Полный текст (481 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قصة مؤمن آل ياسين
قصة مؤمن آل ياسين تمثل نبراساً للدعاة في كيفية الصبر على الدعوة، وتحمل المشاق من أجل نجاحها وإيصالها إلى الناس، حتى وإن كان الثمن التضحية بالنفس، فمؤمن آل ياسين ضحى بنفسه من أجل الدعوة، ولم يكتف بدعوة قومه حياً، بل تمنى هدايتهم بعد قتلهم إياه.
стр. 387
بين يدي القصة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد: فما زلنا في هذه الرحلة المباركة مع القصص القرآني، ونحن مع قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، كما في سورة يس، قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [يس:١٣ - ٣٠].
بين يدي القصة: هذه القصة مثل من أمثلة الدعوة إلى الله ، وقد استفرغ الدعاة إلى الله جهدهم في البلاغ والنصيحة والتضحية من أجل هداية قومهم، وكان القوم غاية في الغباوة والكفر والتكذيب، فلم ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين، وإن كانت عاقبة المؤمنين والمكذبين قد تتشابه في النظر القاصر على الدنيا الجاحد للآخرة، إلا أن الله الذي أحاط بكل شيء علماً، ويستوي في علمه السر والعلانية والغيب والشهادة؛ بين لنا كيف أن المؤمن ما هي إلا لحظة القتل، والشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة.
يعني: كما أن الكافر أو المجرم أو الذي يصد عن سبيل الله قد يقتل أو يموت، فكذلك المؤمن قد يموت في الدعوة أو في الجهاد، ولكن يبقى حساب آخر، وهو حساب الآخرة، وحتى القتل بالنسبة للمؤمن كما صح في الحديث: (أن الشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة)، الناس يظنون أن الذي يموت على فراشه وبين زوجته وأولاده يموت مستريحاً، كأنه لا يجد من سكرات الموت إلا الشيء اليسير، والذي يقطع في ساحة الوغى ويقتل في سبيل الله هذا تكون سكرات الموت بالنسبة له شديدة؛ أن يقطع بالسيف مثلاً أو يتفجر فيصير قطعاً صغيرة، ولكن في الواقع أن الذي يموت على السرير هو الذي يجد الآلام الشديدة، كما كان علي بن أبي طالب يحرض على القتال، ويقول: قاتلوا، فإنكم إن لم تقتلوا متم على الفرش، فوالذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش.
فليس هناك سبيل للنجاة من سكرات الموت، إلا أن يرزق الإنسان منا الشهادة، نسأل الله تعالى الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين.
ثم درجة الشهادة عند الله ومنزلة الشهداء عند الله كما صح في الحديث: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه).
فقصة مؤمن آل ياسين أو قصة أصحاب القرية تحكي لنا قصة الدعوة إلى الله ، والداعية إلى الله ليس عليه هداية المدعوين؛ لأن الله يقول لنبيه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]، مع أنه سيد المرسلين وخاتمهم.
إذاً: فليس على الداعية هداية الناس، ولكن عليه البلاغ المبين والإخلاص في الدعوة،
стр. 388
ذكر إرسال الرسل إلى أصحاب القرية وموقفهم منهم
نشرع في شرح الآيات الكريمات من سورة يس، يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣]، قال الشوكاني: واضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، أي: مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية، فعلى الأول لما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣]، وقال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا﴾ [القصص:٤٦] قال: قل لهم: ما أنا بدعاً من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة، وعلى الثاني لما قال: إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال النبي ﵌: اضرب لنفسك ولقومك مثلاً.
أي: مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على الإيذاء، وأنت جئت إليهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية، وأنت بعثتك إلى الناس كافة، والمعنى: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية، أي: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، فترك المثل وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب.
قال القرطبي: هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين، وسوف يأتي ما في هذا القول إن شاء الله تعالى.
قوله: ((إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ))، قيل: هم رسل من الله على الابتداء، وقد كان في الأمم السابقة يوجد فيهم أكثر من رسول في وقت واحد ولأكثر من مكان، فلا يستبعد أن يكون هؤلاء الرسل من الله.
والقول الثاني: أن عيسى ﵇ هو الذي أرسلهم، فهم دعاة إلى لله أرسلهم عيسى إلى هذه القرية.
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٤]، قال ابن كثير ﵀: وقوله تعالى: ((إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا)) أي: بادروهما بالتكذيب، ((فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ)) أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث، ((فَقَالُوا))، أي: لأهل تلك القرية ((إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)) أي: من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له قاله أبو العالية.
وزعم قتادة أنهم كانوا رسل المسيح ﵇ إلى أهل أنطاكية.
﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس:١٥] أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لم يوح إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن:٦] أي: استعجبوا من ذلك وأنكروه، فهم يظنون أن الله إذا أراد أن يرسل إليهم، يرسل إليهم ملائكة لا يرسل إليهم البشر.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:١٠]، وقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٤]، فالناس تتعجب لماذا يرسل بشراً؟ لماذا لا يرسل ملائكة؟ قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٦ - ١٧].
قال الزمخشري: وقول: ((رَبُّنَا يَعْلَمُ)) جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قوله: (شهد الله)، و (علم الله)، وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق، مع قولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: الظاهر المكشوف للآيات الشاهدة على صحته، وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي ولم يحضر البينة كان قبيحاً.
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس:١٨]، (تطيرنا) يعني: تشاءمنا، يقول: وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا: ببركة هذا وبشؤم هذا، كما حكى الله عن القبط: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٣١]، يعني: كلما تأتيهم مصيبة يقولون: هذا بشؤمه
стр. 389
موقف مؤمن آل ياسين من الرسل ومن قومه
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]، فدائماً القرآن يصف الإنسان بأنه رجل في مواقف يستحق فيها اسم الرجولة، وليس المقصود برجل يعني: ذكر، ولكن المقصود أنه رجل كامل الرجولة، له مواقف تدل على كمال رجولته كما هنا، وكما في قصة موسى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص:٢٠].
وكذلك قوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، وقوله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
стр. 390
كلام الرازي عن قصة مؤمن آل ياسين وقومه مع الرسل
قال الرازي ما ملخصه: ثم قال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠]، وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان: أحدهما: أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي.
يعني: هذا يدل على أن المرسلين قاموا بدعوة أصحاب القرية، فكذبهم أصحاب القرية إلا أن أناساً منهم آمنوا منهم، ومنهم هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة، يقول: وفيه بلاغة باهرة، وذلك لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل قد آمن فهذا يدل على أن إنذارهم ودعوتهم قد انتشرت إلى أقصى المدينة، حتى بلغ من هو في أقصى المدينة دعوتهم وآمن بها.
وثانيها: أن ضرب المثل لسعي المؤمنين في تصديق رسلهم وصبرهم على ما أوذوا، وحصول الجزاء الأوفى لهم، ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد ﷺ ، كما أن ذكر المرسلين تسلية لقلب محمد ﷺ ، فكون هذا الرجل آمن بالرسل فهذا تسلية للصحابة الذين آمنوا بدعوة نبينا محمد ﷺ .
وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ [يس:٢٠] في تنكير الرجل مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان: الأولى: أن يكون تعظيماً لشأنه، أي: أنه رجل كامل الرجولة، يعني: كان من الممكن أن يذكر الله اسمه، ولكن كنى عنه وقال: رجل، فنكر الرجل للتعظيم.
