← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

إخباره عن حقائق علمية عرفت بعد نزوله بمئات السنين الوجه الرابع عباد الله: أن القرآن أخبر بأشياء قد ثبتت الحقائق العلمية أنها كذلك، قال : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. أجمع علماء الفلك: أن المجرة التي فيها المجموعة الشمسية تشتمل على بلايين من النجوم والكواكب والأجرام السماوية، وأن بينها كمية عظيمة من الدخان والغبار، وأن الدخان والغبار هو المادة الأولية لهذه الكواكب والنجوم، فكيف عرف ذلك رسول الله ﷺ قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؟ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. ومن ذلك: قوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، من أين عرف النبي ﷺ أن الذي يصعد في السماء يختنق لقلة ضغط الهواء في طبقات الجو العليا، ولقلة نسبة الأوكسجين، حتى إن رواد الفضاء لا بد أن يحملوا على ظهورهم أنبوبة أوكسجين؟! فهذا يدل على أن القرآن كلام الله الذي أحاط بكل شيء علماً. ومن ذلك: قوله : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]؛ فإن الناظر إلى الجبل الذي بجواره لا يعتقد إلا أنه ساكن، فهو ساكن أمام نظره ولكن الذي ينظر إلى الكرة الأرضية من علٍ، من الفضاء الخارجي يرى الكرة الأرضية وهي تدور. فمن الحقائق التي قد ثبتت عند علماء الفلك: أن الكرة الأرضية تدور حول نفسها كل أربعة وعشرين ساعة، وتدور كذلك حول الشمس، فدورانها حول نفسها تجعل الذي ينظر إليها من الفضاء الخارجي يرى هذه الجبال وهي تمر مر السحاب، فكيف عرف النبي ﷺ ذلك قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؟ فهذا يدل على أن القرآن كلام الله الذي أحاط بكل شيء علماً، إيجازه وإعجازه، وبلاغته الرائقة، وجزالته الموفقة. كذلك: ما في القرآن من إخبار بالمغيبات، وما تحدى الله به الخلق جميعاً الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله. كذلك إخبار القرآن بأشياء من الحقائق العلمية التي ثبتت بعد ذلك، ولم تكن معروفة في العهد الأول، خاصة وأن النبي ﷺ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يأخذ شيئاً من أهل الكتاب، وإنما علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى، أي: أخذ علمه من عند الله ، لم يتتلمذ على أحد من أهل الكتاب، ولم يتتلمذ على أحد من البشر، بل أدبه الله وعلمه، فكانت معجزة القرآن هي المعجزة العظمى لنبينا محمد ﵌، وليس معنى ذلك: أنه ليست له معجزات حسية، ولكنه بالإضافة إلى هذه المعجزة العظمى له من المعجزات الحسية الكثيرة التي فاق بها جميع الأنبياء. وقد أشرنا إلى ذلك إجمالاً في خطب سابقة، ولكننا سوف نشير إلى ذلك بمزيد من التفصيل، وكيف أخبر النبي ﷺ عن أشياء من الغيب في حياته وحدثت كما أخبر بعد أن لحق بالرفيق الأعلى. وهذا الموضوع من الأهمية بمكان، لأنه كلما ازداد علمنا بعلامات النبوة ومعجزات النبي ﷺ نزداد إيماناً به، ونزداد حباً له، ونزداد نصراً لشريعته، وتمسكاً بسنته. اللهم ثبتنا على الإسلام قائمين، وثبتنا على الإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم اهدنا واهد بنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 317

إنهم فتية آمنوا بربهم ذكر في سورة الكهف قصة الفتية الذين آمنوا بربهم، وفروا من قومهم بدينهم، وفي قصتهم عظة وعبرة، وبيان لأن طريق الدعوة محفوف بالمكاره والمخاوف، لذا كان على الدعاة إلى الله أن يوطنوا أنفسهم على تحمل التبعات والمشاق، وأن يوقنوا بأن العاقبة لهم، وأن الله سيجعل لهم فرجاً ومخرجاً، فهو غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 318

بين يدي قصة الفتية أصحاب الكهف الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنّة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له بالفوز في الجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم. فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحّد الله وعرّفنا به ودعا إليه وسلّم تسليماً. أما بعد عباد الله: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:٩ - ١٣]. أصحاب الكهف -عباد الله- هم فتية في ريعان الشباب وفي سن الشهوة والقوة والفتوة، اعترضوا على قومهم فقالوا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا * سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ ر

стр. 319

فرار الفتية إلى الكهف بدينهم قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠] والرشد هو أن تعرف الحق وتتبعه، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] وهو بخلاف الغي، ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف:١٠] (من لدنك) أي: من عندك رحمة عظيمة تشملنا بها، ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١١ - ١٢] ففي القصة المختصرة لم يذكر عدد السنين التي مكثوا فيها في الكهف، وبيّن أنه ضرب على آذانهم إشارة إلى حجب حسّهم؛ لأن النائم غالباً يستيقظ من حاسة السمع، وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾ [الكهف:١١] أي: جعلنا على آذانهم حجاباً شديداً، كما قال : ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة:٦١] أي: كتب الله عليهم الذلة. إذاً: حجب الله عنهم حاسة السمع؛ حتى لا يستيقظوا، كما بلغ النبي ﷺ : (أن رجلاً ينام إلى الصبح ولا يستيقظ لصلاة الفجر، فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه)؛ لأن العبد يستيقظ غالباً من حاسة السمع، ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١١ - ١٢] فاختلفوا في الحزبين، فقيل: الذين قالوا من أهل الكهف: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، وهم الذين قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] وكأنهم أحسوا أنهم مكثوا مدة طويلة، ولكنهم لا يستطيعون حصرها، وقيل: أحد الحزبين أهل المدينة عندما اطلعوا على أمرهم، والحزب الثاني هم أصحاب الكهف، وقيل: الحزبان من أهل المدينة. وعلى كل حال فالراجح تفسير القرآن بالقرآن، فالراجح هما حزبان من أهل الكهف كما سيأتي في تفصيل القصة.

стр. 320

إيمان الفتية أصحاب الكهف ورعاية الله لهم وتثبيتهم قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣] أي: أن الله عالم الغيب والشهادة، علم ما كان وما سيكون لو كان كيف يكون، فما يقصه الله علينا هو الحق، وما في كتب أهل الكتاب منه الصحيح ومنه المحرف المبدّل. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] أي: أن الله يكافئ على الهدى بالهدى، كما يكافئ الله على الحسنة بالحسنة، وكما يعاقب على السيئة بالسيئة، وهذا دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يزيد وينقص، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] أي: زاد الله في إيمانهم، فمن قصد الخير -عباد الله- وعزم على الخير وعزم على الهدى تأتيه المنح الربانية من الله ، فمن هذه المنح: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]. ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]. ثم المنحة الثانية: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤] كأنهم في حالهم وبحولهم وقوتهم وبإيمانهم وبالفتن الشديدة التي من حولهم؛ لأن قومهم كانوا في غاية الكفر والغباوة، بل كانوا يجبرون الناس على الشرك بالله ، كما قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠] فهؤلاء زادهم الله هدى حتى يقوموا هذا المقام الشريف، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٤]، كما قال : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]، وكما أخبر عن أهل بدر فقال : ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١] فهذه منح ربانية لأهل الإيمان، ما عليك إلا العزيمة الصادقة وأن تقوم لله ناوياً إعزاز دين الله ورفع راية الله ، حينها تأتيك المنح الربانية والتثبيت الإلهي، فهذه امرأة فرعون وكل فرعون بتعذيبها رجالاً ربطوها في أربعة أوتاد وأخذوا يعذّبونها، فقالت عند ذلك: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فأراها الله بيتها في الجنة، فآثرت ما عند الله مما عند فرعون من ملك وقصور، وطلبت بيتاً في الجنة. كذلك قصة المرأة من أصحاب الأخدود لما همّت أن تتقاعس شفقة على وليدها وعلى رضيعها، أنطق الله الرضيع فقال: يا أمي اصبري فإنك على الحق، فالله يثبت أهل الإيمان ويربط على قلوبهم؛ حتى يُعزوا دين الله وحتى يرفعوا راية الله ، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]. والشطط: هو القول البعيد عن الصواب، كما قالوا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص:٢٢] (ولا تشطط) أي: لا تبعد عن الحق، فالشطط هو القول البعيد عن الصواب، وأن يعبد العبد مع الله غيره، فهذا قول شطط وهذا فعل شطط بعيد عن الصواب؛ لأن الله وحده هو الخالق وهو الرزاق وهو المحيي وهو المميت. ثم قال تعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥] أي: بحجة واضحة على أنهم يستحقون العبادة مع الله ، ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦] كيف يكون في الكهف الرحمة وهو فجوة في الجبل؟ كيف ينتظرون المخرج من داخل الكهف؟ وكم يبقون في الكهف ثم يعودون إلى قومهم؟ إنهم لا يعرفون بلداً إسلامياً على وجه الأرض يذهبون إليه، ولكنهم فعلوا ما في مقدورهم وكانت ثقتهم بالله قوية، وهكذا المؤمن يتقي الله وينتظر المخرج من الله ، قد لا يرى المخرج بعينيه، ولا يستطيع

стр. 321

سبب إطلاع الله على أصحاب الكهف وخبرهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد. فيقول : ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكهف:٢١]، فكان في قدر الله أن أطلع أهل البلاد عليهم. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف:٢١]، أي: وقفوا عليهم. ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الكهف:٢١] أي: وعده لأهل الإيمان ونجاته لهم، وكيف يفعل الله بهم الأعاجيب؟! ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]، ويبدو كما قال بعض المفسّرين: إن هؤلاء الفتية كانوا أمراء أو كانوا أثرياء، ولذلك حفظ الناس أنهم خرجوا في زمان غابر، وأتت اليهود ليسألوا رسول الله ﷺ عن خبرهم، فكان لأمرهم شأن، وكأن هؤلاء كانوا يحفظون أن فتية خرجوا منذ أزمنة متطاولة، ولم يدروا كيف فعل الله بهم: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]؛ فالله أنامهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ثم بعثهم، فهذا من أدلة البعث عباد الله؛ لأن النوم نوع من الموت، كما قال : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢]، فالله يقبض الأرواح عند الموت وكذلك عند النوم، فمن شاء الله له أن يعيش يوماً جديداً يرد الله إليه روحه؛ لذلك كان النبي ﷺ إذا نام وضع كفه الأيمن تحت خده الأيمن، وقال: (باسمك اللهم ربي وضعت جنبي وبك أرفعه؛ فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، وكان يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور). وفي هذه القصة يقول : ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٩]؛ لأن هذا النوم يشبه الموت، والبعث بعد الموت، لعل الناس يعتبرون بذلك ويتذكرون الموت كل يوم.

стр. 322

الرد على من استدل بقصة البناء على الفتية بجواز بناء المساجد على القبور قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف:٢١]، قال بعضهم: اجعلوا بنياناً على هذا المكان، كأن هذا المكان سيكون من الآثار أو من الأشياء التي تُحترم وتزار. وقال بعضهم: ابنوا عليهم مسجداً، ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]. واستدل بعض من ليس عنده حظ من العلم والهدى بهذه الآية على جواز إقامة المساجد على القبور، ورد ذلك العلامة الألباني بثلاثة أدلة: الأول: أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا على الراجح، فهذا إن جاز في شرعهم فلا يجوز في شرعنا، إن جاز في شرعهم أن يبنوا عليهم مسجداً، وأن يتخذوا على قبور الصالحين مسجداً، فهذا لا يجوز في شرعنا؛ لأن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. الثاني: لو فرضنا على قول من يقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا، فاشترطوا ألا يأتي في شرعنا ما يخالفه، وقد أتى في شرعنا ما يخالفه، كما قال النبي ﷺ : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وكان هذا من آخر ما قاله النبي ﷺ ، في مرض موته: (كان يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم بها كشفها، وقال وهو كذلك: لعن الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، تقول السيدة عائشة: يحذّر ما صنعوا. فإن قال قائل: هذا خاص باليهود والنصارى، نقول: لماذا لعنهم النبي ﷺ في هذا الموطن؟ من أجل ألا يتشبه المسلمون بهم، ومن أجل ألا يتعرضوا للعنة بما لُعن به اليهود والنصارى، فأتى في شرعنا ما يخالفه، فإن كان هذا شرع من قبلنا ففي شرعنا ما يخالفه. الثالث: أن هذا لم يكن شريعة عندهم؛ لأن الله ما قال هذا في شريعتهم، بل قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، وهؤلاء الغالب عليهم الجهل، أهل الجاه وأهل السلطان وأهل الأموال قالوا: لنتخذن عليهم مسجداً، على عادة الناس إذا أرادوا أن يكرموا أحداً يقولون: نتخذ عليهم مسجداً، مع أن هذا مخالف لشرعنا، ولما ذُكر للنبي ﷺ كنيسة في الحبشة فيها من التصاوير، قال: (أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، واتخذوا فيه تلك التصاوير، أولئك هم شرار الخلق عند الله)؛ أي: من أجل الأمرين: الأمر الأول: اتخاذ التصاوير، والأمر الثاني: أنهم يتخذون على قبره مسجداً.

