Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
أخذ الحذر والاحتياط في جميع الأمور والأحوال
الوقفة الثالثة: التوقع والاحتياط: فالطلبة عندما يذاكرون يستعدون لكل شيء، ويتوقعون أن يأتي السؤال في أي باب من الأبواب، ويتوقعون أن تأتي الأسئلة في غاية الصعوبة، ولا يعيشون على أوهام وأحلام.
فلو أن أحدهم كان يذاكر درساً واحداً ويقول: ستأتي الأسئلة كلها فيه، ويقول: ستأتي الأسئلة كلها سهلة، ويقول: سيعطوننا الدرجات وننجح، فبماذا نصف هذا الطالب؟ سنقول: إنه طالب غبي خائب ومصيره إلى الرسوب.
ولكننا نجد بعض الأحوال في هذه القضية، فقد حصرت الدروس والاختبارات كلها في درس واحد، وفي سؤال واحد أعدت له إجابة واحدة لجميع الأسئلة، وهذا ما نراه في قضية فلسطين اليوم، وفي مشهدها السياسي المعلن العام.
إنهم يقولون: ما هي الحرب؟ ونحن نقول في تعريفها وجوابها: هي السلام، ويقولون: ما هي أدوات المقاومة؟ هل هي الأسلحة والطائرات؟ ويكون
الجواب
هي السلام، ويقولون: ما هي الوسيلة الناجعة لمواجهة تهديم البيوت وقتل الأطفال وتشريد الناس؟ فيكون
الجواب
هي السلام، ونظن أن النتيجة ستكون نجاحاً بامتياز، وهذا حال الطالب الخائب الذي ذكرته، ولا يحتاج الأمر إلى بيان.
ولو أننا نفقه من سيرة نبينا ﷺ مراجعة الدروس واستحضارها لوجدنا كيف تدرج ﵊ مع اليهود أنفسهم، فعندما كان غدرهم في أول الأمر في دائرة معينة، وفي اعتداء على امرأة مسلمة، كانت العقوبة والإجابة في حصار وإجلاء مع سلامة الأرواح والأنفس ونقل الأموال والثروات، فلما تكرر الأمر مرة أخرى كان الجواب مختلفاً، كان حصاراً وطرداً وعقاباً مع سلامة الأرواح والأنفس، دون نقل الأموال والثروات، فلما تكرر الأمر في بني قريظة وكانت الخيانة أعظم، كان الحكم الذي وكله النبي ﷺ إلى سعد بن معاذ، يوم أن حكم بأن يقتل الرجال، وأن تسبى النساء والذرية والأموال، فقال ﵊: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)، ولما دعاه النبي أن يحكم في اليهود بحسب طلبهم، وتعيينهم لـ سعد بن معاذ ظناً أنه يراعيهم، ويداهنهم، ويجاملهم؛ لعلاقات سابقة، ومصالح سالفة، فقالها سعد كلمات تدوي في سمع الزمان: (لقد آن لـ سعد ألا تأخذه في الله لومة لائم)، لقد أراد أن يذكر نفسه بأنه لابد أن يقول بالحق، وأن يحكم بالعدل، وأن يأتي بالجواب الصحيح للسؤال المباشر، وأن يجعل العقاب المناسب للفعل الشنيع، فحكم بحكمه الذي ثبته وأنفذه رسول الله ﷺ .
وكان النبي ﵊ وفياً بعهده، قائماً بواجبه وبواجب أمته، لكنه كان يمثل قولة عمر ﵁: (لست بالخب، ولا الخب يخدعني)، فقد أعطى الحقوق، وأوفى بالعهود، فلما وجد الخلل، ولما وجد الطعن في الظهر كانت الإجابات مناسبة، وكانت الأحوال ملائمة، وكانت الاستعدادات والتوقعات والاحتياطات والتحسبات موجودة.
وكذلك قال رسول الله ﷺ : (لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين)، فكيف بعشر مرات وعشرين مرة؟! أين ذهبت فطنة المؤمن؟! وأين ذهبت عزة المسلم؟! وأين غيرة صاحب الحق وحميته؟ كل ذلك يطوى فيما نشهده من المشهد العام.
стр. 1087
مراجعة الدروس الماضية لتصحيح الأخطاء
الوقفة الثانية: المراجعة والمذاكرة: فطلابنا اليوم يعودون إلى أول درس، وإلى بداية المنهج، ويمرون عليه صفحة صفحة، ويقرءونه درساً درساً، ويراجعونه وحدة وحدة من البداية إلى النهاية؛ لأن المنهج لا يكون إلا متكاملاً؛ ولأن المنهج لابد أن يُستوعب استيعاباً شاملاً، وفي كل ذلك يمرون على الأخطاء السابقة، ويراجعون الاختبارات السالفة، ويرون كيف مرت بهم تلك الدروس، وفاتهم فقه بعضها ومعرفة بعض أسرارها، وكيف مرت بهم تلك الاختبارات فأحسنوا في بعض الإجابات وأخفقوا في تحقيق بعض النتائج، وكل ذلك يدخرونه لكي يتهيئوا لهذا الاختبار النهائي الكبير! وهنا نسأل: هل أمتنا مراجعة لمنهجها من أوله إلى آخره؟ وهل لها في ذلك مذاكرة ومشاورة؟ وأهم من ذلك: هل تعي دروس الماضي؟ وهل تراجع الاختبارات وما كان فيها من نجاحات أو إخفاقات، أم أنها تمر على ذلك مرور الكرام؟ إنها ترسب في اختبار مدريد لتواصل الرسوب بعد ذلك في اختبار أوسلو، ولتواصل المسيرة المنحدرة في المستوى الهابط فيما يأتي بعد ذلك، في صورة تبين أن الإجمال لهذا الحال الذي يتصدر فيه من يتصدر في أمتنا يدل على أن لا مراجعة، وأن لا مذاكرة، ولا منهج يقود، ولا رؤية تسدد، ولا قواعد تضبط قيادتها المتصدرة لمهامها العظمى كما ينبغي أن يكون عليه الحال.
عجباً لهزيمة أمتنا في عام (١٩٨٤م) من قبل شراذم عصابات اليهود عليهم لعائن الله، وكان درس الفرقة، وكان درس المؤامرة، ثم تكرر درس النكبة في الخيانة العظمى والمؤامرة الكبرى في (١٩٦٧م)، ثم توالت الحيل وتواصلت الإخفاقات فيما بعد ذلك دون أن نعي دروس الكذب والمراوغة، ودروس الغدر والإجرام، ودروس المفاوضة والمناورة.
فأنت صاحب حق وصاحب دار، ثم يأتيك ضيف -إن اعتبرته ضيفاً- فيحل ولا يخرج، ثم يدعي أنه صاحب المنزل، ثم يطردك، ثم يفاوضك على أن يكون لك مكان خارج الدار، أو بعد ذلك يمن عليك أن يجعلك في فنائه، ولكنك تحت قوته وسطوته، ثم يقول لك بعد ذلك: كيف تطلب أكثر من هذا؟! ونحن نرى كيف دارت الأمور حتى أصبحت اليوم هذه القضية الإسلامية الإيمانية العقدية التي تمثل بؤرة المواجهة الحضارية بين الإسلام وأعدائه؛ أصبحت اليوم تقاس بالأشبار والأمتار، وتقاس بالطرقات والشوارع، بعد أن كانت قضية الإيمان والعقيدة قضية الحق الثابت، وقضية المبدأ الراسخ.
стр. 1088
وجوب التهيؤ والاستعداد لما تمر به الأمة من اختبارات ومصاعب
هنا وقفات سريعة ننظر فيها بين اختبارات طلابنا واختبارات أمتنا: الوقفة الأولى: التهيئة والاستعداد: في اختبارات الطلاب تهيئة أسرية يُعنى بها الآباء والأمهات، حيث يهيئون الأجواء، ويوفرون أسباب الراحة، ويقدمون الخدمات، ويخففون التبعات والمسئوليات على الأبناء والبنات، وإن سألتهم: ما لكم؟ قالوا: إنه موسم الاختبارات.
ونجد كذلك استعداداً اجتماعياً, والمجتمع كله يراعي ذلك، فلا ترى المناسبات ولا المباريات، ولا المشاركات المعتادة في سائر الأوقات، فإن سألت لماذا؟ قالوا: لأنه موسم الاختبارات.
وترى أيضاً تهيئة واستعداداً إعلامياً، فلا ترى كثيراً من البرامج واللهو والترفيه المعتاد، بل تجد الدروس والتذكير والندوات والمساءلات في قضية الاختبارات.
وترى كذلك تهيئة واستعداداً نفسياً، وكل هذه العوامل توطد في نفوس الطلاب أن يثقوا بأنفسهم، وألا يتهيبوا تلك الاختبارات، وأن يقووا عزائمهم، وأن يعلوا هممهم، وأن يوطنوا أنفسهم على أن يبذلوا الجهد، ويواصلوا المسير حتى يجنوا النتائج والثمار.
كلنا يدرك هذه الأجواء ويعرفها، فكيف والأمة في اختبارها الصعب، ومرحلتها المريرة التي تستهدف وجودها وإيمانها، والذي تعادي مناهجها وأخلاقها، والتي تريد اجتثاث جذورها وأصولها، فهل ترون الأسر تستعد لمثل هذا الاستعداد أم أننا نرى غير ذلك؟ إننا نرى أسراً مضيعة لمهمات التربية، وآباء مهملين لصناعة الأجيال، وأمهات متخليات عن صناعة صانعات الأجيال.
ثم نرى المجتمع كذلك من المجتمعات المنشغلة وراء لقمة العيش، أو الكدح في هذه الدنيا، المنشغلة بأمور عارضة واهتمامات دنيا، فتلك هي مواسم ومسابقات الرياضات، وتلك هي مهرجانات الفنون والأفلام والتمثيليات، وتلك هي وسائل الإعلام التي تصم الآذان وتدمي القلوب، وتحزن النفوس، بكل لهو رخيص وتفاهات مغرية، وسخافات مضللة عن مشكلات الأمة ومهامها.
فهل أمتنا تستعد للاختبارات العصيبة بمثل تلك الاهتمامات الهزيلة؟ إنها وقفات ومقارنات لا أحتاج فيها إلى كثير من التعليقات، ولكنها تحتاج منا جميعاً إلى كثير من التأملات والمراجعات والتصحيحات، ليس على المسار العام الذي دائماً ما نلقي عليه بالتبعات، بل على مسارنا الخاص، وعلى تكويننا النفسي والقلبي، وعلى أدائنا الأسري والتربوي، وعلى معايشتنا الحياتية والمادية، فضلاً عن طموحاتنا وآمالنا، فضلاً قبل ذلك كله عن إيماننا واعتقادنا ومبادئنا وأخلاقنا.
فكيف نخوض خضم هذه العولمة الجارفة التي يراد بها تغيير الثقافة والأخلاق والفكر ونحن لا نهيئ شيئاً في تلك المواجهة، ولا للاختبارات العصيبة الرهيبة؛ فهل هذا إنصاف، وهل هذا معقول؟! ونحن ندرك أن هذه الأمة هي الأمة التي اصطفاها الله واختارها لتؤدي أعظم دور، وتقوم بأسمى وأرقى وأعظم رسالة في هذا الوجود، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وفي حديث المصطفى ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة).
فالجد والاجتهاد صورة حية واقعية في اختبارات طلابنا، والوقت مستغرق في الاختبارات، والجهد مبذول فيها، والفكر منشغل بها، والإمكانات مسخرة لأجلها، وكل شيء في هذه الأيام منصب في هذا الهدف، فإن قلت: لماذا؟ قالوا: لأهميته، وإن قلت: لم هذه الجهود المضنية وسهر الليالي وإمحال الجسم وترك الراحة؟ قالوا: لأنها معمعة يوشك بعدها أن نخرج إلى النجاح والتقدم.
ونحن نريد نصراً مؤزراً، وعزاً مؤثلاً، ومجداً فاخراً، وأمتنا تشهد تاريخها، دون بذل جد ولا جهد ولا اجتهاد، دون أن تسد خللاً ودون أن تنفق الأموال، ودون أن تسهر الليالي، ودون أن تتضافر كل الجهود، وأن تجتمع كل الحشود؛ لكي تتجاوز المرحلة العصيبة، والفترة القادمة من تاريخ أمتنا، من المواجهات الصعبة التي تتحداها، وذلك أمر أيضاً نراه في غير مساره الصحيح في جملة من أحوال أمتنا.
فأين الأوقات المبذولة حتى في ميادين الحياة العملية؟ لقد صدرت بعض الدراسات التي تقيس مدى إنتاج الموظف والعامل في بلاد عربية وبلاد إسلامية، وبلاد غير إسلامية أو عربية، فظهر التفاوت العظيم، والبون الشاسع، وتبين أن أوقاتنا غير مبذولة حتى في تقوية أمورنا المادية، وأين نحن من بذل الأموال في الأبحاث العلمية والتقدم التقني؟ وأين نحن من بذل الجهود الفكرية في معالجة أوضاع أمتنا المختلة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وغير ذلك؟ أين نحن من هذا كله ونحن نرى الاجتماعات والمؤتمرات، ونرى الجهود والأوقات، ونرى غير ذلك يصرف فيما أشرت إليه من الجوانب التي ذكرناها، والحق جل وعلا يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، إنه ميدان العمل الذي يكون جزاؤه يوم القيامة.
إن من لا يقدم عملاً لا ينال ثمرة، إن من يريد النتائج وهو ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويرتاح ملء جنبيه، إنما هو حالم واهم لا يجني إلا ما يجنيه القابض على الهواء، وينبغي أن ندرك ذلك، قال الشاعر: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فكيف نريد أن نعود أمة رائدة قائدة كما هو الشأن الذي كان لنا، وكما هو الواجب المنوط بنا، دون أن نبذل شيئاً يكافئ ذلك؟! ألا نستحضر تاريخ أمتنا؟! ألا نستحضر سيرة نبينا ﷺ ؟! ألا نستحضر الأمة التي شرقت وغربت، وجاهدت، وبذلت الأنفس والأرواح، وعمرت الدنيا، وأسست الحضارة، وتفوقت في العلوم؟! أليس هذا هو ميدان الاختبار ونحن نرى أمتنا في مجمل أحوالها متخلفة في ميدان العلم، متأخرة في مجال التكنولوجيا، متراجعة في مجالات الفكر، دون جد ولا اجتهاد.
стр. 1089
أهمية شعور الأمة بالمرحلة التي تمر بها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ولاشك أيها الإخوة الأحبة! أننا بحاجة إلى أن نستشعر أن أمتنا كلها، وأننا جميعاً كأفراد وأسر ومجتمعات في مرحلة اختبار، وهو اختبار صعب، ونتائجه خطيرة، وإذا لم نستشعر ذلك فلن نتهيأ للاختبارات، ولن نجدَّ ولن نجتهد، ولن نذاكر، ولن نراجع، ولن نركز، ولن نصيب، ولن ننجح، ولن نتفوق.
فهل نشعر أننا في اختبار؟ راجعوا أنفسكم لتسألوا هذا
السؤال
هل نحن مستشعرون في ذواتنا وأفرادنا وأنفسنا أننا في اختبار صعب عناصره كثيرة: الثبات على الدين، والحفاظ على الهوية؟! إنه اختبار نتعرض له كل يوم عبر المداولات السياسية، والغزوات الفضائية الإعلامية، والمناقشات الثقافية الفكرية، نحن في اختبار ممحص للاستعلاء بالإيمان، والاعتزاز بالإسلام.
