Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
تفسير قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم)
نشير إلى معنى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] حتى ندرك فضيلة اليوم التي نزلت فيه، قال بعض أهل العلم في تفسيرها: أكثر المسلمين لم يكونوا قد حجوا حجة الإسلام؛ لأن الحج فرض في العام السادس، وحج أبو بكر ببعض المسلمين في التاسع، وحج النبي ﵊ ومعه أكثر الصحابة العام العاشر، فبذلك أتموا إسلامهم؛ لأنهم أتوا بالركن الخامس، فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] فأتموا أركان الإسلام.
ومنها: أن الله أعاد الحج على قواعد إبراهيم، ونفى الشرك وأهله، وأبطل ما كانوا يجعلونه من انحراف أو تغيير وتبديل في هذا الحج.
وأيضاً: إن تمام النعمة هو حصول المغفرة، وحصول المغفرة قد وقع في يوم عرفة الذي نزلت فيه هذه الآيات، ومعنى تمام النعمة حصول المغفرة، ويدل على ذلك دلائل كثيرة من كتاب الله ، منها قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢]، وقوله : ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٦] أي: التطهير من الذنوب هو تمام النعمة.
وقوله : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] هذا عموم يبين أن الكمال وأن المغفرة هي النعمة التي يجد بها الإنسان أعظم الفضل، فيرضى بدين الله الذي فيه هذه المنن والفضائل كلها.
ونشير هنا إلى عظمة التشريع الإسلامي وعموم فضل الله ، فالحج فرض في العمر مرة واحدة تيسيراً، وإن كان فضله عظيماً، وهذا تيسير؛ لأن الإتيان به مكرراً فيه مشقة، فكيف ينال المرء فضيلة ما فيه من الفضل؟ جعل الله هذا معمماً للناس عندما فضل هذه العشر كلها، فمن حج أصاب فضيلة الحج، ومن لم يحج فعنده فضيلة العشر؛ لما فيها من تكفير للذنوب، ولما فيها من أعمال صالحة، ومن رجحان فضيلة وأجر الأعمال الصالحة فيها، كما قال القائل: جعل الله موسم العشر مشتركاً بين السائرين للحج والقاعدين، فمن عجز عن الحج في عام قد يوفق في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج، وهذه نعمة من الله .
ليالي العشر أوقات الإجابة فبادر رغبة تلحق ثوابه ألا لا وقت للعمال فيه ثواب الخير أقرب للإصابة من اوقات الليالي العشر حقاً فشمر واطلبن فيها الإنابة
стр. 1052
النصوص الدالة على فضل يوم عرفة
روى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر ﵁ أنه ﵊ قال: (أفضل الأيام يوم عرفة).
وروى مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال ﵊: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟) إلى آخر الحديث.
وفي المسند عن عبد الله بن عمرو أنه قال ﵊: (إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين؛ يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم).
وخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال ﵊: (إن الله يباهي بأهل عرفات يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً).
وعن جابر عنه ﵊ أنه قال فيما يرويه عن ربه : (انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ضاحين، جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير أكثر عتيقاً من النار في يوم عرفة) إلى روايات أخرى كثيرة، وهذا داخل في ضمن فضائل العشر، فللحاج هذه المزية، ولغير الحاج مزية وفضيلة الصوم التي أشرنا إليها.
стр. 1053
حكم صيام يوم عرفة للحاج
صوم يوم عرفة لغير الحاج مؤكد تأكيداً عظيماً، ولم يرد في فضل صيام يوم منفرد مثلما ورد في صيام يوم عرفة، فضلاً عن كونه مندرجاً في العشر نفسها، وأما الصيام للحاج فقد ورد حديث أم الفضل بنت الحارث: (أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم -وانظر إلى ذكاء نساء المؤمنين- فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره في يوم عرفة، فشرب منه ﵊، فهذا كما يقولون: "قطعت جهيزة قول كل خطيب فلم يصمه النبي ﵊ عندما حج، وقد وردت رواية ضعيفة عن أبي هريرة: (أنه ﵊ نهى عن صوم يوم عرفة)، وقد اختلف أهل العلم في حكم صيام يوم عرفة في عرفة: روي عن عائشة أنها كانت تصومه وهي حاجة، وروي عن عثمان بن أبي العاص وابن الزبير أنهما كانا يصومانه، والصحيح الذي ذكره كثير من أهل العلم كـ الشافعي ومالك: أنه لا يستحب للحاج صيامه؛ وذلك ليتقوى الحاج على الطاعة والعبادة، ولكن من صامه فإنه لا شيء عليه، والنهي على فرض ثبوته إنما هو نهي كراهة لا نهي تحريم، أي: أن النهي إنما هو من أجل التقوي على الطاعة والعبادة، فإن استطاع أن يقوى على الطاعة والعبادة مع الصيام فلا شيء عليه في هذا.
стр. 1054
حكم صيام أيام التشريق
ورد عن النبي ﵊ أنه قال: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله أخرجه أصحاب السنن، وورد أيضاً: (أنه بعث في أيام منى منادياً ينادي: لا تصوموا هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله ، وإن كانت هذه الرواية فيها ضعف كما ذكر بعض أهل العلم.
стр. 1055
الأحكام المتعلقة بالأضحية
وقفتنا الأخيرة عن الأضحية؛ لأنها داخلة في العشر، ونبدأ بفضيلتها: ورد في فضل الأضحية حديث قال الترمذي عنه: ضعيف لضعف بعض رواته، والحديث عن عائشة عن النبي ﵊ أنه قال: (ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من هراقة الدم -يعني: الذبح- وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع في الأرض، فطيبوا بها نفساً) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يعرف من حديث هشام إلا من هذا الوجه، فيه راو اسمه: أبو المثنى، ضعفه أبو حاتم جداً.
стр. 1056
ما يستحب وما يكره في الأضحية ؟
ما يستحب في الأضحية وما يكره فيها؟ ورد من حديث أنس عن النبي ﷺ (أنه كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، يطأ على صفاحهما -والصفح هو جانب العنق- ويذبحهما بيده ويقول: باسم الله، والله أكبر) والحديث متفق عليه، وفيه: استحباب وتأكيد اختيار الأفضل والأحسن، وما ليس فيه عيب كما سيأتي؛ لأنه قال: (كبشين أملحين)، والأملح هو الذي فيه سواد وبياض، ويكون البياض أكثر، ويدل هذا على نوع من الجمال أو البهاء فيه.
وفيه: استحباب أن يذبح المرء الأضحية بنفسه إن قدر على ذلك، بل قد قال أهل العلم: وكذا يستحب للمرأة أن تذبح أضحيتها إن قدرت عليها، فقد روي عن أبي موسى: (أنه كان يأمر بناته أن يذبحن ضحاياهن بأيديهن)، وهذا مما يستفاد من هذا الحديث.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن الرسول ﵊ (أنه ضحى بكبش أقرن فحيل، يأكل في سواد، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد) والحديث حسن أخرجه الترمذي، والفحيل هو: الكريم المختار من الفحلة، أي: الجيد، وقيل أيضاً: الفحيل: المنجب في ضرابه، وأراد به النبل وعظم الخلق، أي: يختار من الجيد.
