Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ظواهر سلبية في المساجد
стр. 1122
سلبية ظاهرة التسول في المساجد
إن الصورة المحزنة المؤلمة المتكررة الدائمة التي ألفها الناس حتى صاروا ينكرون على من ينكرها هي: السؤال في المساجد والتسول فيها، مع أننا نسمع قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] قال السعدي في تفسيره: المقصود الأمران معاً: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.
فكيف تسأل في بيت الله غير الله؟ وقد كان هشام بن عبد الملك يطوف مرة بالبيت الحرام، فلقي بعض العلماء من أئمة التابعين، فسلم عليه وقال له: سلني حاجتك.
قال: إني أستحي من ربي أن أسأل غيره وأنا في بيته! فلما خرج قال: نحن الآن قد خرجنا من المسجد فسلني حاجتك.
قال: من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة؟ قال: من أمر الدنيا؛ فأمر الآخرة لا أملكه.
قال: أنت تملك الدنيا؟ قال: لا.
قال: فإني لم أسألها ممن يملكها فكيف أسألها مما لا يملكها! وهذا من الأمر المهم، ولكننا نلتفت هنا إلى حديث لو تأملنا في نصه لأدركنا أننا لا ننتبه ولا نتعلم ولا نعرف هدي النبي ﷺ على الوجه الصحيح، وهو حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري في صحيحه، يقول فيه المصطفى ﵊: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا)، فهذا لا يسأل الناس مالاً، وإنما ضلت عليه ناقته فيقوم فيقول للناس: بعيري هل رآه منكم من أحد؟ فقال ﵊: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا).
وفي رواية أخرى عند البخاري أن النبي ﷺ قال: (من نشد عن الجمل الأحمر؟ ثم قال: لا رده الله عليه).
هذه مسألة مهمة ينبغي أن نعرف أن السؤال وخاصة على الهيئة التي نراها من التشكي، وعرض ما قد يكون صحيحاً أو غير صحيح من أنواع البلاء والابتلاء الرباني، كأنما هو اعتراض على قدر الله، وكأنما هو شكوى لغير الله، ثم هو في غير موضعه الصحيح وعلى غير صفته المشروعة في حال من الأحوال، فإن أنكر مُنكِرٌ أو قال: لا تفعل هذا، تحركت القلوب برحمة غير مدركة للحكمة، وربما أنكرت على ذلك المُنكِر، وهذا من الأمور التي ينبغي التنبه إليها.
وقد ذكر المفسرون في قوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨] وكذلك في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩] أن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فلا يسأل في بيوت الله غير الله جل وعلا.
стр. 1123
ظاهرة عبث الأطفال وإزعاجهم في المساجد
ومن ذلك الصغار من الأبناء الذين لا يعلمهم آباؤهم آداب المساجد، يعيثون فيها فساداً، ويلعبون فيها، بل إنهم قد يجعلون فيها من النجاسات والقاذورات ما لو كان عشر معشاره في بيت أحدنا لقام على ابنه ضرباً ووعيداً؛ حتى يزجره عن ذلك ويمنعه منه، وهم يسرحون أبناءهم في المساجد كأنما يسرحونهم في الملاعب أو الملاهي غير عابئين ولا آبهين بذلك.
وكم كانت الشكوى من هؤلاء الأطفال في يوم الجمعة؛ حيث لا يكاد الناس أن يسمعوا الخطبة من كثرة إزعاج أولئك الصغار، وآباؤهم من رواد المساجد المداومين على الصلاة المعروفين بأشخاصهم وأعيانهم! ولكن لا يلتفتون إلى ذلك، ولا يرون أن فيه تفريطاً وتقصيراً منهم، فربما يلحقهم الإثم بما يشوشون على المصلين ويفقدونهم من الخشوع أو الانتفاع بالاستماع، وهذا أمر كثير بين، ولنا من بعد ما هو أشد وأخطر، فالله الله في بيوت الله وفي مساجد الله أن تعظم، وأن يرفع فيها اسمه، وأن يتهيأ المسلم لها بما ينبغي لها.
نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يلزمنا كتاب ربنا، وأن يجعلنا مهتدين بهدي نبينا ﷺ ، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1124
من أحكام المساجد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
стр. 1125
حكم تخطي الرقاب في المسجد
أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله تعظيم حرمات بيوت الله، ومراعاة حقوقها، والتزام الأدب اللازم لها، وإن الأمر أيها الأحبة ليس فيه إمكان للإحصاء لكل المخالفات، وإلا فإن هناك كثيراً وكثيراً منها، ومن ذلك تخطي الرقاب الذي يحصل في الجمعة وغيرها، وهو منهي عنه، ومما قد وردت النصوص بأنه قد يبطل على صاحبه ويذهب أجره في صلاة الجمعة.
стр. 1126
حكم حجز الأماكن في المسجد
ومن ذلك ما يحصل من حجز الأماكن، حيث لا يأتي الإنسان إلى الصفوف الأولى إلا متأخراً، ثم يكون قد جعل له موضعاً بغير حق، حتى لا يأخذه غيره، ولا يكون له بذلك -والله أعلم- أجر؛ لأنه لم يبكر.
والمقصود بفضل الصف الأول التبكير، وأن يسابق إليه، وأن يستحقه بهذا التبكير الذي يبادر إليه.
стр. 1127
أهمية التعاون في الحفاظ على حرمات المساجد
وهناك صور أخرى كثيرة، ومنها أمور أصبحنا نشكو منها، وذلك أن بعضاً من الشباب على وجه الخصوص يمكثون في المسجد وفي ملحقه ولا يؤدون الصلاة مع الجماعة، وهم يرونها، ويمكثون في أوقات أخرى يقضونها باللعب والهجر وغير ذلك من أمور لا تليق مطلقاً، ولا أحد من الناس يلتفت أو ينكر أو ينتبه.
بل إننا قد شكونا من أمور أعظم من ذلك؛ لأننا نرى في دورات المياه إبر المخدرات؛ حيث يدخلون إلى بيوت الله ليتعاطوها في دورات المياه، أو في ملحقات المساجد، وأقول هذا لنلفت النظر أننا جميعاً مقصرون، وأننا مفرطون؛ لأننا لا نتعاون ولا نتكاتف لنجعل بيوت الله مأرز إيمان وموطن تصحيح وتقويم وتهذيب ومحطة يخرج منها الناس باستقامة في سلوكهم وتهذيب في أخلاقهم وحسن في أقوالهم، لا أن تكون مجرد محطة عابرة أو ربما في بعض الأحوال يأتي الناس إلى المساجد ليقوموا بأعمال محرمة أو تكون ملتقىً لاتفاقات وأعمال آثمة، وذلك كله واقع حاصل غير مبالغ فيه، بل هو حقائق ألجأت إلى مثل حديثنا هذا وغيره، وهذا مما ينبغي التحرز منه خاصة في شهر رمضان؛ لأنه تكون المساجد فيه مفتوحةً وقتاً أطول، وإذا بها مفتوحة لينام النائمون، ويتحدث المتحدثون، وتضيع الأوقات، ولا تراعى الحرمات.
نسأل الله أن يعيننا على أن نجعل بيوت الله مكاناً معظماً محترماً، فينبغي لنا أن نتعاون في ذلك، وأن يتكاتف فيه أهل المسجد وأهل الحي، ومصلو الجمعة جميعاً، فينبغي أن يوجد التواصي بالحق، وأن يكون التواصي بالصبر، والنصح والمنع لما يستحق المنع مما ليس مشروعاً؛ وهذا كله من التواصي الذي أمرنا به، والذي يستحق به أهل الإيمان الاستثناء من الخسران.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم إنا نسألك لقلوبنا الصفاء والنقاء، ولأبداننا الصحة والعافية، ولنياتنا الإخلاص وقصد وجهك الكريم، ولأعمالنا الصحة وموافقة سنة نبيك الكريم ﷺ .
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر وثبت وأعن عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وأفرغ على قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، وحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم ارحم عبادك المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! فرج اللهم همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانةً صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1128
الاختبارات والمسارعة إلى الخيرات
موسم الاختبارات موسم يسوده التوتر والقلق، ويكتنفه الجد والاجتهاد وشغل الأوقات بكل ما يخص تلك الفترة، والتخلي عن المشاغل والقواطع، وهذا أمر مطلوب ولابد منه، وإذا كان الأمر كذلك في اختبارات الدنيا، فكيف بالاختبار الأعظم بين يدي الله! فلاشك أن العاقل لا تخفى عليه أهمية الاجتهاد والمثابرة لاجتياز ذلك الامتحان الرهيب بنجاح وتفوق، وذلك بالمسارعة إلى الخيرات قبل فوات الأوان.
стр. 1129
الاجتهاد في موسم الاختبارات
الحمد لله الذي وسعت كل شيء رحمته، ونفذت في كل شيء مشيئته، وأحاط بكل شيء علمه.
له الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال، وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! موسم الاختبارات لكل منا به تعلق، وله ارتباط، ولو أنا تأملنا في مثل هذا الموسم، وما يكون من حالنا جميعاً فيه، وحال الطلاب على وجه الخصوص، لخرجنا بكثير من الفوائد، ونريد في هذا المقام أن نخرج بقضية واحدة، أحسب أنها من القضايا المهمة التي ينبغي أن تحظى بعناية تامة ورعاية كاملة في واقع حياتنا.
لننظر إلى هذه الاختبارات: مبدؤها وأساسها الذي يحرك الطاقات، والتي نبذل فيها الهم والاهتمام، ولو أن طالباً لا يشعر بأهمية الاختبار، ولا يعرف قدره، ولا يحسب حساباً للنتائج المترتبة عليه، فإن شيئاًَ لن يدفعه إلى الجد والاجتهاد، فأول مبعث كل عمل: همّ القلب، وفكر العقل، وشعور النفس، ومن بعده جدّ واجتهاد، فكم نرى من بذل الطاقات، وشحذ الأذهان، وتقوية الذاكرة، ودوام المطالعة، وكثرة المراجعة، مما يدل على طاقة كبيرة، وبذل عظيم، ثم تفرغ واهتمام، والوقت يفرغ من كل الشواغل والعوارض، بل تؤجل كثير من الأمور المعتادة، ويقلّص وقتها، فيكاد يختفي وقت الترفيه، ويقل وقت الراحة، ويتقلص وقت الطعام والشراب؛ توفيراً للوقت لما هو أعظم أهمية، وأولى بالرعاية والاهتمام.
ونجد كذلك التركيز والتقديم، فإن أموراً كثيرة لا تحظى بالاهتمام في هذه الأوقات، حتى الآباء والأمهات لا يعتنون كثيراً في هذه الأيام إلا بهذه القضية المهمة، فيعطونها الأولوية على سائر المهمات والواجبات المتصلة بدورهم تجاه أبنائهم، ويرافق ذلك الحث والتشجيع، والوعد بالجوائز عند النجاح، وبالعظائم من المنح عند التفوق، وإذكاء روح الحماس، وبث الثقة في النفس؛ ليكون الاجتياز لهذه الاختبارات على أتم وأكمل وجه.
ومن بعد ذلك نجد وعداً بالتعويض بالثمرة، فإن سهر هذه الليالي وقلة نومها وذهاب راحتها يهون وينسى عندما تخرج النتيجة بذلك النجاح والتفوق، فكلما تعب الطالب تلمّح عاقبة الامتحانات، فتجدد عزمه، ونشطت نفسه، وقويت همته من جديد.
وفي آخر الأمر يكون الترقب والانتظار بعد انتهاء المهمة، فكل يعد الدقائق والساعات حتى تظهر النتائج، فالطلاب ينتظرون عند أبواب الصحف أو على شاشات الحاسوب، لماذا؟! إنهم يريدون معرفة الثمرة.
هذه صور يسيرة مما نعرف أنه واقع في موسم الاختبارات، ولو أن أحداً أراد أن يوجد للطلاب وصفة للنجاح والتفوق، لقال باختصار شديد: المبادرة في المذاكرة والمراجعة! فلو أن طالباً كان مبادراً يدرس دروسه أولاً بأول، ويراجعها مرة بعد مرة، ويحل أسئلتها، ويفك معضلاتها دون تأخير ولا إبطاء؛ فإنه يكون مطمئن النفس، قرير العين، واثقاً من قدرته بإذن الله على حصوله على مبتغاه ومراده، وأما المسوف المؤجل، والمتكاسل المتواني، والذي لا يستطيع أن يعطي للأمر حقه وقدره، وينهض بهمته وعزمه، فذاك الذي يكاد أن يجزم بأنه لن يحصل على النتائج العالية والتفوق.
стр. 1130
أهمية المسارعة إلى الخيرات
стр. 1131
الاعتبار بالاختبار للمسارعة إلى الخيرات
الذي نريد أن نخرج به مما سبق أن المسألة المهمة في نجاح كل أمر: هي المبادرة إلى إنجازه، والإتقان في أدائه، والحرص على تحصيله في وقته قبل فوات أوانه.
والمسارعة إلى الخيرات درس عملي نستفيده من موسم الاختبارات، ألسنا في هذا الموسم -كما قلنا- نقدم كل شيء يتعلق بهذه الاختبارات، ونعطيه الأولوية، ونصرف فيه الطاقة، ونفرغ له الوقت، ونهيء له الأسباب، ونقطع عنه الشواغل؟! لأنا نريد النتيجة الأفضل والأكمل، فأين نحن من هذا في واقع حياتنا؟! لأن الحياة والعمر كله موسم اختبارات، وختامه انتهاء الحياة، ونتيجته يوم تتطاير الصحف، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله من وراء ظهره.
فالمسارعة إلى الخيرات هي أعظم أسباب النجاح في الاختبارات المسارعة إلى الخيرات هي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها، والإقبال على أدائها دون إبطاء أو إرجاء، هل يؤجل اليوم أحد الطلاب مذاكرة اختبار الغد، ويقول: لا بأس أن أقرأ وأن أراجع في وقت لاحق؟! كلا؛ لأنه لا بد منه في هذا الوقت، وقد ضاق الزمن، وتحدد أن تكون هناك المبادرة.
