثنى على أبي الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم ﵇ بالشكر، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١].
وقال النبي ﷺ : (أفلا أكون عبداً شكوراً).
стр. 194
جزم الله بالجزاء لمن شكر
علق الله كثيراً من العطاء والجزاء على المشيئة، فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة:١٥]، وقال الله : ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨]، وجزم بجزاء الشكر حيث قال : ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥]، وقال : ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وجعل الله الشكر سبباً للمزيد من نعم الله ، فقال الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
فعكس الشكر هو الكفر، والعباد قسمهم الله إلى شاكر وكافر، فقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، وقال سليمان ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠]، فالله قسم الناس إلى شاكر وكافر، وهو سبحانه يستدرج الناس فيعطيهم النعم ويمنعهم الشكر، كما قال : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢].
قال بعض السلف: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة، فهم يظنون أن الله راض عنهم، وقال بعضهم: يعطيهم الله بنعمه ويمنعهم الشكر، وما أنعم الله على عبد بنعمة فألهمه أن يقول: الحمد لله إلا كانت هذه النعمة -إلهام الحمد- خيراً من النعمة ذاتها.
قيل لأحد العلماء: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أشكر: ذنوب سترها الله علي فلا يعيرني بها أحد، ومحبة قذفها الله في قلوب العباد.
فينبغي على العبد أن يكون من الصابرين والشاكرين، حتى يصل إلى جنة الله .
فالإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الصابرين الشاكرين، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا نشكر نعمتك علينا، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا وردهم إليك رداً جميلاً.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 195
قصة صالح ﵇
أخبر سبحانه في كتابه عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، ومن تلك القصص قصة قوم صالح الذين طلبوا الآيات ليؤمنوا بها، فلما جاءهم بالآيات كفروا وعقروا الناقة، ولم يكتفوا بذلك، بل أرادوا قتله، فكان عاقبة مكرهم أن أهلكهم الله تعالى بالصيحة، وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار.
стр. 196
فوائد دراسة قصص الأنبياء
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، فألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء ﵌ تسليماً.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] دراسة قصص الأنبياء عباد الله فيها فوائد: من ذلك: أن من أمور الإيمان الستة: الإيمان بالرسل الكرام، فهذا تعميق لهذا الإيمان وزيادة لهذا الإيمان.
ومن ذلك عباد الله: أن نعرف أن دعوة الأنبياء جميعاً واحدة؛ كما قال النبي ﷺ : (الأنبياء إخوة لعلات، أبوهم واحد) فإذا كان الأب واحداً، والأمهات مختلفة، فكذلك الأنبياء عباد الله دينهم واحد، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣].
فدين الأنبياء هو توحيد الله ، وعبادة الله وحده، أما الشرائع فمختلفة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] فالله يحل لهؤلاء ما يحرم على هؤلاء، ويحرم على هؤلاء، ما يحل لهؤلاء، كل بحسب طبيعة القوم الذين شرعت لهم الشريعة، وشريعة نبينا محمد ﷺ هي الشريعة المهيمنة، وكتابه هو المهيمن على الكتب السابقة.
ومن الفوائد كذلك عباد الله: أن نتعلم كيف تكون الدعوة إلى الله ، وكيف صبر الأنبياء على الدعوة إلى الله .
ومن ذلك: أن نعلم سنن الله في عباده، فمن سنن الله في عباده أنه لابد أن ينصر المتقين، ولابد أن تكون العاقبة للمتقين، قال : ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
ففي نهاية كل قصة من قصص الأنبياء تجد أن النجاة تكون للرسل، ومن تبعهم من المؤمنين، وأن الهلاك يكون للكافرين والمكذبين.
ومن ذلك كذلك عباد الله: أن القوم إذا سألوا الله آية وأجابهم الله إلى هذا السؤال ثم كفروا، لابد أن يستأصلهم بالعذاب، كما قال النبي ﵌: (لا تسألوا الآيات، فقد سأل قوم صالح الآيات، وكانت الناقة تصدر من هذا الفج، وترد من هذا الفج، فعقروها، فأخذتهم صيحة أخمدت من منهم تحت أديم السماء، إلا رجلاً كان في حرم الله وهو أبو رغال، فلما خرج من حرم الله أخذه ما أخذهم).
فهذه سنة من سنن الله تظهر في هذه القصص: أن الناس إذا سألوا الأنبياء آية وأجابهم الله إلى ذلك، ورأوا هذه المعجزة التي سألوها، ثم استمروا على كفرهم وتكذيبهم لابد أن يأتيهم عذاب الاستئصال، كما في هذه القصة التي نحن بصددها وهي قصة صالح مع قومه ثمود.
стр. 197
قصة صالح مع قومه ثمود
قال الله : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٧٣] أي: معجزة من عند الله ، وهي الناقة التي أخرجها الله لهم من الصخرة.
ذكر المفسرون أن صالحاً ﵇ كان يجادل قومه ويناظرهم، وهؤلاء القوم هم قوم ثمود، وكانوا يسكنون بالحجر، وهو في شمال جزيرة العرب بين الحجاز وبين تبوك.
وذكرنا أن عاداً وهي الأمة التي كانت قبلهم كانوا في الأحقاف بين عدن وحضرموت، فقوم ثمود أتوا بعدهم بمدة، وكانوا يسكنون في الحجر، وقد مر عليهم النبي ﵌ وهو ذاهب إلى تبوك، فاستقى الناس من أبيار ثمود، وعجنوا العجين، فلما بلغ ذلك رسول الله ﵌ أمرهم أن يريقوا الماء، وأن يرموا العجين، وقال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين؛ لئلا يصيبكم ما أصابهم).
فانظروا كيف يحذر النبي ﵌ من الدخول إلى ديار المعذبين الذين عذبوا قبل ذلك.
ولما مر عليهم النبي ﷺ بديارهم قنع رأسه، وأسرع المسير، فينبغي للمؤمن أن يعتبر عندما يمر على هؤلاء المعذبين.
كذلك لما مر بوادي محسر الذي نزلت فيه الحجارة على الفيل قبل الميلاد النبوي، أو في العام الذي ولد فيه النبي ﵌، أمرهم أن يسرعوا الخطى.
فهذه الأماكن عباد الله التي عذب فيها الكفرة والفجرة لم تكن للتنزه ولا للفرجة ولا للفسحة، بل هي أماكن للعبرة والعظة، فإذا مر بها المؤمن ينبغي أن يكون معتبراً متعظاً، وينبغي أن يكون باكياً لا غافلاً، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣].
