← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فوائد غض البصر ومضار إطلاقه وقالوا في فوائد غض البصر: إن غض البصر استجابة لأمر الله وتنفيذ لأمر الله ، وما استجلب العبد خيراً في الدنيا والآخرة بمثل امتثال أمر الله . قالوا كذلك: إطلاق البصر يضعف القلب ويحزنه، وغض البصر لله يقوي القلب ويفرحه. قالوا كذلك: إطلاق البصر يشتت القلب ويجلب له الحزن، وهذا مشاهد معروف؛ لأن القلب يكون مشغولاً بما يرد عليه من صور محرمة، فلا يتفرغ لطاعة الله محبته وعبادته، إذ يصير القلب كالمزبلة فكيف يصلح لمحبة الله ؟ قالوا كذلك: إطلاق البصر يقسي القلب ويسد عليه أبواب العلم، فيصعب على العبد مع إطلاق البصر أن يحفظ من القرآن أو من سنة النبي ﵌. قالوا كذلك: إطلاق البصر ظلمة على القلب، وإذا أظلم القلب أقبلت عليه سحائب الشر والبلاء من كل جانب، فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى، فإذا أظلم القلب صار موئلاً لكل شر ولكل ما يغضب الله ، وإذا غض العبد بصره لله استنار قلبه؛ ولذلك ذكر الله آيتي غض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣٠ - ٣١]، ثم ذكر بعد آيتي غض البصر عدة آيات: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]. قالوا: سبب نوره في قلب عبده المؤمن امتثال أوامره واجتناب ما نهى الله عنه، الناظر عباد الله! يرمي بسهام غرضها قلبه، فإذا نظر نظرة محرمة فكأنما رمى قلب نفسه بسهمه. يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف ترتاد الشفاء له توقه إنه يأتيك بالعطب وكل نظرة هي جرح لقلب العبد، والنظرة تستدعي غيرها. ما زلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كل مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ تحقيق تجريح على تجريح فقتلت قلبك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيح النظرة عباد الله! سم للقلب وشرارة في العشب اليابس، إما أن تحرقه كله أو تحرق بعضه. كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الناس موقوف على خطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور عاد بالضرر فالنظر المحرم عباد الله! يورث الحسرات والزفرات، فيرى العبد ما لا يقدر عليه ولا يصبر عليه. وكنت متى أطلقت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر النظرة عباد الله! توقع في أسر الهوى والشهوة، والعبد إذا وقع أسيراً للهوى والشهوة صار كعصفورة في كف طفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب. غض البصر يورث العبد فراسة ويطلق نور بصيرته، كما قال شاه بن شجاع الكرماني: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة واكتفى بالحلال واجتنب الحرمات وغض بصره لا تخطئ له صلاته، وكان شاه هذا لا تخطئ له صلاته. إطلاق البصر كذلك يجعل العبد يقع في اتباع الهوى، وفي الغفلة والإعراض عن شرع الله ، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. والنظرة يا عباد الله! كأس من الخمر من شرب منه وقع في سكر الهوى، وقد يصاب الناظر بداء بلا عوض وهو داء العشق، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وقال الشاعر: وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً في كل حال مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق فتسخن عينه عند التنائي وتسخن عينه عند التلاقي فنسأل الله أن يستر عورات المؤمنين، ونسأله تعالى أن يرزقنا غض البصر له ، ونسأله تعالى أن يبارك في أوقاتنا وأعمارنا. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسل

стр. 352

فضل العلم وشرفه لقد رفع الله شأن العلم وأهله، فأهل العلم هم أحب الخلق إليه سبحانه، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، فهم أخشى الناس لله وأتقاهم له، وبالعلم والإيمان يشرف المرء عند ربه ويرتفع قدره، فكم من وضيع رفعه الله بالعلم، وكم من نسيب وضع بالجهل.

стр. 353

ما جاء في فضل العلم وأهله الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى له طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. عباد الله! تضافرت الأدلة كلها على شرف العلم وأهله. قال الإمام أحمد ﵀: حاجة الناس إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب. لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس؛ لأن العبد في كل وقت وفي كل لحظة له حال، وقد يكون له قول أو عمل يحتاج أن ينظر إلى ذلك بالعلم. ومما يدل على شرف العلم قول الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. دلت هذه الآية عباد الله على شرف العلم من وجوه: الوجه الأول: أن الله استشهد العلماء دون سائر الناس، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨]. الوجه الثاني: أن في ذلك تعديلاً لأهل العلم؛ لأن العدل هو الذي تقبل شهادته، كما ورد في الأثر (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلي)، ففي ذلك تعديل من الله لأهل العلم؛ لأن الله قبل شهادتهم، ولأن الله ذكر شهادتهم. الوجه الثالث: عباد الله! أن الله قرن شهادة العلماء بشهادته وبشهادة ملائكته، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران:١٨]، أي: الملائكة وأولو العلم شهدوا، فقرن الله شهادة أهل العلم بشهادته وبشهادة ملائكته. الوجه الرابع: أن الله استشهدهم على أجل مشهود عليه، وهو شهادة أنه لا إله إلا الله. وقال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، فالله يرفع أهل الإيمان وأهل العلم درجات، وهذه الدرجات لا يقصد بها درجات الآخرة وحدها، بل أهل العلم لهم من المنزلة ومن الشرف في الدنيا ما ليس للملوك ولا لأبناء الملوك. أرسل وهب إلى مكحول يقول له: لقد بلغت بظاهر علمك عند الناس منزلة وزلفى، فابتغ بباطن علمك عند الله منزلة وشرفاً. أي: أن العبد بظاهر العلم من الخطب والفتاوى والتصنيف وغير ذلك يصل إلى منزلة رفيعة في قلوب الناس، ولكن المنزلة عند الله لا تكون إلا بباطن العلم، أي: بخشية الله وبمحبة الله ، وبالإخلاص لله . فالعبد يرتفع في الدنيا قبل الآخرة بالعلم النافع، كما قال سفيان الثوري: إن هذا الحديث عز، فمن أراد به الدنيا وجدها، ومن أراد به الآخرة وجدها. أي: أن العبد الذي يتعلم علم الحديث لابد أن يشرف؛ فإن أراد الآخرة شرف في الدنيا والآخرة، وإن أراد الدنيا فقد يرتفع في الدنيا وقد لا يرتفع. وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء. يعني: الأنبياء الذين يبلغون الناس دين الله ، والعلماء والدعاة الذين يعرفون الناس بربهم ، فهؤلاء هم أشرف الناس. ومما يدل على شرف العلم وفضله كذلك: قول الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، فأمر الله نبيه بالزهد في الدنيا والتقلل منها، وأمره بطلب المزيد من العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. ووصف ال

стр. 354

نموذج من طلب السلف للعلم ورفعتهم به جاء في حديث صفوان بن عسال: (أنه أتى النبي ﷺ وقال: جئت أطلب العلم؟ قال: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم لتحف به الملائكة، وتضع له أجنحتها رضاء بما يصنع)، فالملائكة تضع أجنحتها رضاءً وحباً واحتفاء بطالب العلم، فالملائكة تحف طالب العلم بأجنحتها وتحفظه وترعاه وتحميه. ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فخذ بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء وقال إبراهيم الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من مكة، وذهب إليه سليمان بن عبد الملك وابناه يسألونه عن مناسك الحج وكان يصلي، فلما انتهى من صلاته جعلوا يسألونه ويرد عليهم وهم خلفه ولم يلتفت إليهم، فقال سليمان بن عبد الملك لابنيه: قوما ولا تنيا في طلب العلم؛ فلا أنسى ذلنا بين يدي ذلك العبد الأسود. وروى الحربي أيضاً قال: كان عنق محمد بن عبد الرحمن الأوقص داخلاً في بدنه، وكان منكباه خارجين كأنهما زجان، فقالت له أمه: إنك لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك منه والمستهزأ به، فعليك بالعلم فإنه يرفعك، قال: فطلب العلم وبرز فيه حتى صار قاضياً على مكة أم القرى عشرين سنة، قال: وكان الخصم إذا جلس بين يديه يظل يرعد حتى يقوم؛ لما ألقى الله عليه من المهابة والجلالة. أهل الحديث قصيرة أعمارهم ووجوههم بدعا النبي منضّره وسمعت من بعض المشايخ أنهم أموالهم أيضاً به متكثره يعني: أهل الحديث استجيبت فيهم دعوة النبي ﷺ : (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ بدعوة رسول الله ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 355

تخليد العلم لأهله وذكرهم ما بقي الدهر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! فمما يدل على شرف الحديث وشرف العلم وأهله (أن عمر ﵁ لقى نافع بن الحارث بعسفان -وهو مكان بين مكة والمدينة أقرب إلى مكة- وكان قد استخلفه على أهل مكة، فقال له: ما استخلفت على أهل الوادي أي: مكة؟ قال: ابن أبزى قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا -والمولى يطلق على العبيد ويطلق على من كان عبداً ثم أعتق- قال: استخلفت عليها مولى؟! -أي: رجلاً كان عبداً ثم أعتق- قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). فالعلم يرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك، فحاجة الناس إلى العلم -عباد الله- تجعلهم يرفعون أهل العلم. دخل رجل البصرة فقال: من سيد هذه القرية؟ فقالوا: الحسن البصري فقال: فبم سادهم؟ قال: احتاجوا إلى علمه، واستغنى عن دنياهم. روى أبو نعيم في الحلية قال: قال كميل بن زياد: أخذ علي بن أبي طالب ﵁ بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر -أي: صار في الصحراء- جعل يتنفس، ثم قال: يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم حاكم والمال محكوم عليه، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة ومحبة العلم -وفي رواية: ومحبة العلماء- دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء. كم من أناس يملكون المليارات في بلدنا وفي قطرنا ولا أحد يحس بهم؛ لأنهم مغموسون في الشهوات أو مطموسون بالشبهات، غارقون في اللذات لا يعرفهم الناس ولا يحبونهم، قال: العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله. أي: هناك من يتصنع لك لأجل مالك، فإذا ذهب المال ذهب عنك، كما قال بعضهم: وكان بنو عمي يقولون مرحباً فلما رأوني معدماً مات مرحب ثم قال: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، فحسبك أن قوماً موتى تحيا بذكرهم النفوس، وأن قوماً أحياء تقسو برؤيتهم القلوب. فمثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب وأئمة الفقه: الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة وأئمة الحديث كـ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه وأئمة الجرح والتعديل كـ أبي زرعة وابن معين ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم من العلماء كأنهم أحياء بيننا، ما فقدنا إلا أجسامهم، وإلا فعلمهم ومحبة الخلق لهم باقية في الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ثم قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي كان العلم يتفجر من جوانبه، والذي تربى في بيت النبوة، والذي كان أول من آمن من الغلمان قال: هاه هاه، إن هاهنا علماً. أي: يشتكي من قلة من يحمل العلم ومن يقوم بحقه في نهاية القرن المفضل الأول. قال: إن هاهنا علماً لو أصبت له حملة، بل أصبته لقناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض للشبهة، لا ذا ولا ذاك. أي: لا هذا الذي يستعمل الدين للوصول إلى مآربه الشخصية وطموحاته الدنيوية، لا هذا يصلح لحمل العلم، ولا المقلد تقليداً أعمى، فلا فرق بين مقلد وبين بهيمة تقاد. قال: لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً للذات، سلس القياد للشهوات، أو مغري بجمع الأموال والادخار، ليسوا من دعاة الدين -أي: هؤلاء الأربعة ليسوا من دعاة الدين- أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة، ثم قال: اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه؛ لئلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً. إشارة إلى ما قاله النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاه

стр. 356

ق والقرآن المجيد سورة (ق) من السور العظيمة التي تناولت موضوعات شتى في آيات قليلة، ولذلك كان النبي ﷺ يخطب بها في الجمعة، ويقرأ بها في الجمعة والعيدين، فقد تحدثت عن تكذيب الكافرين برسالة محمد ﷺ ، وعن خلق الله للسماوات والأرض وبعض نعمه على خلقه، وعن خلق الإنسان، وبعض مشاهد القيامة وغير ذلك.

стр. 357

الموضوعات التي اشتملت عليها سورة ق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: يقول الله : ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ *

стр. 358

تفسير قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد) تبدأ هذه السورة بقول الله : ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، قيل: هذا قسم وجواب القسم مفهوم من السياق. وقيل: ق من الحروف المقطعة في أوائل السور، فهي تشير إلى تحدي الله بالقرآن، كما قال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، وقال: ﴿الم﴾ [البقرة:١]، ودائماً يأتي بعد هذه الحروف ذكر القرآن؛ تقوية للقول بأن هذه الحروف أتت على سبيل التحدي، فالله يتحدى البشر بل يتحدى الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، مع أن القرآن من هذه الحروف العربية المعروفة. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق:٢]. كما يتعجب المجنون من العاقل، فهؤلاء يتعجبون من أمر ليس فيه عجب، بل لا بد أن يكون الرسول بشراً حتى يحس بإحساسهم، ويكون له من صفاتهم وملكاتهم حتى يقبل قوله ويعمل به، ولا بد أن يتكلم بلغتهم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩]. فهم يتعجبون من أن الله أرسل إليهم رسولاً منهم، مع أنهم يعرفون صدقه وأمانته، ويعرفون شرف نسبه وكرم أخلاقه، ومع ذلك يتعجبون؛ لأن قلوبهم منكوسة، وفطرهم مطموسة. ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٣]. فهم يتعجبون كيف يعيد الله الخلائق مرة ثانية بعد أن تصير تراباً. والأدلة على البعث في القرآن ثلاثة، وهي مذكورة في هذه السورة العظيمة: الدليل الأول: أن الله يذكر العباد بالنشأة الأولى، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، فالذي خلق في المرة الأولى لا شك أنه يقدر على أن يخلق في المرة الثانية، بل في المرة الثانية يكون الأمر أهون عليه، وكل شيء هين على الله ، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]. الدليل الثاني: أن الله يذكر الناس كيف تكون الأرض ميتة فينزل عليها المطر من السماء فتهتز وتنبت الكلأ والعشب، وتصير حية بالنبات، قال الله : ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:١١]، أي: كذلك يحيي الله الموتى، فقبل يوم القيامة ينزل من السماء مطراً مثل مني الرجال، فينبت الناس من الأرض من عجب الذنب وكأنها بذور في الأرض، وكل عظم يبلى من ابن آدم ويبقى عجب الذنب، وهو آخر العمود الفقري، ومنه يركب ابن آدم يوم القيامة. الدليل الثالث: أن الله يذكر الناس بخلق السماوات والأرض، ويقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]، والذي يستطيع أن يبني قصراً لا تستطيع أن تتهمه بأنه لا يستطيع أن يبني حجرة، أو أن يبني شقة. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]، أي: أن الله يجمع كل ذرة من ذرات الإنسان، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]، أي: مسجل فيه كل شيء. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥]، أي: مختلط تختلط عليهم الأمور.

стр. 359

تفسير قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم) ثم نبههم الله إلى التفكر في عظمة السماوات التي رفعها الله بغير عمد، والتي زينها الله بالأجرام والكواكب والنجوم فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]، أي: ما لها من تشققات ولا تصدعات. ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [ق:٧]، أي: جعلها الله منبسطة تصلح لمعيشة الإنسان وحياته؛ حتى يبني عليها حياة مستقرة ويتحرك على ظهرها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق:٧]، وهي الجبال؛ لئلا تميد بهم، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:٧]. ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ [ق:٨ - ٩]، أي: بساتين من فواكه وخضروات وغيرها، ((وَحَبَّ الْحَصِيدِ))، أي: الحب الذي يحصد ويدخر كالقمح وغيره. ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق:١٠]، أي: مرتفعات في السماء، ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠]. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:١١]، وهنا يذكر دليلاً على البعث فيقول: ((كذلك الخروج)).

стр. 360

تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح) ثم يذكر الله الأمم المكذبة بالنبوات والرسالات قبل ذلك فيقول : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:١٢ - ١٤]. فلم يقل: كذب رسوله، بل قال: ((كل كذب الرسل))؛ لأن التكذيب برسول واحد تكذيب بكل الرسل، كما قال الله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، وما أرسل إليهم إلا نوح وحده، ولكن دعوة الرسل واحدة. وعلى مر الزمان وكر الأيام أناس يؤمنون بدعوة الرسل، ويعتقدون اعتقادهم ويسيرون على دربهم، وأناس يحاربون شرع الله ودينه ويريدون أن يفسدوا على الناس حياتهم، فيتجرءون على الآذان وعلى صلاة التراويح، ثم بعد قليل قد يقول قائل منهم بعد ذلك: الصلوات الخمس متعبة للناس فيكفي أربع صلوات، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢]. فأين يذهبون من الله وهو يحصي عليهم عدد الذرات من الأقوال والأعمال؟ وهم يحاربون دينه الله ، ويصدون عن سبيله ويبغونها عوجاً. فهؤلاء يسيرون في درب قوم نوح وأصحاب الأيكة وقوم تبع وقوم فرعون، الذين خالفوا دين الله ودعوة الرسل، وحاربوا دين الله عز جل، وسيهلكهم الله كما أهلك المكذبين في كل زمان وفي كل مكان، والعاقبة للمتقين، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ [ق:١٢ - ١٥]، أي: أفعجزنا للخلق الأول، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥].

стр. 361

تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان) ثم بين الله كيف أنه خلق الإنسان، وكيف أنه وظف عليه الكرام الكاتبين، فقال الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦]. فالله يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، ويعلم السر وأخفى، والله أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد، فقيل: أقرب بملائكته، وقيل: أقرب بصفاته، فهو أقرب بعلمه وبسمعه وببصره، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. والله يحول بين المرء وقلبه، قيل: يحول بين الكافر وبين الإيمان، وبين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى الكفر والعصيان، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨]. قال عطاء بن أبي رباح: كان من مضى من السلف يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كلام الله ، أو كلام رسوله ﷺ ، أو أن ينطلق أحدهم في أمر معيشته، أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨] عتيد أي: مستعد متيقظ، فهو يحصي على العباد الأقوال من الحسنات والسيئات، فملك اليمين يكتب الحسنات، وملك الشمال يكتب السيئات. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].

стр. 362

تفسير قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق) ثم يذكر الله القيامة الصغرى وهي الموت، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. ولما كان أبو بكر ﵁ في النزع دخلت عليه عائشة ﵂ وتمثلت قول الشاعر: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال: دعي هذه وقولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨]، وكيف يكون حال الإنسان إذا فر من عدو أو من سبع ثم وجده في مواجهته ملاقيه مقابلاً له؟ ثم يذكر الله القيامة الكبرى، ونفخة البعث والنشور فيقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢٠ - ٢١]، أي: سائق يسوقها إلى الله ، وإلى حيث أمر الله ، وشاهد يشهد عليها بأعمالها. ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، قيل: الخطاب للنبي ﷺ ، أي: أن الله أوحى إليه بهذه الشريعة العظيمة، وهذه الأمور الغيبية، وكان قبل ذلك لا يعلم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، أي: لا تعرف الهداية والدين، فهداك الله إلى أقوم طريق وإلى أقوم دين. وقيل: الخطاب للكافر، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢]، أي: كان غافلاً عن الآخرة، لا يؤمن بها، ولا يسعى لها سعيها، ولا يعمل لها عملها. وقيل: الخطاب لعموم الإنسان، كما أشار إلى ذلك قوله : ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١]، أي: كل إنسان معه سائق ومعه شهيد، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، أي: كشفنا عنك غطاء الغفلة فالآن بصرك اليوم حديد، أي: من الحدة، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨]، فهم يرون الأمور، ويرون كل شيء يوم القيامة. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]، فهم أيقنوا عندما رأوا بعيني رءوسهم أمور الآخرة وآمنوا بها إيماناً جازماً، ولكن هذا الإيمان لا ينفعهم؛ لأنهم قد خرجوا من دار الابتلاء ومن لجنة الامتحان، وهم الآن يعرضون على الملك الجبار حتى يحكم الله فيهم بحكمه. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣]، أي: من وكلت به قد أحصيت عليه أعماله وأقواله، وأتيت به إلى العرض على الملك الجبار حتى ينفذ فيه حكم الله ، وحتى يصدر عليه الحكم من المحكمة الإلهية. فالله لا يغفل عن المؤمنين الموحدين والدعاة إلى دين رب العالمين، ولا يغفل عن المكذبين والمفسدين، والذين يصدون عن سبيل رب العالمين ويبغونها عوجاً، أفلا يتفكر أعداء الإسلام في هذه الآيات الكريمات؟ أفلا يفعلون ألف حساب للموقف بين يدي ملك الأرض والسموات؟ ثم يصدر الحكم من الملك الجليل : ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]، أي: يكفر بنعم الله ، ويتمتع بها ولا يشكرها، ولا يستعملها في طاعة الله ، ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]. يعاند الحق، ويعرفه ولا يتبعه. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق:٢٥]، أي: ليس فيه خير ولا نفع لأمته ولا لنفسه ولا لأولاده ولا لعشيرته، ﴿مُعْتَدٍ﴾ [ق:٢٥]. بل يتعدى على الناس في أموالهم وفي أعراضهم وفي دمائهم، ﴿مُرِيبٍ﴾ [ق:٢٥]، أي: مشكوك فيه وفي أمره، فهو صاحب ريبة وشكوك. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٦] فالذين يحكم عليهم الله بهذه الحكم العدل من صفاتهم: أنهم يكفرون بنعم الله ، ويعاندون الحق، ﴿كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق:٢٤ - ٢٥]، يمنع الخير عن نفسه وعن غيره ﴿مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٥ - ٢٦]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 363