وقد رأينا من دعا إلى تبديل وتغيير وتراجع، وغير ذلك مما نسمعه ونقرؤه، فنحن في حاجة إلى اختبار عصيب في قوة الحق، وحق القوة، ونحن اليوم أصحاب حق، ولكننا ننخذل عن نصرته، وندعو إلى ترك هذه النصرة، وأصحاب القوة بلا حق يقلبون بقوتهم الحق باطلاً موهوماً مزعوماً، ثم نعترف به ونكرسه، وندعو إلى الحفاظ عليه وإلى مراعاته، إنها أمور عجيبة! واختبارات لبعض القوم مخفقة وراسبة.
стр. 1090
في الأمة رموز خير
ونحن في اختبار كبير في الانتصار على الضعف، وقهر العجز الذي يشيع في أجواء كثيرة لأمتنا، ومع ذلك أيها الإخوة الأحبة! نحن نعلم جميعاً في الاختبارات كلها أنه مهما وجد راسبون، ففيها ناجحون متفوقون، وأوائل مبرزون، وهم الذين يتصدرون تلك الصحف فيما تكتبه عن أسمائهم، وما تذكره من جهودهم، وما تسطره من مآثرهم، وما تبرزه من نتائجهم.
ونحن في هذه القضية رأينا الأوائل والسابقين، ورأينا المتفوقين والمتقدمين من الأبطال المقاومين الثابتين على الحق، الرافعين لراية الإسلام الذين عرفوا كل الدروس وراجعوها، وعرفوا الإخفاقات في تلك الهزائم المتوالية، وعرفوا تلك الحيل في تلك المفاوضات المتوالية، فكان بطل واحد منهم يتعرض لجريمة في محاولة اغتياله فتسمع الدنيا كلها به، وتتحدث عنه، وقلت في نفسي وحدثت غيري: من هذا الرجل؟ هل هو رئيس دولة حتى يأتي في صدر كل نشرات الأخبار بشرق الدنيا وغربها؟ هل هو صاحب ثقل سياسي أو وزن اقتصادي؟ ماذا يملك؟ وما قيمته؟ ولمَ كل هذه الأهمية؟ حتى يعرف التافهون والرخيصون كيف تكون القيمة؛ إن قيمته كانت بوقوفه شامخاً، ورفع رأسه عالياً يوم جثا الناس على الركب، وطأطئوا الرءوس إلى الأرض، إن قيمته في استمساكه واعتصامه بما لا يزول ولا يحول ولا يتبدل ولا يتغير من عقائد الإيمان والإسلام في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إن قيمته وعلوه وسموه كان في أنه استطاع هو وغيره من أصحابه أن يقولوا للإجابة الخاطئة في الاختبار الصعب: لا! يوم قال آخرون: نعم، وأخذوا تصحيحات من المدرسين غير المؤهلين؛ لينجحوا نجاحاً كاذباً، وليرسبوا في حقيقة الأمر رسوباً مريعاً.
стр. 1091
طلب النجاح في جميع الأمور
إنها قضية مهمة، نحن اليوم في اختيار صعب، وكل منا يعود إليه الأمر فإن شاء أن يكون من الراسبين أو من الناجحين، أو إذا أراد أن يكون من المتفوقين، وهذا هو حال طلابنا اليوم، إنما يفكرون في هذه الدوائر، وهذا حال أمتنا في اختباراتها الصعبة، وحال كل واحد منا فيما يوجه له من اختبار، فبعضنا يرضى بالدون، ويسكن بالركون والخنوع، ويظهر أنه لا يعنى بهذا الأمر، وكيف يكون حينئذ طالباً مجداً مجتهداً راغباً في النجاح؟ إنها مخاطبة لابد منها؛ لكي نسعى إلى القمة ونطلب العزة بطريقها الصحيح، ومنهاجها القويم، خلف الذين ساروا فيها من الرسل والأنبياء، والدعاة والمخلصين، والمجاهدين والمضحين، والأشراف الأحرار الأبرار، لا خلف يهود أو نصارى، أو دجاجلة كاذبين، أو خونة منافقين، فإن السائر وراء هذا الطريق لا يفضي به إلا إلى خسران الدنيا وعذاب الآخرة، نسأل الله السلامة.
إلى أولئك النفر المتفوقين ننادي: يا نخبة الأفراد إني ناصح والنصح يقبله اللبيب العاقل المجد مهما عز ظل وارف ونجيه مهما تكبد واصل وصباحه مهما تأخر مشرق ونتاجه مهما تمنع حاصل فاستمسكوا بالصبر إن سبيلكم صعب وليل سراكم متواصل لا مثلكم عن نيل أسباب العلى متخاذل في سيره متكاسل أو تصرفن نفوسكم عن جنة دنيا يتوق لها ويشرف خامل! بل وطنوا هذه النفوس على الندى وتناولوها بالجميل وواصلوا صونوا حقوقاً للإله وحرمة لكتابه ورسوله وتخاللوا لا يرتقي درب المكارم تافه أو يبلغ العلياء يوماً جاهل لكنه عزم يبين ونية تعلي وحال يستبين وصاقل إن كان في الدنيا نعيم يرتجى فنعيمها الغرر الكرام أوائل لا نرضى إلا أن نكون أوائل، ولا أولية إلا باستمساك بديننا ونهج ربنا، وأن نعلم حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة، وما الذي يضحى به لأجل الآخر، فهل نضحي بآخرتنا وديننا لأجل دنيانا، وحفاظ أرواحنا وسلامنا وأمننا، كما يدعون ويزعمون، أم أننا نؤثر أخرانا، ونقدم لأجلها مهجنا وأرواحنا، ونستحضر الصفقة الرابحة التي أخبر الحق بها، والتي ذكرها في آيات القرآن الكريم ترغيباً وبياناً لهذه الحقيقة المهمة التي لابد لنا أن ندركها، وأن نعيها، وأن نتشبث بها دائماً وأبداً في كل أحوالنا، ونتذكر كذلك قول رسولنا ﷺ يوم تخلى صهيب الرومي عن دنياه وعن ثروته، وأقبل إلى دينه وإلى أمته، فقال له النبي ﷺ : (ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع أبا يحيى!)، ذلكم هو الربح، وتلكم هي النجاة، وذلكم هو التفوق، كما قال الشاعر: ألا بعنا الإله أنفساً تزكو إذا الله اصطفاها ربح البيع جناناً وعلاً في هذه الأرض وجاها ربح البيع فهل من بائع فالضلال اليوم قد صال وتاها والشعارات وأصنام الهوى ويد الشحناء لا تلقي عصاها والجراحات وأشباح الأسى في قفار التيه تختال دُماها أين منا الأمس إذ كنا به غرة الدنيا ومشكاة ضياها موثقاً حقاً وفتحاً ناجزاً يملأ الأرض عدلاً لا يضاها وجهاداً يحمل الناس إلى قمم الإيمان يعليهم سناها وبطولات تراءت قبساً ساطعاً كالشمس في أوج ضحاها نسأل الله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في جملة المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم أفض علينا الخيرات، وأنزل علينا البركات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وكفر عنا السيئات، برحمتك يا رب الأرض والسماوات! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم رحمتك ولطفك وعونك وعزك وتأييدك لإخواننا المسلمين، المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وأظهر عزهم يا رب العالمين، اللهم اجعل ما قضيته عليهم زيادة لهم في النور واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت خطواتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، ووحد كملتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1092
المرأة بين الحرية والعبودية
لقد أنصف الإسلام المرأة، وجعل لها حق الحرية والاختيار في أشياء كثيرة؛ بخلاف ما يزعم الغرب من أن المرأة في الإسلام مظلومة مستعبدة، وأي استعباد أعظم مما يجري في كل البلاد المتبجحة بإعطاء أهل الحقوق حقهم؟! فالمرأة عندهم مهانة مستضعفة، وليس لها مفهوم إلا أنها محل تفريغ الشهوة كالبهائم وأشد، أما في الإسلام فإن المرأة له مفهوم آخر له معنى جميل، وذوق رفيع في الحياة الإيمانية السعيدة.
стр. 1093
العلاقة بين الرجل والمرأة في الحياة الأسرية
الحمد لله المتفرد بعزته، المتعالي بعظمته، اللطيف برحمته، القوي بقدرته، خضعت له الرقاب، وذلت له الأعناق، وسجدت له الجباه، وخافت منه القلوب، وجارت إليه النفوس، أحمده هو أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى على سائر آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته.
وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا موصول في موضوع المرأة بين الحرية والعبودية، وبين الاستقلالية والتبعية، وحديثنا يختص ببعض ما يثار من الشبهات، وما يفهم خطأً لكثرة الجهالات، وأمر القوامة والطاعة من أهم الأمور التي تستقيم بها الحياة الأسرية الزوجية، وتنتظم بها الحياة الاجتماعية، وهو في الوقت نفسه يحقق العدالة الربانية، والمصالح الدنيوية التي جاء بها تشريع الله جل وعلا، وطبقه وبلغه محمد ﷺ .
الطاعة والقوامة للزوج على زوجته، وللرجل على المرأة أمر من أمور الشرع، تتجلى فيه حكم، وتظهر فيه منافع، وتستخلص منه دروس وعبر، ومع ذلك فإن أصحاب قصر النظر، أو خلل الفكر، أو زيغ المعتقد، أو فتنة الهوى يرون في ذلك من وجهة نظرهم القاصر إنقاصاً لحق المرأة، وجعلها تابعة للرجل بلا استقلالية، أو يرون في ذلك صورة من صور العبودية مستشهدين بذلك القول الرباني زعموا وكذبوا في الوقت نفسه، قوله جل وعلا: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فقالوا: هذه درجة علو واستعلاء، وتسلط وتحكم.
وكذلك ما ورد في قول الله جل وعلا في شأن النساء اللائي ينشزن على أزواجهن: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، وقالوا: هذا ضرب من الرجل للمرأة كأنما هي أمة أو عبدة أو كأنما هي حيوان أو غير ذلك مما يقال.
ونحن نقف هنا وقفات عديدة نظهر فيها جهل أولئك أو تجاهل بعضهم؛ لأنهم ذكروا شقاً ونسوا غيره من الأحكام والتشريعات، ثم لم يصدقوا فيما ذكروه، بل لبسوا وأظهروا شيئاً وأخفوا أشياء أخرى.
نريد أن نقف على حقيقتين اثنتين مهمتين: الأولى: ما هي حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة في شأن الزواج والحياة الأسرية؟ الثانية: في شأن الرجل مع المرأة بإطلاق.
стр. 1094
المرأة طائعة مطاعة
إن طاعة المرأة لزوجها أمر مطلوب، لكن لما نظهر هذا الشق ونخفي آخر، استمع معي إلى حديث المصطفى ﷺ الذي رواه الحاكم والبزار بسند حسن عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل: (أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ فقال: زوجها، ثم سئل: أي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ فقال: أمه)، فالمرأة هنا تطيع وهنا تطاع، فلم نغفل هذا الجانب الذي فيه إعزاز وإكرام للمرأة؟! وكذلك الجانب الأول سيظهر أثره وبيانه، لكن النبي ﷺ يذكر في هذا الحديث أن أعظم حق على الرجل هو حق أمه، براً بها وطاعة لها، وحرصاً على رضاها.
والنبي ﷺ جاءه الرجل يسأله: (يا رسول الله! أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)، فأين أدعياء حقوق المرأة وحريتها من هذه المنزلة الرفيعة العالية؟ وما من أحد من الرجال إلا وله أم مهما كبر سنه، أو علا قدره، أو زاد علمه، أو كثر ماله، فإنه ابن لها، عليه برها، والجنة تحت أقدامها، وطريق رضوان الله في طاعتها، فأي إعزاز وأي إكرام لما ننظر لطاعة المرأة لزوجها ولا ننظر لطاعة الرجل لأمه؟
стр. 1095
وجوب معاشرة النساء بالمعروف
أمر آخر: وهو أن قضية الضرب أو الولاية مسبوقة بتشريعات ربانية حكيمة بالغة في تقدير المرأة، معطية للمرأة أعظم الحقوق، وأكثرها طمأنينة لقلبها، وحفظاً لحقها، وحماية لعرضها، وإعلاءً لمنزلتها، يقول الحق : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، والآية أمر رباني قرآني بصيغة الأمر الجازم الذي لا يحتمل تأويلاً، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فإن الله جل وعلا بالتشريع الإسلامي والآيات القرآنية أنزل هذه الأوامر الربانية التي تفرض وتلزم الرجال أن يحسنوا عشرة النساء.
وقد ذكر القرطبي في تفسيره أن الآية مطلقة، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، أي: أيها الرجال عاشروا النساء بإطلاق، وإن كان يغلب على الآية تخصيصها بالأزواج في السياق؛ لكنها تشمل عشرة الأم وإحسان عشرتها بالبر والطاعة، وعشرة البنت وإحسان عشرتها بالعطف واللطف والرحمة والرعاية والتربية، وإحسان عشرة الزوجة، وذلك كما ذكر القرطبي في تفسيره: بتوفية حقها من مهرها والنفقة، وأن لا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً، ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها، والعشرة: هي المخالطة والممازحة، فأمر الله جل وعلا بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن ليكون حسن الصلة فيما بينهم وصحبتهم على الكمال.
وقال بعضهم في المعاشرة بالمعروف -أي: في تفسيرها-: أن يتصنع لها كما يحب أن تتصنع له، أي: أن يتجمل لها ويريها منه ما يرغبها فيه كما يحب أن يرى منها ما يرغبه فيها.
ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]: طيبوا أقوالكم لهن، وأحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨].
ثم قال: وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسعهم النفقة، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة ﵂ فيسبقها وتسبقه، وكان يجلس مع سائر نسائه بعد صلاة العشاء ويتعشى، ثم ينصرف إلى بيت التي هي ليلتها، وهكذا كان رسول الله ﷺ أين هذا التشريع المحكم الذي فيه إعزاز المرأة، وحسن الصلة بها، وتقديم حقها، والتلطف معها، واللين معها، من ذلك الجانب الذي يذكرونه بمعزل عن هذا كأنما يذكرون شقاً وينسون شقاً؟! كما قال قائلهم: ما قال ربك ويل للألى سكروا بل قال ربك ويل للمصلينا فقد ذكر ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] ولم يتم الآية.
فالذي شرع القوامة شرع قبل ذلك أمراً من الله جل وعلا للرجال بأن يحسنوا معاشرة النساء، وأن يحافظوا على حقوقهن.
стр. 1096
مسألة الضرب ومراحل تأديب المرأة
ثم ننتقل إلى الشق الآخر وهو أمر القوامة، وما قد يكون من حق الزوج على زوجته، وخاصة موضوع الضرب الذي يذكرونه.
أولاً: الآية القرآنية التي ورد فيها هذا الحكم وردت فيها قبل ذلك مراحل ومراتب، يقول الحق جل وعلا: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤] وهنا عدة أمور ينبغي أن نتنبه لها: أولاً: أن هذا الحكم لا يكون إلا بسبب من الزوجة: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، فإن عقت زوجها، أو نفرت منه، أو عصت أمره، أو نكدت عيشه، أو أساءت تربية أبنائه، أو فرطت في حفظ ماله، فالأصل أنه لا شيء عليها إلا إن أساءت ابتداءً، وهذا ما ستوضحه أحاديث رسول الله ﷺ ، فليس الأمر في هذا التوجيه سواء كان بالضرب أو الهجر لهوىً في نفس الرجل أو تحكم أو تسلط منه، وإنما بما قد يقع من خلاف من المرأة فيما أمرها الله به في حق زوجها.
