← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

برقيات إلى المعلمين والمعلمات للتعليم أهمية كبيرة؛ لأنه يرتكز عليه محك صقل عقول البشر، ولذا كان من الأهمية بمكان الاهتمام بإعداد المدرسين إعداداً جيداً حتى يربوا جيلاً جيداً، وعلى المدرسين دور كبير في هذا الإعداد والاهتمام، فعليهم أن يطوروا أنفسهم، وأن يؤدوا مهمتهم على الوجه المطلوب.

стр. 1157

بين يدي الموضوع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: فموضوع حديثنا بعنوان (برقيات إلى المعلمين والمعلمات)، وفي بداية العام الدراسي خصوصاً يأتي هذا الموضوع مناسباً ومتوافقاً مع الاحتياج إليه والتذكير به. وأحب أولاً أن أخاطب المعلمين بأننا منهم، ونمارس مهنتهم، وليس فالمعلم الأصل أنه يُعلِم ويتعلم، بمعنى أنه لا يستكبر عن التعليم، لكنه هو في مقام التعليم والتوجيه، ولذلك جعلت عنوان الموضوع بهذه العمومية، ليس فيه إرشادات ولا توجيهات، وإنما هو هذه البرقيات التي ربما تتضمن بعض الآراء والمشاركات. الأمر الثاني: أن الاقتران في الموضوع بين المعلمين والمعلمات للأهمية في كلا الجانبين، وللمساواة من جهة أخرى، مع أن اللفظ التذكيري في الحديث إنما هو للتغليب كما يقول أهل اللغة، ومن وجه آخر لأن الحديث عن التعليم وعن المعلمين وعن الطلبة هو جانب، وجانبه الآخر يشبهه تماماً في جانب النساء من المعلمات ومن الطالبات. ثالثاً: عندما بدأت أعد في هذا الموضوع وجدت أن هذا العنوان العام إن أراد الإنسان أن يتناول معظم جوانبه لا كلها فإنه يقتضي منه دهراً طويلاً ووقتاً طويلاً وموضوعات مختلفة، فهناك المعلم من حيث إعداده، ومن حيث مواصفاته وصفاته، ومن حيث موضوعات أخرى تتعلق بطرق التدريس، ومن حيث التربية، ومن حيث مشكلة الطلاب، ومن حيث القضايا الإدارية، ومن حيث أمور أخرى كثيرة ومتشعبة ومتعلقة بهذا الموضوع، وهو موضوع طويل يستحق التفصيل، لكن لن يكون هذا في هذا المقام وحده، وربما -إذا اتسعت الفرصة- تكون هناك موضوعات أخرى متعلقة بهذا الموضوع تفرد على حدة، حتى تُعطى بعض القضايا حقها من التحضير والإعداد، ومن حسن الجمع والكتابة. وأما هذا الموضوع فهو برقيات، والبرقيات دائماً تكون مختصرة وموجزة وإن كثرت، لكنها لابد في الأساس أن تكون عبارة عن ومضات سريعة، وهذا يناسب الموضوع من جهة، ويناسب المعلمين؛ لأن المعلمين سريعون في الفهم، كما يقال عند العامة: المعلم في أي شيء هو الذي يفهم أي شيء ويفهم كل شيء بسرعة. ولذلك نحن نأخذ المعلمين بالوصف الأكاديمي كما يقال، وبالوصف العام أيضاً، فالمعلم هو الذي يتقن ويحسن ويفهم، ويؤدي الأمر على التمام والكمال كما يقال.