стр. 323

الأقوال في عدد أصحاب أهل الكهف قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢]. قال ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن: أنا من هذا القليل، هم سبعة وثامنهم كلبهم. وعلل ذلك بأن الله ذكر ثلاثة أقوال، فهذا يدل على أن الأقوال ثلاثة وليس هناك قول رابع، ثم أشار إلى بطلان القولين الأولين فقال: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢] فالذي يقذف شيئاً في مكان لا يعرفه فغالباً لا يصيب الهدف. ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] ولم يكذّب هذا القول، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] إشارة إلى أن العبرة حاصلة سواء كانوا ثلاثة ورابعهم كلبهم، أو خمسة وسادسهم كلبهم، أو سبعة وثامنهم كلبهم، ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٢ - ٢٥]. فكانت هذه قصة هؤلاء الفتية وكيف فعل الله بهم، وكيف نجاهم الله من المكر الكافر، وكيف نجاهم من الشرك، فهم قصدوا الإيمان، واعتزلوا قومهم للكفر وللشرك، ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤] وقالوا: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف:١٦] فهم أخذوا بالأسباب واعتزلوا قومهم، فعند ذلك جعل الله لهم الفرج والمخرج كما قال إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩] فإذا اعتزل العبد أهل المعاصي وأهل الشرك فإن الله يؤنس وحشته ويجعل لهم فرجاً ومخرجاً. اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم انصرنا بالإسلام قائمين، وانصرنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين. اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم رد بأسهم عن إخواننا في فلسطين، وأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً. اللهم عليك بالأمريكان الحاقدين، ورد بأسهم عن إخواننا في العراق وفي أفغانستان، اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لسائر خلقك عبرة وآية. اللهم اهدنا واهد بنا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر. اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً.

стр. 324

رسالة السعادة يظن كثير من الناس أن السعادة في المال، أو الجاه والسلطان، أو الشهرة، أو الفن والتمثيل والرقص ونحو ذلك من متاع الدنيا، ولذا تراهم يلهثون وراء هذه الأشياء ظناً منهم أنهم سيجنون السعادة منها، غافلين أو متغافلين عن كون واجدي هذه الأشياء يعيشون في هم وغم ونكد وشقاء، فأموالهم ومناصبهم وشهرتهم لم تمنحهم السعادة التي لهثوا وراءها، وما دروا أن السعادة الحقيقية في الإيمان بالله وحده وعبادته، فبذلك يحصل العبد على الطمأنينة والسكينة والراحة في الدنيا والآخرة.

стр. 325

مقدمة بين يدي الحديث عن السعادة الحقيقية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً. أما بعد: فقد جعل الله السعادة وصفاً على أهل الإيمان والعمل الصالح، فقال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]، فإذا حصل العبد أسباب الإيمان فزكى نفسه وطهر قلبه فإنه يجد السعادة المنشودة والدرة المفقودة، وكلما اكتمل إيمانه وأشغل قلبه وجوارحه بطاعة الله وجد السعادة في الدنيا قبل الآخرة. سأنقل لكم كلاماً من رسالة (السعادة بين الوهم والحقيقة) للدكتور ناصر بن سليمان العمر، وهي في الواقع من أحسن وأروع ما كتب عموماً، وفي هذا الموضوع خصوصاً؛ لذلك سأنقل عبارات منها بالنص. تكلم الدكتور ناصر العمر عن شقاء أصحاب النار وأصحاب الشقوة وأصحاب الجهل، وبين طريق السعادة في أمور الإيمان، والتسليم لقضاء الله وقدره، ولكن كان ينقص الرسالة أن يحكي أيضاً عن أهل الإيمان والعمل الصالح، كيف وجدوا السعادة! فهذا جزء مفقود في هذه الرسالة، ولو اكتملت لكان فيها خير كثير، فإن شاء الله ننقل كلمات من الرسالة، ثم نكمل ما شاء الله من بيان حال أهل الإيمان في الوصول إلى السعادة الحقيقية، فقد بين المؤلف هنا كيف أن أهل الدنيا توهموا السعادة في أشياء وساروا خلفها، فما حصلوا إلا الشقاء حتى ماتوا بحسرتهم، ولم يجدوا السعادة ولم يجدوا طريقها. ثم بين أسباب السعادة الحقيقية، ولكن كان الأكمل أن يحكي عن أهل الإيمان وعن العلماء وعن العباد وعن أهل الخير والصلاح كيف وجدوا السعادة! وكيف حكوا عن هذه السعادة التي يجدونها في الدنيا قبل الآخرة، والله جعل قلب الإنسان منشرحاً بالقرآن وبالإسلام، فقال : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢]. وقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. يعني: أن صدر الإنسان المريد للهداية ينشرح وينفتح بالإسلام، بينما المريد للضلالة فهو كالذي يتصعّد في السماء فيختنق؛ لأن نسبة الأكسجين تقل في طبقات الجو العليا، فكلما انخفض خف الاختناق. إذاً: من يرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً، فلا يتسع للإسلام ولا ينشرح بالإسلام، بل تُحبس عنه أسباب الحياة؛ لأن الإسلام هو الروح وهو النور، كما قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. وقال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، فكل من وجد طعم الإيمان ووجد طريق السعادة الحقيقية يحس أنه كان في وهم وفي خيال، وأنه كان ميتاً قبل أن يشرح الله صدره للإسلام، فما أضيق وأحرج هذه الحياة التي يعيشها أهل الدنيا، والتي يسيرون فيها خلف الشهوات الزائفة، وخلف السعادة الموهومة.

стр. 326

أقسام السعادة وأصناف الناس فيها يبين الكاتب حفظه الله كيف أن الناس يسعون إلى السعادة، فيقول: (أما بعد: فمعاً أيها القارئ الكريم نلتقي في طريق من طرق الخير، ودرب من دروب المحبة، ومسلك من مسالك السعادة، أسأل الله أن يجعل هذا في موازين أعمالنا يوم القيامة. أيها الأخ الكريم! هل السعادة وهم أم حقيقة؟ ربما عجبت من هذا السؤال! نعم. إن هناك سعادة وهمية، وسعادة حقيقية. ولكن ما الداعي لتقليب صفحات هذا الموضوع، والخوض فيه؟) يبين صاحب الرسالة الأسباب التي دعته إلى طرح هذا الموضوع فيذكر منها: أن كل إنسان على هذه البسيطة يسعى إلى السعادة، قد يختلف الناس في مذاهبهم ويختلفون في أعرافهم ويختلفون في مشاربهم، بل قد يختلفون في مبادئهم وغاياتهم ومقاصدهم، إلا غاية واحدة ربما اتفقوا عليها من أولهم إلى آخرهم، إنها طلب السعادة. فالمؤمن يطلب رضا الله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، ومع ذلك أيضاً يسعى للسعادة، يسعى للنجاة من النار والفوز بالجنة، ويسعى للحياة الطيبة في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح. والكافر يشترك مع المؤمن في طلب السعادة، لكن لا يطلب رضا الله ، بل يعبد هواه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]. قال الحسن: هو الذي كلما هوى شيئاً ركبه. يعني: كلما زينت له نفسه فعل شيء فعل هذا الشيء، فليس له غاية إلا السعادة، مع أنه أخطأ طريقها فلم يجد شمها ولم يذق طعمها الحقيقي. ثم يقول: (المؤمن والكافر، البر والفاجر، كل واحد منهم يريد السعادة، لو سألته: لم تعمل هذا؟ ولأي شيء تفعل ذاك؟ لقال: أريد السعادة! سواء أقالها بحروفها أم بمعناها، بمدلولها أو بحقيقتها. ثم ذكر السبب الثاني وهو أن كثيراً من الناس يخطئ طريق السعادة، كل الناس يريدون السعادة، ولكن كثيراً منهم يخطئ هذا الطريق، بل إن القلة القليلة هي التي تسلك سبيل السعادة الحقيقية. وعند السبب الثالث بين أنه سبب هام جداً فقال: السبب الثالث: وهو سبب جوهري -أرجو أن ينال عنايتكم وانتباهكم- وهو أن كثيراً من المسلمين -وأخص الدعاة منهم- عندما يرون أصحاب السعادات الوهمية، يكون هذا الأمر عائقاً لهم عن الطريق إلى الله ، فالداعية إلى الله يصاب في طريقه بعقبات، وهذا شأن طريق الدعوة، وهو بحاجة إلى من يثبته على هذا الطريق، ولكنه يرى كثيراً ممن يتصور خاطئاً أنهم أصحاب سعادات، يراهم يعيشون في قمة السعادة، وهنا يحدث له الضعف والوهن في طريقه إلى الله ، فيقول له الشيطان: ألا تكون مثل هؤلاء، ألا تعيش السعادة الحقيقية مثل هؤلاء؟ فيضعف عن الطريق. وكم من مستقيم ضل وانحرف عن الطريق قبل وفاته! كم من رجل كان يعيش السعادة الحقيقية، ثم انتقل منها إلى السعادة الوهمية، فلم يحقق السعادة في الدنيا، ولن يحققها في الآخرة! ومن هنا -أيها الإخوة- كتبت لكم عن السعادة، لنقف وقفات متأنية علنا نتبين حقيقتها، وهم هي أم حقيقة؟).

стр. 327

تعريف السعادة وأوهامها يعرف الكاتب حفظه الله السعادة فيقول: (السعادة عند أهل اللغة: هي ضد الشقاوة، فلان سعيد، أي: ضد الشقي. وأهل التربية وعلماء النفس يقولون بعبارة موجزة جميلة: هي ذلك الشعور المستمر بالغبطة والطمأنينة، والأريحية والبهجة، وهذا الشعور السعيد يأتي نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات، وخيرية الحياة، وخيرية المصير). ثم يقول: (أوهام السعادة! سأقف طويلاً أيها الأخ الكريم عند هذه القضية؛ وما ذاك إلا لأنها قضية حاسمة، ومهمة في تحديد مسيرة حياتنا، بل وتحديد مفاهيمنا الخاطئة عن السعادة، والتي منها: السعادة في المال). فهو أولاً ذكر السعادة في المال وأتى بأمثلة على ذلك، كذلك أتى بأمثلة على سعادة الشهرة، ثم سعادة الشهادات، فيقول: (نتساءل كثيراً عن السعادة: هل السعادة في تكديس المال وفي جمع الثروات، وبناء العقارات والقصور؟ هل هذه هي السعادة؟ كثير من الناس يتوهم ذلك، فهذا سعيد؛ لأنه يملك الأرصدة في البنوك! وفلان سعيد، لأنه يملك كذا من الأراضي، وكذا من العمارات. فلان سعيد؛ لأنه يملك كذا وكذا! كثير من الناس يطلق هذا الوهم بلسانه، وكثير منهم يعتقده بقلبه، فيتصرف من هذا المنطلق الخاطئ. أقول: ليست السعادة في جمع المال، على حد قول الشاعر: ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد أخي المسلم! أقف معك حول هذه القضية، أعني: قضية أن السعادة في المال؛ لأنها من أهم القضايا في أوهام السعادة، وجملة القول: ليس كل صاحب مال سعيداً، فكثير من أرباب المال وأصحاب الثروات يعيشون في شقاء وتعاسة دائمة في حياتهم الدنيا قبل الآخرة). ويمكن أن تسألوا أصحاب المال: هل وجدتم السعادة المنشودة؟ يقول: (إنهم يتعبون في جمع المال، وفي حفظه واستثماره)، وقد يكون مشغولاً كيف يستثمر هذا المال؟ وكيف ينمّي هذا المال؟ ثم يقول: (والقلق والخوف من فوات هذا المال وزواله). كم من إنسان يملك المليارات ولكنه خائف قلق، لماذا كل هذا الخوف؟ ولم كل هذا القلق؟ إنه يخاف على هذا المال، يخاف أن تأتي هزة سياسية، أو يأتي لصوص فيسرقون هذا المال. إذاً: فهو يعيش في شقاء، خوف، قلق، هم، غم، بل إنه لا ينام الليل، وهذا أمر مجرب مشاهد ترونه بأعينكم، بل قد يكون المال سبب هلاكه ومماته. كم من غني خُطف أو قُتل بسبب تجارته؟ بل كم من غني حرم من لذاته بسبب أمواله، تجده لا يمشي طليقاً، ولا يمشي حراً، لا يسافر كما يريد، لا ينام كما يريد، كل هذا بسبب أمواله؟ ثم كم من إنسان صاحب مال زال ماله، وزالت ثرواته بسبب أو بآخر، فعاش بقية حياته في تعاسة وشقاء؟