تفسير قوله تعالى: (قال قرينه ربنا ما أطغيته) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم قال : ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٧ - ٢٩]. وهذا القرين -عباد الله! - هو قرينه من الجن ومن الشياطين، كما قال : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]. وهذا ليس مع كل أحد، بل مع من أعرض عن ذكر الله ، فيقيض الله له هذا القرين. قال سفيان بن عيينة: لا تأتوني بمثل إلا وجئتكم من القرآن بما هو مثله أو أعظم منه. فقيل له: في المثل يقولون: أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة فأين مثله في القرآن؟ قال: قول الله : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، فالذي يعرض عن ذكر الله وطاعته وهدايته ودينه يوظف الله له قريناً من الجن -أي: من الشياطين- يزين له الباطل، ويزخرفه له، ويشوه له الحق، ولا يجبره على معصية الله وعلى الكفر به ، ولكنه مكر الليل والنهار، وتزيين الباطل وتزييف الحق، كما قال الله : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]. فيقول : ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق:٢٧]، أي: ما أجبرته على الضلال وعلى الكفر وعلى المعصية، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]. فهو الذي كان في ضلال بعيد. قال : ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨]، والله حذرنا من الشيطان وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، فاتخذه أكثر الناس صديقاً وناصحاً وخليلاً. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]، أي: أن الله لا يغير وعده ولا يخلفه، ولا يخلف كذلك وعيده، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]، ومع ذلك فالله لا يظلم مثقال ذرة. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] والناس يستكثرون العصاة، ويظنون أن جنهم لا تسع هؤلاء ولا تسع للكافرين، والله قد وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فكلما ألقي فيها يقال لها: هل امتلأت؟ حتى ينفذ وعد الله ؟ فتقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ لأن وقودها الناس والحجارة. وقد ورد في الحديث الصحيح: (أنها لا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط). وهذا الحديث من أحاديث الصفات، ينبغي أن نؤمن به، وأن نعلم أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠].

стр. 364

تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة) ثم يذكر الله كيف يكون حال المتقين يوم القيامة، لا يقال لهم: اذهبوا فادخلوا جنة الله ، ولكن الجنة تأتي إليهم وتقترب منهم، ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١]، قيل: غير بعيد في الزمان، وقيل: غير بعيد في المكان. ولا منافاة بين القولين، فهم يدخلون الجنة ولا يقفون طويلاً في عرصات القيامة، فيدخلون الجنة غير بعيد في الزمان، وكذلك الجنة تقترب حتى لا يبذلوا جهداً في الوصول إليها. ثم وصف الله المتقين الذين يستحقون جنة الله بقوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢]. والأواب: هو الرجّاع إلى الله ، ما قال: المعصوم من الذنوب؛ لأن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولكن المؤمن كلما أذنب رجع، وتاب إلى الله ، فهو الذي يذنب ثم يتوب، فلا يتبع الذنب بالذنب ويستمر في غيه. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢]، قيل: ((حَفِيظٍ)) يحافظ على حدود الله، وعلى أوامره ، وعلى أمانته، وقيل: يحفظ الذنب ويتوب منه. ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق:٣٣]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]. وكما ذكر ست صفات للكافرين ذكر للمتقين الذين يستحقون الجنة أربع صفات، فقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢]، أي: رجّاع إلى الله ، يحافظ على طاعاته وأوامره ، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق:٣٣]، أي: يخشى ربه بالغيب، ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، أي: مقبل على الله ، فيقبل على ذكر الله، وعلى الاستغناء بحبه عن حب ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه. ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤]، فهم يدخلون دار السلام، والله من أسمائه السلام، فيدخلون دار السلام، والله يسلم عليهم، ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، وكذلك الملائكة، ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]. وتحيتهم يفها السلام كما قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤]، لأن العبد إذا كان في نعيم عظيم ثم علم أنه يخرج من هذا النعيم ولو بعد آلاف السنين فإنه يتنغص عليه نعيمه، وهم إذا دخلوا الجنة ودخل أهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، ويقال: يا أهل النار! أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. إنه الموت وكلنا قد ذاقه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت. اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين. اللهم بلغنا رمضان يا رب العالمين! اللهم سلمنا إلى رمضان وتسلّمه منا متقبلاً، اللهم اجعل قدوم هذا الشهر المبارك قدوم عز وبركة وخير للمسلمين عامة يا رب العالمين! اللهم ارفع فيه راية الإسلام والمسلمين، وأعز فيه الإسلام والمسلمين، وأذل فيه الكافرين والمنافقين يا رب العالمين! اللهم ارفع راية الإسلام يا رب العالمين! اللهم فرج كرب المكروبين من المسلمين، واقض الدين عن المدينين من المسلمين، وفك أسرانا وأسرى المسلمين يا رب العالمين! اللهم فك أسرى المسلمين يا رب العالمين! اللهم رد كل غائب مسلم إلى أهله وأولاده بقدوم هذا الشهر المبارك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والغنى والعفاف يا رب العالمين! اللهم اهدنا واهد بنا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وانصرنا على من بغى علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 365

قصة سيدنا سليمان ﵇ إن من حكمة الله أنه يؤتي الملك من يشاء من عباده ويمنعه ممن يشاء، ومن آتاه الله ملكاً عريضاً لا ينبغي لأحد من بعده نبي الله سليمان ﵇ الذي سخر له الإنس والجن والحيوان والطير وآتاه من كل شيء، فكان شاكراً لأنعمه تعالى قائماً بحقه في كل ما آتاه. صلى الله وسلم عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وأتمها.

стр. 366

فوائد إيمانية من قصة سليمان ﵇ الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله، خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي والأمر المرضي على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. قال : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ * وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:١٥ - ٣١].

стр. 367

من فضل الله على النبيين الكريمين داود وسليمان إن سليمان نبي الله ابن نبي الله داود، أثنى الله عليهما بالعلم فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥]، رزقهما الله الملك والنبوة، واشتهرا بالقضاء والعلم والحكمة، وداود هو الذي قتل جالوت كما بينا ذلك في قصة طالوت، وكان داود شاكراً لله ، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، فقد كان لا تمر عليهم ساعة من ليل أو نهار إلا وفيهم جالس يسبح الله ، أو قائم أو ساجد لله . ومن فضل الله على داود: أن وهب الله له سليمان، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]، وهذا نوع من شكر الله للشاكرين من عباده، وليس معنى ذلك أن داود لم يكن له من الأولاد إلا سليمان كما يشير إلى ذلك قوله : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل:١٦]؛ لأن داود كان له مائة امرأة من الحرائر غير ما تملك يمينه من الإماء، فكان له أولاد كثيرون، ولكن الله وهب له سليمان وجعل فيه الملك والنبوة، وأثنى عليه بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]، والأنبياء لا يورثون ديناراً ولا درهماً، ولكن يورثون العلم، فورث سليمان داود في النبوة والعلم والحكم والقضاء، كذلك ورثه في الملك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥]. فانظروا يا عباد الله! كيف شكر سليمان ربه على كل نعمة، وكيف تحدث بنعم الله ، وكيف أعطاه الله من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده، إذ سخر له الريح تجري بأمره حيث أراد، فكانت الريح تحمل جنوده، ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢]. ويذكر أن سليمان ﵇ ذبح الخيل لله ؛ لأنها شغلته عن ذكر ربه، فعوضه الله بالريح التي تحمل جنوده بلا كلفة ولا مئونة، وسخر له الجن والإنس والطير فهم يوزعون، فكانت الشياطين والجن تعمل بين يديه الأعمال الشاقة: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣] وكانوا يغوصون في البحر ويأتونه باللآلئ. ومن فضل الله عليه أن علمه لغة الطير والحيوانات، فكيف تصنع التكنولوجيا الحديثة مع قدرة الله ؟