يحذرنا الشرع من أن نتشبه بالكافرين وأن نسلك مسالكهم، ويحذرنا النبي ﷺ من أن ندخل عليهم في مساكنهم، إلا أن نكون باكين معتبرين.
لما مر النبي ﵌ في غزوة تبوك بديار ثمود أمر أصحابه أن يريقوا الماء الذي حملوه معهم من ديار ثمود، ثم أوردهم البئر التي كانت تشرب منه الناقة، فملئوا منه أوعيتهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:٧٤].
يبدو أنه كان فيهم شبه من قوم عاد، أي: في طول الأجساد وطول الأعمار؛ بأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، وكانوا أهل زرع وأهل ماشية وأهل حرث، فذكرهم نبيهم بنعم الله عليهم، وحذرهم من نقمة الله ، وحذرهم مما حدث للقوم الذين خلوا قبلهم من المكذبين وهم عاد قوم هود، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف:٧٤] قال العلماء: كانوا بعدهم بمدة طويلة؛ لأنه لم يقل: بعد عاد، بل قال: من بعد عاد، أي: بمدة طويلة، كما مكث نوح في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، فيبدو أن المدة كانت طويلة، وأن أجسامهم كانت كذلك فارهة عظيمة، كما كان آدم ﵇ طوله ستون ذراعاً.
ذكرهم نبيهم بنعم الله عليهم، وأن الله مكنهم في الأرض يبنون في الأماكن السهلة المنبسطة قصوراً يسكنون فيها في الصيف، وينحتون من الجبال بيوتاً يسكنونها في الشتاء، قال ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:٧٤].
ذكر المفسرون أن صالحاً ﵇ كان يناظر قومه ويجادلهم، وقالوا له: لن نؤمن لك حتى تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة من صفتها كذا وكذا، وتعنتوا في وصفها، أن يكون طولها كذا، وغير ذلك، فكأن صالحاً ﵇ وجد ذلك فرصة وأن يدخلوا في الإيمان، فقال لهم: أرأيتكم إن أجبتكم إلى ما سألتم أتؤمنون بما جئت به؟ فقالوا: نعم، فأخذ عليهم عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا الله ، فأجابه الله ، فتمخضت الصخرة عن ناقة، وهي أنثى الجمل على الصفة التي وصفوها، فآمن منهم أناس وأعرض أكثرهم عن الإيمان.
فالآية أتت على ما طلبوا وسألوا، ولكنهم استمروا على كفرهم وتكذيبهم، وكانوا في غاية الكفر والغباوة.
وحذرهم نبيهم من أن يتعرضوا لهذه الناقة، فقال لهم: هذه ناقة الله لكم آية فلا تمسوها بسوء، أي: لا تتعرضوا لها في شربها ولا في أكلها، فأمرهم أن يشربوا من البئر يوماً، وأن يدعوا الناقة تشرب اليوم الآخر، وفي اليوم الذي تشرب فيه الناقة من البئر هم يشربون من لبنها، لقد أضاف الله الناقة إلى نفسه إضافة تشريف؛ لأنها آية من آيات الله ، ومعجزة من معجزات أنبياء الله ، ولم يخلقها بالطريقة التي خلق بها سائر النوق والجمال، ﴿هَذِهِ نَاقَةُ الل
стр. 198
موقف المؤمنين والكافرين من صالح ﵇ ودعوته
يبين الله كيف كان كفر الكافرين، وكيف كان إيمان المؤمنين، فيقول : ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٧٥ - ٧٦].
فكان جواب أهل الإيمان في غاية الإيمان، وكان جواب أهل الكفر في غاية الكفر، ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأعراف:٧٥] فهم يسألونهم: أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟ كان بالإمكان أن يقولوا: نعم ويقتصروا على ذلك، وإنما كان جواب أهل الإيمان أنهم مؤمنون به، فهم أرادوا أن يكون الجواب في غاية الإيمان، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٧٥] هذا تقرير للإيمان، وبيان لعقيدتهم الواضحة الصريحة، وإثبات له بالرسالة.
أما الكفار فقال عنهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٧٦].
ما قالوا: إنا بما أرسل به كما قال أهل الإيمان، ولكن قالوا: (إنا بما آمنتم به كافرون) حتى لا يثبتوا له رسالة، ولو في معرض الكلام، فلهم أن يقولوا ذلك على سبيل التهكم، كما قال فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧].
ولكن المقام ليس هنا مقام استهزاء، ولكنه مقام تقرير، وبيان عقيدة، فكان جواب أهل الإيمان في غاية الإيمان، وكان جواب أهل الكفر في غاية الكفر.
وبعد أن عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم أخذتهم الرجفة، وأهلكهم الله .
وصالح ﵇ بعد أن عقروا الناقة أمهلهم ثلاثة أيام يتمتعون فيها، وبعدها يأتيهم عذاب الله ، فجاءهم العذاب بعد ثلاثة أيام.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 199
مكر قوم صالح ﵇ وعاقبة ذلك
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل:٤٨ - ٥٣].
لقد أنذرهم نبيهم صالح عذاب الله فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]، وكان هناك تسعة نفر من هؤلاء الكفرة الفجرة هموا بأمر هو أفظع من قتل الناقة، وأكبر جرماً من قتل الناقة، لقد هموا أن يقتلوا نبي الله صالحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كأنهم ظنوا بأن الله غافل، كما يفعل أعداء الإسلام في كل زمان ومكان، فهم يمكرون بالدعاة وبأولياء الله ، ويكيدون لدين الله ويحاربونه، وكأنه ليس في الكون إله، وكأن الله لا يرى مكرهم، وكأنه لا يحيط بهم وغير مطلع على ما في قلوبهم، فهذا من غبائهم وكفرهم وإعراضهم.
فقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل:٤٨].
معلوم أن الكفرة كلهم مفسدون، ولكن بعض الشر أهون من بعض، فهؤلاء التسعة كانوا أعتى القوم، وأكثر القوم كفراً وفساداً، ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل:٤٩] أي: حلفوا بالله وتعاهدوا فيما بينهم، ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل:٤٩] والتبييت هو القتل ليلاً، فقالوا: قبل أن ينزل بنا العذاب بعد ثلاثة أيام نقتل صالحاً خلال هذه الأيام فيموت قبلنا، فنكون نحن وهو في الهلاك سواء، فأردوا أن يقتلوا نبي الله صالحاً، وتعاهدوا وتعاقدوا وحلفوا على ذلك.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٩] كما يفعل أعداء الإسلام المعروفون بالنفاق، فهم يكيدون للإسلام، ويحاربون الالتزام بدين الله ، فهم يحاربون الإسلام وأهله باسم التطرف، ويملي لهم الشيطان ويسوغ لهم الحجج على أنهم ليسوا أعداء للإسلام، وإنما هم يعملون في مصلحة الإسلام.
وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠].
فهم يمكرون على الأرض وهم من الأرض خلقوا، والله يمكر بهم من فوق سبع سماوات، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل:٤٨ - ٥١].
فهؤلاء المفسدون بينما هم جالسون في أصل الجبل يتهيئون ويتحينون الفرصة ليفتكوا بصالح ﵇ وأهل بيته، إذ ألقى الله عليهم صخرة من فوق الجبل فأهلكتهم، فكانوا سلفاً ومثلاً لإخوانهم الكافرين، فماتوا قبل قومهم الذين أنذرهم نبيهم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب.
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل:٥٠] أفما يخشى الذين يمكرون بدين الله ويمكرون بأولياء الله أما يخشون مكر الله ، (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا رسول الله ﵌ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]).
فكان عاقبة مكر قوم صالح كما أخبر الله عنهم: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل:٥١ - ٥٣].
نهاية كل قصة من قصص أهل الإيمان، وكل قصة من قصص أنبياء الرحمن لابد أن تكون النجاة للمتقين، فلهم العاقبة في الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.
طعن البعض في التنزيل وقال: بأن الآيات تختلف من مكان إلى مكان، فأحياناً يذكر الله عز و
стр. 200
قصة قارون
يذكر الله في كتابه الكريم قصص الأمم السابقة أفراداً وجماعات، لأخذ العبرة مما حل بهم من عذاب الله حين أعرضوا وكذبوا وكفروا بالنعم التي أعطاهم الله إياها، ومن أفراد هذه الأمم السابقة قارون الذي كان من قوم موسى ﵇ فبغى عليهم، فقد ذكر الله ما أنعم به عليه من النعم، وما وهبه من الخزائن، ثم ذكر أخذه له بعد الإمهال، وعقابه له بالخسف والوبال.
стр. 201
فتنة المال على صاحبه وفائدة العلم والتقوى
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فما زلنا في القصص القرآني، وقد أتممنا بحمد الله في الدرس السابق قصة ذي القرنين، ونتكلم اليوم إن شاء الله عن قصة قارون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٧٦ - ٨٣].
هذه القصة التي سجلها الله لنا في كتابه عبرة للمعتبرين، وذكرى للمتقين، فهي قصة فتنة المال الذي ينشغل الناس بجمعه، ويدعو صاحبه إلى البغي والعجب والكبر، فينسى حق الله ، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧].
والعبد لا يستغني عن ربه طرفة عين، ولكنه بجاهه وماله يظن أنه استغنى، فيطغى عند ذلك على عباد الله.
والقصة تتكرر في كل عصر ومصر، فأكثر أصحاب الأموال همهم أن يكثر المال، فيحملهم ذلك على أن يبخلوا بزكاته، وشدة الحرص على المال وحبهم له يجعلهم يجمعونه من الوجوه المباحة وغير المباحة، وقد قال النبي ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).
فطالب المال كشارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً، ثم هذا الحرص -وهو الحب الشديد والمبالغة في الطلب- يفسد على العبد دينه الذي هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة، وأكثر أصحاب الأموال لا يقولون بألسنتهم ما نطق به قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، ولكن بعضهم يعتقد ذلك بقلبه، فيظن أنه بمهارته وذكائه حصل هذا المال الذي عجز عن تحصيله الآخرون، أو يظن أن له منزلة ومكانة عند الله ؛ ولذلك أعطاه الله هذا المال، وكما أن له منزلة في الدنيا سوف تكون له منزلة أيضاً في الآخرة، فهذا ظنه.
والناس ينخدعون بالمظاهر الكاذبة والزيف الظاهر، ويتحاسدون غالباً على الأعراض والزخارف، فليتهم يتحاسدون على العلم النافع والعمل الصالح، فأكثرهم يرى أهل الدنيا يتقلبون في زينتها وزخارفها، فيلبسون الثياب الفاخرة، ويركبون السيارات الفاخرة، وإن لم يقولوا بألسنتهم كما قال قوم قارون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، ولكنهم يتمنون ذلك بقلوبهم.
أما أهل العلم والإيمان أصحاب الموازين الصحيحة يعلمون أن الدنيا ظل زائل وعرض حائل، وأن الآخرة هي الحيوان، وأن ما عند الله خير، وإنما ينفع المال إذا رزق العبد معه علماً وتقوى لله ، والعلم والتقوى كذلك ينفعان بغير مال، فيعود الشرف على العلم والتقوى، كما قال النبي ﷺ : (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي في ماله ربه، ويصل فيه ر
стр. 202
قصة قارون في ظلال القرآن
لنشرع في شرح الآيات الكريمات، فإنها أقوى تأثيراً، وأقوم قيلاً، يقول تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦]، قال القرطبي: إن قارون كان من قوم موسى، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ [القصص:٦٠] فبين أن قارون أوتيها، واغتر بها، ولم تعصمه من عذاب الله كما لم تعصم فرعون.
يقول: ولستم أيها المشركون! بأكثر عدداً ومالا ًمن قارون وفرعون، فإنه لم ينفع فرعون جنوده وأمواله كما لم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه.
قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى.
وقال ابن إسحاق: كان عم موسى لأب وأم، وقيل: كان ابن خالته.
ونحن نقف مع التنزيل حيث أوقفنا، فليس هناك دليل على ذلك، فنقول: إنه كان من قوم موسى، ولا نجزم بشيء لم يأت في القرآن، ولا صحت به سنة النبي ﷺ .
стр. 203
ذكر وصايا ونصائح قوم قارون لقارون
قال القاسمي: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦] أي: من شاكلتهم في الكفر والطغيان، وقوم موسى: هم جماعته الذين أرسل إليهم وإلى طاغيتهم فرعون.
﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦] أي: بالكبر والاستطالة عليهم؛ لما غلب عليه من الحرص ومحبة الدنيا، ولغروره وتعززه برؤية زينة نفسه، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ [القصص:٧٦] أي: من الأموال المدخرة، ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ [القصص:٧٦] أي: مفاتيح صناديقه على حذف المضاف، ولا ملابسة في ذلك، وقيل: خزائنه.
﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص:٧٦] أي: تثقل، ﴿بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] أي: الجماعة الكثيرة من الرجال والبغال، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص:٧٦] أي: بزخارف الدنيا فرحاً يشغلك عن الشكر فيها والقيام بحقها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] لما فيه من إيثار الدنيا على الآخرة والرضا بها عنها والإخلاد إليها، وذلك أصل كل شر ومبعث كل فساد.
قال الزمخشري: وذلك أنه لا يصلح للدنيا إلا من رضي بها واطمأن، وأما من قلبه معلق بالآخرة فإنه يحن ويعلم أنه مفارق ما هو فيه عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح، وما أحسن ما قيل: أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالاً أي: يعيش في نعيم، ومع ذلك فإنه يوقن بأنه سيفارق هذا النعيم، وهذا يورثه شيء من الغم، فإن الإنسان في زينة في الدنيا وفي راحة، فإذا أيقن بأنه سوف ينتقل من هذه الزينة والراحة، حصل له شيء من الغم، أما في الآخرة يبشر أهل الجنة بدخول الجنة والخلود فيها، فلا يتكدر عيشهم، ولا يخرجون من هذا النعيم.
قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧].
قال الرازي ما ملخصه: ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] والمراد: ألا يضحك ولا يبطر، ولا يلهيه تمسكه بالدنيا عن أمر الآخرة.
وثانيها: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] والظاهر: أنه كان مقراً بالآخرة، والمراد: أن يصرف المال في السبل التي تؤدي به إلى الجنة، وأن يسلك طريق التواضع.
ومعلوم أنه ليس كل من يقر بالآخرة يكون من أهل النجاة؛ لأن الإنسان قد يقر بالآخرة ولكنه لا يعمل لها، فهذا لا ينفعه الإقرار.
ثالثها: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] فيه عدة أوجه: الوجه الأول: لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا، فلم يتفرغ للتنعم والالتذاذ، فنهاه الواعظ عن ذلك وقال: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]؛ لأن كثيراً من الناس يجمعون المال، وتجده فعلاً لا يتمتع بالدنيا، مثل كثير من الأطباء الذين يعملون في المستشفيات، فإن الواحد منهم يمتلك عدة عبادات وينشغل بعدة عمليات جراحية، فتجده يشتغل في الدنيا وفي جمع المال، فيومه كله جمع للمال، فمتى يستفيد بهذا المال ويتمتع به؟ فلعل قارون أيضاً كان مستغرق الهم في جمع المال، فلم يجد فرصة للتمتع بهذا المال؛ ولذلك قال له الناصح: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] يعني: تمتع بهذا المال قبل أن تتركه.
الوجه الثاني: لما أمره الواعظ بصرف المال في سبيل الآخرة بين له أنه لا بأس بالتمتع به في الوجوه المباحة، فالإنسان يعمل للآخرة ولكنه لا يحرم نفسه زينة الدنيا، بل يجوز له أن يتمتع بهذه الدنيا في حدود ما أباح الله وشرع.
الوجه الثالث: المراد من قول الواعظ: الإنفاق في طاعة الله ، فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب.
رابعها: قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] أمره بالإحسان بالمال، وأمره بالإحسان مطلقاً، فقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] يعني: من المال، ثم أمره بالإحسان مطلقاً في كل أمر من أموره، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر، فإن الله سبحانه يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] يعني: إذا أحسنت أحسن الله إليك، فإن هذا الشكر يستوجب المزيد من الخير والنعمة.
خامسها: قوله: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧] والمراد: ما كان عليه من الظلم والبغي، وقيل: إن
стр. 204
أقوال المفسرين في قوله تعالى (إنما أوتيته على علم عندي)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: أنا لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ولمحبته لي، والتقدير: إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر:٤٩].
فالإنسان إذا أعطاه الله نعمة اعتقد أن الله أعطاه لأنه يعلم حاله، فأعطاه هذا من باب التكريم.
فقوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: على علم من الله بي، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠] أي: أستحقه.
وقد روي عن بعض المفسرين في قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أنه كان عنده علم الكيمياء، وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ وقلب الأعيان لا يقدر أحد عليه إلا الله .
وقال بعض المفسرين: قارون كان يعرف الاسم الأعظم، فدعا الله به فتمول بسببه، أي: حصل له هذا المال العظيم، وهذا القول ضعيف أيضاًَ.
والقول الصحيح هو المعنى الأول: على علم عندي؛ ولهذا قال الله تعالى رداً عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨].
فكل من عنده مال ليس معناه: أن الله يحبه، وأنه أعطاه هذا المال على علم منه بأنه يستحق هذا المال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨]؛ أي: قد كان من هو أكثر منه مالاً، وما كان ذلك من محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨] أي: لكثرة ذنوبهم.
وقال القاسمي: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]؛ أي: لا يتوقف إهلاكه إياهم على سؤال يعتذر عنه، بل متى حق عليهم القول لفسقهم أهلكهم بغتة بلا معاتبة وطلب عذر.
стр. 205
إعجاب قوم قارون بزينة قارون وإهلاك الله له
ثم أشار تعالى إلى أن قارون لم يعتبر بذلك، ولا بنصيحة قومه، فقال سبحانه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٧٩ - ٨٠].
قال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين: أنه خرج في تجمل عظيم من ملابس ومراكب وخدم وحشم، فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله، وغبطوه لما عنده، فلما سمع مقالتهم العلماء وذوو الفهم الصحيح من الزهاد قالوا لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠] أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجل وأعلى.
وهذه الهمة إلى الدار الآخرة عند النظر إلى زهرة الدنيا لا يلقاها إلا من استنار قلبه، وثبت فؤاده؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠] يعني: لا يعطى هذا العلم وهذا الفهم، وهذا النظر الثاقب والمعرفة بحقارة الدنيا وقيمة الآخرة إلا الصابرون الذين هداهم الله ووفقهم، وما أحسن ما قال بعض السلف: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشهوات.
قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
قال الشوكاني: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] يقال: خسف المكان يخسف خسوفاً: ذهب في الأرض، وخسف به الأرض حتفاً أي: غاب فيها، والمعنى: أن الله سبحانه غيبه وداره وماله في الأرض، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص:٨١] أي: ما كان له جماعة يدفعون ذلك عنه، وما كان هو في نفسه من المنتصرين، أي: من الممتنعين مما نزل به من الخسف.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢] قال الزمخشري: قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي مضى، وإنما يراد به: الماضي، فقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ [القصص:٨٢] أي: في الوقت الماضي وهذه الجملة تحتمل الاستعارة، يعني: كأنه قال: في الماضي القريب كانوا يقولون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩] فعند ذلك حمدوا الله ، وعرفوا أن الدنيا يبسطها الله لمن يشاء من عباده، ولولا أن الله رفق بهم لخسف بهم؛ لأنهم تمنوا ما هو فيه.
وقوله: ﴿مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ [القصص:٨٢] أي: منزلته في الدنيا، قوله: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص:٨٢] (وي) مفصولة عن كأن، وهي كلمة تشير إلى الخطأ والتندم، والمعنى: أن القوم قد تنبهوا لخطئهم في تمنيهم وقولهم: ﴿لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩] فندموا على هذا التمني، ثم قالوا: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢] أي: ما أشبه الحال بحال الكافرين الذين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه فقال كقول القائل: ويكأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر وحكى الفراء أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت.
وعند الكوفيين: ويك بمعنى: ويلك، والمعنى: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون، فعلى قولهم تصير الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي، كقول عنترة بن شداد: ويك عنتر أقدم وقال القاسمي: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [القصص:٨٢] أي: من شقي وسعيد، ويقدر أي: يقبض، فلا دلالة في البسط على السعادة، ولا في القبض على الشقاوة، بل يفعل سبحانه كلاً من البسط والقدر بمحض مشيئته، لا لكرامة تقتضي البسط، ولا لهوان يقتضي القبض، فالمال لا يدل على الرضا ولا على غضب.
فقد يكون الإنسان تقياً وعنده مال كثير، وقد يكون تقياً فقيراً جداً، وقد يكون فاجراً وليس عنده مال، وقد يكون فاجراً وعنده مال كثير، فالله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ولا علاقة في ذل
стр. 206
اختلاف أقوال المفسرين في قوله تعالى (وابتغ فيما آتاك الله)
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة، فإنه من الواجب على المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي.
ولذلك يقول بعض السلف: نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن وذلك لأنه عمل فيها قليلاً وأخذ منها زاده إلى الجنة، وبئست الدار الدنيا كانت للكافر والمنافق؛ وذلك لأنه أضاع فيها لياليه وأخذ منها زاده إلى النار.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] اختلف تفسيرها، فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملاً صالحاً في دنياك، إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح.
فالكلام على هذا التأويل فيه شدة في الموعظة.
وقال الحسن وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك في عاقبة دنياك.
فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به، وإصلاح الأمر الذي يشتهيه.
وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة، قاله ابن عطية.
فهو إن كان من أهل الدنيا والرغبة فيها يبين له الناصح أنه لا يطلب منه أن يترك كل ما في الدنيا، وألا يتمتع بشيء من طيباتها.
قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: أحرز لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وهذا القول يرويه بعض الناس مرفوعاً، أي: منسوباً إلى النبي ﷺ ، وفي الواقع: هو من كلام ابن عمر ﵄، وأحياناً يضع أناس في الأسانيد، أو يظنون أن شيئاً من كلام السلف وحكمهم هي أحاديث مرفوعة، فينسبونها ظلماًً وزوراً إلى النبي ﷺ ، مثال ذلك: ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه، هذا من كلام بكر بن عبد الله المزني، والناس ينسبونه إلى النبي ﷺ .
وعن الحسن قال: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغ، يسألونك ماذا ينفقون، فالإنسان ينفق الفضل من ماله، وينفق ما يبلغه قدر الكفاية.
وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف.
وقيل: أراد بنصيبه الكفن، وهذا فيه موعظة، كأن المعنى: لا تنس أنك ستترك جميع مالك إلا نصيبك من هذه الدنيا وهو الكفن، ونحو هذا قال الشاعر: نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط فالحنوط: الطيب الذي يوضع للميت، وكأنه يقال للإنسان: لن تأخذ من الدنيا إلا الكفن والحنوط.
وقال آخر: هي القناعة لا تبغي بها بدلاً فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن والأفضل أن يقول: بغير الزاد والكفن.
قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي: قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال، فهو نصيبك من الدنيا.
стр. 207
ذكر قارون في القرآن الكريم والسنة وذم الله له
قال ابن كثير: وقد ذكر الله تعالى فذم قارون في غير ما آية من القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٤].
فقارون كذب بموسى وكذب بالآخرة فهو كافر، كذلك النصارى يكذبون بالآخرة فهم كفار، فليس كل إنسان يقر بالآخرة يكون بذلك محسناً.
وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٣٩ - ٤٠].
فالذي خسف الله به الأرض قارون -كما تقدم- والذين أغرقهم الله فرعون وهامان وجنودهما إنهم كانوا خاطئين.
كذلك روى الإمام أحمد قال: حدثنا أبو عبد الرحمن قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف)، انفرد به الإمام أحمد.
ولذلك يقولون: من شغله المال كان مع قارون، ومن شغله الحكم أو السلطان كان مع فرعون، ومن شغلته الوزارة كان مع هامان، ومن شغلته التجارة كان مع أبي بن خلف.
قال الدكتور أحمد جمال العمري: تمثل قصة قارون في القرآن الكريم جانب الطغيان بالمال، والغرور بالعلم، وكيف مآلهما إلى الفناء إذا تطوقت الأهواء، وسيطرت الأطماع، وتحول الإنسان من مجرد مخلوق من مخلوقات الله إلى متجبر متكبر يعلو بنفسه فوق الناس، ويزهو ويتعالى عليهم، وينظر إليهم بمنظار الاستعلاء والاستكبار.
وقد وردت هذه القصة في القرآن على سبيل العظة والعبرة في إثبات أن كل شيء مآله إلى الزوال، وأن الباقي هو وجه الله ذو الجلال والإكرام.
ويقول الأستاذ سيد قطب ﵀: في كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب، ويظهر الذين يريدون الحياة الدنيا، ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم منها، فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته، ولا بأي وسيلة نال ما نال من عرض الحياة من مال أو منصب أو جاه، ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع، غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه، ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه، ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها.
إن الكثير من أصحاب الأموال يصلون إلى الملك بطرق محرمة، فهم يستبيحون لأنفسهم أشياء حرمها الله ، إما بتجارات محرمة، أو بالظلم والبغي أو بالنفاق.