стр. 328

طلب السعادة في المال إليكم هذه النماذج الناطقة: بدأ الكاتب حفظه الله بقصة قارون مختصرة، فقال: (تلك القصة التي أوردها القرآن الكريم عن قارون، حيث قال : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩]، في قمة سعادته، حتى إن قائلهم يقول: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] خرج في زينته فهو ذو حظ عظيم، كل هذا من أوهام السعادة، والنتيجة لكفره بأنعم الله كما يقول الله : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١] أي: سعادة هذه وأي نهاية هذه؟). وعلى هذا فقول أمية بن خلف وأمثاله يوم القيامة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] لم يأت من فراغ، فبئس المال الذي لا يغني عن صاحبه شيئاً. والقصة الثانية: قصة كرستينا أوناسيس، لعل بعض الإخوة يكون قد سمع قصة أوناسيس الملياردير فهو من أغنى أغنياء العالم، وتزوج من زوجة الرئيس الأمريكي السابق جون كنيدي من فترة طويلة، يمكن من أكثر من (٢٠) سنة أو (٢٥) سنة، وحكي لنا عن ثرواته الكثيرة حيث إن له أسطولاً بحرياً وعنده أشياء عديدة، فالكاتب حفظه الله يحكي عن قصة كرستينا ابنة أوناسيس هذا الكافر. يقول: (قصة عجيبة تابعت فصولها على مدى (١٥) عاماً أو تزيد، وانتهى آخر فصل منها منذ أشهر فقط، إنها قصة: كرستينا أوناسيس). والله قد ضرب لنا أمثالاً من الكفار في القرآن، فلا غرو ولا عجب أن نضرب لكم مثلاً باسم هذه المرأة. إليكم قصة هذه المرأة كرستينا أوناسيس: تلك الفتاة اليونانية، ابنة المليونير المالي المشهور أوناسيس، ذلك الذي يملك المليارات، يملك الجزر، يملك الأساطيل. هذه الفتاة مات أبوها، وقبل ذلك ماتت أمها، وبينهما مات أخوها، وبقيت هي الوريثة الوحيدة مع زوجة أبيها لهذه الثروات الطائلة). يقول: (أتدري أيها القارئ الكريم كم ورثت؟ لقد ورثت من أبيها ما يزيد عن خمسة آلاف مليون ريال! فتاة تملك أسطولاً بحرياً ضخماً! تملك جزراً كاملة! تملك شركات طيران! أخي الكريم! امرأة تملك أكثر من خمسة آلاف مليون ريال، بقصورها وسفنها وطائراتها، أليست في مقاييس كثير من الناس أسعد امرأة في العالم؟! كم من إنسان يتمنى أن يكون مثل هذه المرأة! ألست تعلم أنه لو وزعت ثرواتها على مائة فرد لأصبحوا من كبار الأثرياء، بحيث يصل كل واحد منهم خمسون مليون ريال، فهو إذاً من كبار الأثرياء، فما بالك بامرأة تملك هذه الثروة؟ السؤال هو: هل هذه المرأة سعيدة؟ إليكم فصول قصتها العجيبة، وسيتبين لكم من خلالها الجواب أما أمها فقد ماتت بعد حياة مأساوية، كان آخر فصولها الطلاق. وأما أخوها: فقد هلك بعدما سقطت به طائرته التي كان يلعب بها. وأما أبوها فقد اختلف مع زوجته الجديدة التي هي جاكلين كنيدي زوجة الرئيس الأمريكي السابق كنيدي، تلك الزوجة التي تزوجها بملايين الدولارات، يبحث عن الشهرة فقط، ليقال: إنه تزوج بزوجة الرئيس الأمريكي جون كنيدي من أشهر رؤساء أمريكا، ومات مقتولاً، ومع ذلك فقد عاش معها في شقاء دائم. تصور أن من بنود عقد الزواج ألا تنام معه في فراش، وألا يسيطر عليها، وأن ينفق عليها الملايين حسب رغبتها، ومع ذلك فقد اختلفت معه، وعندما مات اختلفت مع ابنته. يقول: (وخلاصة القول أن هذه الفتاة كانت قد تزوجت في حياة أبيها برجل أمريكي، وعاش معها شهوراً، ثم طلقها أو طلقته، وبعد وفاة أبيها تزوجت برجل آخر يوناني، وعاش معها شهوراً ثم طلقها أو طلقته، ثم انتظرت طويلاً تبحث عن السعادة، أتعلمون من تزوجت للمرة الثالثة أغنى امرأة في العالم على الإطلاق؟ أتعلمون من تزوجت؟ لقد تزوجت شيوعياً روسياً، يا للعجب! قمة الرأسمالية تلتقي مع قمة الشيوعية! وعندما سألها الناس والصحفيون بشكل خاص، عندما سألوها: أنت تمثلين الرأسمالية فكيف تتزوجين بشيوعي؟ عندها قالت: أبحث عن السعادة! نعم، لقد قالت: أبحث عن السعادة، وبعد الزواج ذهبت معه إلى روسيا، وبما أن النظام هناك لا يسمح بامتلاك أكثر من غرفتين، ولا يسمح بخادمة، فقد جلست تخدم في بيتها، بل في غرفتيها، فجاءها الصحفيون وهم يتابعونها في كل مكان، فسألوها: كيف يكون هذا؟ قالت: أبحث عن السعادة، وعاشت معه سنة، ثم طلقها بل طلقته، ثم بعد ذلك أُقيمت حفلة في فرنسا، وسألها الصحفيون: هل أنت أغنى امرأة؟ قالت: نعم، أنا أغنى امرأة ولكني أشقى امرأة! وآخر فصل من فصول المسرحية الحقيقية تزوجت برجل فرنسي، لاحظوا أنها تزوجت من أربع دول وليس من دولة واحدة لعلها تجرب حظها، تزوجت بغني فرنسي أحد رجال الصناعة، وبعد فترة يسيرة أنجبت بنتاً، ثم

стр. 329

طلب السعادة في الرياضة يقول: (هل السعادة في الشهرة، كالرياضة والفن؟ أقول: لا؛ لأن الشهرة شقاء لا سعادة، ولأن الشهرة لا حقيقة لها إن لم ترتبط بتقوى الله . يعني: الذي يتقي الله يهرب من الشهرة ويرفضها؛ لأنه يتقي الله ، يقول الله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، فلا يلتقي أبداً طلب رضا الله وطلب جنة الله وطلب الآخرة مع طلب الرفعة والشهرة والمنصب والجاه في الدنيا، فأهل الإيمان لا يعملون للشهرة. يقول: (والذي يتقي الله لا يريد الشهرة؛ لأن الشهرة إذا ارتبطت بغير سبب أصيل فإنها تزول سريعاً، وإذا زالت عن صاحبها عاش في شقاء وتعاسة، قد يتوهم كثير من الناس أن السعادة موجودة عند صنفين من الناس: هم أهل الرياضة، وأهل الفن). يعني: هؤلاء هم أصحاب الشهرة في هذه المجتمعات الهابطة والساقطة التي تمدح أهل الفن وأهل الرقص وأهل الموسيقى، وأهل الفسق وأهل المعاصي والإباحية، بينما يلاقي أهل الدين من الاضطهاد ومن الحرب ومن التضييق عليهم وغير ذلك، قرأت في إحدى الجرائد عن فريد شوقي أو غيره ممن ملأ الدنيا شراً وفساداً، أن الدولة تتكفّل بعلاجه في الخارج، مع أنه صاحب شركات وصاحب أموال، بينما لو كان هذا المريض من الدعاة إلى الله أو من عامة المسلمين فإنه أهون عليهم من الهوان، ولكن القيامة خافضة رافعة، تخفض أقواماً وترفع آخرين، ترفع أهل الدين وأهل الصلاح، وتخفض أهل الفسق وأهل الفجور وأهل المعاصي: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢] فالعبرة بما سبق، من أن الله يرفع أهل الإيمان وأهل التقوى، ويخفض أهل الفجور وأهل المعاصي. فيقول: (قد يتوهم كثير من الناس أن السعادة موجودة عند صنفين من الناس: هم أهل الرياضة، وأهل الفن. فأقول: أهل الرياضة: معظمهم يعيش الشقاء في أيامه ولياليه، فمن معسكر إلى معسكر، ومن سفر إلى سفر، فلا يكاد يستقر مع أهله إلا قليلاً، ويضطر أغلبهم إلى التفريط بمستقبلهم الدراسي وعدم مواصلته؛ بسبب انشغاله الكامل بالرياضة، أضف إلى ذلك اضطرابهم عند كل مباراة، وكآبتهم عند كل هزيمة، ثم إن الإصابات تتقاذفهم من كل جانب، كما أن الخوف من رأي الجماهير ونظرتها). يعني: أي إنسان يعلق قلبه بغير الله يحس بالشقاء، فهو قد يكسب الشهرة ثم يفقدها، وقد لا يجد الشهرة ويفقد مدح الناس وقد يذمونه فيظل في شقاء، أما المؤمن فإنه يطلب وجه ربه تعالى ولا يلتفت إلى الناس سواء مدحوه أو ذموه، سواء رضوا عنه أم غضبوا. يقول: (كما أن الخوف من رأي الجماهير ونظرتها عند أي هبوط في المستوى يجعلهم يعيشون شقاء متواصلاً، ثم ماذا بعد ذلك؟ إن الناس سرعان ما ينسونهم بعد الاعتزال فيزدادون ألماً وحزناً). إذاً: فليست السعادة عند أهل الرياضة، وإن ظن الكثيرون أنها عندهم.

