← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

اقتران النصر بالصبر قال ﷺ : (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) فالنصر مع الصبر، لذلك يقول الله : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] فاشترط الصبر، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]. وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦] فالصبر من أعظم أسباب النصر. قال ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب) كما قال بعضهم: إذا اشتد الكرب هان. وفي ذلك لطيفة وهي: أن العبد إذا أصيب ببلاء فإنه قد يعلق قلبه بغير الله ويرجو من فلان أن يدفع عنه هذا الضر، وأن يكشف عنه هذا الكرب فيزداد عليه الكرب، فيعلق قلبه بمخلوق آخر يرجو من جهته أن يرفع الضر، وأن يكشف الكرب، فيزداد الكرب، حتى إذا ازداد الكرب جداً عند ذلك ييأس العبد من الخلق ويعلق قلبه بالخالق ، فعند ذلك يكشف الله الكرب. فإذا كان المشركون إذا ركبوا البحر وأتت ريح عاصفة وكادوا يهلكون يخلصون الدعاء لله والعبادة لله فينجيهم الله ، فكيف لا يحدث ذلك للمؤمن؟ فالعبد إذا اشتد به الكرب وأيقن الهلاك لا شك أنه ييأس من المخلوقين ويعلق قلبه بالله ، فإذا علق قلبه بالله أتى الفرج، وكشف الله الكرب.

стр. 247

اقتران اليسر بالعسر قال ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). قال : ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧] أي: أن اليسر يأتي سريعاً بعد العسر، فكأن اليسر من سرعته مع العسر. وقال بعضهم: إذا دخل العسر جحراً دخل اليسر وراءه. قال : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. ويقولون: إن النكرة إذا كررت أفادت إضافة، وأن المعرفة إذا كررت لم تفد إضافة، ولذلك قال بعضهم: لا يغلب عسر يسرين، أي: أن مع كل عسر يسرين، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. فهذا الحديث النبوي وصية جامعة تشتمل على قواعد كلية وأصول عظيمة من أصول هذا الدين، وهو ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم عليك باليهود الغاصبين، والأمريكان الحاقدين، ومن والاهم من المنافقين والعلمانيين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لسائر خلقك عبرة وآية، اللهم أنزل عليهم رجزك وغضبك وعذابك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم إنا نسألك أن تقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعله ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد أطفالنا وأطفال المسلمين يا رب العالمين، اللهم اهد شيوخ المسلمين، اللهم اهد نساء المسلمين للعفة والحجاب والحياء يا رب العالمين، ورد عنهن كيد الكائدين، وجملهن بالحياء والحجاب يا رب العالمين. اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 248

وظيفة المسلم الحقيقية وظيفة المسلم الحقيقية التي خلق من أجلها هي عبادة الله وحده لا شريك له، فعلى المسلم أن يتفرغ لهذه الوظيفة التي خلق من أجلها، وألا ينصرف إلى سواها؛ حتى يفوز بسعادة الدارين.

стр. 249

الحكمة من خلق الخلق الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. عباد الله! إن الله لم يخلق خلقه عبثاً ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم، عرضه على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه إشفاقاً ووجلاً، وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعاً وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلاً، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله، وباء به بظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله، وصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة، لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا يتفكرون في قلة بقائهم في الدنيا الفانية، وسرعة مصيرهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة والخدع الكاذبة، إذا بلغهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحداناً، ولم يؤثروا عليه فضلاً من الله ولا رضواناً، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. خلق الله الخلق من أجل وظيفة معينة ومن أجل مهمة معينة، فمن عمل بهذه الوظيفة ومن قام بهذه الوظيفة حق القيام أفلح وأنجح وسعد في الدنيا والآخرة، ومن تغاضى عن هذه الوظيفة ولم يهتد إلى معرفتها أو عرفها ولكنه لم يقم بها خاب وخسر وكان حظه في الدنيا الضنك والشقاء والهم والغم والحزن، وينتقل من ذلك إلى ضيق الآخرة وإلى عذاب الآخرة، والآخرة أدهى وأمر. ما خلقنا الله لأجل أن ننشغل بالكرة، وننظر أي فريق من فرق الكرة ينتصر، وما خلقنا الله للجلوس على المقاهي، وما خلقنا الله للهو والعبث، وما خلقنا الله من أجل أن نتسمر أمام شاشة الفيديو أو التلفاز أو استقبال البث المباشر. لقد بين الله الوظيفة التي خلق الله من أجلها الخلق، والتي من أجلها أرسل الله الرسل، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فالله خلق العباد من أجل أن يعبدوه وحده ، كما قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: إلا ليعرفون. أي: ليعرفوا الله ويوحدوا الله ، ليعرفوا الله بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته. وهذه المعرفة تدعوهم إلى عبادة الله وحده، فالله خلق العباد من أجل الطاعة والعبادة، وأرسل الله الرسل من أجل أن يدعوا الناس إلى عبادة الله ، ومن أجل أن ينبهوا الناس إلى الوظيفة التي خلقهم الله من أجلها، فقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]. وأول أمر في كتاب الله أمر بالعبادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. فالله خلق الخلق من أجل أن يعبدوه ، ومن أجل أن يفردوه بالعبادة، فمن عرف هذه الوظيفة وقام بها أفلح وأنجح وسعد في الدنيا والآخرة. هذه الوظيفة فهمها تلامذة النبي ﷺ والدعاة إلى الله في كل زمان ومكان، فينبغي عليهم أن يجعلوا هذه الوظيفة نصب أعينهم، وأن يعلموا أن مهمتهم هي مهمة الرسل، لأنهم أتباع الرسل، والرسل