ثانياً: أن هناك مراحل سابقة: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، قال الشافعي: وهو قوله لها: اتقي الله فإنه لا يحل لك ونحو ذلك من الوعظ، فإذا انزجرت به لم يجد أن يتجاوزه إلى غيره، فإن لم يجز ذلك نفعاً فإنه يهجرها في مضجعها، والحديث يقول: (ولا تهجروهن إلا في البيت)، لا يفعل كما يفعل بعض الناس أن يترك لها البيت كما يقولون، أو يشاهدون في التمثيليات، أنه يترك لها البيت وما فيه ويهرب أو يخرج، فليس هذا هو المقصود بهذه الآية، ثم إن لم يجد هذا ولا هذا فلنعلم أن طبائع النفوس تختلف، فامرأة لم تعرف حق زوجها، ولم تقدر قدره، ولم تذكر خيره، ولم تعترف بفضله، ثم عصت أمره، وأعرضت عن وعظه، ثم لم تأبه بهجره، فإن ضربها في مثل هذا الحال فله مشروعية فطرية منطقية عقلية وهي كذلك شرعية.
ثالثاً: هناك مواصفات محددة للضرب، فليس الضرب مصارعة حرة، ولا ملاكمة قاتلة كما قد يفعل بعض الرجال الذين ينسون شرع الله، ولا يتذكرون سيرة رسول الله ﷺ ، الأمر ليس مطلقاً على غاربه، فإن شرع الله محكم، وإن شرع الله قد تضمن كل معاني الإنسانية، ومعاني حسن العشرة الأسرية حتى يحفظ مسيرة المجتمع كله.
يقول الرازي في تفسيره: الذي يدل على تخفيف الضرب الابتداء بالوعظ، ثم الترقي منه للهجر في المضاجع، ثم الترقي منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق.
ثم ما هو هذا الضرب؟ ورد في حديث النبي ﷺ الذي يرويه عمرو بن الأحوص في السنن: أن النبي ﷺ لما سئل عن حق الزوجة على زوجها؟ قال: (أن يطعمها مما يطعم، وأن يكسوها مما يكتسي، وأن يؤدبها، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت).
وورد عن ابن عباس في تفسير هذا الضرب غير المبرح الذي ورد تصريحاً في حديث رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: (الضرب بالسواك ونحوه)، فهل المقصود بالضرب بالسواك هو ذلك التعذيب والإيلام، أو التسلط والتحكم؟ إنه معنى تأديبي، إنه معنىً توجيهي، إنه معنىً فيه إشارة إلى أن الأمر قد بلغ حداً تجاوزت فيه المرأة ما ينبغي أن تكون عليه.
وورد أيضاً في بعض التفاسير عن هذا الضرب أنه الذي لا يكسر عظماً، ولا يشوه جارحة كاللكزة ونحوها، وكالضربة البسيطة التي قد تضربها لصديقك وأنت ممازح له.
بل قد ورد في التفسير عن بعضهم: أن يضربها بمنديل ملفوف، معنىً من المعاني وليس ضرباً من الضرب المعروف الذي سيأتي ذكر بعضه.
بل قد ورد في صحيح الإمام البخاري حديث عن رسول الله ﷺ فيه معنىً عظيم، ولفتة من رسول الله ﷺ إلى أولئك الذين ينسون أنفسهم، وينسون حق أزواجهم، وينسون حسن العشرة، وينسون ما ينبغي أن تبنى عليه الأسرة، يقول ﵊: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم).
قال ابن حجر في تفسيره: في الحديث استبعاد الجمع بين الأمرين، كيف يضرب ثم يعاشر؟ فإن أراد هذا فليمنع هذا، فإن النفرة تقع في قلب المرأة من ذلك التسلط أو التجبر وليس هو من دين الله في شيء.
فهذا رسولنا ﷺ تعضيداً لما جاء في التشريع القرآني: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، فانظر إلى هذا الحديث العظيم كيف جعل خيريتك في المجتمع المسلم مرتبطة بخيريتك لأهلك، وإحسانك لزوجك وأبنائك وبناتك، إن لم يكن لك خير في أولئك فأي خير يرجى منك لغيره؟! وفي حديث عمرو بن الأحوص قال النبي ﷺ : (واضربوهن ضرباً غير مبرح)، وهذا لفت نظر وتنبيه منه ﵊ في هذا الشأن وبيانه.
وانظر إلى تطبيق عملي وقع في سيرة النبي ﷺ ، روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي في سننهما، وصححه الحاكم وابن حبان أن النبي ﷺ قال: (لا تضربوا إماء الله، قال: فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ عمر الذي كان يخفق الرجال بالدرة- فقال: يا رسول الله! ذئر النساء على الرجال) -أي: نشزن لما أمن العقوبة أو كما يقال: سحبت الصلاحيات من الرجل أو الزوج- (فأذن النبي ﷺ بضربهن) أي: بنصف التشريع الذي ذكرناه في مرتبته وقدره وحده (فطاف بأبيات رسول الله ﷺ نساء يشكين أزواجهن) وهذا يدلنا على انفتاح المجتمع المسلم، وكرامة المرأة، جاءت تشكو مما قد يكون وقع عليها من ظلم، فقال رسول الله ﷺ : (لقد طاف بآل رسول الله سبعون امرأة، كلهن يشكين أزواجهن ثم قال: ولا تجدون أولئك خياركم)، هؤلاء الذين يضربون أزواجهم ليسوا من خيار الناس ولا من كرمائهم، أي: إذا تجاوزوا الحد المشروع.
أي كرامة، وأي شخصية، وأي مروءة عند هذا الرجل الذي يضرب زوجته ضرباً مبرحاً لا يتقي فيه وجهاً، ولا يخشى فيه أذىً أو جرحاً، فهذا لا شك أنه قد خرج عن حد المروءة المتعارف عليها بين الناس، الرجل في الجاهلية القديمة كان ربما يعف عن مثل هذا ويترفع عنه، ويقول شاعر العرب في ذلك: سمعت بأقوام يضربون نساءهم ألا شلت يميني حين أضرب زينب الرجل الشهم لا يرى ضرب المرأة إلا لوناً من ألوان الدناءة؛ لأن المرأة بطبعها وضعفها وقدرته عليها ينبغي أن لا يدفعه ذلك إلى مثل هذا.
إذاً: الأمر بسبب خلاف أو تقصير أو مخالفة من الزوجة، ثم قبله مراحل سابقة، ثم هو محدود بمواصفات معينة ليس مطلقاً لمن شاء أن يفعل كما يشاء.
وأخيراً: فإن له نهاية ملزمة، وله حد يتوقف عنده، وهذا الحد جاء في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٣٤]، أي: زال السبب الذي كان سبب العقوبة: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤].
وتوقف أهل التفسير عند السر في ذكر اسم (العلي والكبير) من أسماء الله في هذا الموضع بالذات، رغم قلة تكرر تلازم الاثنين في خواتيم الآيات، فقال القرطبي ﵀: في هذا إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي: إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله، فيده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعلي أحد على امرأته فالله له بالمرصاد فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلو والكبر، وهذا أعظم إنصاف، وأعظم حرية، وأعظم حق يعطى للمرأة، فإن الله جل وعلا جعل مقام العلو والكبرياء الذي له تذكيراً وتنبيهاً وتهديداً وزجراً للأزواج أن لا يتجاوزوا الحد، فإن الله أعلى وأكبر منه.
وزاد الرازي على هذا الوجه وجوهاً أخرى فقال في تفسيره في سر هذا الختم للآية القرآنية: إن النساء عندهن ضعف وعجز عن الانتصاف، فلئن عجزن عنه فإن الله العلي الكبير ينتصف لهن ممن بغى عليهن.
وقال أيضاً: إن الله جل وعلا مع علوه وكبريائه لا يكلفكم أيها الناس إلا ما تطيقون، فكذلك أيها الرجال إن كان لكم علو أو تكبر أو قوة فلا تكلفوا النساء إلا ما يطقن، وكذلك الله جل وعلا مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، فلا تأخذوا النساء إذا رجعن إلى الطاعة إلى غير ذلك من الأسرار الكثيرة التي ذكرت في تفسير هذه الآية، وتنبيه المسلمين إلى الحد الذي ينبغي أن يعرفوه وأن ينتهوا إليه، ولذلك ورد حديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (استوصوا بالنساء خيراً، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، فهذا كله تذكير وتنبيه للمسلم ووضع لهذا التشريع في مكانه الصحيح، وفي موقعه الذي ينبغي أن يعرفه المسلم.
وقال الإمام ابن حجر في شرحه لبعض هذه الأحاديث: ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل، يعني: إن كان يكفي التهديد بأني سأفعل وأفعل فتخاف وترتدع وتستقيم فيكفي هذا التهديد عن الفعل، قال: لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن العشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله .
وفي حديث عائشة الذي يرويه النسائي في سننه قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ امرأة ولا خادماً قط، ولا ضرب بيده شيئاً إلا في سبيل الله، أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله).
إذاً: لو تأملنا هذا لوجدنا أن هذه الطاعة للزوج من المرأة في مصلحتها، وهي كذلك في مقابل أمر آخر مهم، وهو
стр. 1097
وقفات مع حال الزوجة الغربية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى حسن معاشرة الأزواج، والقيام بحقهن، وإعزازهن، وإكرامهن؛ لأن في ذلك أثراً في تربية الأبناء من بعد، وأقف وقفة مع قليل من بعض صور الحضارة الغربية المظلمة في هذا الشأن الذي يطعنون فيه على الإسلام، أو يدعون فيه وجود النقص في تشريعات الإسلام.
وقفات مع حال الزوجة وقضية الضرب أو التسلط من الرجال على النساء.
بحث أعد في جامعة كاليفورنيا الجنوبية في أمريكا في أوساط الطلبة الذين يمثلون النخبة المثقفة الجامعية، تقول هذه الدراسة: إن (٧٩%) من الرجال يضربون النساء وخاصة الزوجات منهن.
وفي دراسة أخرى فحصت ألفاً وثلاثمائة وستين سجلاً من سجلات النساء في المستشفيات قال صاحب الدراسة في أمريكا: إن ضرب النساء ربما كان أكثر الأسباب شيوعاً للجروح التي تصاب بها النساء.
أما إحدى الباحثات واسمها آن فلت كرفت تقول: إن ضرب النساء هو إحدى حقائق المجتمع الأمريكي، ومشكلة اجتماعية واسعة الانتشار.
ومن ثم وجدت عندهم المنظمات لصد العنف عن المرأة، ونحن لا نحتاج إلى هذا؛ لأنه ليس عندنا مثلما عندهم.
وهناك منظمة اسمها: منظمة الائتلاف الوطني ضد العنف المنزلي، ومقرها واشنطن عاصمة أمريكا، تقول المنسقة في هذه المنظمة: الرجال يضربون نساءهم في سائر أنحاء الولايات المتحدة؛ مما يؤدي إلى دخول العشرات من الآلاف منهن إلى المستشفيات، وقارنوا مع ضرب السواك والمنديل الملفوف والتهديد الذي ذكرناه في تشريع الإسلام.
وتقول عندما سئلت عن حجم هذه الضربات وتأثيراتها: إنها تتراوح ما بين اللكمات حول العينين، والكسور، والحروق، والجروح، والطعن بالسكاكين، وجروح الطلقات النارية، وضربات أخرى بالكراسي والسكاكين والقضبان المحماة.
هذه هي المرأة في حضارة الغرب اليوم! وهذا هو الرجل المتحضر الأنيق الذي يلبس من الثياب ويأتي من الكلمات ما يتأثر به بعض أبناء المسلمين.
ثم تقول في تقديراتها الإحصائية من خلال منظمتها الائتلافية الوطنية ضد العنف المنزلي: إننا نقدر عدد النساء اللائي يضربن في أمريكا كل عام بستة ملايين امرأة، وقد عقد في امستردام ندوة شارك فيها ممثلون من إحدى عشرة دولة في أوروبا وأمريكا عنوانها: إساءة معاملة المرأة في العالم أجمع.
ثم في دول أوروبا، وليس الحال ببعيد عن هذا، بل هو مماثل وأكثر في بعض الأحوال، فهذه فرنسا تشكو من هذه الظاهرة، وتعطي إحصاءاتها التي تصدر عن مراكزها ومراكز بحوث دراساتها تقول: إن هناك مليوني امرأة يضربن في العام الواحد.
وتقول أمينة سر الدولة الفرنسية لحقوق المرأة التي تعتبر بمثابة وزارة لرعاية حقوق المرأة: حتى الحيوانات تعامل أحياناً أحسن من النساء، فلو أن رجلاً ضرب كلباً في الشارع فسيتقدم شخص ما بشكوى إلى جمعيات الرفق بالحيوان، ولكن إذا ضرب رجل زوجته فلن يتحرك أحد.
وتأتي هناك إحصاءات، وأرقام أخرى، وأمور كثيرة فيها صور من هذا الاضطراب والاختلال الذي يقع في غياب التشريع الإسلامي، وفي غياب الأمر بحسن العشرة، وفي غياب الأمر ببر الأم، وفي غياب الأمر بحسن الصلة مع الزوجة إلى غير ذلك مما هو مذكور في شرع الله .
ولسنا بصدد أن نذكر ونسرد الكثير في هذا، وحسبنا أن نقول: إن هذه أمثلة تبرز بعض الحقائق وما خفي كان أعظم، والذي يطالع ما تنشره صحفهم، وما تخرج به مراكز أبحاثهم يرى العجب العجاب في هذا الشأن وفي غيره من الشئون.
стр. 1098
مفهوم القوامة الشرعية ودفع الشبه حولها
إن القوامة هي نوع من الإدارة، ولا يمكن أن تكون هناك مؤسسة أو شركة ليس فيها شخص مسئول يكون له بعد المشاورة والمداولة الكلمة النهائية والفصل، وإلا لكانت الأمور فوضى، ولكان هناك تنازع وشقاق، مدير المؤسسة له حق الطاعة على الموظفين، فإن قالوا: ولماذا يكون له هذا الحق؟ فلم يطيعوه لاضطرب حال المؤسسة كلها، وتضرر الجميع بلا استثناء.
وكذلك شأن الأسرة إما أن تترك فوضى فلا رب لها، وهذا لا يمكن أن يكون أمراً صالحاً أو مصلحاً، وإما أن تكون القوامة للمرأة أو للرجل، وهم يعترضون أن تكون للرجل، فلو كانت للمرأة فما رأيكم ألا يتظلم الرجل أيضاً؟ ثم انظر أيضاً إلى أمور أخرى، فإن المرأة تغلبها عاطفتها، وتفقد حسن تصرفها مع غضبها، فهذه لا تصلح للإدارة مطلقاً، لا لنقص فيها، ولكن: لأن طبيعتها تصلح لأمر آخر، وقلنا: إن الحقيقة الصحيحية للمساواة هي المراعاة وليست المساواة مع اختلاف وجود الأسباب.