стр. 1158

ذكر بعض فضائل المعلمين سوف نركز في هذا الموضوع على جوانب محصورة ومحدودة أمضي فيها مختصراً القول، وأدع بعض النصوص والنقول إلى آخر الحديث طمعاً في أن لا نترك بعض هذه الموضوعات، وأملاً في أن تكون هذه التوجيهات أو هذه الكلمات التي أخترتها موصولة حتى تمكن الاستفادة منها بإذن الله . أولاً: من أنتم؟ وهذا ليس بسؤال غريب، وإنما هو تأكيد وتذكير وإحياء لمعنى المعلم ومفهوم المعلم ورسالة المعلم، فنحن نريد ابتداءً أن يعرف المعلم نفسه، وعندما نذكر بعض النقاط قد يقول بعض المعلمين -وأعرف هذا من خلال ممارستي ومن خلال معايشتي لكثير منهم-: إن هذه نقاط أو مسميات أو مدلولات نظرية، ولكن الواقع يخالفها. وأيضاً سيقول فريق آخر: هذا الوصف الذي سيذكر عن المعلم لا يعترف به أكثر الناس، ولا يعرفه مجمل من لهم تأثير في واقع المجتمعات. أقول: كل هذا قد يكون حقيقة، لكن أعظم شيء وأهم شيء هو أن يعرف المعلم نفسه، وأن يكون مقتنعاً بهذا الوصف، فإذا كنت -على سبيل المثال- تعرف نفسك أنك ذو مال فلا يضرك أن يقول الناس: إنك فقير معدم. أو لا يعرف كثير من الناس أن عندك هذه القدرة، لكن إنما يحصل الخلل عندما تكون ذا مال وتظن وهماً أو خطأً أو من كلام الناس أنك فقير معدم، وهذا هو الخطأ الأكبر، ولذلك فإن المهمة الأولى أو الرسالة الأولى أو البرقية الأولى هي من أنتم أيها المعلمون والمعلمات؟! من أنتم في حقيقة كلام الله وفي منهج رسول الله ﷺ ، وفي دين الإسلام، وفي واقع الحياة، وفي مستقبل الأمة؟ ينبغي أن نركز على هذا المفهوم تركيزاً نظرياً، وأن يكون أيضاً قضية فكرية وشعورية تلامس القلب والنفس، حتى يمكن أن يتحمل المعلم الأخطاء الواقعة في المجتمع لفهم مهمته، ولفهم منزلته ومكانته، فمن أنتم أيها المعلمون؟! أقول في برقيات سريعة: أولاً: أنتم المرفوعون -أي: عند الله لقوله سبحانه: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. ثانياً: أنتم المندوبون -أي: عن الأمة- كما قال جل وعلا: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. ثالثاً: أنتم الوارثون -أي: الوارثون لأعلام النبوة- كما أخبر النبي ﵊ عن ذلك بقوله: (العلماء ورثة الأنبياء). رابعاً: أنتم المأجورون؛ لأن النبي ﷺ بين عظمة الأجر الذي يلقاه معلم الناس الخير، في قوله ﵊: (من علم علماً فله أجر من عمل به، ولا ينقص ذلك من أجر العامل شيء)، وفي حديثه الآخر: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله). خامساً: أنتم المحسودون؛ لأنكم -كما سبق أن أشرت- وارثون للنبوة مأجورون من الله ، فأنتم المحسودون، أي: حسد الغبطة التي ينبغي إذا فهمها أهل الإيمان أن يتنافسوا فيها، وأن يتسابقوا إليها، كما في حديث النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل الله آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها). سادساً: أنتم المورِّثون، فكما كنتم وارثين فأنتم تورِثون، كما أخبر النبي ﷺ بخصيصة عظيمة لأهل العلم، يظن بعض الناس أنها جزئية لهم، وذكر بعض العلماء أنها كلية في حديثه ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). ونصيب أهل العلم من هذا الحديث هو قوله: (أو علم ينتفع به) لكن ذكر بعض أهل العلم أن العلم من المعلمين لا يُقصد به هذا الجزء فقط، وإنما الأجزاء الثلاثة كلها، فإن التعليم في حد ذاته صدقة؛ لأن فعل الخير أياً كان صدقة، قال ذلك ابن جماعة في كتابه عن التعليم، قال: وشاهد ذلك حديث النبي ﷺ لما جاء الرجل بعد انقطاع الصلاة قال: (من يتصدق على هذا؟). ففعل الخير في حد ذاته صدقة، فتعليمك للرجل صدقة منك عليه، ثم علم ينتفع به وهو ظاهر، أو ولد صالح يدعو له، وما أكثر ما يكون الطلبة أكثر دعاءً من الأبناء لآبائهم، فبذلك يكون المعلم ممتداً أجره وفضله وخيره لهذه الصورة الشاملة التي ذكرها بعض العلماء. سابعاً: أنتم الأولون، فكل أحد ليست له بداية إلا بالتعليم، بل إن الله قد أشار إلى ذلك في قوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، ففي هذه الآية دلالة على أن العلم هو الطريق إلى الإيمان، وعقد الإمام البخاري فصلاً في كتاب العلم في صحيحه فقال: (باب العلم قبل القول والعمل). فإذاً: العلم هو الأول في الاعتقاد، والأول في القول، والأول في العمل، والأول في واقع الحياة، فانظر إلى الوزراء والمدراء والأطباء والمهندسين والفقهاء، فستجد أنهم كلهم كانوا يوماً من الأيام تلاميذاً، مروا عليك -أيها المعلم- في فترة من الزمن، وتلقوا على يديك بعضاً من العلم، ولو أنك علمتهم القراءة والكتابة، فيظن بعض الناس أن معلم الابتدائية هذا في أدنى المراتب وفي أحقرها، لكنك يوماً ستجد عظيماً من العظماء أو عالماً من العلماء سيذكر الذي علمه الألف والباء، والذي علمه الكتابة، وكيف أنه كان يخطئ فيها ومعلمه يعلمه إياها، وكيف أنه عاقبه على عدم إجادته فيها في أول أمره، فهذه المفاتيح كلها وهذه المراتب كلها وهذه المناصب كلها إنما أنت بادئها، وأنت مفتتحها، وأنت الأول فيها. ثامناً: أنتم المجاهدون، وهذا ذكره العلماء، وهو مما يدل على فقههم وعميق علمهم، ذكره الخطيب البغدادي في كتابه: (الفقيه والمتفقه) عندما ذكر أن سبيل الله يشمل التعليم والجهاد، وقال ما ملخصه: إن الجهاد حماية لبيضة الإسلام بالدفاع عن المسلمين، وإن التعليم حماية للمسلمين بالحفاظ على الدين. وابن القيم رحمة الله عليه له في هذا المعنى عبارة ضافية، فعندما أشار إلى أن العلم هو نوع من الجهاد في سبيل الله قال ﵀: إنما جعل طلب العلم من سبيل الله لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد. فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان -وهذا المشارك فيه كثير- والثاني: الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظمة منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه. ثم استدل بقول الله في سورة الفرقان المكية: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً * فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥١ - ٥٢] فهذه الآيات نزلت والجهاد لم يشرع بعد، فالمراد به جهادهم بالقرآن والبيان والحجة الداحضة التي تبين الحق وتقيم الدليل عليه. وعندما يقول قائل: لمَ يطلقُ مثل هذا القول في كلامه رحمة الله عليه عندما قال: هو أفضل الجهادين؟ فنقول: إن الجهاد المعروف إنما تعرف فضيلته وتعرف أحكامه وتعرف أهدافه وغاياته من خلال العلم، فالعلم هو السابق على الجهاد، وهو الممهد له، وهو المهيج عليه، وهو المبين لغاياته وأهدافه، وبالتالي هو الذي ينشئه في النفوس إنشاءً، ويبينه في العقول بيانا ًواضحاً شافياً، ولذلك هذا أيضاً معنىً من المعاني. تاسعاً: أنتم المدافعون عن الأمة في أخلاقها، وفي تفكيرها، وفي حضارتها، وفي تقدمها، فإن المعلم كأنما هو أعظم جهاداً من المجاهد في واقع الأمر؛ لأنه يجاهد الجهالة بالتعليم، ويجاهد الحماقة بالتقويم، ويجاهد الشطط بالاعتدال، ويجاهد الخمول والكسل بالتوجيه إلى الجد والعمل، ويواجه أموراً كثيرة، ثم هذا كله يجاهد به في نفوس متغيره، وأفكار متبدلة، وعواطف متأججة، فعمله صعب شديد، وأثره عندما يتحقق -بإذن الله يكون قوياً وعظيماً، ولذلك عندما يريد أعداء الأمة أو تريد جهة ما من الجهات أن تؤثر في مجتمع أو في أمة فإن أوكد اهتمامها وأولى أولوياتها أن تتوجه إلى التعليم، فتغير المناهج -وهذه خطوة- وتصوغ المعلمين -وهذه خطوة أخرى- وإذا عملت في هذين الجانبين استطاعت أن تدمر كل المقومات، واستطاعت أن تزعزع العقائد في النفوس، واستطاعت أن تحرف السلوك، واستطاعت أن تغير طرائق التفكير، واستطاعت أن تجعل هناك الهزيمة النفسية إلى آخر ذلك مما يعلن في قضايا الغزو الفكري ونحوه، فالمعلم أو المعلمون هم المدافعون عن هذه الأمة عندما يقومون بواجبهم ورسالتهم على النحو المطلوب. عاشراًً: أنتم المصلحون لما يفسده الآخرون، فقد يفسد الطالبَ أهلُهُ، وقد يفسده مجتمعه، وقد يفسده أحياناً ما يسمعه أو ما يراه أو ما يقرؤه، ومهمتك أنه كلما حصل عطل وحصل خراب أن تصلح، وهذا في حق المعلم مهم جداً ومتحقق فعلاً؛ لأن المعلم أثره مستمر؛ لأنه يبقى مع الطالب وقتاً طويلاً وسنوات عديدة، ومن خلال مواقف متكررة، ومن خلال تدريس وتعليم ونشاط وغير ذلك، بينما المخربون الآخرون أحياناً يكون دورهم مقصوراً، إما مقصوراً بالوسائل، وإما مقصوراً في الوقت والزمن، فيبقى عامل الإصلاح في المعلمين أغلب وأنجح وأكثر تأثيراً واستمرارية من غيره إذا هم أتقنوه وأحسنوه، كما يقول بشير الإبراهيمي الذي كان رئيساً لجمعية العلماء في الجزائر في أوائل القرن التاسع عشر، يقول للمعلمين: أنتم معاقد الأمل في إصلاح هذه الأمة؛ فإن الوطن لا يعلق رجاءه على الأميين الذين يريدون أن يصلحوا فيفسدون، ولا على هذا الغثاء من الشباب الجاهل المتسكع الذي يعيش بلا علم ولا عقل ولا تفكير، والذي يغط في النوم ما يغط، فإذا أفاق على صيحة تمسك بصداها وكررها كما يكرر الببغاء. فنحن نرى أن المعلمين هم المصلحون وهم المقومون، فإذا كنت -أخي المعلم- مرفوعاً عند الله، مندوباً عن الأمة، ووارث

