Полный текст (481 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
محبة العبد الخلوة بالله والوحشة من غيره
من علامات صحة القلب كذلك: أن يستوحش العبد من الناس إلا ممن يدله على الله ويذكره به، فالإنسان يحب الخلوة؛ لأنه يخلو بالله ، وإذا أحب أحد أحداً أحب أن يخلو به.
قيل لأحد العباد: ألا تستوحش وحدك؟ قال كيف ذلك وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.
ويقولون: الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس، فمن علامات صحة القلب: أن يستوحش من الناس إلا ممن يدله على الله ويذكره به، فيكون كلام الله والكلام عنه سبحانه أحب شيء إلى قلبه.
стр. 282
راحة العبد في صلاته
من علامات صحة القلب: أن العبد إذا دخل في الصلاة وجد راحته، كما كان النبي ﷺ يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
قال: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب)، أي: من أمور الدنيا، ولم تكن عين النبي ﷺ تقر بأمر من أمور الدنيا؛ بل كانت تقر بالصلاة، وهي أم العبادات وسيدة الطاعات، فقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، أي: منتهى راحتي.
وكان يقول: (أرحنا بها يا بلال!)، (وكان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة)، فمن علامات صحة القلب: أن يجد العبد راحته في الصلاة، وأن تصير الصلاة هي قرة عينه.
стр. 283
مقت العبد الناس في الله ويخص من ذلك مقته لنفسه
من علامات صحة القلب كذلك: أن يمقت الناس في جنب الله، وأن يعود إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً، كما قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يعود إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً.
أي: يرى الناس جميعهم مقصرين في حق الله ، ثم يرى نفسه أشدهم تقصيراً، فيمقت الناس في جنب الله، ثم يعود إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً.
стр. 284
اهتمام العبد بصحة العمل أكثر من اهتمامه بكثرته
من علامات صحة القلب كذلك: أن يكون اهتمام العبد بصحة العمل أكثر من اهتمامه بكثرة العمل، فإن الامتحان ليس في كثرة العمل، ولكن في صحة العمل، كما قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، ولم يقل: أكثر عملاً، فالاختبار يكون في حسن العمل، ومعناه: توافر شرطي الإخلاص والمتابعة في كل عمل.
стр. 285
محافظة العبد على أعماله الصالحة وعدم إحباطها
من علامات صحة القلب: أن يحافظ العبد على أعماله الصالحة، فلا يحبطها بعجب أو رياء أو بمن، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤]، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا قلوباً سليمة، وفطراً مستقيمة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 286
فضول الكلام وفضول النظر
نهى الشارع الحكيم عن فضول الكلام وفضول النظر وحذر منهما، فعلى المؤمن أن يتجنبهما؛ لما في تجنبهما من آثار حميدة على الفرد والمجتمع، فبترك فضول الكلام تسود المودة والألفة والمحبة، وبترك فضول النظر تحفظ الأعراض وتصان.
стр. 287
آثار فضول الكلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فقد تكلمنا بحمد الله تعالى في الموعظة السابقة عن علامات صحة القلب، ونحن نحذر في هذه الموعظة من آفتين خطيرتين وهما: فضول الكلام، وفضول النظر.
أما فضول الكلام فقد قال الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
وقال معاذ للنبي ﷺ : (يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم).
وحصائد الألسنة: أن من زرع بلسانه الحسنات حصد الكرامة، ومن زرع السيئات حصد الندامة.
وقال النبي ﷺ : (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده)، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
وهذا كلام جامع من النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، فإن الكلام إذا كان خيراً يكون مأموراً بالنطق به، وإذا كان غير ذلك يكون مأموراً بالصمت عنه.
وقال عقبة بن عامر للنبي ﷺ : (ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك)، فينبغي للعبد أن يضبط لسانه، كما قال بعضهم: يقولون: إن قلب المؤمن أمام لسانه، فإذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره بقلبه ثم أمضاه، وإن لسان المنافق أمام قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بكلام تكلم به ولم يتدبره بقلبه.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: والذي لا إله إلا هو ليس شيء أحوج إلى طول سجن من لسان.
وقال النبي ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).
(ما بين لحييه) أي: لسانه، (وما بين رجليه) أي: فرجه.
وهذا يدل على أن أعظم فتنة افتتن بها العباد فتنة اللسان وفتنة الفرج.
كذلك قال النبي ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)، فالعبد يتكلم بكلمة لا يتدبرها ولا يدري هل هي من الخير أم من الشر، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب.
قال العز بن عبد السلام: هي الكلمة عند السلطان الجائر، أي: التي يقر بها سلطاناً جائراً على جوره وظلمه.
فإن قلت: ما هذا التحذير من آفات اللسان؟ ف
الجواب
بأن الكلام أربعة أقسام: منه ما هو خير محض، ومنه ما هو شر محض، ومنه ما هو فيه خير وفيه شر، ومنه ما ليس فيه خير ولا شر.
فإذا كان الكلام شراً محضاً فيجب الصمت عنه، وإذا كان فيه خير وفيه شر فيجب أيضاً الصمت عنه؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع.
وإذا كان الكلام ليس فيه خير وليس فيه شر فالذي يتعين أيضاً الصمت عنه؛ لأن التكلم به نوع فضول وهذا من آفات اللسان.
فيبقى ربع الكلام -فقد سقط ثلاثة أرباعه- وهو ما فيه خير محض، والعبد كذلك في خطر من الرياء ومن تزكية النفس ومن العجب وغير ذلك.
فإذا كان ثلاثة أرباع الكلام ينبغي على العبد أن يصمت عنه، والربع الرابع فيه خطر، فهذا يدل على خطر اللسان.
وأخف آفات اللسان: الكلام فيما لا يعني وفضول الكلام هو: الزيادة على قدر الحاجة، ومع ذلك قال النبي ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، أي: من حسن إسلامه ترك ما لا يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة، فلا يحسن إسلام المرء حتى يترك ما لا يعنيه بحكم الشرع لا بحكم الهوى، مع أن ذلك من أخف آفات اللسان.
ولذلك قال بعض السلف: إن من علامة إعراض الله عن العبد وخذلانه له أن يجعل شغله فيما لا يعنيه، يعني: تجده مشغولاً بالحكايات والقصص، ورواية أخبار الناس وأصحاب المال وأصحاب الجاه، وكلام لا يعود عليه بخير لا في الدنيا ولا في الآخرة.
فهذه أخف آفات اللسان وهي الكلام فيما لا يعني، ومع ذلك من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.
وقالوا: من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق.
قال عطاء بن أبي رباح: كان من كان قبلكم يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، أو أن تتكلم في حاجتك بقدر الحاجة، ألا تعلمون أن عليكم كراماً كاتبين: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨]، أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.
فينبغي للعبد أن يملي ملائكة الله ما يبيض به وجهه يوم القيامة، فحين يصبح يقول أذكار الصب
стр. 288
آثار فضول النظر
الآفة الثانية: فضول النظر.
فقد قال الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
فالله أمر بغض البصر وحفظ الفرج؛ لأن غض البصر وسيلة إلى حفظ الفرج، كما قال بعضهم: ألم تر أن العين للقلب رائد فما تألف العينان فالقلب آلف القلب يرسل العينين رسولاً، فما ألفت العينان ألفه القلب.