ثم المرأة يعتريها ما يعتري النساء من حيض وحمل ونفاس، وهذه أمور تضعفها في بدنها، وتضعفها في نفسيتها، وتضطرب حتى أحياناً في تفكيرها واهتماماتها، فماذا نصنع؟ هل نعطي للأسرة إجازة لفترة الحمل أو لفترة النفاس أو غيرها وتضطرب الأمور والأحوال؟ ثم أين خبرة المرأة في هذا الشأن الذي تتعرض فيه الأسرة لأمور كثيرة تحتاج فيها إلى خبرة بالمجتمع، ومزاولة لأعماله، ومعرفة ببعض المشكلات والمعضلات، مما لا يتوفر لها ولا يليق بها، ولا يصلح مع فطرتها وطبيعتها؟ وإذا عرفنا ذلك وعرفنا أن القوامة للرجل ليست قوامة تسلط ولا تحكم، وإنما قوامة مسئولية، فهي تكليف لا مجرد تشريف، ففيها عليه النفقة والحماية، وعليه حسن الرعاية، وأن يلبي الطلبات لما هو لازم ومحتاج إليه في شئون الأسرة والمنزل والأبناء، فليس الأمر حينئذٍ إلا نوعاً من الأسلوب الذي تمضي به الحياة على أتم وأكمل وجه فيما تتحقق به المصلحة للرجل، والمرأة على حد سواء.
ولذلك يأتون فيقولون: تشترطون على المرأة أن لا تسافر إلا بمحرم، كأنها قاصرة، كأنها لا قيمة لها، كأنها كما يقولون: لا شخصية لها تتبع الرجل.
ونقول: هذا من جهلكم وحمقكم، فإن الناس يعرفون أن الذي لا قيمة له هو الذي يذهب ويجيء دون أن يكون معه أحد، ولا ينتبه أحد لرعايته ولا للاهتمام به، أما عكس ذلك فغير ذلك، نحن نعلم مثلاً: أن المدير إذا خرج من إدارته أو ذهب في مهمة فإن المرافقين له يكونون أكثر من الموظف العادي أو المراسل الذي يراسل بين مؤسسة وأخرى، لا، ليست له من الأهمية والقيمة ما يحتاج إليه من المرافقين الذين يقدمون له الخدمات، أو الذين يحرصون على حمايته ونحو ذلك مما قد يكون في شأن أصحاب الحكم والسلطان، فإنه إذا خرج أو سافر لابد أن يكون له من يقوم برعايته وحمايته.
والمرأة لما كانت منزلتها عظيمة، وقدرها كبير، والحفاظ عليها أمر مهم في مجتمع المسلمين؛ حفظاً للأعراض، وحفظاً للأمن، وحفظاً للمجتمع والصحة والفطرة، كان شأنها أن يوظف الرجل المحرم لها ليرافقها إيناساً لها من وحشتها، وحفظاً على عرضها، وذوداً عنها، فإن السفر عرضة لأن تتعرض فيه المرأة لسرقة أو لعدوان، أو لاغتصاب، أو لغير ذلك، ونحن نعلم -والإحصاءات في ذلك كثيرة- أن نساء الغرب لا يستطعن لا أن يسافرن، بل لا يستطعن أن يسرن في الطرقات في المدن بعد دخول الليل خوفاً من الاغتصاب والاعتداء والسرقة وغير ذلك، فالله قد أكرم المرأة ورعاها.
ومن هنا نجد أن هذه الأمور التي يظنونها قيوداً إنما هي إكراماً وإعزازاً للمرأة.
نسأل الله أن يحفظ نساءنا، وبيوتنا، وعوراتنا، وأبناءنا، وبناتنا، اللهم إنا نسألك أن تجملنا بالتقوى، وأن تجعلنا من أهل البر والتقوى، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك أعمارنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد.
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام نائمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وردهم إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب، وألزمهم كتابك وسنة نبيك محمد ﷺ .
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على سائر أعداء الدين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، والشيوخ الركع، والأطفال الرضع، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم عجل فرجهم، وفرج كربهم، ونفس همهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نسألك أن تدفع عن بلدنا هذا الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن، وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك، وارزقهم بطانة صالحة تدلهم على الخير، وتحضهم عليه، وتحذرهم من المنكر وتنهاهم عنه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر وذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1099
المرأة القدوة
إننا في مجتمع نفتقر فيه إلى المرأة القدوة، فكان لزاماً علينا أن نقوم بإعداد المرأة القدوة وإيجادها، وذلك لما يترتب على ذلك من المصالح والمنافع، ولأن ذلك من أعظم أسباب القوة والالتزام والحشمة والعطاء في المجتمع، وهناك معالم تتعلق بوجود المرأة القدوة، منها: أهمية وجودها في تماسك المجتمع وصلاحه، وتأثير المرأة القدوة على بنات جنسها، ومعرفتها بأحوالهن أكثر من غيرها، والحاجة الماسة لوجودها، وهناك مجالات تتعلق بالمرأة القدوة تجدونها مفصلة في ثنايا هذه المادة.
стр. 1100
أهمية إعداد وإيجاد المرأة القدوة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: فنسأل الله أن يعظم أجورنا وأن يحسن خواتمنا، وأن يجعلنا منقلبين إليه على خير وفي طاعة وعلى ثبات وهداية؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أخي الكريم! موضوعنا عنوانه (المرأة القدوة) وهذا الموضوع أحسب أنه من الموضوعات التي لها أهمية عظيمة، ذلك بأنه تترتب عليه كثير من الفوائد والمصالح، كما أن فقدانه يترتب عليه كثير من المضار والمفاسد، ولعلنا نشرع في هذا الموضوع بهذه النقطة المتصلة بأهمية الموضوع وخصيصة التركيز على المرأة القدوة.
فأقول مستعيناً بالله : إن وجود المرأة القدوة من أعظم أسباب القوة والالتزام والعطاء في المجتمع المسلم، وذلك لأن وجود المرأة القدوة يعني وجود البنت الصالحة والزوجة الصالحة والأم المربية، وبالتالي وجود الأسرة الناجحة والذرية الصالحة والمجتمع المسلم المنشود، فنحن عندما نولي المرأة اهتماماً كبيراً فإننا نهيئ أسباباً عظيمة لأهم الأمور وأخطرها في بناء المجتمعات عموماً، وفي بناء المجتمع المسلم خصوصاً، فإن النبي ﷺ قد جعل لهذا مزيةً بحيث جعل خصوصية لمن عال جاريتين أو رباهما بأنهما يكونان من أسباب دخوله الجنة، وكما قال ﵊ فيما صح عنه: (من ابتلي بشيء من هؤلاء البنات فأحسن تربيتهن والقيام بأمرهن كن له نجاة من النار).
ليس هذا القول منه ﵊ لمجرد معاني الشفقة والرحمة فقط، وإنما لمعاني البناء والتربية والتأسيس الذي ينتج عنه بعد ذلك، كما أخبر به النبي ﷺ في بيان أعظم النعم وأعظم المتاع التي يبحث عنها في هذه الحياة الاجتماعية في هذه الحياة الدنيا، وذلك عندما قال ﵊: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) وعندما جعل الظفر بهذه النتيجة من أعظم نتائج الظفر وأبلغه قال ﵊: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، بعد ذلك يقول النبي ﷺ في تعظيم حقوق الأمهات، لما لهن من فضل في التربية والتنشئة والتعليم والتعويد على أمور الخير: (الجنة تحت ظلال الأمهات).
ويقول النبي ﷺ في شأن البر عندما سئل: (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أبوك) (وهذا رجل يكتتب في الغزو فيأتي إلى رسول الله ﷺ ويقول: إني اكتتبت في الغزو وإن أمي مريضة.
قال: ففيها فجاهد).
стр. 1101
معالم وأمور تتعلق بوجود المرأة القدوة
ننظر إلى المعالم في تلك المراحل، فنرى أن وجود المرأة القدوة بنتاً وزوجة وأماً يعني وجود هذه القنوات المهمة في تماسك وصلاح وقوة المجتمع المسلم، فليس الأمر مجرد توجيهات أو كلمات عابرة، بل هو صياغة وتأسيس وأخذ بأسباب قيام مجتمع إسلامي صالح نظيف يؤدي مهمته في هذه الحياة وفق أمر الله وعلى هدي رسول الله ﷺ .
فالأمر إذاً هو أبلغ في الأهمية وأعظم في الخطورة، ونعلم جميعاً أن كل فرد منا كان يوماً رضيعاً وربيباً لامرأة غذته بلبانها، وفي نفس الوقت غرست فيه من معاني التربية ما غرست من أمور الخير والصلاح، والأمور التي يحتاج إليها المسلم ويحتاج إليها المجتمع المسلم بوجه عام.
فإذاً الأمر كما قال أمير الشعراء: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق فبإعداد الأم يعد شعب كامل؛ لأننا ندخل في هذه الدوائر من خلال تكوين الأسرة وتربية الذرية.
الأمر الثاني: المرأة أبلغ في التأثير في صفوف النساء، فنحن عندما ننصب القدوات من الرجال فإن هذا لا شك أن له تأثيراً عاماً في المجتمع كله رجالاً ونساءً، ولكن خصوصية وجود المرأة القدوة له تأثير أكثر وأظهر وأشهر في صفوف النساء.
فإذا قلنا للمرأة: إن الرجل مجاهد غاز في سبيل الله قالت: ذاك شأنه وتلك طبيعته.
لكن إن جئنا لها بمثال من امرأة مجاهدة كان ذلك أقوى في التأثير على نفسها، ودفعها إلى أن تكون في مثل هذه المجالات والأعمال والميادين.
والأمر الثالث: أن المرأة في مجمل الأمور أعلم بأحوال النساء من الرجال، فمهما كانت عقول الرجال بليغة ومهما كان علمهم غزير فإن عندهم نقصاً في معرفة أحوال النساء وطبائعهن، ولا يستطيعون أن يكونوا في مجالس النساء وفي مجتمعاتهن ليعرفوا ما قد يكون من خور أو قصور يحتاج إلى توجيه وتنبيه أو إلى إرشاد وتوضيح، ستكون المرأة القدوة حينئذ أقدر على معرفة الداء ووصف الدواء، فهي الخبيرة المعايشة المعاشرة لأولئك النساء.
الأمر الرابع: هو الحاجة العظيمة للمرأة القدوة بسبب تشويه قضايا المرأة في الإسلام، فنحن نعلم أن أكثر مخططات أعداء الإسلام وجل شبهاتهم تنصب في دائرة المرأة والحياة الاجتماعية، مثل دعوى حرية المرأة، ومن نزع الحجاب، ومن الدعوة للاختلاط، ومن صور السفور والعري أو غير ذلك من الأمور، فإذا نظرنا فإنا نجد أن أكثر الشبهات والمغالطات والدعوات المغرضة أنها تنصب في هذا المجال، فلذا وجب أن نوجد من نساء المسلمين من تكون على نموذج يحتذى وقدوة تؤتسى ومعرفة تفند مثل هذه الشبهات، وتدحر مثل هذه المفتريات، لتكون لها دورها بين النساء حتى نصد هذه الغارة وهذه الهجمة الشنيعة الفظيعة التي كما نعلم أنها تعقد لها المؤتمرات وتعقد لها الندوات وتفرغ لها كثير من الطاقات وتبذل فيها الأموال وتطبع فيها المطبوعات لغرض هذا التأثير السيئ في مفاهيم المرأة المسلمة، أو المفاهيم المتصلة بالمرأة والأسرة والتربية في ميدان الإسلام.
وأخيراً وليس آخراً فحاجتنا لهذا الموضوع وأهميته كبيرة؛ لأنه قد برز في مجتمعات المسلمين في مجال المرأة قدوات سيئة، واليوم إذا التفتنا لنرى الأسماء اللامعة ولنرى من يتصدرن الأقوال على صحف الجرائد أو المجلات أو من يذكرن بأنهن الرائدات لوجدنا ألسنة شانئة ممسوخة ليست بالأمثلة التي تمثل الإسلام، بل ربما لا تنتسب إليه إلا انتساب الاسم والرسم دون الحقيقة والجوهر، ولذلك كان الأمر في هذا الجانب خطيراً مهماً، خاصة إذا كانت النساء من أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا وأخواتنا.
وهناك نماذج وأمثلة في مجالات متعددة للقدوة في حياة المرأة المسلمة، نبغي بذلك أن نؤكد وجود هذه المجالات، وأن نبرز الصور العملية الحية التي كانت في سير الأولين من صحابة رسول الله ﷺ ومن أمهات المؤمنين ومن غيرهن ممن برزن على آثارهن، ونريد من ذلك أيضاً أن نثير في نفوس النساء الغيرة المحمودة بالتنافس في مجال الخير والرغبة للتطلع إلى هذه الأمثلة السمية العلية من نساء المؤمنين، ثم لنقوم بعد ذلك بالمقارنة بين تلك الأمثلة وبين ما يموج به واقع كثير من مجتمعات المسلمين من أمثلة رديئة.
стр. 1102
مجالات المرأة القدوة وأمثلتها في الواقع
ونمضي مع القدوة ومجالاتها وأمثلتها في حياة المرأة المسلمة، ذاكرين الأهم منها والأقل من أمثلتها، ليكون هناك فسحة لبقية عناصر الموضوع.
стр. 1103
مجال العبادة والطاعة
هذا هو الهدف الأسمى من وجود الإنسان في هذه الحياة، كما نعلم من قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
والمرأة المسلمة في كثير من أحوالها هي أكثر تعبداً وطاعة لله من الرجل في هذه الأوقات؛ لأن الرجال شغلوا بكثير من الأعمال وتفقد الدنيا، وكثير من النساء ربما كان عندها من الوقت وهدوء البال وقلة الانشغال ما يجعلها أقدر على أن تصرف من وقتها لطاعة ربها، ولذكره ، ودوام التبتل والانقطاع إليه ما لا يتاح لغيرها من الرجال، وهذا ينبغي أن يكون ميدان تنافس بين الرجل والمرأة، لكننا نقول: إن كانت المرأة أكثر وأظهر فهو في الآخر أنفع لنا وأنفع لأبنائنا ولأجيالنا بإذن الله ، فقد ورد في سنن أبي داود حديث لطيف، يصور لنا هذا التعاون ويصور لنا هذا التنافس بين الرجل والمرأة في طاعة الله، يقول فيه النبي ﷺ في معنى حديثه: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) صورة جميلة رائعة من التعاون والتكامل، أحسب لو أنها طبقت في بعض بيئاتنا فلو أن امرأة قامت تصلي ثم نضحت زوجها بالماء لتوقظه للصلاة ربما قابلها بالويل والثبور وعظائم الأمور وما لا تحمد عقباه.
أمثلة التعاون كثيرة في سير الصحابيات رضوان الله عليهن، أذكر منها القليل اليسير من سير أمهات المؤمنين، ففي الحديث أنه: (خرج النبي ﷺ يوماً إلى المسجد فرأى حبلاً مدلىً في المسجد فسأل عن هذا الحبل فقالوا: حبل لـ زينب ﵂ تصلي من الليل فإذا تعبت تعلقت به فرد النبي ﷺ هذا إلى الاعتدال وقال: ليصل أحدكم نشاطه فإذا تعب فليرقد).
وفي رواية أخرى: (فإن الله لا يمل حتى تملوا).
لكن الشاهد هو هذه الصورة العظيمة للعبادة الخاشعة الخاضعة الكثيرة من أم المؤمنين ﵂، تصلي حتى يبلغ بها التعب مبلغاً لا تستطيع معه القيام فتستعين بحبل تربط نفسها أو تربط يدها به حتى تواصل عبادتها وطاعتها لله .
وتُذكر لنا صورة أخرى لبعض أزواجه، وهي جويرية ﵂ عندما خرج النبي ﷺ وهي قاعدة في مصلاها تسبح الله وتستغفره وتدعو، فمضى النبي ﷺ لبعض شأنه ثم رجع وإذا بها في محرابها مازالت تذكر الله وتستغفره ، فقال: (أما زلت في مجلسك الذي كنت عليه؟ قالت: نعم يا رسول الله.