стр. 1159

دور المعلم في نظر المجتمع إليه وأقف هنا وقفة يسيرة أذكر فيها بما قلته قبل أن أبدأ هذه البرقيات أو هذه الكلمات، سيقول كثير من المدرسين: ما أجمل هذه الكلمات! وما أحسن هذه العبارات! وما أحسن هذه الاستدلالات! لكن أنا المدرس وأنا المعلم المسكين الذي ينظر إليّ الناس شزراً، ولا يرون لي قيمة، ولا يرون لي نفعاً، وربما جاء ولي أمر الطالب يصب عليّ جام غضبه، وربما جاء المدير يفضفض عن نفسه بما يلقيه عليّ من التبعات، وربما جاء الطلاب المشاكسون والأغبياء المتبلدون، فبعد هذا كله تريد أن تقنعني بأنني في هذه المنزلة الرفيعة العالية؟ فأقول ما قلته أولاً: هذا كلام فيه آيات قرآنية، وفيه أحاديث نبوية، وفيه معانٍ واقعية، وفيه تجارب تاريخية، وفيه إمكانية تطبيقية، فالأمر بيدك، وأنت حيث تريد لا حيث يريد الناس، فإذا أردت لنفسك أن تكون كما يقولون فهذا بيدك لا بيد عمرو كما يقال، وإذا أردت أن تكون كما ينبغي أن تكون فيمكن أن تغير ذلك وأن تفرضه على الناس من حولك.