قوله: (يأكل في سواد) أي: أحاط بفمه لون أسود.
وكذلك بالنسبة لقوله: (ينظر في سواد، ويمشي في سواد) إلى آخره، أي: تلك المواضع سوداء، وسائر بدنه أبيض، وهو مطابق لقوله: الأملح.
وقد وردت أحاديث صحيحة عن النبي ﵊ في اختيار الأضحية، فروى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة من حديث علي قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء)، المقابلة: ما قطع طرف أذنها.
والمدابرة: ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء: المشقوقة الأذن، والخرقاء: المثقوبة.
ولعل سائلاً يقول: وما دخل الأذن بالأضحية، إنما يؤكل لحمها؟! نقول: هو عيب يبخس من قيمتها، فكأن المرء لا يضحي لله إلا بما هو هين عنده أو هين عند الناس، وهذا لا ينبغي أن يكون، بل يستحب أن تكون الأضحية من الأواسط والكرائم إن استطاع.
وقوله: (نستشرف العين والأذن) أي: ننظر إلى صحتها وعظمها، وهذا مثل هذا.
стр. 1057
سنن الأضحية
عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً) أخرجه الإمام مسلم وغيره، والمقصود بذلك أنه يتشبه بالمحرم، فلا يقص من أظفاره، ولا يقص شعره، ولا شيئاً من أنواع الشعور على اختلافها، وهذا فيه نوع من الاشتراك مع الحاج في بعض العمل، والاشتراك أيضاً في بعض الأجر الذي ساقه الله لأمة الإسلام عموماً، واختلف العلماء في ظاهر هذا الحديث فبعضهم قالوا: لا يجوز لمن يريد الأضحية بعد دخول العشر أن يأخذ من شعره أو ظفره إلى أن يذبح، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وقال به ربيعة والإمام أحمد وإسحاق، وكان مالك والشافعي يريان ذلك على الندب والاستحباب، ورخص أصحاب الرأي في هذا.
وأيضاً قالوا: هذا الحديث دليل على أن الأضحية غير واجبة، من أين وجه الاستدلال؟ من قوله: (فإذا أراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره)، فقوله: (إذا أراد) معنى ذلك أنه إذا لم يرد فالأمر بالخيار، وليس الأمر واجباً وإنما هو سنة مؤكدة، والنبي ﵊ نحر عن نفسه، ونحر عن أهل بيته، ونحر عن أمته، وقد نحر ﵊ في حجة ثلاثة وستين من الإبل قائمة ثم وكل علياً فأتم المائة، وهذا كله دليل على التفضيل، ودليل على أن الذبح لله من أفضل القربات, وأنه من أكثر ما يتعاطاه الناس في بيان المحبة وبيان الخضوع وبيان التقرب والتذلل لله .
وبعض أهل العلم رأى أنها واجبة، وذهب إلى ذلك بعض أهل الرأي، واستدلوا بحديث مخنف بن سليم (أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم عرفة فقال: على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة) والعتيرة هي التي تسمونها: رجبية، والحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، ولكن في سنده بعض الضعف، ويعارضه تلك الأحاديث الصحيحة، فالقول الصحيح قول الجمهور، وهو أنها ليست واجبة، وقد ذكر الأكثرون أن العتيرة التي في رجب منسوخة؛ لأنها كانت تذبح في رجب تعظيماً له فيما مضى ثم نسخت بعد ذلك، وقد ورد في حديث مرفوع عن أبي هريرة: (لا فرع ولا عتيرة) والفرع هو أول نتاج الأنعام كانوا يذبحونه لطواغيتهم في الجاهلية، والعتيرة في رجب، فهذا نهي عنها، وحديث أبي هريرة هذا متفق عليه عند البخاري ومسلم.
стр. 1058
حكم الاشتراك في الأضحية
يجوز الاشتراك في الأضحية، قال جابر ﵁ فيما رواه مسلم: (نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) أي: اشترك سبعة فيها، وفي حديث جابر: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة) ووردت رواية عن ابن عباس: (اشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة) والمشهور هو الأول.
وأما الاشتراك في الأضحية الواحدة فقد ورد أن الإنسان إذا ضحى ولو بشاة واحدة عنه وعن أهله جاز؛ لأنه على الاستحباب، وإذا كان على الاستحباب وليس على الوجوب على كل أحد فكأنها عنه، وأراد أن يشرك في أجرها أهله؛ فلا بأس، فهي في الأصل تجزئ عن واحد لكن لو قال: عني وعن أهل بيتي فحسن؛ لأنه روي عن النبي ﵊: (أنه ضحى بكبش وقال: هذا عني وعمن لم يضح من أمتي) أخرجه أبو داود والترمذي وهذا الحديث حسن، وأيضاً صح عن عائشة: (أن الرسول ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، وينظر في سواد، فلما جاء ليذبحه قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد) أخرجه الإمام مسلم، وقد سأل عطاء أبا أيوب الأنصاري عن الضحايا فقال: (كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس وصار كما ترى!)، أي: بعد عهد النبي ﵊.
стр. 1059
حكم أكل لحوم الأضحية وادخاره
يباح أكل لحوم الأضاحي حتى بعد زمن، وقد ورد أن أيام التشريق سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يشرقون اللحم ويقددونه حتى يجف، فيأكلونه خلال أيام التشريق، وكان هناك نهي عن الأكل بعد الثلاث، ولكن ورد عن جابر أن النبي ﵊: (نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادخروا) فالمسألة فيها سعة، وقد نسخ هذا المنع ولا إشكال في هذا.
стр. 1060
الأسئلة
стр. 1061
وجه التفضيل بين عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان
السؤال
عندما ساق ابن القيم المقارنة بين فضل العشر من ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان، فضل ليالي العشر الأواخر من رمضان، وفضل الأيام العشر من ذي الحجة، فهل نستفيد من ذلك أن قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] يقصد بها العشر الأواخر من رمضان؟
الجواب
القول في هذا أنها عشر ذي الحجة كما ورد عن ابن عباس وعن ابن الزبير، وقد ثبت ذلك معلقاً مجزوماً عند البخاري عنهما، وهو قول مجاهد وكثير من أئمة السلف والخلف من المفسرين.
وأما ورود مسألة التفضيل فهي مسائل ترد على الخاطر ثم يأتي فيها جواب أهل العلم، وعموم الفضل ثابت، لكن التحديد يكون بنص أو بنقل، خاصة في مسائل التفسير، وكأن الأخ يقول: إذا قلنا: تلك الليالي أفضل من هذه الليالي فلماذا لا تكون (وليال عشر) هي العشر الأواخر؟ فكما قلنا: هي عشر ذي الحجة كما نص عليه السلف، وعشر ذي الحجة منصوص في فضيلتها الأيام والليالي مع بعضها، وليس الليالي وحدها.