стр. 368

عظم ملك سليمان ﵇ وشكره لله على ذلك قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل:١٦]، أي: في الملك والنبوة، وزاده الله من فضله، وآتاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٧]، وكان سليمان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وكان يستعرض جنوده من الجن والإنس، تظلهم الطير فهم يوزعون، قيل: إنهم يردون أولهم إلى آخرهم، كما قيل: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، أي: أن الذي لا يرتدع بالقرآن يرتدع بالسلطان وبأحكام الإمام العادل. فقوله: (فهم يوزعون) أي: مملكة منظمة، يرد أولهم إلى آخرهم. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]. هذه النملة في كلمات قليلة أمرت وحذرت واعتذرت، أمرت إخوانها ومن هم تحت رعايتها بأن (يدخلوا مساكنهم) وقدمت الأمر قبل أن تحذر وتعتذر حتى لا يدهمهم الخطب الذي تخاف عليهم منه، فقالت: ادخلوا مساكنكم، ثم حذرت فقالت: ((لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون))، وهذا يدل على أن سليمان وجنوده لا يحطمون نملة فما فوقها وهم يشعرون، فكيف بالملوك الذين يحطمون شعوبهم؟! وكيف بالرؤساء الذين يدمرون أممهم؟! وكيف بسجون البلاد الإسلامية وقد ملئت بالذين رضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيناً ورسولاً؟! فهذا سليمان ﵇ لا يحطم نملة فما فوقها وهو يشعر، فكيف بالذين يظلمون الناس يا عباد الله؟! وكيف بالذين يعنفون المؤمنين؟! قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، ويقول النبي ﷺ : (عذبت امرأة في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)، امرأة تعذب في هرة -أي: في قطة- حبستها ولم تطعمها، فكيف بالذين يحبسون المؤمنين ويعذبونهم، وليس لهم جريرة ولا ذنب إلا أنهم يقولون: ربي الله، ويريدون أن يقيموا شرع الله ويحكموا دينه؟! هذه النملة أمرت وحذرت اعتذرت لسليمان وجنوده بقولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]، فقال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل:١٩]، وهذا يدل على أنه سمع مقالتها وأعجب بحكمتها وفهم لغتها، وحمد الله أن علمه من كل شيء حتى لغة النمل وأسمعه صوتها، فماذا تصنع التكنولوجيا الحديثة أمام مقدرة الله ؟ قال سليمان شاكراً نعمة الله : ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل:١٩]، فالمؤمن كلما أنعم الله عليه بنعمة تحدث بها وشكر الله عليها، ومع ذلك يطلب من الله مزيداً من النعم والخير والصلاح، وسليمان من هذا الصنف، إذ قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩].

стр. 369

ظهور بشرية سليمان في عدم إحاطته بعلم كل شيء رغم اتساع سلطانه ومملكته ثم قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠]. تفقد سليمان ﵇ مملكته، قال المفسرون: كان يأتيه من كل جنس من الطير نوع واحد، وهذا يدل على أن الطير خاضع لسلطان سليمان، مسخر لأوامره عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلما تفقد أنواع الطير عرف أن الهدهد غائب، وهذا فيه دلالة على أن الملك أو الرئيس أو الأمير ينبغي له أن يتفقد رعيته. فقوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:٢٠]، أي: هل غاب عن عيني وهو من الموجودين، أم كان من الغائبين؟ ثم تهدد وتوعد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، وأراد بالسلطان هنا حجة تغيبه عن هذا الموكب وعن الحضور معهم عندما كان يمر عليهم سليمان ويتفقد الرعية، وعبر القرآن بقوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، فقد أتى بعد ذلك بسلطان بلقيس، وإنما سميت الحجة سلطاناً؛ لأن صاحب الحجة قوي، فقال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، فيعفو عنه عند ذلك. قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:٢٢]، أي: ما غاب الهدهد طويلاً، وهذا يدل على إحكام هذه المملكة، وأنهم خاضعون لحكم سليمان وأمره، فلم يختف الهدهد طويلاً، بل جاء يعتذر إلى سليمان ويقول: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٤]. فهذا الهدهد أتى سليمان ﵇، وأخبره بما خفي عليه من العلم، وهذا يدل على أن فوق كل ذي علم عليم، وأن الصغير قد يكتشف ما لا يعلمه الكبير، فهذا عمر ﵁ كان ذا علم غزير، حتى أنه لما مات قالوا: ذهب تسعة أعشار العلم، لكن مع علمه الغزير غاب عنه سنة الاستئذان، وذلك لما أتى أبو موسى الأشعري إلى عمر ﵁ فاستأذن عليه ثلاثاً فلم يؤذن له، فقال عمر: ألم أسمع عبد الله بن قيس؟ فطلبه عمر، فلما جيء به قال: قال رسول الله ﷺ : (الاستئذان ثلاثاً، فإن أذن لك وإلا فارجع)، فقال: البينة وإلا حد ظهرك، أي: لا بد أن تأتيني ببينة وبمن يشهد معك أن رسول الله ﷺ قال ذلك، فذهب أبو موسى الأشعري يلتمس من يشهد له، فأخبر جماعة من الصحابة ما قاله له عمر، فقالوا: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا، وكان أصغرهم أبا سعيد الخدري، فذهب مع أبي موسى الأشعري، وشهد عند عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الاستئذان ثلاثاً، فإن أذن لك وإلا فارجع). وغاب عن أبي بكر ميراث الجدة، حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن مسلمة ﵄ أن النبي ﷺ أعطاها السدس. فالكبير قد يغيب عنه ما علمه الصغير، فهذا الهدهد أتى إلى نبي الله سليمان الذي علمه الله من كل شيء حتى لغة الطير ولغة النمل، وقال له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢]، والحكمة من ذلك حتى لا يعجب العالم بعلمه، فالله يقدر له ما يعرفه قصور علمه حتى يرجع إلى الله ، ويعترف بقصوره في العلم، يعرف أن فوق كل ذي علم عليم. فأتى الهدهد بصولة العلم يقول: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢]، أي: أتيتك بما لم تعلم به من الأخبار، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]. ثم قال الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل:٢٣]، فكان أول ما أنكره هذا الهدهد الذي كان يعيش في مملكة سليمان الموحدة لله أن تكون امرأة ملكة لدولة فقال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل:٢٣]، وهو يعلم أن المرأة لا يمكن أن تكون ملكة ولا خليفة ولا قاضية. ولما بلغ النبي ﷺ أن الفرس أمروا عليهم ابنة كسرى، فقال: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). فكان هذا أول ما أنكره الهدهد، إذ قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأ

стр. 370

ذكر قصة الملكة بلقيس مع قومها في شأن رسالة سليمان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٣٢ - ٤٤]. إنها لعزة وقوة عندما تكون الدولة مسلمة، فيخضع الناس للإسلام وتفتح البلاد، ويدخل العباد في دين الله ، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، فمع وجود الخلافة الإسلامية يلزم الخليفة أن يغزو الناس، وأن يغزو البلاد الكافرة من أجل أن يخضع الكل لله ، ومن أجل أن يكون الدين كله له سبحانه. ولما استشارت الملكة قومها في كتاب سليمان قالوا: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل:٣٣]، وهم بذلك يغترون بقوتهم ويظنون أن هذه الأسباب الأرضية تستطيع أن تواجه أمر الله ، ولكن المرأة كانت عاقلة، إذ قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، كأنها تقول لهم: لو كان سليمان نبياً لنصره الله ، ولا بد أن يفتح هذه البلاد، وإن فتح هذه البلاد فإنه لا يخلص الشر إلا إلي ولا يكون الذل إلا علي؛ لأن ﴿الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، ثم قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]. وهذه المرأة كانت كافرة، لكن هذا يدلنا على أن الحق يخرج من كل من جاء به كائناً من كان، ثبت في الصحيح أن أبا هريرة ﵁ أمسك بشيطان كان يسرق من تمر الصدقة، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فشكا الفقر وكثرة العيال فتركه أبو هريرة، فتكرر ذلك منه فأصر أبو هريرة أن يرفعه إلى النبي ﷺ ، فطلب من أبي هريرة أن يتركه على أن يعلمه شيئاً، فعلمه أن يقرأ آية الكرسي عند نومه، وقال: لا يقربك شيطان، ولا يزال عليك من الله حافظ، فلما أخبر أبو هريرة رسول الله ﷺ بذلك، قال: (صدقك وهو كذوب)، فمن أذكار النوم أن نقرأ آية الكرسي عند النوم، لكن المقصود: هل قال النبي ﷺ لـ أبي هريرة

стр. 371

ذكر ما أيد الله به سليمان من معجزات وبينات ثم أراد سليمان أن يظهر آية من آيات نبوته، ومعجزة من معجزات نبوته، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨]، فقد علم سليمان أنهم سيأتون مسلمين، وذلك لقوة الإسلام ولقوة الحاكم المسلم ولقوة نبي الله سليمان، وهو الذي مات متكئاً على منسأته، أي: على عصاه، وظلت الجن مسخرة بين يديه في الأعمال الشاقة، وقيل: كانوا يبنون بيت المقدس، وكان قد أمر أهله ألا يخبروهم بموته حتى يستكملوا بناء بيت المقدس، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، فظلوا مسخرين بين يدي سليمان وهو ميت متكئ على عصاه حتى أكلت الأرضة منسأته وسقط على الأرض، عند ذلك علموا أنه قد مات، وعندئذ علمت الجن أنهم لا يعلمون الغيب، فهذه بينة واضحة من الله ، إذا أراد الله أن يرفع عبداً من عباده، أيده بالمعجزات والبينات الواضحات. قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٨ - ٣٩]، أي: وأنت في مجلسك قبل أن ينتهي مجلس القضاء، قيل: وكان مجلس القضاء من الصبح إلى الزوال، أي: إلى وقت الظهر. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:٣٩]، أي: قوي على إحضاره في هذه المدة، أمين على ما فيه من الجواهر والنفائس، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل:٤٠]، قيل: من العلماء، أي: من علماء الجن، وقيل: كان يعلم الاسم الأعظم لله ، ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠]، هل تستطيع التكنولوجيا الحديثة أن تفعل ذلك؟! أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل:٤٠]، لم يقل: هذا بقوتي وبحولي وشجاعتي، بل قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠]، فكان كلما أعطاه الله نعمة شكره على هذه النعمة؛ لأنه يعلم أن الله هو الذي سخر له الجن، وهو الذي أعطاه هذه الأسباب العظيمة، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٤٠]؛ لأن الله في غنىً عن شكر العباد، ولا ينفعه شيء من طاعات العباد، من أحسن فإنما يحسن لنفسه، ومن أساء فإنما يسيء عليها، ومن ظلم فإنما يظلم نفسه، والله غني عن العباد وعن طاعاتهم، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل:٤٠] أي: رأى سرير ملكها مستقراً عنده في طرفة عين، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]؛ لأنه لا يحتاج إلى طاعات العباد، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٨]. قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٤١]، أي: غيروا شيئاً من صفات عرشها لنختبر عقلها هل تعرف أنه سرير عرشها أم لا، ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل:٤٢]، قيل: إنهم غيروا فيه بعض التغيير، فلم يقولوا: هل هذا عرشك؟ بل قالوا: أهكذا عرشك؟ ولرجاحة عقلها قالت: كأنه هو، لم تقل: هو؛ لأنها وجدت فيه تغييراً، وقيل: لأنها تعجبت كيف أوتي به في هذه السرعة، وقد تركته تحت الأغلال وتحت القيود، فقالت: كأنه هو، ولما شبهوا لها بقولهم: أهكذا شبهت لهم بقولها: كأنه، قال تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٤٢]، قيل: هذا من كلام الملكة، إذ إنها أسلمت قبل أن ترى هذه الآية، وقيل: هذا من كلام سليمان، أو من كلام من هم مع سليمان في مملكته، فقوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ [النمل:٤٢]، أي: صدق سليمان ونبوته؛ لكثرة المعجزات التي رأوها الدالة على صدقه. قال تعال