قال: فأما المتصلون بالله فلهم ميزان آخر يقيم حياتهم، وفي نفوسهم قيم أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع، وهم أعلى نفساً وأكبر قلباً من أن يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعاً، ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل أمام جاه العباد، وهؤلاء هم الذين أوتوا العلم الصحيح الذي يقومون به الحياة حق التقويم.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠].
يقول: ثواب الله خير من هذه الدنيا، وما عند الله خير مما عند قارون، والشعور على هذا النحو درجة رفيعة لا يلقاها إلا الصابرون الصابرون على معايير الناس ومقاييسهم، الصابرون على فتنة الحياة وإغرائها، الصابرون على الحرمان مما يتشهاه الكثيرون، وعندما يعلم الله منهم الصبر كذلك يرفعهم إلى تلك الدرجة، درجة الاستعلاء على كل ما في الأرض، والتطلع إلى ثواب الله في رضا وثقة واطمئنان.
نكتفي بهذا القدر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 208
قصة هود ﵇
أرسل الله تعالى هوداً ﵇ إلى قوم عاد يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبه قومه وسفهوه واستهزءوا به، فذكرهم نبيهم بنعم الله عليهم الظاهرة والباطنة، ولكن ذلك لم ينفعهم ولم يزدهم إلا عتواً ونفوراً، فأنزل الله عذابه عليهم ونجّى هوداً والذين آمنوا معه.
стр. 209
الفرق بين القصة القرآنية وغيرها
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً.
أما بعد: عباد الله! أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
فالقصص القرآني عباد الله! قصص حق؛ لأنه وقع في تاريخ البشرية، سجله الله لنا في كتابه المعجز من أجل أن يرتقي بأحوالنا الإيمانية، ومن أجل أن يغرس في نفوسنا الصفات الجميلة والأخلاق النبيلة، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود:١٢٠]، أي: في سورة هود، والله يقص علينا القصص من أجل أن يرتفع مستوى الأمة الإيماني، ومن أجل أن تشهد هذه الأمة لجميع الأمم يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ : (يدعى نوح يوم القيامة فيقول الله له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقول لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول الله لنوح ﵇: من يشهد لك؟ فيقول: أمة محمد، ثم تلا قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]).
وقال : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] بخلاف القصص الدنيوي التي هي من نسج الخيال، وليس من بحر الحقيقة، والتي غالباً ما يخالطها الكذب، وغالباً ما يأتي بها الذين قد غلب عليهم التبرج والأفكار الإباحية وهم يريدون -عباد الله- أن يغرسوا في نفوس الناس التعلق بالدنيا والأخلاق المذمومة الباطلة، فمن الناس من يؤهل للسعادة وللحسنى وزيادة فهو يتمتع بسماع القصص القرآني والسيرة النبوية وغير ذلك مما يقربه إلى الله ، ومما يزيده حباً لله ولطاعة الله ، ومن الناس من يقضي الساعات الطوال أمام الأفلام الساقطة والتمثيليات الهابطة التي لا تخلو من متبرجة متهتكة، أو اختلاط ماجن أو رؤية من يشربون الخمور أو غير ذلك مما يغرس في الناس الجرأة على معصية الله ، وكل ميسر لما خلق له، وكل نفس لها ما يناسبها وما يشاكلها، وقد بدأنا في قصص الأنبياء الكرام الذين اصطفاهم الله واختارهم على علم، وجعلهم قدوة للبشرية وأسوة حسنة لمن أراد الحياة الأخروية.
ذكرنا قصة آدم أبي الأنبياء ثم ذكرنا بعد ذلك قصة نوح وهو أبو البشرية الثاني بعد أبيهم آدم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، وهو أول الرسل إلى أهل الأرض.
стр. 210
دعوة هود ﵇
ودرسنا مع نبي كريم ورسول من رسل الله وهو هود ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف:٦٥ - ٧٢].
هذه الآيات الكريمات -عباد الله! - تبين لنا كيف كانت دعوة هود ﵇، وكيف أنها دعوة جميع الأنبياء؟ فوظيفة كل الأنبياء تعبيد الناس لرب الأرض والسماء، فإن الناس يقعون في عبادة الأحجار والأشجار والشمس والقمر والبقر والطواغيت والهوى والشيطان، والرسل والدعاة بدعوة الرسل يحررون الناس من هذه العبادات الباطلة، ويجعلونهم عبيداً لله ، كما قال ربعي بن عامر: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عباد الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
فقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف:٦٥]، قال بعض العلماء: إن الناس جميعاً إخوة في النسب؛ لأنهم جميعاً من آدم وحواء.
وقيل: لأن الله نسبهم إلى أبيهم وإلى كبير هذه القبيلة وهو عاد.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣]، فلما نسبهم الله إلى قبيلتهم وإلى جدهم الأعلى ناسب أن يقول: أخاهم، ولكن لما نسب قوماً إلى الصنم الذي يعبدونه قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٧٦ - ١٧٧]، ما قال أخوهم شعيب؛ لأن الله نسبهم إلى الأيكة وهو الصنم الذي يعبدونه، والذي ينبغي -عباد الله! - أن نعلم أن هذه الأخوة إنسانية يعني: في النسب، فلا يترتب عليها حب ولا بغض، فإن لم يكونوا معه على الإيمان فلا يجوز أن يحبهم.
قال : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، فالله لا يرتب على هذه الأخوة حب ولا بغض ولا توارث، ولما قال نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦]، فلا يرث الابن الكافر من أبيه المسلم، ولا الابن المسلم من أبيه الكافر، فإذا اختلفت العقيدة فلا يتوارث أهل ملتين شتى، فـ فرعون وأبو جهل وأبو لهب إخوة لنا في الإنسانية فلا نحبهم؛ فـ أبو لهب عم النبي ﷺ ينزل الله في حقه وهو يتحرك على الأرض ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].
لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وكان سلمان يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فهذه الأخوة -عباد الله! - لا يترتب عليها حب ولا بغض ولا ولاء إذا لم يكونوا على نفس العقيدة والإيمان والدين.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
стр. 211
موقف قوم عاد من نبيهم هود
قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:٦٦]، فهذا من سوء أدبهم مع أنبياء الله مع أنهم يعرفون شرف نسبه، ومع أنه دعاهم في النسب فكان ينبغي عليهم أن يتأدبوا معه، ولكنه الكفر فإنه يطمس على القلوب والعقول، هو يدعوهم إلى الله ، وهم يدعونه إلى عبادة الأصنام! وقد قال ابن كثير ﵀ بأنهم أول من عبد الأصنام بعد قوم نوح ﵇، فإنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد، فابتدأت البشرية بالتوحيد، ثم لما عبدت الأصنام أهلك الله أهل الأرض، وبقي نوح ﵇ وذريته ومن كان معه في السفينة، فلم يكن لآدم ذرية إلا من جهة نوح ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، ثم جاء بعد ذلك قوم عاد فكانوا أول من عبد الأصنام بعد قوم نوح ﵇، وكانوا يسكنون بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية بين عدن وحضرموت.
قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٦ - ٨]، ميزهم الله ببسطة في أجسامهم، وقوة في أبدانهم، وكانت البشرية -عباد الله- تتفاوت تفاوتاً ليس بالقليل في الأعمال وفي الأجسام.
فهذا نوح ﵇ يمكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، وهي عمر الدعوة وليس عمر نوح ﵇، وهذا آدم كما ورد في الحديث الصحيح: (بأن أهل الجنة يدخلون الجنة على طول أبيهم آدم ستون ذرعاً) أي: ما يقرب من خمسين متراً، أي: ارتفاع عمارة ثلاثين دوراً أو أكثر من ذلك، فهكذا كانت البشرية، ولكن يبدو أن عاد كانوا أطول من الأقوام الذين قبلهم، كما قال تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف:٦٩].
فهم يستهزئون بنبي الله هود ﵇ ويقولون: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:٦٦]، وهذا الظن ظن كاذب فهم يعتقدون الصدق ولكنه الكفر الذي طمس على قلوبهم، وكذا الكبر وبطر الحق ورد الحق.
والرسل هدفهم هداية البشرية، وأن يبلغوا البلاغ المبين، فيصبرون على أذى قومهم صبراً طويلاً، كما قال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، والله يعلم الدعاة إلى الله كيف يكون صبرهم على الدعوة وعلى جفاء الناس وعلى إعراض الناس فهم يقولون للرسول الكريم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:٦٦]، فلم يقل لهم: أنتم السفهاء وأنتم الكذابون بل قال: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٧ - ٦٨]، يبلغهم رسالات الله وهو لهم ناصح أمين.
فهؤلاء الرسل هم أولى الناس بكل صفة للإحسان فهم يدرءون بالحسنة السيئة، الناس يسيئون إليهم وهم يحسنون إلى الناس، والناصح الأمين لا يكذب، ولا يغش قومه بل ينصح لهم ويحرص على هدايتهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف:٦٩]، أتعجبون أن جاءكم تيسير من الله ورسالة من الله على رجل منكم؟ فهذا ليس بعجيب ولكن الكفر الذي يطمس على القلوب يجعلهم يتعجبون من الأشياء التي ليس فيها عجب، ويظنون أن ما هم عليه من الباطل هو الحق الواضح وأن غيره ليس بعزيز، فهم يتعجبون أن الله يرسل إليهم بشراً كما أخبر الله أن المكذبين في كل زمان ومكان يتعجبون من ذلك ويقولون: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن:٦]، أي: فكيف يهدينا بشر؟ ولو يشاء الله لأنزل ملائكة، وإنما الحكمة من كون الرسول من البشر أنه يحس بإحساسهم، ويتحرك في وسطهم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠]، فالناس يقتدون ويتأسون به، فالرسل بشر من البشر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩]، والله لو أرسل ملكاً لجعل هذا الملك في صورة رجل كذلك، والتبس الأمر على الناس، فيقولون: هل هذا ملك أو هذا من البشر؟ قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَا
стр. 212
وجود إله واحد للكون تثبته الفطرة السليمة كما يثبته العقل الصحيح
قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠].
فالكفر يطمس على وجوههم مع أنه لا يمكن أن يكون في الكون إلا إله واحد قابض قاهر، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فلو كان في السماوات والأرض آلهة مع الله لفسدتا بدليل التمانع كما يقولون، فلو كان للكون إلهان خالقان مدبران وأراد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه فإما أن يحدث مرادهما: أن يتحرك الجسم ويسكن في آن واحد، وإما ألا يكون مراد أحدهما فيخلو الجسم من الحركة والسكون، وهذان ممتنعان ومستحيلان، وإما أن يتحقق مراد أحدهما: أن يتحرك أو يسكن، فمن يتحقق مراده فهو الإله الحق الذي يعبد؛ لأن الإله لابد أن يكون قادراً على جلب المصالح ودفع المضار، ولابد أن ينفع عابديه فلا يمكن أن يكون في الوجود إلا إله واحد.
قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] أي: أنه لا يمكن أن يكون للكون إلهان مدبران فإما أن يذهب كل إله بما خلق فيكون هذا له ملكه وسلطانه والآخر له ملكه وسلطانه، وإما أن يغلب أحدهما الآخر فيكون لا وجود له ولا سلطان له، وأما أن يكون هناك إلهان مدبران قادران قاهران في وقت واحد فهذا لا يمكن أن يكون، فهؤلاء يقولون: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠]، كما قال كفار قريش: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، أي: كيف تصير الآلهة إلهاً واحداً؟! مع أن الفطرة تشير إلى أن الإله واحد، ومع أن الأدلة كلها تدل على أنه لا يمكن أن يكون هناك إلا إله واحد قاهر، إلا أنه استولى على هؤلاء الكفار إعراض وتكذيب وإصرار على الكفر.
قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف:٧١]، أي: كيف أنكم تجعلون ما صنعتموه بأيديكم وسميتموه هذه الأسماء بأنه آلهة؟ فالذي يحتاج إلى من يسميه لا يستحق أن يكون إلهاً ولا يستحق أن يعبد؛ لأنه فقير إلى غيره، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣].
فالله سمى نفسه بأسمائه الحسنى واختار أحسن الأسماء لنفسه ، قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، وقال أيضاً: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك).
فهذه الآلهة التي تحتاج إلى من يسميها، والخلق الضعفاء هم الذين اختاروا لها هذه الأسماء، لا تستحق أن تعبد من دون الله ، فقال لهم هود ﵇: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف:٧١] أي: انتظروا عقوبة الله ، وانتظروا عذاب الله ، وأجمل ما في هذه الآيات من سورة الأعراف هو كيف نجى الله هوداً والذين معه، وبين الله في مواضع أخرى في كتابه كيف نجى المؤمنين، وكيف أهلك الله الكافرين؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 213
عقوبة المكذبين وهلاكهم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
بين الله كيف أهلك الكافرين المكذبين، وكيف نجى رسوله والمؤمنين، قال : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة:٤ - ٥]، قيل: بالصيحة أو الزلزلة التي يصحبها صوت شديد هائل، ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦ - ٨].