ولئن كان موعد الاختبار محدداً بيوم وتاريخ، فإن موعد اختبار كل واحد منا ليس له ذلك التحديد، فيمكن أن يكون غداً، ويمكن أن يكون اليوم، ويمكن أن يكون بعد عام، أو بعد عامين! فمتى يأتي الأجل؟ ومتى يخرج الإنسان من دنياه ليستقبل أخراه، ويبدأها بالسؤال في قبره، ومن بعد ذلك بين يدي ربه؟
стр. 1132
الحث على المسارعة إلى الخيرات في القرآن الكريم
المسارعة إلى الخيرات صفة جُعلت لأفضل خلق الله من الرسل والأنبياء، فبعد سياق ذكر قصص كثير منهم جاء قوله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] (أولئك) أي: الرسل والأنبياء، وجاء بصيغة المضارع المتجدد في معناه، أي: يسارعون دائماً وأبداً إلى الخيرات.
والمؤمنون الخاشعون تلك هي صفتهم كذلك، بل هي قمة الصفات وخاتمتها، كما قال الحق جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١]، إن الذي بلغ بهم تلك الخشية وذلك الخشوع والصفاء ونقاء التوحيد، إنهم مبادرون لأمر الله، لا يتوانون عنه، ولا يتأخرون فيه، ولا يقصرون في أدائه، وذلكم هو وصف العباد الصالحين، كما قال : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] ثم جاء الوصف في تفصيله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:١١٤]، فكل نتيجة من النتائج العظمى، ومنزلة من المنازل الكبرى، لا تنال إلا بالمبادرة والمسارعة إلى الخيرات، وذلك ما بيّنه أهل العلم وفصلوا القول فيه.
قال السعدي ﵀ في نداء الحق جل وعلا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] أي: سارعوا في الخيرات، (يسارعون في الخيرات) أي: يبادرون إليها، فينتهزون الفرصة فيها ويفعلونها في أول وقت إمكانها؛ وذلك من شدة رغبتهم في الخير، ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده.
وقال ابن عطية ﵀: هذا وصف بأنهم متى دعوا إلى خير من نصر مظلوم، أو إغاثة مكروب، وجبر مهيض، وعبادة لله؛ أجابوا، فيكون أحدهم متى أراد أن يصنع خيراً بادر إليه، ولم يسوف نفسه بالأمل.
فهل نحن كذلك؟! وهل نحن في المواسم العصيبة في طريقنا إلى الدار الآخرة كذلك؟! وعندما تمر بنا مواسم الاختبارات، من الابتلاءت المتنوعة التي لا يكاد يمر يوم دون أن تعرج علينا أو أن نمر بها، هل نحن على هذا الوصف أم أن التسويف والتأجيل وطول الأمل يكاد يقتل الهمم، ويفتر العزائم، ولا ينهض بأحد إلى مكرمة ولا طاعة؟ نحن نرى في السياق القرآني ما يبعث في النفس القوة على الأخذ بالطاعات، والرغبة في المسارعة إليها، فنداء القرآن كان دائماً وأبداً على هذا النحو: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
стр. 1133
الحث على المسارعة إلى الخيرات في السنة النبوية
يقول المصطفى ﷺ : (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر)، رواه أبو هريرة وهو عند الترمذي في سننه بسند حسن.
بادروا فإن الأمور أعظم من أن تؤجل، وإن الأجل أعظم من أن يؤخر.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه ﵊ قال: (التؤدة في كل أمر إلا عمل الآخرة)، رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، وصححه ووافقه الذهبي.
فيمكن أن تكون متأنياً مؤجلاً مؤخراً، إلا إذا كان العمل عمل آخرة.
وتأمل في القدوة العظمى سيدنا محمد ﷺ ، كيف كان السابق المبادر إلى كل خير، قال أنس ﵁ في وصفه للنبي ﵊: (كان رسول الله ﷺ أشجع الناس، وأحسن الناس، وأجود الناس، استيقظ أهل المدينة على صوت صارخ، فسبق إليه، ورجع وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا!).
وتأمل قول علي بن أبي طالب ﵁ في وصفه ﵊: (كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق -أي: في شدة القتال وضراوته- نتقي برسول الله ﷺ فيكون في مقدمة القوم، وأول الركب؛ لأنه المسارع المسابق، ولأنه المبادر إلى الطاعات، لم يضن بنفسه، ولم يمل مع هواها، وكان كذلك في حياته كلها ﵊، حتى سارع بأمله وطموحه فقال: (والله لقد وددت ألا أقعد خلف سرية تقاتل في سبيل الله)، ثم سارع بفعله كما رأينا في هذه السيرة العطرة من بعض هذه الومضات العظيمة.
(وصلى ﷺ مرةً، فتجوز في صلاته، ثم مشى مسرعاً، ودخل إلى بعض بيوته، وغاب قليلاً وخرج، فرأى في عيون أصحابه السؤال والتعجب، فبادر قائلاً: ذكرت شيئاً من تبر -أي: ذهب- فخشيت أن يحبسني، ففرقته في سبيل الله).
تلك هي المبادرة؛ فإن الوقت يمضي، وإن الأجل يقطع، وقد قال ﷺ في مثل هذا المعنى -كما روى ابن ماجة في سننه-: (حجوا قبل ألا تحجوا، فإنه يمرض المريض، وتعطب الدابة)، فهذا في الحث على المبادرة في الحج، فإنه قد يمرض الإنسان، وقد تعطب دابته، وقد يفوته هذا الأمر كما يفوته غيره من الأمور إن هو أخر، فلا يدري كيف سيكون حاله؟ وفي الحديث: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك).
كل ذلك قاله ﷺ ، وكل ذلك امتثله وحث عليه أصحابه، فالاختبار لا يمكن النجاح فيه بالتفوق إلا بمثل هذه المبادرة، وبمثل هذا الذي نصنعه في هذا الموسم من تفريغ الأوقات، وقطع الشواغل، وتركيز الاهتمامات، وإعادة ترتيب الأولويات، وجعل الأمور في نصابها، فقد دخلت هموم الدنيا وشواغلها، ودخلت الملهيات والمغريات وصوارفها التي جعلت القلوب معلقة بغير تلك المسارعة إلى الطاعات.
وتأمل هذه الكلمات التي تدلنا على معنى هذه المسارعة، وكيف تكون كما شبهنا ذلك وسنعيده بإيضاح أكثر في شأن الاختبارات.
قال السعدي ﵀: والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات -إذ إنه ليس مجرد فعل، بل هو أكثر من ذلك- فإن الاستباق إلى الخيرات يتضمن فعلها وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات فهو السابق في الآخرة إلى الجنات! ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير وينشطها ما رتب الله عليها من الثواب، قال جل وعلا: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٤٨]، ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يطلب فيها العمل على أفضل وجه، كالصلاة في أول وقتها، والمبادرة إلى إبراء الذمة في الصيام والحج والعمرة، وإخراج الزكاة، والإتيان بسنن العبادات، وغير ذلك مما فيه الكمال.
وكل هذا يدلنا على أننا إذا نظرنا إلى أحوالنا في مثل هذا الأمر وجدنا أنا مقصرون فيها.
وقال أبو حيان في تفسيره: المسارعة في الخيرات تكون من شدة وفرط الرغبة فيها.
أي: عن رغبة في الأمر المبادر إليه والقيام به.
стр. 1134
حال الصحابة في المسارعة إلى الخيرات
بعد سرد هذا التوجيه القرآني، وبعد هذه القدوة النبوية، نذكر كيف كان ذلك جلياً في حياة الصحب الكرام، كما هو معلوم في ذلك الحديث المشهور عند الترمذي في سننه من رواية عمر ﵁ وأرضاه، أنه قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً قال: فجئت بنصف مالي! فقال ﵊: ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، ثم جاء أبو بكر بكل ما عنده، فقال له الرسول ﵊: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر ﵁: والله لا أسابقه إلى شيء أبداً).
وهناك رواية أخرى في شأن آخر بين الشيخين الجليلين في أمر يسير؛ ليدلنا ذلك على أن أمر المنافسة والمسارعة، والحرص على الأجر والمثوبة، والسبق إلى الخير والإحسان؛ كان أمراً في طبيعة نفوسهم.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث عمر أيضاً: (أنه كان مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، فمروا بـ عبد الله بن مسعود وهو يقرأ القرآن، فأنصت له النبي ﷺ ، وكان حسن التلاوة عذب الصوت، فقال ﵊: من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، قال عمر ﵁: فأدلجت -أي: مشيت بالليل- إلى ابن مسعود لأبشّره، فلما ضربت الباب قال: ما أتى بك الساعة؟ قلت: جئت لأبشرك بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: سبقك أبو بكر) أي: بهذه البشارة.
فهذا أبو بكر وعمر الرجلان العظيمان المشغولان بجلائل الأمور، ومع ذلك في أمر خبر من الخير يستبقان، فقال عمر ﵁ في مثل هذا: إن يفعل فإنه سباق في الخيرات، وما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر.
وتأمل في هذه المسابقة التي أتت في صورة بديعة جملية، تدل على شيوع هذا في مجتمع المسلمين، يوم أمر النبي ﷺ بمقاطعة النفر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وكان أصغر القوم وأشبهم: كعب بن مالك ﵁، ومكث الثلاثة خمسين يوماً من القطيعة التامة، وكان القرآن قد أبلغ في وصف ما حصل فقال تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨] فلما نزلت آيات التوبة، أراد الصحابة أن يسبقوا بالبشارة إلى كعب ﵁، ويروي القصة كعب فيقول: (فابتدر أحدهم على فرسه لكي يصل إلي، وعلا آخر على سلع ليرفع بالصوت) -كلٌ يسابق إلى هذا الخبر لينشره- قال: (فكان الذي على الخيل أسرع، فكسوته بردة والله ما كان لي أحسن منها).
هكذا كان شيوع المبادرة إلى الخيرات، لا يقول النبي ﷺ شيئاً، ولا يأمر أمراً، ولا تنزل آية، إلا وبادروا إلى الاستجابة والفعل والتنافس في هذا الميدان، وكان هذا هو الشأن السائد عندهم.
ولذلك لما تنزلت آيات تحريم الخمر امتنعوا منها لفورهم، ولما تنزلت آيات الحجاب لبس نساء المؤمنين الحجاب من وقته، كما كان النبي ﷺ يحث ويحض فيستبقون.
كما استبقوا في الإنفاق يوم جاء القوم من مضر، فجاء رجل من الأنصار بصرّة من ذهب كادت كفه أن تعجز عنها، بل قد عجزت! فتتابع الناس حتى اجتمع كومان من ثياب وطعام، فتهلل وجه النبي ﷺ كأنه مذهبة، وسرّه هذا السباق إلى الخيرات، فقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
والسبق له مزية، والمبادرة لها ثمرة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فكل من سبق تميز، ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، فمن سبق إلى أمر له شرف في المنزلة، وزيادة في الأجر، ورفعة في القدر، وادخار عند الله ، فكيف تريد المعالي ولا تبذل لها مهرها؟! وكيف تريد أن تحقق التفوق ولا تعطي له جهده: تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس قال الله : ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وإذا أردت دون ذلك فالناس مقامات، والجنة درجات، والنار -والعياذ بالله- دركات: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، تلك هي المراتب، فاختر لنفسك، وانظر هل أنت مدرك لهذا الموسم في الاختبارات أم أن الأمر على غير ذلك؟! نسأل الله أن يعلق قلوبنا بطاعته ومرضاته، وأن يجعلنا من المسارعين إلى الخيرات، المبادرين إلى الطاعات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1135
فوائد وثمرات المسارعة إلى الخيرات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ولئن كان موسم اختبار في عام واحد ينتقل فيه الطالب من مرحلة إلى مرحلة، ويتكرر مرة بعد مرة، ونعنى به هذه العناية، ونهتم له هذا الاهتمام، ونعطيه ذلك الجهد، ونهيئ له تلك الأسباب، ونبادر إليه ونسارع، لنكون في مقدمة من يحصلون على أفضل النتائج بذلك تتعلق قلوب الآباء والأمهات، وبذلك يرتبط طموح الطلاب والطالبات؛ فعلينا جميعاً أن نخرج من هذه الاختبارات بدرس المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، واستباق فوات الأوقات، والمسارعة التي يكون بها في آخر الأمر -بإذنه جل وعلا- دخول الجنات، ورفعة الدرجات، وصحبة خير البريات ﷺ .
ليس هذا اختباراً كاختباراتنا المتكررة المعتادة، وليست نتيجته ولا ثمرته ولا فائدته كهذه الفوائد التي تنقل من مرحلة إلى مرحلة، أو يأخذ الطالب فيها شهادة أو مكافأة، أو غير ذلك من الأمور العارضة اليسيرة، التي ليس فيها كثير غنائم ولا عظيم نفع.
وهناك كلمات لـ ابن الجوزي ﵀ في هذا المعنى، نختم بها لعلها تذكرنا بهذا الشعار، يقول ﵀: البدار البدار يا أرباب الفهوم، فإن الدنيا معبر إلى دار إقامة، وسفر إلى المستقر، والقرب من السلطان ومجاورته، فتهيئوا للمجالسة، واستعدوا للمخاطبة، ولا يشغلنكم عن تضمير الخيل تكاسل، وليحملكم على الجد في ذلك تذكركم يوم السباق.
اهـ.
فليكن لنا درس وعظة من هذه الجهود التي نوفرها، والاهتمامات التي تشغلنا، وعلينا أن يكون أوكد همنا، وأعظم شغلنا، وغاية أمنياتنا، ومربط ما نحتاج إليه في حياتنا؛ هو سبقنا إلى مرضاة الله، ومبادرتنا إلى طاعة الله، وتهيؤنا لملاقاة الله.