стр. 372

قصة مؤمن آل فرعون لقد حكى الله تعالى لنا في كتابه ما قام به مؤمن آل فرعون من الإنكار على قومه ودعوتهم إلى الإيمان بالله، والكفر بالطواغيت والأوثان، وذلك من أفضل الجهاد؛ ولذا كان لا بد للمؤمن من أن يجهر بكلمة الحق وألا يخاف في الله لومة لائم، وأن يفوض أمره إلى الله، فهو الحافظ من كيد الكائدين ومكر الماكرين.

стр. 373

فوائد إيمانية من قصة مؤمن آل فرعون إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: تكلمنا -بحمد الله تعالى- في الدرس السابق عن قصة مؤمن آل يس، ونتكلم اليوم إن شاء الله تعالى عن قصة مؤمن آل فرعون، والآيات في سورة غافر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْن ِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٢٦ - ٤٦]. هذه حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وقصة الصراع واحدة، ولكن تختلف الأسماء، وتختلف شبهات الطغاة والجبابرة، ولكن النهاية تكون واحدة، وهي الانتصار للحق وأهله، وزوال الباطل وأهله، فالباطل ينتفش ويبدو بأسبابه الأرضية كأنه على كل شيء قدير، ولكنه عندما يواجه الحق الثابت الذي يستمد قوته من الله تكون العاقبة للمتقين، والهلاك والعذاب للطغاة والمتكبرين. فالباطل مثل الزبد والرغوة والغثاء الذي يك

стр. 374

خوف فرعون من قتل موسى وتردده فيه ولنشرع في شرح الآيات الكريمات: يقول تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]. قال الزمخشري: قوله: ((ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى)): كانوا إذا هم بقتله كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة، ومثله لا يقاوم إلا ساحراً مثله. ويقولون: إن قتلته أدخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة. الظاهر: أن فرعون -لعنه الله- كان قد استيقن أنه نبي، وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، والله يسجل ذلك، قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]. وقال موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]. فكان فرعون يعتقد بأنه نبي، وأن هذه المعجزات التي أتى بها تؤيد أنه نبي صادق؛ ولذلك كان يخاف من قتله، فهو يظهر أنه يريد أن يقتله، ولكنه في الواقع كان يخاف من قتل موسى خشية أن ينزل به عذاب. يقول: ولكن الرجل كان فيه خب وجربزة، وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه؛ لأنه كان يقتل الولدان، يعني كما يقولون: أنه بلغه من أهل الكتاب أو من بعض الكهان أنه يولد في تاريخه غلام يكون هلاك ملكه على يديه، ومن أجل ذلك كان يقتل الولدان، فهو كان يعتقد أنه سوف يزول ملكه على يديه، ولكنه كان يخاف إن هم بقتله أن يعجل له بالهلاك. فقوله: ((وَلْيَدْعُ رَبَّهُ)) شاهد صدق على فرط خوفه منه، يقول: ((وَلْيَدْعُ رَبَّهُ))؛ لأنه خائف من دعاء موسى، وكان قوله: ((ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى)) تمويهاً على قومه وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع. قوله: ((أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ)) أن يغير ما أنتم عليه، وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]. يقول: إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه، أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه، وهكذا أهل الباطل دائماً، فهم يصورون أن أهل الإيمان والالتزام سوف يذهبون بطريقتهم المثلى، وأنهم على حضارة، وعلى نور وخير، وأن هؤلاء يريدون أن يردوا الناس إلى عصور الظلام، وأن يحرموهم من المدنية ومن حضارة أوروبا، فهذا تمويه من أهل الباطل، يموهون ويلبسون الباطل ثوب الحق والحق ثوب الباطل. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]. قال ابن كثير: أي: عذت بالله ولجأت إليه، واستجرت بجنابه من أن يسطو فرعون وغيره علي بسوء.

стр. 375

اعتصام المؤمن بالله دائماً ولجوءه إليه وقوله: ((مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ)) أي: جبار عنيد لا يرعوي ولا ينتهي ولا يخاف عذاب الله وعقابه؛ لأنه لا يعتقد معاداً ولا جزاء، ولهذا قال: ((مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)). فهكذا المؤمن دائماً له معاد وله مبدأ وله ملاذ، وهو الله ، فهو يعوذ به ويحتمي بجنابه، ويلوذ بالله -أي: يلجأ إلى الله إذا أراد شيئاً، كما فعل يوسف لما اجتمعت عليه امرأة العزيز ونساء المدينة، حيث استعان عليهن بالله وقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. فالمؤمن دائماً يلجأ إلى الله إذا خاف فتنة، أو إذا خاف من جبار ظالم.

стр. 376

اختلاف المفسرين في شخصية مؤمن آل فرعون قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]. فاختلفوا في هذا الرجل: فقال الحسن ومقاتل والسدي: كان قبطياً، وهو ابن عم فرعون والذي نجا مع موسى. والمفسرون يرجحون أنه الرجل الذي جاء من أقصى المدينة وقال لموسى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠]. وقيل: كان من بني إسرائيل ولم يكن من آل فرعون وهو خلاف ما في الآية، وقد تمحل لذلك بأن في الآية تقديماً وتأخيراً، والتقدير: وقال رجل مؤمن من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون. وهذا خلاف ظاهر الآية، فالآية: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر:٢٨]، فإذا قيل: إنه من بني إسرائيل، أو من قوم موسى، يكون هذا القول خلاف الآية، أي: خلاف ظاهر القرآن، وظاهر القرآن يجب القول به والمصير إليه، حتى يدل الدليل على أن الظاهر غير مراد. قال القشيري: ومن جعله إسرائيلياً ففيه بعد؛ لأنه يقال: كتمه أمر كذا، ولا يقال: كتم منه، كما قال سبحانه: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢]، وأيضاً ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول، يعني: كونه تكلم بهذا الكلام أمام فرعون، وجهر بكلمة الحق ونصر موسى نصراً مؤزراً، ودعا الناس إلى الإيمان بالله ، وخوف فرعون وقومه من أيام الأحزاب التي هلك فيها عاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، لو كان من قوم من بني إسرائيل قوم موسى لما كان يحتمل منه فرعون هذا الكلام فهو من قوم فرعون كما تدل الآية.

стр. 377

حكمة مؤمن آل فرعون في دعوته قومه إلى الله وقال الزمخشري -ما ملخصه-: ((أَنْ يَقُولَ)): لأن يقول، وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت شديد؛ كأنه يقول: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها، وهي قوله: ربي الله، كيف يقتل إنسان يقول: ربي الله، مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة ولكن بينات عدة من عند من نسب إليه الربوبية وهو ربكم؛ لأنه جاء بالبينات -يعني: ليست بينة واحدة، بل بينات ومعجزات- كان يلقي عصاه فتنقلب حية كبيرة، ويدخل يده في جيبه، ثم يخرجها فتصير بيضاء تشع نوراً، فيعيدها إلى جيبه فتعود سيرتها الأولى، فأتى ببينات ومعجزات كثيرة تدل على أنه صادق، فكيف تقتلونه وهو يقول: ربي الله، وقد أتى بالبينات؟ وقوله: (بالبينات)، يريد البينات العظيمة التي عهدتموها وشهدتموها، ثم أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً، يعني: هذا الذي يدعي أنه نبي، إما أن يكون صادقاً، وإما أن يكون كاذباً، فعلى كل حال لا يجوز قتله، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨]، أي: إذا كان يكذب على الله فالله تعالى ينتقم منه؛ لأنه يدعي أن الله أرسله، فالله تعالى ينتقم منه (فعليه كذبه) أي: يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره إلينا. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨]: إن كان صادقاً في أن الله أرسله يصبكم بعض الذي يعدكم، وهو في الواقع يصيبهم جميع ما يعدهم به، ولكن هذا من باب المداراة، وحتى لا يظهر أنه متحامل عليهم، فقال: (يصبكم بعض الذي يعدكم به)، أي: إن تعرضتم له. فإن قيل: لم قال: الذي يعدكم، وهو نبي صادق لابد أن يصيبهم كل ما يعدهم به لا بعضه؟ الجواب لأنه في مقاولة خصوم موسى ومناكريه إلى أن يحايلهم ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وتقديم الكاذب على الصادق أيضاً من هذا القبيل، قال: ((وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)). قال القاسمي: قال الناصر: ويناسب تقديم الكاذب على الصادق هنا: قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧] حتى لا يظهر أنه متحيز ليوسف، وهم لا شك من بداية الأمر يرون أن القميص قد من دبر. يقول: إن كان قد من قبل فصدقت أنه هو الذي يريدها، وهي التي تمتنع منه، فقد قميصه من قبل، ولكن إذا كان هو يفر منها وهي تتبعه فتمسك قميصه من الخلف، أي: من دبر، فهذا أيضاً حتى يقبل قوله، وحتى لا يظهر أنه متحامل على امرأة العزيز. يقول: فقدم الشاهد أمارة صدقها على أمارة صدق يوسف، وإن كان الصادق هو يوسف، وهذا لا يضره؛ لأنه هو الصادق في الواقع؛ لرفع التهمة وإبعاد الظلم وإدلالاً بأن الحق معه، ولا يضره التأخير لهذه الفائدة. وقريب من هذا التصرف لإبعاد التهمة ما في قصة يوسف مع أخيه، إذ بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، فلو بدأ بوعاء أخيه واستخرج منه صواع الملك لاتهم بأنه وضعه في وعاء أخيه، ولكن بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، كأنه لا يقصد أخاه، ولا يريد أن يحتجز أخاه، فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]: قال الشوكاني: وهو احتجاج آخر من وجهين: أحدهما: أنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات وأيده بالمعجزات؛ لأن النبي إذا كان صادقاً فهو أصلح الصالحين، فيظهر عليه من العلامات ومن الدلائل من صدق الكلام ومن العفاف ما يدل على صدقه. وذلك كما قال حسان في حق نبينا محمد ﷺ : لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر يعني: الناظر إلى وجهه الكريم ﷺ يعتقد بأنه نبي صادق، فإذا كان الرجل محافظاً على الصلاة ويجتهد في الطاعة والعبادة تظهر عليه أنوار الطاعة والعبادة والإقبال على الله ، فكيف بالرسل الذين هم أفضل الأولياء. فليست المعجزات وحدها هي دلائل النبوات، بل الصدق والأمانة وحسن السيرة وشرف النسب وغير ذلك مما يدل على الصدق. ثانيها: أنه إذا كان كذلك خذله الله وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] يعني: لا تشغلوا أنفسكم به فالله تعالى لا يهدي من هو مسرف كذاب، فلا حاجة لكم إلى قتله. والمسرف: المقيم على المعاصي المستكثر منها، والكذاب: المفتري.