(سئل النبي ﷺ عن نظر الفجأة؟ فقال: اصرف بصرك)، ونظر الفجأة أن يقع نظر المسلم على ما يحرم النظر إليه، وهذه النظرة لا يحاسب عليها؛ لأنه لا نية له فيها، ولكن الواجب عليه أن يصرف بصره، وألا يتبع النظرة النظرة.
قال النبي ﷺ : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة: فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واللسان يزني وزناه الكلام، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه).
فسمى النبي ﷺ إطلاق البصر زنا العينين؛ تنفيراً من هذه المعصية.
لإطلاق البصر آفات كثيرة من هذه الآفات: أنها مخالفة لأمر الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وما استجلب العبد نفعاً في الدنيا والآخرة بمثل امتثال أوامر الله ، ولا استجلب ضرراً ولا خطراً بمثل مخالفة أوامر الله ، فغض البصر استجابة لأمر الله .
من آفات إطلاق البصر كذلك: أن العبد إذا أطلق بصره انطفأت بصيرته، وفقد نور البصيرة؛ ولذلك قال الله بعد آيات غض البصر: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، فالإنسان إذا أطلق بصره أظلم قلبه، وإذا أظلم القلب أقبلت عليه سحائب الشر والبلاء من كل جانب، فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى.
أيضاً من آفات فضول النظر: أن العبد إذا أطلق بصره فإنه يسمح للسهم المسموم أن يدخل إلى قلبه، كما ورد في المسند: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه)، وإذا دخل هذا السهم المسموم فإن الشيطان يدخل خلف السهم أسرع من دخول الهواء إلى المكان الخالي؛ من أجل أن يزين صورة المنظور إليه، ومن أجل أن يجعله صنماً يعكف عليه القلب، ثم يوقد نار الشهوة، ثم يحرك الجوارح بعد ذلك إلى المعصية: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على خطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور جاء بالضرر كذلك الناظر يرمي بسهام غرضها قلبه: يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له توقّه إنه يأتيك بالعطب وإطلاق البصر يورث الحسرات والزفرات، فيرى ما لا يقدر عليه ولا يصبر عليه، كما قال بعضهم: وكنت متى أطلقت طرفك يوماً رائداً لقلبك أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر والنظرة تجرح القلب جرحاً، وتستلزم أن يعيد النظرة، ولا يمنع هذا الجرح القلب من أن يعيد النظرة مرة ثانية فيزداد القلب جرحاً على جرح، كما قال بعضهم: ما زلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كل مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في التحقيق تجريح على تجريح فقتلت قلبك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وغض البصر يورث الفراسة وإطلاق نور البصيرة، وإطلاق البصر يفقد الفراسة كما قال شاه بن شجاع الكرماني: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره، واجتنب الحرام، لا تخطئ له فراسة، وكان شاه بن شجاع هذا لا تخطئ له فراسة.
فإطلاق البصر يفقد العبد الفراسة، وغض البصر يجعل للعبد الفراسة.
أيضاً: إطلاق البصر يوقع العبد في الداء الذي هو بلا عوض، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: العشق داء بلا عوض.
فهو الكأس الذي من شرب منه أصيب بهذا الداء الذي لا يؤجر في الصبر عليه، ويعيش أشقى الناس، كما قال بعضهم: وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذا
стр. 289
صفات عباد الرحمن
لقد خلق الله الخلق واصطفى منهم بحكمته من يشاء، وفاوت بين أعمالهم في الدنيا كما فاوت بين درجاتهم في الجنة، وشرف بعضهم فأضاف عبوديتهم إليه، وذكر طرفاً من صفاتهم العظيمة في سور من كتابه الكريم.
стр. 290
عباد الرحمن يمشون بسكينة ووقار ويعرضون عن الجاهلين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد: قال : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٦٤ - ٧٧].
هذه الآيات الكريمات من خواتيم سورة الفرقان، يبين الله فيها صفات عباد الرحمن الذين شرفهم بنسبتهم إليه فيقول: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا))، أي: بسكينة ووقار، وبغير تجبر ولا استكبار.
وليس معنى ذلك: أن يسير المسلم بضعف وتمارض، فقد كان سيد عباد الرحمن يسير بقوة وكأنما الأرض تطوى له، وكأنما ينحط من صبب.
ورأى عمر ﵁ شاباً يسير متضاعفاً فقال له: أأنت مريض؟ قال: لا.
فعلاه بدرته وأمره بأن يسير بقوة.
((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا))، فهم لا يجهلون على الجاهل بمثل جهله، كما قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] بعد أن قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]، فعباد الرحمن لا يجهلون على الجهال، ولا يسفهون على السفهاء: ((وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)).
стр. 291
صفة ليل عباد الرحمن ونهارهم وخوفهم من الله
ثم وصف ليلهم فقال: ((وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)).
وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧].
إذا ما الليل أقبل كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع وبعد أن وصف ليلهم ونهارهم، وأن ليلهم خير ليل، ونهارهم خير نهار، قال : ((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا))، فهم على الخوف من الله ، فيدعون الله بأن يصرف عنهم عذاب جهنم، فهم في النهار في سكينة ووقار وبغير جبرية ولا استكبار، كما قال الحسن البصري: إن المؤمنين قومٌ ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم والله الأصحاء، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في قلوبهم شيء طلبوا به الجنة، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة في غير مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه.
والحسن البصري ﵀ قيل: كان كلامه يشبه كلام الأنبياء.
فعباد الرحمن ليلهم خير ليل، ونهارهم خير نهار، ومع ذلك هم على الخوف يقولون: ((رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا)) أي: ملازماً.
((إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)) أي: بئس المقام منظراً، وبئس المقيل مقيلاً.
стр. 292
عباد الرحمن يقتصدون في الإنفاق ويجتنبون الموبقات
((وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)): وصف حالهم في الإنفاق، وكيف أنهم وسط، فهم لا يبخلون على أهليهم، وكذلك لا يبسطون أيديهم كل البسط، فهم وسط في باب النفقة.
ثم بين بأن عباد الرحمن ليسوا معصومين من الذنوب، ولكنهم لشرفهم لا يقارفون الكبائر، كما أنهم كذلك لا يصرون على الصغائر، فقال: ((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ))، لا يتدنسون بالشرك بالله ؛ لأنه أعظم الذنوب، أن تجعل لله نداً وهو خلقك: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ))، وقتل النفس التي حرم الله أكبر الذنوب بعد الشرك بالله لذلك ذكرها بعد قوله: ((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)) ويلي ذلك الزنا ((وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)) قيل: أودية في جهنم يعذب فيها الزناة.
((يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)) * ((إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)) أي: من تدنس بشيء من هذه الكبائر ثم تاب وأناب واستقام على طاعة الله ؛ فإنه بذلك يدخل في جملة عباد الرحمن، ولا تمنعه هذه الكبائر التي تاب منها وأناب واستقام على طريق الله من أن يدخل في جملة عباد الرحمن: ((إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)).
((وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا))؛ أي: توبة حقة والتي يعقبها العمل لصالح.
ثم بين أن من صفات عباد الرحمن: أنهم لا يشهدون الزور، كما قال النبي ﷺ : (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قالوا: ليته سكت).
وقيل: الزور هو الباطل.
وقيل: أعياد المشركين.
وقيل: الغناء.