قال: فإني قلت بعدك أربع كلمات تعدل ذلك كله: سبحانك -اللهم- وبحمدك عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك) فجمع النبي ﷺ هذا القول، لكن الشاهد الذي أردت الوقوف عليه هو استغلال المرأة وقتها في الطاعة والعبادة، ولست أريد ذكر الصور المقابلة؛ لأنا نريد أن نفردها بالحديث في كل مجال بقدر الاستطاعة.
стр. 1104
مجال الدعوة
مجال آخر من المجالات المهمة التي قد يظن بعض الرجال والنساء أنها مقصورة على الرجال دون النساء، وهو مجال الدعوة، نحن نريد المرأة القدوة في مجال الدعوة؛ لأهميتها في هذا الجانب.
وهنا دوران أساسيان للمرأة في قضية الدعوة: الأول: هو دور المساعدة.
الثاني: هو دور الممارسة.
أما دور المساعدة فهو أن تكون ردءاً وعوناً وسنداً وإمداداً لزوجها عندما يمضي في شئون الدعوة، أو يذهب في الغزو والجهاد في سبيل الله، أو يسعى في أمور الخير لنصرة المسلمين وإغاثتهم، فلا تعترض عليه إذ ينفق المال في هذا الباب، ولا تعترض عليه إذ يغيب الوقت الطويل في خدمة الإسلام والمسلمين، بل تكون عوناً له وردءاً في هذا الجانب، فتكون حينئذ مثلاً رائعاً، وتقدم دوراً رائداً، وتكون عنصراً فاعلاً، وتكون قوة لدعم هذا الدين، وهي بهذا كأنما تمثل صفوف الإسناد عند التقاء الجيوش، فالجيوش لها متقدمة تقاوم وتدافع وتحارب، لكن وراء هذه الجيوش المتقدمة إمدادات من الأغذية والأطعمة والمعلومات وغير ذلك من الأسباب الأخرى، فلو لم يوجد هذا السبب وهذا الردء لما استطاعت المقدمة أن تقوم بهذا الدور، ولو أن كل رجل عالم أو داعية أو مجاهد أو ساع لخدمة المسلمين وإغاثتهم وجد امرأة تطلب منه أن يبقى في بيته وأن يقصر ماله عليها وعلى ولدها، وأن يكثر انشغاله وكل وقته وكل همه لمتاعها وزينتها لما وجدنا من المسلمين من يخرج في هذه الميادين، وأبرز وأعظم وأظهر مثال للمرأة المسلمة في هذا الشأن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، تلك المرأة العظيمة التي كانت أعظم سند لرسول الله ﷺ في أول أمره، انظر إلى هذا المثل في المراحل المتعددة التي كانت قبل الرسالة، وفي أول الرسالة حتى حفظ لها رسول الله ﷺ قدرها وذكر فضلها، وما زال يكرر من وفائه لها وبره بها بعد موتها عليها رضوان الله .
هذه خديجة عندما كان النبي ﷺ يخلو في غار حراء الليالي ذوات العدد يتفكر في هذا الكون يخلو بنفسه من تلك الجاهلية الظالمة المظلمة، ليخلص إلى الكون بصفائه ونقائه، ويسرح البصر والنظر متأملاً متفكراً، ويجعل القلب متدبراً متأملاً، كانت ﵂ وأرضاها تعينه على ذلك وتعد له زاده وطعامه، وتشجعه وتساعده في هذا، ثم لما جاءت مرحلة أخرى ونزل الوحي على رسول الله ﷺ بالصفة التي نعرفها ونعرف ما جاء فيها من حديث عنه ﵊، وجاء الدور الثاني بعد دور التشجيع والمساعدة وهو دور التثبيت والطمأنينة، فجاء النبي ﷺ يقول: (دثروني دثروني.
زملوني زملوني وقال لها: (إني قد خشيت على نفسي.
فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نواب الخير) فهذه كلمات تدل على الإيمان والوعي، وعلى النصرة والتثبيت والطمأنينة، فإن الرجل إذا واجه الصعاب ووجد بعد ذلك امرأة مشفقة خائفة مضطربة فت ذلك في عضده، وانقطع ما كان من عزمه وجده، بينما لو وجد مثل المرأة المسلمة التي مثلتها خديجة ﵂ لزاد ذلك في قوته قوة وفي عزمه عزماً بإذن الله ، ولم يقتصر دورها على ذلك التشجيع ولا هذا التثبيت، وإنما تحركت معه بحركة إيجابية فيها تأييد، فهناك تشجيع ثم تثبيت ثم تأييد عملي، فمضت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل لتخبره الخبر ولتستشيره في أمر ما وقع للرسول ﷺ ، فلما قص عليه رسول الله ﷺ الخبر قال: (هذا -والله- الناموس الذي كان يأتي موسى، ليتني أكون فيها جذعاً حين يخرجك قومك، فقال: ﵊ أو مخرجي هم؟! قال: ما أتى رجل بمثل ما تأتي به إلا حاربه قومه -أي: نازعه قومه- ثم قال ورقة: إن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً) فكانت هذه حركة عملية من خديجة ﵂ ثبتت رسول الله وشجعته وأيدته في مقتبل أمره وأول دعوته.
الجانب الثاني في الدعوة جانب الممارسة، ليس مجرد المساندة للرجل، بل ممارسة الدعوة في صفوف النساء، وفيما يعود على مجتمعهن بالفائدة والنفع، وهذا أمره مهم؛ لأن هناك جهلاً كثيراً بين صفوف النساء، ولأن هناك عادات غير حميدة قد سرت بين كثير من النساء، وطبائع من القيل والقال، ومن المنافسة في أمور الدنيا ونحو ذلك مما تضمنته كثير من وسائل الإعلام، أو مناهج التعليم، أو قصص الأدب، أو غير ذلك مما يحتاج معه إلى أن تمارس المرأة المتعلمة المتحرقة لخدمة الإسلام والمسلمين الدعوة في صفوف النساء.
ومثل عظيم من أمثلة الدعوة يذكره لنا ابن حجر في الإصابة في ترجمة أم شريك الأسدية القرشية، ذكر أنها أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ، ثم كانت في الفترة المكية تدعو النساء إلى الإسلام سراً، وكانت تدخل على نساء قريش فتدعوهن وترغبهن في الإسلام، ما كان أحد من الرجال يستطيع أن يقوم بهذا الدور في ذلك الوقت، لكن المرأة بطبيعتها تستطيع أن تزور تلك المرأة وتلك المرأة، فكانت تستغل طبيعتها النسوية وتدخل لتغزو كفار قريش في عقر دارهم، قد كان كفار قريش يأخذون المسلمين من الرجال ويعذبونهم ليصدوهم عن الدين، فإذا بالغزو يأتيهم من وسط بيوتهم ومن بين نسائهم، قال ابن حجر ﵀: كانت أم شريك تدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر الإسلام في النساء وبلغ شأن دعوتها قريشاً.
فإذا ببيوتهم تتزعزع من الداخل، وإذا بالإسلام الذي يحاربونه في الخارج يرفع بأيدي نسائهم وعلى ألسنتهن، حينها قال كفار قريش: والله لولا قومك لفعلنا بك كذا وكذا.
قالت: فحملوني على بعير ليس عليه شيء، ثم جعلوني ثلاثة أيام بلا طعام ولا شراب.
حتى بلغ بها من الإعياء والشدة مبلغاً عظيماً، حتى إنها صارت لا تسمع ولا تميز، قالت: فأخذوني فأنزلوني منزلاً فأوثقوني في الشمس، واستظلوا تحت الشجر وناموا.
وقد بلغ بها الأمر ما بلغ وهي صابرة محتسبة، قالت: فإذا أنا بأبرد شيء على صدري دلو من ماء من الله .
قالت: فشربت منه حتى رويت، ثم شربت حتى رويت، ثم شربت حتى رويت ثم صببت منه على بدني، فلما استيقظوا رأوا الماء فقالوا: حللت وثاقك وشربت من سقائنا! قالت: ما فعلت من ذلك شيئاً.
قالوا: إن كان قولك حقاً فإن دينك دين خير، فذهبوا إلى أسقيتهم فوجدوها معصوبة لم يفكها أحد فأطلقوا سراحها.
وذكر ابن حجر أنها هي المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﵊، ونزلت الآيات في سورة الأحزاب في هذا الشأن، فانظر إلى هذا المثل، ولتنظر المرأة المسلمة إلى هذه المرأة الداعية التي استولى الإيمان على قلبها رغم سرية الدعوة وصعوبة الجهر بالإسلام، لقد كانت تغزو الجيوش وتغزو النساء، وتستميل القلوب إلى هذا الدين.
وهذه أم سليم مثل عظيم آخر، تبين لنا فيه كيف ينبغي أن تؤثر المرأة الدعوة إلى الله وإلى الإسلام على كل شيء، فلما جاء أبو طلحة يخطبها ويريد نكاحها قالت قولاً حكيماً يدل على رجاحة عقل، كما يدل على بعد نظر وحرص على مصلحة الإسلام، قالت: إنك رجل كفؤ وما مثلك يرد -هذا نوع من الجزل والترغيب والاستمالة-، ولكنك رجل كافر وأنا مسلمة، فإن أسلمت فإن إسلامك مهري لا أبغي بعده شيئاً.
فقال أبو طلحة الراغب فيها: وكيف لي بذلك؟ قالت: لك به رسول الله ﷺ .
فذهب إلى رسول الله ﷺ ، قال: فلما أقبلت قال الرسول ﵊: (هذا أبو طلحة غرة الإسلام بين عينيه) فجاء وأسلم فكان مهرها إسلامه ﵂ وأرضاها، فانظر إلى رجاحة العقل حيث قدمت مصلحة الإسلام، وكيف حملت هم الدعوة إلى الله .
وفي بعض الروايات أنها قالت له: ما مهري عندك يا أبا طلحة؟ قال: مهرك الصفراء والبيضاء -أي: الذهب والفضة-.
قالت: ما أريد صفراء ولا بيضاء، ولكن إن أسلمت كان إسلامك مهري.
فآثرت إسلامه ودعوته إلى الإسلام على حظ نفسها وعلى متاع الدنيا.
ومثل آخر يرويه لنا بعض الصحابة رضوان الله عليهم في شأن إحدى النساء المسلمات المؤمنات، فقد روي عمران بن حصين ﵁ أن الصحابة كانوا في مسيرهم مع رسول الله ﷺ حتى بلغ بهم العطش مبلغاً، وإذا بهم بامرأة على حمار لها معها مزادتان من ماء، فاستسقاها رسول الله ﷺ فسقته، فدعا النبي ﷺ فبارك الله في الماء فشربوا منه، وبقي ماؤها، فنظرت إلى رسول الله ﷺ وقالت: إنك رجل خير.
ثم أسرت الإسلام في نفسها ورضيت باتباع رسول الله ﷺ ، فكتمت إسلامها، وكان النبي ﷺ يحفظ لها صنيعها ويشكر مساعدتها للمسلمين وحسن معاملتها لهم، فكانت الحملات والغزوات والسرايا تغزو هنا وهناك، لكنها بأمر رسول الله ﷺ تجتنب قوم تلك المرأة، كان النبي يوصي أصحابه في السرايا أن لا يغيروا وأن لا يغزو ذلك الحي الذي كانت منه تلك المرأة، فماذا صنعت هذه المرأة الحصيفة اللبيبة؟ قالت لقومها: هاتوا ما عندكم؟ فجمعوا لها من الطعام والتمر حتى أتت أهلها، ثم قالت لهم: أتيت من عند أسحر الناس أم أهو نبي كما زعموا؟ فقصت لهم خبر المزادتين، ثم إن تلك المرأة أسلمت وأسلم قومها، وفي بعض الروايات أنها قالت لهم: أترون أن القوم تاركوكم لا لشيء، فإنما تركوكم لأجل هذا الأمر.
أي: لأجل قصتها مع رسول الله ﷺ .
وقالت يوماً لقومها كما في رواية أخرى: ما أرى هؤلاء القوم تركوكم عمداً، هل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام، فانظر إلى امرأة دخل قومها الإسلام بدعوتها ليس النساء فقط وإنما الرجال والنساء، وحديثها في الصحيحين.
فهذه أمثلة، وغيرها كثير أيضاً من نماذج نساء المؤمنين التي تبين هذا المجال المهم من المج
стр. 1105
مجال التعليم
المثال الثالث -وهو قريب الصلة بالذي قبله- مجال التعليم، وهذا المجال تدخل فيه الدعوة، لكنه ربما يشمل غيرها من أمور التعليم كلها من غير ما تخصيص.
نحتاج إلى المرأة القدوة في مجال العلم والتعليم من الناحية الشرعية حتى تعلم بنات جنسها، وكذلك من ناحية الأمور الحياتية العامة، والعلوم النافعة التي تحتاجها النساء، فتكون باباً من أبواب التعليم والخير، وتكون أيضاً باباً يسد أبواب الاختلاط التي يريد أعداء الإسلام أن يدخلوا إلى مجتمعات المسلمين من خلالها.
فهذه عائشة ﵂ أعظم مثل في هذا، وهي العالمة التي كان الصحابة يراجعونها ويستفتونها، وكانت ترد عليهم أقوالهم وتصوب آراءهم ﵂ وأرضاها.
قال لها عروة بن الزبير -وهو ابن أختها وربيبها-: ما أعجب من علمك بكتاب الله ولا بسنة رسول الله ﷺ -أي أن هذا أمر مفروغ منه أنها تعلم القرآن والسنة بحكم حياتها مع النبي ﷺ ولكني أعجب من علمك بالطب -لقد كانت ﵂ خبيرة بهذا المجال- كيف لك به؟! قالت: يا عرية -تصغير عروة -! إن رسول الله ﷺ كان يمرض، وإن الوفود كانت تفد عليه وتنعت له النعوت -تعني: تصف له الأدوية من الأعشاب- فأحفظ ذلك مما كان يقال ويوصف لرسول الله ﷺ .
وهذه الشفاء بنت عبد الله العدوية كانت من عقلاء النساء، وكان الرسول ﵊ يزورها ويقيل عندها، وكانت تعرف القراءة والكتابة، فطلب منها النبي ﷺ أن تعلم أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وكانت امرأة راقية -أي: ترقي بالقرآن- فعرضت رقاها على رسول الله ﷺ حتى ينظر فيها ويصوبها أو ينبهها إلى ما قد يكون من خطأ إن كان فيها، فأجازها وقال لها: (علميها حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ ومجالات التعليم في شأن النساء ومايحتجن إليه من تطبيب أو تعليم في هذه الشئون من الأمور المهمة التي نحتاج فيها إلى المرأة القدوة في هذا المجال.
стр. 1106
مجال الجهاد
المجال الرابع: مجال الجهاد، وأنا أذكر هذه الأمثلة التي ربما ينظر إليها على أنها بعيدة حتى نقطع دابر المقالة التي توهم كثيراً من النساء بأن هناك مجالات مخصوصة للرجال، وهناك مجالات مخصوصة للنساء، أما على وجه العموم فالمرأة المسلمة شاركت وقدمت أمثلة، ولها في هذه المجالات دور بحسب ما يحتاج إليه فيها، وبحسب ما تستطيعه بضوابط الشرع.