أسأل الله أن يحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، اللهم أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا الخيرات، وبارك لنا فيما رزقتنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم اجعلنا من المسارعين إلى الخيرات، المبادرين إلى الطاعات، المغتنمين للأوقات، برحمتك يا رب الأرض والسماوات، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وآخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين، فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واشف اللهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز يا متين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يا من أمره بين الكاف والنون، يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تحفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظ عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها، وسعة رزقها، واحفظ اللهم أوطان المسلمين أجمعين يا رب العالمين، وانصر اللهم عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخصّ منهم بالذكر: ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1136
مشروعات رمضانية
شهر رمضان موسم الطاعات، ومحل المغفرة والرحمات، ففيه تضاعف الأجور، ويكثر إقبال الناس على الطاعات، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين للقرآن، وجدير بنا أن نستغل هذا الشهر الكريم بالمشروعات الرمضانية الأخرى، وألا تكون أعمالنا فيه عشوائية، بل نجعله منطلقاً لمشاريع خيرية تنمي جوانب الخير، وتقطع وسائل الشر عن أنفسنا ومجتمعنا على الدوام.
стр. 1137
مقدمة عن أهمية التخطيط والإعداد والعزم والتجديد والابتكار في الحياة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: نسأل الله أن يتغمدنا بواسع رحمته، وأن يجعل مجلسنا هذا تحفه ملائكته، وأن يبلغنا وإياكم رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
رقم هذا الدرس في سلسلة الدروس العامة (١٨١) وعنوانه: مشروعات رمضانية.
ومناسبة انعقاده في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر شعبان عام (١٤٢٤هـ) حيث لا يفصل بيننا وبين الشهر الكريم إلا أيام قلائل.
وموضوعنا هذا أحبتي الكرام! موضوع عملي وليس نظرياً، فكل ما سنذكره من المشروعات مقترحات وأفكار لأعمال يمكن لكل واحد منا أن يقوم بها، ولعلي من البداية أقترح عليكم أن تخرجوا أقلامكم وشيئاً من أوراقكم لتدونوا هذه الأفكار آملاً في أن تتحول إلى واقع عملي.
أولاً: أهمية التخطيط والإعداد، كل موسم وكل عمل في أمورنا الحياتية نخطط له ونستعد له قبل بدايته، وقريباً بدأ موسم الدراسة، وجميع الحاضرين بلا استثناء كانوا يفكرون فيه ويعدون له، وأبناؤهم يطلبون منهم ويركبون معهم حتى يتهيئوا لهذا الموسم قدوماً إن كانوا مسافرين، وسكوناً واطمئناناً إن كانوا متحركين، وشراءً للاحتياجات الناقصة، ومتابعة للأمور اللازمة ونحو ذلك، ورمضان أولى بذلك وأجدر، فهو زائر كريم ووافد عظيم، وضيف عزيز، كيف بنا لا نتهيأ ولا نخطط لاستقباله.
ثانياً: أهمية العزم والمعاهدة، ما تقوله الآن وتعزم عليه لا يكون له أثر لو أنك لم تفكر فيه ولم يرد ببالك، وإذا حولت هذا العزم إلى معاهدة بينك وبين أهلك أو بينك وبين زملاء العمل أو بينك وبين أهل حيك، فإن هذا يرتقي إلى أن يكون أمراً نتوقع أن يتحقق بنسبة كبيرة، مع الانتباه لقضية مهمة، وهي أن هذه المشروعات وغيرها من أعمال البر والجد إلى حد ما تعتبر سباحة ضد التيار، لأن التيار في الغالب يميل إلى الكسل وينشغل بالتفاهة، لا يأخذ الأمور الإيمانية والعبادية على المحمل المطلوب، ولا يعنى بأمور الأمة وشئونها على الوجه اللائق، فلذلك كانت الظروف لا تساعد، فإن لم يكن عزم منك ومعاهدة مع غيرك ربما تتبدد هذه الأفكار وتتبخر دون أن تترجم إلى واقع عملي.
ثالثاً: أهمية التجديد والابتكار، ونحن نعلم أن عباداتنا وفرائضنا جاء بها الوحي والشرع، وليست من بنات أفكارنا ولا نتاج عقولنا، ولن نجدد الصيام فنبتكر فيه أو نغير، ولكنا نقول: كيف نجدد في طريقة اغتنامنا للأوقات، وتعاملنا مع هذا الموسم؟! كيف نحول بعض عاداتنا السيئة ونجدد فيما يجعلنا أكثر استعداداً وقوة في التفاعل والانتفاع من هذا الموسم العبادي والإيماني؟ وأذكر لكم مثالاً: فوسائل الإعلام كلها تجدد في كل عام، وهي تجدد في ميدانها الذي يغلب عليه في أكثر قنواته الفساد والإفساد، فنحن نعرف أنه هناك باستمرار -كما يقولون- فوازير أو ألغاز أو ألعاب أو برامج أو نحو ذلك، وكل مرة يجددون، لماذا؟ حتى يكسبوا الجميع معهم، ونحن أولى بمثل هذا.
стр. 1138
مشروعات شهر رمضان
الآن سننطلق إلى المشروعات، وسأذكر لكم في هذا الوقت القصير مائة مشروع فأكثر، كلكم سينظر إلى الورقة الصغيرة ويقول لن تكفي إلا لأقل من ذلك، لكنكم ستعرفون كيف سنصل إلى هذه المائة، وجزماً سنصل إليها إن شاء الله تعالى، فنبدأ واحداً واحداً.
стр. 1139
المشروع الأول: حسن الاستقبال
كل وافد وكل مناسبة نعلم جميعاً أن الجهة أو الأفراد الذين ينتظرون هذا القادم يستعدون ويعملون حفلاً للاستقبال.
المدارس تعمل حفلاً لاستقبال الطلاب في المناسبات المختلفة، فيقسمون الأفراد إلى لجان: لجنة للإعلام، ولجنة للتنظيم، ولجنة لاستقبال الضيوف، فما هي المناسبة التي نريد أن نستعد لها؟ الآن وقبل أن يدخل الشهر اعقد اجتماعاً على مستوى القمة في بيتك، وتناقش مع أسرتك كيف نستقبل شهر رمضان؟! مجرد هذه الجلسة سوف يكون منها فائدة كبرى في التهيئة للصغار والكبار والأبناء والبنات؛ ليعلموا أن هناك شيئاً ما، وأن هناك حدثاً ما لا بد أن ننتبه له، خذ في هذه الجلسة أفكاراً من الأبناء، قل لهم: ماذا تريدون أن تفعلوا لاستقبال شهر رمضان؟ كلهم سيقول لك شيئاً، بعضهم سيقول لك: سنزين الغرف، لماذا؟ لنفرح بموسم الخير والطاعات.
بعض الصغار قد يقول لك: أنا أريد أن أصوم في كل يوم إلى الظهر؛ لأنه صغير، نقول: أنت إذاً في ميدان مناسب، الآخرون يقولون: نريد أن نقوم بزيارات للأقارب، كل سيفكر بشيء.
ثم أيضاً نقول: في مثل هذا الاجتماع نقوم بتوزيع الأدوار على الأبناء الكبار والأبناء الصغار، مثلاً: أنت مكلف بإفطار الصائم، إن كنتم كل يوم سوف تخرجون إفطار صائم، وأنتِ مكلفة بأن تقومي بإعداد بعض الأوراق وتطبعينها على الكمبيوتر حتى نهديها إلى الناس، كما سيأتي بعض أيضاً في هذا الاجتماع نذكر بالفضائل والخصائص لشهر رمضان؛ حتى نساعد الأسرة، أو مجموعة العمل، عندما نسرد هذه الفضائل سوف تفتق أفكاراً لهذا الاستقبال.
ثم هناك نقطة مهمة جداً: وهي الانتباه للأخطاء والتقصير من خلال التجارب الماضية، فكثير من الأسر وكثير من الناس يقول: في الأعوام الماضية كنا نسهر ونتأخر عن صلاة الفجر، أو كنا أحياناً نفعل بعض الأمور وننام في النهار وقتاً أطول، أو كنا أحياناً نتكاسل عن أداء صلاة التراويح كاملة.
إذاً: من ضمن خطط الاستقبال كيف نعالج هذه الأخطاء التي تحصل في كل عام، والتي كنا في كل نهاية رمضان نقول: إن شاء الله في رمضان القادم سوف نتلافى ذلك.
إذاً: المشروع أن تجتمع اجتماعاً ليكون هناك حفل استقبال واستعداد لهذا الشهر الكريم والموسم العظيم.
стр. 1140
المشروع الثاني: السباق مع الريح
هذا مشروع مهم ومفيد جداً، وربما عنوانه لا يدل على مضمونه، لكننا إن تذكرنا حديث ابن عباس في الصحيح: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل حين يدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة).
الرسول ﵊ سبق الريح في كرمه وجوده وعطائه، نحن نريد أن نعمل مشروعاً اسمه: سباق مع الريح، قد لا نسبقها لكن نوازيها، قد يكون بعضنا خمسين في المائة وبعضنا ستين في المائة؛ قد يكون هذا المشروع على مستوى الأسرة، وقد يكون على مستوى الجيران، وقد يكون على مستوى أهل الحي، وقد يكون على مستوى زملاء العمل أو الدراسة، ما هو هذا المشروع؟ إنه مشروع التسابق في مجال الإنفاق وبذل الخير.
وهنا وقفة: ليس بالضرورة أن يكون الأمر مالياً بحتاً، سنذكر هنا صوراً من السباق في مجال البذل والتبرع، وسننبه على قضية الرياح حتى لا تشوش على أحد.
اجعل مسابقة بين الأبناء، كل يجمع من مصروفه مالاً يجعله صدقة لوجه الله ، ولا يعلم بها إلا رب الأسرة، ويمكن أن نخفي ذلك ونجعل لهم أرقاماً لا تعلن إلا في آخر الشهر، ويمكن أن نقول: فاز في هذا الأسبوع واحد منكم وبلغ تبرعه كذا وأنفقناه.
ترى أن من عرف الرقم الذي تبرع به عرف أنه فائز، والآخرون عرفوا أنهم ليسوا فائزين، والمنافسة تشتد في الأيام التي تليها والأسبوع الذي يليه، لو كان في ميدان عمل فيمكن كذلك.
ليس فقط ميدان الإنفاق والتبرع، وإنما المسابقة في ميادين أخرى أيضاً منها: التعريف والدعوة، ما معنى التعريف والدعوة؟ عرف بمجالات الإنفاق وادع إليه، قد لا يكون عندي مال، لكني أستطيع أن أقول: إن في المسجد مشروعاً لإفطار الصائم فلو أنكم تبرعتم لوجدتم من الأجر كذا وكذا، فالذي سيتبرع سيكون في رصيد حسناتك نصيب من تبرعه وأجره.
كيف نتسابق إن كنا جميعاً فقراء معدمين، يمكن أن نتسابق سباقاً مع الريح في مجال التعريف والدعوة للإنفاق، وبيان ذلك وفضائله للناس، وبيان ميادينه التي يمكن أن يسير فيها.
الجانب الثالث: السعي والدلالة، ليس بالضرورة فقط الدعوة للإنفاق بالقول، بل تسعى مثلاً في مشروع إفطار الصائم إلى الحمل مع الناس في إيصال الأشياء إلى مستحقيها، قم بشيء من الجهد الذي يريدونه، حتى تكون مشاركاً في هذا، أو دل عليه دلالة عملية، بأن مثلاً في زكاة الفطر تدلهم على الأسر المحتاجة التي تعرفها فيكون لك أجر الدلالة على الخير كما ورد في الحديث: (من دل على هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
ثم أيضاً في مجال المعونة والمواساة ولو أن تتبسم في وجه المكروب، ولو أن تقف معه وتخفف عنه بكلمات ميسورة، كل هذه ميادين، فينبغي أن نعلن مشروع السباق مع الريح، صدقوني لو أننا أعلنا هذا الشعار في هذه الدوائر التي قلتها، سوف يكون له أثر لا نتخيله ولا نتوقعه، بدلاً من أن يكون التسابق الفعلي في عكس ذلك لميدانين مختلفين: إما في التخلف عن الطاعات والتكاسل عن أدائها فهذا يقول: ننام إلى الظهر، الثاني يقول: أنا أنام تقريباً إلى العصر، الثالث يقول: في الحقيقة أنا لا أستيقظ إلى قبيل المغرب، تنافس إلى الخلف إلى الوراء.
أو تنافس في ميدان آخر: هذا اشترى من الطعام بألف، هذا يقول: نحن اشترينا بعشرة آلاف، هذا يقول: نحن أعددنا للعيد كذا، وهذا يقول: الإنفاق يخصنا وينحصر في ذاتنا، وربما يكون فيه من السرف والتبذير ما فيه.
стр. 1141
المشروع الثالث: الاستضافة الدعوية
وهذا مشروع سهل ميسور: كثير من الأسر، وكثير من مؤسسات العمل تقوم بمناسبة في هذا الشهر ولو مرة واحدة، إما دعوة للإفطار أو دعوة للسحور، أو دعوة فيما بعد صلاة التراويح كنوع من التواصل أو صلة الرحم أو نحو ذلك، لم لا يكون هناك استضافة لشيخ أو داعية أو عالم أو واعظ لدقائق معدودات؟! يطرق أبواب القلوب، يستنزل بعض الرقة والخشية والخشوع في النفوس، وبذلك يكون له أثر كبير، ويمكن أن يكون ذلك في بيتك أيضاً عندما تجمع أفراد أسرتك، أو تكون هناك مناسبة عائلية موسعة، ولقد جربت هذا وكنت أجد من كثير من الناس يدعونني ويدعون غيري إلى بيوتهم، ويجمعون أفراد أسرتهم من الأبناء والأرحام والأحفاد.
دعوة موجودة سيكون فيها طعام أو سيكون فيها إكرام وضيافة فلم لا نزيد عليها هذا الشيء، بدلاً من أن نقدم الطعام والشراب فقط فلنقدم الذكر والموعظة والتعليم والإرشاد بالأسلوب الحسن وبالطريقة المناسبة، وكثيراً ما يكون لهذا فائدة، حتى وإن كنت أنت تربي أبناءك وتذكرهم وتعلمهم لكن كما يقولون: (زامل الحي لا يطرب) وكل جديد له لذة، كل ضيف سوف يكون الانتفاع به متحققاً.