وقيل: اللغو.
((وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)) * ((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا))، كما قال بعض السلف: كم ممن يسمع هذه الآية فيخر عليها أصم أعمى.
أما المؤمن فيتدبر ويزداد إيماناً، ويتفكر في كلام الله .
стр. 293
حرص عباد الرحمن على أهلهم وولدهم أن يكونوا على الطاعة
((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا))؛ أي: أن من صفات عباد الرحمن أنهم يحبون أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أبنائهم، ويحبون أن يروا أقرب الناس إليهم في طاعة الله ؛ لأن المرء يحب الخير لأقرب الناس إليه، فيقول الحسن البصري: هو أن يري الله العبد المؤمن الطاعة في زوجته وفي ولده وفي حميمه، والله ما من شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجة صالحة، أو ولداً صالحاً، أو حميماً أو صديقاً صالحاً، فهذا أقر شيء لعين المؤمن، أن يرى طاعة الله عزوجل في زوجته وفي أولاده.
((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا))؛ أي: أئمة يقتدى بنا في الخير، حتى يتضاعف الثواب ويعظم الأجر.
((أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ)) فهذا خبر لقوله: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ)) الذين وصفوا بهذه الأوصاف السالفة: ((أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ))؛ أي: الدرجة العالية في الجنة بما صبروا.
((وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا)) * ((خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)) * ((قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ)) يعني: لولا عبادتكم ((فَقَدْ كَذَّبْتُمْ)) يعني: مشركي مكة، ((فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا)) أي: ما وعد الله به من نصر الإسلام وأهله، وقد صدق الله وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.
نسأل الله تعالى أن يشرفنا بأن يجعلنا في جملة عباد الرحمن.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 294
شرف التقوى
التقوى مرتبة في الإيمان عظيمة، وهي وصية الله للأولين والآخرين، فينبغي للمؤمن أن يسعى إلى تحقيقها والتجمل بها حتى يكون من أهلها الذين استحقوا مغفرة الله .
стр. 295
حقيقة التقوى وفضلها وأهلها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فالتقوى مثل كنز عزيز لئن ظفرت به فكم تجد فيه من خير عميم ورزق كريم، فكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت في خصلة واحدة، وهذه الخصلة هي تقوى الله .
اختلف الناس في تعريف التقوى: فقال بعضهم: التقوى: هي العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل.
وقال بعضهم: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
وقال بعضهم: التقوى: هي علم القلب بقرب الرب.
وأحسن من ذلك تفسير النبي ﷺ للإحسان في حديث جبريل قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
أي: أن التقوى هي الإحسان وهي المراقبة، وهي أن تعبد الله كأنك تنظر إليه.
وكان السلف يعبدون الله على المشاهدة، كما روي أن عروة بن الزبير خطب من ابن عمر ابنته في الطواف، فلم يرد عليه ابن عمر، فلما انتهى من الطواف اعتذر إليه وقال: كنا في الطواف نتخيل الله بين أعيننا.
قال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فالذين عبدوا الله بالإحسان وبدرجة التقوى لهم الحسنى، وهي الجنة، ولهم الزيادة، وهي النظر إلى وجه الله .
فيقول النبي ﷺ : (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أي: فإن لم تصل إلى درجة أنك تعبد الله كأنك تراه فهناك درجة هي أدنى من هذه الدرجة توصل إليها، وهي أيضاً من الإحسان، وهي أن تعبد الله وأنت تعتقد أنه يراك، فأنت كذلك تحسن العبادة لله .
لقد دلت الأدلة كلها على شرف التقوى، قال الله : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، فلو أن هناك خصلة أجمع للخير العاجل والآجل من تقوى الله لأوصى الله بها الأولين والآخرين، فالتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين، والتقوى هي وصية النبي ﷺ عندما نصح الأمة ووعظها موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون: (فقالوا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله ، فلما أحس الصحابة بخطر الموعظة وحلاوتها قالوا: (كأنها موعظة مودع) يعني: المودع يبذل جهده ويستفرغ وسعه في النصيحة فقالوا: (كأنها موعظة مودع يا رسول الله! فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله).
وقال ﷺ : (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).
فالتقوى هي وصية السلف الصالح من هذه الأمة، كما روي أن عمر بن عبد العزيز أوصى رجلاً فقال: عليك بتقوى الله، فإنه لن يقبل غيرها، ولن يرحم إلا أهلها، وإن العاملين بها قليل، والناصحين بها كثير، فكل واعظ وكل خطيب وكل ناصح ينصح بتقوى الله ولكن العاملين بتقوى الله قليل.
وقال بعضهم: عليك بالتقوى، فإنها من أزين ما أظهرت، وأحسن ما أسررت.
والتقوى هي وصية الأنبياء الكرام لأقوامهم، كما قال : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٤].
وقال : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٧٧].
وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ١٠٦].
فكل الأنبياء الكرام أوصوا أقوامهم بتقوى الله ، ولا شك في أن الأنبياء هم أعلم الناس بما يصلح الناس، وهم أنصح الناس للناس، فأجمعوا على النصح بتقوى الله .
والتقوى هي أجمل لباس يتزين به العبد كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].
لما تمنن الله على بني آدم بما جعل لهم من اللباس الذي يواري السوءات، ومن الرياش الذي يتجملون به، دلهم على أجمل لباس وأحسن لباس وهو الذي يستر عورات الظاهر والباطن، ويستر الع
стр. 296
ثمرات التقوى
التقوى هي أعلى درجات الإيمان، وهي الشجرة الطيبة التي تثمر الثمرات اليانعة؛ العاجلة في الحياة الدنيا والآجلة في الدار الآخرة، فبها ييسر الله للعبد كل أموره، ويحفظه من عدوه، ويبارك له في ذريته، وبها يرث العبد الجنان، وينال رضوان الملك الديان.
стр. 297
الثمرات العاجلة للتقوى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فشجرة التقوى شجرة طيبة، بل أطيب من الشجرة الطيبة، وهي شجرة الإيمان؛ لأن التقوى أعلى درجات الإيمان، فهذه الشجرة شجرة التقوى تثمر الثمرات اليانعة العاجلة والآجلة، فلها ثمرات في الدنيا وثمرات طيبة مباركة في الآخرة، فما هي الثمرات العاجلة والآجلة لهذه الشجرة المباركة؟ فمن الثمرات العاجلة لشجرة التقوى في الدنيا: أنها سبب لوجود المخرج للمؤمن من كل ضيق، والرزق من حيث لا يحتسب، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
ومن ثمرات التقوى العاجلة: اليسر في كل أمور العبد، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤].
ومن ثمرات التقوى العاجلة كذلك: الحفظ من كيد الأعداء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠].
ومن ذلك: النجاة من عذاب الدنيا، كما قال : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٧ - ١٨].
ومن ثمرات التقوى العاجلة كذلك: أن يحفظ الله الذرية الضعاف، كما قال : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩].
فهذا التأمين الرباني بسبب تقوى الله ، يحفظ الله بها الذرية الضعاف.
ومن ثمرات تقوى الله في الدنيا: معية الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤].
ومن ثمرات التقوى العاجلة كذلك: البشرى في الدنيا والآخرة: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].
أهل التقوى لهم من الهيبة والشرف والكرامة والمحبة في نفوس الخلق، قال بعض الناس: قتلني حب الشرف، فقال له أحد العلماء، لو اتقيت الله شرفت.
