← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

موقف قوم عاد من نبيهم هود قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:٦٦]، فهذا من سوء أدبهم مع أنبياء الله مع أنهم يعرفون شرف نسبه، ومع أنه دعاهم في النسب فكان ينبغي عليهم أن يتأدبوا معه، ولكنه الكفر فإنه يطمس على القلوب والعقول، هو يدعوهم إلى الله ، وهم يدعونه إلى عبادة الأصنام! وقد قال ابن كثير ﵀ بأنهم أول من عبد الأصنام بعد قوم نوح ﵇، فإنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد، فابتدأت البشرية بالتوحيد، ثم لما عبدت الأصنام أهلك الله أهل الأرض، وبقي نوح ﵇ وذريته ومن كان معه في السفينة، فلم يكن لآدم ذرية إلا من جهة نوح ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، ثم جاء بعد ذلك قوم عاد فكانوا أول من عبد الأصنام بعد قوم نوح ﵇، وكانوا يسكنون بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية بين عدن وحضرموت. قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٦ - ٨]، ميزهم الله ببسطة في أجسامهم، وقوة في أبدانهم، وكانت البشرية -عباد الله- تتفاوت تفاوتاً ليس بالقليل في الأعمال وفي الأجسام. فهذا نوح ﵇ يمكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، وهي عمر الدعوة وليس عمر نوح ﵇، وهذا آدم كما ورد في الحديث الصحيح: (بأن أهل الجنة يدخلون الجنة على طول أبيهم آدم ستون ذرعاً) أي: ما يقرب من خمسين متراً، أي: ارتفاع عمارة ثلاثين دوراً أو أكثر من ذلك، فهكذا كانت البشرية، ولكن يبدو أن عاد كانوا أطول من الأقوام الذين قبلهم، كما قال تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف:٦٩]. فهم يستهزئون بنبي الله هود ﵇ ويقولون: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:٦٦]، وهذا الظن ظن كاذب فهم يعتقدون الصدق ولكنه الكفر الذي طمس على قلوبهم، وكذا الكبر وبطر الحق ورد الحق. والرسل هدفهم هداية البشرية، وأن يبلغوا البلاغ المبين، فيصبرون على أذى قومهم صبراً طويلاً، كما قال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، والله يعلم الدعاة إلى الله كيف يكون صبرهم على الدعوة وعلى جفاء الناس وعلى إعراض الناس فهم يقولون للرسول الكريم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:٦٦]، فلم يقل لهم: أنتم السفهاء وأنتم الكذابون بل قال: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٧ - ٦٨]، يبلغهم رسالات الله وهو لهم ناصح أمين. فهؤلاء الرسل هم أولى الناس بكل صفة للإحسان فهم يدرءون بالحسنة السيئة، الناس يسيئون إليهم وهم يحسنون إلى الناس، والناصح الأمين لا يكذب، ولا يغش قومه بل ينصح لهم ويحرص على هدايتهم. ثم قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف:٦٩]، أتعجبون أن جاءكم تيسير من الله ورسالة من الله على رجل منكم؟ فهذا ليس بعجيب ولكن الكفر الذي يطمس على القلوب يجعلهم يتعجبون من الأشياء التي ليس فيها عجب، ويظنون أن ما هم عليه من الباطل هو الحق الواضح وأن غيره ليس بعزيز، فهم يتعجبون أن الله يرسل إليهم بشراً كما أخبر الله أن المكذبين في كل زمان ومكان يتعجبون من ذلك ويقولون: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن:٦]، أي: فكيف يهدينا بشر؟ ولو يشاء الله لأنزل ملائكة، وإنما الحكمة من كون الرسول من البشر أنه يحس بإحساسهم، ويتحرك في وسطهم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠]، فالناس يقتدون ويتأسون به، فالرسل بشر من البشر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩]، والله لو أرسل ملكاً لجعل هذا الملك في صورة رجل كذلك، والتبس الأمر على الناس، فيقولون: هل هذا ملك أو هذا من البشر؟ قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَا

стр. 212

وجود إله واحد للكون تثبته الفطرة السليمة كما يثبته العقل الصحيح قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠]. فالكفر يطمس على وجوههم مع أنه لا يمكن أن يكون في الكون إلا إله واحد قابض قاهر، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فلو كان في السماوات والأرض آلهة مع الله لفسدتا بدليل التمانع كما يقولون، فلو كان للكون إلهان خالقان مدبران وأراد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه فإما أن يحدث مرادهما: أن يتحرك الجسم ويسكن في آن واحد، وإما ألا يكون مراد أحدهما فيخلو الجسم من الحركة والسكون، وهذان ممتنعان ومستحيلان، وإما أن يتحقق مراد أحدهما: أن يتحرك أو يسكن، فمن يتحقق مراده فهو الإله الحق الذي يعبد؛ لأن الإله لابد أن يكون قادراً على جلب المصالح ودفع المضار، ولابد أن ينفع عابديه فلا يمكن أن يكون في الوجود إلا إله واحد. قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] أي: أنه لا يمكن أن يكون للكون إلهان مدبران فإما أن يذهب كل إله بما خلق فيكون هذا له ملكه وسلطانه والآخر له ملكه وسلطانه، وإما أن يغلب أحدهما الآخر فيكون لا وجود له ولا سلطان له، وأما أن يكون هناك إلهان مدبران قادران قاهران في وقت واحد فهذا لا يمكن أن يكون، فهؤلاء يقولون: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠]، كما قال كفار قريش: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، أي: كيف تصير الآلهة إلهاً واحداً؟! مع أن الفطرة تشير إلى أن الإله واحد، ومع أن الأدلة كلها تدل على أنه لا يمكن أن يكون هناك إلا إله واحد قاهر، إلا أنه استولى على هؤلاء الكفار إعراض وتكذيب وإصرار على الكفر. قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف:٧١]، أي: كيف أنكم تجعلون ما صنعتموه بأيديكم وسميتموه هذه الأسماء بأنه آلهة؟ فالذي يحتاج إلى من يسميه لا يستحق أن يكون إلهاً ولا يستحق أن يعبد؛ لأنه فقير إلى غيره، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣]. فالله سمى نفسه بأسمائه الحسنى واختار أحسن الأسماء لنفسه ، قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، وقال أيضاً: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك). فهذه الآلهة التي تحتاج إلى من يسميها، والخلق الضعفاء هم الذين اختاروا لها هذه الأسماء، لا تستحق أن تعبد من دون الله ، فقال لهم هود ﵇: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف:٧١] أي: انتظروا عقوبة الله ، وانتظروا عذاب الله ، وأجمل ما في هذه الآيات من سورة الأعراف هو كيف نجى الله هوداً والذين معه، وبين الله في مواضع أخرى في كتابه كيف نجى المؤمنين، وكيف أهلك الله الكافرين؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 213

عقوبة المكذبين وهلاكهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. بين الله كيف أهلك الكافرين المكذبين، وكيف نجى رسوله والمؤمنين، قال : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة:٤ - ٥]، قيل: بالصيحة أو الزلزلة التي يصحبها صوت شديد هائل، ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦ - ٨]. ودائماً تأتي العقوبة -عباد الله- بما يتناسب مع كفر الكافرين ومع إعراضهم، فقوم عاد كانوا عتاة جبارين وقد بسط الله لهم في أجسامهم وفي قوتهم ولكنهم كفروا بهذه النعمة فقالوا كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، ما تفكروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وهو قادر على إهلاكهم، فسلط الله عليهم ريحاً، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨]. أهلكهم الله بهواء أشد منهم قوة، ومن أضعف الأشياء الهواء الذي لا نحس به ونتحرك من خلاله سلطه الله عليهم ريحاً شديدة. ومعنى قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة:٦]: قيل: شديدة البروة وشديدة الهبوب، فكانت هذه الريح العظيمة تحملهم إلى السماء وتقذف بهم على الأرض فتنكسر رءوسهم، ثم تدخل الريح في أجوافهم فصاروا ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨] أي: ما بقي منهم من أحد. وقال بعض المفسرين بأن هذه الريح عندما أهلكتهم حملتهم وألقت بهم في البحر فلا تجد حتى أجسامهم على وجه الأرض فلا يرى إلا مساكنهم وصارت خاوية، وزاد هؤلاء الجبارون المتكبرون الذين كفروا نعمة الله عليهم، وجحدوا قدرة الله أن قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، أرسل الله إليهم الرسل، ولكنهم كذبوا دعوة الرسل. عباد الله! قصص الأنبياء واحدة وإنما تختلف الأسماء والمدد الزمانية والصفات وفي نهاية القصة لابد أن يجازى الله المؤمنين وأن يهلك الكافرين والمكذبين، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، فألحق هؤلاء بالغابرين وبالذين أغرقهم الله من قوم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم. سنن الله تجري في عباده، ولابد أن يقيم الله على العباد الحجة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فالله يعذب المكذبين في الآخرة، قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٨ - ١٠]. فالله يقيم الحجة على العباد بدعوة الرسل، فإذا كذبوا رسل الله واستعجلوا عذاب الله أنزل عليهم عذابه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص:١٦] أي: نصيبنا من العذاب، فهم يستعجلون عذاب الله ، وكما قالوا لهود ﵇ ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠]، وكما قال كفار قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]. فهؤلاء

стр. 214

من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي إن أضرار المعاصي ظاهرة في الدنيا والآخرة، فهي تعود على صاحبها بالوبال والخسران، وقسوة القلب وغفلته، وللمعاصي أسباب، أهمها: ضعف الإيمان، والجهل بالله وبرسوله ودينه، فحري بالمؤمن أن يبحث عما يقوي إيمانه ويدفع به جهله ليكون من الفائزين.