لو جاء الضيف أو المتحدث من نفس الأسرة ربما يقولون: سمعناه من قبل، وربما بحكم المعرفة والخلطة لا يعطونه الاهتمام أو الاحترام اللازم لذلك، لكن إذا جاء الضيف كان أمر آخر، ثم هناك فائدة: أن يتعرف الأبناء أو الزملاء على طلبة العلم والدعاة، وأن يستمعوا لهم، فربما كان الحاضرون لم يستمعوا مرة إلى درس أو إلى موعظة غير خطبة الجمعة، وقد يرغب الواحد منهم ويصبح بعد ذلك يتتبع الدروس والمحاضرات والمواعظ هنا وهناك، وربما أيضاً يتعرف على هذا الشيخ فيحتاجه في سؤال أو استفتاء أو يستشيره في أمر ما، فيفتح من أبواب الخير من أثر هذا اللقاء والتعرف ما لا يعلمه إلا الله.
وفي ذلك أيضاً ترغيب وتحبيب فيما سيطرح من هذه اللقاءات والموضوعات.
стр. 1142
المشروع الرابع: الحملة الخيرية
نبدأ هذه الجملة بالتذكير بحديث جرير بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم والذي أخبر فيه: (أن النبي ﷺ كان مع بعض أصحابه في المسجد، فدخل قوم من مضر عليهم أثر الفاقة مجتابي النمار -أي: ملابسهم مقطعة- فتمعر وجه النبي ﵊ -أي: تغير حزناً لما رأى من حالهم، وما تغير وجهه إلى بعد أن تغير قلبه ونفسه من فرط رقته ورحمته وشدة تأثره بأحوال الناس وضعفهم وفقرهم وسوء حالهم.
ثم ماذا؟ هل تمعر وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله وسكت؟! انتظر النبي ﵊ حتى دخل وقت الصلاة -وكانت صلاة الظهر- ثم صلى بالناس ثم قام فيهم خطيباً وبدأ بالآيات المعروفة في التقوى والأمر بها ثم قال: (تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من ديناره، تصدق رجل من صاع بره، تصدق رجل من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة)، دعا الناس كلهم أن يتبرعوا وأن ينفقوا، هذه حملة تبرع نبوية منذ ذلك العهد.
(فأتى رجل من الأنصار بصرة من ذهب كادت كفه أن تعجز عنها بل قد عجزت، وتقدم فوضعها بين يدي النبي ﵊ فتسابق الناس -يعني: تشجعوا- كلاً يخرج ما عنده حتى اجتمع كومان من ثياب وطعام، فتهلل وجه النبي ﷺ كأنه مذهبة من شدة فرحه) لا بهذا المال؛ لأنه كان من الممكن أن يقول: يا عثمان! أخرج كذا وكذا، أو يا عبد الرحمن بن عوف! أو غيرهما من كبار التجار، ونحن دائماً إذا ذكرنا التبرعات ذكرنا كبار التجار، سبحان الله! ننسى حديث النبي ﷺ (سبق درهم ديناراً)، القليل من القليل كثير، عندما يكون رأس مالي ألفاً فأخرج خمسمائة، أكون قد أخرجت نصف ما لدي، أليس كذلك؟! والذي يخرج خمسمائة وعنده خمسمائة مليون لم يخرج إلا شيئاً لا يذكر، فالمسألة ليست بالكثرة وإنما بهذا التحرك الذي يترجم التكافل والتعاون الذي تزول به الحاجة ويندفع به الأذى، كما حصل في هذه الحادثة.
ثم أعطى النبي ﵊ أولئك المحتاجين من ذوي الفاقة، وقال في هذه الحادثة: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً).
فأنا أريد أن أعمل حملة للتبرع وحملة خيرية في المكان الذي أختاره، قد يكون في بيتي، قد يكون في مقر عملي، أو مع زملاء دراستي، أو مع أهل حيي، وهذا سنكرره دائماً، ما الذي نقوم به؟ اختر الموضوع أو القضية التي تريد ندب الناس للتفاعل معها والإنفاق في سبيلها، لنقول مثلاً: قضية إسلامية كقضية إخواننا في فلسطين، أو حاجة من الحاجات التي تكون في مجتمعنا وفي واقعنا، تحدث أولاً عن هذه القضية، وضح معنى وأهمية هذه القضية، اذكر الحاجة الملحة الشديدة للإعانة والإنفاق في هذا الباب، اذكر أمثلة للسبق والتسابق في هذا الميدان، اذكر أمثلة للأثر الإيجابي الذي يدخل إلى نفوس وقلوب من يعانون وينفق لهم هذا المال، ثم هيئ النفوس كما فعل النبي ﵊.
النبي ﵊ انتظر الصلاة حتى يجتمع أكبر عدد ممكن من الناس، وحتى يكون الناس قد صلوا وركعوا وسجدوا وذكروا ودعوا وابتهلوا فيكونون في مستوى إيماني مرتفع بحيث يمكن أن يجودوا وينفقوا في سبيل الله ، وانتظر الصلاة ليذكر المسلمين بأنهم أمة واحدة، كأنه يقول: الآن قمتم إلى الصلاة غنيكم وفقيركم، قويكم وضعيفكم في صف واحد، إذاً أنتم إخوة في الله، إذاً أنتم كتلة واحدة وأمة واحدة، لماذا تكونون أمة في الصلاة ولا تكونون أمة عند الحاجات وعند الملمات، وعند سد الثغرات، وعند كل ما يمكن أن تحتاج إليه الأمة في أي باب من الأبواب؟! ولذلك فإن التأثير والتذكير مهم جداً، ثم بعد ذلك ربما لا نكون مهيئين لأن نبذل أو ننفق فلنفكر ولندبر كيف يمكن أن نترجم هذا الذي سمعناه، والأمور التي علمناها، والأحوال التي عرفناها، كم من المرات نسمع؟! كم من الخطب نسمع؟! كم من الأحاديث نسمع عن أحوال وأمور في بيئتنا ومجتمعنا أو في بلاد المسلمين؟! ولا نفكر كيف يمكن أن نعمل أو نترجم ذلك إلى حملة حقيقية توصل الخير وتسد شيئاً من الرمق أو تدفع باباً من الأذى، أو تثبت أحداً من المسلمين أو نحو ذلك؟! وفي آخر الأمر سوف ينتج عن هذا ضرب من المنافسة والمساهمة التي ذكرناها في سباق الريح، وهذا أمر فطري طبعي.
ولاحظوا هنا أن النبي ﷺ دعا الناس جميعاً ولم يدع الأغنياء فقط، حتى قال: (ولو بشق تمرة)، يعني: لا أريد أن يتخلف أحد منكم عن أن يتقدم للإسهام ولو بأقل القليل، إذاً القليل من الكثير كثير أو لا؟ نحن لو قلنا: نريد من كل واحد ريالاً كل الناس يقول: يا أخي! ماذا سيصنع الريال؟ لكن لو أخذنا هذا الريال من ألف مليون مسلم كم سنجمع؟ ألف مليون ريال.
لا نتصور نحن القليل من الكثير أو القليل مع الدوام، وهذه قضية سيأتي ذكرها، وهي مشروع مهم جداً لا بد من أن يحرص الجميع على تنفيذه وتطبيقه.
стр. 1143
المشروع الخامس: المقاطعة الآمنة
ماذا نريد أن نقاطع لكي نأمن وندفع الشرور والأمراض والمشكلات الكثيرة؟ أنا أدعو أن يكون شهر رمضان شهر مقاطعة لوسائل الإعلام الفاسدة، ومعلوم أن الغالبية العظمى منها خاصة الآتي عبر الفضاء هي كذلك، وكلنا يعلم هذه الخصيصة البغيضة التي جعلوها لشهر رمضان خصيصة الفوازير، والقضية هل هي سؤال للمعرفة وللثقافة ولزيادة الاطلاع؟ خذوا صورة تعرفونها من يقدم الفوازير؟ لا بد أن تكون المقدمة الرئيسية امرأة أو فنانة، حتى ولو أن هناك رجلاً، لكن لا بد أن تكون هي موجودة، وفي الحلقة الواحدة تظهر بعشرة فساتين، وبعشر تسريحات للشعر، وبأكثر من عشر رقصات مع عشرة من الرجال،
و
السؤال
أين هي الثقافة والمعلومة المفيدة؟ وكم في ظل ذلك من الفساد! وكم من الأثر السيء! وكم من ارتكاب للحرام حتى نأخذ هذه الفزورة، أو هذا اللغز! وهل جعل رمضان لكي نشغل أنفسنا بالألغاز؟ كأننا فارغون وهناك من يريد أن يملأ فراغنا، كما كان يقول الشيخ كشك ﵀: سلِّ صيامك فصيامك فيه ملل، ونريد أن ندخل عليه التسلية.
كل عام هناك مسلسلات خاصة في رمضان ماذا تقدم لنا في غالب الأحوال؟ هل تقدم فضائل الأخلاق، أو مكارم الخصال، أو تنبه على الخلل؟ كثير مما تعلمونه، وتكون في كثير من الأحيان في أفضل الأوقات المهمة وقت الإفطار، فبدلاً من أن تذكر الله أو ترتاح لتستعد للصلاة تأتيك هذه المسليات والمرغبات من هنا وهناك، واليوم لم يعد الوقت مع هذه الفضائيات محدداً ففي وقت الإفطار يبثون ما يمكن من المشاهد؛ لأنها لا تراعي حرمة للشهر، أو أن التوقيت مختلف، فكثير من الفضائيات العربية تصوم في النهار وتفطر في الليل، وتعرفون ما معنى صيامها في النهار؟ وما معنى فطرها في الليل؟ صيامها في النهار تأتي بالقرآن وبرامج دينية في وقت العمل والنوم، وإذا جاء الليل جاء معه ما تعلمون، لكن نهار أولئك ليس مثل نهار هؤلاء، فيأتيك في الليل والنهار ما هو جارح للصيام.
أسأل سؤالاً واحداً: ما الذي سينقص عندما نقاطع هذه الشاشة لمدة شهر رمضان؟ سوف نرى أثر ذلك سلامة من أمراض القلوب، وأمناً من وهن النفوس، واطمئناناً لرشد العقول، وعدم وجود أنواع من الخلل تتسرب إلى أبنائنا من مشاهدات كثيرة سيئة.
سيقول بعضنا: وكيف تملأ الأوقات؟ وكأننا كما قلت: ليس عندنا اهتمام ولا عناية، وكأننا لا نعرف أين نحن وفي أي زمان نحن؟ بمعنى: لا نعرف أننا في رمضان، وأننا في موسم الطاعة، وأن مهما اغتنمنا من الوقت في الطاعات فإنه قليل، وأذكر لكم ما ذكره ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة الإمام الشافعي -وارجعوا إليها- يقول: إن الإمام الشافعي ﵀ ختم القرآن في رمضان ستين ختمة.
أعلم أن بعضاً منكم سوف يقول: هذا مستحيل، أنا أقول لكم ما قال ابن عساكر: يقول ابن عساكر -وانتبهوا إلى هذا الكلام-: فحاولت ما حاول الشافعي فلم أستطع إلا تسعاً وخمسين ختمة.
إذاً المسألة ليست خيالاً، فنحن نقول: ماذا سنصنع إذا لم نشاهد التمثيلية، ونشاهد المسابقة؟! سبحان الله! عجيب أن نفكر بهذا، لكن أقول: خذوا بدائل، لماذا لا تشغلوا الأبناء ببعض الأمور النافعة؟ رسوم خاصة موجودة أو مبتكرة خاصة برمضان مثل صورة الإفطار يلونها الأبناء، أو صورة للتمر والنخل، أو صورة لمعركة بدر يلونها، فإنه سيكتسب من ذلك شيئاً مفيداً، والصغار إذا وجههم الآباء توجهوا، ويمكن بسهولة جداً أن يتوجهوا إلى أمور يرون فيها متعة، ويرون فيها قضاء للوقت، لماذا هم الآن متعلقون بمشاهدة الشاشة الفضائية؟ لأنهم وجدوا فيها المتعة وليس عندهم غيرها.
أوجد بدائل أخرى: اجعل لوحة كبيرة في حائط المنزل، واطلب من الأبناء كل يوم أن يختار الواحد منهم شيئاً يكتبه بنفسه ويعلقه أو يقصه من جريدة أو مجلة، أو يختار صورة معبرة ومؤثرة ومفيدة، سوف تجد أن هناك وقتاً كثيراً، سوف يضيق عن تنفيذ مثل هذه المشروعات، وذكر الصغار بأن يبحثوا أو يقرءوا وقل لهم: أريد من كل واحد منكم أن يأتيني بقصة لبعض العلماء أو الأئمة أو أسلافنا الصالحين لمن هو في مثل عمره، مثل قصة أنس بن مالك عندما قدمته أمه للنبي ﵊ ليكون خادمه وكان عمره عشر سنين، وعاش في بيت النبوة عشر سنين منذ نعومة أظفاره.
قل لابن العاشرة: اقرأ سيرة أنس وائت وقصها على بقية إخوانك، ابن الرابعة عشرة والخامسة عشرة دعه يأتيك بقصة عبد الله بن عمر يوم رد في أحد، وقصة سمرة بن جندب ورافع بن خديج يوم تصارعا حتى يذهبا إلى الجهاد في يوم أحد.
اجعل ابن الثامنة عشرة والتاسعة عشرة يأتيك بقصة أسامة بن زيد يوم تولى الجيش، اجعل هناك منافسات وأشياء مختلفة غير ما يأتينا من الغثاء عبر هذه القنوات، وصدقوني أنكم ستجدون وقتاً كثيراً طيباً ليس فيه تعلق وليس فيه أذى للعين بالمشاهدة وأذى للأذن بالسماع، ومشكلات نجدها خاصة اليوم مع القنوات حتى الأبناء يتصارعون هذا يريد أن يرى قناة كذا وهذا يريد كذا، لو أننا انتهينا من هذه المشكلة ستجدون أنها مقاطعة نافعة وآمنة، تسلمون بها من كثير وكثير من الشرور والأضرار والمشكلات، وأظن أننا في غنىً عن توضيح ذلك.
وأما إمكانيته فأنا أجزم لكم بنسبة مائة في المائة أنها ممكنة، لن ينقص وزنك ولن يصيبك صداع في الرأس ولن يحصل لك أي شيء، بل سوف تزداد إيماناً وتقوى وخيراً، وستجد من الوقت ما تفعل فيه ما كنت تظن أنك عاجز عنه، الناس الآن يتنافسون هل سيختمون في رمضان كله ختمة أو أقل، وهناك قلنا: ستين وتسعة وخمسين!