وفي ذلك قيل: ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم.
وقال من رأى الإمام مالك: يدع الجواب فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقانِ نور الوقار وعز سلطان التقى فهو المهاب وليس ذا سلطانِ يقول أبو الدرداء: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين.
فكم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم، هذا قام وقلبه كان فاجراً، وهذا نام وقلبه كان عامراً.
فالذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين، والرجلان يكونان في صف واحد، وخلف إمام واحد، يكبران بتكبيره، ويسلمان بتسليمه، وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض؛ لأن الأعمال تتفاضل بحسب ما في قلوب أصحابها من تقوى لله .
стр. 298
الثمرات الآجلة للتقوى
أما الثمرات الآجلة لتقوى الله : فأهل التقوى هم الورثة الحقيقيون لجنة الله ، والآخرة: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥].
وقال : ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣].
وقرأ: ﴿نُوَرِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣].
فأهل التقوى هم الورثة الحقيقيون لجنة الله ، وهم يتمتعون بعز الفوقية على الخلائق يوم القيامة، كما قال : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢].
فهم ينالون عز الفوقية على الخلائق يوم القيامة.
والتقوى عباد الله: تجمع بين أهلها يوم القيامة، حين تنقلب كل خلة وكل مودة وكل محبة وكل صداقة إلى عداوة ومشاقة، كما قال : ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
فالمتقون كانت محبتهم وخلتهم وأخوتهم في الله ، فدامت صحبتهم في الدنيا والآخرة.
أما غير المتقين فإن محبتهم تنقلب إلى عداوة ومشاقة في الدنيا قبل الآخرة.
ومن ثمرات التقوى الآجلة كذلك: أنهم ينالون أعلى درجات الجنة، كما قال : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ:٣١]، فأجمل المفاز، ثم فصل فقال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ:٣٣ - ٣٦].
وقال: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٤٩]، فأجمل المآب الحسن وهو المرجع الحسن، ثم فصل فقال : ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٠ - ٥٤].
وأخبر عن قربهم من الحضرة واللقاء، والرؤية والبهاء، فقال : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
والمتقون يساقون إلى جنة الله زمراً زمراً، أي: جماعات جماعات، قيل: الأنبياء مع الأنبياء، والعلماء مع العلماء، والشهداء مع الشهداء، وقيل: كل جماعة وكل مجموعة كانت متعاونة على تقوى الله ، فإنها ينادى عليها يوم القيامة، وتكون زمرة من الزمر الطيبة التي تساق إلى جنة الله ، وإلى رحمة الله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣].
فالله يقرب لهم الجنة، لا يقول لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة، بل يقول : ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١].
يقرب الله لهم الجنة لتحيتهم واستقبالهم، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتقين، وأن يحشرنا مع زمرتهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 299
قصر الأمل
قصر الأمل هو عنوان حياة المؤمن الحق، يحتذي في ذلك بنبيه ﷺ الحاث على ارتقاب الآخرة بقوله وفعله، وإنما يطيل الأمل من أتي من حبه للدنيا وظنه بأن الموت قدر لا يرد إلا على الشيوخ دون الشباب، ومن غفل عن الاتعاظ بالجنائز المحمولة أمام ناظريه، فأشبه بذلك فعل الكفرة الذين ألهاهم طول الأمل وبلوغ الوطر عن الاستعداد للآخرة والزهد في الدنيا.
стр. 300
معنى قصر الأمل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: قصر الأمل: هو العلم بقرب الرحيل، قال الله : ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]، أي: ذرهم لا يهتمون إلا بالطعام والشراب ويلههم طول الأمل وبلوغ الوطر واستقامة الحال عن الاستعداد للآخرة، قال : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٥ - ٥٧].
стр. 301
ترك متاع الدنيا والاستعداد للآخرة
قال النبي ﷺ لـ ابن عمر ﵄: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك، في بعض الروايات: فإنك يا عبد الله! لا تدري ما اسمك غداً.
فقوله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، الغريب -كما قال الحسن - لا ينافس في عزها، ولا يجزع من ذلها، له شأن وللناس شأن، فالمؤمن غريب في الدنيا؛ لأن المؤمنين من الجنة وإلى الجنة: كم منزل للمرء يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل يقول ابن القيم ﵀: فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم فأهل الإيمان غرباء في الدنيا؛ لأنهم من أهل الجنة وليسوا من أهل الدنيا الذين صارت الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم.
قال الحسن بن آدم: إنك على مطيتين راحلتين تحملانك: يحملك الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل حتى يسلمانك إلى الآخرة، فالعبد إما أن يكون غريباً في الدنيا أو يحس أنه عابر سبيل، كما قال النبي ﷺ : (ما لي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها).
قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: أتعلم تفسيرها؟ يعني: أنت لله عبد وإليه راجع، وما دمت راجعاً فأنت موقوف، وما دمت موقوفاً فأنت مسئول، وما دمت مسئولاً فأعد للسؤال جواباً، قال: ما الحيلة؟ قال: يسيرة؛ تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، وإن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي.
أقام معروف الصلاة ثم قال لرجل: صل بنا، قال: أنا إن صليت بكم هذه الصلاة لا أصلي بكم غيرها، قال: وأنت تحدث نفسك أن تصلي صلاة غيرها؟ نعوذ بالله من طول الأمل؛ فإنه يمنع من خير العمل.
اجتمع ثلاثة من العلماء فقال اثنان للثالث: ما أملك؟ قال: ما أتى علي شهر إلا وظننت أني سأموت فيه، فقالا: هذا هو الأمل، ثم قال لأحدهما: ما أملك؟ قال: ما أتى علي أسبوع أو جمعة إلا وظننت أني سأموت فيها، قال: فقال الآخران: هذا هو الأمل، فقالوا للثالث: ما أملك؟ قال: وما أمل من نفسه بيد غيره؟ فإن الموت كما قيل: كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك.
قال بعض الحكماء: كيف يأمن من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره؟ وفي الحديث: (خط النبي ﷺ خطاً وخط إلى جواره خطاً آخر، ثم خط خطاً آخر أبعد منه، ثم قال للخط الأول: هذا هو الإنسان، وللذي يليه: وهذا هو أجله، وأشار إلى الخط الأبعد فقال: وهذا هو أمله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب).
стр. 302
أسباب طول الأمل
فالعبد يؤمل أنه يعيش خمسين سنة أو ستين سنة ولعله ما بقي من عمره إلا سنة أو أقل من سنة، قال العلماء: السبب في طول الأمل أمران: الأمر الأول: حب الدنيا، والأمر الثاني: الجهل.
أما حب الدنيا فإنه من حبه للدنيا يقدر أنه يعيش فيها مدة طويلة؛ فإنه يجهز ما يحتاجه في هذه المدة الطويلة من أموال ويحاول أن يصل إلى جاه أو إلى سلطان أو إلى شهرة، فهو يقدر أنه يعيش طويلاً في الدنيا؛ لأنه يكره الموت، فيعمل ما يوافق هواه، ويظن أنه يعيش مدة مديدة في الدنيا.