الثانية: أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به، فلا يقال: إنهم تواطئوا.
وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] يعني: فيه تبصرة للمؤمنين وهداية لهم؛ ليكونوا في النصح باذلين جهدهم، فهذا الرجل كان يبذل الجهد ويسعى ويتحرك، وجاء من أجل أن يأمر الناس باتباع المرسلين، مع أن الناس كانوا في غاية الغباء والعصبية، فقد كانوا يهددون الرسل ويقولون: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨]، فرغم هذا التهديد، فإن هذا الرجل المؤمن جهر بالحق ودعاهم إلى الإيمان بدعوة الرسل.
وقوله: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠] فيه معان لطيفة: الأول: قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [يس:٢٠] فإنه ينبئ عن إشفاق عليهم، كما قال إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم:٤٤] فهذا يدلنا على الشفقة، فهو ينصح قومه، وفي الغالب أن الإنسان يكون ناصحاً مخلصاً لقومه، فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [يس:٢٠] يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيراً، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ [غافر:٣٨]، فإن قيل: قال هذا الرجل: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ))، وقال ذلك: ((اتَّبِعُونِ)) فما الفرق؟ نقول: هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل، وأوضحوا لكم السبيل؛ لأنهم قد عرفوا الرسل، أما مؤمن آل فرعون فكان معروفاً قبل ذلك لديهم، فقال: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨]، فقد كان فيهم واتبع موسى ونصحهم مراراً، فقال: اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون ﵉، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي، وأنتم تعلمون أني اخترته، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى أن يقول: أنتم تعلمون اتباعي لهم؛ لأنه أتى من أقصى المدينة ما يعرفونه، فقال: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)).
الثاني: جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه، فقوله: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ))، أي: أنه آمن بأنهم مرسلون.
الثالث: قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان؛ لأنه كان ساعياً في النصح، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل، وقوله: ((رَجُلٌ يَسْعَى)) يدل على كونه مريداً للنصح.
ثم قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢١]، فالداعية إذا كان لا يسأل أجراً ولا يأخذ على دعوته أجراً فهو أقرب إلى الإخلاص، وهذه سنة الرسل؛ لا يسألون الناس على الهداية أو على دعوتهم إلى الله أجراً.
يقول: وهذا في غاية الحسن؛ وذلك من حيث إنه لما قال: ((اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)) كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة، وقال: لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة وطالبون للاستقامة، والطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه، والامتناع من الاتباع لا يحسن إلا عند أحد أمرين: إما مغالاة الدليل في طلب الأجرة، يعني: لو أن أناساً تاهوا في طريق أو في صحراء، وشخص أراد أن يدلهم على الطريق يمكن أن يأخذ أجراً فيه مغالاة، فيرفضون هدايته؛ لأنه طلب أجراً فيه مغالاة.
وإما أن يكون على غير معرفة بالطريق الموصلة، فيحصل عدم الاعتماد على اهتدائه لعدم معرفته بالطريق لكن هؤلاء المرسلون لا يطلبون أجرة وهم مهتدون، يعني: هم عالمون بالطريق
стр. 391
كلام القاسمي عن قصة مؤمن آل ياسين مع قومه
قال هذا الرجل المؤمن: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٢ - ٢٣].
قال القاسمي: قوله: ((وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي)) أي: خلقني، وهذا تلطف في الإرشاد، بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح، يعني: إخلاص النصيحة، حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار لنفسه، والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيرهم، فيقول: ((وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي)) كأنه يقول لهم: أنتم لماذا تعرضون عن عبادة الله وهو الذي خلقكم، ولكن أضاف ذلك إلى نفسه على سبيل التلطف بهم، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: بعد الموت، ((أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً)) فأضرع إليها وأعبدها وهي في المهانة والحقارة بحيث: ((إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ)) أي: من ذلك الدون بالنصر والمظاهرة، وفيه تحميس لهم؛ لأن ما يتخذ ويصنعه المخلوق فكيف يعبد؟! ثم قال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٥ - ٢٦]، يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم، وما أدفع العقول وأنكرها لأن تستحبوا على عبادته عبادة أشياء، إن أرادكم هو بضر وشفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم، يعني: أنتم تصرفون العبادة إلى هذه الآلهة الباطلة، والله تعالى إن أراد أن ينزل بكم بأساً أو ضراً وعذاباً لا تستطيع أن تشفع لكم عند الله .
ثم يقول: ولم يمكنوا من أن يكونوا شفعاء عنده، ولم يقدروا على إنقاذكم منه بوجه من الوجوه، إنكم لفي هذا الاستحباب في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذي عقل وتمييز، وقيل: إنه نصح قومه وأخذوا يرجمونه.
والقرآن يكون فيه حذف واختصار أشياء تفهم من السياق، وليس فيه كثير كلام أو حواش أو أشياء يمكن أن يحتاج إليها، بل أشياء مجملة يمكن أن تفهم من خلال السياق؛ لأنه قال هنا: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٥ - ٢٦]، فلم يقل: فقتلوه أو فرجموه، ولكن يظهر من دخوله الجنة أنه قتل، وأن هؤلاء الكفار قد حققوا معه ما تهددوا به الرسل: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨]، فهو في لحظات بعد البذل والجهد في الدعوة وما لاقى من التهديد والإرهاب والتخويف بالسجن والقتل والتعذيب انتقل إلى كرامة الله .
كما في القصة السابقة قصة قارون بعد الزينة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، في لحظات: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]، وانتهت الزينة وانتهى الزخرف وانتهت الأموال والمناصب والجاه، وصار تحت الأرض هو وأمواله وزينته.
فهكذا الأمور تنتقل انتقالة سريعة من الدنيا إلى الآخرة.
فالداعية إلى الله أو المجاهد في سبيل الله في لحظة ينتقل من الجهد والمشقة والبذل إلى الكرامة والنعيم وإلى رحمة الله، والكافر والمجرم والفاسق والمعرض فما هي إلا لحظات وينتقل من زينة الدنيا وزخرفها إلى بأس الله وعذابه.
стр. 392
حرص مؤمن آل ياسين على هداية قومه حتى بعد موته
إن مؤمن آل ياسين أسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال لهم: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٥]، أي: اسمعوا إيماني فاشهدوا لي به، ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
قال ابن كثير: قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحاً، لا تلقاه غاشاً؛ لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى، قال: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، فكان حرصه وهمه أيضاً في الدعوة، حتى لما قتل تمنى أنهم يرون أي كرامة حتى يؤمنوا، تمنى أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله.
قال ابن عباس: نصح قومه في حياته، بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠] وبعد مماته، بقوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] رواه ابن أبي حاتم.
وقال سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بالإيمان بربي وتصديق المرسلين.
والمقصود أنهم لو اطلعوا على ما حصل له من الثواب والجزاء والنعيم المقيم لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فقد كان حريصاً على هداية قومه.
стр. 393
ذكر ما حصل لقوم مؤمن آل ياسين من العذاب
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٨ - ٢٩].