стр. 1062
الأعمال المترتبة على فضل الزمان والمكان
السؤال
ماذا يترتب على فضل الزمن كليلة النصف من شعبان؟ هل معنى ذلك مضاعفة العمل، مع العلم بأنه لا بد لذلك من فائدة؟
الجواب
حقاً لا بد له من فائدة، فإذا عرفت فضيلة الزمان أو فضيلة المكان فينبغي أن تجتهد بأن تملأ الزمان أو أن تشتغل في هذا المكان بالطاعة وتكثر منها، فتكون لك فضيلة العمل نفسه، ومضاعفة الأجر لفضيلة الزمان أو المكان، مثل: أن تكون في الحرم، فأنت تعرف فضيلة الصلاة في الحرم، فعليك أن تصلي الفرائض، وأن تستكثر من النوافل، وتزيد من الأعمال والبر؛ فإن ذلك فيه خير، وكذلك تجتهد في الطاعة في الزمان الفاضل.
وبالنسبة لليلة النصف من شعبان حديثها فيه اختلاف بين أهل العلم، بعضهم ضعفه وبعضهم حسنه، وقد مال إلى تحسينه بعض المحدثين من المتقدمين والمتأخرين، لكن ما خص بعمل بعينه يواظب عليه، وبعض الناس لا بد أن يأتي في ليلة النصف من شعبان بعمرة، لا بأس إن أتى بها من باب العمل الصالح، لكن كونه يعتقد أنها سنة ويواظب على ذلك كما يفعله بعض الناس من التأكيد على هذا كالسنن فهذا لا ينبغي؛ لأنه كما قال الشاطبي وغيره: لا ينبغي المواظبة على عمل بعينه من الأعمال المطلقة، وينبغي أن يتركه في بعض الأيام أو الأحوال؛ لئلا يشبه بالسنة الماضية.
الأعمال المطلقة مثل: صلاة النافلة، يمكن أن تصلي في أي وقت ركعتين أربعاً عشراً، ثم قد تواظب أنت على شيء بقدر طاقتك، تواظب مثلاً على ست ركعات كل ليلة بعد العشاء، لا حرج في هذا، لكن لا ينبغي أن تواظب عليها طول دهرك وعمرك، وخاصة عندما تكون محل نظر الناس، أو كنت من أهل العلم، فقد يقول الناس: ما يواظب على الست الركعات إلا لأنه ورد فيها حديث بعينه أو نص بعينه، قالوا: فالمواظبة على ما لم يثبت على الدوام فيه بعض المؤاخذة، وقد يكون فيه شيء من الابتداع، وإن كان أصل العبادة المطلقة ليس لأحد أن يمنع أحداً منها.
стр. 1063
حكم تقديم الحج على الجهاد والعكس
السؤال
أيهما يقدم الحج أو الجهاد؟
الجواب
إن كان الجهاد فرض عين، والعدو قريب، وهناك إنسان لم يحج الفريضة وهو في الجبهة، وليس عنده إلا خياران لا ثالث لهما: إما أن يجاهد، وإما أن يحج، وإن قلنا: يجاهد ثم يحج فقد يستشهد في المعركة، فنقول: الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، إن كان لم يقصر في أداء الفريضة في وقتها فلا إشكال، ولكن لا شك أنه إذا تعين الجهاد وهو في بلد، والحج بعيد، فإنه لا يترك بلده ويذهب ليحج؛ لأن الجهاد فرض الوقت، وفرض الوقت في آنه يقدم على غيره، والله أعلم.
стр. 1064
قاعدة المثبت مقدم على النافي وبعض أمثلة لها
السؤال
قاعدة: المثبت مقدم على النافي هل لها أمثلة أخرى غير حديث عائشة؟
الجواب
هي قاعدة تطبق على غيرها، ومن أمثلتها ما جاء في حديث لإحدى أمهات المؤمنين قالت: (ما سبح رسول الله ﷺ سبحة الضحى قط) يعني: ما صلى سنة الضحى قط، وأبو هريرة يقول: (أوصاني خليلي بثلاث، وذكر منها الضحى)، وحديث عتبان بن مالك (أنه جاءه النبي ﷺ إلى بيته ضحى فصلى وصلى هو معه).
فهي ما رأته، وغيرها رآه، فليس كل أحد رأى كل شيء ولا علم كل شيء، أما إذا قال: سمعته يقول كذا، فحينئذ تحتاج المسألة إلى تحرٍ، أما إذا قال لك: ما رأيت، والثاني يقول: رأيت، فهنا لا إشكال أن نقدم المثبت على النافي.
стр. 1065
حكم صيام العشر الأواخر من ذي الحجة لمن لم يصم العشر الأول منه
السؤال
ما حكم من صام العشر الأواخر من ذي الحجة إذا ما صام العشر الأوائل من ذي الحجة؟
الجواب
لا وجه للتخصيص، إن كان هو يكثر من الصوم عموماً فليصم العشر أو العشرين ما في بأس، بشرط ألا يصوم الدهر، والأفضل له ألا يصوم إلا ما يستطيعه حتى لا يبدأ في طاعة ثم ينقضها، وأفضل الصيام كما قال النبي ﷺ : (صيام داود، صيام يوم وإفطار يوم).
стр. 1066
وجه عبارة الترمذي: حديث غريب مع تضعيفه للحديث ووجه الاقتران بالحسن
السؤال
بالنسبة لعبارة الترمذي: حديث غريب، ما وجه اقترانه بصفة الحسن؟
الجواب
هناك اختلاف في نسخ سنن الترمذي بين قوله: حسن، أو حسن غريب، أو حسن صحيح، وقد يكون فيها بعض اختلاف في النسخ، وأما الغرابة فالمقصود بها التفرد، وليس المقصود بها الإشارة للضعف، والنص على الضعف، فيكون مقصوده أحياناً أن الحسن قد يأتي من وجه، ويترجح بطريق آخر، ولكن في هذا الحديث بعينه ما بحثته حتى أنظر هل قوله: حسن مع قوله بعد ذلك: وأبو المثنى سليمان بن يزيد فيه ضعف، فهل هناك نسخة أخرى ليس فيها قوله: حسن؟ فهنا ذكر أنه غريب مع التضعيف، والله أعلم.
стр. 1067
طلب بإفراد الأعياد بدرس خاص
السؤال
نقترح إفراد درس خاص عن الأعياد؟
الجواب
لعلنا إن شاء الله نتكلم عن أحكامها وآدابها وما يستفاد منها.