стр. 1160

أثر القناعات الخاطئة على الآخرين ثم هنا نقطة أخرى وهي مهمة جداً: ما تأثير القناعات الخاطئة عند الآخرين، أي: من غير المعلمين؟ الخطر عندما ينظر المعلم إلى نفسه نظرة خاطئة، فهنا يقع الخطأ، فلا يعرف أن له مهمة عظيمة ولا رسالة ولا فائدة، إذاًَ لماذا يعمل؟ وكيف سيعمل؟ وبأية نفسية سيتوجه إلى عمله؟ والآخرون لسنا معنيين بهم في هذا المقام، فإذا أقنعت نفسك بهذا فستسمع كل كلام فلا يؤثر فيك، وتسمع كل احتقار فلا تكترث له، حتى تكون حينئذٍ بهذه الانطلاقة مصلحاً ومغيراً لأفهام الآخرين بإذن الله . وأيضاً: عندما يكون بعض الآباء أو بعض المدراء أو بعض قطاعات المجتمع لا تدرك هذه الأهمية فمن الذي سيغيرها؟ أقول: التغيير بأيدي المعلمين في كثير من الجوانب أقوى من أي جهة أو من أي تيار غيرهم، لأسباب كثيرة: أولها كثرة المعلمين، وانظر إلى أية دائرة من الدوائر كم عدد موظفيها وكم عدد الموظفين القائمين بمهمات التعليم والتدريس! وانظر أيضاً إلى المحتاجين إلى الخدمات في أي قطاع، خدمات الجوازات، أو خدمات المطارات، أو أي خدمات أخرى، ستجد أنهم فئات قليلة، لكن التعليم كل الأمة تمر خلاله، وكل مولود في هذه الأعصار في بيئات كثيرة وفي بيئاتنا لابد أن يمر بهذا التعليم. فإذاً بكثرتكم لو أنكم فهمتم ووعيتم وأجمعتم وقررتم وعملتم وواصلتم يمكن أن تغيروا كل هذه الأفكار وكل هذه التصورات الخاطئة، ثم عندكم ثروة عجيبة يمكنكم أن تغزوا عقول الآباء والأمهات من خلال أبنائهم، ويمكنكم أن تغزوا المجتمع من خلال الذين تخرجونهم على أيديكم ويكونون غداً موظفين ومعلمين ومهندسين وأطباء إلى غير ذلك، فيمكنكم أن تغيروا كل شيء؛ لأن عندكم أكبر قوة تغييرية، وهي: القوة البشرية، فلا يتغير بالقوة المادية ولا بالقوة الإعلامية ولا بأي قوة أخرى -وإن كانت هذه لها تأثيرها- مثل ما يتغير بالقوة البشرية والقناعة الفكرية والتربية السلوكية والحقائق الإيمانية التي تزرعونها في طلابكم، فيمكن أن تغيروا، ولا يكون التغيير الإيجابي في غمضة عين وانتباهتها، ولا بين عشية وضحاها كما يقولون، وإنما لهذا وقته، لكن المهم أن تكون مقتنعاً به، وأن تكون مستوعباً له، وأن تكون متفاعلاً معه، حينئذٍ يمكن أن يكون لك مثل هذا الحظ. وأما هذه النظرات التي أشرت إليها عند بعض إخواننا المدرسين فأذكر لهم بعض ما قد يوافق هوى بعضهم من باب الفكاهة، أو من باب التحميس أو النظر إلى بعض النماذج، فالأستاذ الشيخ علي الطنطاوي حفظه الله له مذكرات، وفي كثير من كتبه كلام عن المدرسين من حيث همومهم وأعبائهم، وتجد أحياناً عندما يصف لك دور المدرس وهو يصحح الكراريس كما يسميها أو وظائف الطلاب كما يسميها والأوراق وغيرها تجد أنك تحزن لهذا المدرس حتى كأنك في جنازة ومأتم، وتجده أحياناً يعبر بتعبيراته الأدبية بأمور لا يقصدها ولا يعنيها، وإنما يعبر عن حقيقة المعاناة التي لا يلمسها الآخرون، فهو يعبر عن هذا ثم يقول: وماذا حظي بعد ذلك؟ يقول: بعض الطباشير التي يقذفها عليّ الطلاب، وبعض الأمور كذا وكذا وكذا إلى آخره. وكما عبر شاعر معلقاً ومعارضاً لقصيدة شوقي في المعلم: قم للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولاً فهذا القائل من أهل التعليم أو من المتعاطفين معهم قال: شوقي يقول وما درى بمصيبتي قم للمعلم ووفه التبجيلا ويكاد يطلقني الأمير بقوله كاد المعلم أن يكون رسولاً لو جرب التعليم شوقي مرة لقضى الحياة شقاوة وخمولاً يا من يريد الانتحار وجدته إن المعلم لا يعيش طويلاً ويعني بقوله: (ويكاد يطلقني الأمير) أمير الشعراء. وهو وإن كان قد يعاني لكن كما قلت: لابد أن يدرك هذه القيمة العظيمة لأهميته ومنزلته، والحديث برقيات، والبرقيات لا بد أن تكون مختصرة.