стр. 1144
المشروع السادس: رحلة على بساط الريح
الناس يعرفون بساط الريح، تركب على بساط الريح وتذهب حيثما تشاء، أليس كذلك؟! وهذا بساط الريح سوف يذهب بك إلى بلد إسلامي، وسوف يجعلك تزور المسلمين والأقليات الإسلامية في كل بلاد الدنيا، وتذكر أن تفعل ذلك في رمضان وأن يكون ذهاباً وإياباً في نفس اليوم، هل هذا ممكن أو غير ممكن؟ إنه ممكن، وذلك بأن تقوم بزيارة ميدانية للجمعيات والمؤسسات الإسلامية، تذهب إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامي، هناك شيء اسمه فلسطين، تدخل فلسطين تسمع وتقرأ وتطلع على التقارير والصور وأشرطة الفيديو والأفلام، تخرج بعد نصف متر إلى كشمير، تخرج من كشمير وتذهب إلى لبنان، تذهب إلى كل مكان وتستطيع أن تطلع على الأحوال بالأرقام والصور، لماذا نحن دائماً ننتظر أن تأتي إلينا الأشياء وعندما تأتي إلينا نكون منتظرين أيضاً من يفسرها لنا ومن يشرحها لنا؟ أقول: اذهب إلى جمعية القرآن الكريم، أو تحفيظ القرآن الكريم، انظر كم عدد حلقاتهم؟ كيف يصنعون في القرى؟ كم حافظاً خرجوا؟ لماذا تذهب للزيارة؟ هل لفائدتهم؟! نعم ولفائدتك أولاً، ثق تماماً أنك سترجع من هذه الزيارة بفوائد كثيرة.
وبالمناسبة فلا تكون الزيارة لك وحدك، ولا بد أن تصطحب معك أبناءك، ستجد هناك معارض تريهم أحوال المسلمين وأوضاعهم، واصطحب زوجتك ونساءك، وكل هذه الجمعيات في غالبها لها أقسام وفروع نسائية، ستدخل الزوجة والمرأة وترى وتسمع ما لم تكن تعرف، وستحيط بمسائل وتلم بقضايا لم يكن لها بها علم سابق، أضف إلى ذلك أن هذه الزيارة لها أثر كبير يوم أن تقول لهؤلاء: جزاكم الله خيراً، فهم يدركون أن هناك من يقدر عملهم، ومن يذكر جهدهم ويشكرهم إن كانوا يريدون وجه الله ويبتغون مرضاته.
سوف يكون لك دور بعد هذه الزيارة، وأنا أجزم لك أنك بعد هذه الزيارة سوف تتحدث عنهم بدون قصد، وسوف تقول لمن تقابله: أنا رأيت كذا وكذا، في قضية كذا وكذا، المسلمون في البلاد الفلانية عددهم كذا وقوتهم كذا.
أعطيكم أمثلة من الواقع أيضاً مثل هذه الزيارات: ألبانيا بلد مسلم كان يرزح تحت الشيوعية سبعين عاماً، وخرج منه المسلمون صوراً فقط، لم أذهب إلى تلك البلاد، لكن رأيت صوراً معبرة.
صورتان لم تمحيا من ذاكرتي منذ رأيتهما قبل أكثر من عشر سنوات: صورة الإنجيل يوزع على المسلمين عند أبواب المساجد؛ لأنهم مسلمون لا يعرفون من الإسلام شيئاً مطلقاً، وسلاسل الصليب وهي معلقة على صدور أبناء المسلمين وهم لا يعرفون شيئاً من ذلك.
الصورة الثانية: صلاة الجمعة صفان أو ثلاثة يصلون، ومثلهم واقفون يتفرجون، هؤلاء مسلمون لكنهم لا يعرفون شيئاً من الصلاة أبداً، ولا يعرفون الفاتحة ولا ماذا يقولون في الركوع ولا السجود، لكنهم بعاطفتهم يأتون ويشاهدون إخوانهم وهم يصلون، ألم يؤثر فيك ذلك إذا رأيته في تقرير أو في صورة متحركة أو ثابتة؟ ألا تتحدث بهذا؟ ألا تتندم على أنك مقصر شئت أم أبيت؟ أنت مقصر وأنا مقصر؛ ألست تعرف الفاتحة؟! فماذا فعلت حتى تعلم واحداً من المسلمين الفاتحة؟ وإذا ذهبت إلى مراكز الدعوة والإرشاد هنا في هذه المدينة، سوف يرونك الجولات الدعوية في القرى، إنهم يصنعون دورة كاملة لمدة أسبوع صباحاً ومساء، ما هو برنامجها؟ تعليم الفاتحة والصلاة، هنا على بعد مسافات لا تزيد عن الساعتين أو نحوها، هل تعجز أن ترافقهم يوماً وتعلم بعض الناس الفاتحة؟ سوف تزور هذه الأماكن وترى كم من الجهود العظيمة التي تبذل، سوف تحمد الله ثم تشكر لهؤلاء، وسوف يتضح لك ما قد يغيب عنك وما قد تبثه وسائل الإسلام المعادية للإسلام وأهله، كل جمعية إسلامية تقدم الدعوة أو الخدمة أو النصر للمسلمين هي اليوم إرهابية وعدوانية وإجرامية، وقد تسمع وتسمع ثم تصدق، لكنك إن قمت بهذه الزيارة فسترى شيئاً آخر، وستدافع عن بينة وعلم، ستقول: كلا، كل هذا هراء، أنا رأيت بأم عيني كذا وكذا وكذا، أنا سمعت بأذني كذا وكذا وكذا، ثم قد تشارك وتقول: أنا بنفسي فعلت كذا وكذا، وكلام هؤلاء باطل وكذب.
وللأسف أن بعض الناس مع كثرة ما يردد الإعلام إما اقتنعوا أو على أقل الأمر تشككوا في أصالة فطرنا وطيب مجتمعنا، وعراقة تديننا في هذه البلاد وفي كثير من بلاد الإسلام، حتى أن بعض الناس أصبح اليوم يتحرج أن ينفق في سبيل الله ويقول: ما أدراني أن هذا الكلام صحيحاً سبحان الله! هذه الزيارة أو الرحلة على بساط الريح سوف يكون لها أثر كبير، وأرجو صادقاً لكل من حضر في هذا المجلس ومن ستبلغونهم أن تملئوا هذه المؤسسات بالزيارات في هذا الشهر الكريم أنتم وأبناؤكم وأزواجكم، وعندما تذهب هناك ستجد نفسك منشرحة، وتدعوك إلى أن تخرج كل ما في جيبك، وأن تدعو غيرك؛ لكي تنفق وتسهم مع هؤلاء في نصرة الإسلام والمسلمين ونشر دعوته ونوره بين العالمين، وأكتفي بهذا وإلا ففي الحديث مجال رحب وميدان واسع.
стр. 1145
المشروع السابع: صياد القلوب
إذا صدت القلوب بالسهم فلن يكون صيداً محموداً بل قاتلاً، وإذا صدتها بالسنارة سوف تمزق هذه القلوب، لكن كيف نريدك أن تصيد القلوب في شهر رمضان؟! نريد أن تكون معنا في مشروع كل منا يستطيع أداءه جزماً وقطعاً، عندنا وسيلتان نصطاد بهما القلوب: الوسيلة الأولى: الكلمة الطيبة، هل تعرفون أن الكلمة الطيبة هي السحر الحلال، وهي الطُعْم الذي تستميل به النفس والقلب، الكلمة التي فيها نوع من مد جسور المودة والمحبة، ونوع من إشاعة أجواء الترابط والتكافل.
الوسيلة الثانية: هي الهدية: (تهادوا تحابوا)، فالهدية هي رسول المحبة، وهي سفير المودة، وهي التي تغرس في القلب امتناناً لا بد أن يكون له أثره، أنا لا أريد منكم شراء سيارة هدية، بل أريد منكم كرتاً صغيراً ومعه كتيب صغير أو شريط؛ لأن العبرة بالهدية في رمزها بل أكثر من ذلك في خصوصيتها، لماذا أهديت محمداً ولم أهد سعيداً؟ لأن محمداً خطر على بالي، ولماذا خطر على بالي؟ لأن له مكانةً في قلبي، ولماذا له مكانة في قلبي؟ لأني أحب له الخير.
هذه كلها رسائل تتضمن أن الهدايا لها قيمة عظيمة جداً، لكن احرص مع الهدية على الكتابة واجتهد إن كنت قادراً أو حتى مقتبساً أن تكتب كلمات جميلة مثل: إلى الأخ الذي كلما أراه أشتاق أن أراه، إلى الأخ الذي أحبه في الله، كلمات ثق بأثرها العظيم في صيد القلوب.
أهد أشرطة، كتيبات، مطويات، وبالمناسبة أنت لن تشتري شيئاً فهذه الأشياء توزع، وأحياناً نتيجة لسوء التوزيع ترمى، ستكون موجودة بأعداد أكثر من الحاجة ماذا يصنع الناس بها؟ يتركونها، نقول: لا، خذها أنت واجعلها في ظرف وارسم عليه وردة، أو ارسم عليه قلباً كما يفعلون، اكتب عليه كلمات جميلة، ضعها لجارك، اسبق زميلك في العمل وضعها على طاولته، أنا لن أتكلم عن الفائدة التي سيجنيها من الشريط أو من الكتاب أو من المطوية، أنا أتكلم عن حقيقة هذا الفعل فقط دون أن نتحدث عن أثر ما فيه وما في مضمونه، ويمكن أن تستفيد الآن من البريد الإلكتروني، فتستطيع أن تأخذ رسومات من هذا الحاسوب وكذلك بطاقات للإهداء، وتأخذ من نفس بطاقة الحاسوب كلمات وآيات وأحاديث وترسلها مرة واحدة بضغط زر واحد إلى مائة أو ألف من أصدقائك، بل إلى مائة ألف، وهذا مشروع آخر سيأتينا حديث عنه وذكر له.
هل هذه مهمة صعبة؟ هل هناك من يعجز عنها؟ أنا أقول: الجميع حتى الصغير في المرحلة الابتدائية -وأرى هنا بعض صغار السن من الأبناء- أقول: افعل هذا مع زملائك أهد لزميلك شيئاً ولو أن تكتب له فقط في هذه الورقة آية وحديثاً وتقول: هدية من أخيك المحب، سوف يكون لهذا أثره المهم والجميل.
стр. 1146
المشروع الثامن: الضربة القاضية
ما هي الضربة القاضية؟ هذه الضربة قاتلة ننتهي بعدها إلى الفوز الساحق.
هذه الضربة القاضية مع من؟ نحن أو غيرنا سنحتاج إلى هذه الضربة القاضية مع أنماط كثيرة من العادات السيئة التي نعجز عن تغييرها، نقول: سوف نغير كذا، نبقى يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو أسبوعين ثم نرجع، ثم نقول: سوف نترك كذا، ثم نرجع، وهكذا نبقى في معركة مستمرة والجولات متوالية، فاجعل رمضان فرصة للانتصار بالضربة القاضية، يعني: ليس هناك عودة مرة أخرى.
وهنا أحب أن أقف مع الضربة القاضية في المسألة المعروفة التي يكثر ذكرها كلما جاء شهر رمضان: وهي الإقلاع عن التدخين، وقد ذكرت لكم في درسنا السابق كم أعداد الذين يدخنون في هذه البلاد، الإحصاءات تقول: خمسة عشر مليار سيجارة تستهلك في المملكة، ستمائة وثلاثة وستون مليون ريال سنوياً، فهي رابع دولة مستوردة للدخان في العالم، أكثر من عشرة مليار دولار مصاريف المستشفى التخصصي بالرياض في علاج أمراض التدخين، أعتقد أن هذه كلها ضربات قضت على كثير من شبابنا وأموالنا وصحتنا، أليست هناك فرصة لنتحول من الهزيمة إلى الانتصار والانتصار الساحق بالضربة القاضية.
وهنا خطوات سريعة لمن يريد الانتصار بالضربة القاضية على التدخين: أولاً: اعقد العزم من الآن وابدأ بتقليص التدخين قبل أن يدخل رمضان.
حدد اليوم الأول من رمضان موعداً للإقلاع النهائي عن التدخين، اعلن ذلك في الوسط المحيط بك في أسرتك وزملاء عملك، وقل لهم على سبيل التحدي: إن رأيتموني أدخن فأنا لست رجلاً، أو أنا كذا وكذا، أو إن رأيتموني أدخن فلكم الحق أن تخاصموني أن تقاطعوني؛ حتى تقوي عزمك على ذلك.
اكتب لوحة صغيرة بخلاصة الأمراض القاتلة والأضرار الخطيرة للتدخين، وهي مبثوثة بعشرات ومئات وآلاف الصفحات في كل مكان، في الكتب وفي مواقع الإنترنت وغيرها، خذ صفحة واحدة واكتبها بخط كبير وعلقها في كل مكان تجلس فيه: على مكتبك، وعند غرفة نومك، وفي صالة طعامك؛ حتى تتذكر عندما تريد أن تشعل التدخين أنك تتسبب في تصلب الشرايين لنفسك، أنك تأخذ لنفسك فرصة للوقوع في المرض الخبيث (السرطان)؛ حتى تدرك كم تحرق من مالك، ضع هذا نصب عينيك حتى تستطيع أن تتخلص من هذا التدخين.
احذر الأصدقاء المدخنين الذين ليست عندهم عزيمة على ترك التدخين؛ فإنهم من عوامل العودة إلى التدخين.
زد من كل أمر يعينك على ترك التدخين مما يتعلق برمضان، ومن ذلك الدعاء الصادق لله ، ومن ذلك قوة العزيمة الناشئة من ترك الطعام والشراب في أثناء النهار، وأيضاً سوف تقوم ببعض الأعمال المهمة، وهي لطيفة ولكنها مفيدة.
أكثر ما يعاني منه المدخنون في الأوساط التي لا يدخن أصحابها أمرين: رائحة الدخان، ومنظر الأسنان المصفرة.