стр. 1068
حكم رفع أصحاب السيارات للأجرة عند نقل الحجاج بين المشاعر
السؤال
أصحاب السيارات الخاصة ينقلون الحجاج بين المشاعر بمبالغ مرتفعة جداً عن الأيام العادية؛ فهل في ذلك شيء؟
الجواب
إذا كان مبنياً على التراضي فلا شيء فيه، وزيادته لها وجه؛ لأنه في الغالب يستغرق في الذهاب من الوقت أضعاف ما يذهب في أيام غيرها؛ وذلك بسبب شدة الزحام، فارتفاع له مقابل؛ لأنه قد يذهب من مكان إلى مكان بسرعة في الأيام العادية، ويأخذ أجرة خمسة ريالات مثلاً، لكن في أيام الحج يأخذ خمسة عشر أو عشرين؛ لأنه في غير الحج يستطيع أن يذهب أكثر من أربع أو خمس مرات، ويحصل على أكثر من هذا الأجر، لكن لا شك أن الرفق بالحجاج أمر مطلوب، وأن الإجحاف أو الظلم أو المبالغة الزائدة عن الحد لا تليق بالمسلم على إخوانه المسلمين، ولا تليق بمن يقيم بهذه الأرض مع من يفد إليها لطاعة الله وحج بيته، فلابد من تقدير ظرف الحاج والإحسان إليه، وإذا ترك شيئاً أو خفف أو قلل في السعر ابتغاء وجه الله فإنه يؤجر إن شاء الله تعالى.
стр. 1069
حقيقة الأضحية والفدية والهدي
السؤال
الأضحية والفدية والهدي ما حقيقة كل واحدة منها؟
الجواب
الأضحية: هي سنة عامة للحاج وغير الحاج، تضحية لله وابتغاء الأجر.
والفدية: هي التي تكون مترتبة عن ترك واجب في مناسك الحج والعمرة في غالب الأحوال.
والهدي: هو الذي يسوقه الحاج معه ويهديه إلى الحرم، وهو نوع من الأضحية، لكنه أحياناً قد يكون من ضمن النسك كما في شأن القارن بين الحج والعمرة.
стр. 1070
حكم أخذ الظفر والشعر في العشر من أهل المضحي
السؤال
إذا أراد أن يضحي الرجل عن نفسه وعن أهله فهل يأمر أهله بألا يأخذوا من أشعارهم وأظفارهم؟
الجواب
الصحيح أن المقصود بهذا هو الذي يضحي بنفسه، أما من يضحى عنه فليس بشرط، وهذا حتى للحاج إذا أراد الأضحية، فينبغي له أن يحلق شعره وأن يقلم أظافره قبل دخول العشر، حتى لا يحتاج إلى ذلك عندما يريد أن يحرم؛ لأن من سنن الإحرام أن يحلق عانته، وأن يزيل شعر الإبط، وأن يقلم الأظافر، ويغتسل، ويتطيب، فلو أراد أن يضحي فيحسن به أن يفعل ذلك قبل شهر ذي الحجة حتى ينال الأمرين معاً إن شاء الله تعالى.
стр. 1071
فدية الحج ووقت وجوبها
السؤال
ما هي فدية الحج؟
الجواب
إذا ترك واجباً من الواجبات فعليه فدية، ويشبهه أو قريب منه المتمتع الذي عليه ذبح الدم عن تمتعه.
стр. 1072
حكم وطء الرجل امرأته أثناء الحج
السؤال
ما حكم وطء الرجل لامرأته في أيام الحج؟
الجواب
إن كان قبل التحلل الأول فإنه يبطل الحج كلية، ويجب عليه إتمامه، وعليه الفدية، وعليه الحج من قابل، ومسألة القضاء مهمة سواء في الحج أو العمرة، فمن تلبس بالنسك وشرع فيه -ولو كان تطوعاً- ثم خرج منه بغير عذر أو لعذر له فيه مأخذ شرعي فالقضاء لا بد منه.
стр. 1073
صيام العشر
السؤال
هل الأفضل صيام العشر كلها أم يوم عرفة فقط؟ وهل العتق من النار في يوم عرفة لكل الناس؟
الجواب
صوموا كلها إن كنتم غير حجاج، والعتق من النار في يوم عرفة خاص بالحجاج فيما ورد من النصوص وليس عاماً لكل أحد.
стр. 1074
حكم حج الحائض والنفساء
السؤال
بالنسبة للمرأة إذا حاضت أو نفست في أيام الحج أو قبل الحج ما عليها؟
الجواب
يجوز لها أن تهل بالحج وأن تحرم به، وأن تنوي من ميقاتها ولو لم تكن على طهر، وتؤدي كل مناسك الحج إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، فإذا طهرت طافت، ولها أن تؤخر طواف الإفاضة حتى تطوف للإفاضة وللوداع طوافاً واحداً في وقت واحد، لكن بشرط أن تنوى أنه طواف إفاضة؛ لأنه ركن.
стр. 1075
حكم من حج عن ميت أجنبي دون أن يعلم أهله
السؤال
سائل يريد أن يحج عن أخ له في الله قد مات، فهل يجب عليه أن يخبر أهله علماً بأنه قد حج عن نفسه؟
الجواب
ليس بواجب عليك أن تخبر أهلك؛ لأن هذا نوع من الإحسان إلى أخيك أو صديقك الذي بينك وبينه معزة، وقد توفاه الله ، فتحج عنه وتنوي الثواب له فلا شيء في هذا إن شاء الله.
стр. 1076
حكم الرجم في ثاني أيام التشريق قبل الزوال والخروج من منى بعد الزوال
السؤال
هل الرجم في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الزوال والنفرة من منى بعد الزوال جائز؟
الجواب
قد يفتي به بعض أهل العلم للترخيص، لكن لا بد أن تنظر فيمن أفتى به، هل هو من أهل العلم المعتبرين؛ لأن بعض الناس يسمع كلام أي واحد ويأخذ به، فإذا أخذت بقول رجل ليس من أهل العلم المعروفين من كبار العلماء، أو من مجامع الفتوى، فقد تأخذ بقول مرجوح أو تبطل حجك أو تأتي بنقص فيه، والمسألة كلها ساعة أو سويعة، وأنت قد أتيت للحج من أفق بعيد أو أتيت له حتى من قريب، لكنك قد تعبت وجهدت في أداء المناسك، فتمم ذلك، وليس في مثل هذا داع للترخص أو التعجل.
стр. 1077
حكم من وقف في يوم عرفة بعرفة وهو غير حاج
السؤال
من كان في عرفة واقفاً وليس بحاج، فهل هو ممن يباهي الله به الملائكة؟
الجواب
ظاهر الحديث يخص الحجاج؛ لأنهم أتوه شعثاً غبراً ضاحين؛ ولأنهم تجردوا من ملابسهم، ولكن في الحديث: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) والله فضله عميم، وهذه الأمور لا ينبغي أن يكون فيها السؤال؛ لأن الله يفيض بالخير على من أقبل عليه، سواء في عرفة أو في غير عرفة، والإنسان في عرفة يشاهد الناس الحجاج وهم يلبون ويبتهلون ويبكون فيكون متأثراً بهم، وقد يذهب ويحرم ولم يكن قد نوى الحج؛ لما يرى من هذا، فلعله إن شاء الله يؤجر بخدمته للحجاج، وبدعائه لله في هذا المكان الفضيل وفي هذا الزمان الفضيل، ويكون مع القوم الذين باهى الله بهم ملائكته، وفضلهم، ووعدهم بالمغفرة والعتق، فهذه كلها مسائل كثيرة في مثل هذا.