стр. 1161

عمل المعلمين سؤال ثانٍ: ما هو عملكم؟ وهذا أيضاً أشير فيه أشارات سريعة: أولاً: المعرفة والتعليم؛ لأن هذا هو الأمر الأول المتبادر إلى الذهن، وأن المعلم يعلم الطلاب، أي: يعطيهم معلومات يعرفونها ويحفظونها، ثم يسألون عنها فيكتبونها، وهذا في حد ذاته جزء أساسي لاشك في أهميته، لكنه ليس وحده كما سيأتي، فقضية التعليم عندما تُفهم بهذا المعنى تكون حشواً للمعلومات في الرءوس، وتكون في الوقت نفسه عملية مملة يرى الطالب أنها أثقل عليه من الجبال العظيمة الشاهقة؛ لأنه تُسرد له المعلومات سرداً، ويُحشى بها عقله حشواً، كما كان أحد الأساتذة الذين درست عندهم في مرحلة جامعية عليا يقول: كان المدرسون يجهلونكم ستة عشر عاماً حتى جئتم إليّ تتعلمون. ثم قال: المطلوب من كثير من الطلاب -أي: في أسلوب التعليم- أن يحفظوا أوراقاً معينة، ثم يأتي يوم الإختبار فيتقيئونها على الورق، ثم ينتهي الأمر إلى هنا. إذاً هذه المهمة ينبغي أن تعرف بقدرها، وأن تعرف بأساليبها وطرائقها، كما سأشير إلى بعض ذلك لاحقاً. فأول عمل هو التعليم، والتعليم هو كما أخبر عنه النبي ﵊ بقوله: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم) فالتعليم له طرائق، وله وسائل، وله أساليب محببة إلى النفوس، ومقربة إلى الأفهام والعقول، وهذه كلها ينبغي أن لا تخفى على المدرس. ثانياً: مع المعرفة والتعليم لابد من صياغة التفكير، وهذه مهمة عظيمة، وهذا عمل خطير جداً؛ لأن المعلومات وحدها ما تنشئ شيئاً، ولا تقوم معوجاً، ولا تحرك ساكناً، ولا تدفع إلى فضيلة، ولا توجه إلى مهمات الأمور ومعاليها، لكن من أهم الأشياء صياغة التفكير، فالمعلم ينبغي أن يضع الأسس الصحيحة للتفكير السليم، وللمبادئ التي ينبغي أن تكون مسلمات، وللأخلاقيات التي ينبغي أن تكون أموراً متعارفاً عليها مقراً بها لا خلاف في أهميتها وفضيلتها، بمعنى أن المعلم يحتاج من خلال التعليم ومن خلال العملية التعليمية كلها أن يصيغ الفكر الصحيح، فمثلاً: هناك هزيمة نفسية عند كثير من أبناء المسلمين، ويرون -أو يرى بعضهم- أن المسلمين متخلفون، وأن غير المسلمين متقدمون، وقد يرى بعضهم في أفكارهم تشويشاً حول هذا المعنى بأن أولئك تقدموا لأنهم -مثلاً- تخلوا عن دينهم، كما كان يقال في أوائل هذا العصر، وقد انتهت هذه المقولة إلى حد كبير. أيضاً: هناك تفكيرات أخرى أن قضايا العلم مرتبطة بالأجناس، فتجد عند بعض الطلاب هذا المعنى، فأحدهم يقول لك: يا أخي! الغربيون الأمريكيون عقولهم كبيرة، وهم الذين يمكن أن يخترعوا، ولا يتصور أن يكون في بني الإسلام أو في بني العروبة من عنده عقل مبدع أو منتج أو مفكر. وهناك أيضاً أمور وأسس ثابتة في أمور الدين وأمور العقائد لابد أن يتصورها الطالب، وأن يحسن التفكير في أن هذه لا مساس بها، ولا مفاوضة عليها، ولا مجاملة فيها، ولا مداهنة فيها، إلى غير ذلك. هناك أيضاً قضايا متعلقة بتاريخ الأمة وبمقوماتها الأخلاقية والفكرية ينبغي أن تكون أيضاً من مهمة المدرس، وهذه لها أثرها العظيم والكبير. ثالثاً: التربية السلوكية مع الصياغة الفكرية، فأحياناً عند بعض الناس نظرات فكرية ممتازة، فأحدهم يقول: ينبغي أن يكون كذا، والحقيقة أن الأصل هو كذا. وهكذا هذه الأمور في قضية المعلمين بأنهم كذا وكذا وكذا، فهذه نظرية وقضية فكرية، لكن ما هو التطبيق الواقعي؟ إن من الطلاب -خاصة في سنوات تعليمهم الأولى وفي سنوات الشباب- من عندهم صور الخلل السلوكي والانحراف العملي التطبيقي، ومن مهمة المدرس الأولى ومن أعظم وظائفه العملية أن يقوَّم هذه السلوكيات، وأن يعوَّد الكاذبين على الصدق، وأن يمنع المنحرفين عن الانحراف، إلى غير ذلك مما هو معلوم في كثير من الصفات التي قد توجد في بعض الطلاب والشباب في مراحل سني حياتهم الأولى، وفي فترات المراهقة ومقتبل الشباب، والمرحلة التي يمر بها الطلاب في أثناء دراستهم التعليمية، فلا شك أن هذه البصمات التأثيرية السلوكية أهم بكثير جداً من الناحية المعرفية التي ذكرتها أولاً، ولذلك ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وهذا الحديث رواه الإمام مالك بلاغاً، وقال ابن عبد البر: روي من وجوه موصولة أخرى صحيحة، وأخرجه غيره. وهذا المعنى هو الشق الآخر لمهمة النبي ﵊، فقد بعث معلماً وبعث مربياً، فالتعليم من غير التربية لا يؤتي ثمرته، بل يكون على العكس من ذلك، والأحاديث والمعاني الإسلامية في هذا كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. رابعاً: العمل والبناء، فمن مهمة المدرس عندما يعطي المعرفة ويصوغ التفكير، ويوجِد التربية والسلوك، أن يوجه هؤلاء الطلاب إلى أن يشقوا الطريق العملي في الحياة والبناء، وأن يكونوا مبدعين في تخصصاتهم، وأن يكونوا عاملين لمصلحة أمتهم، وأن لا يكون هذا كله مرتبطاً بنفسية ليست مندفعة للعمل، بنفسية ترى واقع الأمة فتستسلم له بدلاً من أن تغالبه وتكافحه، فهذه الروح الحركية القوية هي من أعظم المؤثرات التي يُحتاج إليها والتي هي من مهمات المدرس والمعلم في طبيعة عمله.