стр. 250

لذة الطاعة وشؤم المعصية فالعبد ينبغي أن يكون كله لله ، وقته لله ، وزهده لله ، وماله لله ، وزوجته وأولاده لله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فالعبد لا يجوز له أن يعمل ويؤدي إلى غير سيده، بل يجب عليه أن يؤدي إلى سيده، فلا يجوز له أن يختلس من وقته شيء ولا من جهده شيء ولا من ماله شيء، فكل عمله لله ، فهو يصلي لله ويصوم لله ويحج إلى بيت الله الحرام ويسعى إلى معاشه لله ليقوم بالواجبات عليه، بل ينام لله ، كما قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. فعمله كله لله ، وليله ونهاره لله ، يظن الناس أن من كان كذلك فإنه يعيش مكدر الخاطر، منغص الضمير؛ لأنه لا يفعل ما تهواه نفسه، ولا ما يزينه إليه شيطانه؛ لأنهم يتوهمون أن العبد لا يمكن أن يسعد حتى يفسق عن أمر الله ونهيه، وحتى يتبع الهوى، وحتى يفعل ما تأمره به الشياطين. وهذا من الظن الفاسد، بل لا سعادة له إلا في طاعة الله ، وفي عبوديته لله ، وأن يكون كله لله ، فمن الناس من ليس منه شيء لله ، فهو بباطنه ليس مشغولاً بالله، وليس ممن يحب الله وينشغل بطاعته، وأعماله خارجة عن طاعة الله . ومن الناس من يكون ظاهره لله ، فهو يقف في الصف مع المصلين، ويقف بعرفات مع الواقفين، ويخرج مع الحجاج والمعتمرين، ولكن قلبه في الشهوات يهيم. وهذا ينطبق عليه قول القائل: يخبرني البواب أنك نائم وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم فمثل هذا لا يجد طعم الإيمان، ولا يجد حلاوة الإيمان، ولا يجد سعادة الإيمان، لأنه لا يجد ذلك إلا من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، لا يجد العبد طعم الإيمان وحلاوة الإيمان حتى يكون كله لله ، فهو بظاهره مشغول بطاعة الله وباطنه مع الله ، وقلبه مملوء بحب الله ، وسعادته في أن يخلو بالله وفي أن يذكر الله ، وفي أن يجلس في مجالس ذكر الله ، وفي تحقيق العبودية لله ، فكلما حقق العبد كمال العبودية لله فإنه يسعد في الدنيا والآخرة، وتجري في قلبه أنهار الجنة، ويفتح لقلبه باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها، كما قال بعضهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيوف. وقال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال بعضهم: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة. وقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات يرقص فيها القلب طرباً. وقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة كما نحن فيه والله! إنهم لفي عيش طيب. لماذا لم نجد هذه المعاني الإيمانية ولم نصل إلى هذه الأحوال الشريفة الرضية؟ لأننا لسنا جميعاً لله ، وفي قلوبنا من حب الدنيا ومن الشهوات ومن المعاصي الظاهرة والباطنة ما حرمنا بسببه من وجود لذة الطاعة والعبادة كما وجد السلف ﵃. وقال شيخ الإسلام: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة. وكان يقول: ما يفعل بي أعدائي؟ أنا جنتي معي، بستاني في صدري، إن سجني خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله. ولما سجن في القلعة نظر من خلف الباب وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. وكان تلميذه العلامة شيخ الإسلام ابن القيم يقول: كنا إذا ضاقت بنا الأمور واشتدت بنا الأحوال نلقاه فما أن نراه إلا يذهب كل ذلك عنا وينقلب انشراحاً وفرحاً، ولقد كان من أطيب الناس عيشاً مع ما كان فيه من شدة العيش وخلاف الرفاهية، كانت نضرة النعيم تلوح على وجهه. فالحمد لله الذي فتح لعباده باباً إلى جنته فأتاهم من ريحها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، وهم ما يزالون في دار العمل. وشيخ الإسلام تجاوز الستين سنة وما وجد حياة الراحة والاستقرار حتى يتزوج، بل كان من سجن إلى سجن ومن معركة إلى معركة ومن مناظرة إلى مناظرة، لم يفرغ يوماً حتى يتزوج زوجة حسناء، أو يملك سرية حسناء، ولا سعى خلف دينار ولا درهم ولا سعى لمنصب، فكانت حياته كلها بذل لله وعبودية لله ، فكيف وجد سعادة الإيمان وحلاوة طاعة الله الرحمن؟ بل كيف يجد من رآه حلاوة الإيمان؟ وكيف ينشرح صدر من رآه من أتباعه من المؤمنين والأولياء الذين رؤوا ذكر الله؟ ورد عن أيوب السختياني سيد شباب أهل البصرة من التابعين: أنه كان إذا دخل السوق ورأوه هللوا وسبحوا وكبروا، أي: لما يرون عليه من آثار الطاعة والعبادة. فالم

стр. 251

حاجة البشر إلى الإسلام الإسلام حاجتنا إليه أكثر من حاجتنا إلى هذا الهواء الذي نتنفسه، فقد تمكث يوماً أو أياماً بغير طعام ولا شراب ولكن هل تستطيع أن تبقى دقائق معدودة بغير أن تتنفس الهواء؟ فالإسلام كهذا الهواء الذي ينشرح به الصدر، والذي تكون به الحياة، كما قال : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] فالمؤمن منشرح الصدر بالإسلام، كما ينشرح الصدر بالهواء بل أعظم وأجل. وقال الله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] والذي يصعد في السماء يختنق؛ لأن ضغط الجو في طبقات الجو العليا يخف وتقل نسبة الأوكسيجين فيختنق من يصعد في السماء، فكذلك من حرم من الإسلام ومن دين الملك الديان فإنه يختنق، لا أقول: يختنق جسده، بل يختنق قلبه ويخسر الدنيا والآخرة، وتضيع عليه مصالحه في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يمتعنا بنعمة الإيمان، وأن يرزقنا حلاوة الإيمان، وأن يختم لنا بخير وعافية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 252

سبب فلاح العبد وسبب شقائه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: عباد الله! لما خلقت القلوب لمعرفة علام الغيوب وغفار الذنوب صارت سعادتها في طاعة الله وفي عبادة الله وفي توحيد الله ، فإذا تعلق القلب بغير الله فالتعاسة والشقاء: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش). والقلب لو كان فيه غير الله يشقى بذلك شقاءً لا يرجى له فلاح، حتى يعرف الله ، وحتى يتعلق بالله تعلق المحب المضطر، فكما خلقت العين للإبصار والأذن للسماع واللسان للتحدث والذوق خلق القلب لمحبة الله ومعرفة الله ، فإذا خلا من حب الله وطاعته فهو كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء والجسد الميت، فلا سعادة للعباد إلا في طاعة الله وفي تحقيق كمال العبودية لله . يقول النبي ﷺ : (ما أصاب عبد قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي وحزني؛ إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً). لما خلقت القلوب لمعرفة علام الغيوب وتوحيد علام الغيوب وغفار الذنوب صار علاج القلوب كذلك في التوحيد، فالقلوب لا تصلح إلا بالتوحيد، فمن أصيب بهم أو غم أو حزن والهم: ما يصيب القلب عند انتظار مكروه في المستقبل، والغم: ما يصيب القلب عند المصيبة الحاضرة، والحزن: هو الأثر الباقي في القلب نتيجة لمصيبة سالفة. والقلوب تصاب بضعف التوحيد، وإلا فلو كانت دائماً مقبلة على الله موحدة لله فلن تجد شيئاً من ذلك، بل تجد السعادة باستمرار وتجد حلاوة الأنس بالله ، ونحن في أنفسنا شاهد على ذلك، فليس منا أحد فعل الطاعة ولم يفعل المعصية، وليس منا أحد لم يذق طعم الطاعة، فنحن جميعاً جررنا الطاعة والمعصية، فكم أطعت الله فوجدت أنساً في قلبك وحلاوة في قلبك، وإقبالاً على الله وفرحاً بالله ! وكم خذلت ووقعت في المعصية أو الغفلة فوجدت الوحشة والضنك والشقاء! فالقلوب أسعد ما تكون إذا أقبلت على الله ، فالقلوب لا تصل إلى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة. ونكتة المسألة: إذا سلم القلب قربه الله وأدناه، فيسعد بالله ، ويأنس بالله ، ويستغني بالله ، وإذا فعل العبد المعصية طرده الله عن حضرته وأبعده بقدر جريمته، فيجد الوحشة بينه وبين الله وبينه وبين عباد الله المؤمنين. فسعادة القلوب في قربها من الله ، وفي إقبالها على الله ، فإذا أصيب القلب بشيء من الهم أو الغم أو الحزن فعلاجه أن يعود إلى التوحيد، وأن يجدد توحيده للرب العزيز الحميد المجيد، وأن يقف العبد ذليلاً على ذات ربه العزيز ، ويقول: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك. فهو ليس عبد ابن سيد، ولكنه عبد وابن عبد وابن أمة، فالعبودية متأصلة فيه. وقوله: (ناصيتي بيدك) فيه إقرار منه بتمام الخضوع لربوبية الله ، فمن كمال ربوبية الله أن الله تعالى أذل جميع الخلق وقهر جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، كما قال : ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير، يملك نواصي العباد ويملك قلوب العباد، يصرف قلوب العباد كيف يشاء، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] فالله لو شاء أن يهدي كل الخلق لهداهم بكلمة واحدة، ولكن كيف تكون الدعوة إلى الله ؟ وكيف يوجد الدعاة إلى الله ؟ فالله قادر على هداية جميع الخلق دون خطب ودون دروس ودون كتب وأشرطة، ولكن الله يريد أن يبذل الدعاة إلى الله ، كما أن الله قادر على أن يهلك روسيا وأمريكا وسائر الملل الكافرة، وأن يدمر اليهود تدميراً بصيحة واحدة من جبرائيل تهلكهم عن آخرهم، ولكن كيف يكون البذل؟ وكيف تكون التضحية؟ وكيف تظهر آيات الجهاد والبذل لإعلان دين الله ؟ وكيف يتخذ الله من يشاء من الشهداء؟. فالله هو رب الناس، أي: يربيهم ويملك أمورهم، وهو الذي قهرهم ودبرهم كيف أراد: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْت

стр. 253

التوسل بأسماء الله وقوله: (ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك) هذا فيه توسل مشروع بأسماء الله الحسنى، والله هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء الحسنى؛ لأن من علامة النقص والفقر والحاجة أن يحتاج العبد إلى من يسميه، والله غني ومن سواه فقير إليه، وقد عاب الله الآلهة الباطلة فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣] فهم فقراء يحتاجون إلى من يسميهم، والله هو الذي سمى نفسه بالأسماء الحسنى، فأنزل بعضها في بعض كتبه، وعلم بعضها بعض خلقه، واستأثر الله بعلم بعضها. وهذا يدل على أن لله أسماء لا نعرفها ولم يعرفها أحد من خلق الله . وقوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك) هذا لا ينافي قول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر) أي: من جملة أسماء الله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة. وهذا يدل على أن هذه الأسماء من الأسماء التي علمها الله لبعض خلقه، أو نزلت في كتاب الله ، أو جاءت في سنة رسول الله ﷺ ، وليس معنى ذلك أن الله ليس له إلا هذه الأسماء، وهذا -كما قال شيخ الإسلام - شبيه بقول النبي ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض) أي: من جملة درجات الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. وهذا الفهم كذلك موافق لقول الله : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] فالله يعلم ولا يحاط به علماً، فنحن لا نعرف كل أسماء الله ؛ لأن هذا إحاطة بعلم الله أو إحاطة علم بالله . فالله يعلم ولا يحاط به علماً؛ لعظمة الله ، كما أنه يرى في الآخرة ولا يدرك، يرى كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث ولكنه لا يدرك، كما قال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لعظمة الله ، والإدراك فوق الرؤية، كما قال : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] فحصلت الرؤية ولم يحصل الإدراك؛ لأن الإدراك هو: الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه. سئل ابن عباس عن قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وعن قوله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]؟ فقال للسائل: سوف أضرب لك مثلاً من خلقه، قال: أفترى السماء؟ قال: نعم. قال: أفتدركها؟ قال: لا، قال: الله أعظم وأجل. فالسماء خلق من خلق الله ، كم فيها من المجرات ومن النجوم ومن الكواكب؟ وما هي أحجامها وأبعادها؟ وما هي مساراتها؟ كل ذلك لا يستطيع العبد عندما ينظر إلى السماء أن يحيط علماً بها، وهي خلق من خلق الله ، فكيف بالله وهو فوق كل شيء وأكبر من كل شيء؟ فهو يعلم ولا يحاط به علماً، كما أنه يرى في الآخرة ولا يدرك. قال ﷺ : (أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي وحزني) فالقرآن مثله كمثل الربيع - أي: المطر - والمطر ينزل نزولاً واحداً على الأرض، والأرض تختلف، فهناك أرض طيبة إذا نزل عليها المطر اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فتثمر الثمار اليانعة، كذلك القلوب الطيبة التي ينزل عليها القرآن تثمر الأحوال الحسنة والمعاني الطيبة والأعمال الصالحة، وهناك قلوب لا تزداد إلا شكاً واضطراباً. قال : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وهمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم إنا نسألك أن تقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا

стр. 254

الإخلاص والمتابعة شرطان لقبول العمل رضا الله تعالى عن العبد هو المقصود الأول من العبادة والعمل، ولا يبلغ العبد درجة الرضا عنه إلا بما كان خالصاً له تعالى من الأعمال موافقاً لسنة النبي ﷺ ، فإن أتى بما ينقضه هذان الأمران أو أحدهما فعمله مردود وجهده هباء منثور.

стр. 255

شرطا قبول العمل إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً. ثم أما بعد. قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ونشر لها ديوانان: لم وكيف؟ أي لم فعلت هذا الفعل؟ وهل أردت به وجه الله وحده أم أشركت معه غيره؟ وكيف فعلت هذا الفعل؟ وهل هو مطابق لسنة النبي ﵌ أم هو من البدع المحدثات؟ وكل بدعة ضلالة. فيشترط لقبول العمل شرطان: الشرط الأول: الإخلاص. الشرط الثاني: متابعة سنة النبي ﷺ . دل على هذين الشرطين قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. فالعمل الصالح هو الموافق لسنة النبي ﷺ . وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: يكون هذا العمل صادراً عن إخلاص. وقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥]، فإسلام الوجه هو إخلاص القصد والنية، والإحسان هو متابعة سنة النبي ﷺ . وقال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]. لم يقل الله : أكثر عملاً، بل قال: ((أحسن عملاً)). فالامتحان في حسن العمل وليس في كثرته. قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل. فهذان شرطان لقبول أي عمل، فينبغي للعبد أن يوفر هذين الشرطين: الإخلاص، والمتابعة.

стр. 256

الإخلاص قيل في تعريف الإخلاص: هو إفراد الله بالقصد في العبادة، أي: أن يعمل العبد العمل لا يريد به إلا وجه الله . وقيل: هو تجريد قصد التقرب إلى الله من جميع الشوائب. وقيل: هو نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. هذه معاني الإخلاص. وقد يظن ظان بأن الإخلاص أمر يسير يتيسر لكل عبد في كل حال، في حين أن العلماء يقولون: تخليص النيات على العمال أشق عليهم من جميع الأعمال. وقال بعضهم: إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز. وقيل للإمام سهل: يا أبا محمد! أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص؛ إذ ليس لها فيه نصيب. فالنفس تحب الظهور والمدح والرياسة، وزينت لها الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فحتى يتيسر للعبد الإخلاص وتختم به أعماله ينبغي عليه أن يقطع حب الدنيا من قلبه، وأن يملأه بحب الله ، فيكون المحرك له من داخله محبة الله وإرادة الدار الآخرة، فعند ذلك يتيسر عليه الإخلاص، وأما غيره فباب الإخلاص مسدود عليه إلا في النادر. قال ابن عمر ﵄: لو أعلم أن الله يقبل مني سجدة بالليل وسجدة بالنهار لطرت شوقاً إلى الموت، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. فالإخلاص من أشد الأشياء على النفس. وقال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] فكل عمل كان بإرادة غير الله مشوباً مغموراً يجعله الله يوم القيامة هباءً منثوراً. وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]. وقال : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، أي: لا يقبل الله إلا الدين الخالص. وقيل للنبي ﷺ : (أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر - أي المدح - فما له؟ قال: لا شيء له، فأعادها السائل عليه ثلاث مرات، ويقول رسول الله ﷺ : لا شيء له. ثم قال ﷺ : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه). وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) أي أن العمل مهما كان موافقاً للسنة فإنه لا يُقبل إلا بتوفر النية الصالحة. وقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) يخص الطاعات والمباحات دون المعاصي، فإن المعصية لا تصير طاعة بالقصد الصالح والنية الصالحة، ولكن العمل المباح تقوى النية الصالحة على رفعه إلى درجة الطاعات، فيمكن للعبد أن يتاجر بمباحاته مع الله ، فالنية الصالحة ترفع رتبة المباح فتجعله من القربات والطاعات، ولكن لا تقوى النية الصالحة على أن تقلب البدعة سنة أو تقلب المعصية طاعة. هذا الشرط الأول من شرطي قبول العمل، وهو الإخلاص.