стр. 1078
حكم من حج عن غيره مبتغياً الأجر والثواب
السؤال
بالنسبة لمن حج عن رجل هل له أجر أو ليس له أجر؟
الجواب
فضل الله عظيم، أنت إن حججت عن أبيك ألست تفعل فعلاً خيراً ابتداءً؟! وكل فعل خير له أجره عند الله ، ثم ألست تذكر الله وتتلو وتدعو؟! وبعض الناس يظن المسألة فيها انفصال، فإذا حج عن غيره فهو يدعو وليس في قلبه خشية ولا تعلق ولا رجاء في الله ! كلا، المقصود بالحج أنه عمل تصح فيه النيابة، فيستطيع الإنسان أن يؤديه ثم ينويه بجملته كاملاً عمن نواه عنه، وليس فيه أنه لا بد أن يقول: أنا أرمي هذه عن فلان، وفي غير وقت الطواف مثلاً ليس بحاج وكأنه شيء آخر، فتراه لا ينشغل كما ينشغل في حجه بالتلاوة أو الذكر، وكأنه في وظيفة، وإذا ذهب ليرمي رمى ثم يرجع!! ليس كذلك، فالأجر إن شاء الله حاصل من كل وجه بإذنه .
стр. 1079
حكم من حج على نفقة غيره
السؤال
من أراد أن يحج وليس عنده نفقة فأعطاه بعض الناس إما هبة وإما مودة وإما صدقة مالاً ليحج به، هل يجوز أو لا يجوز حجه حج الفريضة؟
الجواب
الله بين لنا: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وقال النبي ﵊: (الاستطاعة الزاد والراحلة) فمن أين أتى الزاد؟ من أين أتت الراحلة؟ إذا لم يكن من حرام فلا إشكال، بل حتى لو كان من حرام يصح الحج وعليه الإثم كما ذكر أهل العلم.
الإسلام يدعو المسلمين أن يعينوا إخوانهم في كل شيء، فإذا أعانك أخ لك على أن تحج معه وهو مقتدر، أو أن تحج على حسابه وهو ميسور فلا إشكال في ذلك، ولا توجد أدنى شبهة في جوازه وكماله، سواءً كان حج فريضة أو حج تطوع.
стр. 1080
حكم إرسال الحاج بثمن أضحيته إلى بلده
السؤال
الأضحية هل يرسل الحاج بثمنها إلى أهله في بلده حتى يضحوا لحاجتهم وحاجة من في بلدهم؟
الجواب
ليس هناك بأس، ولا يشترط أن يضحي الحاج في بلد الحج، لكن الحاج الذي عليه فدية فيذبحها لأهل الحرم، أما غير ذلك فجائز، والأمر في هذا واسع، وإن كان فيه بر بأهله وبقرابته فلعله يكون له بذلك أجر إن شاء الله .
стр. 1081
حكم ذبح الأضحية بعد أيام التشريق
السؤال
هل يجوز أن أذبح الأضحية بعد عودتي من الحج هنا في جدة بعد أيام التشريق؟
الجواب
الظاهر أن الفضيلة في يوم النحر، وأتبع بها أيام التشريق؛ لأنها محل الطاعة والعبادة، ولا زالت حاجة الحجاج إليها، وأما بعد ذلك فالصحيح أنها جائزة، لكنها في غير الوقت الفاضل، والله أعلم.
نكتفي بهذا، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 1082
مقارنات في الاختبارات
تمر الأمة الإسلامية في هذه الآونة بمراحل صعبة وظروف قاسية واختبارات حاسمة، ولهذا كان لزاماً على كل فرد فيها أن يقوم بما يستطيع للدفاع عن دينه وأمته، وأن يبذل ما في وسعه لدحر العدوان وصد المؤامرات، وأن يسعى قبل ذلك كله لإصلاح نفسه وسد خلله حتى لا يكون هدفاً سهلاً تؤتى الأمة من قبله.
стр. 1083
بين اختبارات الطلاب واختبارات الأمة
الحمد لله جعل الدار الدنيا ممراً، والدار الآخرة مقراً، وجعل الدنيا دار العمل والبذل والابتلاء، والآخرة دار الحساب والثواب والجزاء، له الحمد خلق فسوى، وقدر فهدى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! موضوعنا: مقارنات في الاختبارات؛ لأن طلابنا في نهاية العام يدخلون في الاختبارات.
والاختبارات عندنا مهمة، ولها من الاستعداد والإعداد والتهيؤ مالها، غير أن أمتنا تمر باختبارات أكبر وأصعب، دون أن يكون هناك ما يكافئ هذه الاختبارات من الاستعدادات.
ولعلنا نعرف ما ذكرته مراراً وتكراراً من أن القضية الأولى، والمسألة العظمى، والاختبار الأصعب الذي تمتحن فيه الأمة في إيمانها وعقيدتها وفي سيادتها وإرادتها، وفي مبادئها وأخلاقها وحضارتها، هو الاختبار على أرض فلسطين، وفي قضية الأقصى.
стр. 1084
أهمية التركيز والانتباه لما يحاك للأمة
وفي الاختبارات يحصل كذلك التركيز والدقة، فعندما يأتي الطلاب للإجابات يركزون في معرفة وفهم الأسئلة، ويقرءونها قراءة فاحصة، ويعيدون النظر إليها؛ ليعرفوا مغازيها ومراميها، وما قد يكون فيها من بعض الحيل المقصودة، وما قد يريده أصحاب الأسئلة من المعلمين من اكتشاف الذكاء والفطنة، واستحضار الانتباه والذكاء، ثم بعد ذلك يجيبون كل سؤال في مكانه مع الشمولية، فإنه لو أتقن إجابة سؤال واحد وحاز فيه على الدرجة الكاملة ثم ترك بقية الأسئلة فنتيجته إلى رسوب قطعاً.
ثم كلنا يعلم أنه لابد من المراجعة قبل تسليم أوراق الامتحانات؛ للتأكد من دقة الإجابات وصوابها، وذلك أيضاً مطلوب في هذه القضية المهمة، وفي كل اختبارات أمتنا الملمة، فلابد أن يكون الأمر كذلك.
أما هذه السذاجات أو إن شئت قل: المؤامرات والتآمر على الإسلام والمسلمين فأمرها بين، فنحن لا نكاد نرى أن القوم يقرءون الأسئلة، ولا يعرفون مغازي ما يقدم لهم من المبادرات، أو ما يطرح لهم على ما يسمى طاولة المفاوضات، بل يقرءون الأسئلة قراءة الطالب الغر الساذج الذي لا يفهمها، ثم يجيب في غير ذلك المجال، ثم يخفق في آخر الأمر.