стр. 1162

الأمور المطلوبة من المعلمين ننتقل إلى نقطة ثالثة، وهي: ماذا نريد منكم؟ إذا قلنا لكم: من أنتم وما هو عملكم فماذا نريد منكم لتحققوا هذين الغرضين معاً؟ نريد منكم أموراً -أيضاً- كثيرة جداً، لكن -كما قلت- هي برقيات وومضات.

стр. 1163

مشاركة المعلم مع الطلاب الأمر السابع: المشاركة مع الطلاب، وهذا -أيضاً- أمر مهم، وهو متعلق بشيء من التجديد والابتكار، لكنه يستحق أن يفرد وحده، ودائماً قضية المشاركة في الأعمال البشرية تُعد من الأمور المهمة، فعندما تكون مهمة المدرس أو واقعه أن يلقي درسه من أول الحصة إلى آخرها ولا يجعل هناك مشاركة للطلاب فإنه يفقد كثيراً من الإيجابيات العظيمة والمهمة في الوقت نفسه، فأي صورة من صور المشاركة لها فوائد. أولاً: لها فوائد في بناء الشخصية، وفي تقدير الطالب واحترامه، فعندما يشارك برأيه أو بانتقاده أو بإجابة سؤال أو بإبداء الرأي فهذه تنمي فيه شخصيته، وتعطيه منزلته وقدره واحترامه، وهذا أمر مهم، بدلاً من أن يقول للطالب: اسكت لا تتكلم، لا تلتفت، لا تنظر، وكأنما هو شيء لا قيمة له. الأمر الثاني: أن يجد المدرس تقويم عمله عندما يسأل الطلاب، وعندما يشاركهم سيجد النتيجة هل فهموا أم لم يفهموا، وهل تفاعلوا أم لم يتفاعلوا، وهل أعجبوا أم لم يعجبوا إلى آخر ذلك. أيضاً تضاف إلى ذلك فائدة، وهي أنه يستطيع أن يميز الفروق بين هؤلاء الطلاب، فيرى الجيد، ويرى من عنده مواهب، ويرى من عنده طموحات، إلى آخر ذلك، بينما قضية الإلقاء -وهي صورة واحدة من صور التعليم- تفقد المدرس هذه المشاركة المهمة، والتي لها أثر كبير جداً في هذا الجانب. وأيضاً في قضية مشاركة الطلاب قضية مهمة جداً، وهي تلمس ما عندهم من العيوب والخلل والمشكلات في الوقت نفسه في بعض الأحوال، فهذه المشاركة مهمة إلى حد كبير.

стр. 1164

العلاقات بين المدرس وطلابه خارج الفصل الأمر الثامن: العلاقات خارج إطار الفصل. أي: مع الطلاب، وكما قلت: الموضوع متشعب، فقد يكون هناك جانب للعلاقة بين المدرسين مع بعضهم، ومع الإدارة، ومع المنهج، وأشياء أخرى كثيرة، لكني اخترت ما أرى أنه يصلح أن يكون أمراً عاماً كلياً. والعلاقات مع الطلاب خارج الفصل تشمل أموراً كثيرة، منها العلاقات من خلال الأنشطة، وهذه الأنشطة الطلابية هي أصلاً أمور مقررة نظاماً، لكنها أحياناً تكون بمثابة الحبر على الورق، وأحياناً عندما تنفذ تكون بمثابة الصورة الشكلية، فالمطلوب من المدرسة أن يكون عندها جمعية دينية وجمعية كشفية وجمعية علمية، والمدير مكلف بهذا، وذلك بأن يصدر قراراً، والمدرس هو المسئول الثاني عنها، حيث إنه مكلف بذلك؛ إذ كيف يصدر قرار باختيار مجموعة من الطلاب ويمضي الأمر دون أن يكون هناك أي فائدة لا للمدرس ولا للطلاب؟! وهكذا غير النشاط لابد من علاقة شخصية يمد فيها المعلم جسوراً بينه وبين طلابه ليحقق محبتهم له وارتباطهم به واتباعهم له وتأثرهم بتوجيهاته، بمعنى: أن يعتبر أن طلابه مدعوون يمارس معهم الدعوة والوعظ والإرشاد والإعانة وحلول المشكلات، وهذا أمر مهم للطلاب وللمدرس نفسه، وقد يظن بعض المدرسين أن هذا عبئاً على عبء، ويرى بعض المدرسين أنه إذا كلف بنشاط كأنما ألقيت فوقه صخرة مع الصخور التي يحملها، مع أنه لو نظر نظرة أخرى لرأى هذا تجديداً وتنفيساً وتغييراً للنمط الذي يحيط به في أثناء التعليم أو مهنة التعليم وحدها. فأقول: مهمة الأنشطة يتحرر فيها الطلاب من الهيبة التي قد تكون أحياناً متكلفة بين الطالب ومعلمه في الفصل، فيتحرر منها الطلاب من إطار المنهج والتدريس، ويتحرر منها الطلاب من الخوف من خصم الدرجات، ومن الخوف من الاختبارات، فيبدون مشاعرهم، وتستطيع أن تكتشف ما عندهم، ثم تستطيع أن تمارس ما ذكرته من مهمتك ورسالتك في الشطر الأول من هذا الحديث الذي فيه منزلتك ومهمتك في هذه العملية التعليمية، وكذلك العلاقات الشخصية من أبوابها هذه الأنشطة الطلابية، وهي أمر مهم كما أشرت إليه.