стр. 257

المتابعة الشرط الثاني: وهو متابعة سنة النبي ﷺ ، دل على هذا الشرط قوله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فكل عمل لا يندرج تحت الشريعة ولا تكون شريعة النبي ﷺ حاكمة عليه بالصحة فهو مردود على فاعله وغير مقبول مهما كانت نية صاحبه؟ فمن عمل عملاً لا يندرج تحت الشريعة ولم تكن شريعة النبي ﷺ حاكمة عليه بالصحة فهو رد، بمعنى مردود. وقال النبي ﷺ : (إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). وقال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة). فخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع قال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وقال الإمام مالك: الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك. قال الحسن البصري: ادعى ناس محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. وقال بعضهم: قال بعض الصحابة: نحن نحب ربنا حباً شديداً، فأحب الله أن يجعل لحبه علامة، فأنزل قوله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. قال ابن شوذب: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوفقه الله إلى صاحب سنة يحمله عليها. فمن فضل الله على الشاب إذا سلك طريق العبادة أن يوفق إلى صاحب سنة يحمله على سنة النبي ﷺ ؛ لأن العبد في طريق تعبده يكون فارغ القلب ليس عنده علم يكشف له حقائق الأمور، ويميز به بين الحق والباطل، وبين البدعة والسنة، فإذا وفِّق لصاحب سنة حمله على السنة، وقد يوفق لغير ذلك، فيُحمل على غير ذلك، كما قال بعضهم: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا ودخل المعتمر بن سليمان على أبيه وهو منكسر فقال: ما لك؟ قال: مات أخ لي، قال: مات على السنة؟ قال: نعم، قال: وتحزن عليه؟! وقال سفيان الثوري ﵀: لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بمتابعة السنة. وقال الحسن البصري: السنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا. وقد بشّر النبي ﷺ ببقاء طائفة ظاهرة على الحق ترفع راية السنة وتقيم الحجة على سائر الخلق، فقال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) فلا يأتي على أمة النبي ﷺ زمان تُحرّف فيه الكتب ويضل الناس ويضيع الحق في الأمة كما أتى على اليهود والنصارى، بل لا بد أن تبقى طائفة مستمسكة بالسنة، ترفع رايتها وتُقيم الحجة على سائر أهل زمانها، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الكتاب والسنة، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 258

فضل العلم والعلماء دل الكتاب والسنة والإجماع على فضل العلم وأهله، ومن ذلك أن الله سبحانه يرفع الذين أوتوا العلم درجات، وأن الله تعالى يسهل الطريق إلى الجنة لطالب العلم، وأن العلماء ورثة الأنبياء، والشهداء لله بتوحيده، فنسأل الله أن يسلك بنا سبيل العلماء العاملين.

стр. 259

بيان فضل العلماء وشرفهم

стр. 260

أدلة فضل العلم والعلماء من الكتاب إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: دلت الأدلة كلها من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على فضل العلم والعلماء، فمن ذلك قوله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، فدلت هذه الآية على فضل العلم والعلماء من أوجه: الوجه الأول: أن الله استشهد العلماء دون سائر الخلق. والوجه الثاني: أن الله قرن شهادة العلماء بشهادته وشهادة ملائكته. الوجه الثالث: أن هذا تضمن تعديل العلماء كما ورد في الأثر، وروي موصولاً إلى النبي ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)، فتضمن استشهاد الله بالعلماء تعديلهم. الوجه الرابع: أن الله استشهدهم على أجل مشهود عليه، وأعظم مشهود عليه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله. ومما يدل على فضل العلم كذلك: أن الله أمر نبيه بأن يطلب مزيداً من العلم فقال : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. من الأدلة كذلك: قوله عزوجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، فالله يرفع أهل الإيمان وأهل العلم درجات، وهذه الدرجات ليست في الآخرة وحدها، بل هي درجات في الدنيا والآخرة، كما أرسل وهب إلى مكحول يقول له: أما بعد: فقد بلغت بظاهر علمك عند الناس منزلة وشرفاً فابتغ بباطن علمك عند الله منزلة وزلفاً. أي: أن العبد بظاهر العلم من المحاضرات والدروس والخطب والكتب وغير ذلك يرتفع في قلوب الناس؛ لمحبة الناس لدين الله ، ولمحبتهم لله ، ولكن المنزلة عند الله لا تكون إلا بالخشية والإخلاص ومحبته . قال سفيان الثوري: إن هذا الحديث عز، فمن أراد به الدنيا وجدها، ومن أراد به الآخرة وجدها. فطالب علم الحديث لابد أن يرتفع، فمن أراد بذلك الدنيا وجد الرفعة في الدنيا، ومن أراد الآخرة وجد الرفعة في الدنيا والآخرة. وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء. فأشرف الناس وأرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، الذين يعرفون الناس بربهم وبدين الله ، ويحببون الناس في الله وفي دين الله، فهؤلاء أرفع الناس منزلة، وهم الأنبياء والعلماء. وقال الله : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، فما كان الناس لينفروا كافة -أي: يخرج الناس كلهم للجهاد بالسيف والسنان، بل تخرج طائفة تقاتل بالسيف والسنان، وطائفة تتعلم العلم حتى تقيم الحجة بالقلم واللسان، فإذا عادت الطائفة التي نفرت للجهاد علمتها الطائفة القاعدة التي تفقهت وعلمت دين الله . كذلك مما يدل على فضل العلم: أن الله أحل صيد الكلب المدرب أو المعلم، ولم يحل صيد الكلب الجاهل؛ وذلك لشرف العلم: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤]. فلشرف العلم جعل الله صيد الكلب المعلم والمدرب حلالاً؛ لأنه يمسك لصاحبه، أما الكلب الجاهل فصيده لا يجوز أكله؛ لأنه ميتة؛ ولأنه يمسك لنفسه لا لصاحبه.

стр. 261

أدلة فضل العلم والعلماء من السنة من أدلة السنة على شرف العلم وفضله: قول النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها). فالحسد هنا يراد به الحسد الشرعي وهو الغبطة، أما كون المسلم يتمنى زوال النعمة عن أخيه المسلم فهذا حسد مذموم وهو من المعاصي، بل من الكبائر، أما أن يتمنى المسلم ما عند أخيه المسلم دون تمني زوال ما عند أخيه فهذا من الغبطة، فالنبي ﷺ يقول: (لا حسد)، من أراد أن يحسد إنساناً يحصل له به خير فليحسد أحد هذين الرجلين: من عنده مال وسلط على إنفاقه في سبيل الله ، ومن عنده علم فهو يقضي به ويعمل به ويعلمه؛ لأن هذين الصنفين أجورهما متزايدة، ونفعهما متعد إلى غيرهما، فلا يحسد الصوام القوام؛ لأن نفعه لا يتعدى إلى غيره، ولكن يحسد من ينفع الناس، إما بعلمه وإما بماله. كذلك ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فالحديث بمنطوقه من أراد الله به خيراً فقهه في دينه، فإذا وجدنا إنساناً فقه دين الله فنحن نجزم بأن الله أراد به خيراً. والحديث يفهم منه العكس، من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، فالذي ملك الدنيا أو الشهرة لم يرد الله به خيراً؛ لأنه لم يفقهه في الدين، فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين ولا العلم النافع إلا من أحبه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠]. فنحن نجد عند الكفار والعلمانيين والذين يصدون عن سبيل رب العالمين من زينة الدنيا ومن زهرتها أكثر مما عند أهل الإيمان؛ لأن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء. يقول النبي ﷺ كذلك. ويقول النبي ﷺ : (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو ينفق ماله يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأحسن المنازل عند الله، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو آتاني الله مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته وهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله لا يتقي فيه رباً ولا يصل فيه رحماً ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأسوأ المنازل عند الله، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو آتاني الله مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته وهما في الوزر سواء). وأكثر الناس من الصنف الأخير، ليس عنده علم ولا مال، ولكنه يتمنى أنه لو كان عنده مال لعصى بهذا المال، كما يفعل من عنده مال وليس عنده علم. إذاً: الشرف بجملته للعلم وأهله، وهذا مما يدل على شرف العلم وفضله. جاء في السنة: (أن نافع بن عبد الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان -مكان بين مكة والمدينة وهو أقرب إلى مكة- وكان عمر قد استخلفه على مكة فقال له: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا) والمولى يطلق على من كان عبداً وأعتق، ويطلق على المعتق أحياناً. قال: (من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا، قال: استخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض. قال: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله ليرفع بهذا العلم أقواماً ويضع به آخرين). فالعلم يرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك، كما ذكر ذلك إبراهيم الحربي قال: ذهب سليمان بن عبد الملك وابناه إلى عطاء بن أبي رباح، وكان عبداً أسود لامرأة في مكة، وكانت أنفه باقلاء، وذهبوا يسألونه عن مناسك الحج، وكان يصلي، فلما انفتل -أي: انتهى من صلاته- ظل يرد عليهم من خلف قفاه -أي: لا يقبل على الخليفة وابنيه- فقال سليمان بن عبد الملك لابنيه: قوما ولا تنيا في طلب العلم، فلا أنسى ذلنا بين يدي ذلك العبد الأسود. وروى الحربي كذلك، قال: كان عنق محمد بن عبد الرحمن الأوقص داخلاً في بدنه، وكان منكباه -أي: كتفاه- خارجين كأنهما زجان، فقالت له أمه: إنك لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك منهم والمستهزأ به، فعليك بالعلم فإنه يرفعك، قال: فولي قضاء مكة عشرين سنة، أي: أنه طلب العلم حتى صار قاضي مكة عشرين سنة. قال: وكان الخصم إذا جلس أمامه بين يديه يظل يرعد حتى يقوم؛ لما ألقى الله عليه من مهابة العلم. ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أذلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فف