ونحن نرى تشتتاً، وليس هناك تركيز، ونحن نرى هلامية وليس هناك وضوح، ونحن نرى جزئية وليس هناك شمول، وهذه من أخطر القضايا، حيث أصبحت قضية المسلمين ومقدساتهم قضية لشعب واحد، بل ربما لجزء من شعب، بل ربما لفئة محدودة من جزء من شعب؛ حتى تتلخص بعد ذلك في أشخاص معدودين، وكأنهم هم الذين يعنيهم الأمر، وهم الذين إذا قبلوا ينبغي أن نقبل، وإذا وافقوا ينبغي أن نوافق، وكأنما ننظر إلى سؤال واحد، ونترك بقية الأسئلة، وكأننا لا ندرك أن ما يجري اليوم في أقصى الأرض يمس من في أدناها، وما يحصل من حدث في شرقها وصل تأثيره إلى غربها، فكيف ونحن أبناء دين واحد ولغة واحدة وتاريخ واحد، ونحن نعرف اليوم بلا أدنى شك أن الاستهداف هو لديننا بذاته، وهو لكل مسلم منتسب للإسلام وإن لم يتحقق بحقائقه، فهو لهذه الأمة بمقدراتها ثقافية وحضارية ومادية واقتصادية، ثم نجيب هذه الإجابات، ولا نسعى إلى المراجعات قبل أن نقدم الإجابات.
стр. 1085
استغلال الفرص
والراسب نعلم أنه قد تتاح له فرصة حتى يعوض، فإن أتيحت له فرصة فكيف تجدونه؟ هل تجدونه مهتماً مغتماً، حريصاً جاداً، يريد أن يعوض ما فات، أم أنه يعود إلى لهوه وغيه، وإلى تضييعه وتشتته، فيعاود الكرة؟ ولو عاود الكرة فرسب لأعاد عاماً كاملاً، ولو أعاد الرسوب لطرد من هذه المدارس.
تلك هي النتائج ولا شك، ولكننا نرى أن الراسبين في واقع أمتنا في هذه القضية ينجحون وينتقلون إلى مراحل أخرى، ويزدادون رسوباً ويرتفعون، وهذه من المعجزات الغريبة المحيرة للعقول.
ونحن لم نر أحداً من طلاب المدارس يرسب عشرات الأعوام، ثم يظل مع ذلك هو الطالب الناجح المتقدم في الفصول من مرحلة إلى مرحلة، إنه أمر عجيب! ونرى لذلك توقعاً خيالياً ونتائج عكسية ورسوباً متواصلاً.
نسأل الله أن يقي أمتنا الشرور والآثام، وأن يجعلنا ممن يأخذون بأسباب نصر الأمة وعزها، ويعملون لدفع أعدائها، وأن يسخرنا لنصرة دينه ورفع رايته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1086
أخذ الحذر والاحتياط في جميع الأمور والأحوال
الوقفة الثالثة: التوقع والاحتياط: فالطلبة عندما يذاكرون يستعدون لكل شيء، ويتوقعون أن يأتي السؤال في أي باب من الأبواب، ويتوقعون أن تأتي الأسئلة في غاية الصعوبة، ولا يعيشون على أوهام وأحلام.
فلو أن أحدهم كان يذاكر درساً واحداً ويقول: ستأتي الأسئلة كلها فيه، ويقول: ستأتي الأسئلة كلها سهلة، ويقول: سيعطوننا الدرجات وننجح، فبماذا نصف هذا الطالب؟ سنقول: إنه طالب غبي خائب ومصيره إلى الرسوب.
ولكننا نجد بعض الأحوال في هذه القضية، فقد حصرت الدروس والاختبارات كلها في درس واحد، وفي سؤال واحد أعدت له إجابة واحدة لجميع الأسئلة، وهذا ما نراه في قضية فلسطين اليوم، وفي مشهدها السياسي المعلن العام.
إنهم يقولون: ما هي الحرب؟ ونحن نقول في تعريفها وجوابها: هي السلام، ويقولون: ما هي أدوات المقاومة؟ هل هي الأسلحة والطائرات؟ ويكون
الجواب
هي السلام، ويقولون: ما هي الوسيلة الناجعة لمواجهة تهديم البيوت وقتل الأطفال وتشريد الناس؟ فيكون
الجواب
هي السلام، ونظن أن النتيجة ستكون نجاحاً بامتياز، وهذا حال الطالب الخائب الذي ذكرته، ولا يحتاج الأمر إلى بيان.
ولو أننا نفقه من سيرة نبينا ﷺ مراجعة الدروس واستحضارها لوجدنا كيف تدرج ﵊ مع اليهود أنفسهم، فعندما كان غدرهم في أول الأمر في دائرة معينة، وفي اعتداء على امرأة مسلمة، كانت العقوبة والإجابة في حصار وإجلاء مع سلامة الأرواح والأنفس ونقل الأموال والثروات، فلما تكرر الأمر مرة أخرى كان الجواب مختلفاً، كان حصاراً وطرداً وعقاباً مع سلامة الأرواح والأنفس، دون نقل الأموال والثروات، فلما تكرر الأمر في بني قريظة وكانت الخيانة أعظم، كان الحكم الذي وكله النبي ﷺ إلى سعد بن معاذ، يوم أن حكم بأن يقتل الرجال، وأن تسبى النساء والذرية والأموال، فقال ﵊: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)، ولما دعاه النبي أن يحكم في اليهود بحسب طلبهم، وتعيينهم لـ سعد بن معاذ ظناً أنه يراعيهم، ويداهنهم، ويجاملهم؛ لعلاقات سابقة، ومصالح سالفة، فقالها سعد كلمات تدوي في سمع الزمان: (لقد آن لـ سعد ألا تأخذه في الله لومة لائم)، لقد أراد أن يذكر نفسه بأنه لابد أن يقول بالحق، وأن يحكم بالعدل، وأن يأتي بالجواب الصحيح للسؤال المباشر، وأن يجعل العقاب المناسب للفعل الشنيع، فحكم بحكمه الذي ثبته وأنفذه رسول الله ﷺ .
وكان النبي ﵊ وفياً بعهده، قائماً بواجبه وبواجب أمته، لكنه كان يمثل قولة عمر ﵁: (لست بالخب، ولا الخب يخدعني)، فقد أعطى الحقوق، وأوفى بالعهود، فلما وجد الخلل، ولما وجد الطعن في الظهر كانت الإجابات مناسبة، وكانت الأحوال ملائمة، وكانت الاستعدادات والتوقعات والاحتياطات والتحسبات موجودة.
وكذلك قال رسول الله ﷺ : (لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين)، فكيف بعشر مرات وعشرين مرة؟! أين ذهبت فطنة المؤمن؟! وأين ذهبت عزة المسلم؟! وأين غيرة صاحب الحق وحميته؟ كل ذلك يطوى فيما نشهده من المشهد العام.