فالله الذي يرى الدنيا والآخرة ويرى الظاهر والباطن، فحكى لنا كيف انتقل مؤمن آل ياسين إلى الكرامة وعاينها، وكيف سجل لنا كلمته عندما عاين كرامة الله، وقال: ((يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ))، فسجل لنا كذلك في هذه القصة ما حدث في الدنيا لهؤلاء المكذبين الذين رجموا هذا المؤمن أو قتلوه، وكيف أن الله أرسل عليهم صيحة أخمدتهم، فهذا في الدنيا بالإضافة إلى عذاب الآخرة.
قال الزمخشري ما ملخصه: المعنى أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جنداً من السماء كما فعل يوم بدر والخندق.
يعني: يقدر الله أن يرسل جبريل فيصيح في الكفار يوم بدر ويوم أحد ويوم الخندق فيهلكهم، ولكن أراد أن يكون النصر في المعركة التي حصل فيها الانتصار للنبي ﷺ والصحابة الكرام، وأن تكون الملائكة على سبيل المدد الذي يأتي الجيوش، حتى ينسب النصر إليهم والبذل لهم، ولكن هؤلاء أرسل الله عليهم جبريل فصاح فيهم صيحة.
فهذا يدل على ضعف الباطل وهوان الباطل، والآن كثير من الناس يهولون الأمريكان والروس والشيوعيين والمنافقين واليهود والنصارى، ويقولون: كيف ينتصر عليهم المسلمون، والمسلمون في القلة والذلة والضعف؟ نقول: هذا من الجهل بالله ، فالله تعالى قادر على إهلاكهم في لحظة واحدة وبصيحة واحدة من جبريل وهو ملك من ملائكة الله ، ولكن كيف يكون البذل، وكيف تكون التضحية، وكيف يكون الجهاد، وكيف يتخذ الله شهداء، فالله تعالى قادر على الانتصار منهم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، والله قادر على هداية كل الناس؛ اليهود والنصارى والشيوعيين والعلمانيين؛ لأنه يملك قلوبهم كما يملك نواصيهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، ولكن كيف تكون الدعوة، وكيف يكون البذل، وكيف تكون الخطب والمحاضرات والدروس والأشرطة والكتب.
فالله يريد من الدعاة أن يبذلوا، فيفتح الله لهم القلوب، فينالون الأجر من عند الله .
إذاً: فالله تعالى قادر على الكافرين والمكذبين، كما قال: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يس:٢٨]، يعني: لم يكن الأمر يستدعي أن تنزل جيوش مجيشة من السماء إلى هؤلاء الكفرة، ولكن صيحة واحدة تكفي في إخمادهم، قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٩].
يقولون: إن مؤمن آل ياسين اسمه أنه حبيب النجار، ولكن نهجنا الذي انتهجناه في هذه القصص أننا لا نذكر أسماء أو زيادات لم ترد في الكتاب أو السنة الصحيحة، فلم يرد في القرآن ولا في السنة الصحيحة أن اسم مؤمن آل ياسين حبيب النجار، والغالب أن هذا مأخوذ من الإسرائيليات، ولو كان في ذكر اسمه فائدة لذكر الله اسمه، ولكن هذا لا يفيدنا بشيء ولا ينتفع بمعرفة اسمه بشيء، فهو مؤمن ثبت ودعا الله عز جل ونال الشهادة بسبب هذه الدعوة، كما أن مؤمن آل فرعون كذلك قام مقاماً حسناً، ودعا إلى الله ونصر موسى نصراً مؤزراً، ووقف في وجه فرعون، ودعا إلى الله ، ولم نعرف اسم هذا المؤمن، ويكفي أن الله يعلمه، والله تعالى ذكر قصته ومقالته في كتابه، يكفيه ذلك شرفاً وفخراً، مع ما له في الدار الآخرة من الجزاء الحسن.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ [يس:٢٨] معناه: ما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء؛ وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض، وما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، يعني: الله أهلك المكذبين بوسائل مختلفة من أنواع العذاب، منهم من أرسل عليه حاصباً من السماء، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أمر الأرض أن تبتلعه، ومنهم من أغرقه في اليم.
وإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩]، وقال: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأ
стр. 394
كلام الرازي في معنى قوله تعالى (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول)
قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [يس:٣٠]، قال الرازي: ثم قال تعالى: ((يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ)) أي: هذا وقت الحسرة، فاحضري يا حسرة، والتنكير للتكثير، يا حسرة كثيرة، يعني: على العباد.
فيه مسائل: المسألة الأولى: الألف واللام في (العباد) يحتمل وجهين: ((يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ)).
أحدهما: للمعهود الذين أخذتهم الصيحة، فيا حسرة على أولئك، فالألف واللام للمعهود، يعني: العباد الذين أخبر الله عنهم بأنهم كذبوا الرسل وأهلكهم الله .
وثانيها: لتعريف الجنس، جنس الكفار المكذبين، فقال: المكذبين للتعريف، كأنه قال: العباد المكذبين.
المسألة الثالثة: من المتحسر؟ نقول فيه وجوه: الأول: لا متحسر أصلاً في الحقيقة؛ إذ المقصود بيان أن ذلك وقف طلب الحسرة، حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب.
الثاني: أن قائل: يا حسرة هو الله على الاستعارة؛ تعظيماً للأمر وتهويلاً له.
الثالث: المتلهفون من المسلمين والملائكة، يعني: من المؤمنين والملائكة يقولون: يا حسرة على العباد إلى أن قال ﵀: ثم بين تعالى سبب الحسرة بقولهم: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر:١١]، وهذا سبب الندامة؛ وذلك لأن من جاءه ملك من بادية، وأعرفه نفسه، وطلب منه أمراً هيناً فكذبه ولم يجبه إلى ما دعاه، ثم وقف بين يديه وهو على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك، يكون عند ذلك من الندامة ما لا مزيد عليه.
يعني: لأنه لم يفعل هذا الأمر الهين الذي لو فعله لاستحق الجائزة، وكذلك هو متعرض للعقوبة؛ لأنه لم يفعل ما أمره به الملك فكيف تكون الحسرة في هذا الشرع.
ثم يقول: فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم، بإعزاز الله إياهم وجعلهم نوابه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فهؤلاء جاءوا وعرفوا بأنفسهم ولم يكن لهم عظمة ظاهرة في الحس، ثم يوم القيامة أو عند ظهور البأس ظهرت عظمتهم عند الله لهم، وكان ما يدعون إليه أمراً هيناً نفعه عائد إليهم من عبادة الله، وما كانوا يسألون عليه أجراً، فعند ذلك تكون الندامة الشديدة، وكيف لا وهم لم يقتنعوا بالإعراض حتى آذوا واستهزءوا واستخفوا واستهانوا
стр. 395
ذكر الفوائد والآثار الإيمانية من قصة مؤمن آل ياسين
بعض الفوائد والآثار الإيمانية في القصة: يقول ابن كثير: قد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلاً من عند المسيح ابن مريم ﵊، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه: أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ، لا من جهة المسيح ﵇، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٤].
وهذا القول يجب والمصير إليه حتى يدل الدليل على أن الظاهر غير مراد، فالظاهر أن الله هو الذي أرسلهم: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ [يس:١٤]، ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس:١٤]، فلم يكن المسيح هو الذي أرسلهم، لأن ظاهر القرآن خلاف ذلك.
إلى أن قالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٦ - ١٧]، ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح ﵇، والله تعالى أعلم.
ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس:١٥]؛ لأن هذا الإطلاق يكون على الرسل الذين من عند الله، فلو أن المسيح أرسلهم لكان من الطبيعي أن يرسل بشراً، يعني: لا يستطيع المسيح أن يرسل ملائكة، فكلهم يعتقد على أنهم بشر فهذا يدل على أنهم كانوا رسلاً من الله ، ولكنهم كذبوا كما كذب كثير من الناس بالرسل؛ لأنهم بشر وليسوا بملائكة.
الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانت أول مدينة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية، وذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم.
الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف: أن الله ﵎ بعد إنزال التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين.
ذكروه عند قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص:٤٣].
فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية كما أطلق ذلك غير واحد من السلف.
أيضاً: أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظاً في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت؛ لأنه تكون مدن كثيرة بنفس الاسم كما أن اسم الإسكندرية يطلق على أكثر من مدينة، وأيضاً حلوان، يعني: هناك أكثر من مدينة بهذا الاسم.
فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله أعلم.
يقول القرطبي في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، يقول في معنى تمنيه قولان: أحدهما: أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته.
والثاني: تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله.
قال ابن عباس: نصح قومه حياً وميتاً، وفي هذه آية تنبيه عظيم ودلالة على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل، وهم كفرة عبدة أصنام.
يعني: كان هؤلاء كفرة وعبدة أصنام وقتلوه ومع ذلك تمنى لهم الخير، فهذا غاية الإحسان، فالإنسان يحسن إلى من أساء إليه.
قال الرازي في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢]: ولما قال: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢١]، بين ظهور اهتدائهم بأنهم يدعون من عبادة الجماد إلى عبادة الحي القيوم، ومن عبادة ما لا ينفع إلى عبادة من منه كل نفع.
وفيه لطائف أخرى: قوله: ((وَمَا لِيَ)) أي: وما لي مانع من جانبي، إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لا خفاء فيه، فمن يمتنع من عبادته يكون من جانبه مانع، ولا مانع من جانبي فلا جرم عبدته، وفي العدول عن مخاطبة القوم إلى حال فيه حكمة أخرى.
لطيفة ثانية: وهي أنه لو قال: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، لم يكن في البيان مثل قوله: ((وَمَا لِيَ))؛ لأنه لما قال: ((وما لي لا أعبد))، وأحد لا يخفى عليه حال نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد؛ لأنه أعلم بحال نفسه، فهو يبين عدم المانع، وأما
стр. 396
وصف سيد قطب لخاتمة قصة مؤمن آل ياسين
قال الأستاذ سيد قطب ﵀ في وصف خاتمة القصة: يوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوه أن قتلوه، وإن كان لا يذكر شيئاً من هذا صراحة، وإنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها، وعلى القوم وما هم فيه، ويرفع قدر هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق متبعاً صوت الفطرة، وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل، نراه في العالم الآخر يطلع على ما ادخر الله له من كرامة تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
ثم يقول: وتتصل الحياة الدنيا بحياة الآخرة، ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء، وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة، ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق، ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين، ونرى الرجل المؤمن وقد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة، يذكر قومه طيب القلب رضي النفس، يتمنى لو يراه قومه فيرون ما آتاه ربه من الكرامة؛ ليعرفوا الحق معرفة اليقين.
هذا كان جزاء الإيمان.
فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل عليهم ملائكة لتدمرهم، ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٨ - ٢٩].
ولا نطيل هنا في وصف مصرع القوم تهويناً لشأنهم وتحقيراً لقدرهم، فما كانت إلا صيحة واحدة أخمدت أنفاسهم.
وهكذا أيضاً كان سيد قطب ﵀، فبعد السجن وبعد الضرب والتعذيب انتقل إلى ربه، ونسأل الله تعالى أن يكون شهيداً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 397
كيف تتقي الله ؟
تقوى الله غاية مطلوبة، ومنقبة للأولياء مكتوبة، وعن المحرومين من ذوي الغفلة محجوبة، ولا سبيل للعبد إليها إلا ببذل الأسباب الموصلة إليها، كمحبة الله الغالبة على قلب العبد، ودوام مراقبة الرقيب، والاتعاظ بالنكال والآلام وعاقبة السوء للشرور والفجور والآثام، ومعرفة كيد الشيطان للإنسان واتخاذه عدواً، ثم تعويد النفس على التقى بمخالفة الهوى وتذكيرها بعظمة الله ﷻ ، وتهديدها بكشف الله ستره عن عبده وفضيحته بين الخليقة.
стр. 398
أسباب تقوى الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: كيف تتقي الله ؟ هذا باب شريف، وقصر منيف، لا تدخل فيه إلا النفوس الأبية، التي لا ترضى بالدون، ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون.
والمؤمن إذا رغب في الخير رغب، وإذا خوف من الشر هرب، ولا خير في من إذا أمر لا يأتمر، وإذا زجر لا ينزجر.
فكيف نصل إلى تقوى الله بعد أن عرفنا شرف التقوى؟ هناك خمسة أسباب توصل بإذن الله تعالى إلى تقوى الله .
السبب الأول: محبة الله تغلب على قلب العبد فيدع لها كل محبوب، ويضحي في سبيلها بكل مرغوب.
السبب الثاني: أن يستشعر العبد مراقبة الله ، وأن يحس باطلاع الله على قلبه.
السبب الثالث: أن يدرس ما في سبيل المعاصي والآثام من الشرور والآلام.
السبب الرابع: أن تتدرب كيف تخالف هواك وتطيع مولاك.
السبب الخامس: أن تدرس مكائد الشيطان ومصائده، وأن تحذر من وساوسه ودسائسه.
стр. 399
محبة الله
السبب الأول: هو محبة الله ، وإن كانت المحبة غاية، إلا أن العبد إذا وصل إلى محبة الله ، فلا شك أن هذا يدفعه إلى تقوى الله ومراقبته.
فما هي الأسباب الموصلة إلى محبة الله ؟ من ذلك: معرفة أسماء الله وصفاته، وتقلب القلب في رياض معانيها؛ فإن العبد إذا عرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وإلهيته وربوبيته؛ فإنه لا شك يزداد حباً لله ، فأعرف الناس لله أكثرهم حباً له، وأكثرهم خشية منه، كما قال النبي ﷺ : (أنا أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية).
ومن ذلك: أن يتدبر العبد نِعم الله عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فمهما تدبر العبد نعم الله عليه فإنه لا شك يزداد حباً لله ، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.
ومن ذلك: الخلوة بالله في وقت الإذن العام والنزول الإلهي: (في ثلث الليل الآخر ينزل ربنا جل وعز إلى سماء الدنيا يقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟).
فالخلوة بالله في هذا الوقت مما يزيد العبد حباً لله ومراقبة له.
ومن ذلك: قراءة القرآن مع التدبر والتفكر في معانيه، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
أيضاً من أسباب محبة الله : التفكر في مخلوقات الله فإن معرفة عظمة المخلوق يدل كذلك على عظمة الخالق .
ومن ذلك: كثرة النوافل بعد استكمال الفرائض، كما في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
ومن ذلك: تقديم محابه على محابك عند غلبة الهوى.
ومن ذلك: أن يترك العبد كل سبب يحول بينه وبين محبة الله .
ومن ذلك: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب كلامهم، فإذا أردت أن تحب أحداً فجالس من يحبه، فإنه يذكر لك من صفاته ومن أياديه ما يدعو قلبك إلى محبته.
فهذه جملة أسباب تعين على زيادة محبة الله .