стр. 215

ضعف الإيمان بالله من أسباب المعاصي الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد عباد الله! فأصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. عباد الله! مصيبتنا في التفريط واحدة، وأهل الأحزان أهل: إنا ليجمعنا البكاء وكلنا يبكي على شجن من الأشجانِ. مجلس الذكر مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يبكي على عيوبه، وهذا يبكي لفوات مطلوبه، وهذا يبكي لإعراض محبوبه. عباد الله! كثرت المعاصي في الأرض: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. قال بعض السلف: أرقهم قلوباً أقلهم ذنوباً. وقال بعضهم: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وقال بعضهم: المعاصي سلسلة في عنق العاصي لا يفكه منها إلا الإيمان والتوبة. وقال بعضهم: المعاصي بريد الكفر -أي: رسول الكفر. فمهما أكثر العبد من معصية الله فإنه يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، فيعده ويمنيه، ويضله ويغويه، ولا يرضى منه دون الكفر ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فكيف علاج المعاصي عباد الله؟ ما هي أسباب كثرة المعاصي في الأرض؟ وكيف يكون علاج ذلك؟ وكيف يحصن العبد نفسه؟ ومن يلوذ به من هذا الشر الواضح، وهذا الإفك الفاضح؟ أسباب المعاصي عباد الله! السبب الأول: ضعف الإيمان بالله . السبب الثاني: هو الجهل بالله ، والجهل برسول الله ﵌. السبب الثالث: ضعف العزيمة على الرشد، فالعبد يضعف عندما يأخذ قراراً بأن يستقيم على طاعة الله ، وأن يترك معصية الله ، ومن جمع عزمه على ترك المعاصي أتته الأمداد من الله من كل جانب. من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: الغرور والأماني، أي: يعول العبد على رحمة الله ، ويوقعه الشيطان في المعاصي، ويمد له حبال الغرور والأماني. من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي كذلك: كثرة الشهوات والشبهات. من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: مخالطة الفاسقين والنظر إلى أفعالهم، ونحن نتكلم اليوم إن شاء الله تعالى، عن السبب الأول والثاني من هذه الأسباب. فالسبب الأول: هو ضعف الإيمان بالله ، فكلما قوي إيمان العبد بالله فإنه يرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﵌ نبياً ورسولاً. يرضى بقضاء الله وقدره، ويرضى بشرعه، ويحب ما يحب الله ، ويبغض ما يبغضه الله ، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]. فكلما اكتمل إيمان العبد وكمل حبه لله ، وحبه لنبيه ﵌؛ تجد قلب العبد وجوارحه مطمئنة بطاعة الله، ومطمئنة لما يحبه الله ويرضاه، ومبغضة لما يكرهه الله ويأباه؛ لأن العبد يفعل المعصية؛ ويحب شيئاً يبغضه الله ، أو يبغض شيئاً يحبه الله ، فكلما كمل إيمانه أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله . قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن). قال العلماء: ولا يكون بذلك كافراً؛ لأن هذه مقالة الخوارج، أي أنه يخرج من الإسلام بالكلية، ويفقد الإيمان بالكلية. قالوا: يبقى في قلبه أصل الإيمان، وقالوا: عنده إيمان ضعيف، ولكن هذا الإيمان لا يدفعه إلى طاعة الله ، ولا يحجزه عن معصية الله . وقالوا: في وقت المعصية ينزع الإيمان من قلبه، ويكون فوق رأسه، فإن تاب عاد إليه مرة ثانية، وإن ل

стр. 216

علاج ضعف الإيمان بالتعرف على الله إن ضعفاء الإيمان ليس لديهم إيمان يبعدهم عن المعصية، ولا يوجد لديهم إيمان يدفعهم إلى المحافظة على الواجبات، فالإيمان في قلوبهم ضعيف، وقلوبهم ضعيفة متهالكة، تكاد تموت من كثرة مرضها وشدة بلائها، فكيف يعالج ضعف الإيمان بالله ؟ أول ذلك عباد الله! أن يتعرف العبد على الرب الجليل ، فكلما عرف العبد ربه أحب الله ، وخاف منه وتوكل عليه، وكلما ازداد الإيمان زادت الخشية، وكلما ازداد الإيمان ازداد الحب لله . قال النبي ﷺ : (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية). فينبغي للعبد أن يدرس التوحيد، وأن يتعرف على الرب العزيز الحميد المجيد، حتى يحب الله ويطيعه. تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع فينبغي أن يتعرف العبد على ربه الجليل .

стр. 217

علاج ضعف الإيمان بالتعرف على النبي ﷺ من أسباب زيادة الإيمان كذلك: أن يتعرف العبد على النبي الكريم ﷺ ، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦]. وقال منكراً على الكافرين: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٩]. فكلما عرفوا النبي ﷺ ، وعرفوا سيرته وشمائله ومعجزاته، أحبوه وآمنوا به، فكل شيء في النبي ﷺ يدعو إلى محبته وتصديقه، كشرف نسبه وموطنه، وكمال أخلاقه وشمائله، وسيرته ومعجزاته ﵌. فهؤلاء سبب كفرهم أنهم ما تعرفوا على النبي الكريم، ولو عرفوه لأحبوه، ولفدوه بآبائهم وأمهاتهم، بل فدوه بأنفسهم، وكان حبهم له أكثر من حبهم للآباء والأمهات بل للأنفس، ولا يذوق طعم الإيمان إلا من كان حبه لله ولرسوله ﷺ أكثر من كل شيء، قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار). فلا بد أن يزداد الحب للنبي ﷺ ، وهذا الحب ينشأ عن معرفته ودراسة سيرته ومعرفة معجزاته، وينشأ عن معرفة حب الله للنبي ﵌.

стр. 218

علاج ضعف الإيمان بتدبر القرآن والتفكر فيه من أسباب زيادة الإيمان: أن يتدبر العبد القرآن: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. فكلما تدبر العبد كتاب الله ازداد إيماناً بالله ، وازداد إيماناً بأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، فكلما تدبر المسلم القرآن علم أنه كلام الله وأنه قصصه وأنه وحيه وتنزيله، وأنه أمره ونهيه ، بل إن علامة الإيمان الصادق أنك إذا سمعت كلام الله يزداد إيمانك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، وقال : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]. فكيف حالك أيها العبد! مع القرآن، هل تسمع القرآن فتزداد إيماناً وحباً وتسليماً؟ فالذين آمنوا يزدادون إيماناً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. فحال العبد مع القرآن يميز هل هو من المؤمنين الصادقين، الذين امتلأت قلوبهم بحب الله ، أو من المنافقين الذين في قلوبهم مرض فلا يزدادون إلا شكاً وارتياباً؟ فأهل الإيمان يزدادون إيماناً، وأهل الشقاق والنفاق يزدادون شكاًً واضطراباً؛ لأنه ليس في قلوبهم حب الله وحب كلامه.

стр. 219

علاج ضعف الإيمان بالمحافظة على النوافل بعد استكمال الفرائض من وسائل معالجة ضعف الإيمان: أن يتعهد العبد نفسه بكثرة النوافل بعد استكمال الفرائض، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). فمن أراد زيادة إيمانه والابتعاد عن معصية الله والانشغال بطاعته؛ عليه أن يتعاهد نفسه باستكمال الفرائض أولاً، ثم يفتح على نفسه أبواب النوافل.

стр. 220

علاج ضعف الإيمان بالتفكر في مخلوقات الله من أسباب زيادة الإيمان كذلك: التفكر في مخلوقات الله ، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. وقال : ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. فكلما تفكر العبد في مخلوقات الله فإن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق، وانظروا إلى هذه الأرضية التي نعيش عليها، يقول العلماء، علماء الفلك: إن الكون فيه المجرة، والمجرة فيها المجموعة الشمسية التي نحن فيها، والمجموعة الشمسية فيها بلايين الأجرام مثل الكرة الأرضية، ومنها ما هو أكبر من الأرض بآلاف المرات. ولذلك قالوا: إن الكرة الأرضية ما هي إلا رملة في صحراء موحشة. وكل هذه الأجرام هي مصابيح في السماء الدنيا، كما قال : ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥]. فكيف تكون عظمة السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة ثم العرش وهو سقف المخلوقات؟! و ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وهو أكرم من كل شيء وأعظم من كل شيء، وأجمل من كل شيء، والسماوات لا تقله ولا تظله، فكلما تفكر العبد في مخلوقات الله فإنها توصله إلى الإحساس بعظمة الله وقدرته وكماله، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. وكان السلف يفضلون تفكر ساعة على قيام ليلة، أي: أن العبد لو تفكر في مخلوقات الله ساعة، فقد يثمر هذا من الإيمان ومن الحب للملك الديان أكثر مما يثمره قيام ليلة بكاملها. وسئلت أم الدرداء عن أكثر عبادة أبي الدرداء، فقالت: كان أكثر عبادته التفكر. فإنه يوصل إلى زيادة الإيمان.