стр. 1087
مراجعة الدروس الماضية لتصحيح الأخطاء
الوقفة الثانية: المراجعة والمذاكرة: فطلابنا اليوم يعودون إلى أول درس، وإلى بداية المنهج، ويمرون عليه صفحة صفحة، ويقرءونه درساً درساً، ويراجعونه وحدة وحدة من البداية إلى النهاية؛ لأن المنهج لا يكون إلا متكاملاً؛ ولأن المنهج لابد أن يُستوعب استيعاباً شاملاً، وفي كل ذلك يمرون على الأخطاء السابقة، ويراجعون الاختبارات السالفة، ويرون كيف مرت بهم تلك الدروس، وفاتهم فقه بعضها ومعرفة بعض أسرارها، وكيف مرت بهم تلك الاختبارات فأحسنوا في بعض الإجابات وأخفقوا في تحقيق بعض النتائج، وكل ذلك يدخرونه لكي يتهيئوا لهذا الاختبار النهائي الكبير! وهنا نسأل: هل أمتنا مراجعة لمنهجها من أوله إلى آخره؟ وهل لها في ذلك مذاكرة ومشاورة؟ وأهم من ذلك: هل تعي دروس الماضي؟ وهل تراجع الاختبارات وما كان فيها من نجاحات أو إخفاقات، أم أنها تمر على ذلك مرور الكرام؟ إنها ترسب في اختبار مدريد لتواصل الرسوب بعد ذلك في اختبار أوسلو، ولتواصل المسيرة المنحدرة في المستوى الهابط فيما يأتي بعد ذلك، في صورة تبين أن الإجمال لهذا الحال الذي يتصدر فيه من يتصدر في أمتنا يدل على أن لا مراجعة، وأن لا مذاكرة، ولا منهج يقود، ولا رؤية تسدد، ولا قواعد تضبط قيادتها المتصدرة لمهامها العظمى كما ينبغي أن يكون عليه الحال.
عجباً لهزيمة أمتنا في عام (١٩٨٤م) من قبل شراذم عصابات اليهود عليهم لعائن الله، وكان درس الفرقة، وكان درس المؤامرة، ثم تكرر درس النكبة في الخيانة العظمى والمؤامرة الكبرى في (١٩٦٧م)، ثم توالت الحيل وتواصلت الإخفاقات فيما بعد ذلك دون أن نعي دروس الكذب والمراوغة، ودروس الغدر والإجرام، ودروس المفاوضة والمناورة.
فأنت صاحب حق وصاحب دار، ثم يأتيك ضيف -إن اعتبرته ضيفاً- فيحل ولا يخرج، ثم يدعي أنه صاحب المنزل، ثم يطردك، ثم يفاوضك على أن يكون لك مكان خارج الدار، أو بعد ذلك يمن عليك أن يجعلك في فنائه، ولكنك تحت قوته وسطوته، ثم يقول لك بعد ذلك: كيف تطلب أكثر من هذا؟! ونحن نرى كيف دارت الأمور حتى أصبحت اليوم هذه القضية الإسلامية الإيمانية العقدية التي تمثل بؤرة المواجهة الحضارية بين الإسلام وأعدائه؛ أصبحت اليوم تقاس بالأشبار والأمتار، وتقاس بالطرقات والشوارع، بعد أن كانت قضية الإيمان والعقيدة قضية الحق الثابت، وقضية المبدأ الراسخ.
стр. 1088
وجوب التهيؤ والاستعداد لما تمر به الأمة من اختبارات ومصاعب
هنا وقفات سريعة ننظر فيها بين اختبارات طلابنا واختبارات أمتنا: الوقفة الأولى: التهيئة والاستعداد: في اختبارات الطلاب تهيئة أسرية يُعنى بها الآباء والأمهات، حيث يهيئون الأجواء، ويوفرون أسباب الراحة، ويقدمون الخدمات، ويخففون التبعات والمسئوليات على الأبناء والبنات، وإن سألتهم: ما لكم؟ قالوا: إنه موسم الاختبارات.
ونجد كذلك استعداداً اجتماعياً, والمجتمع كله يراعي ذلك، فلا ترى المناسبات ولا المباريات، ولا المشاركات المعتادة في سائر الأوقات، فإن سألت لماذا؟ قالوا: لأنه موسم الاختبارات.
وترى أيضاً تهيئة واستعداداً إعلامياً، فلا ترى كثيراً من البرامج واللهو والترفيه المعتاد، بل تجد الدروس والتذكير والندوات والمساءلات في قضية الاختبارات.
وترى كذلك تهيئة واستعداداً نفسياً، وكل هذه العوامل توطد في نفوس الطلاب أن يثقوا بأنفسهم، وألا يتهيبوا تلك الاختبارات، وأن يقووا عزائمهم، وأن يعلوا هممهم، وأن يوطنوا أنفسهم على أن يبذلوا الجهد، ويواصلوا المسير حتى يجنوا النتائج والثمار.
كلنا يدرك هذه الأجواء ويعرفها، فكيف والأمة في اختبارها الصعب، ومرحلتها المريرة التي تستهدف وجودها وإيمانها، والذي تعادي مناهجها وأخلاقها، والتي تريد اجتثاث جذورها وأصولها، فهل ترون الأسر تستعد لمثل هذا الاستعداد أم أننا نرى غير ذلك؟ إننا نرى أسراً مضيعة لمهمات التربية، وآباء مهملين لصناعة الأجيال، وأمهات متخليات عن صناعة صانعات الأجيال.
ثم نرى المجتمع كذلك من المجتمعات المنشغلة وراء لقمة العيش، أو الكدح في هذه الدنيا، المنشغلة بأمور عارضة واهتمامات دنيا، فتلك هي مواسم ومسابقات الرياضات، وتلك هي مهرجانات الفنون والأفلام والتمثيليات، وتلك هي وسائل الإعلام التي تصم الآذان وتدمي القلوب، وتحزن النفوس، بكل لهو رخيص وتفاهات مغرية، وسخافات مضللة عن مشكلات الأمة ومهامها.
فهل أمتنا تستعد للاختبارات العصيبة بمثل تلك الاهتمامات الهزيلة؟ إنها وقفات ومقارنات لا أحتاج فيها إلى كثير من التعليقات، ولكنها تحتاج منا جميعاً إلى كثير من التأملات والمراجعات والتصحيحات، ليس على المسار العام الذي دائماً ما نلقي عليه بالتبعات، بل على مسارنا الخاص، وعلى تكويننا النفسي والقلبي، وعلى أدائنا الأسري والتربوي، وعلى معايشتنا الحياتية والمادية، فضلاً عن طموحاتنا وآمالنا، فضلاً قبل ذلك كله عن إيماننا واعتقادنا ومبادئنا وأخلاقنا.
فكيف نخوض خضم هذه العولمة الجارفة التي يراد بها تغيير الثقافة والأخلاق والفكر ونحن لا نهيئ شيئاً في تلك المواجهة، ولا للاختبارات العصيبة الرهيبة؛ فهل هذا إنصاف، وهل هذا معقول؟! ونحن ندرك أن هذه الأمة هي الأمة التي اصطفاها الله واختارها لتؤدي أعظم دور، وتقوم بأسمى وأرقى وأعظم رسالة في هذا الوجود، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وفي حديث المصطفى ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة).