стр. 400
استشعار العبد قرب الله منه ومراقبته إياه
السبب الثاني مما يوصل إلى تقوى الله : أن يستشعر العبد قرب الله منه، ومراقبته لأقواله وأفعاله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، فاستشعار مراقبة الله مما يدعو القلب إلى الخوف من الله .
وقد ضرب العلماء لآيات المعية مثلاً حتى يكون كالمحسوس، قالوا: هب أن ملكاً سفاكاً قتالاً، وسيافه قائم على رأسه، والسيف مرفوع يقطر دماً، والنطع مبسوط، وهذا الملك أمامه بناته وجواريه، فهل يهم أحد بريبة تجاه بنات الملك وجواريه والملك ناظر إليه؟ يقول: لا شك أن الله أعظم من هذا الملك، وأشد بطشاً، وأكثر غيرة من هذا الملك على نسائه وبناته، وهو سبحانه عليم بما في الصدور، فينبغي للعبد أن يتقي محارم الله .
стр. 401
معرفة ما في سبيل المعاصي والآثام من الشرور والآلام
السبب الثالث مما يوصل إلى تقوى الله : معرفة ما في سبيل المعاصي والآثام من الشرور والآلام، فسبيل المعاصي كله شرور وآلام وأحزان في الدنيا قبل الآخرة، بل ليس في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى الدنيا دار الشرور والآلام والمصائب؟ وما الذي مقت إبليس ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، وجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجنة ناراً تلظى، فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وصار قواداً لكل فاسق وظالم ومجرم، رضي لنفسه بتلك القيادة بعد تلك العبادة والسيادة؟ فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق قوم نوح حتى علا الماء رءوس الجبال؟ وما الذي أهلك عاداً بالريح العقيم: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧].
وما الذي أرسل على ثمود الصيحة فقطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب، فلما صار السحاب فوق رءوسهم أمطرهم ناراً تلظى؟ وما الذي حمل قرى اللوطية إلى السماء حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، ثم أمطرهم حجارة من سجيل منضود ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات:٣٤]، ولإخوانهم أمثالها ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]؟ وما الذي أرسل على بني إسرائيل قوماً أولي بأس شديد، فقتلوا الرجال وسبوا النساء والذرية، وتبروا ما علوا تتبيراً؟ وما الذي أغرق فرعون وجنوده، ثم أرسلت أرواحهم إلى النار، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح ودمرها تدميراً؟ كل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار وكم من معاص نال منهن لذة ومات فخلاها وذاق الدواهيا تصرم لذات المعاصي وتنقضي وتبقى تباعات المعاصي كما هيا فيا سوأتا والله راء وسامع لعبد بعين الله يغشى المعاصيا فإذا تدبر العبد الشرور والآلام التي تترتب على الذنوب والمعاصي في الدنيا قبل الآخرة، لا شك أنه سوف يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على معصية الله ، وعلى خلاف تقوى الله .
стр. 402
التدرب على كيفية مخالفة الهوى وطاعة المولى
السبب الرابع مما يوصل إلى تقوى الله : أن تتدرب كيف تخالف هواك وتطيع مولاك؟ قال الدكتور مصطفى السباعي ﵀: إذا دعتك نفسك إلى معصية الله فذكرها بالله ، فإذا لم تنزجر فذكرها بمروءة الرجال؛ لأن المعاصي تخالف المروءة.
كما قال عنترة: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها وعنترة شاعر جاهلي لم يسمع قول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، ولكنه علم بفطرته أن إطلاق البصر خلاف المروءة.
فيقول: إذا دعتك نفسك إلى معصية الله فذكرها بالله؛ فإن الله أهل لأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر؛ فإن أبت فذكرها بأخلاق الرجال، فإن أبت فذكرها بالفضيحة، كيف إذا علم الناس به -وهو مستور الحال- أنه يقع في هذا الذنب.
يقول: فإن أبت فاعلم أنك انقلبت الساعة إلى حيوان.
أي: لا تستحق أن تكون إنساناً متقياً، ولا تستحق أن تكون مجرد إنسان عنده مروءة وإن لم يكن عنده دين، واعلم أنك انقلبت الساعة إلى حيوان.
يقول ابن القيم كلاماً أقيم وأنفس من ذلك، يقول: ملاك الأمر كله في محبة الله والشوق إليه وإرادة وجهه الكريم، فإن لم تكن لك همة عاليه تدعوك إلى ذلك فتذكر ما في الجنة من نعيم مقيم للأبرار، وأن من شرب الخمر في الدنيا لن يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لن يلبسه في الآخرة، فإن لم تكن لك همة تدعوك إلى ذلك، فتذكر ما في النار من الجحيم ومن الأغلال ومن الحميم.
يقول: فإن لم تكن لك همة تدعوك إلى ذلك فاعلم أنك خلقت للجحيم لا للنعيم، والعياذ بالله.
فينبغي للعبد أن يتدرب على كيفية مخالفة هواه، وأن يسأل نسفه: لماذا يغلبه الشيطان دائماً ويقع في معصية الله ؟ ولماذا لا ينتصر هو على الشيطان، ويفعل ما يتقي به ربه ، ويفعل ما يحبه الله ؟ والله تعالى جعل للعبد سبيلين اثنين لا ثالث لهما، إما أن يكون متبعاً لشرع الله ، وإما أن يكون متبعاً للهوى، فقال : ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، وجعل الله اتباع الهوى هو سبيل الوصول إلى النار، فقال : ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١].
والهوى كما قال العلماء: هوان سرقت نونه.
نظمه الشاعر فقال: نون الهوان من الهوى مسروقة فإذا هويت فقد لقيت هوانا فالنفس إذا استعملت التقوى تقوى بها، وإذا اتبعت الهوى هوى بها.
قال الإمام أحمد: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب راود رجل أعرابية عن نفسها وقال لها: والله ما يرانا إلا الكواكب.
فقالت: فأين مكوكبها؟! وسئل الجنيد: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره.
فالعبد إذا استحضر أن الله ينظر إليه فإنه عند ذلك يستحيي من الله .
стр. 403
ضرورة معرفة مكائد الشيطان ومصائده والحذر من وساوسه ودسائسه
السبب الخامس من أسباب التقوى: أن تعلم مكائد الشيطان ومصائده، وأن تحذر من وساوسه ودسائسه، وأن تتخذ الشيطان عدواً كما أمرك الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، لا تتخذه صديقاً ولا حميماً ولا ناصحاً أميناً، بل تتخذه عدواً كما أمرك الله ، والشيطان يقف لابن آدم عند سبع عقبات: عند عقبة الكفر فإن أسلم وسلم، وعند عقبة البدعة فإن لم يجبه وقف له عند عقبة الكبيرة، ثم عند عقبة الصغيرة، ثم يشغله بالعمل المباح، ثم يشغله بالعمل المفضول عن الفاضل؛ فإن خالفه في كل هذه العقبات وسلم منه فإنه لا يسلم منه في العقبة السابعة، وهو أن يسلط عليه أولياءه من شياطين الجن والإنس بألوان الأذى، ولو سلم من ذلك أحد لسلم رسول الله ﵌.
فينبغي للعبد إذا وسوست له نفسه بالمعصية أن يستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأن يدافع الخطرات، كما قال ابن القيم: دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة فدافعها، فإن لم تفعل صارت إرادة فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة فحاربها؛ فإن لم تفعل صارت فعلاً.