هذا المجال العظيم الذي اشتهر فيه الرجال برزت فيه قدوات عظيمة من نساء المسلمين، من أبرز هذه الأمثلة نسيبة بنت كعب المازنية ﵂، قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات - وليس الأمر عارضاً أو عابراً، بل متكرراً في شئون مختلفة- قالت: فكنت أخلفهم في الرحال وأصنع لهم الطعام، وأقوم على المرضى وأداوي الجرحى.
تقوم بخدمات متكاملة في هذا المجال، قال ابن إسحاق: وكانت ممن بايع بيعة العقبة، وممن كانت تشهد الحرب.
وروى عمر ﵁ من خبر يوم أحد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما التفت يوم أحد يميناً ولا شمالاً إلا رأيت نسيبة تقاتل عني).
فقد كانت من النفر القليل الذين أحاطوا برسول الله ﷺ عندما تغير ميزان المعركة لصالح الكافرين، قال: (ما نظرت يميناً ولا شمالاً إلا رأيتها تقاتل دوني) وكان معها ابنها فأصيب، فنظر النبي ﷺ إليه وقال: (اعصب جرحك)، فالتفتت إليه أمه فعصبت جرحه وقالت له: قاتل أعداء الله في سبيل الله.
ما قالت له: هذا يكفي وارجع إلى الخلف، ولا بد من أن تعالج، ولا بد من أن تذهب إلى المستشفى والعناية المركزة وغير ذلك من الأمور، بل قالت: (قاتل أعداء الله في سبيل الله.
ثم نظرت إلى من أصاب ابنها وكانت ترقبه بين الفينة والأخرى حتى سنحت لها فرصة فشنت عليه الغارة فضربته ضربة بسيفها فبترت ساقه فوقع من على فرسه فضربته بسيفها فقتلته، فنظر النبي ﷺ إلى نسيبة ﵂ وقال لها: (قد استقدت يا أم عمارة -يعني: أخذت بالقود والثأر- الحمد الله الذي أظفرك، وأقر عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك) فهذا مثل عظيم للمرأة المسلمة المجاهدة، ثم أقبل ابن قمئة يبحث عن رسول الله ﷺ ليقتله، فتصدت له نسيبة أم عمارة ﵂، ثم لما رأى النبي ﷺ بلاءها قال: (بارك الله عليكم أهل بيت مؤمنين -فما شغلها القتال عن انتهاز الفرصة- فقالت: يا رسول الله! ادع الله لنا.
فقال: اللهم! اجعلهم رفقائي في الجنة.
قالت: أم عمارة فما أبالي بعد ذلك بما أصابني) تعني: بعد دعاء النبي ﷺ انظر إلى هذه المرأة ما الذي شغل بالها وما الذي لفت نظرها في ظرف عصيب وكرب شديد.
والأمثلة في الحقيقة في هذا الجانب كثيرة، ولسنا بصدد الحصر وإنما يكفينا التمثيل.
стр. 1107
مجال الاهتمام والطموحات
المجال الخامس: مجال الاهتمامات والطموحات.
أي شيء كان يشغل بال المرأة المسلمة؟! أي قدوة تبرز لنا؟ فيم تفكر فيه وتطمح إليه وتحزن لأجله وتفرح لأجله؟! أما نساء اليوم فربما حزنت على لباس فاتها، أو (موضة) كما يسمونها أو (موديل) لم تعثر عليها أو نحو ذلك، وانظر إلى القدوات من نساء المسلمين أي شيء كان يلفت نظر إحداهن أو يعنيها في شأنها؟! أمثلة كثيرة جداً في هذا الشأن، منها: (أم حرام بنت ملحان ﵂، كان يأتيها رسول الله ﷺ ويقيل عندها، فجاء إليها مرة فغفا عندها ثم استيقظ وهو يضحك ويتبسم ﵊، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (رأيت في المنام قوماً من أمتي يغزون يركبون البحر جهاداً في سبيل الله) ولم يكن للعرب عهد بركوب البحر في ذلك الوقت، فماذا لفت النظر في هذا القول عند أم حرام ﵂؟ قالت: يا رسول الله! ادع الله أن أكون معهم.
الأمر خبر مستقبلي، والقضية في ميدان جهاد ليس هو الميدان الرئيسي للمرأة، والأمر في صورة جديدة غير مألوفة، فيها صعوبة وخطورة وهي ركوب البحر، ومع ذلك استشرفت نفسها بأن تكون في هذا الركب المجاهد، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن أكون معهم فدعا لها رسول الله ﷺ ، فغزت البحر في عهد معاوية مع جيش المسلمين واستشهدت في تلك المعركة ﵂ وأرضاها.
ويأتينا المثل الذي لا يعطي أنموذجاً لامرأة واحدة، وإنما يقدم صورة حية لنساء المسلمين قاطبةً في مجتمع الصحابة وفي مدرسة النبوة، هذه أسماء بنت يزيد بن السكن ﵂، وكانت امرأةً من نساء المسلمين عظيمة البلاء شهدت اليرموك، وقتلت بنفسها تسعة من علوج الروم، هذه المرأة جاءت إلى النبي ﷺ -وكانت فصيحةً، حتى كانت تلقب بخطيبة النساء- وقالت: يا رسول الله! إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن.
هي ممثلة النساء ومندوبة الاتحاد النسائي الإسلامي في عهد الصحابيات رضوان الله عليهن، قالت: يا رسول الله! إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن، يقلن بقولي وعلى مثل رأيي.
فأي شيء كانت تريد؟! وأي مسألة كانت تشغل بال النساء حتى ائتمرن واتفقن وانتدبن مندوبة تتكلم باسمهن إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات قواعد البيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن الرجال فضلوا علينا بالجماعات وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا لهم أبناءهم، أفنشاركهم في الأجر؟ هذه المرأة تبين لنا ما الذي كان يهم المرأة المسلمة، والذي يشغل بالها هذه المجالات في شرع الله ، من تفضيل الرجال على النساء، وذلك بشهود الجماعات ونحو ذلك، فهل في مقابل ما تقوم به المرأة المسلمة من حفظ الزوج ورعاية الأبناء والقيام بشغل الأسرة هل تشاركه في الأجر؟ فأراد النبي ﷺ أن يثني على النساء وعلى خطيبة النساء، فالتفت إلى أصحابه رضوان الله عليهم وقال: (هل سمعتم مقال امرأة قط أحسن سؤالاً عن دينها من هذه؟ قالوا: لا.
يا رسول الله -أي: هذه قد بلغت الغاية في هذا-.
فقال النبي ﷺ : انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته وابتغائها لموافقته يعدل ذلك كله).
فهذا العدل والإنصاف في شرع الإسلام، وهذا أنموذج من النماذج التي تبين لنا اهتمامات المرأة، ويظهر ذلك أيضاً في حديث أم سلمة ﵂ لما قالت للنبي ﷺ : (يا رسول الله! ما لنا لا يذكرنا القرآن مثل ما يذكر الرجال -هذا هو الذي أهمها ولفت نظرها- قالت: فما عجبت إلا ورسول الله ﷺ يوماً إذا هو على المنبر وأنا أمشط شعري، فلففته وخرجت أستمع، فإذا رسول الله ﷺ يتلو ما نزل إليه من القرآن ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلى آخر الآية﴾ [الأحزاب:٣٥]).
الآية ذكرت النساء والرجال، تكرر في كل وصف من الأوصاف، وهو ما ذكر في سبب نزول الآية، وأيضاً في ذلك آية التخيير التي وردت في أزواج رسول الله ﷺ ، لما جاء التخيير بقوله جل وعلا: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩].
ففضلت أمهات المؤمنين الله ورسوله والدار الآخرة، وأعرضن عن متاع الدنيا.
وهذا منهن طموح إلى معالي الأمور لا انشغال بسفاسفها.
стр. 1108
مجال القوة والصبر والاحتمال
كثير من النساء والرجال يذكرون ويعرفون ما هو من طبيعة المرأة من قلة احتمالها وسرعة جزعها وضعفها، لكن ينبغي أن لا نجعل مثل هذه الأمور مبالغاً فيها، ونجعل المرأة كما هو حال كثير من نسائنا اليوم كأنها لا يمكن أن تقوم بأي شيء، ولا أن تتحمل أي أمر، ولا تقدر على أي قضية، فهذا غير مقبول، فقد ثبت نساء المسلمين، وضربن أمثلة عظيمة في هذا الشأن، ينبغي أن نعود المرأة على شيء من القوة والصبر والاحتمال في دين الله ، فهناك أمثلة كثيرة في هذا الشأن، وأبرز هذه الأمثلة مثال سمية ﵂ وثباتها، وقد كان بنو المغيرة يعذبونها على الإسلام، وهي تأبى غيره حتى ماتت شهيدة، وكانت أول شهيدة في الإسلام، وكان النبي ﷺ يمر بها وهي تعذب وابنها وزوجها ويقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
وقصة الخنساء مثل عظيم في هذا الشأن لما كانت معركة اليرموك، وهذا مثل معروف، لكنه يحصل ذكره بما فيه من عظيم التأثير في هذا الباب من أبواب الصبر والمصابرة والقوة الاحتمال، فهذه الخنساء جاءت ببنيها الأربعة وقالت لهم: يا بني! إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم أبناء أب واحد وأم واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت أخوالكم.
ثم حضتهم على الجهاد، فلم تأت بأبنائها لتقول لهم: ابحثوا عن الزوجات الفاتنات، واستكثروا من الأموال لنفعل كذا وكذا، وإنما جاءت تخطبهم لتحضهم على الجهاد وتحرضهم عليه.
فمضى أبناؤها إلى الجهاد واستشهدوا جميعاً في تلك المعركة، فلما بلغها خبرهم ما جزعت ولا ضربت خداً ولا شقت جيباً، وإنما قالت: الحمد الذي شرفني باستشهادهم، وأسأل الله أن يجمعني بهم.
وكانت مثلاً في هذا الشأن، وكانت وصيتها موضع تذكر لأبنائها وسط المعركة، فقد كانوا يتذكرون قولها فتزيد في نفوسهم الحمية للجهاد والمصابرة، تذكر بعض الروايات في التاريخ عن أحد أبنائها أنه كان يقول: يا إخوتا إن العجوز الناصحة قد أشربتنا إذ دعتنا البارحة نصيحة ذات بيان واضحة فباكي الحرب الضروس الكالحة فإنما تلقون عند الصائحة من آل ساسان كلاباً نابحة قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة فأنتم بين حياة صالحة أو ميتة تورث غنماً رابحة ويتذكر وصيتها، وأنها حضتهم على الجهاد، وأن بني ساسان من الفرس إنما هم كلاب نابحة، فشدوا عليهم فإنكم منتصرون.
وقال الثاني: إن العجوز ذات حزم وجلد قد أمرتنا بالثبات والرشد نصيحة منها وبر بالولد فباشروا الحرب حماة في العدد وقال الثالث يتذكر وصيتها: والله لا نعصي العجوز حرفاً نصحاً وبراً صادقاً ولطفاً فبادروا الحرب الضروس زحفاً حتى تكفوا آل كسرى كفاً وقال الرابع يتذكر وصيتها أيضاً: لست للخنساء ولا للأخرم ولا لأمر بالسماء الأعلم إن لم أرد بالجيش جيش الأعلم ماض على الهجوم خضم خضرم فكان هذا القول منها وهذا الصبر والثبات نموذج يحتذى ويقتدى.
стр. 1109
مجال البذل والإنفاق
هذا مجال آخر أيضاً هو مجال البذل والإنفاق، وقد كان النبي ﷺ يحث النساء ويقول: (تصدقن يا معشر النساء؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار)، وكان بلال ﵁ يطوف بالرداء فتلقي المرأة بقرطها وحليها تتصدق به في سبيل الله ، والمثل في ذلك زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂، قال النبي ﷺ مرة لأزواجه: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) فلما قضى النبي ﷺ وانتقل إلى الرفيق الأعلى قالت عائشة: فجعلنا نمد أيدينا ونقيسها من هي أطولنا يداً حتى نعرف من ستكون أولنا لحوقاً -أي: موتاً- بعده.
قالت: ما لبثت زينب أن لحقت برسول الله ﷺ .
قالت عائشة: فعرفنا أن طول يدها كثرة صدقتها؛ لأنها كانت امرأة صناعاً -تعني: عندها حرفة يدوية تصنع- قالت: فكانت تبيع فتتصدق في سبيل الله .
وقالت: عائشة في زينب قولاً جميلاً عظيماً مؤثراً في هذا الجانب قالت: (لقد ذهبت حميدةً متعبدةً، ففزع الأرامل واليتامى والمساكين من بعدها، كانت تتفقدهم وتتصدق عليهم وتحنو عليهم ﵂ وأرضاها).
وعائشة ﵂ مثل يضرب في هذا، وهي التي تصف زينب بهذه الصفة، وهي التي جاءها عطاء مرة فقسمته كله ولم يبق عندها شيء وكانت صائمة، فلما جاء وقت إفطارها قالت لها مولاتها: يا أم المؤمنين! لو أبقيت لنا شيئاً.
قالت: (لو كنت ذكرتني لأبقيت شيئاً نأكله) تعلمت ذلك من رسول الله ﷺ ، ففي إحدى المرات -كما في الحديث- كانت عندها يوماً شاة فأنفق منها النبي ﷺ حتى ما بقي إلا كتفها، قالت: يا رسول الله! ما بقي إلا كتفها.
قال: (ذهب كتفها وبقي كلها) وعائشة ﵂ تعلم النساء أيضاً، فقد ورد في كتاب (الأموال) لـ أبي عبيد وغيره أن سائلاً جاء إلى عائشة ﵂ ومعها بعض النسوة، فأعطته حبة عنب، فتعجب النسوة من هذا الصنيع، فقالت: كأنكن تعجبن من هذا والله إن فيها لمثاقيل ذر كثيرة.
تقصد قول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧]).
أي أن هذه الحبة من العنب فيها كثير من مثاقيل الذر.
والأجر عند الله عظيم، فهذه أيضاً أمثلة في هذا الجانب وهي من الأمثلة التي تحتذى وتقتدى.
стр. 1110
مجال قوة الشخصية ورجاحة العقل
من المجالات الأخيرة قوة الشخصية ورجاحة العقل.
يسرف بعض الرجال في وصف النساء بضعف الشخصية والميل للعاطفة، حتى كأن المرأة ليس لها من إيمانها ولا وفور عقلها ولا قوة شخصيتها ولا متطلبات إيمانها ما يجعلها تقدم أمثلة رائعة أو رائدة في هذا الباب، وليس كل امرأة لا يهمها إلا حليها، أو لا يهمها إلا طعامها، أو لا يهمها إلا زينتها، ليس هذا كله في هذا الجانب، بل المرأة المسلمة بما يعطيها الإيمان من معطيات تكون متميزة في مثل هذا الجانب، فعندها من قوة الشخصية ومقتضيات إيمانها ما يجعلها تثبت على الحق، كما ضرب الله المثل بامرأة فرعون التي كانت في وسط بيئة الكفر، ومع ذلك قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].
وأم سلمة ﵂ تضرب أيضاً مثلاً من الأمثلة في هذا التميز في الشخصية، لما أشارت على رسول الله ﷺ في شأن صلح الحديبية لما رجع النبي ﷺ دون الاعتمار، وأمر الصحابة أن يحلقوا فشق ذلك عليهم، فغضب النبي ﷺ وقال: (هلك الناس.
قالت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أمرتهم بأمر فلم يأتمروا.