أما الجهل فإنه يجعله على شبابه ويظن أن الموت لا يأتيه وهو في سن الشباب، ولو عد الأشياخ في ناحيته أو في قريته لوجد أنهم يعدون على أصابع اليد الواحدة، وهذا يدل على أنه إلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب، وأن أكثر الناس يموتون في فترة الصبا والشباب، وقليل منهم من يصل إلى أرذل العمر.
أما علاج حب الدنيا فأن يعلق العبد قلبه بالآخرة، وأن يتذكر الآخرة، وأن يسعى للآخرة سعيها، فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير، فلا يمكن أن يزهد في الدنيا وأن يقدر قرب خروجه من الدنيا إلا وهو يوقن بالآخرة ويؤمن بالآخرة.
أما الجهل فينبغي للعبد أن ينظر إلى جوارحه وأن ينظر إلى لحمه وشحمه ويعلم أنه ما من شيء من ذلك إلا وهو طعمة للدود، وما من شيء من عظامه إلا سيبلى إلا عجب الذنب، كما قال النبي ﷺ : (منه يركب ابن آدم).
فينظر إلى عينيه اللتين ينظر بهما إلى ما يحل وما يحرم، ويعلم أنهما طعمة للدود، وأن عظامه سوف تتناثر في قبره، وأن مفاصله سوف تنفك أربطتها، لا نتحدث عن غيب، وإنما نتحدث عن شهادة.
والعبد ألف دائماً أنه يشيع الجنائز، وأنه يسير بجوار الخشبة، وما ألف أنه المحمول على الخشبة، فعلاجه أن يستحضر أنه لابد أن يكون له مثل هذا المشهد، ولابد يوماً أن يكون محمولاً على الخشبة.
كل ابن آدم وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول فيقيس نفسه بغيره، وأن كل إنسان له أجل محدود، قال : ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وينبغي عليه أن يستعد لنزول الموت قال الحسن البصري: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فيها فرحاً.
وما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت في عينه الدنيا وهان عليه كل ما فيها.
ونظر ابن مطيع إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى وقال: والله! لولا الموت لكنت بك مسروراً، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا.
وقال عمر بن عبد العزيز: ألا ترون أنكم تشيعون في كل يوم غادياً رائحاً إلى الله تعالى قد قضى نحبه وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب؟ فينبغي للعبد أن يكثر من ذكر الموت، كما قال النبي ﷺ : (أكثروا من ذكر هادم اللذات) أي: نغصوا بذكر الموت لذات الدنيا وشهوات النفوس؛ حتى ينقطع ركونكم إلى هذه الدنيا الفانية الزائفة الزائلة، وحتى تسعون للآخرة سعيها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 303
احفظ الله يحفظك
لقد أمر الله تعالى عباده بحفظ حدوده ليحفظهم في أنفسهم، وأرشدهم إلى الالتجاء إليه في السؤال والاستعانة دون سواه؛ إذ الضر والنفع بيده سبحانه، فهو الذي قدر المقادير، وعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن إذا كان كيف يكون.
стр. 304
حفظ الله لعباده
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فقد أوصى النبي ﷺ ابن عمه عبد الله بن عباس ﵄ فقال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
قال بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني حتى كدت أطيش، فوا أسفاً من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه.
فالنبي ﷺ ينصح الأمة من خلال حبر الأمة عبد الله بن عباس يقول: (إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك)، والجزاء من جنس العمل، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، (الراحمون يرحمهم الرحمن)، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا).
стр. 305
جزاء حفظ العبد ربه
وحفظ الله : أن تحفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وجزاء هذا الحفظ الحفظ من الله وهو على نوعين: أن يحفظ الله جوارحه، وأن يحفظ ماله وأولاده، ونوع آخر وهو أعظم من هذا الحفظ وهو أن يحفظ الله على العبد دينه، ويحول بينه وبين المعصية التي تجره إلى النار، فحفظ الله للعبد نوعان: النوع الأول: أن يحفظ بدنه، كما وثب أحد العلماء وثبةً شديدة، فأنكر عليه لكبر سنه، فقال: هذه جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.
فالعبد إذا حفظ جوارحه من معصية الله ؛ فإن الله يبارك له في صحته وفي جوارحه، ويمتعه بسمعه وبصره وقوته، ويحفظ أولاده، كما قال : ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢].
وكان أحد العلماء يقول لابنه: لأزيدن في صلاتي رجاء أن أُحفظ فيك، ويتلو قوله : ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢].
أما الحفظ الثاني: فهو أن يحفظ الله دينه، كما قال في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، فالله يصرف عن عبده السوء والفحشاء، ويحول بينه وبين المعصية التي تجره إلى النار، كما في بعض الآثار بأن العبد يتهيأ للإمارة أو للوزارة أو للتجارة، والله ينظر إليه فيقول لملائكته: اصرفوه عنها، فإني إن يسرتها له أدخلته النار، فيظل العبد يتبرم، وما هو إلا فضل الله ، فالله تعالى أدرى بما يصلح للعباد، كما في الحديث القدسي: (إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، وإني إن أسقمته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض، وإني إن أصححته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، وإني إن أفقرته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإني إن بسطت له أفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليم خبير).
стр. 306
معية الله لعباده
(احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) أو (تجده معك)، وهذه المعية هي المعية الخاصة؛ لأن المعية معيتان: معية عامة، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، وقوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فهذه هي المعية العامة، وهي أن الله مع الناس بسمعه وبصره وعلمه وقدرته وإحاطته، وهذه المعية تستوجب الحذر والمراقبة والخوف من الله .
أما المعية الخاصة: فهي معيته للأنبياء والأولياء والمتقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فهذه تستلزم من العبد الأنس بالله ، والاستغناء والتقوّي به.
كما أرسل أحد السلف إلى أخيه يقول له: أما بعد: إذا كان الله معك فمن تخاف؟ وإذا كان عليك فمن ترجو؟ فمن كان الله معه كانت معه الفئة الغالبة.
стр. 307
سؤال الله والاستعانة به
(احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله)؛ لأن السؤال إظهار فقر ونقص وحاجة واضطرار من العبد، ولا يجوز للعبد أن يتذلل وأن يظهر فقره ونقصه وحاجته إلى غير الله.
كذلك ليس هناك لأحد قدرة على جلب جميع المنافع ودفع جميع المضار إلا الله ، فالعبد ينبغي له أن يسأل الله .
(وإذا استعنت فاستعن بالله)، يجوز الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق من قضاء بعض الحوائج أو المساعدة في أمور الدنيا، ولكن لا يجوز الاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فإذا استعان العبد بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وكله الله إليه، فلا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضراً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧].
стр. 308
النفع والضر بيد الله
ثم يقول ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشي قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف).
فمضمون التوحيد وهو اعتقاد أن الأمر كله بيد الله وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولذلك يقول الرسول ﷺ (اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير)، فالعبد لا يذل نفسه في الطلب، ولا يطلب الرزق بمعصية الله، بل ينبغي له أن يطلب الحوائج بعزة الأنفس؛ لأن الأمر بيد الله ، والأمور تجري بالمقادير والخلق ليس لهم من الأمر شيء، والأمر والخلق لله ، (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشي قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) إشارة إلى أن القلم جرى بما قدر الله .