стр. 378

تذكير مؤمن آل فرعون قومه بنعم الله عليهم قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]. يعني: يذكرهم بأنهم الآن ظاهرون في الأرض، وهذا الظهور ظهور وقتي، ويذكر أيضاً بأن الدولة التي تحارب الدين يؤذن بزوالها. قال ابن كثير: يحذرهم أن يسلموا هذا الملك العزيز، فإنه ما تعرضت الدولة للدين إلا سلبوا ملكهم، فأي دولة تحارب شرع الله لابد أن تزول وأن تذل بعد عز، ولكن الله يقول في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) يعني: يعادي ولياً واحداً من أولياء الله، فالله تعالى يؤذنه -أي: يعلمه- أنه محارب له، فكيف إذا عادوا كل أولياء الله وكل الدعاة إلى الله ، وإذا حاربوا دين الله جهاراً نهاراً لابد أن يزول ملكهم، وتزلزل عروشهم. يقول: وكذا وقع لآل فرعون، مازالوا في شك وريب ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به، حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور والنعمة والحبور، ثم حولوا البحر مهانين، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل سافلين، يعني: الأجسام بالغرق والأرواح بالحرق، نقلت الأرواح إلى النار، وأغرق الله الأجساد. ولهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدق البر الراشد التابع للحق الناصح لقومه الكامل العقل: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ﴾ [غافر:٢٩] أي: عالين على الناس حاكمين عليهم. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] أي: لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة، والقوة والشدة لما نفعنا ذلك، ولا رد عنا بأس مالك الممالك. حين ضرب زلزال تركيا أسقط مائة ألف بيت معمور في أقل من دقيقة، فمن يستطيع أن يقف أمام بأس الله ، وأمام أخذه؟ لا يمكن أن يكون هناك من يدفع بأس الله . وهذا قارون خسف به وبداره الأرض، وابتلعته الأرض بأمواله وخزائنه، فما وجد فئة تنصره من دون الله وما كان من المنتصرين.

стр. 379

رد فرعون على المؤمن وعتوه وكفرانه إن رد فرعون رد ساذج إذ يقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر:٢٩] أي: ما أقول لكم إلا ما عندي، ليس عندي حجة ولا دليل ولا برهان ولا مقاومة الحجة بالحجة. ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] فهو يدعي مجرد ادعاء أنه على سبيل الحق والرشاد، وأنه يعتقد أنه ينصحهم به. يقول: وكذب في كل من هذين القولين وهاتين المقدمتين، فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة، وإنما كان يظهر خلافه بغياً وعدواناً وعتواً وكفراناً، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]. فموسى يخبرهم أن فرعون يعلم تماماً أن الذي جاء به هو من عند الله. وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] أي: يعتقدون صدق موسى، ولكن لبغيهم وظلمهم لا ينقادون له، ولا يؤمنون بدعوته ولا يسلمون له. فهذه المقدمة الأولى لما قال: ((مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى)) وكذب في ذلك، وقال: ((وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)) وكذب في ذلك أيضاً، فإنه لم يكن على رشاد من الأمر، بل كان على سفه وضلال وخبل وخيال، فكان أولاً ممن يعبد الأصنام والأمثال، ثم دعا الجهلة الضلال إلى أن اتبعوه وطاوعوه وصدقوه فيما زعم من الكفر والمحال في دعواه أنه رب العالمين، تعالى الله ذو الجلال.

стр. 380

تذكير مؤمن آل فرعون قومه بهلاك الأمم السابقة وبيوم القيامة قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠]. قال الرازي -ما ملخصه-: واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعاً من الكلمات ذكرها لفرعون: فالأول: قوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠]، والتقدير: مثل أيام الأحزاب، كما قلنا: أنه يأتي المفرد ويراد به الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:٥٤]، فهي في الواقع أنهار وليس نهراً واحداً. وقوله : ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١]، يقصد الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء. فالمفرد يأتي في لغة العرب ويراد به الجمع، فقوله هنا: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] أي: مثل أيام الأحزاب، أو كل قوم لهم يوم، مثل أيام الأحزاب، قيل: إنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، فحينئذ ظهر أن كل حزب كان لهم يوم معين في البلاء، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس. ثم فسر قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] بقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر:٣١] ودأب هؤلاء: دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي، فيكون ذلك دأباً دائماً لا يفترون عنه، ولابد من حذف المضاف، يريد مثل جزاء دأبهم. والحاصل: أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضاً بهلاك الآخرة، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣]، والمقصود منه: التنبيه على عذاب الآخرة. النوع الثاني من كلمات ذلك المؤمن: قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] يعني: أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً؛ لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هاهنا، يعني: هؤلاء ما أهلكوا ظلماً، بل بما كسبت أيديهم، ولابد أنهم اقترفوا آثاماً أهلكهم الله بها، وأنتم الآن تقترفون هذه الآثام فتعرضون أنفسكم أيضاً للهلاك. النوع الثالث من كلمات هذا المؤمن: قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢]. فالتناد: تفاعل من النداء، يقال: تنادى القوم أي: نادى بعضهم بعضاً، وأجمع المفسرون على أن يوم التناد يوم القيامة، فمن أسماء يوم القيامة: يوم الزلزلة، الحاقة، الواقعة، القارعة، يوم الجمع، يوم التناد؛ لكثرة صفاته وكثرة أهواله، وهو يوم التناد لكثرة النداء فيه، وفي سبب تسميته بهذا الاسم وجوه: الأول: أن أهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة ينادون أهل النار، كما في سورة الأعراف. الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]. الثالث: أنه ينادي بعض الظالمين بعضاً بالويل والثبور، فيقولون: يا ويلنا. الرابع: ينادون إلى المحشر، أي: يدعون. الخامس: ينادي المؤمن: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] من فرحه بكتابه، والكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥]. السادس: ينادى باللعنة على الظالمين. السابع: يجاء بالموت على صورة كبش أملح، ثم يذبح، وينادى: يا أهل الجنة! لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، وأهل النار حزناً على حزنهم، فكل هذا مأخوذ من النداء. الثامن: قال أبو علي الفارسي: التنادي: مشتق من التناد من قولهم: ند فلان إذا هرب، فهذا تفسير آخر، وهو قراءة ابن عباس، فقال: يندون كما تند الإبل، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس:٣٤] فالتناد هنا: عندما يند الناس أو يفرون. ويفسره كذلك قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر:٣٣]؛ لأنهم إذا سمعوا زفير الناس يندون هاربين، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه. المسألة الثانية: انتصب قوله: يوم التناد وجهين: أحدهما: الظرف للخوف، كأنه خاف عليهم من ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب إن لم يؤمنوا، فيوم التناد يوم مفتوح لأنه ظرف. والآخر: أن يكون التقدير: إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد، وإذا كان كذلك كان انتصاب يوم التناد مفعولاً به. ثم قال: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر:٣٣] هو بدل من قوله: (يوم التناد)، عن قتادة: منصرفين عن موقف الحساب إلى

стр. 381

تذكير مؤمن آل فرعون قومه بيوسف وما جاءهم به من البينات ذكر مؤمن آل فرعون قومه بيوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]. قال ابن كثير: يعني: أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولاً من قبل موسى ﵊، وهو يوسف ﵊ كان عزيز أهل مصر، وقيل: كان هو الملك، وبعضهم يقول: إن ملك مصر آمن بدعوة يوسف واختاره ملكاً من بعده، وبعضهم يقول: إنه لم يؤمن، ولكنه كان معجباً بحكمته وسياسته فاختاره من بعده، والدليل على ذلك: أنه رفع أبويه على العرش، والعرش: يكون للملك. وكان رسولاً يدعو إلى الله تعالى أمته القبط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤]، أي: يئستم فقلتم طامعين: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤]؛ وذلك لكفرهم وتكذيبهم، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤] أي: كحالكم هذا يكون حال من يضللهم الله بإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥]. قال الزجاج: هذا تفسير المسرف المرتاب، فالمسرف المرتاب الذي يجادل في آيات الله. قال المفسرون: يجادلون في إبطالها والتكذيب بها بغير سلطان، أي: بغير حجة أتتهم. (كبر مقتاً) أي: كبر جدالهم مقتاً عند الله، وعند الذين آمنوا، والمعنى: يمقتهم الله ويمقتهم المؤمنون بذلك الجدال الذي يردون به الآيات. (كذلك) أي: كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا وجادلوا بالباطل؛ يطبع على كل قلب متكبر عن عبادة الله وتوحيده.