стр. 262

حديث كميل بن زياد إن خير الناس هم القرن الذين بعث فيهم نبينا محمد ﷺ ، ومنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ صهر رسول الله ﷺ وابن عمه، وذو المناقب والفضائل العظيمة، الذي فجر الله على لسانه ينابيع الحكمة بكلمات الصدق والعلم، ومن جملة تلك الكلمات ما أوصى به كميل بن زياد، فقد جمع له في وصيته ما يحتاج إليه في دينه ودنياه، وحثه على طلب العلم وأوصاه بالعمل به، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 263

وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لكميل بن زياد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: روى أبو نعيم في الحلية عن كميل بن زياد قال: أخذ علي بن أبي طالب ﵁ بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر جعل يتنفس ثم قال: يا كميل بن زياد! القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه إن هاهنا علماً لو أصبت له حملة، بلى أصبته لقناً، غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً باللذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والادخار، وليس من دعاة الدين، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته، حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، آه آه شوقاًَ إلى أولئك، وأستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم. فهذا الأثر موقوف على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو من أحسن الآثار معنى، فيقول كميل بن زياد -وهو أحد التابعين-: أخذ علي بن أبي طالب ﵁ بيدي، فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر -أي: صار بالصحراء- قال: يا كميل بن زياد! القلوب أوعية، فخيرها أوعاها -يعني: أحفظها وأنصحها- احفظ عني ما أقول لك. وهذا يدل طالب العلم على أن الحفظ هو رأس مال طالب العلم، اجتهد في حفظ القرآن وما شاء الله من سنة النبي ﷺ ، ومن الأشعار المستحسنة في الزهد والترغيب في الآخرة، والتزهيد في الدنيا، ومن أقوال السلف ومن الكلمات الطيبة، والآثار الطيبة. (أحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني)، قيل: نسبة إلى الرب ، وقيل: نسبة إلى التربية، وقالوا: العالم الرباني هو الذي بلغ الذروة في العلم والعمل والتعليم، كما قال : ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٦٣]. فالأحبار هم العلماء، والربانيون خواص العلماء، الذين وصلوا إلى الذروة في العلم والعمل والتعليم: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩].

стр. 264

الأمور التي تلزم المتعلم ليكون على سبيل النجاة قال: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة. والمتعلم على سبيل النجاة ينبغي له أمران: الأمر الأول: أن يبتغي بتعلمه وجه الله ؛ لما ورد في الحديث: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يطلبه إلا ليصيب به عرض الدنيا، لم يجد عرف الجنة -أي: ريح الجنة- يوم القيامة). فينبغي له أن يبتغي بتعلمه وجه الله . والأمر الثاني: ينبغي له أن يتعلم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسنة، ولا يتعلم علم الكلام أو الفلسفة أو المنطق أو الكيمياء أو غير ذلك من العلوم المذمومة، ولكن يتعلم العلم النافع كما قال بعضهم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وقال بعضهم: كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك فوسواس الشياطين فيتعلم علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ﵃، وحتى يكون على سبيل النجاة عليه أن يتعلم العلم النافع، ويبتغي بتعلمه وجه الله . ثم قال: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق. ليس عندهم بصيرة، وليس عندهم علم، فكلما صاح بهم صائح فإنهم يتبعونه؛ لأنه ليس عندهم من العلم الذي يكشف لهم عن عوار الدعوات، وعن الأهواء والبدع. قال بعضهم: كن عالماً أو متعلماً ولا تكن الثالث فتهلك. فالعبد إما أن يكون عالماً أو متعلماً، ولا يكون الثالث فيهلك.

стр. 265

خطر الجهل وعدم العمل بالعلم ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. شبه قلوبهم الضعيفة الخالية من العلم النافع بالغصن الرطيب الأخضر، الذي كل ما أتت ريح مال معها، إذا أتت ريح من الشمال مال معها، أو من الشرق مال معها، يميلون مع كل ريح، ثم بين سبب حالهم هذا، فقال: لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق. فالجاهل مثل الأعمى، والإنسان إما أن يكون له بصر يبصر به الطريق وما فيه من عقبات، وإما أن يكون أعمى فيمسك بيد بصير. أما إذا كان هو فاقداً للبصر، ولا يمسك بيد بصير فالسلامة نادرة. وقوله: لم يستضيئوا بنور العلم، ليس عندهم بصيرة العلم النافع، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، أي: إلى عالم يهتدون بعلمه. ثم قال: العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة. فالعلم إذا أنفق العبد منه وإذا علمه فإنه يزداد ويثبت في قلب معلمه، فزكاة العلم أمران: العمل به كما قال بعضهم: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. ورد في تفسير هذه الآية الكريمة، أنه من عمل بما علم أورثه الله علم جليلاً، الإنسان إذا تعلم مسألة فعمل بها، فالله تعالى يفتح عليه بمسألة جديدة، فالعلم يزكو بالعمل به، ويزكو كذلك بتعليمه.

стр. 266

فضل العلم ومنزلة العلماء قال: العلم يزكو على الإنفاق، والمال نتقصه النفقة، العلم حاكم -يحكم على الملوك فمن دونهم-، والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها؛ لأن محبة العلم تدعو إلى التعلم، وحب العلماء وحب أهل العلم دين يدان الله به. قال: ومحبة العلم دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته. دخل رجل البصرة، فقال: من سيد هذه القرية؟ قالوا: الحسن البصري فقال بم سادهم؟ قالوا: احتاجوا إلى علمه، واستغنى عن دنياهم. فالعلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة -أي: الذكر الحسن والثناء الطيب- بعد وفاته. قال: وصنيعة المال تزول بزواله. أي: من يتصنع لك من أجل مالك، ومن يحترمك من أجل مالك، ومن يخدمك من أجل مالك، إذا ذهب هذا المال، تذهب الصنائع، ويذهب الاحترام، وتذهب الخدمة كما قال بعضهم: وكان بنو عمي يقولون مرحباً فلما رأوني معسراً مات مرحب ثم قال: العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء. فكم في الدنيا من يملك المليارات، ولا يحس به أحد، ولا يعرفه أحد؛ لأنه يعيش لنفسه، لا ينتفع الناس به، ولم ينفع الناس بعلم نافع ولا بعمل صالح، فكثير من أصحاب الأموال أموات وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، هؤلاء العلماء الذين ملئوا الدنيا علماً، علماء الحديث والفقه والتفسير والعقيدة وغيرهم من علماء الأمة الأعلام، ما فقدنا إلا أعيانهم وأجسامهم، ولكن ذكرهم ومحبتهم، وعلمهم باق يتوارثه الناس، ولا يكاد يمر يوم حتى يذكر الناس الشافعي وأحمد وإسحاق وابن المبارك، وشيخ الإسلام ابن تيمية كأنهم أحياء بين ظهرانينا. قال: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه إن هاهنا علماً. قالوا: يجوز للعالم أن يخبر أن عنده من العلم، لا من أجل التفاخر والتكبر على عباد الله، ولكن من أجل أن يسأله من يحتاج أن يسأل العلماء، ومن أجل أن يستفاد منه ويُتعلم منه، وحتى لا يضيع نفسه، فـ علي بن أبي طالب كان يعين عمر بن الخطاب ﵁، فكان عمر يقول: نعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن. أي: لا يستطيع أن يحل إشكالها أبو حسن علي بن أبي طالب ﵁. فيقول: آه آه إن هاهنا علماً، لو أصبت له حملة. يشتكي وهو في الأزمنة المتقدمة -أزمنة الجيل الأول والثاني- من فقدان طلبة العلم الذين يقومون بحقه. قال: لو أصبت له حملة، بلى أصبته لقناً، غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، أي: يصل إلى أغراضه الدنيوية بالدين، وبإظهار الزهد والورع والعلم. قال: يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده. يتعالى على شرع الله وعلى عباد الله بما حصله من العلم ومن الحجج الشرعية. قال: لا ذا ولا ذاك. فهذان الصنفان الأولان: من يصل إلى أغراضه الدنية الدنيوية بالعلوم الشرعية، والثاني وهو الذي يتعالى ويتكبر على دين الله، وعلى عباد الله. يقول: لا ذا ولا ذاك، أو منهوم باللذات، سلس القياد للشهوات، الذي يلهث خلف الشهوات الدنيوية، فمثل هذا لا يؤهل لوراثة النبوة، ولا يؤهل لطلب العلم، والدعوة إلى الله ، ويقال له: فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد قال: أو منهوم باللذات، سلس القيادة للشهوات، أو مغرم بجمع الأموال والادخار، ليس له هم إلا جمع المال. يقول: ليسوا من دعاة الدين. هؤلاء الأصناف الأربعة: ليسوا من دعاة الدين. قال: كذلك يموت العلم بموت حامليه، وفيه إشارة إلى الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).