стр. 221

علاج ضعف الإيمان بتدبر محاسن الإسلام مما يزيد الإيمان كذلك عباد الله! أن نتدبر محاسن الإسلام، فنعلم بأن دين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية عندما اكتملت، وهو أكبر نعمة أنعم الله بها على العباد، فقد أنزل الله على نبيه يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فرضي الله الإسلام ديناً للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ونسخ بشريعة نبينا محمد ﷺ كل الشرائع السابقة. فهذا الإسلام هو دين الله ، الذي لا يقبل الله من أحد ديناً غيره يوم القيامة، ليس كما يظن بعضهم، ويخرج من ملة الإسلام، ويصرح بالتصريحات الخائرة التي يخرج بها من ملة الإسلام، ويموه على الناس ويضللهم ويقول: إن الأخوة الإنسانية أعمق وأشمل من الأخوة في الدين. هذا جهل بدين الله ، أو تجاهل به، فالذي يفعل ذلك يبيع دينه بعرض من أعراض الدنيا حرصاً على المناصب، فهؤلاء يسارعون في الكفر، وفي الكلمات التي تخرجهم من دين الله . فأبو جهل كان أخاً في الإنسانية، فهل هو أحب إلينا من الصحابة ﵃؟! وفرعون كان أخاً في الإنسانية وهو أكفر إنسان في الوجود، فكيف يقول ذلك أحد ينسب إلى جهة المفروض أنها تعلم الناس دين الله ، وتقوم على شرائع الله ؟ ولكن القلوب المريضة لا تبالي بما أصاب دينها إذا سلمت لها دنياها، وإذا سلمت لها المناصب والكراسي التي يجلسون عليها، فينبغي للعبد ألا يبيع دينه بعرض من أعراض الدنيا، وقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا تكتموه؛ لأن كتمان العلم فيه تلبيس للحقائق وفيه إضلال للناس، وإبعاد لهم عن ربهم وملكهم وإلههم، فينبغي للعبد أن يكون حريصاً على دينه، ويقينه، فأي شيء يبقى للعبد إذا ضحى بعقيدته، وإيمانه ودينه؟ هل المنصب يبقي له شيئاً؟ هل ينجيه من عذاب الله ؟ هل ينجيه من سخط الله ؟ ولكنه ضعف الإيمان، ولكنه القلوب المريضة، بالشبهات والشهوات. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 222

علاج ضعف الإيمان بحضور مجالس الذكر والإيمان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. من أسباب زيادة الإيمان كذلك: أن يجلس العبد في أجواء إيمانية، وأن يتنفس هواء الإيمان، فيجلس في مجالس الذكر وفي اجتماعات الخير، وفي صلاة الجماعة وتشييع الجنائز، ويتردد على الأماكن المقدسة للحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي، فتنفس هواء الإيمان مما تترعرع به شجرة الإيمان، فتقوى على مواجهة عواصف الشهوات والشبهات.

стр. 223

علاج ضعف الإيمان بتنقية القلب من الأخلاق المذمومة من أسباب زيادة الإيمان كذلك: أن ينقي العبد قلبه من الأخلاق المذمومة، ومن الحسد والبعض للمسلمين، فكلما نقى العبد شجرة الإيمان، وأزال ما بجوارها من الشجر الخبيث، فإن هذا يعود على شجرة الإيمان بالصحة. فهذا هو السبب الأول من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي، وهو ضعف الإيمان، وذكرنا كيف يعالج ضعف الإيمان، وذلك بمحبة الله ومعرفته، ومعرفة النبي الكريم ﷺ ، وتدبر القرآن، وأن يتعهد العبد نفسه بكثرة النوافل بعد استكمال الفرائض، وعبادة التفكر، وأن يعيش العبد في أجواء إيمانية، وأن يعرف العبد شرف الإسلام، ويدرس محاسنه، وأن يعلم أنه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والسبب الأخير من ذلك عباد الله! هو تنقية شجرة الإيمان من النبت الخبيث الذي قد يخالطها، فيعود عليها بالضعف.

стр. 224

الجهل بالله ورسوله ودينه من أسباب المعاصي أما السبب الثاني من أسباب كثرة الذنوب والمعاصي: هو الجهل بالله والجهل برسوله ﷺ وبدينه. أين من كان في سرور وغبطة؟ أين من بسط اليد في بسيط البسطة؟ جسروا على المعاصي فانقلبت على الجيم النقطة. بينما هم في الخطأ خطا إليهم صاحب الشرطة. هذا دأب الزمان إذا صفا فلحظة. كم تخون الموت منا إخواناً، وكم قرن في الأجداث أقراناً، وهذا أمر إلينا قد تبانا.

стр. 225

ذم الجهل وذكر بعض ما قيل فيه الجهل هو أكبر داء كما قال بعض السلف: ما عصي الله بذنب أقبح من الجهل. وقيل للإمام سهل: يا أبا محمد! أي شيء أقبح من الجهل؟ قال: الجهل بالجهل، قيل: صدقت؛ لأنه يسد باب العلم بالكلية. وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور. وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور. والجهل داء قاتل وشفاءه أمران في التركيب متفقان. نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني. فالجهل داء وكفى بالعلم حسناً أن يفرح به من ينسب إليه وإن لم يكن من أهله، وكفى بالجهل قبحاً أن يتبرأ منه من هو فيه، فإذا قلت لأحد ليس بعالم: إنك عالم، فإنه يفرح بذلك، وإذا قلت للجاهل: إنك جاهل فإنه يحزن من ذلك مع أنه جاهل. فكفى بالعلم شرفاً أن يفرح به من ينسب إليه ويتشرف به وإن لم يكن من أهله، وكفى بالجهل قبحاً أن يتبرأ منه من فيه، ويحزن إذا نسب إليه. دائماً أهل المعاصي يوسمون بالجهل بالله ، كما قال إبراهيم الخليل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر:٦٤]. وكما قال يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. وقال : ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]. فالله يصف دائماً أهل الطاعة بأنهم يتنزهون عن معصية الله قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]. وقال : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧].

стр. 226

آفة الجهل وضرره في الدنيا والآخرة أجمع السلف على أن كل من عصى الله فهو جاهل، وأن كل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، ومن تاب بعد الغرغرة، فقد تاب من بعيد لا تقبل توبته. فكل من عصى الله فهو جاهل، غلب الخوف على الأنبياء والعلماء والأولياء، وغلب أمن المكر على الفراعنة الأغبياء والكفرة والعوام والرعاع والطغام، حتى كأنهم قد حوسبوا وفرغ منهم، فلم يخشوا سطوة العقاب، ولا نار العذاب، ولا بعد الحجاب، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. كثير من الناس يظن أن تعلم العلم نافلة من النوافل، فلا يتعلمون حتى القدر الواجب، ولا يتعلمون علم العقيدة، أو فقه العبادات، وكأن العلم نوع من التسلية، وكأن طلب العلم الشرعي هواية من الهوايات. من الناس من عنده هذه الهواية، ومن الناس من يفقد هذه الهواية، وهذا أيضاً من الجهل، بل أهل القبور يعذبون على جهلهم بالله وبدينه. فإن العبد إذا كان في قبره يسأل عن ربه ، وعن نبيه ﷺ وعن دينه، فإن كان ممن درسوا العلم الواجب وتعرفوا على ربهم وعلى دينهم، وعلى رسولهم ﷺ في الدنيا، فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، ويثبتون الرسالة لنبينا محمد ﷺ ، فيقول الملكان: كيف عرفت ذلك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فالذين لم يعرفوا ربهم ، ولم يعرفوا رسوله ﷺ ، تعرفوا على كل شيء إلا دين الله . فإن سألتهم عن السيارات، أجابوا بالأنواع المختلفة، وبميزة كل نوع من الأنواع. وإن سألتهم عن الكاميرات أو (التلفون المحمول)، أو غير ذلك، فإنهم يجيبون إجابات وافية. وإن سألتهم عن الله الذي خلقهم فإنهم لا يعرفون، وإذا سألتهم عن رسوله ﷺ أشرف من وطئت قدماه الأرض فإن الواحد منهم يقول: لا أدري، وإذا سئلوا عن دين الله لا يدرون، فعند ذلك تضربهم الملائكة بمطراق لو سقط على جبل لصار تراباً، وتقول له: لا دريت ولا تليت، أي: لا تكلمت ولا علمت، فتعاقبه الملائكة. فهؤلاء يعاقبون على جهلهم بالله ، وعلى جهلهم بالرسول ﷺ ، وعلى جهلهم بدين الله ، لأن أول واجب على العبد أن يتعرف على الله وعلى رسوله الله ﷺ ، وعلى دينه فجهل الناس بالله وأنه أهل أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وجهلهم بالنبي ﷺ ووجوب محبته واتباع سنته، من أسباب عذابهم في القبور، ويوم البعث والنشور. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، وعليك بالأمريكان الحاقدين، وعليك بمن والاهم من المنافقين والعلمانيين، والذين يشيعون الفواحش في بلاد المسلمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء، والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 227

نذير عذاب الذنوب والمعاصي بلاء عظيم وشر مستطير، إذا ما أحاطت بالعبد أوردته موارد المنون، وألقت به في مهاوي الردى، وهذه الذنوب والمعاصي لها آثار دنيوية وأخروية، فعلى العبد اجتنابها والحذر منها حتى لا تحيق به آثارها فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة.