قبل رمضان اذهب إلى طبيب الأسنان ونظف الأسنان واستخدم مطيبات أو معطرات الفم؛ حتى إذا قطعت التدخين تبدأ الأمور تتضح ولا يأتي من بجوارك يقول: أنت مدخن، وحتى تتغير نفسيتك وتتهيأ له بما يدل على أنك ماض إلى تركه بالكلية بإذنه .
تجنب الأماكن التي يكثر فيها التدخين.
استحضر أو خذ معك بعض الفتاوى الواضحة في تحريم التدخين.
ذكر نفسك دائماً وقل: إذا كنت تعتقد أن التدخين حلال فلماذا لا تسمي الله عند بداية شرب السيجارة، ولماذا لا تقول بعد إطفائها: الحمد لله؟! أليست كل نعمة نبدأ فنقول: باسم الله فنشرب، باسم الله فنأكل، فإذا انتهينا قلنا: الحمد لله، هل سمعتم أحداً عندما يدخن يقول: باسم الله؟! لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا أمر خبيث كما قال الله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
هل تشرب الدخان أمام من تحترمه أو تهابه؟! مثلاً: الابن هل يشرب أمام أبيه إذا كان الأب لا يدخن؟ الصغير هل يشرب أمام الكبير إذا كان يهابه ويحترمه؟ وإذا كانت (السيجارة) مناسبة وحلالاً وليس فيها شيء، فهل تعلمها لأبنائك وترغبهم فيها؟ هل سمعتم أن أحداً يصنع ذلك حتى ولو كان مدمناً للتدخين؟! هل يشتري أحد لأبنائه الدخان ويقدمه لهم ويقول لهم: خذوا واستمتعوا؟! لا أعلم أحداً يفعل ذلك.
إذاً: ذكر نفسك بهذه المعاني، خذ قرارك بصدق وانجح في الانتصار بالضربة القاضية بإذن الله .
стр. 1147
المشروع التاسع: الإنفاق المجاني
إنفاق ولكن بدون أن تدفع شيئاً، ما هو هذا؟ إنه القيام بالعمل التطوعي، فلنكن جميعاً رافعين لشعار جديد: متطوعون بلا حدود، تطوع بوقتك، ماذا تصنع هذه المؤسسات الخيرية، لديها الكثير من الأوراق التعريفية، خذها ووزعها على مقر عملك، خذها أيها الطالب واستأذن إدارة المدرسة أو سلمها لإدارة المدرسة لتوزعها على زملائك، تطوع في أن تساهم في المشروعات القائمة، هؤلاء يوزعون إفطار الصائم، اذهب واحمل معهم الطعام وقم بتوزيعه وساعدهم في هذا الباب، هناك من يريد أن يوزع هذه المواد التذكيرية من كتاب أو شريط، ساهم معهم، تطوع بوقتك، تطوع بفكرك، فكر بخطوة عملية، هناك أشياء كثيرة يمكن أن تقترحها ويكون من ورائها خير كبير، ولم تخرج ريالاً من جيبك، ولم تصنع شيئاً يكلفك جهداً، ولكنك وجدت أشياء أو أوجدت أشياء مفيدة ونافعة بإذنه .
стр. 1148
المشروع العاشر: صعود بلا حدود
وهو مشروع مناسب جداً لرمضان، ما هو هذا الصعود بلا حدود؟ صعود ليس له منتهى! يقول النبي ﵊ فيما رواه الترمذي في سننه: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)، ورمضان شهر القرآن، كم من السور قد سبق لك أن عزمت على أن تحفظها ولم تحفظها؟! كم من الناس يقول: أريد أن أحفظ سورة الكهف، أريد أن أحفظ سورة يس؟ كم من الناس يقول: لم لا أحفظ القرآن؟ لو كنت صادقاً وعازماً فإن البداية المناسبة هي شهر رمضان، شهر القرآن الذي تتلو فيه القرآن كثيراً، اجعل لك في كل يوم وقتاً لحفظ بعض الآيات، خذ أقل القليل الذي يمكن أن تصعد به بعض هذه الدرجات، ثم إذا واظبت على ذلك على مدى ثلاثين يوماً في شهر رمضان، يرجى أن تستطيع بإذن الله المواظبة فيما وراء ذلك من شهر شوال، أو الاستمرار في بقية أيام العام بدون توقف بإذن الله ، ولو لم تكن من القادرين على الحفظ، فتعلم حسن التلاوة، فكثيرون يقرءون القرآن في رمضان وفي غير رمضان وهم لا يحسنون تلاوة القرآن، لا في الحركات ولا في المدود ولا في أحكام التجويد، بدلاً من أن تختم أكثر اختم أقل، وجود بشكل أفضل، تعلم بعض أحكام التجويد، اقرأ بعض السور على من يحسنها ويتقنها من زملاء العمل، أو إمام المسجد، أو مدرسي التحفيظ، من أي جانب من الجوانب الكثيرة التي يمكن أن تتسع فيها الآفاق، ويحصل فيها كثير من الخير العظيم الذي يمكن أن تستفيد منه كثيراً.
أنا قلت لكم: سوف نصل إلى مائة مشروع وأكثر إن شاء الله، فهل عند أحد منكم شيء يمكن أن يقوله؟ ما زلت سأعينكم بذكر مشروع أو مشروعين فقط، ثم نجعلكم تكملون المائة.
стр. 1149
المشروع الحادي عشر: رحلة عبر آلة الزمن
مشروع رحلة عبر آلة الزمن: وهذا يمر كثيراً فيما يقدمونه من الأفلام أو التمثيليات وأن هناك من دخل في آلة الزمن ورجع إلى ما قبل مائة سنة من زمانه، وكيف يصبح غريباً في الزمان الآخر، وينسجون لك قصة تكون غريبة ومثيرة ومشوقة، نحن نريد أن ندخل في مثل هذه الآلة، وننتقل فعلاً إلى زمن آخر، كيف نصنع ذلك؟! من خلال محطات تاريخية، فلننتقل إلى المحطات التاريخية الرمضانية، اجعل يوماً لغزوة بدر، إن كان عندك صالة في المنزل أو غرفة اجعلها لغزوة بدر، كيف ستجعلها لغزوة بدر؟! اعمد إلى خريطة موجودة في كتاب من كتب السيرة فيها غزوة بدر، كبر هذه الخريطة واجعلها في هذه الحجرة، احضر كتاباً خاصاً بغزوة بدر، أخرج منه قائمة واطبع فيها أسماء الشهداء الذين استشهدوا في غزوة بدر، هذه الغرفة في يوم من الأيام في رمضان تدخل فيها أنت والأسرة أو أنت وزملاء العمل وتقول: نحن الآن في منطقة بدر، على بعد خمسين ومائة كيلو من المدينة المنورة، ونحن الآن في اليوم السابع عشر من شهر رمضان، ونحن الآن في العام الثاني من الهجرة، وتذكر كل ما يتعلق بهذه الغزوة من الأحداث، ويكون نقاش وحوار، ونرجع إلى التاريخ ونعيش داخله تماماً.
وخذ بعد ذلك فتح مكة في اليوم الثامن من شهر رمضان، ومعركة عين جالوت في الخامس والعشرين من رمضان، ووفاة خالد بن الوليد في الثامن عشر من رمضان، ومعركة الزلاقة وغيرها من المشاهد الكثيرة، اختر بعضاً منها، واجعل في بيتك ركناً تاريخياً في كل أسبوع، كلف الأبناء كل أسبوع أن يعدوا الموقع والغرفة لشيء آخر، أرى البعض من إخواننا يبتسمون، ولعلهم يقولون: هذه فيها غرابة، أقول: إن الغرابة والتجديد هما اللذان سيجعلان نوعاً من النشاط والتحفيز، وثق أن أثر هذا في الأسرة -على وجه الخصوص الأبناء والزوجة وكذا الأقارب والزوار- كبير جداً.
وأذكر لكم تجربة عملناها منذ سنوات عدة: أخذت مطبوعة -وقد وزعناها هنا في المسجد العام الماضي والذي قبله- عن خريطة فلسطين بين التآكل والتوسع الصهيوني، وهي تبين لنا فلسطين كيف كانت قبل عام (١٩٤٨م) وكيف نقصت بعد عام (١٩٤٨م)، ثم نقصت بعد عام (١٩٦٧م) ثم نقصت ثم نقصت عبر الأعوام، والخريطة تمتد لتتسع مساحة اليهود الغاصبين وتغمر ديار المسلمين، هذه الخريطة منذ ذلك الوقت أراها كل يوم أكثر من مرة، وأراها في كل بداية يوم وفي كل نهاية يوم، لو أنك فعلت ذلك لعشت التاريخ بمراحله المختلفة.
أبناؤنا الآن لا يعرفون عام (١٩٤٨م) ولا عام (١٩٦٧م)، لا يعرفون التاريخ ولا الحدث، ولا يعرفون الأسماء والمصطلحات، لا نسأل عن التاريخ البعيد، بل التاريخ القريب، من يعرف من الأبناء -الذين هم الآن في سن العشرين- عن حرب رمضان وليس عن حرب أكتوبر كما يقولون؟ ماذا يعرفون عن التغير الذي كان أثره بعض جولات الانتصار الأولى؟! ماذا نعرف عن هذا التاريخ؟! كم هو جدير بنا أن نصوره وأن نرسمه وأن نعيش فيه، وأن ندخل أبناءنا إليه، وأن نعرفهم به؛ لأنها قضية مهمة لا بد من العناية بها والحديث عنها بشكل مباشر.
стр. 1150
المشروع الثاني عشر: حمامة السلام
آخر ما يمكن أن نذكره مشروع حمامة السلام: والمقصود به أن تقوم بالمهمة بدون مفاوضات سياسية، ولا مؤتمرات دولية، ولا ألاعيب سياسية، كم من الناس تجد بينهم خصومة وسوء تفاهم وبعض المشكلات، لماذا لا تقوم بالإصلاح بينهم؛ لتنال الشرف العظيم، والأجر الكبير في إصلاح ذات البين؟ وقد قال الرسول ﷺ : (إن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).
كم سعينا بين الناس بالإصلاح؟! قليل، بل نحن أحياناً نكون ضد ذلك، ونكون من أسباب استمرار أو زيادة الشحناء، أنت نفسك قد تكون بينك وبين بعض أقاربك وأصدقائك خصومة أو مشكلة، لماذا لا تكون أنت حمامة السلام؟ لماذا لا تبادر إلى زيارة أرض العدو -كما يقولون-؟ زر خصمك وزر غريمك، وأنت وإياهم في حقيقة الأمر إخوة في الإسلام، وقد تكونون إخوة في القرابة والرحم والدم، لماذا لا نكبر عقولنا، ونوسع صدورنا، ونفتح قلوبنا؟ لنغتنم هذه الفرصة العظيمة لنشيع الوئام والمحبة والسلام فيما بيننا، ولنكون بالفعل صفاً واحداً ضد أعدائنا الذين يأتون بالموت الزؤام في عباءة ورداء السلام.
стр. 1151
مشروع المشاريع أهميته ومقصوده
عندنا المشروع الأخير تعرفون ما هو اسمه؟ مشروع المشاريع.
الآن هذه المشاريع فكرت فيه بعضها وقرأت هنا وهناك واستنبطت وجئتكم باثني عشر مشروعاً ذكرناها آنفاً، كل منكم يخترع مشروعاً واحداً، كم عندنا هنا؟! أكثر من مائة، اجعل لنفسك أن تقترح أو أن تبتكر مشروعاً من جنس هذه المشاريع، نحن لم نذكر مشاريع خاصة بالنساء، لم نذكر مشاريع خاصة بالأسواق، لم نذكر مشاريع خاصة بمكة والمدينة والعمرة وما يمكن أن يكون فيها، لم نذكر مشاريع ومشاريع ومشاريع كثيرة، أليس كذلك؟! هذه أبواب واسعة من هذه المشاريع المختلفة.
قلنا مشروعنا الأخير: هو مشروع المشاريع، هو مشروع لابتكار مشروعات مماثلة، وما زال الباب واسعاً يمكن أن تكون هناك مشروعات مع الزوجة والأبناء، مشروعات مع الأقارب والأرحام، مشروعات مع الجيران والزملاء، مشروعات في المواصلات العامة، كيف يمكن أن نقدم فيها الخدمة أو التذكرة والموعظة؟ مشروعات في جوانب مختلفة وبعضها لم أذكرها.
كل ورقة سنذكرها الآن مما جاء من الإخوة سنحيلها إلى مشروع، لو أننا تعودنا دائماً أن نترجم أو نحول الأفكار إلى مشروعات، ونترجم المشروعات إلى أعمال يسيرة في البداية وقليلة في البداية، سوف نجد أنها تعظم وتكبر ويصبح فيها فائدة كبيرة وعظيمة.
النقطة الثانية التي ذكرها بعض الإخوة جيدة وجديرة بالاهتمام: هي أننا ذكرنا اثني عشر مشروعاً يقول: لو أنك نقلتها إلى عشرة أشخاص وكل شخص نقلها إلى مثل هذا العدد، فسوف يكون هناك كثير وكثير من الناس الذين سوف يقومون بهذه المشروعات، ربما لا تنفذ أنت من هذه المشاريع التي ذكرناها إلا واحداً أو اثنين، لكنك إن نقلتها إلى العشرات فقد ينفذها هؤلاء بأكثر وبأقوى مما صنعت وفعلت، ربما يتيسر أن تنسخ هذا الشريط وتوصله للناس، فيكون فيه أثر أن الناس يتذكرون أو يستفيدون ويطبقون ويمارسون ويحققون هذه المشروعات، هنا تعليقات كما قلت كل منها في غالب الأحوال يصلح أن نحوله إلى مشروع.
стр. 1152
مشروع النصرة
أحد الإخوة يقول: ذكرت حمامة السلام ولم تذكر الجهاد، وكلامه جيد، ولا زال عندي هنا مشروع مكتوب اسمه: النصرة، كيف ننصر إخواننا المجاهدين في ساحات الجهاد التي لا غبار عليها، ولم نصدق أحداً مهما قال وزاد، بل إن هذا الذي يقوم به المجاهدون في فلسطين أمر ليس له اسم أو وصف غير الجهاد، لكن قد لا تكون الفرصة مواتية فسميته النصرة؛ ليكون بالإمكان أن تقوم بما يستطاع.