стр. 267

صفات العلماء الربانيين ثم شرع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في بيان صفات العلماء الربانيين الذين يقومون بحق هذا الدين وبالدعوة إلى هذا الدين، فيقول: اللهم بك لن تخلوا الأرض من قائم لله بحججه لئلا تبطل حجج الله وبيناته. وفيه إشارة إلى الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). فلا بد أن تكون هناك طائفة من الأمة ترفع راية السنة، وتقيم الحجة على عباد الله، وهؤلاء لا يتركون الساحة خالية، بل الله يوفق لهم من هو مثلهم، ومن يسير على دربهم، ومن يأخذ علمهم، ومن يتناول الراية منهم، فيقول علي ﵁: اللهم بك لن تخلوا الأرض من قائم لله بحججه لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدراً. فهم قليل، ولكنهم هم الأعظم عند الله قدراً: بهم يدفع الله عن حججه وبيناته، حتى يودعوها نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر. أي: علموا الدنيا وحقارتها وزوالها وعلموا الآخرة وبقائها: فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، فصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى. فهم مع الناس ينظرون إليهم ولا يرونهم، يسمعون كلامهم ولا يعونه، ولكنهم بقلوبهم يسبحون مع الأرواح العلوية حول العرش. فاستلانوا ما استوعر منه المترفون من طريق الدعوة إلى الله لأن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فسلكوا طريق الدعوة وتحملوا الصعاب، وبذلوا لإعلاء دين الله . ثم قال: استلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك هم خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، آه آه شوقاً إلى أولئك، وأستغفر الله لي ولك، إن شئت فقم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 268

أقسام القلوب وعلامات مرض القلب الحياة الحقيقية هي حياة القلوب، ولا تكون حياة القلوب حياة سعيدة إلا بامتثال أمر الله واجتناب نهيه، فعلى المسلم أن يسعى إلى صلاح قلبه قبل صلاح جسده؛ فإنه لا ينفع المرء يوم القيامة إلا قلب سليم.

стр. 269

أولوية الاهتمام بحياة القلب على حياة الجسد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: قال النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب)، فالله جعل القلب مع الجوارح كالملك مع الرعية، فإذا صلح الراعي صلحت الراعية، وإذا فسد الراعي فسدت الرعية. وحياة القلب أولى بالاهتمام من حياة الجسد؛ لأن حياة القلب تؤهل العبد لسعادة وحياة طيبة في الدنيا ينقلب منها إلى سعادة أبدية سرمدية في جنة الله . أما حياة الجسد فهي تؤهله لحياة في الدنيا غير منغصة بالمرض. كذلك موت الجسد يقطع عن الدنيا، أما موت القلب فيقطع عن الدنيا والآخرة، ويشقى العبد بذلك أبد الآباد، كما قال بعض السلف: يا عجباً من الناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد!

стр. 270

أقسام القلوب لما كانت القلوب توصف بالحياة وضدها قسم العلماء القلوب إلى ثلاثة أقسام بحسب الصحة والمرض، فقالوا: القلوب ثلاثة: - قلب سليم أو قلب صحيح. - وقلب ميت. - وقلب سقيم أو قلب مريض. وقالوا في تعريف القلب السليم: هو القلب الذي قد صارت السلامة صفة له، فهو سلم من عبودية غير الله ، وأخلص العبودية لله ، فإذا أحب أحب في الله، وإذا كره كره في الله، وإذا أعطى أعطى في الله، وإذا منع منع في الله، ولا تتم سلامة هذا القلب حتى يعقد صاحبه مع الرسول ﷺ عقداً محكماً مبرماً على الائتمام به في جميع أقواله وأفعاله، فهو سلم من عبودية غير الله ، وسلم من اتباع غير رسول الله ﵌. فهذا هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من جاء الله به: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. في مقابل هذا القلب السليم هناك القلب الميت: وهو الذي قد أخلص العبودية لهواه، فإذا أحب أحب لهواه، وإذا كره كره لهواه، وإذا أعطى أعطى لهواه، وإذا منع منع لهواه، فهواه آثر عنده من رضا مولاه، الدنيا تسخطه وترضيه، والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، ينادى إلى الله والدار الآخرة من مكان بعيد فلا يستجيب إلى الداعي ويتبع كل شيطان مريد. فصاحب هذا القلب واقف مع حظوظه وشهواته، لا يلتفت هل هو في رضا الله أم في غضب الله، فهو لا يبالي إذا فاز بحظه وشهوته رضي ربه أم سخط، فهذا هو القلب الميت. وبين القلب السليم -أو القلب الصحيح- والقلب الميت: القلب السقيم أو القلب المريض، وهذا القلب فيه من محبة الله وإيثار الدار الآخرة ما هو مادة حياته، وفيه من إيثار الشهوات ومحبة الدنيا ما هو مادة هلاكه وعطبه، فهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى الدنيا وعاجلها، وهو إنما يجيب أقربهما منه باباً، وأدناهما إليه جواراً، فقد تدعوه إلى الله فيستجيب لك، وقد يدعوه غيرك إلى غير الله فيستجيب له. فالقلب الأول حي لين مخبت واعٍ، والثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى وإما إلى العطب أدنى. ودرجات المريض تختلف، فهناك مريض قريب من السلامة، وهناك مريض مرض الموت المخوف. وهناك تقسيم آخر للقلوب كما روى مسلم عن حذيفة ﵁ قال: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر؛ فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمي، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق فهو للغالب عليه منهما. فقسم حذيفة ﵁ القلوب إلى أربعة أقسام، قال: قلب أجرد. أي: متجرد مما سوى الله ، خالٍ مما سوى الله ، فيه سراج يزهر، يعني: مصباح يضيء، كما قال الله : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨]. قالوا: نور في قلب المؤمن يفرق به بين الحق والباطل، وبين البدعة والسنة، وبين الهدى والضلال، فهذا القلب الأجرد الذي فيه سراج يزهر هو فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلف فذلك قلب الكافر: داخل في غلافه لا يخرج منه كفر ولا يدخله إيمان، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، وقال : ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨]، يدخل القلب في الغلاف ويختم عليه فلا يخرج منه كفر ولا يدخل فيه إيمان، فذلك قلب الكافر. وقلب منكوس فذلك قلب المنافق، كما قال : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء:٨٨] أي: قلب قلوبهم. فالمنافق يشبه قلبه بالإناء المنكوس؛ لأن الإناء المنكوس لا يستقر فيه شيء، ولا تستطيع أن تضع فيه شيئاً، والمنافق يعرف الحق بعقله وقلبه ولكنه لا ينقاد لهذا الحق ولا يرضى بهذا الحق، ولا يستقر هذا الحق في قلبه، فقلبه كأنه مقلوب يقع منه الحق ولا يستقر الحق فيه، قال : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء:٨٨] عرف -أي: بعقله وقلبه- ثم أنكر، أنكر أن يحب الحق، وأنكر أن ينقاد للحق، وأنكر أن يتبع الحق. وقلب منكوس: فذلك قلب المنافق عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمي. وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، وهو للغالب عليه منهما، وهذا هو القلب المريض الذي ذكرنا، ففيه ما يدعوه إلى الله عز و