стр. 330

طلب السعادة في الفن يقول: (أهل الفن: إن حياتهم أسوأ حياة يعيشها البشر؛ فشل أسري، مخدرات، انحلال، انعدام حياء، موت فضيلة، وأقصد بأهل الفن أهل الغناء والطرب، والتمثيل، ولا أقول هذا من عندي، بل هو من مذكراتهم التي تعج بها الصحف صباح مساء، خذوا على ما أقول ثلاث وقائع). يعني: قد يكونون معذورين، لأن أكثرهم ما وجدوا طريق السعادة الحقيقية وما ذاقوا طعم الإيمان. يحكي أحد من إخواننا في القاهرة، بينما كنا في درس في المسجد، فأرسلت لنا بورقة من خارج المسجد، وكانت الورقة من امرأة تشتغل بالرقص، فتقول: أنا أعمل راقصة، وأنا واقفة خارج المسجد بزي الرقص متبرجة، وأنا قلبي يتقطع من هذا الكلام الذي أسمعه، فمدوا إلي أيديكم، فالمهم أن بعض الأخوات أخذنها وأدخلنها المسجد وألبسنها الحجاب، ثم إن هذه المرأة أتت بستين راقصة وأدخلتهن في دائرة الإسلام وتحجبن، فهن كن في ضياع ولم يذقن حلاوة الإيمان، وكن يظنين أن في المال والشهرة والعبث واللعب توجد السعادة الحقيقية، فلما وجدت هذه المرأة حلاوة الإيمان أتت بالراقصات من الأرياف والقرى، فكان بفضل الله أن من عليهن بإيمان عظيم. فهذا يدل على أنهن محرومات، وأنهن في شقاء في القلب؛ بسبب المعاصي، فالإنسان لو أطلق بصره مثلاً في امرأة متبرجة مثلاً يجد شقاء في قلبه، فكيف بالزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وهذه الأشياء؟ فإذا كانت نظرة أو كلمة قاتلة تنبت شقاء وظلمة في القلب، والمؤمن يحس بهذه المعصية إذا فعلها، فكيف بالكبائر؟! وكيف بالذي حياته كلها معاص، وهو بعيد جداً عن شرع الله وبعيد عن طريق الإيمان؟ فلا شك أن هؤلاء عندما يجدون السعادة الحقيقية يحسون أنهم كانوا في وهم وخيال، وأن الذي كانوا فيه لم يكن هو السعادة ولا الحياة الطيبة، فمن فيه خير منهم رجع إلى حظيرة الإيمان. يقول: (لا أقول هذا من عندي -يعني: أن أهل الفن أكثر الناس شقاء- بل هو من مذكراتهم التي تعج بها الصحف صباح مساء، خذوا على ما أقول ثلاث وقائع: الواقعة الأولى: أنور وجدي زوج الممثلة اليهودية ليلى مراد). يعني: نذكر هذه الأسماء وإن كان الأولى أن ننزه هذه الأماكن منها، ولكن ذكر في القرآن مثل قارون وهامان وأبي بن خلف وفرعون للعبرة والعظة. يقول: (هذه الزوجة قالت في مذكراتها عن زوجها أنور وجدي: إن زوجي كان ممثلاً بسيطاً، فقال: أتمنى أن أملك مليون جنيه حتى ولو أصبت بمرض، فقلت له: ما ينفعك المال إذا جاءك المرض؟ فقال: أنفق جزءاً من المال في علاج المرض، وأعيش ببقيته سعيداً، تقول: فملك أكثر من مليون جنيه، وابتلاه الله بسرطان في الكبد، فأنفق المليون جنيه وزيادة ولم يجد السعادة، حتى إنه كان لا يأكل إلا شيئاً يسيراً من الطعام). يعني: قد يكون عنده مال كثير جداً، ولكنه عنده من الأمراض ما لا يجد طعم الطعام. يقول: (فهو ممنوع من أكل كثير من الأطعمة، وأخيراً مات بهذا المرض حسيراً نادماً). لم يجد سعاة لا في الدنيا ولا في الآخرة، إن كان مات على عمل سيئ. يقول: (الواقعة الثانية: نيازي مصطفى، هو من كبار المخرجين، لكنه عاش حياته في شقاء وتعاسة، وعندما بلغ السبعين من عمره، وجدوه قد قتل في منزله، ووجدوا أنه في تلك الليلة التي مات فيها، قد أقام حفلة صاخبة، شاركه فيها أكثر من عشر فتيات، وفي الصباح وجدوه أثراً بعد عين، فقد وجدوه قتيلاً!). وكثير من هؤلاء يموت من كثرة شرب الخمر، فيحصل له تسمم من الخمر يموت بسوء خاتمه بسببه والعياذ بالله. يقول: (انظر إلى هذه الحياة، ذعر، وسكر، وخيانة، مات على هذه الحالة المأساوية، نعوذ بالله من سوء الخاتمة. الواقعة الثالثة: عبد الحليم حافظ الرجل الذي عاش حياته مريضاً وحيداً). وأنا كنت أتصور أن عبد الحليم حافظ هذا كان عمره بين العشرين والثلاثين سنة، ولكنه كان قد تجاوز الخمسين سنة، وما تزوج، وعاش حياة كما يعيش غيره من أهل الفن. يقول: (عبد الحليم حافظ الرجل الذي عاش حياته مريضاً وحيداً من غير زوجة ولا ولد، إلى أن اختطفه الموت، وأنهكه المرض بعد الخمسين بقليل في قمة الشقاء. فالسعادة إذاً ليست إلا بريقاً زائفاً تشع به أعينهم؛ لتوهم الآخرين بذلك، مع أنهم يعيشون في الواقع قمة الشقاء والتعاسة). إذاً: فليست السعادة لا في المال ولا في الشهرة.

стр. 331

طلب السعادة في الشهادات والمناصب هل السعادة في الشهادات، وأنه يصبح للإنسان شهادة ودرجة عالية؟ يقول: (إذاً: أين السعادة؟ ربما كانت في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتوراً!). يعني: عندما كنا في الجامعة كان كثير من الطلاب غاية أمله أن يكون دكتوراً في الجامعة، هذا غاية ما يصبو إليه، ويواصل الليل بالنهار في المذاكرة والعمل من أجل هذه الغاية؛ لأنه يتصور أنه إذا صار دكتوراً في الجامعة سيكون من أعلى الناس منزلة ومن أسعد الناس. يقول: (ربما كانت في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتوراً، لكني أقول لكم بكل ثقة: لا، ولنقف قليلاً مع ما يبرهن على هذا بجلاء ووضوح، إليكم هذه القصة الحديثة التي نشرتها مجلة اليمامة: طبيبة تصرخ تقول: خذوا شهاداتي وأعطوني زوجاً! انظروا كيف تقول هذه الطبيبة، تصوروا دكتورة في الطب، وربما كانت في نظر كثير من الناس سعيدة جداً). ثم يقول: (إذاً: لعل أصحاب السعادة هم أصحاب المناصب العالية المرموقة من قادة ووزراء وغيرهم؟ غير أني أقول لكم: لا، أتدرون لماذا؟ لأن المسئولية هم في الدنيا، وإن لم يقم صاحبها بحقها فهي حسرة وندامة يوم القيامة. صاحب المنصب والسلطان لا يفارقه الهم خوفاً من زواله، تجده يشقى للمحافظة عليه، وإذا زال منصبه ولابد أن يزول عاش بقية عمره تعيساً، والمنصب قد يكون سبباً في هلاك صاحبه، ولذلك يعيش في خوف وقلق دائمين. وكفانا على ذلك قصة فرعون وهامان صاحبي المناصب العالية المرموقة اللذان خلد القرآن قصتيهما. أما في العصر الحاضر، فأسرد لكم أمثلة سريعة: المثال الأول: شاه إيران الرجل الذي أقام حفلاً ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد أن يبسط نفوذه على الخليج، ثم على العالم العربي بعد ذلك، ليلتقي مع اليهود، ذلك الرجل الذي كان يتغنى ويتقلب كالطاوس، كيف كانت نهايته؟ لقد تشرد، طرد، ولم يجد بلداً يأويه، حتى أمريكا التي كان أذل عميل لها). يعني: حتى أمريكا رفضت أن تستقبل هذا الشاه المجرم، واستقبلته مصر، وكانت تفتخر بأنها استقبلت شاه إيران المخلوع. يقول: (وظل على هذه الحال حتى مات شريداً طريداً في مصر، بعد أن أنهكه الهم، وفتك به السرطان. أما أولاده وأهله وحاشيته فقد أصبحوا أشتاتاً متفرقين في عدة قارات! المثال الثاني: رئيس الفلبين. هذا الرجل الطاغية ماذا حدث له؟ لقد قلبت نظري كثيراً في قصته، فوجدتها جديرة بأخذ العبرة منها، هذا الزعيم أذاقه الله غصص التعاسة والشقاء في الدنيا قبل الآخرة، فإذا به بين عشية وضحاها يتحول إلى شريد طريد يتنكر له أسياده وأصدقاؤه، ولا يملك الرجوع إلى بلد كان يرتع فيه كما يشاء، حتى إذا جاءت وفاته لم يستطع أن يحصل على أشبار قليلة في بلده يواري فيها سوأته، فسبحان مالك الملك! المثال الثالث: بوكاسا، وما أدراك ما بوكاسا! الذي صدر نفسه إمبراطوراً، وما زلنا نذكر صورته وأفعاله في أفريقيا الوسطى. يقول: (عندما زار فرنسا، قام عليه انقلاب، فتشرد في فرنسا حتى ضاقت به الأرض، فجاء إلى بلده باسم مستعار). يعني: أراد أن يدخل بلده فزيف جوازه ودخل باسم مستعار فكشف. قال: (فقبضوا عليه، وحوكم في بلده. ولا أعلم الآن أقتل أم لم يقتل؟ لكن المعلوم أنه أصيب بعدة أمراض: أهونها أمراض التعاسة والهم والغم، في البلد الذي نصب نفسه إمبراطوراً له. هذه بعض الأمثال السريعة، وما أكثر أمثال هؤلاء الذين ذكرت من السابقين واللاحقين، تجري فيهم سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير. إذاً: هذه السعادة الوهمية التي يتصور الناس أنها حقيقة السعادة، كثير من الناس يبدو لأول وهلة أنهم سعداء، وهم في الواقع يتجرعون غصص الشقاء والبؤس والحسرة. يصور هذا المعنى الشاعر حمد الحجي ﵀ في قصيدة له فيقول: وما لقيت الأنام إلا رأوا مني ابتساماً ولا يدرون ما بي أظهر الانشراح للناس حتى يتمنوا أنهم في ثيابي ثم يقول: ولو دروا أنني شقي حزين ضاق في عينه فسيح الرحاب لتناءوا عني ولم ينظروني ثم زادوا نفورهم في اغتيابي فكأني آتي بأعظم جرم لو تبدت تعاستي للصحاب هكذا الناس يطلبون المنايا للذي بينهم جليل المصاب ومن أوضح الأمثلة على السعادة الوهمية ما تعيشه أوروبا، وبخاصة الدول الإسكندنافية، فهي أغنى الدول)، مثل السويد وغيرها من الدول. يقول: (فهي أغنى الدول، سواء على مستوى الدولة، أو على مستوى دخل الفرد، ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب انتحار. فدولة السويد مثلاً هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها أعلى دولة في نسب الانتحار، بينما نجد الدول الإسلامية -مع أن أكثرها فقيرة- تسجل أقل نسبة من نسب الانتحار في العالم). يعني: يشكل الانتحار أعلى قمة الشقاء والعياذ بالله؛ لأنها ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يجد شيئاً من السعادة، فهو يظن أنه قد يجد شيئاً منها بالموت.