ودائماً تأتي العقوبة -عباد الله- بما يتناسب مع كفر الكافرين ومع إعراضهم، فقوم عاد كانوا عتاة جبارين وقد بسط الله لهم في أجسامهم وفي قوتهم ولكنهم كفروا بهذه النعمة فقالوا كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، ما تفكروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وهو قادر على إهلاكهم، فسلط الله عليهم ريحاً، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨].
أهلكهم الله بهواء أشد منهم قوة، ومن أضعف الأشياء الهواء الذي لا نحس به ونتحرك من خلاله سلطه الله عليهم ريحاً شديدة.
ومعنى قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة:٦]: قيل: شديدة البروة وشديدة الهبوب، فكانت هذه الريح العظيمة تحملهم إلى السماء وتقذف بهم على الأرض فتنكسر رءوسهم، ثم تدخل الريح في أجوافهم فصاروا ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨] أي: ما بقي منهم من أحد.
وقال بعض المفسرين بأن هذه الريح عندما أهلكتهم حملتهم وألقت بهم في البحر فلا تجد حتى أجسامهم على وجه الأرض فلا يرى إلا مساكنهم وصارت خاوية، وزاد هؤلاء الجبارون المتكبرون الذين كفروا نعمة الله عليهم، وجحدوا قدرة الله أن قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، أرسل الله إليهم الرسل، ولكنهم كذبوا دعوة الرسل.
عباد الله! قصص الأنبياء واحدة وإنما تختلف الأسماء والمدد الزمانية والصفات وفي نهاية القصة لابد أن يجازى الله المؤمنين وأن يهلك الكافرين والمكذبين، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، فألحق هؤلاء بالغابرين وبالذين أغرقهم الله من قوم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم.
سنن الله تجري في عباده، ولابد أن يقيم الله على العباد الحجة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فالله يعذب المكذبين في الآخرة، قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٨ - ١٠].
فالله يقيم الحجة على العباد بدعوة الرسل، فإذا كذبوا رسل الله واستعجلوا عذاب الله أنزل عليهم عذابه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص:١٦] أي: نصيبنا من العذاب، فهم يستعجلون عذاب الله ، وكما قالوا لهود ﵇ ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠]، وكما قال كفار قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢].
فهؤلاء
стр. 214
من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي
إن أضرار المعاصي ظاهرة في الدنيا والآخرة، فهي تعود على صاحبها بالوبال والخسران، وقسوة القلب وغفلته، وللمعاصي أسباب، أهمها: ضعف الإيمان، والجهل بالله وبرسوله ودينه، فحري بالمؤمن أن يبحث عما يقوي إيمانه ويدفع به جهله ليكون من الفائزين.
стр. 215
ضعف الإيمان بالله من أسباب المعاصي
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً.
أما بعد عباد الله! فأصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
عباد الله! مصيبتنا في التفريط واحدة، وأهل الأحزان أهل: إنا ليجمعنا البكاء وكلنا يبكي على شجن من الأشجانِ.
مجلس الذكر مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يبكي على عيوبه، وهذا يبكي لفوات مطلوبه، وهذا يبكي لإعراض محبوبه.
عباد الله! كثرت المعاصي في الأرض: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١].
قال بعض السلف: أرقهم قلوباً أقلهم ذنوباً.
وقال بعضهم: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة.
وقال بعضهم: المعاصي سلسلة في عنق العاصي لا يفكه منها إلا الإيمان والتوبة.
وقال بعضهم: المعاصي بريد الكفر -أي: رسول الكفر.
فمهما أكثر العبد من معصية الله فإنه يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، فيعده ويمنيه، ويضله ويغويه، ولا يرضى منه دون الكفر ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
فكيف علاج المعاصي عباد الله؟ ما هي أسباب كثرة المعاصي في الأرض؟ وكيف يكون علاج ذلك؟ وكيف يحصن العبد نفسه؟ ومن يلوذ به من هذا الشر الواضح، وهذا الإفك الفاضح؟ أسباب المعاصي عباد الله! السبب الأول: ضعف الإيمان بالله .
السبب الثاني: هو الجهل بالله ، والجهل برسول الله ﵌.
السبب الثالث: ضعف العزيمة على الرشد، فالعبد يضعف عندما يأخذ قراراً بأن يستقيم على طاعة الله ، وأن يترك معصية الله ، ومن جمع عزمه على ترك المعاصي أتته الأمداد من الله من كل جانب.
من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: الغرور والأماني، أي: يعول العبد على رحمة الله ، ويوقعه الشيطان في المعاصي، ويمد له حبال الغرور والأماني.
من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي كذلك: كثرة الشهوات والشبهات.
من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: مخالطة الفاسقين والنظر إلى أفعالهم، ونحن نتكلم اليوم إن شاء الله تعالى، عن السبب الأول والثاني من هذه الأسباب.
فالسبب الأول: هو ضعف الإيمان بالله ، فكلما قوي إيمان العبد بالله فإنه يرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﵌ نبياً ورسولاً.
يرضى بقضاء الله وقدره، ويرضى بشرعه، ويحب ما يحب الله ، ويبغض ما يبغضه الله ، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧].
فكلما اكتمل إيمان العبد وكمل حبه لله ، وحبه لنبيه ﵌؛ تجد قلب العبد وجوارحه مطمئنة بطاعة الله، ومطمئنة لما يحبه الله ويرضاه، ومبغضة لما يكرهه الله ويأباه؛ لأن العبد يفعل المعصية؛ ويحب شيئاً يبغضه الله ، أو يبغض شيئاً يحبه الله ، فكلما كمل إيمانه أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله .
قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن).
قال العلماء: ولا يكون بذلك كافراً؛ لأن هذه مقالة الخوارج، أي أنه يخرج من الإسلام بالكلية، ويفقد الإيمان بالكلية.
قالوا: يبقى في قلبه أصل الإيمان، وقالوا: عنده إيمان ضعيف، ولكن هذا الإيمان لا يدفعه إلى طاعة الله ، ولا يحجزه عن معصية الله .
وقالوا: في وقت المعصية ينزع الإيمان من قلبه، ويكون فوق رأسه، فإن تاب عاد إليه مرة ثانية، وإن ل
следующие страницы →