стр. 382

طغيان فرعون وطلبه بلوغ أسباب السماوات ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] يريد فرعون أن يبرر للناس أن ما يدعيه موسى من أن ربه فوق السماء، فهذه الآية تدل على الفوقية، إذ إن فرعون أراد من هامان أن يبني له برجاً عالياً يصعد عليه ليؤكد لقومه أنه ليس فوق السماء إله يعبد. قال ابن كثير: كذب فرعون موسى ﵇ في دعواه أن الله أرسله، وزعم فرعون لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨]. فبلغ من عتوه أنه يريد أن يبني أبراجاً وسلالم يصعد عليها ليؤكد لهم أنه ليس هناك إله أرسل موسى. قال: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] أي: طرقها ومسالكها ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٧]، هذا نوع من الكبر والغطرسة، ويحتمل هذا معنيين: أحدهما: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧] في قوله: إن للعالم رباً غيري، أو في دعواه أن الله أرسله، والأول أشبه لظاهر حال فرعون، فإنه كان ينكر ظاهراً إثبات الصانع. والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال: فأطلع إلى إله موسى، أي: فأسأله عن إرساله موسى، -يعني: أرسله أم لا- ((وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)) يعني: في دعواه ذلك، وكأنه مقر بوجود إله، ولكنه يقول: لم يرسله، وإنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [غافر:٣٧] أي: الشرك والتكذيب، ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر:٣٧] على ما لم يسم فاعله، أي: عن سبيل الحق. وفي قراءة (وصَدَّ عن السبيل)، فهو يصد صداً، أي: صد فرعون الناس عن السبيل. قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] أي: في خسران وضلال، ومنه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].

стр. 383

دعوة مؤمن آل فرعون قومه إلى اتباع الرشد وتذكيره لهم بحقارة الدنيا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨]. قال الزمخشري قال: (أهدكم سبيل الرشاد) فأجمل لهم، ثم فصل فافتتح بذم الدنيا، قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر:٣٩] كأنه يريد أن يبين لهم سبيل الرشاد، وهو أن يعرفوا الدنيا على حقيقتها، وأن الدنيا متاعها متاع قليل، وأن الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، وأن الإنسان عندما يعمل صالحاً يجازى بمثله، والذي يعمل صالحاً يدخل الجنة يرزق فيها بغير حساب. فأجمل سبيل الرشاد، ثم فصل فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها؛ لأن الإسناد إليها هو أصل الشر كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله، ويجلب الشقاوة في العاقبة، وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن والمستقر، وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منها؛ ليثبط عما يتلف، وينشط لما يدلف -يعني: يقرب- ثم وازن بين الدعوتين، دعوة إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوته إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وحذر وأنذر واجتهد في ذلك واحتشد، لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين. فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] أي: بغير تقدير وموازنة للعمل، بل أضعاف مضاعفة، فضلاً منه تعالى ورحمة، فإنه مهما كان عمل الإنسان لا يوازي جنة الله ؛ لأن حياة الإنسان محدودة يعيش ستين سنة أو سبعين سنة أو مائة سنة، فتجد جزءاً من هذه الحياة في الطفولة، وجزءاً يشتركون فيه الناس في النوم والأكل والشرب، وتجد أعمال العاملين في خمسة عشر أو عشرين سنة تقريباً، فالذين يجتهدون في هذه المدة في الطاعة يدخلون الجنة، والذين يضيعون أعمالهم يدخلون النار. فهل الإنسان الذي يعمل عشرين سنة يجازى بخلود في نعيم مقيم، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت؟! فلا يقابل عمل الإنسان في الدنيا أبداً جنة الله مهما كان عمله في سبيل الله. فالله تعالى يعطي المؤمن بغير حساب، أي: بغير تقدير وموازنة، بل أضعاف أضعاف فضلاً منه سبحانه.

стр. 384

تكرار الرجل المؤمن دعوة قومه إلى الله ووقاية الله له من سيئات مكرهم قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤١ - ٤٢]. قال الشوكاني: كرر الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله، وصرح بإيمانه، ولم يسلك المسالك المتقدمة أنه منهم، وأنه إنما تصدى التذكير كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم به موسى، كما يقوله الرجل المحب لقومه من التحذير عن الوقوع فيما يخاف عليهم الوقوع فيه، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ﴾ [غافر:٤١] كما قال إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم:٤٢]، قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]: أخبروني عنكم كيف هذه الحال، أدعوكم إلى النجاة من النار ودخول الجنة بالإيمان بالله وإجابة رسله، وتدعونني إلى النار بما تريدونه مني من الشرك؟ قيل: معنى ((مَا لِي أَدْعُوكُمْ)): ما لكم أدعوكم، كما تقولون: ما لي أراك حزيناً، أي: مالك؟ ثم فسر الدعوتين، فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ [غافر:٤٢ - ٤٣] أي: حق، ووجب بطلان دعوته، قال الزجاج: المعنى: ليس له استجابة دعوة تنفع، وقيل: ليس له دعوة توجب له الإلهية في الدنيا ولا في الآخرة. وقال الكلبي: ليس له شفاعة، (وأن مردنا) أي: مرجعنا ومصيرنا إلى الله بالموت أولاً وبالبعث آخراً، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٤٣]، أي: المستهترين بمعاصي الله. ثم قال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. قال الشنقيطي ﵀ ما ملخصه: التحقيق الذي لاشك فيه: أن هذا الكلام من كلام مؤمن آل فرعون الذي ذكر الله عنه، وليس لموسى فيه دخل، يعني: هذا الكلام قاله مؤمن آل فرعون: ((فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ)) يعني: أنهم يوم القيامة يعلمون صحة ما كان يقول لهم، ويذكرون نصيحته، فيندمون حيث لا ينفع الندم، والآيات الدالة على مثل هذا من أن الكفار تنكشف لهم يوم القيامة حقائق ما كانوا يكذبون به في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٦ - ٦٧]، يعني: سوف يرون الأشياء التي كذبوا بها لزيادة تبكيتهم وعذابهم، وقال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]، وقال: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٤ - ٥] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥]. دليل واضح على أن التوكل الصادق على الله وتفويض الأمور إليه؛ سبب للحفظ والوقاية من كل سوء، وقد جاء ذلك في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: كافيه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] فهذا جزاء التوكل، فالإنسان يتوكل ويفوض أمره إلى الله ، فإذا فعل ذلك فإن الله تعالى يكفيه ويدفع عنه. والظاهر: أن ما (مكروا) في قوله: (سيئات) مصدرية، أي: فوقاه الله سيئات مكرهم، أي: أضرار مكرهم وشدائده، والمكر يعني: الكيد. فلا شك أن فرعون يكيد به، يعني: من يقول مثل هذه المقالة الطويلة العظيمة، ويواجه بها أهل الباطل؛ لابد أنهم يكيدون به ويلفقون له التهم والقضايا، والمسلمون تلفق لهم قضايا بغير تهم، من أجل أن يزج بهم خلف الأسوار، أو تستباح دماؤهم، فكيف يقول هذه المقالة الطويلة العظيمة وينصر بها نصراً مؤزراً أمام فرعون ويمكرون به؟ فلا شك أنهم مكروا به، وإن كان القرآن لم يفصح لنا عن طبيعة هذا المكر، ولكن بين الله أنه وقاه سيئات ما مكروا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿

стр. 385

بعض ما يستفاد من قصة مؤمن آل فرعون لا شك أن ما قام به هذا الرجل المؤمن من آل فرعون من الإنكار على فرعون، ثم من دعوة فرعون وقومه إلى الإيمان بالواحد الديان، والكفر بالطواغيت والأوثان من أفضل الجهاد، فقد قال النبي ﷺ : (أفضل الجهاد: كلمة عدل عند سلطان جائر)، وكان هذا أفضل الجهاد؛ لأن الجهاد تعريض للنفس للتلف، أو الجراح العظيمة، ولكن كلمة الحق عند سلطان جائر تعرض النفس أكثر للتلف، أو يغلب على الظن تلف النفس. ثبت أيضاً أن أبا بكر الصديق أفضل من هذا الرجل المؤمن، وله موقف مع النبي ﷺ لما لبده أحد الكفار بردائه، فدفعه أبو بكر وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]، هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: (سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ قال: رأيت عقبة بن أبي معيط -هو أشقى القوم- جاء إلى النبي ﷺ ، فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨])، بل ثبت أن أبا بكر وعمر أفضل أولياء الله بعد الأنبياء، كما في الحديث: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين عدا الأنبياء والمرسلين). وكذلك استدل أهل السنة والجماعة بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] على فوقية الله على خلقه، فإنه عندما سئل موسى عن ربه قال: فوق السماء؛ فلذلك قال فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦]. فهذا يدل على عقيدة الفوقية والأدلة كثيرة على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: فوق السماء؛ لأن (في) تأتي بمعنى (على)، كما قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]. فنحن لا نمشي داخل الأرض، لكن نمشي فوق الأرض، وأيضاً: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء أو فوق السماء. قال القاسمي في قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]: المراد: عرض أرواحهم عليها دائماً، واكتفى بالطرفين المحيطين الغدو والعشي عن الجميع، وبه يستدل على عذاب القبر والبرزخ، وقانا الله منه بمنه. قال السيوطي في العجائب للكرماني: في هذا الآية أدل الدليل على عذاب القبر؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، يعني: قوله تعالى: ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)) أي: هذا العرض ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة يقال لهم: ((أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)) وهو عذاب جهنم؛ لأنه جزاء شدة كفرهم، فهم في عذاب أدنى وفي عذاب أكبر، والعذاب الأدنى في البرزخ وفي الدنيا، والعذاب الأكبر يوم القيامة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 386

قصة مؤمن آل ياسين قصة مؤمن آل ياسين تمثل نبراساً للدعاة في كيفية الصبر على الدعوة، وتحمل المشاق من أجل نجاحها وإيصالها إلى الناس، حتى وإن كان الثمن التضحية بالنفس، فمؤمن آل ياسين ضحى بنفسه من أجل الدعوة، ولم يكتف بدعوة قومه حياً، بل تمنى هدايتهم بعد قتلهم إياه.