стр. 332

موانع السعادة يقول: (وهكذا نرى من خلال الواقع أن السعادة الحقيقية ليست في المال ولا في الشهرة، ولا في الشهادات، ولا في المناصب، وما أشبه ذلك من حطام الدنيا. إذاً: أين تكمن أسباب السعادة، وما صفات السعداء سعادة واقعية حقيقية؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل، نمهد لذلك بذكر بعض موانع السعادة على وجه الاختصار). فيذكر من موانع السعادة: الكفر. يقول: كما قال الله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] لا يمكن للكافر أن يصبح سعيداً، لا يمكن أن تجد كافراً سعيداً. ومن موانع السعادة أيضاً: المعاصي والآثام والجرائم). ومع أن الأدلة كثيرة على ذلك من الواقع ولكنه أورد أدلة هنا من كلام الكفار أنفسهم، من باب: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:٢٦]. يقول: (ولن أستشهد على هذا الأمر فهو واضح جلي، لكن أذكر قولاً من أقوال الكفار، لبيان هذه القضية. يقول ألكس كاريل: إن الإنسان لم يدرك بعد فداحة النتائج التي تترتب على الخطيئة، ونتائجها لا يمكن علاجها على وجه العموم). يعني: إذا عمل الإنسان خطيئة يجد نتيجة هذه الخطيئة. (ويقول سقراط -وهو كافر-: إن المجرم دائماً أشقى من ضحيته، وإن من يكون مجرماً ولم يعاقب على جرمه يكون من أشقى الناس). يعني: يصف من قتل أو فعل شيئاً من هذه الفواحش والمعاصي ولم يعاقب أنه يعيش شقياً بجريمته، فهذا شقاء في الدنيا ونكد معجل لهؤلاء: ﴿ولَنُذِيقَنَهُم مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١]. يقول: (فهكذا يقول هذان الكافران، بينما نجد أن صحابياً أذنب، فجاء إلى الرسول ﷺ وقال: (يا رسول الله طهرني، وكررها على رسول الله ﷺ فأقام عليه الحد)). ثم يذكر من موانع السعادة: الحسد والغيرة، والحقد والغل. ثم يقول: (فإن الظلم مرتعه وخيم، وعاقبته سيئة إلى أبعد الحدود، يقول: فلنقف على مثالين معاصرين يصوران عقبى الظلم ومآل الظلمة، يقول: هما حمزة البسيوني وصلاح نصر، فقد كانا من جنود زعيمهما الهالك جمال عبد الناصر -لعنة الله على الظالمين-، يقول: صبا على الدعاة إلى الله من الظلم والعذاب ما تقشعر له الأبدان، ولكن: كيف كانت حياتهما؟ شر حياة. أما حمزة البسيوني فقد بلغ به التجبر والطغيان إلى حد أنه كان يقول للمؤمنين وهو يعذبهم حينما يستغيثون بالله يقول: أين إلهكم لأضعه في الحديد؟ وأما صلاح نصر فقد كان يعقد على زوجات الناس عقوداً وهمية، وهن في عصمة رجال آخرين ويتزوجهن، لكن كيف كانت نهاية أولئك الطغاة؟ يقول: حمزة البسيوني اصطدمت سيارته وهو خارج من القاهرة إلى الإسكندرية بشاحنة تحمل حديداً، فدخل الحديد في جسمه من أعلى رأسه إلى أحشائه، وعجز المنقذون أن يخرجوه إلا قطعاً. هكذا أهلكه الله بالحديد، وهو الذي كان يقول: إنه سيضع الله في الحديد، تعالى الله عما يقول الظالمون). وضع الله في جسمه الحديد وأهلكه بالحديد. يقول: (وأما صلاح نصر فقد أصيب بأكثر من عشرة أمراض مؤلمة مزمنة، عاش عدة سنوات من عمره في تعاسة، ولم يجد له الطب علاجاً، حتى مات سجيناً مزجوجاً به في زنزانات زعمائه الذين كان يخدمهم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته). ثم يذكر أيضاً من موانع السعادة: الخوف من غير الله ، والتشاؤم، وسوء الظن، والكبر، وتعلق القلب بغير الله، كما قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة))، يعني: كل من علق قلبه بغير الله فهو في تعاسة وشقاء، سواء كان مالاً أو دنيا أو امرأة لابد من التعاسة والشقاء. ثم يذكر المخدرات في موانع السعادة فيقول: (إن كثيراً من الناس يتوهم أن السعادة تجتلب في معاقرة المخدرات والمسكرات، فيقبلون عليها قاصدين الهروب من هموم الدنيا ومشاغلها وأتراحها، وإذا بهم يجدون أنفسهم كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ لأن المخدرات في الحقيقة من الحوائل دون السعادة، وأنها تجلب الشقاء واليأس والانحلال والدمار؛ دمار الفرد والمجتمع والأمة، وإن لنا في الواقع الحاضر لخير شاهد على ذلك، فليعتبر أولو الألباب). ثم يختم الرسالة بذكر أسباب السعادة، فيبين أن أعظم سبب في السعادة هو الإيمان بالله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] أي: سعادة حقيقية في الدنيا، ثم ينتقل إلى سعادة الأبد في الآخرة، يقول تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَ

стр. 333

شرف الإيمان وثمرة شجرة الإيمان أهل الإيمان هم أهل السعادة الحقيقية، وأهل الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة، ولشرف الإيمان عند الله جعله شرطاً لانتفاع العبد بعمله الصالح، فمن فقد الإيمان لم ينتفع بعمل وإن قطع نهاره بالصيام وليله بالقيام.

стр. 334

فضل الإيمان وشرفه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، فاغتر الناس بظاهر الدنيا وزينتها، وظنوا أن السعيد من فاز في الدنيا بشهواتها، ومن وصل إلى جاهها وسلطانها، وهذا لا شك من الغفلة البليغة، ومن الجهل الشنيع بما أعده الله للمؤمنين في الحياة الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين. فأهل الإيمان هم أهل السعادة الحقيقية، وأهل الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة، فقد شرف الله الإيمان وأهله، فعندما سئل النبي ﷺ : (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله). ومدح الله المؤمنين بإيمانهم، فقال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. ومدح الله الأبرار الذين توسلوا بالإيمان؛ لأنهم عرفوا شرف الإيمان، فقال في خواتيم سورة آل عمران على لسانهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]. ولشرف الإيمان جعله الله شرطاً لانتفاع العبد بعمله الصالح في الآخرة، فقال : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]، فاشترط الإيمان، فالعبد قد يصل رحمه، وقد يبر والديه، وقد يتصدق بصدقة، فإذا كان فاقداً لشرط الإيمان فإنه لا ينتفع بذلك في الآخرة، ولكن لو أسلم لعاد إليه ثواب هذه الأعمال بفضل الله ، كما قال النبي ﷺ : (أسلمت على ما أسلفت من خير). ولو قام العبد قيام السارية في عبادة الله ثم أشرك مع الله غيره ثم مات وهو فاقد شرط الإيمان لحبط جميع عمله، ولو كان عمله هو خير الأعمال، ولو كان عمل نبينا محمد ﷺ ، كما قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، وهذا من تقدير المحال، وهو جائز في لغة العرب، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، فهو من تقدير المحال، وإلا فالأنبياء معصومون من المعاصي فضلاً عن الشرك بالله . ولشرف الإيمان لم يجعل الله للشيطان سلطاناً على عباده المؤمنين، فقال : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]. ولشرف الإيمان وعد الله المؤمنين أجراً عظيماً، وبشرهم بالفضل الكبير، فقال : ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦]. وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٧]. ولشرف الإيمان -عباد الله- وعد الله المؤمنين بالحياة الطيبة، فقال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. ولشرف الإيمان مثَّل الله لكلمة الإيمان -وهي كلمة لا إله إلا الله- بالشجرة الطيبة، فقال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]. فالشجرة الطيبة شجرة الإيمان، فلا يزال المؤمن يجني من ثمراتها اليانعة ويتمتع بحلاوة ثمرتها، كما قال النبي ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً). وقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الم

стр. 335

ثمار الإيمان من ثمرات الشجرة الطيبة أن الله يدافع عن أهلها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]. وكما في الحديث القدسي الشريف: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). ومن ثمرات الإيمان محبة الرحمن للمؤمن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، أي مودة ومحبة، فيحبهم الله ويحببهم إلى عباده، كما قال هرم بن حيان: إذا أقبل العبد بقلبه على الله أقبل الله عليه بقلوب أوليائه حتى يرزقهم مودته، حتى إن الرجل يمر بالقوم فيقولون: إنا لنحب هذا، فيقال لهم: هل رأيتم منه شيئاً؟ فيقولون: لا، إلا أننا نحبه، والرجل يمر بالقوم فيقولون: إنا لنبغض هذا، فيقال لهم: هل رأيتم منه شيئاً؟ فيقولون: لا، إلا أننا نبغضه. فالذي يحبونه هو الذي بينه وبين الله معاملة حتى وصل إلى محبته ، كما ورد في الحديث: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض). فالله إذا أحب عبداً رزق الناس مودته ومحبته. ولذلك كان الإمام أحمد يقول: بيننا وبينهم -أي: أهل البدع- أيام الجنائز، فيظهر في أيام الجنائز من الذي رزق محبة الناس. وقيل لـ أبي بكر بن عياش: إن أناساً يجلسون في المسجد ويجلس إليهم، فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه، ولكن أهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم. فالله يرفع أهل السنة، وأهل الإيمان والعمل الصالح في قلوب الناس، ويرزق الناس مودتهم، كما ورد في صحيح مسلم: (قيل للنبي ﷺ : الرجل يعمل العمل يريد به وجه الله فيحبه الناس - وفي رواية: فيثني عليه الناس - فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن). فالمؤمن يرجو وجه ربه الأعلى، ولكن الله تعالى يرزق الناس مودته، ويجري الثناء عليه على ألسنتهم. ومن ثمرات الشجرة الطيبة كذلك: استغفار الملائكة، كما قال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]. ومن ثمرات الإيمان كذلك: أن أهل الإيمان يلجئون إلى الإيمان إذا خوفوا بغير الله، وإذا وفقوا لطاعة الله، وإذا وقعوا في معصية الله، فإنهم دائماً يعتصمون بالإيمان، ويلجئون إليه، كما قال : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. وقال : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. فإذا خوفوا بغير الله لجئوا إلى الله ، وازدادوا إيماناً بالله وتسليماً لله . وإذا وقعوا في معصية لجئوا إلى الإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. وكذلك إذا وفقوا إلى طاعة الله فإنهم يرون أن الله هو الذي وفقهم لهذه الطاعة، فهم فيشكرون الله . ومن ثمرات شجرة الإيمان كذلك: (أن أمر المؤمن كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن)، فالمؤمن دائماً في ربح وزيادة، وفي فضل ونعمة من الله ، فهو إذا كان في سراء فهو يشكر الله فيزداد أجره وترتفع درجته، وإذا كان في بلاء فهو صابر محتسب راض بقضاء الله ، يقول رسول الله ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). ومن ثمرات الإيمان كذلك البشرى في الدنيا والآخرة، كما قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤]، فالله بشر المؤمنين

стр. 336

شكر نعمة الله نعم الله على عباده عظيمة وكثيرة، فمن شكرها أدامها الله عليه، ومن جحدها ولم يشكرها حرمها، والقرآن الكريم مليء بقصص أولئك الذين أنعم الله عليهم فلم يؤدوا حق النعم، فسلبهم الله إياها، بل وأهلكهم. فحري بالمؤمن أن يشكر الله على كل نعمة أنعم بها عليه، وأعظم نعمة هي نعمة الإيمان وكفى بها نعمة.

стр. 337

قصة صاحب الجنتين وعدم شكره نعمة الله عليه الحمد لله الذي رضي من من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى له طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، لقد ترك أمته على الواضحة الغراء، والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. عباد الله إن القصص القرآني قصص حق وقع في تاريخ البشرية، وسجله الله لنا بأسلوب القرآن المعجز، من أجل أن يرتفع بأحوالنا الإيمانية، ومن أجل أن يغرس المعاني الصحيحة في قلوبنا، ومن أجل أن تتهيأ هذه الأمة لمكانة الصدارة بين الأمم. فهذه قصة من كتاب الله تعالى تبين لنا القيم الباقية، والقيم الزائفة، وتبين لنا أن الناس صنفان: صنف يعلم بأنه عبد لله ، فمهما أمره الله امتثل لأمره، ومهما نهاه الله انتهى عما نهى الله عنه، وإذا أعطاه الله نعمة فإنه يشكر هذه النعمة ويعترف بها لله ، وإذا ابتلاه الله يصبر. والصنف الثاني: لا يعرف أنه عبد لله، بل هو عبد هواه، فإذا أمره الله لا يأتمر، وإذا نهاه الله لا ينزجر، وإذا أعطاه الله نعمة فإنه يفرح بها ويستعملها في غير طاعة الله ، ويطغى أن رأى نفسه استغنى، وإذا ابتلاه الله فإنه يجزع ويكفر ولا يصبر. قال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٣٢ - ٤٤]. فهذه قصة الذي أعطاه الله من النعم فأطغته هذه النعم، كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، والإنسان كما قال : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، فطبيعة الإنسان -إلا من ر

стр. 338

مكانة أهل الأموال والجاه والسلطان المغرورين عند الله قال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦]. يخبر الله الذين يملكون من أعراض الدنيا وسلطانها وأموالها واغتروا بذلك، وظنوا أن الله يسارع لهم في الخيرات، يخبرهم أن هذا ظن فاسد منهم، وأنهم أصحاب بصائر مطموسة، فهم يظنون أن لهم كرامة وأن لهم شرفاً، مع أنهم يكفرون بالآخرة، ومع أنهم لا يسعون للآخرة سعيها، ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ:٣٧]، فكيف يكون كريماً على الله وهو يكفر بالله ؟ وكيف يكرمه الله وهو كافر بالله ؟ قال : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]، أي: جعل الله الفقراء فتنة للأغنياء كما جعل الأغنيا فتنة للفقراء، فلما رأى الأغنياء الفقراء يسارعون إلى الإيمان بالله وإلى طاعة الله قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: لو كان هذا الدين خيراً لكنا نحن أولى به؛ لأننا أولى بكل خير. ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، كيف تنزل الرسالة على رجل فقير يتيم وهو نبينا محمد ﵌، الذي نزل عليه القرآن وكان يتيماً في الصغر، وكان فقيراً، فلو كان هذا الدين خيراً لنزل على الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف، فقال : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]، فالله أعلم بمن يشكر نعمته ويقدرها، والدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب، كما قال : ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠]، فالله لحقارة الدنيا عنده يعطيها من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين والإيمان إلا لمن أحبه، (فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). وقال الله : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥] أي: لولا أن تكون الفتنة شديدة على أهل الإيمان لجعل الله لمن يكفر به أبراجاً وسلالم عليها يتكئون؛ لحقارة الدنيا عند الله ، (فلو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٥] أي: كل ذلك من المتاع الزائف الزائل. ثم جعل الله الآخرة للمتقين فقال: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]. فهذا الرجل يعلن كفره بالله وبالآخرة وبالقيامة، ويستبعد أن تزول جنة الدنيا، ثم يعتقد أنه لو كانت هناك قيامة فإنه سوف يكون أيضاً له مال وله جاه وشرف وله أتباع، وهذا يظنه كثير من الأغنياء وإن لم يصرحوا بألسنتهم، ولكنهم يعتقدون بقلوبهم أن لهم شرفاً ورفعة في الآخرة. وهذا عكس الواقع عباد الله، يقول النبي ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم، يقال له: بلس، تعلوه نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار -طينة الخبال-، يطؤهم الناس بأقدامهم)، فالرؤساء والأمراء والوزراء والذين كانت لهم صولة وجولة في الدنيا إذا كانوا من أهل الكبر تجدهم يوم القيامة يخلقهم الله في حجم الذر -وهي صغار النمل- في صور الرجال؛ عقوبة لهم على تكبرهم وعلى تعاليهم على عباد الله ، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بلس، تعلوه نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار -طينة الخبال-، يطؤهم الناس بأقدامهم. فالقيامة -عباد الله- خافضة رافعة، تخفض أهل الكفر والعصيان، وترفع أهل الإيمان، ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ

стр. 339

موقف المؤمن ومحاورته لصاحب الجنتين الكافر قال الرجل الكافر: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٦ - ٣٧]، رده إلى أصله، وكيف أن أصل آدم من تراب، وأن أصل الإنسان التراب، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الكهف:٣٧] ثم نسبه إلى أصله القريب، وأنه كان نطفة كان ماءً مهيناً تستقذره النفوس وتأنف منه، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:١ - ٢]. فلو تفكر الإنسان في أصله لما تكبر على الله ولما تعالى على عباد الله ، فرده الرجل المؤمن إلى أصله، فقال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف:٣٧ - ٣٨] أي: أنا لا أقول بمثل مقالتك، بل أعلن إيماني بالله ، ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٨]. ثم نبهه على الواجب عليه فقال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩]، هذا هو الواجب على العبد إذا أعجبه شيء، وكما ورد في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: (إذا رأى العبد المسلم شيئاً يعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره)؛ لأن العبد قد يحسد نفسه وقد يحسد ماله وقد يحسد أولاده، فلولا إذ دخل جنته أو دخل مصنعه أو دخل بيته قال: ما شاء الله، وكان بعض السلف يكتب على بيته ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما ورد عن وهب بن منبه أنه كان يكتب على بيته: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، يذكر نفسه بالشكر لله على نعمه، فلولا إذ كتب على مصنعه أو كتب على مزرعته: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فنبهه هذا العابد المؤمن إلى ذلك فقال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩]. فينبغي للعبد أن ينظر إلى من دونه في الدنيا فيعرف نعمة الله عليه، ويشكر نعمة الله عليه، وينظر إلى من هو أعلى منه في الدين وهو أكثر منه علماً وإيماناً وطاعة لله ، فيجتهد في طاعة الله ، ولا يستكثر عمله على الله ولا يعجب بعمله، فقال: ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩] قال: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف:٤٠ - ٤١]. والمؤمن عنده بصيرة فكأنه ينظر فيرى الآخرة، قال: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف:٤٠] فلولا تفكر الذي رزقه الله مالاً وبخل بهذا المال وحرم منه الفقراء، لو تفكر أن هذا المال هو مال الله ، وأنه مستخلف في هذا المال، وأن الواجب عليه أن ينفقه في أوجه الخير، وأن يخرج صدقته الواجبة كما في قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأقرع، والأبرص، والأعمى الذين أرسل الله إليهم ملكاً (فأتى الأعمى فقال له: أي شيء تريد؟ فقال: أن يرد الله إلي بصري، فمسح عينيه فرد الله إليه بصره، فقال: أي المال أحب إليك قال: البقر، فأعطي بقرة ولوداً فصار عنده واد من البقر. ثم أتى كذلك الأقرع فقال: أي شيء تريد؟ فقال: أن يرزقني الله شعراً جميلاً ويذهب هذا الذي قذرني به الناس، فمسح على رأسه ورزقه الله شعراً جميلاً، ثم قال: أي المال أحب إليك قال: الإبل، فأعطاه ناقة ولوداً فصار عنده واد من الإبل. ثم أتى الأبرص فقال: أي شيء تريد؟ فقال: أن يذهب عني هذا المرض، فمسح على جلده فأذهب الله عنه المرض، وقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة ولوداً فصار عنده واد من الغنم. ثم أتى الأعمى في صورة رجل أعمى فقير يطلب منه أن يعينه بشيء، وأن يعطيه بقرة يتبلغ بها في سيره، فأخبره أن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني بك رجل أعمى قد رد الله إليك بصرك، وكأني بك رجل فقير قد أغناك الله ، فقال: لقد ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، فعاد رجلاً فقيراً أعمى كما كان في المرة الأولى. ثم ذهب إلى الأقرع الذي عنده واد من الإبل فطلب

стр. 340

مصير من يجحد نعمة الله عليه ولا يشكرها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. قال الله : ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٩ - ٤٢]، فمن لم يعتبر بغيره -عباد الله- صار عبرة لغيره، وهذا ما حدث من قارون الذي كان له من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، واغتر بثروته وماله وركن إليه، فأهلكه الله هو وماله وخزائنه وقصره، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]. كذلك الذين تمالئوا واجتمعوا على أن يخرجوا في الصباح الباكر من أجل أن يجمعوا ثمار حديقتهم قبل أن يستيقظ الفقراء من نومهم؛ حتى لا يأخذ الفقراء حقهم، ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:١٩ - ٢٠]، فصارت فحمة، ﴿فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم:٢١ - ٢٢]، فخرجوا في الصباح الباكر، فإذا هي فحم محترق عباد الله، فحرموا من جنة الدنيا؛ لأنهم لم يشكروا نعمة الله عليهم، فكل من كفر بنعمة الله عليه ولم يؤد واجب الله عليه فهو مهدد بزوال ماله في الدنيا، بالإضافة إلى عقوبة الآخرة. فأخبر في قصة صاحب الجنتين أنه قد تحقق ما توقعه الرجل المؤمن عندما قال: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٠ - ٤٢]، عند ذلك تذكر نصيحة المؤمن له، وكيف أنه قابل نعمة الله بالكفر، بدلاً من أن يشكر الله ، فندم على أنه كفر بالله وأشرك مع الله غيره. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف:٤٢] أي: أحيط بجميع ثمره فلم يبق منه شيء، وأصبح يقلب كفيه كما يفعل المتندم والمتحسر إذا فاته شيء، ﴿عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الكهف:٤٢ - ٤٣]، أي: ما كان معه من الأتباع والأنصار الذين يساعدونه على تمرده وكفره وعتوه واستكباره لم يستطيعوا نصرته، فإذا أتى بأس الله وعذابه فلا يستطيع أحد من البشر أن يرده؛ لأنهم أقل من ذلك حيلة، فليس للبشر حيلة ولا وسيلة إذا نزل بأس الله وعذاب الله ، فما كان لهذا الرجل فئة تنصره وتدفع عنه عذاب الله ونقمته، وما كان في نفسه منتصراً. جاء تفسير هذه الآية على أحد تفسيرين: الأول: أن جميع الناس عند نزول العقوبة يتولى الله ، فالمؤمن يتولى الله في الرخاء وفي البأس وفي الشدة، أما الكافر والفاجر فإنه يتولى الله إذا نزل به بأس الله، فكيف تنفعه هذه الموالاة، كما قال فرعون عندما عاين الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فقيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢]. فالجميع يؤمن بالله ويتولى الله بعد نزول العقوبة، ولكن العبرة أن تعرف الله وأنت في الرخاء والنعمة، قبل أن ينزل بك بأس الله ، فهذا التفسير الأول وهو بفتح الواو في قول الله : ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:٤٤]: أي: الكل يتولى الله بعد نزول البأس والعقوبة. وال

стр. 341

غض البصر ونعمة الوقت الوقت نعمة من الله على عباده، مغبون فيه كثير من الناس، أقسم الله به في كتابه لعظيم خطره، فمن فاتته طاعة الله في وقت من أوقاته تحسر على الوقت الذي ضيعه يوم القيامة، فيا فوز من قضى أوقاته في طاعة الله، ويا خسران من أضاع أوقاته في معصية الله.

стр. 342

أهمية الانتفاع بالوقت وخطر تضييعه الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قُضي وقُدِّر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان. فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. إني أريد أن أنبه لأمرين: الأمر الأول: نعمة الوقت والعمر، كيف تنفق الأوقات وعلى المقاهي؟ وكيف تنفق الأوقات على نواصي السكك؟ يتمتعون برؤية الغاديات والرائحات، بل كيف تنفق الأوقات أمام العجل الفضي، وأمام الشاشة الفضية شاشة التلفاز والفيديو واستقبال البث المباشر؟ والأمر الثاني: خاص بفصل الصيف كذلك وهي نصيحة بغض البصر، فكم تكشف في الصيف من عورات وكم تنتهك من حرمات. أما الوصية الأولى عباد الله! التي أنصح نفسي وإياكم بها: أن نعلم خطر الوقت وخطر العمر، وأن نعلم أن عمر العبد خطاه إلى قبره. يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل

стр. 343

تفضل الله علينا بالعمر والوقت يعرف الناس نعمة الطعام والشراب والملابس والزينة والمراكب والمنازل، فهل علموا أن نعمة الوقت أعظم من هذه النعم بأسرها؟ فقد من الله علينا بنعمة العمر، وبنعمة الأوقات واللحظات، وبنعمة الليل والنهار، فقال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٣ - ٣٤]، فكما سخر لنا الدواب سخر لنا الليل والنهار، من أجل أن نسابق في الأوقات بالطاعات، ومن أجل أن نعمر ساعات الليل والنهار بطاعة العزيز الغفار. وقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]. قال بعض السلف: من فاته طاعة الله بالليل كان له من النهار مستعتب، ومن فاته طاعة الله بالنهار كان له من الليل مستعتب.

стр. 344

الأدلة من الكتاب على أهمية الوقت أقسم الله بالفجر وليال عشر والشفع والوتر، وأقسم الله بالضحى والليل إذا سجى، وأقسم الله بالعصر، وأقسم الله بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، وكل هذا قسم بالزمن، والله رب كل شيء وخالقه، يقسم بما يشاء من خلقه؛ من أجل أن يلفت أنظارنا إلى خطر المقسوم به، أما العبد فإذا أراد أن يقسم فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله : (ومن حلف بغير الله فقد أشرك) فمن كان حالفاً فليحلف بالله . أقسم الله بالفجر، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر:١ - ٤] وقالوا: الفجر هنا: هو فجر يوم النحر، أعظم فجر في السنة إشراقاً. والليالي العشر هي الأيام العشر الأول من ذي الحجة، والشفع قيل: هو يوم النحر. أي: العاشر من ذي الحجة، والوتر هو يوم عرفة، وأقسم بالليل فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر:٤]. كما أقسم الله بالضحى والليل إذا سجى، فقال : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]. كما أقسم الله بالعصر، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. وقال : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣].

стр. 345

الأدلة من السنة المطهرة على أهمية الوقت دلت السنة المشرفة على ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات من خطر العمر وخطر الوقت، فقال النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به). فيسأل العبد سؤالين: سؤال عن العمر عامة، وسؤال عن وقت القوة والفتوة والحركة والنشاط وهو وقت الشباب، فيسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه. وقال النبي ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) فأكثر الناس لا يعرف قدر هاتين النعمتين، بل إن أكثر الناس يضيع صحته في غير طاعة الله ، وفي غير ما يقربه إليه سبحانه، كما أن أكثر الناس يضيع وقت الفراغ في غير طاعة الله ، فكم من أوقات تنفق في المباحات، بل كم من أوقات تنفق في المعاصي، ويبارز بها رب الأرض والسماوات. وكما يقولون: إضاعة الوقت من علامة المقت، أي: من علامة مقت الله للعبد أن يضيع العبد أوقاته. يقولون: لنقتل الوقت. هل الوقت عدو حتى تقتله؟! الوقت نعمة من أعظم نعم الله علينا، فمن عرف هذه النعمة واستعملها في طاعة الله أدرك جنة الله ، ونال رحمته. قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) والمغبون: من باع شيئاً بأقل من ثمنه، أو اشترى شيئاً بأكثر من ثمنه، فهو مغبون؛ لأنه أضاع حظه، وأكثر الناس مغبون في شيئين: في الصحة والفراغ، ومن أسماء يوم القيامة يوم التغابن؛ لكثرة المغبونين فيه، ولم يكن هذا الغبن يوم القيامة، وإنما كان الغبن في الدنيا.