فالعبد ينبغي له أن يشغل نفسه دائماً بطاعة الله حتى لا يكون محلاً للوساوس، كما قال ابن القيم ﵀: إذا غفل القلب ساعة عن ذكر الله جثم عليه الشيطان، وأخذ يعده ويمنيه، فمهما كان العبد مشغولاً بالطاعة والعبادة لا يكون عند ذلك محلاً للوساوس.
فينبغي أن يشغل العبد نفسه دائماً بطاعة الله، وأن يكون دائماً مع الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]؛ فإن حصلت منه غفلة ووسوس له الشيطان بمعصية؛ فينبغي له أن يتذكر الاستعاذة فيحتمي بجناب الله العظيم من الشيطان الرجيم، ثم ينبغي له أن يتحصن بالتحصينات الشرعية، ومن ذلك: أن يقرأ آية الكرسي عند النوم، والآيتين من آخر سورة البقرة.
ومن ذلك في أذكار الصباح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ومن ذلك: أن يقرأ سورة البقرة، أو تقرأ في بيته، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة يفر منه الشيطان.
ومن ذلك: أن يحافظ على أذكار الوضوء دائماً، وتجربته تغني عن الاستدلال له.
ومن ذلك: أن يترك فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول المخالطة.
فهذه أسباب خمسة إذا عمل بها العبد فإنه يصل بإذن الله إلى تقوى الله : أولاً: محبة لله تغلب على القلب يدع له كل محبوب، ويضحي في سبيلها بكل مرغوب.
ثانياً: أن يستشعر في قلبه مراقبة الله والخوف منه.
الثالث: أن يعلم ما في سبيل المعاصي والآثام من الشرور والآلام.
الرابع: أن يعرف كيف يخالف هواه ويطيع مولاه.
الخامس: أن يدرس مكائد الشيطان ومصائده، وأن يحذر من وساوسه ودسائسه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 404
كيف تنمو شجرة الإيمان ؟
إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ولذا كان لا بد للعبد من أن يتعاهد شجرة الإيمان في قلبه، حتى تثمر الثمرات اليانعة، ويذوق حلاوة الإيمان، من خلال معرفة الأسباب التي تزيد في الإيمان وتنميه.
стр. 405
أسباب زيادة الإيمان ونموه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فقد تكلمنا فيما سبق عن شرف الإيمان، وثمرات شجرة الإيمان، ويبقى لنا أن نطرح السؤال التالي: كيف تنمو شجرة الإيمان؟ وكيف يتعهد العبد شجرة الإيمان في قلبه حتى تثمر الثمرات اليانعة، وحتى يذوق حلاوة الإيمان وطعمه؟
стр. 406
معرفة الله وتوحيده
فأول سبب من أسباب نماء شجرة الإيمان: معرفة الواحد الديان ، فكلما تعرف العبد على ربه الجليل فإنه يزداد حباً لله، ويزداد خوفاً منه، ويزداد شوقاً إليه، ويزداد توكلاً عليه، كما قال النبي ﷺ : (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، فكلما ازداد علم العبد بالله وأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته فإنه يزداد خشية ويزداد حباً ويزداد إخلاصاً، ومن ثم فقد غلب الخوف على العلماء، وغلب أمن المكر على الفراعنة الطغاة، والكفرة والعوام، والرعاع والطُغام، حتى كأنهم قد حوسبوا وفرغ منهم، فلم يخشوا سطوة العقاب، ولا نار العذاب ولا بعد الحجاب، قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
فأول سبب من أسباب نماء شجرة الإيمان: أن يدرس العبد التوحيد، وأن يتعرف على ربه العزيز الحميد المجيد؛ فإن هذا أكثر الأسباب تغذية لشجرة الإيمان.
стр. 407
تدبر القرآن والتفكر فيه
من أسباب نماء شجرة الإيمان: تدبر القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فكلما تدبر العبد القرآن فإنه يزداد إيماناً؛ كما قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
وقال : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤].
فأهل الإيمان الصادق عندما يستمعون إلى القرآن ويتدبرون القرآن فإنهم يزدادون إيماناً بالله ويقيناً بوعده، ويعلمون أنه كلام الله وقصصه وتنزيله ووحيه وأمره ونهيه، فيزداد إيمانهم، ويزداد حبهم لله .
стр. 408
التعرف على النبي ﷺ ودراسة سيرته
السبب الثالث من أسباب زيادة الإيمان: أن يتعرف على النبي المصطفى ﷺ وأن يدرس سيرته، وأن يعرف آيات نبوته ﷺ ، وأن يدرس كريم أخلاقه ﷺ .
وكان يكفي من عاصر النبي الكريم ﷺ أن ينظر إلى وجهه فيعتقد صدقه، كما قال حسان: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر أي: لو لم يأت بالمعجزات التي تدل على صدقه ﷺ لكان الناظر إلى وجهه الكريم ﷺ يعتقد أنه صادق، وهذا ما حدث من عبد الله بن سلام وكان حبراً من أحبار اليهود، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة كان عبد الله بن سلام يخترف في بستانه -أي: يجمع الثمر- فذهب ومعه الثمر، فنظر إلى وجه النبي ﷺ وقال: أشهد بأن وجهك ليس بوجه كذاب، فاعتقد صدق النبي ﷺ ، وآمن وأقر بنبوته ورسالته.
كذلك سيرة النبي ﷺ من أكبر معجزاته؛ لأن الدارس لسيرته يرى رجلاً على أكمل خلق، لم يغدر مرة، ولم يخلف الوعد مرة، ولم يكذب مرة، وكان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان أشجع الناس، وكان أكرم الناس، فاجتماع هذه الشمائل في رسول الله ﷺ ، كما قال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، يدل على صدق النبي ﷺ ، فيزداد إيماننا به.
كذلك دراسة معجزاته، وكيف أنه أشار للقمر فانشق لإشارته، وكيف نبع الماء من بين أصابعه، وكيف حن الجذع اليابس الذي كان يستند إليه في المسجد إليه، وذلك حينما صنعوا له المنبر وصعد عليه وترك الجذع، فظل يخور خوار الرضيع حتى نزل فاحتضنه فسكن.
وفي بعض الروايات: (لو لم أحتضنه لظل يخور إلى يوم القيامة).
ومنها: انقياد الشجر له ﵌، وتسليم الحجر عليه، فكل هذه المعجزات معرفتها يزيد من إيماننا بصدقه ﷺ ، والإيمان يزيد وينقص، يزداد بكثرة الأدلة وقوتها ووضوحها.
стр. 409
دراسة محاسن الإسلام
من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: دراسة محاسن الإسلام، فلو تدبر المسلم محاسن الإسلام لعلم أنه دين الله الذي ارتضاه لعباده، قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فهو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأحل الطيبات وحرم الخبائث، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤]، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].
فدراسة محاسن الإسلام مما يدعونا إلى القناعة بأنه دين الله الذي ارتضاه لعباده، ومما يزيد إيماننا به.