لكن المشروع الحقيقي هو أن تقف عند هذه القضية وبالذات قضية فلسطين، والذين هم مجاورون لحينا ويحضرون جمعتنا يعرفون أنني دائماً أعيد القول فيها وأزيده؛ لأن هذه القضية هي قضية الإسلام الأولى في هذا الزمان، وهي قضية التآمر ضد الإسلام وأهل الإسلام في هذا الموطن الذي ذكرنا فيه من النصوص والخصائص ما يبين أهميته.
وليس عنا ببعيد ما قاله الجنرال العسكري من جيوش الأعداء يقول في كلام معلن: نحن -أي: المسيحية واليهودية- في حرب مع الشيطان، وقد اكتشفت أن المسلمين لا يعبدون الله وإنما يعبدون الوثن أو الشيطان.
والترجمة العملية لذلك واضحة، أقول: استحضر هذه القضية، إذا قلت: أستطيع أن أنصرهم بالدعاء، إذاً فاجعله أمراً لازماً في كل دعاء، انصرهم بالتعريف اجعله واجباً حتمياً أن تعرف في كل يوم أو في كل مناسبة، انصرهم بالمال، اجعل في مالك وصدقتك وزكاتك جزءاً يخص هذه القضية، بأي وسيلة تكون النصرة ألزم نفسك بها.
стр. 1153
كيفية ممارسة المشاريع في غير رمضان
الآخر يقول: هل جميع هذه المشاريع يمكننا ممارستها في غير رمضان؟ إذاً نقول: هذا مشروع المشاريع المستمرة، واختر من هذه المشاريع ما يكون مستمراً، فحفظ القرآن وتلاوته ليس خاصاً برمضان، الصدقة ليست في رمضان، إذاً هذه فكرة كأنها فكرة جديدة بأن تعطيها اسماً، وتقول: كيف ستطمع في ذلك؟ أعطيكم تجربة عملية: أحد الناس جاء ورأى بعض الصناديق الصغيرة التي كانت تصنعها بعض الجمعيات الخيرية، وهي شفافة ترى فيها الأموال، ثم ذهب وسأل أين صنعت؟ فصنع منها نحو عشرين، وفي اجتماع قال لكل أسرة ورقة قال فيها: صدقة دائمة، أسرة آمنة، ووضع لهم الحديث (ما من يوم يصبح فيه الناس إلا وملكان يقولان: اللهم أعط منفقاً خلفاً، اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، ووضعها في كل صندوق من هذه الصناديق، ووزع عليهم الصناديق وقال لهم: اجعلوها في بيوتكم، وقولوا لأبنائكم: لا بد أن تنال هذه الدعوة من الملائكة بريال يوضع هنا في كل يوم بلا استثناء، حتى إنه يمكن أن تأخذ ثلاثين ريالاً وتصرفها ثم تضعها عند أبنائك وتقول لهم: هذه حصتي، ضغوا لي كل يوم في الصبح ريالاً.
هذا مشروع مستمر دائم وهو فاعل، ويمكن للجميع أن يطبقه.
стр. 1154
مشروع إصلاح القلوب
كيف نصلح قلوبنا؟ إذا صلحت صلح كل شيء، فكر لنا في مشروع اسمه: إصلاح القلوب، اطلب من إمام المسجد أو شيخ أن يعطيك ورقة، اذهب إلى كتاب من كتب السلف أو الكتب المعاصرة التي تتحدث عن أمراض القلوب، خذ منه شيئاً واجمع مادة تشاور فيها بعض من ترى أنهم يفيدون، اطبع ورقة أو اجعلها كتيباً سمه: مشروع إصلاح القلوب، اطلب من إمام المسجد أن يخطب في إصلاح القلوب، انظر من يتعامل مع الشبكة العنكبوتية، أعطه هذه المعلومات لينشرها عبر الحدود وخارج الحدود؛ لأنها فضاء واسع.
стр. 1155
مشاريع متفرقة ومقترحة من الحاضرين
سوف تسمعون مشروعاً جديداً يقول: أقترح أن يصمم كل واحد منا صندوقاً صغيراً ويضعه في مدخل العمارة التي يسكن بها، ثم يضع بها أسبوعياً مجموعة من الوصايا والنصائح وتوزع على الشقق التي في عمارته، مثل: زيارة المرضى في المستشفيات، زيارة المرضى المدمنين في مستشفى الأمل، زيارة الأطفال المعاقين في معهد الأمل، زيارة المساجين في بعض السجون، وتوزيع بعض الكتيبات والأشرطة عليهم، كم صارت المشاريع؟ ما شاء الله لا تعدونها.
الآن هذا يسأل سؤالاً فقيهاً ليس له صلة مباشرة بموضوعنا ونحن نريد إن شاء الله أن ننتهي، يقول: مشروع الوضوء سلاح المؤمن، والوضوء وقاية للنظر والجوارح واللسان والسمع وغيره كما وصفه الرسول ﷺ ، والسؤال عن كيفية الوصول إلى الأذهان لإشاعة الطهارة، وربما يذكر في هذا حديث بلال (ما أحدثت حدثاً إلا توضأت، وما توضأت إلا صليت ركعتين)، وكان هذا سبباً من الأسباب التي نال بها بشارة النبي ﵊ بالجنة.
هل قراءة القرآن حتى الختم أفضل أم التفرغ لحفظ جزء كبير من القرآن؟ في كل خير، اجعل لك تلاوة مستمرة، واجعل قدراً خاصاً بالحفظ، واجعل قدراً خاصاً بالتأمل، وقد ذكرنا ذلك في خطب كثيرة كان عنوانها: القرآن نور الأنوار، في وقت سابق من شهور خلت.
أحبتي الكرام! أعتقد أننا لولم نخرج من هذا اللقاء إلا بفائدة واحدة تقول: نحن الآن نريد شيئين: أن نتهيأ لشهرنا وضيفنا القادم، ونريد أن ننجز وأن نخرج بثمار عملية، لو خرجنا بهذا لكان يكفي.
يقول عن مشروع التنفيذ: كيف نحفز أنفسنا وعزائمنا على التنفيذ ولو خمسين في المائة من هذه المشاريع النافعة، فبعد العلم يجب العمل؟ أقول من غير إعلان: كل الحاضرين الذين سمعوا فليقل كل منهم لنفسه: إنني أعقد العزم وأعطي العهد على أن أبذل الجهد إلى أقصى طاقة ممكنة لتنفيذ هذه المشروعات وغيرها من المشروعات النافعة، قولوا هذا لأنفسكم واعقدوا عليه العزم، واسألوا الله الإعانة، وسيكون من وراء ذلك خير كثير، ونسأله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يصرف عنا ما لا يحب ولا يرضى، وأن يستخدمنا في نصرة دينه وعون عباده، وإعلاء رايته، ونشر دعوته، وأن يجعلنا ممن ينصر الإسلام والمسلمين.
اللهم استخدم جوارحنا في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك وعون عبادك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تهل علينا هلال رمضان باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن تجعله هلال رشد وخير وبركة علينا وعلى إخواننا المسلمين، ونسألك اللهم أن تجعله لنا شهراً خيراً مما مضى من شهور رمضان التي قمنا فيها بالصيام والقيام، ونسألك اللهم أن تجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1156
برقيات إلى المعلمين والمعلمات
للتعليم أهمية كبيرة؛ لأنه يرتكز عليه محك صقل عقول البشر، ولذا كان من الأهمية بمكان الاهتمام بإعداد المدرسين إعداداً جيداً حتى يربوا جيلاً جيداً، وعلى المدرسين دور كبير في هذا الإعداد والاهتمام، فعليهم أن يطوروا أنفسهم، وأن يؤدوا مهمتهم على الوجه المطلوب.
стр. 1157
بين يدي الموضوع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد: فموضوع حديثنا بعنوان (برقيات إلى المعلمين والمعلمات)، وفي بداية العام الدراسي خصوصاً يأتي هذا الموضوع مناسباً ومتوافقاً مع الاحتياج إليه والتذكير به.
وأحب أولاً أن أخاطب المعلمين بأننا منهم، ونمارس مهنتهم، وليس فالمعلم الأصل أنه يُعلِم ويتعلم، بمعنى أنه لا يستكبر عن التعليم، لكنه هو في مقام التعليم والتوجيه، ولذلك جعلت عنوان الموضوع بهذه العمومية، ليس فيه إرشادات ولا توجيهات، وإنما هو هذه البرقيات التي ربما تتضمن بعض الآراء والمشاركات.
الأمر الثاني: أن الاقتران في الموضوع بين المعلمين والمعلمات للأهمية في كلا الجانبين، وللمساواة من جهة أخرى، مع أن اللفظ التذكيري في الحديث إنما هو للتغليب كما يقول أهل اللغة، ومن وجه آخر لأن الحديث عن التعليم وعن المعلمين وعن الطلبة هو جانب، وجانبه الآخر يشبهه تماماً في جانب النساء من المعلمات ومن الطالبات.
ثالثاً: عندما بدأت أعد في هذا الموضوع وجدت أن هذا العنوان العام إن أراد الإنسان أن يتناول معظم جوانبه لا كلها فإنه يقتضي منه دهراً طويلاً ووقتاً طويلاً وموضوعات مختلفة، فهناك المعلم من حيث إعداده، ومن حيث مواصفاته وصفاته، ومن حيث موضوعات أخرى تتعلق بطرق التدريس، ومن حيث التربية، ومن حيث مشكلة الطلاب، ومن حيث القضايا الإدارية، ومن حيث أمور أخرى كثيرة ومتشعبة ومتعلقة بهذا الموضوع، وهو موضوع طويل يستحق التفصيل، لكن لن يكون هذا في هذا المقام وحده، وربما -إذا اتسعت الفرصة- تكون هناك موضوعات أخرى متعلقة بهذا الموضوع تفرد على حدة، حتى تُعطى بعض القضايا حقها من التحضير والإعداد، ومن حسن الجمع والكتابة.
وأما هذا الموضوع فهو برقيات، والبرقيات دائماً تكون مختصرة وموجزة وإن كثرت، لكنها لابد في الأساس أن تكون عبارة عن ومضات سريعة، وهذا يناسب الموضوع من جهة، ويناسب المعلمين؛ لأن المعلمين سريعون في الفهم، كما يقال عند العامة: المعلم في أي شيء هو الذي يفهم أي شيء ويفهم كل شيء بسرعة.
ولذلك نحن نأخذ المعلمين بالوصف الأكاديمي كما يقال، وبالوصف العام أيضاً، فالمعلم هو الذي يتقن ويحسن ويفهم، ويؤدي الأمر على التمام والكمال كما يقال.
стр. 1158
ذكر بعض فضائل المعلمين
سوف نركز في هذا الموضوع على جوانب محصورة ومحدودة أمضي فيها مختصراً القول، وأدع بعض النصوص والنقول إلى آخر الحديث طمعاً في أن لا نترك بعض هذه الموضوعات، وأملاً في أن تكون هذه التوجيهات أو هذه الكلمات التي أخترتها موصولة حتى تمكن الاستفادة منها بإذن الله .
أولاً: من أنتم؟ وهذا ليس بسؤال غريب، وإنما هو تأكيد وتذكير وإحياء لمعنى المعلم ومفهوم المعلم ورسالة المعلم، فنحن نريد ابتداءً أن يعرف المعلم نفسه، وعندما نذكر بعض النقاط قد يقول بعض المعلمين -وأعرف هذا من خلال ممارستي ومن خلال معايشتي لكثير منهم-: إن هذه نقاط أو مسميات أو مدلولات نظرية، ولكن الواقع يخالفها.
وأيضاً سيقول فريق آخر: هذا الوصف الذي سيذكر عن المعلم لا يعترف به أكثر الناس، ولا يعرفه مجمل من لهم تأثير في واقع المجتمعات.
أقول: كل هذا قد يكون حقيقة، لكن أعظم شيء وأهم شيء هو أن يعرف المعلم نفسه، وأن يكون مقتنعاً بهذا الوصف، فإذا كنت -على سبيل المثال- تعرف نفسك أنك ذو مال فلا يضرك أن يقول الناس: إنك فقير معدم.
أو لا يعرف كثير من الناس أن عندك هذه القدرة، لكن إنما يحصل الخلل عندما تكون ذا مال وتظن وهماً أو خطأً أو من كلام الناس أنك فقير معدم، وهذا هو الخطأ الأكبر، ولذلك فإن المهمة الأولى أو الرسالة الأولى أو البرقية الأولى هي من أنتم أيها المعلمون والمعلمات؟! من أنتم في حقيقة كلام الله وفي منهج رسول الله ﷺ ، وفي دين الإسلام، وفي واقع الحياة، وفي مستقبل الأمة؟ ينبغي أن نركز على هذا المفهوم تركيزاً نظرياً، وأن يكون أيضاً قضية فكرية وشعورية تلامس القلب والنفس، حتى يمكن أن يتحمل المعلم الأخطاء الواقعة في المجتمع لفهم مهمته، ولفهم منزلته ومكانته، فمن أنتم أيها المعلمون؟! أقول في برقيات سريعة: أولاً: أنتم المرفوعون -أي: عند الله لقوله سبحانه: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
ثانياً: أنتم المندوبون -أي: عن الأمة- كما قال جل وعلا: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
ثالثاً: أنتم الوارثون -أي: الوارثون لأعلام النبوة- كما أخبر النبي ﵊ عن ذلك بقوله: (العلماء ورثة الأنبياء).
رابعاً: أنتم المأجورون؛ لأن النبي ﷺ بين عظمة الأجر الذي يلقاه معلم الناس الخير، في قوله ﵊: (من علم علماً فله أجر من عمل به، ولا ينقص ذلك من أجر العامل شيء)، وفي حديثه الآخر: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله).