стр. 346

تضييع كثير من الناس لأوقاتهم وقلة من يوفق للانتفاع بها أكثر الناس يضيعون أعمارهم في غير طاعة الله ، وفي غير ما يعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة، ومن علامة خذلان الله للعبد: أن يجعل شغله فيما لا يعنيه، ومن حسن إسلام المرء شغله فيما يعنيه، أي: فيما يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة. فأكثر الناس يبيعون أعمارهم وأوقاتهم وأنفسهم بثمن بخس دراهم معدودة وهم فيها من الزاهدين، إما في تحصيل العرض الزائل وهو عرض الدنيا، وإما في إنفاق الأنفاس في طلب المال، ولا يأتيه إلا ما قدر له منه، أو ينفق عمره في المعاصي، أو في المباحات، ولا يتقرب بذلك إلى رب الأرض والسماوات. وقليل من الناس الموفق الذي يعرف قيمة الوقت وقيمة العمر، وينفق ذلك في طاعة الله ، ومن بذل عمره في غير طاعة الله تقول له الملائكة يوم القيامة: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر:٧٥ - ٧٦]. والذي ينفق وقته في طاعة الله تقول له الملائكة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]. ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]. من يضيع عمره في غير طاعة الله يندم حين لا ينفع الندم، فإن من عجائب الأمور إفاقة المحتضر، فإنه يفيق عند احتضاره إفاقة عجيبة، ويتذكر كل ما مضى من جناياته ومخالفاته، ويكاد أن يموت حسرة على نفسه قبل أن تخرج روحه؛ لأنه لم يغتنم وقته في طاعة الله، وإنما ضيع وقته في معصية الله ، يفيق إفاقة عجيبة عند احتضاره، ويتمنى لو أنه أجل ساعة واحدة، فيقول لملك الموت: يا ملك الموت! أخرني شهراً، فيقول: فنيت الشهور فلا شهر. فيقول: يا ملك الموت! أخرني يوماً، فيقول: فنيت الأيام فلا يوم. فيقول: يا ملك الموت! أخرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، ثم تخرج روحه، قال : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. فيطلبون الكرة -أي: الرجعة- عند معاينة ملك الموت، وعند معاينة أمور الآخرة، كما يطلبون الرجعة إلى الدنيا إذا وقفوا على النار وعرضوا عليها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]. ويطلبون الرجعة كذلك إذا عرضوا على الملك الجبار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]. ويطلبون الرجعة وهم بين طبقات النيران، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧]. يذكرهم الله عند ذلك بنعمة العمر وهم يصرخون بين طبقات النيران، فهم لم يعرفوا قدر عمرهم، ولم يعرفوا قدر زمانهم، ولم يعرفوا قدر اللحظات والساعات والأيام التي عاشوها في الدنيا، عاش خمسين سنة أو مائة سنة ولكنه لم يقف مع نفسه وقفة صادقة، ولم يحاسب نفسه لله ، ولم يستقم على طريق الله ولم يصدق ربه ، ولم يبذل عمره في طاعته فهم يصرخون بين طبقات النيران، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]. أين الأوقات التي كانت أمام الشبكة العنكبوتية في المواقع الإباحية؟ أين الأوقات التي أنفقت أمام استقبال البث المباشر؟ أين الأوقات التي بذلت أمام لوحة النرد أو الشطرنج؟ أين الأوقات التي بذلت في معصية الله ؟ بل أين الأوقات التي أنفقت في الصد عن سبيل الله وفي تزيين الشهوات والشبهات؟ قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] والنذير: قيل: هو الشيب، وقيل: هو الموت، وقيل: هو من يذكر بالله ومن يدعو بدعوة الرسل، قال تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾

стр. 347

الأمور التي يتبين بها خطورة الوقت وأهميته وإنما تكمن قيمة الزمن وقيمة العمر في ثلاثة أشياء عباد الله: الأمر الأول: أن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة ثمينة، تستطيع أن تشتري بها كنزاً لا يفنى أبد الآباد، فكل يوم تعيشه هو غنيمة، بل كل لحظة من لحظات عمرك هي غنيمة؛ لأنك لو تاجرت بها مع الله لربحت أعظم الأرباح. قال النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر). وقال النبي ﷺ : (من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بني له قصر في الجنة). وقال: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب). وقال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها). وقال ﷺ : (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة) فانظر إلى مضيعي الساعات كم يفوتهم من النخيل. الأمر الثاني: أن الأوقات التي قدرها الله لنا مغيبة عنا، وأن عدد الأنفاس التي قدرها الله لنا مغيبةٌ عنا، فالعبد قد يملك مالاً بالمليارات، فإذا أنفق بالآلاف أو بالملايين فهو يعلم أن هذا لا يؤثر كثيراً في رأس المال، فإذا كان العبد لا يعلم رأس المال فكل وقت ينفقه في غير طاعة الكبير المتعال نوع من المخاطرة. قال الحسن البصري: المبادرة المبادرة -أي: بادروا بطاعة الله وبالأعمال الصالحة- فإنما هي أنفاس، لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله ، رحم الله امرأً نظر في نفسه ثم بكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] يعني: الأنفاس، فإن آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراقك أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك، أي: أن الله قدر لنا عدداً وحدد لنا أنفاساً، فمهما تنفس العبد نفساً سجل عليه حتى يصل إلى آخر العدد، فلكل عبد منا عد تنازلي، ولا يدري متى يكون آخر العدد، ولا يدري متى ينتقل العبد من دار العمل ولا حساب إلا دار الحساب ولا عمل، فبعد أن كان يتحرك على ظهر الأرض بطاعة الله أو بمعصية الله صار محبوساً في باطن الأرض في برزخ إلى يوم يبعثون. الأمر الثالث: أن آخر نفس تتنفسه وآخر عمل تعمله تتعلق به العاقبة، كما قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) أي: مهما كانت الأعمال موافقة لشرع النبي ﵊ فإنها لا تكون مقبولة، ولن ينتفع العبد بها في الآخرة حتى تتوفر النيات الصالحة. كذلك قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) أي: مهما كان عمل العبد، فمن ختم له بعمل من أعمال أهل الجنة دخل الجنة، ومن ختم له بعمل من أعمال أهل النار دخل النار، ألا تخشى أن النفس الذي تتنفسه في غير طاعة الله يكون آخر الأنفاس وتتعلق به العاقبة؟ ما أصعب العمى بعد البصيرة، وأصعب منه الضلالة بعد الهدى، والمعصية بعد التقى، كم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها: عاملة ناصبة، كم من قارب مركبه ساحل النجاة، فلما هم أن يرتقي لعب به موج فغرق، فكل العباد تحت هذا الخطر، قال رسول الله ﷺ : (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) فليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا. يقول النبي ﷺ : (فوالذي نفسي بيده! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) فالأعمال بالخواتيم. وتقول السيدة عائشة ﵂: إن الرجل ليعمل زماناً بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار.

стр. 348

أحوال السلف الصالح وانتفاعهم بأوقاتهم كان السلف ﵃ أحرص الناس على أوقاتهم، وكانوا يبخلون بالوقت والنفس أن ينفق في غير طاعة الله أكثر مما يبخل البخيل في إنفاق ماله. قيل لأحدهم: قف أكلمك. قال: أوقف الشمس. وكان أحد العلماء إذا ذهب عنده أناس وجلسوا وأطالوا الجلوس يقول: أما تريدون أن تقوموا؟ إن ملك الشمس يجرها لا يفتر، فقد كانوا يعدون خصال الخير ويبكون على أنفسهم إن فاتهم شيء منها. دخلوا على عابد مريض فنظر إلى قدميه وبكى وقال: ما اغبرتا فيّ سبيل الله. وقال بعضهم: أعد ثلاثين خصلة من خصال الخير ليس فيّ شيء منها. ملئوا الحياة طاعة وعبادة لله ، وتمنوا لو أنهم استمروا على العبادة بعد الموت، فكان ثابت البناني يقول: يا رب! إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي. ودخلوا على الجنيد وهو في النزع وكان يصلي، فقالوا له: الآن؟ قال: الآن تطوى صحيفتي. ودخلوا على أبي بكر النهشلي وهو في النزع وكان صائماً، فقالوا له: اشرب قليلاً من الماء، قال: حتى تغرب الشمس. وبكى أحد السلف عند موته فسئل عن سبب بكائه؟ فقال: أبكي لأن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم، فهو يبكي لأنه يفارق الدنيا فيصوم الصائمون وليس هو فيهم، ويصلي المصلون وليس هو فيهم، ونحن في الدنيا يا عباد الله! يصوم الصائمون ولسنا فيهم، ويصلي المصلون ولسنا فيهم، ولا نبكي على أنفسنا! كان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: يا يزيد! من يبكي بعدك لك؟ من يترضى ربك عنك؟ بكى أحد السلف عند موته، فسئل عن سبب بكائه؟ فقال: إنما يتقبل الله من المتقين. ولما نزل الموت بـ محمد بن المنكدر بكى بكاءً شديداً، فأحضروا له أبا حازم من أجل أن يخفف عنه، فسأله أبو حازم عن سبب بكائه؟ فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فأخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، فأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا: أتينا بك من أجل أن تخفف عنه فزدت في بكائه. قرئ على الإمام أحمد وهو في مرض الوفاة: أن طاوساً كان يكره الأنين، فما أنَّ حتى مات. أين وصفك من هذه الأوصاف؟ أين شجرة الزيتون من شجر الصفصاف لقد قام القوم وقعدنا، وجدوا في العمل وهزلنا، ما بيننا وبين القوم إلا كما بين اليقظة والنوم. لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس السليم إذا مشى كالمقعد يا ديار الأحباب! أين السكان؟ يا منازل العارفين! أين القطان؟ يا أطلال على الوجد أين البنيان؟ أماكن تعبدهم باكية، ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر، ذهب ليل النصب وطلع الفجر. إن كنت تنوح يا حمام باني للبين فأين شاهد الأحزان أجفانك للدموع أم أجفاني لا يغبن مدع بلا برهان وإنما ينطبق علينا عباد الله! قول القائل: يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد، وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد! يا من يسمع ما يلين الجوامد وطرفه جامد، وقلبه أقسى من الجلامد! إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديد بارد؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 349

غض البصر ومنافعه في الدنيا والآخرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! النصيحة الثانية هي غض البصر؛ لكثرة العورات المكشوفات في هذا الوقت، فالواجب على المسلم أن يلجأ إلى الله ، وأن يستعين به، كما استعان يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالله على النساء لما كثر عليه الكيد منهن، وقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف:٣٣ - ٣٤]. فعلى المؤمن عباد الله! أن يلجأ إلى العبادات التي شرعها الله من أجل أن تزكو نفسه في الدنيا، ومن أجل أن يسعد بمجاورة الله في الآخرة.

стр. 350

الأمر للمؤمنين بغض البصر قال الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]. وقوله : ﴿يَغُضُّوا﴾ [النور:٣٠] فعل مضارع لم يسبقه ناصب ولا جازم، ولكن حذفت النون بسبب أداة شرط مقدرة، وهي: إن قلت للمؤمنين: غضوا يغضوا؛ لأن هذا مقتضى الإيمان أن المؤمن يمتثل أمر الله . أما غير المؤمنين فإنهم يستمرون في إطلاق البصر؛ لأنه ليس في قلوبهم من الإيمان ما يدفعهم إلى طاعة الرحمن، وإن وجد إيمان فإيمان ضعيف لا يحجب صاحبه عن معصية الله ، كما قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) أي: عنده إيمان ضعيف لا يحجزه عن معصية الله . فأمر الله بغض البصر، وقرن الله غض البصر بحفظ الفرج؛ لأن غض البصر وسيلة إلى حفظ الفرج. ألم تر أن العين في القلب رائد فما تألف العينان فالقلب آنف فالعين رائد القلب، فإذا ألفت العين ألف القلب. ونفر النبي ﷺ من إطلاق البصر؛ وسمى إطلاق البصر زناً، فقال النبي ﷺ : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة، العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه) فهو زنا وإن كان دون زنا الفرج ولكن نفر النبي ﷺ من إطلاق البصر فسماه زنا العينين. وسئل النبي ﷺ عن نظر الفجأة، أي: عندما يقع نظر العبد على عورة مكشوفة أو على شيء يحرم النظر إليه، فقال النبي ﷺ : (اصرف بصرك).