стр. 228

آثار الذنوب والمعاصي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمر محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. قال بعض السلف: أرقهم قلوباً أقلهم ذنوباً. وقال بعضهم: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وقال بعضهم: للمعاصي سلسلة في عنق العاصي لا يفكه منها إلا الاستغفار والتوبة. أين من كان في سرور وغبطة؟ أين من بسط اليد في بسيط البسطة؟ جسروا على المعاصي فانقلبت على الجيم النقطة، بينما هم في الخطأ خطا إليهم صاحب الشرطة، هذا دأب الزمان إن صفا فلحظة، كم تخون الموت منا إخوانا، وكم قرن في الأجداث أقرانا، وهذا أمر إلينا قد تدانى. كثرت المعاصي عباد الله، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. إنهم يشكون الفقر، ويشكون عدم تيسير الأمور عليهم، ويشكون صعوبة تحصيل العلم، ويشكون ما بين الناس من الشحناء والبغضاء، ويشكون هوان الأمة على الله وهوانها على خلق الله، وكل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي، فليس في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة -دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور- إلى الدنيا دار الشرور والآلام والمصائب؟ وما الذي طرد إبليس ومقته ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، وجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعداً وبالرحمة لعنة، وبالجنة ناراً تلظى، فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وصار قواداً لكل فاسق وظالم ومجرم، رضي لنفسه بتلك القيادة بعد تلك العبادة والسيادة؟ فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك، ورشدك يا جميل اللطف! وما الذي أغرق الأرض كلها عباد الله، ولم ينج إلا أصحاب السفينة؟ وما الذي أرسل على عاد الريح العقيم: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]. وكانت عاد عمالقة، كانوا يتخذون المصانع، واغتروا بقوتهم وقالوا: من أشد منا قوة، فأرسل الله عليهم ريحاً هي أشد منهم قوة، فكانت تحمل الواحد منهم إلى السماء ثم تقذف به على موطئ ينكسر رأسه، ويبقى بدنه كأنه عجز نخلة خاوية؟ وما الذي أرسل على ثمود الصيحة فقطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب فـ ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] فلما صار السحاب فوق رءوسهم أمطرهم ناراً تلظى؟ وما الذي رفع القرى اللوطية إلى السماء، حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، ثم أمطرهم بحجارة من سجين منضود، مسومة عند ربك للمشركين، ولإخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد؟ وما الذي أغرق فرعون وجنوده، ثم أرسلت أرواحهم إلى النار، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بـ قارون وداره وماله؟ وما الذي أرسل على بني إسرائيل قوماً أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وقتلوا النساء والذرية؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح ودمرها تدميراً؟ كل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي عباد الله، فليس في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، والأرض تعج وتثج الآن بالرذائل، تثج بالمعاصي عباد الله، وهذا -والله- نذير شر ونذير عذاب، نذير شر أن نجد سوق المعاصي رائجاًً في بلاد المسلمين، وأن نجد الدعاة إلى الله ملجمين خلف الأسوار، وأن مساجد الله التي يذكر فيها اسمه ويدعى فيها إلى الله تخرب، وتسند إلى من لا يتقي الله فيها: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خ

стр. 229

حرمان نور العلم نذكر شيئاً من هذه الآثار ومن هذه العقوبات كمقدمة للكلام على بعض المعاصي الظاهرة، وكيف ينبغي على العبد أن يعالجها، وكيف يسلك سبيل علاجها. فمن عقوبات الذنوب والمعاصي: حرمان نور العلم. شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأعلمني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي لما قابل الإمام مالك الإمام الشافعي هاله ما على وجه الإمام الشافعي من النور، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية.

стр. 230

حرمان الرزق وضعف العقل والبدن من عقوبات الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: حرمان الرزق؛ فإن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليحرم الزرق بالذنب يصيبه)، وإن تقوى الله مجلبة للرزق، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وتضييع التقوى ومعصية الله سبب لحرمان الرزق. ومن عقوبات الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: ضعف العقل، كما قال بعض السلف: ما عصى أحد ربه حتى يغيب عقله. وأدل دليل على ضعف العقل بالمعاصي أن صاحب المعاصي يجد اللذة لحظات، ويشقى بذلك في القبر ويوم يقوم الناس لرب العالمين. فكل ذلك يدل على ضعف العقل عباد الله، ولو حضره عقله لما رضي بهذه المساومة وبهذه المقابلة، ولما آثر لذة لحظة من اللحظات على نعيم الدنيا ونعيم القبر ونعيم الآخرة، فالمعاصي تؤثر في ضعف العقل. ومن آثار الذنوب والمعاصي: ضعف البدن، معلوم أن قوة المؤمن في بدنه، وكلما كان بدنه أقوى كان جسده أقوى، وهؤلاء العلماء الذين يشهد لهم بالتقوى كالإمام ابن المبارك وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما كم كان بذلهم وكم كانت قوتهم في الجهاد وفي البر، فقوة المؤمن في قلبه، فكلما قوى قلبه قوى بدنه، كما أن قلب المنافق ضعيف، فكذلك بدنه ضعيف، فهو لا يستطيع أن يواجه عدواً، بل هو من أسرع الناس فراراً.

стр. 231

ذهاب الغيرة من القلب وذهاب الحياء من عقوبات الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: أنها تذهب من القلب الغيرة، وإلا فكيف يوافق الزوج أن تسير زوجته معه وهي متبرجة متهتكة، كاسية عارية، كل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي، ذهبت الغيرة من الرجال عباد الله، وقوة الغيرة تدل على قوة الإيمان. قال النبي ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) فالرجل الذي يرضى لزوجته أو لابنته أو لاخته أن تخرج متبرجة متهتكة لا إيمان له؛ لذهاب الغيرة من قلبه، مسخت الشخصية الإسلامية عباد الله، صار الناس -عباد الله- لا يتعززون، قد يكون العبد ليس عنده دين، ولكن عنده شهامة ورجولة ومروءة، ولكن أن يكون المسلم لا دين له ولا شهامة ولا مروءة له ولا غيرة عنده، فكل ذلك من مكر الليل والنهار، من أجهزة استقبال البث المباشر، من التفرج على الأزياء الغربية العاتمة التي ضاعت فيها هذه المعاني، فلا معنى للعبرات ولا معنى للحرمات، وليس هناك شيء عند الغرب يسمى الحياء، وليس هناك شيء يسمى الغيرة، وللأسف كل ذلك -عباد الله- يبث في بلاد المسلمين، ويروج له ويعلمه الناس على شاشات التلفاز، وعلى أجهزة استقبال البث المباشر، وعلى شبكة الإنترنت، وغير ذلك من الأجهزة الحديثة التي توجه كلها لهدم الإسلام، والله غالب على أمره. ومن ذلك عباد الله: ذهاب الحياء، (والحياء خير كله) كما قال النبي ﷺ . وقال (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت). ذهب حياء النساء وذهبت غيرة الرجال بسبب الذنوب والمعاصي، فاختلط الأمر عباد الله، واختلط الحابل بالنابل، فلا غيرة عند الرجال، ولا حياء عند النساء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 232

ضعف القلب ووهنه من عقوبات الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: أنها تضعف القلب وتوهنه، فإذا نزل بالعبد بلاء لا ينجذب قلبه للتوكل على الله، ولا يدعو الله لكشف البلاء، فهو يقع في الذنوب وفي المصائب وفي المعايب، ولا يعرف طريق الخلاص، ولا يوفق للتوبة، ولا ينجذب للتوكل على الله ، ولا يوفق للدعاء. وأعظم من ذلك كله ما يحدث له عند الموت، حيث يخونه قلبه، ويخونه لسانه، فلا يوفق لكلمة (لا إله إلا الله) التي من قالها وختم له بها دخل الجنة، فمنهم من يقول: هو في سقر والعياذ بالله، ومنهم من يقول: لا أستطيع أن أقولها، فلسانه أثقل من جبل أحد، لا يتحرك بكلمة التوحيد عند الموت، ويخونه قلبه ويخونه لسانه أحوج ما يكون إلى ذلك. قال الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، بماذا يثبت العاصي؟ بماذا يثبت الفاجر، والمعرض عن شرع الله، والذي يحارب دين الله، والذي يوالي أعداء الله ؟ لا يكون الثبات عند الموت إلا لأهل الإيمان والعمل الصالح.

стр. 233

إخراج العبد العاصي من صحبة المؤمنين من ذلك عباد الله: أن المعصية تخرج العبد من صحبة المؤمنين، كما قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) فيحرم من صحبة المؤمنين، وإذا حرم من صحبة المؤمنين حرم مما جعله الله للمؤمنين، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]. وقال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]. وقال : ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]. وقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]. فإذا حرم العبد من لذة الإيمان، وحرم من صحبة المؤمنين فإنه يحرم مما جعله الله للمؤمنين.