قالت: يا رسول الله! قد علمت ما دخل على الناس في هذا الشأن، فلو أنك خرجت إليهم فأمرت حالقك أن يحلق رأسك لابتدروا إليه) فاستجاب النبي ﷺ لمشورتها وأخذ برأيها، فتسابق الصحابة لما رأوا رسول الله ﷺ يحلق حتى كاد يجرح بعضهم بعضاً، أي: من شدة مسارعتهم إلى استجابة أمر رسول الله ﷺ .
وقصة أم سليم لما توفي ابنها وصبرت وتلطفت لزوجها وأحسنت هي لتخفيف المصيبة عنه دليل أيضاً على قوة شخصيتها وتميزها.
والشجاعة والقوة في هذا الشأن مثل مضروب لـ أسماء بنت أبي بكر ﵂، وهي التي خاضت غمار تجهيز ومساعدة رسول الله ﷺ في الهجرة، وهي التي وقفت الموقف الشجاع من الحجاج بن يوسف الذي كان سفاكاً للدماء، وكان يهابه الرجال الأشاوس، وقفت له أسماء ﵂ لما أرسل إليها بعد مقتل ابنها، فأبت أن تأتي إليه، فأرسل إليها: إن لم تأتي إلي أرسلت من يجرك بقرونك.
فقالت: أرسل من يجرني بقروني.
فلما جاءه الرسول لبس نعاله وأتى إليها فقال: ما ترين أني فعلت بهذا -أي: بابنها-؟ قالت: أراك قد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج من ثقيف كذاب ومبير)، فأما الكذاب فقد عرفناه، وأما المبير فما أراه إلا أنت، فخاف الحجاج من قولها، وانسحب ورجع على أعقابه.
وأمثلة أخرى كثيرة يمكن أن تذكر في مثل هذه المجالات وهذه الأبواب، وكما قلت: ليس الغرض هو ذكر القصص والأخبار، وإنما لأهمية الموضوع من جهة ولهذه المجالات الكثيرة من جهة أخرى.
стр. 1111
وقفة مع القدوة السيئة ومعوقات مجال المرأة القدوة
نقف وقفة أخيرة في هذا الموضوع تتعلق بشقين اثنين أوجز الحديث عنهما إيجازاً شديداً.
الشق الأول: القدوة السيئة في الواقع المعاصر، والشق الثاني: أفكار وأخطاء تعيق مجال القدوة في صفوف النساء.
стр. 1112
القدوة السيئة في الواقع المعاصر
لو أخذنا هذه المجالات التي ذكرناها وأردنا أن نقارنها ببعض الواقع في حياة كثير من مجتمعات المسلمين اليوم لوجدنا تناقضاً كبيراً، فعلى سبيل المثال: لو أخذنا جانب الاهتمامات والطموحات فالفتاة اليوم فيم تفكر؟ وفي أي شيء؟ تأمل ليس هذا عيباً فيها، ولكنها صياغة المجتمع الذي تواجهه عبر صفحات الكتاب الذي تقرؤه، والقصة التي تتسلى بها، والمشاهدة التي تنظر إليها.
الفتاة اليوم همها جمالها، فلا تفكر إلا في صبغة الشعر، وفي ألوان الموضة والألبسة، ومن اهتماماتها ما يسمى اليوم بفارس الأحلام، وتجد كل الكلام والمقابلات والمقالات والمشاهدات تدور حول هذه الدائرة، ربما تجد كثيراً من نساء المسلمين -وللأسف- قد وُجِّهن هذه الوجهة، حتى يكون مجال القدوة في هذا الشأن أن نأتي بالمقابلات مع خبيرة التجميل، أو مع التي ابتكرت زياً جديداً، أو مع التي استطاعت -كما يقولون- أن تختار شريك حياتها بنفسها، ونحو ذلك من الأمور والأساليب التي تنحرف بالمرأة في مجال القدوة السيئة.
كذلك مجال البذل والإنفاق والصدقة على سبيل المثال آخر الصورة الواقعية في بعض جوانبها تضاده وتعارضه، فتجد المرأة اليوم لا تنفق إلا على زينتها وعلى لبسها، وتجمع الأموال، بل ربما يحصل بينها وبين زوجها من الشقاق والخلاف وأسباب النزاع ما الله به عليم؛ لأنها تريد منه أن يقتطع من راتبه أو من ماله حتى تشتري لبساً جديداً لمناسبة جديدة أو نحو ذلك، ولا تجد عندها سخاء اليد ولا الإنفاق في سبيل الله، وتغفل عن أحوال المسلمين واليتامى والأرامل والثكالى والمغتصبات من نساء المسلمين في بقاع الأرض، وهذا جانب -أيضاً- نجده مثالاً من أمثلة القدوة السيئة التي تبرز في مجتمعات المسلمين.
أضف إلى ذلك أيضاً مجالاً ثالثاً، وهو مجال قوة الشخصية، يرتبط اليوم بواقع المرأة المنحرف في بعض المجتمعات الإسلامية وبعض البيئات بأن قوة الشخصية هي أن تكون المرأة نداً للرجل، وأن تكون المرأة متبرجة لا متحجبة، مختلطة غير منحسرة عن الرجال، فإن قوة الشخصية هو المثل الذي يقدم على أن المرأة تستطيع أن تكون نداً للرجل، كأن الحياة وجدت بين المرأة والرجل للصراع والمصارعة والمحاربة، لا للتكامل والتعاون والتعاطف، فمثلاً هم يأتون بامرأة ويقولون: هذه من الرائدات أو من القائدات من أصحاب الشخصيات القوية اللواتي لهن سبق في ميادين كثيرة، ويقصدون بذلك أنها تمردت على شرع ربها ولم ترض هدي نبيها ﷺ ، ولم تقتد بأسلافها من أمهات المؤمنين ونساء المؤمنين، فهذا المثل أيضاً ضرب من ضروب الانحراف، والأمثلة في ذلك -كما أشرت- كثيرة متعددة، ولو أخذنا كل مجال من هذه المجالات لوجدنا أمثلة مضادةً، فعندما نقول: أمثلة الصبر والثبات نجد اليوم في مجال المرأة في كثير من المجتمعات -وخاصة المجتمعات المدنية والحضرية- أن المرأة اليوم تخاف من ظلها، وأن المرأة لو وجدت في البيت جرادة لأعلنت حالة الاستنفار وأعلنت حالة التأهب القصوى؛ لأن هناك غزواً بالطائرات النفاثة أو غير ذلك، هذه أمثلة ربما بعضها يكون من طبيعة المرأة، لكن هذه المبالغات التي وقعت فيها مجتمعاتنا أدت إلى أننا لا نجهز ولا نعد المرأة التي يمكن أن يكون لها الإسهام المطلوب والمهم في واقع حياة المجتمع المسلم.
ولو قلنا: مجال العبادة والدعوة وتفرغ المرأة له لوجدنا في هذا الوقت بعض نساء المسلمين تفرغت فضيعت وقتها في سماع اللهو والغناء والقيل والقال، فبدلاً من أن تنشغل بالدعوة والتذكير فهي تنشغل بالأخبار والأقاصيص والأحوال، وما فعلت فلانة، وما لبست فلانة، حتى كأنك تجد نشرات الأخبار مفصلة تفصيلاً أبلغ من كل تفصيل عند أولئك النساء، شغلن بذلك أوقاتهن وأوغرن الصدور وفرقن الصفوف، إلى غير ذلك من هذه المجالات التي ينبغي أن تربأ المسلمة بنفسها عنها.
стр. 1113
عوائق في طريق المرأة القدوة
الفقرة الأخيرة بعض العوائق في طريق المرأة القدوة، وأحب أن أنبه إلى أن أكثر هذه العوائق تتعلق بالرجال، فإننا قد ذكرنا إعانة المرأة للرجل وأثرها، ولعل إعانة الرجل للمرأة أبلغ أثراً وأعظم في حصول المقصود، فمن هذه العوائق أولاً: الإهمال من الرجال، فالرجل إذا أهمل تربية بناته ونصح زوجته أو زوجاته، وإذا أهمل إعطاءهم جزءاً من وقته وشيئاً من علمه وبعضاً من خبرته وجهده ومشاركة في همه وأحوال وهموم المسلمين فإن ذلك يكون عاملاً من عوامل التثبيط والممانعة، وعدم حصول نموذج المرأة القدوة الذي نطمح إليه وذكرنا بعض مجالاته وميادينه، فهذا عائق مهم من العوائق.
الجانب الثاني: الإهمال بصورة عامة، فنحن نرى أن ميادين كثيرة تسهل وتيسر ويعتني بها ويبذل فيها الجهد فيما يختص بالرجال والذكور، ولا تحظى بمثل ذلك الاهتمام في مجال النساء، فدروس العلم ومحاضرات التوعية وكتب الثقافة وغير ذلك من المجالات نجد أن الغالب الأعم والجزء الأكبر يُعنى بجانب الرجال والشباب والذكور أكثر من عنايته بجانب النساء والمرأة والبنت، رغم خطورة هذا الشر كما أشرت في أول الموضوع، فالحق أنه ينبغي أن تزاد الجهود والمحاضن التربوية والتعليمية التي تحتضن الفتيات والنساء، فنحن عندنا المساجد للشباب أو للذكور وهناك ميادين ومحاضن كثيرة، بينما لا يوجد مثل ذلك بالقدر الذي يكفي ويعين ويكمل نفس الجوانب بالنسبة للنساء، وهذا أيضاً عائق من العوائق وباب من الأبواب التي تكون سبباً في التعثر في الوصول إلى القدوة.
الجانب الثالث: المعارضة الجاهلة، فإن بعض الرجال مع أنه قد أهمل في أول الأمر ولم يقدم شيئاً، وإذا كانت زوجته أو ابنته تريد أن تقوم بأمر أو تستفيد من مجال من المجالات لا يكفي أنه لم يقدم شيئاً، بل يأتي ويكون عائقاً وعقبةً من دونما حجة شرعية، أو من غيرما عذر وسبب شرعي، فلو لم يكن هو معلماً لزوجته فأرادت أن تتعلم كتاباً أو تحفظ شيئاً منه -والأمر ميسور، وليس هناك حرج شرعي ولا محذورات، كما هو الحاصل في بيئتنا بحمد الله ، فرص كثيرة ومجالات عديدة ليس فيها اختلاط ولا تبرج ولا محاذير شرعية- تجده يمنع دون أي حجة، بل عنده بعض الأوهام والأغاليط التي ربما يظنها من الإسلام أو ينسبها للإسلام وليست من الإسلام في شيء.
فهذه أبواب -أيضاً- يحصل من ورائها منع وإيقاف لكثير من الخير الذي يمكن أن يكتسب للنساء وللفتيات والأمهات بشكل عام، فينبغي أن يكون هناك التعاون والإيجابية لا المعارضة، فإن بعض الناس يشدد بما ليس في الإسلام، ويأتي بأمور من الأعراف والعادات أو من غيرته هو أو من حرصه هو ويريد أن يجعلها من الإسلام، وليست هي من الإسلام، فينبغي أن نتخلص منها، وقد رأينا -فيما سلف من حديثنا- أن المرأة جاءت إلى النبي ﷺ وتحدثت إليه في حضور الرجال، وسألته سؤالها وطلبت طلبها، ولم يكن في ذلك حرج ولا مانع شرعي، وإلا لبينه النبي ﷺ .
ولو اقتضى أمر من الأمور فيما فيه مصلحة ومنفعة وليس فيه محذور شرعي فينبغي أن لا تكون هناك العقبات والعوائق، إلا عندما يكون هناك أمران: إما محذور شرعي بين وواضح، وإما مصلحة ضرورية للأسرة أو لربها فيما يتعلق بهذا الجانب والشأن، فينبغي أن يكون هناك التعاون لأجل هذا الأمر، والمنفعة في آخر الأمر تعود إلينا جميعاً، فلو تعلمت زوجتك لعلمت أبناءها، ولو حفظت شيئاً من كتاب ربها لكان لذلك أثره في أبنائها، ولو استقامت وصلحت وتوجهت وتوعت لكان لذلك أثره عليك وعلى بيتك وأسرتك، فينبغي أن يكون هناك مثل هذا التعاون.
نسأل الله أن يصلح نساءنا وبناتنا وشبابنا وشاباتنا، وأن يعصمنا من الفتن، وأن يقينا من الانحرافات، وأن يجعل مجتمعاتنا نظيفة طاهرة، وأن يجعلنا مؤتسين بالنبي ﷺ ، متبعين لسير أسلافنا من الرجال والنساء الصالحين والصالحات؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1114
المساجد أحكام وآداب
لا يخفى على المسلم أهمية المساجد وعظيم قدرها؛ إذ هي بيوت الله التي تقام فيها أكبر شعائر الدين وأجلها، فحري بكل مسلم أن يعرف للمساجد حقها وقدرها، وأن يعظمها حق تعظيمها، وذلك بعمارتها بذكر الله ، والتأدب فيها بالآداب الحميدة التي بينها لنا الشرع الحكيم.
стр. 1115
أهمية المساجد ومعرفة آدابها
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، رفع السماوات بلا عمد، وبسط الأرض ومد، وأفاض النعم بلا حصر وعد، له الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وبما يوافي ويكافئ فضله وإنعامه، له الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، هو الرسول المجتبى والنبي المصطفى، علم الهدى ومنار التقى، بصر الله جل وعلا به من بعد عمى، وأرشد به من بعد غواية، وكثر به من بعد قلة.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! المساجد بيوت الله جل وعلا؛ فيها يذكر اسمه، ومنها ينادى إلى طاعته وعبادته، وفيها تحيا القلوب، وترق الأرواح، وتسجد الجباه، وتترتب بالذكر الألسنة، وتتراص الصفوف، وتتوحد وتأتلف النفوس.
стр. 1116
فضل المساجد وعمارها
المساجد بيوت الله لها أحكام وآداب، وقد كثر من عدد غير قليل من إخواننا المصلين شكواهم من عدم معرفة تلك الأحكام، ولا مراعاة تلك الآداب، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أخطر وأعظم ضرراً وشراً، ومن ثمَّ فالمسجد وخطبته تعالج الأوضاع التي يعيشها أهل المسجد ومن يجاوره، كما تعالج أوضاع الأمة كاملة.
فإن لنا في هذا المقام وقفات كثيرة، وهي لا تتحدث عن شرق أو غرب، ولا عن بلاد في هذه الجهة أو تلك، إنما تتحدث عنا وعما يجري في مسجدنا وواقعنا، ومثله وغيره كثير من المساجد.
فكيف الأمر ونحن نتحدث عن بيوت الله التي ذكر الله نسبتها إليه فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٨] إنها بيوت الله ، فهل هي في المقام والقدر وفي الرعاية والحفظ تعطى حقها؟! وهل نجعلها مثل بيوتنا على أقل تقدير؟! وهل نحن عندما نأتي إليها أو نكون فيها أو نتعامل في داخلها نراعي حرمتها، ونراعي مقامها؟ فقد صح عند البخاري من حديث عثمان عن نبينا ﵊ قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له مثله بيتاً في الجنة)، فهي بيوت الله جل وعلا.
والصورة الأخرى التي ينبغي أن نستشعرها ونحن نقدم هذا الحديث هي: أن عُمَّار المساجد هم أهل الله وعباده، وهم في خلاصة الأمر صفوة من العباد والخلق الذين يجيبون نداءه، ويسعون إلى طاعته، ويقبلون إلى مرضاته، فكيف بهذه الصفوة إذا كانت تخل بالأحكام، ولا تراعي الآداب، ولا تلتفت إلى الحرمة، بل ويقع من البعض ما هو أكثر من ذلك، يقول الحق : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨] يقول ابن كثير: شهد الله بالإيمان لعُمَّار المساجد.