стр. 351

فوائد غض البصر ومضار إطلاقه وقالوا في فوائد غض البصر: إن غض البصر استجابة لأمر الله وتنفيذ لأمر الله ، وما استجلب العبد خيراً في الدنيا والآخرة بمثل امتثال أمر الله . قالوا كذلك: إطلاق البصر يضعف القلب ويحزنه، وغض البصر لله يقوي القلب ويفرحه. قالوا كذلك: إطلاق البصر يشتت القلب ويجلب له الحزن، وهذا مشاهد معروف؛ لأن القلب يكون مشغولاً بما يرد عليه من صور محرمة، فلا يتفرغ لطاعة الله محبته وعبادته، إذ يصير القلب كالمزبلة فكيف يصلح لمحبة الله ؟ قالوا كذلك: إطلاق البصر يقسي القلب ويسد عليه أبواب العلم، فيصعب على العبد مع إطلاق البصر أن يحفظ من القرآن أو من سنة النبي ﵌. قالوا كذلك: إطلاق البصر ظلمة على القلب، وإذا أظلم القلب أقبلت عليه سحائب الشر والبلاء من كل جانب، فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى، فإذا أظلم القلب صار موئلاً لكل شر ولكل ما يغضب الله ، وإذا غض العبد بصره لله استنار قلبه؛ ولذلك ذكر الله آيتي غض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣٠ - ٣١]، ثم ذكر بعد آيتي غض البصر عدة آيات: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]. قالوا: سبب نوره في قلب عبده المؤمن امتثال أوامره واجتناب ما نهى الله عنه، الناظر عباد الله! يرمي بسهام غرضها قلبه، فإذا نظر نظرة محرمة فكأنما رمى قلب نفسه بسهمه. يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف ترتاد الشفاء له توقه إنه يأتيك بالعطب وكل نظرة هي جرح لقلب العبد، والنظرة تستدعي غيرها. ما زلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كل مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ تحقيق تجريح على تجريح فقتلت قلبك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيح النظرة عباد الله! سم للقلب وشرارة في العشب اليابس، إما أن تحرقه كله أو تحرق بعضه. كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الناس موقوف على خطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور عاد بالضرر فالنظر المحرم عباد الله! يورث الحسرات والزفرات، فيرى العبد ما لا يقدر عليه ولا يصبر عليه. وكنت متى أطلقت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر النظرة عباد الله! توقع في أسر الهوى والشهوة، والعبد إذا وقع أسيراً للهوى والشهوة صار كعصفورة في كف طفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب. غض البصر يورث العبد فراسة ويطلق نور بصيرته، كما قال شاه بن شجاع الكرماني: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة واكتفى بالحلال واجتنب الحرمات وغض بصره لا تخطئ له صلاته، وكان شاه هذا لا تخطئ له صلاته. إطلاق البصر كذلك يجعل العبد يقع في اتباع الهوى، وفي الغفلة والإعراض عن شرع الله ، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. والنظرة يا عباد الله! كأس من الخمر من شرب منه وقع في سكر الهوى، وقد يصاب الناظر بداء بلا عوض وهو داء العشق، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وقال الشاعر: وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً في كل حال مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق فتسخن عينه عند التنائي وتسخن عينه عند التلاقي فنسأل الله أن يستر عورات المؤمنين، ونسأله تعالى أن يرزقنا غض البصر له ، ونسأله تعالى أن يبارك في أوقاتنا وأعمارنا. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسل

стр. 352

فضل العلم وشرفه لقد رفع الله شأن العلم وأهله، فأهل العلم هم أحب الخلق إليه سبحانه، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، فهم أخشى الناس لله وأتقاهم له، وبالعلم والإيمان يشرف المرء عند ربه ويرتفع قدره، فكم من وضيع رفعه الله بالعلم، وكم من نسيب وضع بالجهل.

стр. 353

ما جاء في فضل العلم وأهله الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى له طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. عباد الله! تضافرت الأدلة كلها على شرف العلم وأهله. قال الإمام أحمد ﵀: حاجة الناس إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب. لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس؛ لأن العبد في كل وقت وفي كل لحظة له حال، وقد يكون له قول أو عمل يحتاج أن ينظر إلى ذلك بالعلم. ومما يدل على شرف العلم قول الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. دلت هذه الآية عباد الله على شرف العلم من وجوه: الوجه الأول: أن الله استشهد العلماء دون سائر الناس، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨]. الوجه الثاني: أن في ذلك تعديلاً لأهل العلم؛ لأن العدل هو الذي تقبل شهادته، كما ورد في الأثر (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلي)، ففي ذلك تعديل من الله لأهل العلم؛ لأن الله قبل شهادتهم، ولأن الله ذكر شهادتهم. الوجه الثالث: عباد الله! أن الله قرن شهادة العلماء بشهادته وبشهادة ملائكته، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران:١٨]، أي: الملائكة وأولو العلم شهدوا، فقرن الله شهادة أهل العلم بشهادته وبشهادة ملائكته. الوجه الرابع: أن الله استشهدهم على أجل مشهود عليه، وهو شهادة أنه لا إله إلا الله. وقال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، فالله يرفع أهل الإيمان وأهل العلم درجات، وهذه الدرجات لا يقصد بها درجات الآخرة وحدها، بل أهل العلم لهم من المنزلة ومن الشرف في الدنيا ما ليس للملوك ولا لأبناء الملوك. أرسل وهب إلى مكحول يقول له: لقد بلغت بظاهر علمك عند الناس منزلة وزلفى، فابتغ بباطن علمك عند الله منزلة وشرفاً. أي: أن العبد بظاهر العلم من الخطب والفتاوى والتصنيف وغير ذلك يصل إلى منزلة رفيعة في قلوب الناس، ولكن المنزلة عند الله لا تكون إلا بباطن العلم، أي: بخشية الله وبمحبة الله ، وبالإخلاص لله . فالعبد يرتفع في الدنيا قبل الآخرة بالعلم النافع، كما قال سفيان الثوري: إن هذا الحديث عز، فمن أراد به الدنيا وجدها، ومن أراد به الآخرة وجدها. أي: أن العبد الذي يتعلم علم الحديث لابد أن يشرف؛ فإن أراد الآخرة شرف في الدنيا والآخرة، وإن أراد الدنيا فقد يرتفع في الدنيا وقد لا يرتفع. وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء. يعني: الأنبياء الذين يبلغون الناس دين الله ، والعلماء والدعاة الذين يعرفون الناس بربهم ، فهؤلاء هم أشرف الناس. ومما يدل على شرف العلم وفضله كذلك: قول الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، فأمر الله نبيه بالزهد في الدنيا والتقلل منها، وأمره بطلب المزيد من العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. ووصف ال

стр. 354

نموذج من طلب السلف للعلم ورفعتهم به جاء في حديث صفوان بن عسال: (أنه أتى النبي ﷺ وقال: جئت أطلب العلم؟ قال: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم لتحف به الملائكة، وتضع له أجنحتها رضاء بما يصنع)، فالملائكة تضع أجنحتها رضاءً وحباً واحتفاء بطالب العلم، فالملائكة تحف طالب العلم بأجنحتها وتحفظه وترعاه وتحميه. ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فخذ بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء وقال إبراهيم الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من مكة، وذهب إليه سليمان بن عبد الملك وابناه يسألونه عن مناسك الحج وكان يصلي، فلما انتهى من صلاته جعلوا يسألونه ويرد عليهم وهم خلفه ولم يلتفت إليهم، فقال سليمان بن عبد الملك لابنيه: قوما ولا تنيا في طلب العلم؛ فلا أنسى ذلنا بين يدي ذلك العبد الأسود. وروى الحربي أيضاً قال: كان عنق محمد بن عبد الرحمن الأوقص داخلاً في بدنه، وكان منكباه خارجين كأنهما زجان، فقالت له أمه: إنك لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك منه والمستهزأ به، فعليك بالعلم فإنه يرفعك، قال: فطلب العلم وبرز فيه حتى صار قاضياً على مكة أم القرى عشرين سنة، قال: وكان الخصم إذا جلس بين يديه يظل يرعد حتى يقوم؛ لما ألقى الله عليه من المهابة والجلالة. أهل الحديث قصيرة أعمارهم ووجوههم بدعا النبي منضّره وسمعت من بعض المشايخ أنهم أموالهم أيضاً به متكثره يعني: أهل الحديث استجيبت فيهم دعوة النبي ﷺ : (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ بدعوة رسول الله ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 355

تخليد العلم لأهله وذكرهم ما بقي الدهر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! فمما يدل على شرف الحديث وشرف العلم وأهله (أن عمر ﵁ لقى نافع بن الحارث بعسفان -وهو مكان بين مكة والمدينة أقرب إلى مكة- وكان قد استخلفه على أهل مكة، فقال له: ما استخلفت على أهل الوادي أي: مكة؟ قال: ابن أبزى قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا -والمولى يطلق على العبيد ويطلق على من كان عبداً ثم أعتق- قال: استخلفت عليها مولى؟! -أي: رجلاً كان عبداً ثم أعتق- قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). فالعلم يرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك، فحاجة الناس إلى العلم -عباد الله- تجعلهم يرفعون أهل العلم. دخل رجل البصرة فقال: من سيد هذه القرية؟ فقالوا: الحسن البصري فقال: فبم سادهم؟ قال: احتاجوا إلى علمه، واستغنى عن دنياهم. روى أبو نعيم في الحلية قال: قال كميل بن زياد: أخذ علي بن أبي طالب ﵁ بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر -أي: صار في الصحراء- جعل يتنفس، ثم قال: يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم حاكم والمال محكوم عليه، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة ومحبة العلم -وفي رواية: ومحبة العلماء- دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء. كم من أناس يملكون المليارات في بلدنا وفي قطرنا ولا أحد يحس بهم؛ لأنهم مغموسون في الشهوات أو مطموسون بالشبهات، غارقون في اللذات لا يعرفهم الناس ولا يحبونهم، قال: العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله. أي: هناك من يتصنع لك لأجل مالك، فإذا ذهب المال ذهب عنك، كما قال بعضهم: وكان بنو عمي يقولون مرحباً فلما رأوني معدماً مات مرحب ثم قال: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، فحسبك أن قوماً موتى تحيا بذكرهم النفوس، وأن قوماً أحياء تقسو برؤيتهم القلوب. فمثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب وأئمة الفقه: الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة وأئمة الحديث كـ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه وأئمة الجرح والتعديل كـ أبي زرعة وابن معين ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم من العلماء كأنهم أحياء بيننا، ما فقدنا إلا أجسامهم، وإلا فعلمهم ومحبة الخلق لهم باقية في الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ثم قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي كان العلم يتفجر من جوانبه، والذي تربى في بيت النبوة، والذي كان أول من آمن من الغلمان قال: هاه هاه، إن هاهنا علماً. أي: يشتكي من قلة من يحمل العلم ومن يقوم بحقه في نهاية القرن المفضل الأول. قال: إن هاهنا علماً لو أصبت له حملة، بل أصبته لقناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض للشبهة، لا ذا ولا ذاك. أي: لا هذا الذي يستعمل الدين للوصول إلى مآربه الشخصية وطموحاته الدنيوية، لا هذا يصلح لحمل العلم، ولا المقلد تقليداً أعمى، فلا فرق بين مقلد وبين بهيمة تقاد. قال: لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً للذات، سلس القياد للشهوات، أو مغري بجمع الأموال والادخار، ليسوا من دعاة الدين -أي: هؤلاء الأربعة ليسوا من دعاة الدين- أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة، ثم قال: اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه؛ لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً. إشارة إلى ما قاله النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاه
следующие страницы →