وثبت في صحيح مسلم: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سن)، وقوله ﷺ : (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما سيكون إلى يوم القيامة)، فالله خلق القلم، والله يستوي في علمه الماضي والحاضر والمستقبل، فخلق القلم وقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما سيكون إلى يوم القيامة، فعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهذه كناية على كتابة المقادير من أمد بعيد، قال ﷺ : (رفعت الأقلام وجفت الصحف) أي: من طول المدة.
فنسأل الله تعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن ينفعنا بآياته، وأحاديث نبيه ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 309
الكلام على معجزة القرآن
القرآن الكريم هو المعجزة العظمى التي أعطيت لنبينا محمد ﷺ ، وقد ضمنه الله وجوهاً من الإعجاز، فهو المعجزة الخالدة، المعجز ببلاغته وفصاحته، والمعجز بحقائقه العلمية الدقيقة، والمعجز بإخباره عما سيقع من الأمور الغيبية المستقبلية، ولذلك تحدى الله الإنس والجن في أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لعبض ظهيراً.
стр. 310
ذكر أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده عموماً وعلى أمة محمد خصوصاً
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله سلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
إن أعظم نعمة أنعم الله بها على العباد أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وقد تمنن الله بهذه النعمة العظيمة في سورة النحل، وهي السورة التي تسمى بسورة النعم، كانت أول نعمة تمنن الله بها على العباد أن أرسل الله إلى العباد الرسل، وأنزل عليهم الكتب، كما قال : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:١ - ٢].
وقال النبي ﷺ : (إنما أنا رحمة مهداة).
وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
فنعمة الله على العباد بأن أنزل عليهم الكتب عموماً، وأرسل إليهم الرسل عموماً، وأنزل القرآن خصوصاً، وأرسل خاتم الأنبياء والمرسلين خصوصاً، فهذه أعظم نعمة تمنن الله بها على العباد.
كذلك تمنن الله على المسلمين بنعمة إكمال التشريع على قلب النبي ﷺ ، قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] نزلت هذه الآية الكريمة على النبي ﷺ بعرفة يوم عرفة في العام العاشر من الهجرة، وبنزول هذه الآية الكريمة تم التشريع على قلب نبينا محمد ﷺ ، وتمت نعمة الله على العباد.
فهذه أعظم نعمة أنعم الله بها على العباد، وكان قبل بعثة النبي ﷺ كما أخبر النبي ﷺ : (أن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب)، يقول شيخ الإسلام: وإنما مقتهم الله لخلوهم من آثار الرسل ومن هداية الرسل، إلا بعض المتحنثين وبعض المتحمسين الذين كانوا يتعبدون ببقايا من دين إبراهيم ﵇، كـ زيد بن عمرو بن نفيل.
فمقت الله الناس كلهم قبل بعثة نبينا محمد ﷺ عربهم وعجمهم؛ لأنهم فقدوا هداية الرسل، والناس بدون هداية الرسل -عباد الله- أضل من الأنعام السائمة، وشر من كل الدواب التي تمشي على الأرض، لأن الله جعل الشرع والدين هو الروح وهو النور، كما قال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
فكيف يكون حال الجسد إذا فقد الروح؟ ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١] قبور تتحرك على الأرض عباد الله: وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور وقال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
فالعبد إذا كان بعيداً عن شرع الله وبعيداً عن هداية الرسل فهو ميت يتحرك على الأرض.
والناس بدون هداية الرسل أشر من كل الدواب التي تسير على الأرض: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأ
стр. 311
دلائل اختصاص النبي ﷺ بمعجزة القرآن
المعجزة العظمى التي أعطى الله نبيه محمداً ﷺ إنما هي القرآن المبين، وقيل: إنما خص بهذه المعجزة مع أن له من المعجزات ما فاق به جميع الأنبياء؛ لأن معجزة القرآن هي المناسبة لناس عصره ومعاصري دهره ﵌.
فلما كان زمن موسى ﵇ زمن السحر أرسل الله إليهم موسى ففلق بعصاه البحر، وألقى عصاه فإذا هي حية تسعى، وأتى بالمعجزات التي فاقت سحر كل ساحر وقهرت كل ساحر وأذلت كل كافر.
ولما كان زمن عيسى ﵇ زمن الطب أرسل الله عيسى ﵇ يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وجاء بما حير كل طبيب وأذهل كل لبيب.
ولما كان زمن نبينا محمد ﷺ زمن الفصاحة وزمن البلاغة، أرسل الله نبيه محمداً ﷺ بالقرآن المبين، بما أذل به البلغاء وتحير فيه العلماء، ودهش فيه الشعراء، أرسله بالقرآن المبين يتحدى الناس بفصاحته وببلاغته، فألجم به كل الفصحاء، فكانت معجزة كل نبي تناسب ناس عصره ودهره؛ فلهذا كان القرآن هو المعجزة التي تخص نبينا محمداً ﷺ .
مما يدل على ذلك كذلك: أن أصحاب موسى وأصحاب عيسى كان عندهم غباء وتبلد، لم يكن لهم من الفصاحة والبلاغة وحدة الأذهان ما كان عند العرب، ويدل على ذلك قولهم لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤].
ولما مر بهم موسى من البحر وفلق الله له البحر ونجوا وأهلك الله عدوهم، ومر على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] فهذا يدل على غباوتهم وبلادتهم.
أما أصحاب نبينا محمد ﵌ فالله جعل لهم القرآن الذي يجولون فيه بخواطرهم، والذي يتفكرون فيه بعقولهم، حتى أذعن الكفار بفصاحته وبلاغته.
الأمر الثالث -عباد الله- مما يدل على أن القرآن هو المعجزة الخاصة بنبينا محمد ﷺ : أن هذه المعجزة هي المعجزة الدائمة الباقية، فإن معجزات النبي ﷺ من حنين الجذع، ونبع الماء بين أصابعه، وانقياد الشجر له، وتسليم الحجر عليه، كل هذه المعجزات ذهبت كما ذهبت معجزات جميع الأنبياء السابقين، وإنما شاهدها من عاصر هؤلاء الأنبياء الكرام.
وبقيت معجزة نبينا محمد ﷺ على مر الأعصار، بقيت هذه المعجزة يتحدى الله بها الإنس والجن، يتحدى الله بها الأولين والآخرين، فكانت هذه المعجزة هي المعجزة العظمى لنبينا محمد ﷺ ، وهي التي نوه بها عندما قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة).
فمعجزة القرآن عباد الله هي أبلغ المعجزات، وهي أبقى المعجزات، وناسب ذلك أن تكون أمة نبينا محمد ﷺ هي الباقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فليس بعد نبينا نبي، فتبقى هذه المعجزة شامخة على مر الأيام؛ لأنه لا يأتي بعد نبينا محمد ﷺ رسول ينسخ نبوته، وشريعة تنسخ شريعته، فناسب ذلك أن تكون معجزته باقية مع بقاء الأيام.
стр. 312
وجوه إعجاز القرآن الكريم
стр. 313
جزالة ألفاظه وفصاحتها
نتكلم عن إعجاز القرآن من أربعة وجوه: الوجه الأول: جزالته الفائقة وفصاحته الموفقة، فكل من يسمع آيات القرآن إذا كان عنده من الفهم بلغة العرب، فإنها تبهره هذه الآيات الكريمة، كما قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] لما سمع أبو جهل هذه الآية الكريمة -وكان أشد أعداء النبي ﷺ قال: إن رب محمد لفصيح.
فظهرت فصاحة القرآن وأذعن لها الكفار.