стр. 410
العيش في أجواء إيمانية
من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: أن يحيا العبد في أجواء إيمانية، وأن يتنفس هواء الإيمان، فإذا وجدت جواً إيمانياً كمجالس الذكر، وصلاة الجماعة، وتشييع الجنائز، وأجواء الأماكن المقدسة كمكة والمدينة، والمسجد الأقصى، فإن شجرة الإيمان تترعرع وتنمو، أما أجواء الإباحية والاختلاط والمجون، والأماكن التي يستهزأ فيها بشرع الله وأماكن الغفلة، لا شك أن شجرة الإيمان تذبل إذا وجدت مثل هذه الأجواء، كما أن شجر الصيف يذبل في وقت الشتاء، وشجر الشتاء يذبل في وقت الصيف وتسقط أوراقه.
فإذا وجدت شجرة الإيمان الجو الملائم لها فإنها تنمو وتترعرع، فينبغي على العبد الذي يحرص على نماء شجرة الإيمان في قلبه أن يحرص على أن يتنفس الجو الإيماني والهواء الإيماني، وأن يكثر من حضور مجالس الصالحين، ومجالس الذكر، ويتردد إلى الأماكن الطيبة المقدسة للحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي، وأن ينأى بنفسه عن أماكن الاختلاط الماجن والفسوق والأسواق والملاهي، وغير ذلك مما تذبل معه شجرة الإيمان.
стр. 411
التفكر في مخلوقات الله
من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: التفكر في مخلوقات الله، وقد نهانا الله أن نتفكر في ذاته؛ لأن الله لا يحاط به علماً؛ ولأن العقول قاصرة لا يمكن أن تحيط بالله ، فيخشى على العقل أن يتلف إذا تفكر في ذات الله لعظمته سبحانه، ولكن لو تفكرنا في مخلوقات الله فإن هذا مما يدعونا إلى زيادة الإيمان بعظمة الله وقدرته، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (لا تتفكروا في الله، وتفكروا في مخلوقات الله، فإن الله خلق ملكاً قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العليا، فبين ركبتيه إلى عقبيه مسيرة ستمائة عام، وما بين عقبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ستمائة عام، والخالق أعظم من المخلوق).
فكيف تتصور خلقاً بهذه الصورة؟ وهذا ملك من ملائكة الله من حملة العرش كما ورد في الحديث الآخر: (أذن لي أن أتحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه تخفق الطير خمسمائة عام)، تطير الطير خمسمائة عام ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه -أي: كتفه- فكيف بارتفاع هذا الملك؟ وكيف تتصور مخلوقاً بهذه العظمة؟ وكيف بالخالق ؟! فأمرنا الله أن نتفكر في مخلوقاته، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
وقال : ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢٠ - ٢١]، فالعبد إذا تفكر في مخلوقات الله فإنه يزداد إيماناً بعظمة الله .
стр. 412
الإكثار من النوافل بعد استكمال الفرائض
من أسباب زيادة الإيمان: كثرة النوافل بعد استكمال الفرائض، كما ورد في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فالإكثار من النوافل بعد استكمال الفرائض يغذي شجرة الإيمان، فقيام الليل والصيام والحج والعمرة والذكر وغير ذلك مما يغذي شجرة الإيمان، ومما يغذي شجرة الإيمان كذلك -وإن كان يدخل في جملة النوافل ولكن نخصه بالذكر- ذكر الله ؛ لأن هذا الغذاء سهل، فالإنسان يحرك لسانه بالذكر في الطريق، وفي المواصلات، وكلما وجد سبيلاً لأن يحرك لسانه بذكر؛ لأن هذا مما يغذي شجرة الإيمان، خاصة ونحن في أزمنة اختلط فيها الحابل بالنابل، وكثرت فيها الفتن والمحن، فيها فتن الشبهات وفتن الشهوات، فكثرة الذكر لا شك مما يقوي قلب العبد، قال رسول الله ﷺ : (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت).
стр. 413
المشاركة في الدعوة إلى الله
من أسباب نماء شجرة الإيمان كذلك: المشاركة في الدعوة إلى الله ؛ لأن الله سمى وحيه روحاً، وسماه نوراً، فقال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، فالله سمى شرعه روحاً؛ لأن الروح تكون بها الحياة، فإذا فقد الإنسان هداية الشرع يكون ميتاً، كما قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]، ووصف الكفار فقال: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١]، فإن كانوا يحيون حياة يأكلون فيها ويشربون فهي حياة البهائم، فهم لا يحيون الحياة الطيبة التي يحبها الله ويرضاها.
يقول النبي ﷺ : (نضر الله امرءاً سمع منا مقالة فبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، فنضارة الوجه تكون نتيجة لنضارة القلب، والجزاء من جنس العمل، فهو كما نضر الشريعة، وجعلها غضة طرية بأن حفظ حديث النبي ﷺ ، وبثه وعلمه، كذلك ينضر الله قلبه، وينضر وجهه وجوارحه، وكذلك كما أحيا قلوب الناس بشرع الله يحيي الله قلبه وينضر قلبه، ومن شارك في الدعوة إلى الله يعلم كيف تحيا القلوب بالدعوة، ويعلم كيف تكون الدعوة من أعظم أسباب زيادة الإيمان.
فنسأل الله أن يبارك في أعمالنا وفي أعمارنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 414
معجزات النبي ﷺ
أيد الله أنبياءه بمعجزات دالة على صدق نبوتهم، وما من نبي إلا وله معجزات يجريها الله على يده دلالة على صدقه، وقد أيد الله نبينا محمداً ﷺ بمعجزات فاقت معجزات الأنبياء الأولين عدداً وأثراً، وأعظم معجزاته هي القرآن الكريم، وهو المعجزة الخالدة الباقية ما دامت الدنيا شاهدة على صدق نبوته ورسالته ﷺ .
стр. 415
تنوع معجزات النبي ﷺ الحسية
الحمد الله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله ، وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً.
أما بعد: فما زلنا مع النبي الكريم ﵌، وقد تكلمنا في الخطبة السابقة عن المعجزة الكبرى لنبينا محمد ﵌، كما قال ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة).
فهذا يدل على أن معجزته الكبرى ﷺ هي معجزة القرآن المبين، وليس معنى ذلك عباد الله! أن نبينا محمداً ﷺ ليس له معجزات كسائر الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكن الأمر كما قال الإمام الشافعي: ما أعطى الله نبياً من الأنبياء ما أعطى نبينا محمد ﵌، فقال: أعطى محمداً ﷺ حنين الجذع.
стр. 416
إبراء المريض والأكمه والأبرص
فمعجزات نبينا محمد ﷺ فاقت معجزات جميع الأنبياء، فكان يبرئ الأكمه والأبرص، وكان يبرئ المرضى بإذن الله كما أعطي عيسى ﵇، فقد خرجت عين قتادة من موضعها وسقطت على خده، فأتى النبي ﵌ فردها إلى مكانها بيده ﷺ ، وصارت أحسن عينيه فصلى الله عليه وسلم، ورد الله بنبينا محمد ﷺ بصر عثمان بن حنيف.
ولما قال النبي ﷺ ليلة فتح خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فأصبح الناس يدوكون ليلتهم من يعطاها)، كلهم يتشوف إلى هذا الشرف العظيم، أن النبي ﷺ يشهد له بأنه يحب الله ورسوله، وبأن الله ورسوله ﷺ يحبانه، فأصبح الناس يدوكون ليلتهم، فقال النبي ﷺ : (أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: يشتكي عينيه يا رسول الله! فأمر به النبي ﷺ فأحضر، فبصق في عينيه فبرئ ﵁.
فنبينا محمد ﵌ استعمله الله كذلك في إبراء المرضى.