стр. 1165

تغلب المعلم على الأمور الإدارية والروتينية الأمر الثامن هو: التغلب على الأمور الإدارية والروتينية. وهذه أشرت إليها سابقاً إشارة عابرة، فكثيراً ما يشكو المدرسون من أن العبء الدراسي الذي عليهم كبير، وأنا أعلم أنه كذلك كبير، فالتعليم في حده الأعلى يبلغ أربعاً وعشرين حصة أسبوعية بالنسبة للمدارس، أي: بمعدل خمس حصص في كل يوم، وأربع حصص في يوم واحد، وهذا عبء كبير ولا شك. ثم العبء الآخر الذي يشكو منه المدرسون أيضاً هو بعض الأمور التي هي من جانب منها إيجابية، ومن جانب منها سلبية، مثل هذه الاختبارات الشهرية، فهي -لاشك- أساليب لتقويم الطلاب، ولإلزامهم بالمراجعة والدراسة؛ لأنهم لا يراجعون ولا يدرسون غالباً إلا إذا اضطروا إلى ذلك تحت قهر وجبر الاختبارات، وفي الوقت نفسه هي تشكل للمدرس عبئاً هائلاً؛ لأنه قد يكون في كل فصل -مثلاً- عدد الطلاب خمسة وعشرين طالباً، ويكون يدرس خمسة أو ستة فصول، وقد يكون عدد الطلاب حوالي ثلاثمائة طالب، وهذه إحصائيات أحيل المدرسين فيها إلى كتابات الطنطاوي، فإنه أتى بها بالأرقام والتفصيلات بصورة أدبية جميلة، ثم عنده عدد من المواد، وكل طالب في الاختبارات هذه يكتب صفحتين أو ثلاث صفحات، فإذا حسبت هذه الصفحات وحسبت المواد فمتى سيقرؤها؟ وتأتيه إجابات تسد نفسه، فهذا العبء كله إضافة إلى عبء دفتر التحضير وغير ذلك. أقول: لاشك أن هناك دائماً دراسات أو مطالبات بإعادة النظر دائماً في الأمور المتعلقة بالطريقة التعليمية أو بالمناهج التعليمية وبالأساليب التربوية إلى غير ذلك، لكن أقول: التغيير منوط بالمدرسين أكثر منه بغيرهم؛ لأنهم أكثر عدداً، ولأنهم لو أرادوا لكانوا أقوى صوتاً، ولأنهم أكثر ممارسة، فيمكن أن يقدموا ما قد يصبح الأسلوب الأمثل أو الأفضل في بعض ما قد يرونه يحتاج إلى تقويم. وفي الشق الآخر في الوقع العملي أقول: لو أراد المدرس أن يخفف هذا العبء فكيف يفعل؟ أولاً: هناك أمور متعلقة بالناحية النفسية والإيمانية، فعندما يستحضر المدرس أنه يؤجر على ذلك ويثاب، وأنه يكتب له بهذه الأعمال على كثرتها حسنات عند الله فلا أشك أن هذا مما يخفف العبء عند المعلم المسلم. ثانياً: عندما يشعر بأنه من خلال هذا يسهم في هذه المهمة العظيمة التربوية التوجيهية لهذا الجيل الذي يريد أن يكون -بإذن الله جيلاً نافعاً صالحاً لهذه الأمة الإسلامية في مستقبلها القريب قبل البعيد فلا شك أن هذا يهون عليه. وأيضاً هناك أمور فنية نقسمها إلى قسمين: القسم الأول: أمور فنية في الإتقان والتجديد والإبداع، فهذا دفتر التحضير عندما ينظر إليه المدرس يجد أن فيه ما يُسمى بفكرة الدرس والأهداف العامة وطريقة العرض، ولو أنه كان دائماً حريصاً على التجديد والابتكار والاستزادة من كتب أخرى ومن أساليب تربوية جديدة ومن بحوث تنشر أو قضايا تثار حول هذه المعاني لاستطاع دائماً أن يجد أن عنده جديداً يفيد به نفسه، ولا يصبح عمله مكرراً، فإن العمل المكرر أسهل من العمل الجديد، فالعمل الجديد يخرج منه الإنسان بالنشاط؛ لأنه يؤمل فيه شيئاً جديداً، ويرى فيه بعداً جديداً لم يكن في الذي قبله. القسم الثاني: قسم قد يسميه بعض المدرسين شقاً تحايلياً، وأرى أن كثيراً من المدرسين يلجئون إليه؛ لأنه يخفف العبء بصورة عملية ذكية، وهو طريقة الأسئلة التي يميل إليها الآن كثير من المدرسين خاصة في الاختبارات الدورية، حيث يعتمد على أن لا يتيح للطلاب الفرصة في إكثار الكلام والكتابة، بل السؤال وجوابه، كما يقال: (كلمة ورد غطائها) حتى يخفف عن نفسه العبء، ولكن أيضاً بأسلوب علمي يستطيع أن يكتشف من خلاله الطالب وقدرته. وأيضاً من الطرائق الجديدة التي يمكن أن يستفيد منها -وهذه أمور جديدة الآن يأخذ بها بعض المدرسين- الاستفادة من التقنيات الحديثة كالكمبيوتر، وقد يرى بعض المدرسين أن هذه أمور صعبة، لكن عندما يكون قد تعلم في هذا الكمبيوتر فإنه يستطيع أن يضع الأسئلة، ويضع الفقرات المنهجية ضمن برامج معينة، ويصحح، ويفعل نحو ذلك في وقت وجيز. وأيضاً بعض المدرسين يلجئون إلى طرائق تبادلية مع بعض المدرسين في تخفيف هذه الأعباء، وأقول: هذا كله حسن بحيث لا يكون هناك تفريط من المدرس في واجبه، ولا تقصير منه في هذا الواجب؛ لأن المدرس في الوقت نفسه هو قدوة، وهذا واجب عليه من قبل الجهة التي كلفته بهذه المهمة، وهو يفرض على طلابه واجبات، فكيف يريد أن يؤدي الطلاب واجباتهم وهو لا يؤدي واجبه؟! فهذه أيضاً قضية لابد أن يلتفت إليها المدرسون، وعليهم أن يحاولوا قدر الاستطاعة أن يستفيدوا منها، ثم أن يحاولوا أن يفيدوا في المجال التغييري فيما يرون أنه قاصر في العملية التربوية التعليمية.