стр. 234

سبب نسيان الله للعبد ونسيان العبد لنفسه من عقوبات الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: أنها تكون سبباً لنسيان الله للعبد، ونسيان الله للعبد على سبيل المشاكلة والمقابلة، قال : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، فنسيان الله للعبد يحمل على أنه لا يحصل له من توفيقه ولا من هدايته، ولا يوفق إلى طاعته، وفي الآخرة لا يقسم له من رحمته، ولا يدخله في جنته، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، ولكن أطلق ذلك على سبيل المقابلة والمشاكلة. كذلك: ينسى العبد نفسه، كما قال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]، أي: ينسى العبد أن يقدم لنفسه، وينسى أن يصلح نفسه، والله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] فهو ينسى أن يزكي نفسه بتوحيد الله وبطاعة الله ، ويكون حاله كحال من عنده أرض أو ماشية، ولا تصلح له إلا بالتعهد والمتابعة، فينسى ذلك فيهلك ولا بد. فإذا نسي العبد نفسه فإنه ينسى أن يطيع ربه ويعبد ربه، وينسى أن يتقرب إلى الله، وينسى أن يقدم لحياته، ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].

стр. 235

مشقة ترك المعصية مع عدم التلذذ بها من ذلك عباد الله: أن العاصي يفعل المعاصي ولا يجد لذة للمعاصي، بل يجد مشقة في ترك المعاصي فهو يقارف المعاصي لا للذة يجدها في المعصية، بل من أجل العنت والمشقة والشقاء الذي يجده إذا ترك المعصية، كما قال بعضهم: وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها وقال بعضهم: فكانت دوائي وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر فالعبد الذي يكثر من معصية الله تكون المعاصي هيئات راسخة، فإذا تكاسل عن معصية الله نفثت عليه الشياطين تؤزه إليها أزاً، وتزعجه إليها إزعاجاً، كما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً، وتدفعهم إليها دفعاً. فمن يكثر من طاعة الله يجد حلاوة الطاعة، وإذا وجد في فترة من الفترات تكاسلاً عن طاعة الله ، فإن الملائكة تثبته وتعينه وتلهمه الصواب، كما قال الله : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]. وإن كان سبب نزول الآية في غزوة بدر، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٦ - ٦٩]، رفقة طيبة تأتي لطاعة الله ، وتأتي للإيمان بالله ، ومن يتولى هذا الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم، هو معهم في الدنيا بالحب والموالاة وبالطاعة والانقياد، وهو معهم بالشوق إلى لقائهم في الآخرة، وهو معهم كذلك في الآخرة، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠]، أي: هذا هو الفضل من الله ، ليس المال وليس الشهوات وليس الشهرة وليس سراب الدنيا: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:٧٠]، كفى بالله الذي يعلم ما هو الخير لبني آدم، فالإيمان والعمل الصالح وصحبة أهل الخير والإيمان والدخول في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:٧٠]. الطاعة -عباد الله- تقرب للعبد وليه من الملائكة، فيقترب منه الملك حتى كأنه ينطق على لسانه، كما أن المصروع ينطق الجني على لسانه، فالرجل الصالح يقول الكلمة من الخير فيقال: كأن ملكاًً تكلم بها على لسانه. فإذا أطاع العبد ربه قرب منه وليه من الملائكة ليوفقه ويسدده ويلهمه ويعينه على طاعة الله ، ويؤنس وحدته، ويذهب وحشته. وإذا عصى العبد ربه ابتعد عنه الملك وقرب منه الشيطان قرينه من الجن ومن الشياطين، ويوحون إليه بالمعاصي عباد الله، ويدفعونه إلى المعاصي دفعاً، ولا يدري أنه يجره إلى النار وإلى العناء وإلى البوار، فإذا كان يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]. فينبغي للعبد -عباد الله- أن يعمل الأعمال التي تقربه من الله، وتقرب منه ملائكة رب الأرض والسماء، حتى يوفق إلى الطاعة، وحتى يعان على الثبات على دين الله . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 236

زوال البركة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله فإن من عقوبات الذنوب والمعاصي: أنها سبب لزوال البركة، فلا تجدون البركة اليوم في الرزق، ولا تجدونها في الوقت، ذهبت البركة لكثرة المعاصي في الأرض، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، فلو أن العباد كانوا على بساط التقوى يتقون الله لوجدوا البركة في الزروع وفي الثمار وفي الأبدان وفي الماشية وفي الأولاد وفي الزوجات وفي الأوقات. فكثرة المعاصي -عباد الله- تكون سبباً لزوال البركة، وجد في خزائن بني أمية حبة حنطة مثل نواة التمرة في صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل. وفي آخر الزمان عباد الله عندما يوفق الله رجلاً من آل النبي ﷺ اسمه كاسمه واسم أبيه كاسم أبيه، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فتخرج الأرض بركتها عباد الله، وتكفي الرمانة الفئام من الناس، ويستظلون بقحفتها، وتكفي اللقحة -أي: الناقة ذات اللبن- المجموعة الكبيرة من الناس، ويكون عنقود العنب وقر بعير عباد الله، فإذا طهرت الأرض من الفساد ودخل الناس في طاعة رب العباد تظهر البركات عباد الله، وتنزل عليهم من السماء، وتخرج لهم من الأرض.

стр. 237

حرمان الاسم الحسن وانتكاس القلب وعدم الانتفاع بالمواعظ من عقوبات الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: أن العبد يحرم الاسم الحسن، فبدلاً من أن يقال: مؤمن متق محسن متصدق صوام قوام، يقال له: ساقط، زان، سارق، مجرم، ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١]. ومن عقوبات الذنوب والمعاصي كذلك عباد الله: أنها تضعف القلب في سيره إلى الله ، وقد تعطفه وقد تنكسه فينتكس وتكون سبباً في الرين الذي يكون على القلوب كما قال الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. قال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب. فكلما أكثر العبد من معصية الله يكون على قلبه من هذا الرين الذي يمنع انتفاعه بالموعظة، فيقولون: من علامة من غرق في الذنوب: ألا يجد للطاعة موقعاً، ولا للذنوب مشبعاً، ولا للموعظة منزعا. أي: أن الإنسان لا يتأثر بالوعظ، فالله جعل القرآن هدىً ورحمة للمؤمنين، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤] فالقرآن رحمة للمؤمنين. فكثرة الذنوب -عباد الله- تجعل العبد لا ينتفع بالقرآن، بل يكون عليه عمى، ويزداد شكاً واضطراباً، ويزداد عباد الله رجساً إلى رجسه، كما قال الله ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. فالإنسان عندما يستمع القرآن إما أن يخرج بزيادة أو نقصان، فالمؤمن سليم القلب عباد الله يزداد إيماناً وتصديقاً وحباً لله ولطاعته، والكافر والفاجر والمنافق والذي في قلبه مرض يزداد شكاً واضطراباً.

стр. 238

حرمان الطاعة ووجود الوحشة بين العبد وربه وبينه وبين الناس من عقوبات الذنوب والمعاصي: أن يحرم العبد طاعة الله ، فكم من نظرة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة حرمت قراءة سورة، فالعبد عندما يذنب ذنباً قد يحرم من طاعة كان يعملها، وقد يضعف قلبه عن هذه الطاعات التي يعملها. ومن عقوبات الذنوب والمعاصي عباد الله: وحشة تكون بين العبد وبين ربه وبينه وبين المؤمنين، والله إن من ينظر نظرة محرمة يجد أثرها في قلبه ويجد شقاءها في قلبه، ويجد الوحشة في قلبه، فكيف بالذي يقارف الزنا، والذي يأكل أموال الناس بالباطل! والذي ينتهك حرمات المسلمين! والذي يصد عن سبيل رب العالمين؟! والله إنهم لفي غاية الشقاء وإن كانوا لا يصرحون بذلك فهم أشقى الناس، وأن الله هو الذي أخبرنا بذلك، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] فصبره ضيق، وحياته ضيقة، ورزقه ضيق، والقبر عليه ضيق، ثم يحبس في جهنم يوم القيامة في ضيق. أما المؤمن عباد الله فقلبه متسع ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، فقلبه متسع، والله يوسع رزقه، ويفسح له قبره مد البصر عباد الله، وفي الآخرة أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشر أمثالها، ولكن الناس لا يعون ذلك أيضاً. وأهل والمعاصي لا يفقهون، بخلاف المتقين أولي الألباب فهم الذين يتذكرون، وهم الذين يتعظون، وهم الذين ينتفعون.