стр. 417
فهم النبي ﷺ للغة الحيوان
كذلك سليمان ﵇ فهم قول النملة، ونبينا محمد ﵌ فهم قول الجمل، أراد النبي ﷺ أن يقضي حاجته فدخل حائط بستان لأحد الأنصار فلما رآه ناضح -أي: جمل- حن للنبي ﷺ ، واغرورقت عيناه بالدموع، فذهب النبي ﷺ ومسح عليه، فهمهم للنبي ﷺ ، فقال النبي ﵌: (من صاحب هذا الناضح؟ فقال الأنصاري: أنا يا رسول الله! قال: ألا تتقي الله في هذه البهيمة؟ لقد اشتكى إلي الجمل أنك تجيعه وتدئبه).
أي: أنه لا يطعمه الطعام الكافي، ويدئبه: أي يتعبه في العمل، ففهم النبي ﵌ قول الناضح.
стр. 418
انقياد الجبل لأمر النبي ﷺ
كذلك الجبال والأشجار يا عباد الله! تستجيب لأمر النبي ﵌: وقف النبي ﵌ على أحد، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل فقال النبي ﷺ : (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، فثبت الجبل بأمر النبي محمد ﵌.
وفي هذا علم آخر من أعلام النبوة، وهو أن النبي ﷺ أخبر أن على الجبل شهيدين، وهما عمر وعثمان، ووقع الأمر كما أخبر النبي ﷺ .
стр. 419
تأدب الوحش مع النبي ﷺ
روى الإمام أحمد كذلك عن عائشة ﵂ قالت: (كان لآل رسول الله ﷺ وحشاً -قيل: إنه قطة؛ لأنها حيوان متوحش عكس المستأنس- فكان إذا خرج رسول الله ﷺ تحرك ولعب في البيت، فإذا دخل رسول الله ﷺ سكن حتى لا يؤذي رسول الله ﵌، فكانت الوحوش كذلك تعرف رسول الله ﵌، وتتأدب معه.
стр. 420
نبع الماء من بين أصابع النبي وانفلاق القمر له
فاقت معجزات نبينا محمد ﷺ معجزات جميع الأنبياء، فموسى ﵇ ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم، ونبينا ﷺ وضع يديه في الماء فنبع الماء من بين أصابعه، وتوضأ الصحابة ﵃، فهذه أبلغ في الإعجاز من معجزة موسى ﵇.
موسى ﵇ ضرب بعصاه البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، ونبينا محمد ﷺ أشار بأصبعيه إلى القمر فانفلق القمر فلقتين، فقال: (اشهدوا)، قال الله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢].
стр. 421
انقياد الشجر للنبي وتسليم الحجر عليه
الشجر ينقاد للنبي ﷺ كما في صحيح مسلم: (أراد النبي ﷺ أن يقضي حاجته، فأخذ بغصن شجرة وقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه الشجرة، ثم أخذ بغصن شجرة أخرى وقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه ثم قال: التئما بإذن الله، فالتأمت).
والحجر يسلم على نبينا محمد ﵌ كما في صحيح مسلم كذلك: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)، فكلما مر النبي ﷺ بجواره يقول: السلام عليك يا رسول الله!
стр. 422
كثرة الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ
(وحين كان الصحابة في طريقهم إلى تبوك أصابتهم مجاعة فاستأذن بعضهم رسول الله ﷺ في أن ينحروا النواضح -أي: الجمال- فأذن النبي ﷺ في ذلك، ثم أتى عمر فدخل على النبي ﷺ فقال: إن فعلت ذلك يا رسول الله! قل الظهر، ولكن أرى أن تجمع ما عند الناس من أزواد، وأن تدعو فيه بالبركة، فعسى الله أن يجعل فيه من البركة، فقال: نعم، فأمر النبي ﷺ بنطع فبسط، ثم أمر من كان عنده شيء من الطعام أن يأتي به، فكان الواحد يأتي بكسرة خبز أو بكف تمر، فجمع من ذلك شيئاً يسيراً، ودعا النبي ﵌ بالبركة، فعظم الطعام جداً، فملئوا جميع الأوعية التي معهم وأكلوا وشبعوا).
وعند حفر الخندق عباد الله! رأى جابر رسول الله ﵌ وكانوا ما ذاقوا ذواقاً -أي: طعاماً- منذ يومين أو ثلاثة، رأى النبي ﷺ وهو يعصب على بطنه حجراً، فاستأذن النبي ﷺ ، ورجع إلى امرأته وقال: (رأيت من النبي ﷺ منظراً لم يكن لي صبر عليه، ثم سألها: ما عندك؟ قالت: عناق -أي: شاة صغيرة- وشيء من شعير، فأمرها فذبحت العناق، وطحنت الشعير، ثم ذهب جابر إلى النبي ﷺ يقول: طعيم لك يا رسول الله! ولرجل أو رجلين من أصحابك، فسأله النبي ﷺ كم هو فأخبره فقال: كثير طيب، ثم أمر جابر أن يأمر امرأته أن تترك اللحم في البرمة، وأن تترك العجين دون أن تخبزه، وذهب النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار فكانوا يدخلون بيت جابر ﵁ عشرة عشرة، وقال النبي ﵌: لا تضاغطوا، وأطعم النبي ﷺ المهاجرين والأنصار من هذا الطعام القليل ببركته ﷺ ، وبقيت بقية، فقال النبي ﷺ لامرأة جابر: كلي وأطعمي وتصدقي؛ فإن الناس قد أصابتهم مجاعة).
стр. 423
المعجزات الغيبية التي أيد الله بها نبيه في حياته
ليست المعجزات منحصرة في هذه المعجزات الحسية وفي معجزة القرآن المبين، بل أخبر نبينا ﵌ بالمغيبات التي منها ما سيكون في حياته ومنها ما سيكون بعد مماته، وكان الأمر كما قال النبي ﷺ سواء بسواء.
стр. 424
إخبار النبي ﷺ عن رجل أنه من أهل النار
فمن ذلك: أن النبي ﷺ قال لرجل: (هو من أهل النار)، فلما أتى القتال قاتل الرجل أشد قتال وأبلى بلاءً حسناً، فتعجب الصحابة كيف يخبر النبي ﷺ أنه من أهل النار وهو يقاتل هذا القتال ويغني هذا الغناء، فتبعه أحد الصحابة ﵃ فجرح هذا الرجل جرحاً شديداً فأخرج أسهماً فنحر نفسه فانتحر، فذهب الرجل إلى النبي ﷺ يقول: لقد صدق الله قولك يا رسول الله! لقد انتحر فلان فقال: (قم يا فلان فاشهد بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة).
قيل: لعله استحل هذا الفعل -أي: الانتحار- وقيل: لعله أصابه يأس من رحمة الله فنحر نفسه، فعند ذلك أخبر النبي ﷺ أنه من أهل النار.
стр. 425
إخبار النبي بهبوب ريح في غزوة تبوك
أخبر النبي ﷺ بأشياء وقعت كما أخبر سواء بسواء، ففي عزوة تبوك قال للصحابة: (سوف تهب الليلة عليكم ريح شديدة فلا يقم فيها أحد)، فهبت ريح شديدة كما أخبر النبي ﷺ ، فقام رجل فحملته الريح وألقته إلى جبل طي.
فالنبي ﷺ يخبر بأشياء وتكون كما أخبر النبي ﵌.
следующие страницы →