стр. 271

علامات مرض القلب ينبغي للعبد أن يعرف علامات مرض القلب وعلامات صحة القلب، والمجال لا يتسع لذكر علامات مرض القلب وعلامات صحة القلب، فنقتصر على ذكر علامات مرض القلب، ونؤجل علامات صحة القلب إلى الموعظة المقبلة إن شاء الله تعالى. فمن علامات مرض القلب: أن العبد يتعذر عليه محبة الله وإيثاره ومحبة الدار الآخرة، فيحيا في هذه الدنيا حياة البهائم كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. فهو لا يعرف ربه ، ولا يعبده بأمره ونهيه، لا يعرف الأنس بالله ، ولا يعرف محبة الله ، ولا يعمل للدار الآخرة، بل يعيش ليأكل ويأكل ليعيش، فهو كالبهائم التي ليس لها هدف وليس لها غاية، فهو لا يدري لماذا خلقه الله ؟ وما هي الوظيفة التي يجب عليه أن يقوم بها، فيتعذر عليه ما خلق له، فلا يحيا الحياة التي يحبها الله ويرضاها له حياة العبودية، وكذلك ليس جماداً لا يحس؛ فالجزاء من جنس العمل، فهو أيضاً في الآخرة يدخل النار لا يموت فيها ولا يحيا، لا يحيا حياة يجد فيها راحة، ولا يموت فيفقد الإحساس بالألم: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧] أي: وأمامه عذاب غليظ. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]. وحسب المنايا أن يصرن أمانيا أي: حسب العبد من الرزايا والبلايا أن يصير الموت أمنيته، كما قال بعض السلف: احذر الموت وأنت في هذه الدار قبل أن تصل إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده. العلامة الثانية من علامات مرض القلب: أنه لا تؤلمه جراحات المعاصي، فالجسد الحي يتألم بالجراحة إذا جرح، أما الميت فلا يتألم، وما لجرح بميت إيلام، فهو لا يتألم بالمعاصي. وهذا الألم الذي يحس به المؤمن عندما يقع في المعصية يدعوه إلى التوبة وإلى الرجوع وإلى الاستقامة على طريق الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] أي: تذكروا عظمة الله، وتذكروا توعد الله . ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] للطريق والتوبة والإنابة والرجوع. وقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] فهذا الألم لازم لحياة القلب. هناك بعض الأمراض تفقد الجلد الإحساس، وفقده أخطر شيء على هذا المريض؛ لأن أعضاءه تهلك في مدة يسيرة؛ لأن الإحساس لازم لسلامة الأعضاء، فالإنسان إذا أحس بحرارة النار يسحب يده، إذا أحس بحد السكين يرفع يده سريعاً، ولكن إذا فقدت اليد الإحساس مثلاً فإنها تهلك في مدة يسيرة، كذلك القلب إذا فقد الإحساس فإن العبد يقع في الكبائر والفواحش والمعاصي ويهلك في مدة يسيرة؛ لأنه لا يحس بالمعاصي والكبائر التي يقع فيها. العلامة الثلاثة من علامات مرض القلب: لا يوجعه جهله بالحق، والجهل مصيبة من أكبر المصائب، كما قيل للإمام سهل: أي شيء أقبح من الجهل؟ قال: الجهل بالجهل. وصدق؛ لأن هذا يسد باب العلم بالكلية، فإنسان يكون جاهلاً ويجهل أنه جاهل فمثل هذا لا يقبل التعلم ولا يطلب العلم فيظل في ظلمات الجهل. وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور فالحاصل: أن من علامات مرض القلب أنه لا يتألم بجهله ولا يتألم بما يرد على قلبه من عقائد باطلة ومن فكر خاطئ. العلامة الرابعة من علامات مرض القلب: عدول صاحب هذا القلب عن الأغذية النافعة إلى السموم الضارة، فبدلاً من أن يسمع القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] يستمع إلى الغناء والموسيقى والتمثيليات الهابطة والأفلام الساقطة التي تقتل الغيرة عند الرجال وتضيع حياء النساء، وفيها من الاستهزاء بشرع الله وبعباد الله، وتنبت النفاق، وتجعل الإنسان مستهتراً بالآخرة لا يصلح للخوف ولا يصلح للرجاء ولا يصلح للتوكل، ولا يصلح أصلاً لمحبة الله وعبادة الله . والإنسان مهما سلم قلبه أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله ، كما قال بعض السلف: أحبه إليه أحبه إلي. وروي عن النبي ﷺ -وإن كان السند فيه ضعف-: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ولكن المعنى صحيح، ويشهد له قوله : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَ

стр. 272

علامات صحة القلوب القلب يمرض ولمرضه علامات، كما أنه يصح ولصحته علامات، وصحة القلوب لا تكون إلا في تربيتها على كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ومتى كان ذلك فإن المؤمن يرى علامات هذه الصحة ظاهرة في حياته كلها.

стр. 273

علامات صحة القلب ومحبة الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌ تسليماً. أما بعد: فقد تكلمنا بحمد لله تعالى فيما سبق عن علامات مرض القلب، ونتكلم اليوم إن شاء الله تعالى عن علامات صحة القلب. وعلامات صحة القلب هي كذلك علامات محبة الرب ، كما قال ابن مسعود لرجل: داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم. أي: مطلوبه منهم صلاح قلوبهم. وصلاح القلوب بأن تمتلئ بحب علام الغيوب وغفار الذنوب ، فلا تصلح القلوب إلا بذلك، كما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فكذلك قلوب العباد لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدت بذلك فساداً لا يرجى له صلاح حتى تعرف ربها وتوحده. فالقلب لا يصلح إلا بحب الله وعبادة الله . فما هي علامات صحة القلب ومحبة الرب ؟

стр. 274

كثرة ذكر الله من علامات صحة القلب: كثرة ذكر الله ؛ لأن القلوب -كما قيل- كالقدور وألسنتها مغارفها، فالقلب كالقِدر واللسان كالمغرفة، فإذا امتلأ القلب بحب الله تحرك اللسان بالذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس وغير ذلك. وإذا امتلأ القلب بغير ذلك تحرك اللسان بما يناسبه، فالقلوب كالقدور وألسنتها مغارفها. قال بعض السلف: المحب طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إلى الله بكل سبيل من الوسائل والنوافل دأباً وشوقاً. وقالوا: المحب لا يجد لدنيا لذة، ولا يفتر لسانه عن ذكر الله . فالله تعالى لم يرخص في ترك الذكر في حال من الأحوال حتى عند لقاء العدو، فقد رخص الله الإفطار في رمضان، والقصر الصلاة، ولكنه لم يرخص الله في ترك الذكر، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]؛ لأن الذكر عند الشدة علامة المحبة. قال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم فهو يشير إلى شدة حبه بأنه ذكر محبوبته والرماح في صدر الأدهم -أي: في صدر- فرسه، كالحبال التي تتدلى في البئر.