فالجد والاجتهاد صورة حية واقعية في اختبارات طلابنا، والوقت مستغرق في الاختبارات، والجهد مبذول فيها، والفكر منشغل بها، والإمكانات مسخرة لأجلها، وكل شيء في هذه الأيام منصب في هذا الهدف، فإن قلت: لماذا؟ قالوا: لأهميته، وإن قلت: لم هذه الجهود المضنية وسهر الليالي وإمحال الجسم وترك الراحة؟ قالوا: لأنها معمعة يوشك بعدها أن نخرج إلى النجاح والتقدم.
ونحن نريد نصراً مؤزراً، وعزاً مؤثلاً، ومجداً فاخراً، وأمتنا تشهد تاريخها، دون بذل جد ولا جهد ولا اجتهاد، دون أن تسد خللاً ودون أن تنفق الأموال، ودون أن تسهر الليالي، ودون أن تتضافر كل الجهود، وأن تجتمع كل الحشود؛ لكي تتجاوز المرحلة العصيبة، والفترة القادمة من تاريخ أمتنا، من المواجهات الصعبة التي تتحداها، وذلك أمر أيضاً نراه في غير مساره الصحيح في جملة من أحوال أمتنا.
فأين الأوقات المبذولة حتى في ميادين الحياة العملية؟ لقد صدرت بعض الدراسات التي تقيس مدى إنتاج الموظف والعامل في بلاد عربية وبلاد إسلامية، وبلاد غير إسلامية أو عربية، فظهر التفاوت العظيم، والبون الشاسع، وتبين أن أوقاتنا غير مبذولة حتى في تقوية أمورنا المادية، وأين نحن من بذل الأموال في الأبحاث العلمية والتقدم التقني؟ وأين نحن من بذل الجهود الفكرية في معالجة أوضاع أمتنا المختلة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وغير ذلك؟ أين نحن من هذا كله ونحن نرى الاجتماعات والمؤتمرات، ونرى الجهود والأوقات، ونرى غير ذلك يصرف فيما أشرت إليه من الجوانب التي ذكرناها، والحق جل وعلا يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، إنه ميدان العمل الذي يكون جزاؤه يوم القيامة.
إن من لا يقدم عملاً لا ينال ثمرة، إن من يريد النتائج وهو ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويرتاح ملء جنبيه، إنما هو حالم واهم لا يجني إلا ما يجنيه القابض على الهواء، وينبغي أن ندرك ذلك، قال الشاعر: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فكيف نريد أن نعود أمة رائدة قائدة كما هو الشأن الذي كان لنا، وكما هو الواجب المنوط بنا، دون أن نبذل شيئاً يكافئ ذلك؟! ألا نستحضر تاريخ أمتنا؟! ألا نستحضر سيرة نبينا ﷺ ؟! ألا نستحضر الأمة التي شرقت وغربت، وجاهدت، وبذلت الأنفس والأرواح، وعمرت الدنيا، وأسست الحضارة، وتفوقت في العلوم؟! أليس هذا هو ميدان الاختبار ونحن نرى أمتنا في مجمل أحوالها متخلفة في ميدان العلم، متأخرة في مجال التكنولوجيا، متراجعة في مجالات الفكر، دون جد ولا اجتهاد.
стр. 1089
أهمية شعور الأمة بالمرحلة التي تمر بها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ولاشك أيها الإخوة الأحبة! أننا بحاجة إلى أن نستشعر أن أمتنا كلها، وأننا جميعاً كأفراد وأسر ومجتمعات في مرحلة اختبار، وهو اختبار صعب، ونتائجه خطيرة، وإذا لم نستشعر ذلك فلن نتهيأ للاختبارات، ولن نجدَّ ولن نجتهد، ولن نذاكر، ولن نراجع، ولن نركز، ولن نصيب، ولن ننجح، ولن نتفوق.
فهل نشعر أننا في اختبار؟ راجعوا أنفسكم لتسألوا هذا
السؤال
هل نحن مستشعرون في ذواتنا وأفرادنا وأنفسنا أننا في اختبار صعب عناصره كثيرة: الثبات على الدين، والحفاظ على الهوية؟! إنه اختبار نتعرض له كل يوم عبر المداولات السياسية، والغزوات الفضائية الإعلامية، والمناقشات الثقافية الفكرية، نحن في اختبار ممحص للاستعلاء بالإيمان، والاعتزاز بالإسلام.
وقد رأينا من دعا إلى تبديل وتغيير وتراجع، وغير ذلك مما نسمعه ونقرؤه، فنحن في حاجة إلى اختبار عصيب في قوة الحق، وحق القوة، ونحن اليوم أصحاب حق، ولكننا ننخذل عن نصرته، وندعو إلى ترك هذه النصرة، وأصحاب القوة بلا حق يقلبون بقوتهم الحق باطلاً موهوماً مزعوماً، ثم نعترف به ونكرسه، وندعو إلى الحفاظ عليه وإلى مراعاته، إنها أمور عجيبة! واختبارات لبعض القوم مخفقة وراسبة.
стр. 1090
في الأمة رموز خير
ونحن في اختبار كبير في الانتصار على الضعف، وقهر العجز الذي يشيع في أجواء كثيرة لأمتنا، ومع ذلك أيها الإخوة الأحبة! نحن نعلم جميعاً في الاختبارات كلها أنه مهما وجد راسبون، ففيها ناجحون متفوقون، وأوائل مبرزون، وهم الذين يتصدرون تلك الصحف فيما تكتبه عن أسمائهم، وما تذكره من جهودهم، وما تسطره من مآثرهم، وما تبرزه من نتائجهم.
ونحن في هذه القضية رأينا الأوائل والسابقين، ورأينا المتفوقين والمتقدمين من الأبطال المقاومين الثابتين على الحق، الرافعين لراية الإسلام الذين عرفوا كل الدروس وراجعوها، وعرفوا الإخفاقات في تلك الهزائم المتوالية، وعرفوا تلك الحيل في تلك المفاوضات المتوالية، فكان بطل واحد منهم يتعرض لجريمة في محاولة اغتياله فتسمع الدنيا كلها به، وتتحدث عنه، وقلت في نفسي وحدثت غيري: من هذا الرجل؟ هل هو رئيس دولة حتى يأتي في صدر كل نشرات الأخبار بشرق الدنيا وغربها؟ هل هو صاحب ثقل سياسي أو وزن اقتصادي؟ ماذا يملك؟ وما قيمته؟ ولمَ كل هذه الأهمية؟ حتى يعرف التافهون والرخيصون كيف تكون القيمة؛ إن قيمته كانت بوقوفه شامخاً، ورفع رأسه عالياً يوم جثا الناس على الركب، وطأطئوا الرءوس إلى الأرض، إن قيمته في استمساكه واعتصامه بما لا يزول ولا يحول ولا يتبدل ولا يتغير من عقائد الإيمان والإسلام في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إن قيمته وعلوه وسموه كان في أنه استطاع هو وغيره من أصحابه أن يقولوا للإجابة الخاطئة في الاختبار الصعب: لا! يوم قال آخرون: نعم، وأخذوا تصحيحات من المدرسين غير المؤهلين؛ لينجحوا نجاحاً كاذباً، وليرسبوا في حقيقة الأمر رسوباً مريعاً.
следующие страницы →