стр. 239

سواد في القلب وظلمة في الوجه من عقوبات الذنوب والمعاصي: سواد في القلب وظلمة في الوجه، كما قال عبد الله بن عباس ﵄: إن للحسنة لنوراً في الوجه، وضياء في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للمعصية لسواداً في الوجه، وظلمة في القلب، وضيقاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق. حسنات معجلة للطائعين، وعقوبات معجلة للعاصين، وما ينتظره من عقاب الآخرة أكبر، فينبغي علينا أن ننتبه من غفلتنا، وأن نتذكر وأن نتوب وأن نرعوي. التوبة التوبة قبل أن يأتيكم من الموت النوبة، ولا تحصلوا إلا على الخسران والخيبة. الإنابة الإنابة قبل غلق باب الإجابة. الإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة. أيها العاصي! لا يقطع من صلاحك الطمع، ما نصبنا اليوم سرج المواعظ إلا لتقع، فإذا خرجت من المجلس وأنت عازم على التوبة فقال لك رفقاؤك في المعصية: هلم إلينا، فقل لهم: كلا، ذلك خمر الهوى الذي قد عهدتموه، قد استحال خلاً. يا من سود كتابه بالسيئات، أما آن لك بالتوبة أن تمحو. يا سكران القلب بالشهوات أما آن لفؤادك أن يصفو. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا ربه العالمين، ورد كيده إلى نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم من كادنا فكده يا رب العالمين، اللهم من مكر بنا فامكر به يا رب العالمين، اللهم من قصدنا لسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم عليك بالذين يصدون عن سبيلك ويبغونها عوجاً. اللهم عليك بالذين يشيعون الفواحش في بلاد المسلمين، اللهم دمرهم تدميراً، والعنهم لعناً كبيراً. اللهم نصرك الذي وعدت للمؤمنين، حيث قلت وأنت أصدق القائلين: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين. اللهم أصلح شيوخ المسلمين، اللهم أصلح أطفالنا وأطفال المسلمين، ورد عنهم كيد الكائدين يا رب العالمين. اللهم اهد نساء المسلمين للحجاب والعفة والحياء والصيانة والديانة يا رب العالمين، اللهم صنهن بالحجاب يا رب العالمين. اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 240

وصية للأمة بعث الله نبيه ﷺ لينقذ البشرية ويخرجها من الظلمات إلى النور، ويدلها على خيري الدنيا والآخرة، وقد قام بذلك ﷺ خير قيام، فأرشد أمته إلى كل خير وحذرها من كل شر، ومن جملة ما أرشد به وصيته لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهي الوصية المشهورة الجامعة النافعة.

стр. 241

أهمية حفظ العبد لدين ربه الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]. فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وأن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كنت خلف النبي ﷺ فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف). وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في صيد الخاطر: تدبرت هذا الحديث فأدهشني حتى كدت أن أطيش، فوا أسفاً من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه! فهذا الحديث الذي يرويه حبر الأمة وترجمان القرآن وابن عم رسول الله ﷺ الذي دعا له النبي ﷺ فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فيه وصية النبي ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس، ومن خلاله يوصي الأمة كلها. يقول: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) وحفظ الله : أن تحفظ حدود الله ، وأن تحفظ حقوقه، وأن تحفظ أوامره ونواهيه. فالواجب على العبد أن يحفظ الله ، ومن حفظ الله أن تحافظ على الصلاة كما قال : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، وكما قال النبي ﵌: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة). ومن ذلك: حفظ الطهارة، كما قال النبي ﷺ : (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن). ومن ذلك: أن يحفظ الرأس وما وعى، وأن يحفظ البطن وما حوى، كما قال النبي ﷺ : (الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وأن تحفظ البطن وما حوى). فمن حفظ الرأس: أن يحفظ سمعه، وأن يحفظ بصره، فلا يقع بصره على محرم، وأن يحفظ لسانه فلا يتكلم بما لا يعنيه، ولا يقع في الغيبة والنميمة وغير ذلك، وأن يحفظ فمه فلا يدخل منه طعام حرام، ويحافظ على سمعه وبصره ولسانه وجميع جوارحه. ومن ذلك: قول الله : ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: لا يحلف العبد كثيراً، وإذا حلف وحنث في حلفه فعليه أن يكفر عن يمينه. من ذلك: حفظ الفرج، كما قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥]. وقال النبي ﷺ : (من يحفظ ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة). وفي رواية الصحيح: (من يضمن لي ما بين لحييه -أي: لسانه- وما بين رجليه -أي: فرجه- أضمن له الجنة).

стр. 242

حفظ الله للعبد فمن حفظ الله في سمعه وبصره ولسانه وفرجه وحافظ على حدود الله ، وحافظ على حقوق الله ، وحافظ على أوامر الله بأن يؤديها، وحافظ على مناهي الله فلا يقع فيها كان جزاؤه من الله الحفظ، كما قال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]. وكما قال : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]. فالجزاء من جنس العمل، فالحفظ من الله للعبد يكون على نوعين: النوع الأول: أن يحفظ سمعه وبصره ولسانه، وأن يحفظ عليه جوارحه، وأن يؤيده بقوته، وأن يحفظ ماله، وأن يحفظ أولاده، هذا حفظ في الدنيا. النوع الثاني: حفظ الإيمان، وذلك أن يحفظ على العبد إيمانه، فلا يقع في الشهوات ولا في الشبهات، وأن يحول بينه وبين المعصية التي توجب غضب رب الأرض والسماوات. أما النوع الأول من الحفظ فهو أن يحفظ الله على العبد قوته، كما حفظ ذلك لـ أبي الطيب الطبري وكان قد جاوز المائة سنة، فقد جاء أنه وثب وثبة شديدة من مركب إلى الأرض فعوتب على هذه الوثبة فقال: جوارح حفظناها في الصبا فحفظها الله علينا في الكبر. فمن حافظ على جوارحه من معصية الله فالله يمتعه بسمعه وبصره وقوته. والعكس بالعكس، رأى الجنيد شيخاً كبيراً يسأل الناس فقال: هذا ضيع الله في الصبا فضيعه الله في الكبر. من فارق سدة سيده لم يبق لقدمه قرار، والله! ما جئتكم زائراً إلا وجدت الأرض تطوى لي، ولا ثنيت العزم عن بابكم إلا تعثرت بأذيالي. فالعبد إذا حفظ الله حفظه الله ، حفظ صحته، وحفظ ماله، وحفظ أولاده، كما كان سعيد بن المسيب -وقيل: سعيد بن جبير - يقول لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك، ويتأول قول الله : ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]. فصلاح الآباء يكون سبباً في حفظ الأبناء، قال : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩]. فمن حفظ تقوى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقوى الله فقد ضيع نفسه، والله غني عنه، قال ﵊: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)، وفي الرواية الأخرى: (تجده معك) والمعية من الله على نوعين: معية عامة لجميع الخلائق: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فالله مع جميع الخلق بسمعه وبصره وقدرته وإحاطته، فهذه معية عامة لجميع الخلق تستوجب من العبد الحذر والخوف من الله ، وتقوى الله ومراقبة الله . المعية الثانية: معية النصرة والتأييد والتوفيق والتسديد، كما قال حاكياً عن نبيه محمد ﷺ أنه قال لـ أبي بكر ﵁ في رحلة الإسراء: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، أي: معنا بسمعه وتوفيقه وتسديده. وكما قال لهارون وموسى ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أي: أسمع ما يراد بكما، وأرى ما يحاك بكما، وأسمع دعاءكما، وأعلم ما تحتاجان إليه. وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، فمن كان مع الله بطاعته وتقواه ومع دين الله يعز دين الله ويرفع دين الله ويرفع راية الله مع الله بالحب والنصرة والتأييد لدينه ورسوله وكتابه فالله معه. قال قتادة: من كان مع الله كان الله معه، ومن كان الله معه كان معه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل. فإذا كنت مع الله كان الله معك، معيته لأنبيائه وأوليائه معية التأييد ومعية النصرة ومعية التسديد. إذا كنت بالله مستعصماً فماذا يضيرك كيد العميل فمن كان مع الله كان الله معه.

стр. 243

أهمية صرف السؤال لله وذم سؤال الخلق قال ﵊: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله). السؤال بذل للوجه، كان بعضهم يقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن مسألة غيرك. وكان أحدهم إذا عرضت له مسألة للخلق يهتف به هاتف من داخله: الوجه الذي يسجد لله لا تبذله لغير الله، لا تبذله لغير الله. وفي الحديث: (من سأل الناس تكثراً -أي: وعنده ما يكفيه- فإنه يأتي يوم القيامة وقد سقط لحم وجهه) لأنه أراق وجهه في الدنيا. فالسؤال لا يكون إلا لله؛ لأن العبد لا يذل نفسه إلا لله ، وقد عاهد النبي ﷺ وأخذ العهد عن بعض الصحابة ألا يسألوا أحداً إلا الله ، منهم أبو بكر ﵁، فكان يقع منه السوط وهو على البعير فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه، بل ينزل بنفسه فيأخذه، لا يسأل إلا الله . فالسؤال ذل، والسؤال يكون لمن يقدر على جلب جميع المصالح، ودفع جميع المضار، وليس هناك أحد يقدر على ذلك إلا الله ، ولذا قال ﵊: (فإذا سألت فاسأل الله). وقال : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]. وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. كان بعض الناس يتردد على بعض الملوك، فقال له أحد العلماء: يا هذا! تذهب إلى من يسد دونك بابه ويظهر لك فقره، ويخفي عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه، ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]! لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب فالعبد لا يسأل إلا الله ، ومن لم يسأل الله يغضب عليه، لأنه غني كريم ولأنه يحب أن يتفضل على عباده: (يد الله ملأى لا تغيضها نفقة -أي: لا تنقصها نفقة- سحاء الليل والنهار) أي: ينفق على عباده بالليل والنهار. (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه) أي: لم ينقص ما في يمينه. وفي بعض الروايات: (ذلك بأني جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون). فالله غني كريم ويخلق بكلمة (كن)، إذا أراد شيئاً يقول له: كن، فيكون، فهو وحده الغني: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٦ - ١٧]. فالعبد يسأل من يقدر على كشف الضر، ومن يقدر على جلب المنافع كلها، ولا أحد يقدر على ذلك إلا الله . قال ﵊: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) والاستعانة: هي طلب العون والمساعدة، ولا تجوز الاستعانة في الأمور كلها إلا بالله ، يجوز أن تستعين بمخلوق في قضاء حاجة من حوائج الدنيا يقدر عليها ذلك المخلوق، ولكن لا يجوز أن تستعين بمخلوق في أن يخبرك بمغيب، وفي أن يشفي لك مريضاً أو يرد لك غائباً. فالاستعانة لا تكون إلا بالله . والاستعانة بالمخلوق قسمان: استعانة شركية، واستعانة غير شركية. الاستعانة الشركية: أن تستعين بمخلوق في أن يشفي لك مريضاً أو يرد لك غائباً، كمن يستعين بالمقبورين في أن يردوا لهم غائباً، أو يشفوا لهم مريضاً، فهذه استعانة شركية. أما الاستعانة بالمخلوق في قضاء أمر من أمور الدنيا أو شراء شيء أو بيع شيء له أو إجارته فهذه استعانة غير شركية. أرسل أحد السلف إلى أخيه يقول له: أما بعد: لا تستعن بغير الله فيكلك إليه. أي: فلا يجلب لك نفعاً، ولا يدفع عنك ضراً. قال ﷺ : (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، وهذا مدار الوصية، فمدار الوصية: أن تعلم أن الأمر بيد الله، وأن الملك بيد الله، وأن خزائن السماوات والأرض بيد الله ، فإذا علمت ذلك عرفت الله ، كما قال أبو عاصم الأنطاكي: إني أريد ألا أموت حتى أعرف مولاي. فلا يريد المعرفة العامة التي يعرفها كل الناس أن الله هو رب الناس ملك الناس إله الناس، ولكن يريد أن يعرف الله معرفة ينقطع عن الخلق إلى الله ، فلا يستعين إلا بالله، ولا يسأل إلا الله . وهذه المعرفة تدعوه إلى أن يحفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، تدعوه إلى أنه لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا

стр. 244

مدار وصية النبي ﷺ لابن عباس فهذا مدار الوصية: أن تعلم أن الله هو رب الناس، وهو المتصرف في شئون الناس كيف يشاء، وأنه مالك الملك ، وأن مقادير الخلائق بيد الله ، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]. لو اجتمع الخلق كلهم على أن يجلبوا لك نفعاً لم يقدره الله لك لا يقدرون على ذلك، وإن اجتمع الخلق كلهم على أن يمنعوا عنك نفعاً أراده الله بك لا يقدرون على ذلك. قال : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] فالأمر كله بيد الله ، يقول النبي ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي: أن نفساً لن تموت حتى تستوفي أجلها ورزقها). ويقول ﷺ : (اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير) أي: إذا كان لك مصلحة عند أحد من الخلق فاطلب ذلك بعزة النفس، لأن الأمر ليس بيد هذا المخلوق، بل الأمر بيد خالق الملك ومالك الملك . قال ﷺ : (اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير) فإذا وثق العبد بذلك كان أعز الناس، وكان أغنى الناس بالله ، وكان أقوى الناس بالله ، ومع ذلك يحافظ على حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، من كان كذلك أتاه النفع من حيث يخاف أن يحصل للعبد الضر، كما روي أن سفينة مولى رسول الله ﷺ انكسرت به مركب فوقع في جزيرة ولم يعرف الطريق، فرأى أسداً فقال: يا أبا الحارث! أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ ، دلني على الطريق. قالوا: فأخذ الأسد يهمهم ويشير أمامه حتى دله على الطريق، ثم همهم له وانصرف كأنه يودعه. فآتاه النفع والخير ممن يخاف منه الضر. كذلك من ضيع تقوى الله فإنه يأتيه الضر ويأتيه المشقة والعنت ممن يرجو منه النفع، كما قال بعضهم: إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي. أي: أن الدابة التي تحمله، والزوجة التي تخدمه وتقضي له شئونه يأتيه النكد وتأتيه المشقة ممن يرجو منه النفع وممن يرجو منه أن يخدمه ويسهل له أموره. فمن عرف أن الأمر بيد الله انقطع عن الخلق إلى الحق وتعلق قلبه بالله لا يرجو إلا إياه ولا يخاف إلا من الله، ويحافظ على حدود الله، ويسأل الله ، ويستعين بالله . قال ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) وهذه كناية من أعظم الكنايات تدل على تقدم المقادير، كما قال النبي ﷺ : (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة). كتب الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فكتب متى تولد، وكم تعيش في الدنيا، وكم ترزق في الدنيا، وعملك في الدنيا وسعيك في الدنيا، وكم توفق إلى طاعة الله، وكم تهمل فتعمل بمعصية الله ، كل ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وقال النبي ﷺ : (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما سيكون إلى يوم القيامة) لأن علم الله أحاط بالماضي وأحاط بالحاضر وأحاط بالمستقبل، فعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله علم كل شيء، وقدر كل شيء، وكتب كل شيء من أزمنة متطاولة، فرفعت الأقلام أي: كتبت بها مقادير الخلائق، ومن طول المدة جفت الصحف، فكيف يرجو العبد غير الله؟ وكيف يؤمل في غير الله؟ وكيف يخاف من غير الله ؟ من علم ذلك انقطع إلى الله وعمل بطاعة الله وكان مع الله . يقول ﵌: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 245

أهمية تعرف العبد على ربه في الشدة والرخاء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: قال ﷺ -كما في الرواية الأخرى-: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). فقوله ﷺ : (احفظ الله تجده أمامك) أي: تجده تجاهك، وتجده معك. وقد فسر ذلك في الرواية الأخرى: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) أي: أن العبد إذا كان في وقت النعمة والرخاء يصعد منه كلم طيب وعمل صالح إلى الله فإنه إذا وقع في الشدة دعا الله فقبل دعوته وفرج كربته. قال بعض السلف: تعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، فإن يونس ﵇ كان ذاكراً لله عارفاً بالله في الرخاء، فلما وقع في بطن الحوت نجاه الله، قال الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]. ولما كان فرعون كافراً جاحداً ناسياً لذكر الله لما وقع في البحر: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] قال : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢] فكلاهما ذكرا الله في الشدة وأعلن إيمانه في الشدة، ولكن يونس ﵇ كان من أنبياء الله فكان من المدحضين، ولما وصل إلى ظلمة بطن الحوت دعا الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤] أي: لصار بطن الحوت قبراً له. أما فرعون فكان جاحداً ناسياً ذكر الله مستكبراً على طاعة الله ، أعلن إيمانه وهو يعاني الغرق فلم يقبل الله منه، بل جعله الله عبرة للمعتبرين، فقال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]. فينبغي على العبد أن يجتهد في طاعة الله في الرخاء حتى إذا وقع في الشدة عرفه الله بقبول الإجابة، كما حدث للثلاثة الذين دخلوا غاراً فوقعت صخرة عظيمة على باب الغار، فتوسلوا إلى الله بالأعمال الصالحة التي عملوها في وقت الرخاء، فأما أحدهم فتوسل إلى الله ببره بوالديه، وأما الثاني فتوسل إلى الله بأمانته وبأنه دفع للأجير أجره بعد تثميره له مع ما ثمره له، وأما الثالث فتوسل إلى الله بعفته عن ابنة عمه، وأنه ترك لها ما طلبته منه، فعند ذلك تحركت الصخرة وخرجوا من الغار؛ لأنهم توسلوا إلى الله بأعمال صالحة عملوها في وقت الرخاء. قال ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك). الله يحرس الناس بالليل والنهار، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] من يحفظكم من دون الله ؟ وكل الله الملائكة يحفظون العبد من بين يديه ومن خلفه، كما قال : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قيل: المعقبات ملائكة تحفظ العبد، فإذا جاء القدر تخلوا عنه. وكل أحد منا مر في عمره بأشياء كان يمكن أن يهلك فيها كحوادث السيارات وغير ذلك، والله ينجيه، فالله وكل ملائكة يحفظون العبد من بين يديه ومن خلفه، ويدفعون عنه الشرور والمهالك، ولكن إذا قدر الله شيئاً فإن الملائكة الحفظة يتركون العبد من أجل أن ينفذ فيه قدر الله وقضاؤه. قال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] أي: لا يحدث شيء في الأرض إلا بإذن الله . وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] قال بعض السلف: هي المصيبة تصيب العبد فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.

стр. 246

اقتران النصر بالصبر قال ﷺ : (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) فالنصر مع الصبر، لذلك يقول الله : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] فاشترط الصبر، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]. وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦] فالصبر من أعظم أسباب النصر. قال ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب) كما قال بعضهم: إذا اشتد الكرب هان. وفي ذلك لطيفة وهي: أن العبد إذا أصيب ببلاء فإنه قد يعلق قلبه بغير الله ويرجو من فلان أن يدفع عنه هذا الضر، وأن يكشف عنه هذا الكرب فيزداد عليه الكرب، فيعلق قلبه بمخلوق آخر يرجو من جهته أن يرفع الضر، وأن يكشف الكرب، فيزداد الكرب، حتى إذا ازداد الكرب جداً عند ذلك ييأس العبد من الخلق ويعلق قلبه بالخالق ، فعند ذلك يكشف الله الكرب. فإذا كان المشركون إذا ركبوا البحر وأتت ريح عاصفة وكادوا يهلكون يخلصون الدعاء لله والعبادة لله فينجيهم الله ، فكيف لا يحدث ذلك للمؤمن؟ فالعبد إذا اشتد به الكرب وأيقن الهلاك لا شك أنه ييأس من المخلوقين ويعلق قلبه بالله ، فإذا علق قلبه بالله أتى الفرج، وكشف الله الكرب.