وأعجب الأصمعي ببلاغة امرأة، حين قالت له المرأة: وأي بلاغة بعد قول الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] قالت: في هذه الآية الكريمة أمران ونهيان وخبران وبشارتان، في آية واحدة من كتاب الله .
فانظروا إلى إعجازه وإلى إيجازه، فكيف يستطيع أحد من البشر أن يأتي ولو بآية من آيات القرآن؟ وقال : ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥] سمع أعرابي هذه الآية فسجد، فسئل عن سبب سجوده؟ قال: سجدت من فصاحتها.
وقال : ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤] كم في هذه الآية الكريمة من الطباق ومن الجناس ومن البديع ومن حلاوة اللفظ عباد الله؟! ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤] أي: نقص الماء.
﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] أي: رست سفينة نوح على جبل الجودي، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤].
كذلك قوله : ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف:٨٠] يفهم هذه الكلمات ويفهم هذا الإعجاز من كان عنده فهم في لغة العرب، وعنده علم بالمحسنات وبدائع الكلمات، فهذا أول إعجاز في القرآن حلاوة نظمه، فصاحته الموفقة وبلاغته الرائدة عباد الله!
стр. 314
إخبار القرآن بأمور غيبية مستقبلية ووقوعها على نحو ما أخبر به
الوجه الثاني من الإعجاز عباد الله: هو أن القرآن أخبر بأمور غيبية فوقعت كما أخبر القرآن سواء بسواء، قال : ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:١ - ٥].
حدث في الفترة المكية في بداية البعثة أن الفرس انتصروا على الروم، والروم أهل كتاب والفرس يعبدون النار، فكان الروم هم أقرب إلى نبينا محمد ﷺ ، لأن أهل الكتاب كفرهم أخف من كفر عابدي الصنم وعابدي النار، والمشركون أقرب إلى الفرس فحزن المسلمون لذلك، فبشرهم الله بأن الروم سوف ينتصرون على الفرس في بضع سنين، والبضع في لغة العرب من ثلاثة إلى تسعة، وبعد سبع سنين من نزول هذه الآية الكريمة انتصرت الروم على الفرس كما أخبر القرآن سواء بسواء.
ثم قال : ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] أي: أن المسلمين سوف ينتصرون على الفرس والروم، وإذا ذهب كسرى فلا كسرى بعده، وإذا ذهب قيصر فلا قيصر بعده، كما أخبر النبي ﷺ وتحقق هذا الوعد الصادق للمسلمين.
وقال والمسلمون يعذبون في ربوع مكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] في سورة القمر وهي سورة مكية، وتحقق هذا الوعد الصادق في أول لقاء بين الكفر والإيمان، في يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، انتصر المسلمون على الكفار نصراً مؤزراً قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣].
فهذا الإعجاز من إعجاز القرآن، وهو أنه أخبر بالمغيبات، ووقع الأمر كما أخبر القرآن سواء بسواء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 315
التحدي من أن يأتوا بمثله أو بعضه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ذكرنا من أوجه إعجاز القرآن عباد الله: إعجاز القرآن برشاقة اللفظ وجزالة المعنى.
والوجه الثاني: أن القرآن أخبر بالمغيبات، وحدث كما أخبر القرآن سواء بسواء.
الوجه الثالث عباد الله: الإعجاز بالتحدي، فقد تحدى الله الخلق على أن يأتوا بمثل القرآن، فعجزوا عن ذلك، فتحداهم الله على أن يأتوا بعشر سور من سور القرآن، فعجزوا عن ذلك، فتحداهم الله على أن يأتوا بسورة واحدة من سور القرآن، فعجزوا عن ذلك، وأخبر الله عن عجزهم حيث قال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] أي: لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ومعيناً.
فهذا تحد بالقرآن كله.
وتحداهم الله أن يأتوا بسورة واحدة، فقال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤].
وقال في العشر السور: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣] فعجزوا عن القرآن كله، وعجزوا عن عشر سور، وعجزوا كذلك على أن يأتوا بسورة واحدة ولو كأقصر سورة في القرآن.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] أي: لن تقدروا على ذلك.
وحدث الأمر كما أخبر الله ، ما استطاع أحد أن يأتي بمثل سورة من القرآن.
فإن قال قائل: لعله قد عورض ولم ينقل إلينا؟ ف
الجواب
بل عورض فعلاً ونقل إلينا، فظهرت ركاكة لفظه، وسماجة نظمه، وسخافة معناه، أي: أن الذين حاولوا أن يعارضوا القرآن أتوا بالألفاظ الركيكة، والمعاني السخيفة، فلم يستطع أحد أن يأتي بمثل القرآن أو بمثل عشر سور، أو بمثل سورة واحدة من القرآن، وأعداء الإسلام يكيدون للإسلام ليل نهار، وما استطاع أحد أن يأتي بسورة من مثل القرآن، فهذا يدل على أنه كلام الملك المنان ، وأنه كلام خالق البشر وليس ككلام البشر، فهذا الوجه الثالث عباد الله! من الإعجاز وهو الإعجاز بالتحدي.
فإن قال قائل: لعل الله يصرف همم الناس على أن يأتوا بمثل القرآن؟ ف
الجواب
أن هذا أيضاً من الإعجاز، وهذا يدل على قدرة الله ، أنه يصرف همم الناس وعقول الناس على أن يأتوا بمثل القرآن.
стр. 316
إخباره عن حقائق علمية عرفت بعد نزوله بمئات السنين
الوجه الرابع عباد الله: أن القرآن أخبر بأشياء قد ثبتت الحقائق العلمية أنها كذلك، قال : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
أجمع علماء الفلك: أن المجرة التي فيها المجموعة الشمسية تشتمل على بلايين من النجوم والكواكب والأجرام السماوية، وأن بينها كمية عظيمة من الدخان والغبار، وأن الدخان والغبار هو المادة الأولية لهذه الكواكب والنجوم، فكيف عرف ذلك رسول الله ﷺ قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؟ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
ومن ذلك: قوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، من أين عرف النبي ﷺ أن الذي يصعد في السماء يختنق لقلة ضغط الهواء في طبقات الجو العليا، ولقلة نسبة الأوكسجين، حتى إن رواد الفضاء لا بد أن يحملوا على ظهورهم أنبوبة أوكسجين؟! فهذا يدل على أن القرآن كلام الله الذي أحاط بكل شيء علماً.
ومن ذلك: قوله : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]؛ فإن الناظر إلى الجبل الذي بجواره لا يعتقد إلا أنه ساكن، فهو ساكن أمام نظره ولكن الذي ينظر إلى الكرة الأرضية من علٍ، من الفضاء الخارجي يرى الكرة الأرضية وهي تدور.
فمن الحقائق التي قد ثبتت عند علماء الفلك: أن الكرة الأرضية تدور حول نفسها كل أربعة وعشرين ساعة، وتدور كذلك حول الشمس، فدورانها حول نفسها تجعل الذي ينظر إليها من الفضاء الخارجي يرى هذه الجبال وهي تمر مر السحاب، فكيف عرف النبي ﷺ ذلك قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؟ فهذا يدل على أن القرآن كلام الله الذي أحاط بكل شيء علماً، إيجازه وإعجازه، وبلاغته الرائقة، وجزالته الموفقة.
كذلك: ما في القرآن من إخبار بالمغيبات، وما تحدى الله به الخلق جميعاً الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله.