وذكر ابن كثير: أن عبد بن حميد روى في مسنده عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله).
ورواه البزار كذلك عن أنس.
وروى عبد الرزاق عن عمر بن ميمون أنه قال: (أدركت أصحاب النبي ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها)؛ لكن الضيف ينبغي أن يراعي أدب المكان، وأدب المضيف، وهو الرحمن ، فنحن في بيوته، ونحن إنما جئنا لعبادته، ونحن إنما تفرغنا لذكره، فكيف بنا نخدش ذلك أو لا نلتفت إلى الأمور الواجبة؟
стр. 1117
ذكر الآداب المطلوبة للمسجد
стр. 1118
التجمل والتزين لدخول المسجد
إن هذه البيوت بيوت الله ؛ لأجل ذلك أمرنا الله ونبهنا أن نراعي ما يجب لها فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، قال ابن كثير في تفسيره: وفي هذه الآية مع ما ورد في السنة النبوية أنه يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، ويستحب الطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك.
وقال السعدي: كذلك يحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن، ففي هذه الآية الأمر بستر العورة في الصلاة، واستعمال التجمل فيها، ونظافة السترة من الأدناس والأرجاس.
ونحن إذا ذهبنا لزيارة أحد من الأصدقاء فضلاً عن الفضلاء تزينا لذلك، ولبسنا من الثياب أحسنها، ووضعنا من أنواع الطيب أعطرها، وجعلنا لأنفسنا من الهيئات أفضلها، فإذا جاء بعضنا إلى المساجد رأيته وهو يأتي بثياب النوم التي لا يرضى أن يستقبل بها أحداً في بيته.
وربما وجدت بعضهم وهو يأتي في ثياب مهنته وقد اسود بعضها، وفي بعضها من القذر وكراهة الرائحة ما فيها، وبعضهم يأتي بملابس قد كتب عليها من الكلمات ومن الصور ما لا يليق أن يكون في بيت من بيوت الله ، وربما وجدت بعضاً وفي لباسه ما يعد مخالفاً لستر العورة إما من قصر أو ضيق أو تشبه أو نحو ذلك، وهذا خلاف الأمر الرباني لأخذ الزينة اللازمة.
وكان من هيئة الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ أنه إذا خرج إلى المسجد اغتسل ولبس أحسن ثيابه وتطيب، فإذا خرج لم يكن يكلم أحداً ولا يكلمه أحد حتى يدخل إلى مسجد رسول الله ﷺ ، فيصلي، ثم يشرع فيحدث بحديث المصطفى ﵊، هكذا كانوا يعرفون حق قدومهم على بيوت الله من غير مخيلة ولا رياء ولا مبالغة، ومن غير استهانة وتفريط وعدم مراعاة حرمة وقدر، وغير ذلك.
وكذلك نذكر هنا حديث النبي ﷺ المشهور المعروف الذي يتبادله الناس ويتذاكرونه وكثيراً ما يخالفونه، وهو حديث جابر عند البخاري وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته).
قال بعض العلماء استنباطاً من هذا الحديث: إن الآكل لهذه الثمرة قبل الصلاة تسقط عنه الجماعة، ويجب عليه ألا يصلي مع الناس لئلا يؤذيهم.
والمقصود هنا كراهة الرائحة، وكل ما هو من هذا الباب داخل فيه وملحق به، فالمدخنون الذين يؤذون الناس برائحتهم شاءوا أم أبوا قد آذوا المصلين وآذوا ملائكة الله المقربين، وكانوا على هيئة ليست هي الهيئة التي يحبها الله لمن يأتي إلى بيته ليتعبد ويذكر ويسجد، ومثل ذلك من يأتون إلى المساجد بعد أن فرغوا من أعمالهم مباشرة من غير أن يتهيئوا ولو بمسح وجوههم، ولو بإزالة العرق عن جباههم، فضلاً عن أن يغيروا ملابسهم؛ ليزيلوا هذه الروائح الكريهة.
وبعضهم يأتي والأقذار على بدنه أو على ثيابه، ينفرك منظره من أن تكون إلى جواره في الصف، وتضايقك رائحته، فلا تكاد تشعر بما تريد أن تقبل عليه من طاعة الله وعبادته، فبالله عليكم هل مثل هذا إذا أراد أن يذهب لزيارة صديق من أصدقائه سيذهب على تلك الهيئة؟! أهانت بيوت الله في النفوس حتى بلغت مثل هذا المبلغ؟ وهل ذهب الاستشعار والتعظيم لبيوت الله حتى ندخلها كأنما ندخل مكاناً لا قيمة له ولا حرمة ولا اعتبار؟! إنها صور تكررت حتى صارت مألوفة، وحتى أصبح مثل قولي هذا مستنكراً مستهجناً، أو يعد فيه من المبالغة ما فيه، وأنه تشديد في غير موضعه، فبالله عليكم إن لم نتواص بذلك في بيوت الله التي نجعلها لطاعة الله فبمَ نتواصى من بعد؟ ونحن نعرف من هذا صوراً كثيرة، ونحسب أننا إذا تذكرنا أحاديث النبي ﷺ وإذا عرفنا آدابه وهديه الذي تلقاه عنه أصحابه فإننا ندرك أن المخالفة للسنة والهدي ليست في الصور المحدودة التي تجول في أذهاننا، بل هي في جملة هذا الهدي، ومنه تعظيم المساجد ومراعاة حرمتها، وأخذ الأدب اللازم واللائق بها.
روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أيما رجل خرج من بيته يوم الجمعة واغتسل ثم ادهن وتطيب من طيب امرأته، فخرج يريد الصلاة، ثم دخل فصلى ركعتين ولم يحدث أحداً، فأنصت حتى يفرغ الإمام ثم صلى مع الناس؛ غفر الله له ما بين تلك الجمعة إلى الجمعة الأخرى).
فانظروا إلى مجموع الوصف كله؛ فهو الذي يوجب لصاحبه ذلك الأجر، وبقدر النقص يكون النقص، فإن من لا يراعي ذلك ولا يتهيأ له لا ينال مثل هذا الأجر في هذا الحديث.
ونحن نعلم أيضاً أن النفوس تتأثر بالأعمال، فإذا جئنا لنخرج إلى المسجد استحضرنا هذه المعاني، ثم عملنا من العمل تطيباً وتطهراً وإحساناً في اللباس واستحضاراً للنية ووقاراً في الهيئة وكفاً للسان وغير ذلك؛ فإننا إن جئنا إلى المسجد حضرت وخشعت قلوبنا، وتذكرت عقولنا، وكنا على حال غير الحال التي نكون فيها.
стр. 1119
تطهير المساجد
قال ابن كثير وغيره في قول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] قال: أن تطهر من الأدناس والأرجاس ولغو الأقوال والأفعال، فإن رفع ذكر الله ليس بمجرد تلاوة القرآن وإقام الصلاة، بل يدخل فيه مثل هذه الأمور.
ونظافة المساجد أمرها مهم عظيم، وأجرها كبير، كما روى أبو داود وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) فإنك حين تأخذ قشرة أو قشة صغيرة فتقمها من المسجد وتطهره وتنظفه يكون ذلك من الأعمال التي تعرض على رسول الله ﷺ ، وهذا العمل من ضمن الأعمال التي لها أجر خاص لأمة محمد ﷺ .
ونرى كذلك ذلك الحديث العظيم الذي يدلنا على الفضل وعلى التقدير النبوي والمقياس الإسلامي الذي ينبغي أن نراعيه؛ روى البخاري وغيره من حديث أبي هريرة: (أن امرأة أو رجلاً -وتغليب الرواية: أنها امرأة- كانت تقم المسجد على عهد رسول الله ﷺ -أي: تأخذ ما يكون في المسجد من الأذى والقذى فتلمه وتخرجه- فماتت، فافتقدها النبي ﷺ ، ولما علم بها قال: أفلا كنتم آذنتموني حتى أشهدها؟ ثم سأل عن قبرها، فذهب وصلى عليها بعد دفنها).
لقد كانت امرأة مجهولة ليست معروفة، حتى إن الصحابة عندما ماتت لم يذكروا خبرها للنبي ﵊، فالتفت إليها النبي وافتقدها وسأل عنها، وعاتب على أنهم لم يذكروا له موتها، ثم ذهب فصلى عليها ﵊.
ونحن ربما نعمل العكس، فنحن الذين نوجد القذى في المسجد، ودورات مياه المساجد شاهدة بذلك، إذ يعمل الناس فيها من التخريب ومن التلويث ما كأنهم قصدوه عمداً أو أرادوه؛ حتى يجعلوا بيوت الله بهيئة وصورة لا تليق بها، ولو كان ذلك في بيوتهم لدعوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولكانوا أحرص ما يكونون على مثل هذه النظافة التي لا يأبهون بها ولا يحرصون عليها في بيوت الله .
стр. 1120
خفض الصوت وعدم التشويش والفوضى
وهناك أمر آخر: وهو الآداب المرعية في داخل المسجد: فكم تسمع من حديث ليس فيه ذكر ولا طاعة، بل ربما كان حديثاً في أودية الدنيا، أو غيبة أو نميمة، وكم ترتفع الأصوات، وكم تعلو الضحكات، حتى إن بعض الناس ربما يختلف عليه الأمر ويلتبس هل هو في مسجد أو في مكان آخر، ولا أريد أن أقول: في مقهى! استمعوا إلى هذا الحديث الذي عند البخاري في صحيحه يرويه السائب بن يزيد قال: (كنت في المسجد، فحصبني رجل -يعني: رماني بحصاة صغيرة من ورائي- فالتفت فإذا عمر بن الخطاب ﵁، فقال لي: اذهب فائتني بهذين الرجلين -رجلان كانا يتحدثان بصوت عالٍ- قال: فأتيته بهما، فقال: من أنتما أو من أين أنتما؟ فقالا: من الطائف.
فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما -أي: ضرباً- ترفعان أصواتكما عند رسول الله ﷺ !) وفي رواية: (في مسجد رسول الله ﷺ .
وقال الإمام مالك ﵀ بكراهة رفع الصوت في المسجد مطلقاً.
وقال ابن عابدين في حاشيته على مذهب أبي حنيفة: يسوغ رفع الصوت إلا أن يشوش على المصلين، ولو بذكر أو قراءة.
وبعض الناس يقرأ القرآن كأنما يريد أن يسمعه خلق الله كلهم ويشوش على الآخرين.
وبعضهم يتحدث بالأحاديث كأنما هو في بيته أو غير ذلك، ونرى من هذا صوراً كثيرة مزعجة تشوش على العبادة والطاعة، وقد تنفر بعض الناس من حضور المساجد وشهودها، وهذا مما ينبغي لفت النظر إليه والانتباه له، وهو أمر ظاهر وبين.
стр. 1121
ظواهر سلبية في المساجد
стр. 1122
سلبية ظاهرة التسول في المساجد
إن الصورة المحزنة المؤلمة المتكررة الدائمة التي ألفها الناس حتى صاروا ينكرون على من ينكرها هي: السؤال في المساجد والتسول فيها، مع أننا نسمع قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] قال السعدي في تفسيره: المقصود الأمران معاً: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.
فكيف تسأل في بيت الله غير الله؟ وقد كان هشام بن عبد الملك يطوف مرة بالبيت الحرام، فلقي بعض العلماء من أئمة التابعين، فسلم عليه وقال له: سلني حاجتك.
قال: إني أستحي من ربي أن أسأل غيره وأنا في بيته! فلما خرج قال: نحن الآن قد خرجنا من المسجد فسلني حاجتك.
قال: من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة؟ قال: من أمر الدنيا؛ فأمر الآخرة لا أملكه.
قال: أنت تملك الدنيا؟ قال: لا.
قال: فإني لم أسألها ممن يملكها فكيف أسألها مما لا يملكها! وهذا من الأمر المهم، ولكننا نلتفت هنا إلى حديث لو تأملنا في نصه لأدركنا أننا لا ننتبه ولا نتعلم ولا نعرف هدي النبي ﷺ على الوجه الصحيح، وهو حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري في صحيحه، يقول فيه المصطفى ﵊: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا)، فهذا لا يسأل الناس مالاً، وإنما ضلت عليه ناقته فيقوم فيقول للناس: بعيري هل رآه منكم من أحد؟ فقال ﵊: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا).
وفي رواية أخرى عند البخاري أن النبي ﷺ قال: (من نشد عن الجمل الأحمر؟ ثم قال: لا رده الله عليه).
هذه مسألة مهمة ينبغي أن نعرف أن السؤال وخاصة على الهيئة التي نراها من التشكي، وعرض ما قد يكون صحيحاً أو غير صحيح من أنواع البلاء والابتلاء الرباني، كأنما هو اعتراض على قدر الله، وكأنما هو شكوى لغير الله، ثم هو في غير موضعه الصحيح وعلى غير صفته المشروعة في حال من الأحوال، فإن أنكر مُنكِرٌ أو قال: لا تفعل هذا، تحركت القلوب برحمة غير مدركة للحكمة، وربما أنكرت على ذلك المُنكِر، وهذا من الأمور التي ينبغي التنبه إليها.
وقد ذكر المفسرون في قوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨] وكذلك في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩] أن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فلا يسأل في بيوت الله غير الله جل وعلا.
стр. 1123
ظاهرة عبث الأطفال وإزعاجهم في المساجد
ومن ذلك الصغار من الأبناء الذين لا يعلمهم آباؤهم آداب المساجد، يعيثون فيها فساداً، ويلعبون فيها، بل إنهم قد يجعلون فيها من النجاسات والقاذورات ما لو كان عشر معشاره في بيت أحدنا لقام على ابنه ضرباً ووعيداً؛ حتى يزجره عن ذلك ويمنعه منه، وهم يسرحون أبناءهم في المساجد كأنما يسرحونهم في الملاعب أو الملاهي غير عابئين ولا آبهين بذلك.
وكم كانت الشكوى من هؤلاء الأطفال في يوم الجمعة؛ حيث لا يكاد الناس أن يسمعوا الخطبة من كثرة إزعاج أولئك الصغار، وآباؤهم من رواد المساجد المداومين على الصلاة المعروفين بأشخاصهم وأعيانهم! ولكن لا يلتفتون إلى ذلك، ولا يرون أن فيه تفريطاً وتقصيراً منهم، فربما يلحقهم الإثم بما يشوشون على المصلين ويفقدونهم من الخشوع أو الانتفاع بالاستماع، وهذا أمر كثير بين، ولنا من بعد ما هو أشد وأخطر، فالله الله في بيوت الله وفي مساجد الله أن تعظم، وأن يرفع فيها اسمه، وأن يتهيأ المسلم لها بما ينبغي لها.
نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يلزمنا كتاب ربنا، وأن يجعلنا مهتدين بهدي نبينا ﷺ ، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1124
من أحكام المساجد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
стр. 1125
حكم تخطي الرقاب في المسجد
أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله تعظيم حرمات بيوت الله، ومراعاة حقوقها، والتزام الأدب اللازم لها، وإن الأمر أيها الأحبة ليس فيه إمكان للإحصاء لكل المخالفات، وإلا فإن هناك كثيراً وكثيراً منها، ومن ذلك تخطي الرقاب الذي يحصل في الجمعة وغيرها، وهو منهي عنه، ومما قد وردت النصوص بأنه قد يبطل على صاحبه ويذهب أجره في صلاة الجمعة.
следующие страницы →