خامساً: أنتم المحسودون؛ لأنكم -كما سبق أن أشرت- وارثون للنبوة مأجورون من الله ، فأنتم المحسودون، أي: حسد الغبطة التي ينبغي إذا فهمها أهل الإيمان أن يتنافسوا فيها، وأن يتسابقوا إليها، كما في حديث النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل الله آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
سادساً: أنتم المورِّثون، فكما كنتم وارثين فأنتم تورِثون، كما أخبر النبي ﷺ بخصيصة عظيمة لأهل العلم، يظن بعض الناس أنها جزئية لهم، وذكر بعض العلماء أنها كلية في حديثه ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
ونصيب أهل العلم من هذا الحديث هو قوله: (أو علم ينتفع به) لكن ذكر بعض أهل العلم أن العلم من المعلمين لا يُقصد به هذا الجزء فقط، وإنما الأجزاء الثلاثة كلها، فإن التعليم في حد ذاته صدقة؛ لأن فعل الخير أياً كان صدقة، قال ذلك ابن جماعة في كتابه عن التعليم، قال: وشاهد ذلك حديث النبي ﷺ لما جاء الرجل بعد انقطاع الصلاة قال: (من يتصدق على هذا؟).
ففعل الخير في حد ذاته صدقة، فتعليمك للرجل صدقة منك عليه، ثم علم ينتفع به وهو ظاهر، أو ولد صالح يدعو له، وما أكثر ما يكون الطلبة أكثر دعاءً من الأبناء لآبائهم، فبذلك يكون المعلم ممتداً أجره وفضله وخيره لهذه الصورة الشاملة التي ذكرها بعض العلماء.
سابعاً: أنتم الأولون، فكل أحد ليست له بداية إلا بالتعليم، بل إن الله قد أشار إلى ذلك في قوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، ففي هذه الآية دلالة على أن العلم هو الطريق إلى الإيمان، وعقد الإمام البخاري فصلاً في كتاب العلم في صحيحه فقال: (باب العلم قبل القول والعمل).
فإذاً: العلم هو الأول في الاعتقاد، والأول في القول، والأول في العمل، والأول في واقع الحياة، فانظر إلى الوزراء والمدراء والأطباء والمهندسين والفقهاء، فستجد أنهم كلهم كانوا يوماً من الأيام تلاميذاً، مروا عليك -أيها المعلم- في فترة من الزمن، وتلقوا على يديك بعضاً من العلم، ولو أنك علمتهم القراءة والكتابة، فيظن بعض الناس أن معلم الابتدائية هذا في أدنى المراتب وفي أحقرها، لكنك يوماً ستجد عظيماً من العظماء أو عالماً من العلماء سيذكر الذي علمه الألف والباء، والذي علمه الكتابة، وكيف أنه كان يخطئ فيها ومعلمه يعلمه إياها، وكيف أنه عاقبه على عدم إجادته فيها في أول أمره، فهذه المفاتيح كلها وهذه المراتب كلها وهذه المناصب كلها إنما أنت بادئها، وأنت مفتتحها، وأنت الأول فيها.
ثامناً: أنتم المجاهدون، وهذا ذكره العلماء، وهو مما يدل على فقههم وعميق علمهم، ذكره الخطيب البغدادي في كتابه: (الفقيه والمتفقه) عندما ذكر أن سبيل الله يشمل التعليم والجهاد، وقال ما ملخصه: إن الجهاد حماية لبيضة الإسلام بالدفاع عن المسلمين، وإن التعليم حماية للمسلمين بالحفاظ على الدين.
وابن القيم رحمة الله عليه له في هذا المعنى عبارة ضافية، فعندما أشار إلى أن العلم هو نوع من الجهاد في سبيل الله قال ﵀: إنما جعل طلب العلم من سبيل الله لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد.
فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان -وهذا المشارك فيه كثير- والثاني: الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظمة منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه.
ثم استدل بقول الله في سورة الفرقان المكية: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً * فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥١ - ٥٢] فهذه الآيات نزلت والجهاد لم يشرع بعد، فالمراد به جهادهم بالقرآن والبيان والحجة الداحضة التي تبين الحق وتقيم الدليل عليه.
وعندما يقول قائل: لمَ يطلقُ مثل هذا القول في كلامه رحمة الله عليه عندما قال: هو أفضل الجهادين؟ فنقول: إن الجهاد المعروف إنما تعرف فضيلته وتعرف أحكامه وتعرف أهدافه وغاياته من خلال العلم، فالعلم هو السابق على الجهاد، وهو الممهد له، وهو المهيج عليه، وهو المبين لغاياته وأهدافه، وبالتالي هو الذي ينشئه في النفوس إنشاءً، ويبينه في العقول بيانا ًواضحاً شافياً، ولذلك هذا أيضاً معنىً من المعاني.
تاسعاً: أنتم المدافعون عن الأمة في أخلاقها، وفي تفكيرها، وفي حضارتها، وفي تقدمها، فإن المعلم كأنما هو أعظم جهاداً من المجاهد في واقع الأمر؛ لأنه يجاهد الجهالة بالتعليم، ويجاهد الحماقة بالتقويم، ويجاهد الشطط بالاعتدال، ويجاهد الخمول والكسل بالتوجيه إلى الجد والعمل، ويواجه أموراً كثيرة، ثم هذا كله يجاهد به في نفوس متغيره، وأفكار متبدلة، وعواطف متأججة، فعمله صعب شديد، وأثره عندما يتحقق -بإذن الله يكون قوياً وعظيماً، ولذلك عندما يريد أعداء الأمة أو تريد جهة ما من الجهات أن تؤثر في مجتمع أو في أمة فإن أوكد اهتمامها وأولى أولوياتها أن تتوجه إلى التعليم، فتغير المناهج -وهذه خطوة- وتصوغ المعلمين -وهذه خطوة أخرى- وإذا عملت في هذين الجانبين استطاعت أن تدمر كل المقومات، واستطاعت أن تزعزع العقائد في النفوس، واستطاعت أن تحرف السلوك، واستطاعت أن تغير طرائق التفكير، واستطاعت أن تجعل هناك الهزيمة النفسية إلى آخر ذلك مما يعلن في قضايا الغزو الفكري ونحوه، فالمعلم أو المعلمون هم المدافعون عن هذه الأمة عندما يقومون بواجبهم ورسالتهم على النحو المطلوب.
عاشراًً: أنتم المصلحون لما يفسده الآخرون، فقد يفسد الطالبَ أهلُهُ، وقد يفسده مجتمعه، وقد يفسده أحياناً ما يسمعه أو ما يراه أو ما يقرؤه، ومهمتك أنه كلما حصل عطل وحصل خراب أن تصلح، وهذا في حق المعلم مهم جداً ومتحقق فعلاً؛ لأن المعلم أثره مستمر؛ لأنه يبقى مع الطالب وقتاً طويلاً وسنوات عديدة، ومن خلال مواقف متكررة، ومن خلال تدريس وتعليم ونشاط وغير ذلك، بينما المخربون الآخرون أحياناً يكون دورهم مقصوراً، إما مقصوراً بالوسائل، وإما مقصوراً في الوقت والزمن، فيبقى عامل الإصلاح في المعلمين أغلب وأنجح وأكثر تأثيراً واستمرارية من غيره إذا هم أتقنوه وأحسنوه، كما يقول بشير الإبراهيمي الذي كان رئيساً لجمعية العلماء في الجزائر في أوائل القرن التاسع عشر، يقول للمعلمين: أنتم معاقد الأمل في إصلاح هذه الأمة؛ فإن الوطن لا يعلق رجاءه على الأميين الذين يريدون أن يصلحوا فيفسدون، ولا على هذا الغثاء من الشباب الجاهل المتسكع الذي يعيش بلا علم ولا عقل ولا تفكير، والذي يغط في النوم ما يغط، فإذا أفاق على صيحة تمسك بصداها وكررها كما يكرر الببغاء.
فنحن نرى أن المعلمين هم المصلحون وهم المقومون، فإذا كنت -أخي المعلم- مرفوعاً عند الله، مندوباً عن الأمة، ووارث
стр. 1159
دور المعلم في نظر المجتمع إليه
وأقف هنا وقفة يسيرة أذكر فيها بما قلته قبل أن أبدأ هذه البرقيات أو هذه الكلمات، سيقول كثير من المدرسين: ما أجمل هذه الكلمات! وما أحسن هذه العبارات! وما أحسن هذه الاستدلالات! لكن أنا المدرس وأنا المعلم المسكين الذي ينظر إليّ الناس شزراً، ولا يرون لي قيمة، ولا يرون لي نفعاً، وربما جاء ولي أمر الطالب يصب عليّ جام غضبه، وربما جاء المدير يفضفض عن نفسه بما يلقيه عليّ من التبعات، وربما جاء الطلاب المشاكسون والأغبياء المتبلدون، فبعد هذا كله تريد أن تقنعني بأنني في هذه المنزلة الرفيعة العالية؟ فأقول ما قلته أولاً: هذا كلام فيه آيات قرآنية، وفيه أحاديث نبوية، وفيه معانٍ واقعية، وفيه تجارب تاريخية، وفيه إمكانية تطبيقية، فالأمر بيدك، وأنت حيث تريد لا حيث يريد الناس، فإذا أردت لنفسك أن تكون كما يقولون فهذا بيدك لا بيد عمرو كما يقال، وإذا أردت أن تكون كما ينبغي أن تكون فيمكن أن تغير ذلك وأن تفرضه على الناس من حولك.
стр. 1160
أثر القناعات الخاطئة على الآخرين
ثم هنا نقطة أخرى وهي مهمة جداً: ما تأثير القناعات الخاطئة عند الآخرين، أي: من غير المعلمين؟ الخطر عندما ينظر المعلم إلى نفسه نظرة خاطئة، فهنا يقع الخطأ، فلا يعرف أن له مهمة عظيمة ولا رسالة ولا فائدة، إذاًَ لماذا يعمل؟ وكيف سيعمل؟ وبأية نفسية سيتوجه إلى عمله؟ والآخرون لسنا معنيين بهم في هذا المقام، فإذا أقنعت نفسك بهذا فستسمع كل كلام فلا يؤثر فيك، وتسمع كل احتقار فلا تكترث له، حتى تكون حينئذٍ بهذه الانطلاقة مصلحاً ومغيراً لأفهام الآخرين بإذن الله .
وأيضاً: عندما يكون بعض الآباء أو بعض المدراء أو بعض قطاعات المجتمع لا تدرك هذه الأهمية فمن الذي سيغيرها؟ أقول: التغيير بأيدي المعلمين في كثير من الجوانب أقوى من أي جهة أو من أي تيار غيرهم، لأسباب كثيرة: أولها كثرة المعلمين، وانظر إلى أية دائرة من الدوائر كم عدد موظفيها وكم عدد الموظفين القائمين بمهمات التعليم والتدريس! وانظر أيضاً إلى المحتاجين إلى الخدمات في أي قطاع، خدمات الجوازات، أو خدمات المطارات، أو أي خدمات أخرى، ستجد أنهم فئات قليلة، لكن التعليم كل الأمة تمر خلاله، وكل مولود في هذه الأعصار في بيئات كثيرة وفي بيئاتنا لابد أن يمر بهذا التعليم.
فإذاً بكثرتكم لو أنكم فهمتم ووعيتم وأجمعتم وقررتم وعملتم وواصلتم يمكن أن تغيروا كل هذه الأفكار وكل هذه التصورات الخاطئة، ثم عندكم ثروة عجيبة يمكنكم أن تغزوا عقول الآباء والأمهات من خلال أبنائهم، ويمكنكم أن تغزوا المجتمع من خلال الذين تخرجونهم على أيديكم ويكونون غداً موظفين ومعلمين ومهندسين وأطباء إلى غير ذلك، فيمكنكم أن تغيروا كل شيء؛ لأن عندكم أكبر قوة تغييرية، وهي: القوة البشرية، فلا يتغير بالقوة المادية ولا بالقوة الإعلامية ولا بأي قوة أخرى -وإن كانت هذه لها تأثيرها- مثل ما يتغير بالقوة البشرية والقناعة الفكرية والتربية السلوكية والحقائق الإيمانية التي تزرعونها في طلابكم، فيمكن أن تغيروا، ولا يكون التغيير الإيجابي في غمضة عين وانتباهتها، ولا بين عشية وضحاها كما يقولون، وإنما لهذا وقته، لكن المهم أن تكون مقتنعاً به، وأن تكون مستوعباً له، وأن تكون متفاعلاً معه، حينئذٍ يمكن أن يكون لك مثل هذا الحظ.
وأما هذه النظرات التي أشرت إليها عند بعض إخواننا المدرسين فأذكر لهم بعض ما قد يوافق هوى بعضهم من باب الفكاهة، أو من باب التحميس أو النظر إلى بعض النماذج، فالأستاذ الشيخ علي الطنطاوي حفظه الله له مذكرات، وفي كثير من كتبه كلام عن المدرسين من حيث همومهم وأعبائهم، وتجد أحياناً عندما يصف لك دور المدرس وهو يصحح الكراريس كما يسميها أو وظائف الطلاب كما يسميها والأوراق وغيرها تجد أنك تحزن لهذا المدرس حتى كأنك في جنازة ومأتم، وتجده أحياناً يعبر بتعبيراته الأدبية بأمور لا يقصدها ولا يعنيها، وإنما يعبر عن حقيقة المعاناة التي لا يلمسها الآخرون، فهو يعبر عن هذا ثم يقول: وماذا حظي بعد ذلك؟ يقول: بعض الطباشير التي يقذفها عليّ الطلاب، وبعض الأمور كذا وكذا وكذا إلى آخره.
وكما عبر شاعر معلقاً ومعارضاً لقصيدة شوقي في المعلم: قم للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولاً فهذا القائل من أهل التعليم أو من المتعاطفين معهم قال: شوقي يقول وما درى بمصيبتي قم للمعلم ووفه التبجيلا ويكاد يطلقني الأمير بقوله كاد المعلم أن يكون رسولاً لو جرب التعليم شوقي مرة لقضى الحياة شقاوة وخمولاً يا من يريد الانتحار وجدته إن المعلم لا يعيش طويلاً ويعني بقوله: (ويكاد يطلقني الأمير) أمير الشعراء.
وهو وإن كان قد يعاني لكن كما قلت: لابد أن يدرك هذه القيمة العظيمة لأهميته ومنزلته، والحديث برقيات، والبرقيات لا بد أن تكون مختصرة.
следующие страницы →