كذلك إخبار القرآن بأشياء من الحقائق العلمية التي ثبتت بعد ذلك، ولم تكن معروفة في العهد الأول، خاصة وأن النبي ﷺ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يأخذ شيئاً من أهل الكتاب، وإنما علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى، أي: أخذ علمه من عند الله ، لم يتتلمذ على أحد من أهل الكتاب، ولم يتتلمذ على أحد من البشر، بل أدبه الله وعلمه، فكانت معجزة القرآن هي المعجزة العظمى لنبينا محمد ﵌، وليس معنى ذلك: أنه ليست له معجزات حسية، ولكنه بالإضافة إلى هذه المعجزة العظمى له من المعجزات الحسية الكثيرة التي فاق بها جميع الأنبياء.
وقد أشرنا إلى ذلك إجمالاً في خطب سابقة، ولكننا سوف نشير إلى ذلك بمزيد من التفصيل، وكيف أخبر النبي ﷺ عن أشياء من الغيب في حياته وحدثت كما أخبر بعد أن لحق بالرفيق الأعلى.
وهذا الموضوع من الأهمية بمكان، لأنه كلما ازداد علمنا بعلامات النبوة ومعجزات النبي ﷺ نزداد إيماناً به، ونزداد حباً له، ونزداد نصراً لشريعته، وتمسكاً بسنته.
اللهم ثبتنا على الإسلام قائمين، وثبتنا على الإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم اهدنا واهد بنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 317
إنهم فتية آمنوا بربهم
ذكر في سورة الكهف قصة الفتية الذين آمنوا بربهم، وفروا من قومهم بدينهم، وفي قصتهم عظة وعبرة، وبيان لأن طريق الدعوة محفوف بالمكاره والمخاوف، لذا كان على الدعاة إلى الله أن يوطنوا أنفسهم على تحمل التبعات والمشاق، وأن يوقنوا بأن العاقبة لهم، وأن الله سيجعل لهم فرجاً ومخرجاً، فهو غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 318
بين يدي قصة الفتية أصحاب الكهف
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنّة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له بالفوز في الجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحّد الله وعرّفنا به ودعا إليه وسلّم تسليماً.
أما بعد عباد الله: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:٩ - ١٣].
أصحاب الكهف -عباد الله- هم فتية في ريعان الشباب وفي سن الشهوة والقوة والفتوة، اعترضوا على قومهم فقالوا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا * سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ ر
стр. 319
فرار الفتية إلى الكهف بدينهم
قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠] والرشد هو أن تعرف الحق وتتبعه، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] وهو بخلاف الغي، ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف:١٠] (من لدنك) أي: من عندك رحمة عظيمة تشملنا بها، ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١١ - ١٢] ففي القصة المختصرة لم يذكر عدد السنين التي مكثوا فيها في الكهف، وبيّن أنه ضرب على آذانهم إشارة إلى حجب حسّهم؛ لأن النائم غالباً يستيقظ من حاسة السمع، وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾ [الكهف:١١] أي: جعلنا على آذانهم حجاباً شديداً، كما قال : ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة:٦١] أي: كتب الله عليهم الذلة.
إذاً: حجب الله عنهم حاسة السمع؛ حتى لا يستيقظوا، كما بلغ النبي ﷺ : (أن رجلاً ينام إلى الصبح ولا يستيقظ لصلاة الفجر، فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه)؛ لأن العبد يستيقظ غالباً من حاسة السمع، ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١١ - ١٢] فاختلفوا في الحزبين، فقيل: الذين قالوا من أهل الكهف: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، وهم الذين قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] وكأنهم أحسوا أنهم مكثوا مدة طويلة، ولكنهم لا يستطيعون حصرها، وقيل: أحد الحزبين أهل المدينة عندما اطلعوا على أمرهم، والحزب الثاني هم أصحاب الكهف، وقيل: الحزبان من أهل المدينة.
وعلى كل حال فالراجح تفسير القرآن بالقرآن، فالراجح هما حزبان من أهل الكهف كما سيأتي في تفصيل القصة.
стр. 320
إيمان الفتية أصحاب الكهف ورعاية الله لهم وتثبيتهم
قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣] أي: أن الله عالم الغيب والشهادة، علم ما كان وما سيكون لو كان كيف يكون، فما يقصه الله علينا هو الحق، وما في كتب أهل الكتاب منه الصحيح ومنه المحرف المبدّل.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] أي: أن الله يكافئ على الهدى بالهدى، كما يكافئ الله على الحسنة بالحسنة، وكما يعاقب على السيئة بالسيئة، وهذا دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يزيد وينقص، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] أي: زاد الله في إيمانهم، فمن قصد الخير -عباد الله- وعزم على الخير وعزم على الهدى تأتيه المنح الربانية من الله ، فمن هذه المنح: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١].
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦].
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣].
ثم المنحة الثانية: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤] كأنهم في حالهم وبحولهم وقوتهم وبإيمانهم وبالفتن الشديدة التي من حولهم؛ لأن قومهم كانوا في غاية الكفر والغباوة، بل كانوا يجبرون الناس على الشرك بالله ، كما قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠] فهؤلاء زادهم الله هدى حتى يقوموا هذا المقام الشريف، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٤]، كما قال : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]، وكما أخبر عن أهل بدر فقال : ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١] فهذه منح ربانية لأهل الإيمان، ما عليك إلا العزيمة الصادقة وأن تقوم لله ناوياً إعزاز دين الله ورفع راية الله ، حينها تأتيك المنح الربانية والتثبيت الإلهي، فهذه امرأة فرعون وكل فرعون بتعذيبها رجالاً ربطوها في أربعة أوتاد وأخذوا يعذّبونها، فقالت عند ذلك: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فأراها الله بيتها في الجنة، فآثرت ما عند الله مما عند فرعون من ملك وقصور، وطلبت بيتاً في الجنة.
كذلك قصة المرأة من أصحاب الأخدود لما همّت أن تتقاعس شفقة على وليدها وعلى رضيعها، أنطق الله الرضيع فقال: يا أمي اصبري فإنك على الحق، فالله يثبت أهل الإيمان ويربط على قلوبهم؛ حتى يُعزوا دين الله وحتى يرفعوا راية الله ، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤].
والشطط: هو القول البعيد عن الصواب، كما قالوا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص:٢٢] (ولا تشطط) أي: لا تبعد عن الحق، فالشطط هو القول البعيد عن الصواب، وأن يعبد العبد مع الله غيره، فهذا قول شطط وهذا فعل شطط بعيد عن الصواب؛ لأن الله وحده هو الخالق وهو الرزاق وهو المحيي وهو المميت.
ثم قال تعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥] أي: بحجة واضحة على أنهم يستحقون العبادة مع الله ، ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦] كيف يكون في الكهف الرحمة وهو فجوة في الجبل؟ كيف ينتظرون المخرج من داخل الكهف؟ وكم يبقون في الكهف ثم يعودون إلى قومهم؟ إنهم لا يعرفون بلداً إسلامياً على وجه الأرض يذهبون إليه، ولكنهم فعلوا ما في مقدورهم وكانت ثقتهم بالله قوية، وهكذا المؤمن يتقي الله وينتظر المخرج من الله ، قد لا يرى المخرج بعينيه، ولا يستطيع
следующие страницы →