стр. 275

تعلق القلب بالله تعلق المحب المضطر من علامات صحة القلب: أنه لا يزال يضرب -يعني على صاحبه- حتى يتعلق القلب بالله تعلق المحب المضطر؛ فيأنس بالله ويسعد به، ويستغني بحبه عن حب ما سواه، وذكره عن ذكر ما سواه، وخدمته عن خدمة ما سواه.

стр. 276

إتعاب الجسد في عبادة الله وعدم الملل من علامات صحة القلب: أن يتعب الجسد في الخدمة ولا يمل القلب من ذلك، كما قال بعضهم: وكن لربك ذا حب لتخدمه إن المحبين للأحباب خدام وقال بعضهم: تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، أي: تشقق قدماه، فيقال له: أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: (أفلا أكون عبداً شكورا؟!). بل هو -بأبي وأمي- سيد الشاكرين والصابرين. فمن علامات صحة القلب: أن يتضرر البدن ولا يمل القلب من ذلك، كان النبي ﷺ يواصل الصيام وينهى عن الوصال، وكان الصحابة أصحاب همة عالية في الطاعة والعبادة، فكانوا يسابقون رسول الله ﷺ ، ويواصلون صيامهم، فنهاهم النبي ﷺ نهي شفقة، فقالوا له: (إنك تواصل، فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني). أي: أن ارتفاع أحوال النبي ﷺ الإيمانية، وما يفيض على قلبه من المعارف والأحوال والبركات يجعله يستغني عن كثير من الطعام والشراب. كما قال بعضهم: لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد

стр. 277

حنين العبد إلى خدمة الله أكثر من حنين الجائع إلى الطعام والشراب من علامات صحة القلب: أن يحن العبد إلى الخدمة أكثر من حنين الجائع إلى الطعام والشراب، فمن تعامل مع الله ، ومن سر بخدمة الله وأكثر من طاعته استوحش من ترك الطاعة والخدمة، فهو يود أنه بالليل والنهار في طاعة العزيز الغفار ، فهو لا يستوحش من المعصية وحدها، بل يستوحش من المعصية ومن المباح. نصحت إحدى الصالحات من السلف بنيها، فقالت لهم: تعودوا حب الله وطاعته، فإن المتقين ألفت جوارحهم الطاعة؛ فاستوحشت من غيرها -أي: من المعصية ومن المباح- فإذا أمرهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة، فهم لها منكرون.

стр. 278

بخل العبد بأوقاته وأنفاسه أن تنفق في غير طاعة الله من علامات صحة القلب: أن يبخل العبد بأوقاته وأنفاسه أن تنفق في غير طاعة الله ، وأن يكون بخله بذلك كأشد الناس بخلاً بماله. قال النبي ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له بها نخلة بالجنة). وقال ﷺ (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). ويقول: (من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] حتى يختمها عشر مرات بني له قصر في الجنة). فصاحب القلب السليم الذي يستقبل هذا الكلام استقبالاً سليماً لا يسعه إلا أن يملأ أوقات حياته بذلك، وأن ينفق جميع أنفاسه في طاعة الله ، وأن يبخل بالوقت والنفس في غير طاعة الله، وأن يكون بخله بذلك كأشد الناس بخلاً بماله.

стр. 279

تحسر العبد على فوات الطاعة وتندمه عليها من علامات صحة القلب كذلك: إذا فاته ورده أو طاعة من الطاعات يجد لذلك حسرة أكثر مما يجد الحريص إذا فقد أهله وماله؛ لأن فقدان الأهل والمال خسارة في الدنيا، أما خسارة الآخرة فلا شك أنها أعظم من خسارة الدنيا، فنسبة خسارة الدنيا إلى الآخرة لا شيء، فمن كانت مهنته البيع والشراء وفاتته تجارة الدرهم تجده يعض أصابعه ندماً وحسرة على ما فاته من الربح، فكيف بمن تفوته الجماعة ولا يتألم قلبه، وهو يعلم أن صلاة الرجل في الجماعة تفضل صلاته في بيته وفي سوقه سبعاً وعشرين درجة. فمن علامات صحة القلب: إذا فاته ورده أو طاعة من الطاعات يجد لذلك حسرة أكثر مما يجد الحريص إذا فقد أهله وماله.

стр. 280

جعل العبد همه كله في الله من علامات صحة القلب: أن يجعل العبد همه واحداً، وأن يجعله في الله ، فيكون لا هم له إلا رضا الله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١]. فالمؤمن لا هم له إلا أن يرضي الله ، بخلاف غير المؤمن الذي يرجو الدنيا ووجوه الناس، ويريد أن يرتفع بمستواه المادي وغير ذلك من الهموم، كما ورد عن ابن مسعود مرفوعاً -أي منسوباً إلى النبي ﷺ وموقوفاً -أي من قول ابن مسعود -: (من جعل همومه هماً واحداً كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم دون أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك)، فمن جعل همومه هماً واحداً -أي: رضا الله وطاعته- كفاه الله سائر همومه، ويسر له أموره وساق له الرزق. ومن تشعبت به الهموم دون أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك، كما ورد عن بعض السلف أنه قال: من أحسن سريرته أحسن الله علانيته، ومن أحسن ما بينه وبين الله أحسن الله ما بينه وبين الناس، ومن شغله أمر دينه كفاه الله أمر دنياه. كان النبي ﷺ يقول: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري). وقال عمر ﵁: ما بعثنا زراعين، ولكن بعثنا لنقتل أهل الزرع ونأكل زرعهم.

стр. 281

محبة العبد الخلوة بالله والوحشة من غيره من علامات صحة القلب كذلك: أن يستوحش العبد من الناس إلا ممن يدله على الله ويذكره به، فالإنسان يحب الخلوة؛ لأنه يخلو بالله ، وإذا أحب أحد أحداً أحب أن يخلو به. قيل لأحد العباد: ألا تستوحش وحدك؟ قال كيف ذلك وهو يقول: أنا جليس من ذكرني. ويقولون: الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس، فمن علامات صحة القلب: أن يستوحش من الناس إلا ممن يدله على الله ويذكره به، فيكون كلام الله والكلام عنه سبحانه أحب شيء إلى قلبه.

стр. 282

راحة العبد في صلاته من علامات صحة القلب: أن العبد إذا دخل في الصلاة وجد راحته، كما كان النبي ﷺ يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة). قال: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب)، أي: من أمور الدنيا، ولم تكن عين النبي ﷺ تقر بأمر من أمور الدنيا؛ بل كانت تقر بالصلاة، وهي أم العبادات وسيدة الطاعات، فقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، أي: منتهى راحتي. وكان يقول: (أرحنا بها يا بلال!)، (وكان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة)، فمن علامات صحة القلب: أن يجد العبد راحته في الصلاة، وأن تصير الصلاة هي قرة عينه.

стр. 283

مقت العبد الناس في الله ويخص من ذلك مقته لنفسه من علامات صحة القلب كذلك: أن يمقت الناس في جنب الله، وأن يعود إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً، كما قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يعود إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً. أي: يرى الناس جميعهم مقصرين في حق الله ، ثم يرى نفسه أشدهم تقصيراً، فيمقت الناس في جنب الله، ثم يعود إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً.

стр. 284

اهتمام العبد بصحة العمل أكثر من اهتمامه بكثرته من علامات صحة القلب كذلك: أن يكون اهتمام العبد بصحة العمل أكثر من اهتمامه بكثرة العمل، فإن الامتحان ليس في كثرة العمل، ولكن في صحة العمل، كما قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، ولم يقل: أكثر عملاً، فالاختبار يكون في حسن العمل، ومعناه: توافر شرطي الإخلاص والمتابعة في كل عمل.

стр. 285

محافظة العبد على أعماله الصالحة وعدم إحباطها من علامات صحة القلب: أن يحافظ العبد على أعماله الصالحة، فلا يحبطها بعجب أو رياء أو بمن، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤]، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا قلوباً سليمة، وفطراً مستقيمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
следующие страницы →