стр. 387

بين يدي القصة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: فما زلنا في هذه الرحلة المباركة مع القصص القرآني، ونحن مع قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، كما في سورة يس، قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [يس:١٣ - ٣٠]. بين يدي القصة: هذه القصة مثل من أمثلة الدعوة إلى الله ، وقد استفرغ الدعاة إلى الله جهدهم في البلاغ والنصيحة والتضحية من أجل هداية قومهم، وكان القوم غاية في الغباوة والكفر والتكذيب، فلم ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين، وإن كانت عاقبة المؤمنين والمكذبين قد تتشابه في النظر القاصر على الدنيا الجاحد للآخرة، إلا أن الله الذي أحاط بكل شيء علماً، ويستوي في علمه السر والعلانية والغيب والشهادة؛ بين لنا كيف أن المؤمن ما هي إلا لحظة القتل، والشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة. يعني: كما أن الكافر أو المجرم أو الذي يصد عن سبيل الله قد يقتل أو يموت، فكذلك المؤمن قد يموت في الدعوة أو في الجهاد، ولكن يبقى حساب آخر، وهو حساب الآخرة، وحتى القتل بالنسبة للمؤمن كما صح في الحديث: (أن الشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة)، الناس يظنون أن الذي يموت على فراشه وبين زوجته وأولاده يموت مستريحاً، كأنه لا يجد من سكرات الموت إلا الشيء اليسير، والذي يقطع في ساحة الوغى ويقتل في سبيل الله هذا تكون سكرات الموت بالنسبة له شديدة؛ أن يقطع بالسيف مثلاً أو يتفجر فيصير قطعاً صغيرة، ولكن في الواقع أن الذي يموت على السرير هو الذي يجد الآلام الشديدة، كما كان علي بن أبي طالب يحرض على القتال، ويقول: قاتلوا، فإنكم إن لم تقتلوا متم على الفرش، فوالذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش. فليس هناك سبيل للنجاة من سكرات الموت، إلا أن يرزق الإنسان منا الشهادة، نسأل الله تعالى الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين. ثم درجة الشهادة عند الله ومنزلة الشهداء عند الله كما صح في الحديث: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه). فقصة مؤمن آل ياسين أو قصة أصحاب القرية تحكي لنا قصة الدعوة إلى الله ، والداعية إلى الله ليس عليه هداية المدعوين؛ لأن الله يقول لنبيه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]، مع أنه سيد المرسلين وخاتمهم. إذاً: فليس على الداعية هداية الناس، ولكن عليه البلاغ المبين والإخلاص في الدعوة،

стр. 388

ذكر إرسال الرسل إلى أصحاب القرية وموقفهم منهم نشرع في شرح الآيات الكريمات من سورة يس، يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣]، قال الشوكاني: واضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، أي: مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية، فعلى الأول لما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣]، وقال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا﴾ [القصص:٤٦] قال: قل لهم: ما أنا بدعاً من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة، وعلى الثاني لما قال: إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال النبي ﵌: اضرب لنفسك ولقومك مثلاً. أي: مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على الإيذاء، وأنت جئت إليهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية، وأنت بعثتك إلى الناس كافة، والمعنى: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية، أي: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، فترك المثل وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب. قال القرطبي: هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين، وسوف يأتي ما في هذا القول إن شاء الله تعالى. قوله: ((إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ))، قيل: هم رسل من الله على الابتداء، وقد كان في الأمم السابقة يوجد فيهم أكثر من رسول في وقت واحد ولأكثر من مكان، فلا يستبعد أن يكون هؤلاء الرسل من الله. والقول الثاني: أن عيسى ﵇ هو الذي أرسلهم، فهم دعاة إلى لله أرسلهم عيسى إلى هذه القرية. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٤]، قال ابن كثير ﵀: وقوله تعالى: ((إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا)) أي: بادروهما بالتكذيب، ((فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ)) أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث، ((فَقَالُوا))، أي: لأهل تلك القرية ((إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)) أي: من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له قاله أبو العالية. وزعم قتادة أنهم كانوا رسل المسيح ﵇ إلى أهل أنطاكية. ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس:١٥] أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لم يوح إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن:٦] أي: استعجبوا من ذلك وأنكروه، فهم يظنون أن الله إذا أراد أن يرسل إليهم، يرسل إليهم ملائكة لا يرسل إليهم البشر. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:١٠]، وقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٤]، فالناس تتعجب لماذا يرسل بشراً؟ لماذا لا يرسل ملائكة؟ قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٦ - ١٧]. قال الزمخشري: وقول: ((رَبُّنَا يَعْلَمُ)) جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قوله: (شهد الله)، و (علم الله)، وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق، مع قولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: الظاهر المكشوف للآيات الشاهدة على صحته، وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي ولم يحضر البينة كان قبيحاً. ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس:١٨]، (تطيرنا) يعني: تشاءمنا، يقول: وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا: ببركة هذا وبشؤم هذا، كما حكى الله عن القبط: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٣١]، يعني: كلما تأتيهم مصيبة يقولون: هذا بشؤمه

стр. 389

موقف مؤمن آل ياسين من الرسل ومن قومه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]، فدائماً القرآن يصف الإنسان بأنه رجل في مواقف يستحق فيها اسم الرجولة، وليس المقصود برجل يعني: ذكر، ولكن المقصود أنه رجل كامل الرجولة، له مواقف تدل على كمال رجولته كما هنا، وكما في قصة موسى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص:٢٠]. وكذلك قوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، وقوله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].

стр. 390

كلام الرازي عن قصة مؤمن آل ياسين وقومه مع الرسل قال الرازي ما ملخصه: ثم قال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠]، وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان: أحدهما: أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي. يعني: هذا يدل على أن المرسلين قاموا بدعوة أصحاب القرية، فكذبهم أصحاب القرية إلا أن أناساً منهم آمنوا منهم، ومنهم هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة، يقول: وفيه بلاغة باهرة، وذلك لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل قد آمن فهذا يدل على أن إنذارهم ودعوتهم قد انتشرت إلى أقصى المدينة، حتى بلغ من هو في أقصى المدينة دعوتهم وآمن بها. وثانيها: أن ضرب المثل لسعي المؤمنين في تصديق رسلهم وصبرهم على ما أوذوا، وحصول الجزاء الأوفى لهم، ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد ﷺ ، كما أن ذكر المرسلين تسلية لقلب محمد ﷺ ، فكون هذا الرجل آمن بالرسل فهذا تسلية للصحابة الذين آمنوا بدعوة نبينا محمد ﷺ . وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ [يس:٢٠] في تنكير الرجل مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان: الأولى: أن يكون تعظيماً لشأنه، أي: أنه رجل كامل الرجولة، يعني: كان من الممكن أن يذكر الله اسمه، ولكن كنى عنه وقال: رجل، فنكر الرجل للتعظيم. الثانية: أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به، فلا يقال: إنهم تواطئوا. وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] يعني: فيه تبصرة للمؤمنين وهداية لهم؛ ليكونوا في النصح باذلين جهدهم، فهذا الرجل كان يبذل الجهد ويسعى ويتحرك، وجاء من أجل أن يأمر الناس باتباع المرسلين، مع أن الناس كانوا في غاية الغباء والعصبية، فقد كانوا يهددون الرسل ويقولون: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨]، فرغم هذا التهديد، فإن هذا الرجل المؤمن جهر بالحق ودعاهم إلى الإيمان بدعوة الرسل. وقوله: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠] فيه معان لطيفة: الأول: قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [يس:٢٠] فإنه ينبئ عن إشفاق عليهم، كما قال إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم:٤٤] فهذا يدلنا على الشفقة، فهو ينصح قومه، وفي الغالب أن الإنسان يكون ناصحاً مخلصاً لقومه، فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [يس:٢٠] يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيراً، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ [غافر:٣٨]، فإن قيل: قال هذا الرجل: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ))، وقال ذلك: ((اتَّبِعُونِ)) فما الفرق؟ نقول: هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل، وأوضحوا لكم السبيل؛ لأنهم قد عرفوا الرسل، أما مؤمن آل فرعون فكان معروفاً قبل ذلك لديهم، فقال: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨]، فقد كان فيهم واتبع موسى ونصحهم مراراً، فقال: اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون ﵉، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي، وأنتم تعلمون أني اخترته، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى أن يقول: أنتم تعلمون اتباعي لهم؛ لأنه أتى من أقصى المدينة ما يعرفونه، فقال: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)). الثاني: جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه، فقوله: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ))، أي: أنه آمن بأنهم مرسلون. الثالث: قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان؛ لأنه كان ساعياً في النصح، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل، وقوله: ((رَجُلٌ يَسْعَى)) يدل على كونه مريداً للنصح. ثم قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢١]، فالداعية إذا كان لا يسأل أجراً ولا يأخذ على دعوته أجراً فهو أقرب إلى الإخلاص، وهذه سنة الرسل؛ لا يسألون الناس على الهداية أو على دعوتهم إلى الله أجراً. يقول: وهذا في غاية الحسن؛ وذلك من حيث إنه لما قال: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)) كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة، وقال: لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة وطالبون للاستقامة، والطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه، والامتناع من الاتباع لا يحسن إلا عند أحد أمرين: إما مغالاة الدليل في طلب الأجرة، يعني: لو أن أناساً تاهوا في طريق أو في صحراء، وشخص أراد أن يدلهم على الطريق يمكن أن يأخذ أجراً فيه مغالاة، فيرفضون هدايته؛ لأنه طلب أجراً فيه مغالاة. وإما أن يكون على غير معرفة بالطريق الموصلة، فيحصل عدم الاعتماد على اهتدائه لعدم معرفته بالطريق لكن هؤلاء المرسلون لا يطلبون أجرة وهم مهتدون، يعني: هم عالمون بالطريق
следующие страницы →