стр. 247

اقتران اليسر بالعسر قال ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). قال : ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧] أي: أن اليسر يأتي سريعاً بعد العسر، فكأن اليسر من سرعته مع العسر. وقال بعضهم: إذا دخل العسر جحراً دخل اليسر وراءه. قال : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. ويقولون: إن النكرة إذا كررت أفادت إضافة، وأن المعرفة إذا كررت لم تفد إضافة، ولذلك قال بعضهم: لا يغلب عسر يسرين، أي: أن مع كل عسر يسرين، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. فهذا الحديث النبوي وصية جامعة تشتمل على قواعد كلية وأصول عظيمة من أصول هذا الدين، وهو ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم عليك باليهود الغاصبين، والأمريكان الحاقدين، ومن والاهم من المنافقين والعلمانيين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لسائر خلقك عبرة وآية، اللهم أنزل عليهم رجزك وغضبك وعذابك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم إنا نسألك أن تقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعله ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد أطفالنا وأطفال المسلمين يا رب العالمين، اللهم اهد شيوخ المسلمين، اللهم اهد نساء المسلمين للعفة والحجاب والحياء يا رب العالمين، ورد عنهن كيد الكائدين، وجملهن بالحياء والحجاب يا رب العالمين. اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 248

وظيفة المسلم الحقيقية وظيفة المسلم الحقيقية التي خلق من أجلها هي عبادة الله وحده لا شريك له، فعلى المسلم أن يتفرغ لهذه الوظيفة التي خلق من أجلها، وألا ينصرف إلى سواها؛ حتى يفوز بسعادة الدارين.

стр. 249

الحكمة من خلق الخلق الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. عباد الله! إن الله لم يخلق خلقه عبثاً ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم، عرضه على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه إشفاقاً ووجلاً، وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعاً وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلاً، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله، وباء به بظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله، وصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة، لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا يتفكرون في قلة بقائهم في الدنيا الفانية، وسرعة مصيرهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة والخدع الكاذبة، إذا بلغهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحداناً، ولم يؤثروا عليه فضلاً من الله ولا رضواناً، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. خلق الله الخلق من أجل وظيفة معينة ومن أجل مهمة معينة، فمن عمل بهذه الوظيفة ومن قام بهذه الوظيفة حق القيام أفلح وأنجح وسعد في الدنيا والآخرة، ومن تغاضى عن هذه الوظيفة ولم يهتد إلى معرفتها أو عرفها ولكنه لم يقم بها خاب وخسر وكان حظه في الدنيا الضنك والشقاء والهم والغم والحزن، وينتقل من ذلك إلى ضيق الآخرة وإلى عذاب الآخرة، والآخرة أدهى وأمر. ما خلقنا الله لأجل أن ننشغل بالكرة، وننظر أي فريق من فرق الكرة ينتصر، وما خلقنا الله للجلوس على المقاهي، وما خلقنا الله للهو والعبث، وما خلقنا الله من أجل أن نتسمر أمام شاشة الفيديو أو التلفاز أو استقبال البث المباشر. لقد بين الله الوظيفة التي خلق الله من أجلها الخلق، والتي من أجلها أرسل الله الرسل، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فالله خلق العباد من أجل أن يعبدوه وحده ، كما قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: إلا ليعرفون. أي: ليعرفوا الله ويوحدوا الله ، ليعرفوا الله بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته. وهذه المعرفة تدعوهم إلى عبادة الله وحده، فالله خلق العباد من أجل الطاعة والعبادة، وأرسل الله الرسل من أجل أن يدعوا الناس إلى عبادة الله ، ومن أجل أن ينبهوا الناس إلى الوظيفة التي خلقهم الله من أجلها، فقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]. وأول أمر في كتاب الله أمر بالعبادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. فالله خلق الخلق من أجل أن يعبدوه ، ومن أجل أن يفردوه بالعبادة، فمن عرف هذه الوظيفة وقام بها أفلح وأنجح وسعد في الدنيا والآخرة. هذه الوظيفة فهمها تلامذة النبي ﷺ والدعاة إلى الله في كل زمان ومكان، فينبغي عليهم أن يجعلوا هذه الوظيفة نصب أعينهم، وأن يعلموا أن مهمتهم هي مهمة الرسل، لأنهم أتباع الرسل، والرسل

стр. 250

لذة الطاعة وشؤم المعصية فالعبد ينبغي أن يكون كله لله ، وقته لله ، وزهده لله ، وماله لله ، وزوجته وأولاده لله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فالعبد لا يجوز له أن يعمل ويؤدي إلى غير سيده، بل يجب عليه أن يؤدي إلى سيده، فلا يجوز له أن يختلس من وقته شيء ولا من جهده شيء ولا من ماله شيء، فكل عمله لله ، فهو يصلي لله ويصوم لله ويحج إلى بيت الله الحرام ويسعى إلى معاشه لله ليقوم بالواجبات عليه، بل ينام لله ، كما قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. فعمله كله لله ، وليله ونهاره لله ، يظن الناس أن من كان كذلك فإنه يعيش مكدر الخاطر، منغص الضمير؛ لأنه لا يفعل ما تهواه نفسه، ولا ما يزينه إليه شيطانه؛ لأنهم يتوهمون أن العبد لا يمكن أن يسعد حتى يفسق عن أمر الله ونهيه، وحتى يتبع الهوى، وحتى يفعل ما تأمره به الشياطين. وهذا من الظن الفاسد، بل لا سعادة له إلا في طاعة الله ، وفي عبوديته لله ، وأن يكون كله لله ، فمن الناس من ليس منه شيء لله ، فهو بباطنه ليس مشغولاً بالله، وليس ممن يحب الله وينشغل بطاعته، وأعماله خارجة عن طاعة الله . ومن الناس من يكون ظاهره لله ، فهو يقف في الصف مع المصلين، ويقف بعرفات مع الواقفين، ويخرج مع الحجاج والمعتمرين، ولكن قلبه في الشهوات يهيم. وهذا ينطبق عليه قول القائل: يخبرني البواب أنك نائم وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم فمثل هذا لا يجد طعم الإيمان، ولا يجد حلاوة الإيمان، ولا يجد سعادة الإيمان، لأنه لا يجد ذلك إلا من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، لا يجد العبد طعم الإيمان وحلاوة الإيمان حتى يكون كله لله ، فهو بظاهره مشغول بطاعة الله وباطنه مع الله ، وقلبه مملوء بحب الله ، وسعادته في أن يخلو بالله وفي أن يذكر الله ، وفي أن يجلس في مجالس ذكر الله ، وفي تحقيق العبودية لله ، فكلما حقق العبد كمال العبودية لله فإنه يسعد في الدنيا والآخرة، وتجري في قلبه أنهار الجنة، ويفتح لقلبه باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها، كما قال بعضهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيوف. وقال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال بعضهم: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة. وقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات يرقص فيها القلب طرباً. وقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة كما نحن فيه والله! إنهم لفي عيش طيب. لماذا لم نجد هذه المعاني الإيمانية ولم نصل إلى هذه الأحوال الشريفة الرضية؟ لأننا لسنا جميعاً لله ، وفي قلوبنا من حب الدنيا ومن الشهوات ومن المعاصي الظاهرة والباطنة ما حرمنا بسببه من وجود لذة الطاعة والعبادة كما وجد السلف ﵃. وقال شيخ الإسلام: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة. وكان يقول: ما يفعل بي أعدائي؟ أنا جنتي معي، بستاني في صدري، إن سجني خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله. ولما سجن في القلعة نظر من خلف الباب وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. وكان تلميذه العلامة شيخ الإسلام ابن القيم يقول: كنا إذا ضاقت بنا الأمور واشتدت بنا الأحوال نلقاه فما أن نراه إلا يذهب كل ذلك عنا وينقلب انشراحاً وفرحاً، ولقد كان من أطيب الناس عيشاً مع ما كان فيه من شدة العيش وخلاف الرفاهية، كانت نضرة النعيم تلوح على وجهه. فالحمد لله الذي فتح لعباده باباً إلى جنته فأتاهم من ريحها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، وهم ما يزالون في دار العمل. وشيخ الإسلام تجاوز الستين سنة وما وجد حياة الراحة والاستقرار حتى يتزوج، بل كان من سجن إلى سجن ومن معركة إلى معركة ومن مناظرة إلى مناظرة، لم يفرغ يوماً حتى يتزوج زوجة حسناء، أو يملك سرية حسناء، ولا سعى خلف دينار ولا درهم ولا سعى لمنصب، فكانت حياته كلها بذل لله وعبودية لله ، فكيف وجد سعادة الإيمان وحلاوة طاعة الله الرحمن؟ بل كيف يجد من رآه حلاوة الإيمان؟ وكيف ينشرح صدر من رآه من أتباعه من المؤمنين والأولياء الذين رؤوا ذكر الله؟ ورد عن أيوب السختياني سيد شباب أهل البصرة من التابعين: أنه كان إذا دخل السوق ورأوه هللوا وسبحوا وكبروا، أي: لما يرون عليه من آثار الطاعة والعبادة. فالم
следующие страницы →