стр. 1166

المعلم قدوة الأمر الخامس: القدوة، والقدوة أمرها أيضاً عظيم وواضح وواسع، ونعني بها القدوة في المجالات كلها، القدوة في الناحية العلمية، والقدوة في الناحية السلوكية، والقدوة في الناحية الفكرية، والقدوة في الناحية المظهرية. فمسألة القدوة في المدرسين مسألة مهمة جداً؛ لأن أعين الطلاب معقودة بمعلميهم ومدرسيهم، خاصة في سن الصغر، في المرحلة الإبتدائية والمتوسطة، حتى الثانوية، فإذا كان المدرس جيداً فإن الطلاب لا يرون إلا معلمهم ومدرسهم، وبذلك يتبين أن تأثير القدوة في هذا الجانب عظيم جداً.

стр. 1167

التجديد والابتكار الأمر السادس: التجديد والابتكار، فكثيراً ما يكون النظام التعليمي يصبغ المعلم بالتكرار، وأنا أعلم بعض المعاناة عند المدرسين وأسوقها، وأوافق كثيراً منهم في بعض هذا القول، فالمعلم مطلوب منه نظاماً أن يحضر ما يسمى بكراس أو دفتر التحضير، وهذا يراه بعض المدرسين أمراً شكلياً لا قيمة له، وأمراً يفعلونه كما يفعل الطالب الواجب المقرر عليه من المدرس، فكما يراه ثقيلاً يراه المدرس ثقيلاً، وكما سيسأل الطالب عن واجبه يعلم المدرس أنه سيسأل عن دفتر تحضيره، وبالتالي يكتبه متثاقلاً، ثم المطلوب منه في كل عام أن يجدد هذا الكراس، وإن كانت المادة نفسها والمنهج نفسه، ثم أيضاً عنده نظام أن هناك درجات على الأسئلة الشفهية، واختبارات شهرية ونحو ذلك، فهذا الروتين يجعل المدرس أحياناً كالآلة، قد حفظ المنهج حفظاً من كثرة ما ردده، وفي كل مرة وفي كل عام وفي كل فصل وفي كل مادة لا يأتي بأي شيء جديد، ولا يأتي بأي أسلوب يغير الملل عن نفسه هو أولاً ثم عن طلابه ثانياً، ومن هنا نجد النظرة التي أشرت إليها سابقاً، فالمدرس إذا كان على هذا الوصف تجده دائماً مهموماً مغموماً؛ لأنه يكرر كل شيء، والتكرار مع الاستمرار لا شك أنه شيء قاتل، وأمر محطم للمعنويات، بل أحياناً يكون مبلداً للأفكار، فالمدرس عندما يكرر يصبح ليس عنده مجال، أو لا ترى أحياناً فيه مجالاً للإبداع، ولا للابتكار ولا للتغيير، وإنما أصبح كالآلة، المنهج معروف والطريقة معروفة والاختبارات معروفة، والطلاب الكسالى لا أمل فيهم، والمتفوقون لا يحتاجون إلى جهده وشرحه؛ لأنهم سريعون في الفهم ويقرءون ويتوسعون، وهذا يفقد المدرس كثيراً مما ينعش نفسيته، ومما ينفع طلابه، فقضايا التجديد والابتكار أمرها معلوم حتى في منهج النبي ﵊، فكيف كان يلقن الصحابة ويعلمهم؟ أولاً: يتكلم كلاماً بطيئاً لو شاء العادّ أن يحصيه لأحصاه، وكان يكرر القول ثلاثاً حتى يُفهم عنه، وكان مرة يبدؤهم بالسؤال حتى يستثير الأذهان، وأحياناً يبدؤهم بالمعلومة، ويطلب منهم الاستنتاج، وأحياناً يستخدم -كما يقولون- وسائل تعليمية مثل الخطوط أو التشبيهات أو الأمثال، وأحياناً يستغل موقفاً معيناً مع أصحابه ليلفت نظرهم إلى قضية من القضايا التعليمية أو التربوية أو التوجيهية، وأمثلة هذا كثيرة جداً، فلماذا لا يستخدم المدرس هذه الطرائق وهذه الأساليب؟ ولماذا لا يغير أحياناً بعض الأنماط؟ ولماذا لا يجعل هناك أحياناً صورة من صور المشاركة مع الطلاب أو مع بعض الطلاب؟ ولماذا لا يغير أحياناً؟ وإن كان في بعض الأحوال قضايا إدارية أو نظامية تعوقه، ولكن يمكن بقدر الاستطاعة أن يفعل بعض هذه الأمور، بأن يخرج طلابه -مثلاً- من الفصل ليعطيهم الدرس في الهواء الطلق في بعض الأحوال، أو أي صورة من صور التغيير التي تبعث في نفسه الجد والنشاط، وكذلك تبعث في طلابه، وتجعله مدركاً لمهمته وغايته بدلاً من أن يكون مكرراً لنفسه، وهذه قضية أيضاً مهمة جداً.

стр. 1168

الصبر الأمر الرابع: الصبر. كنت مع أحد المدرسين نتناقش حول ما قد يُطرح في هذا الموضوع، فكان يقول لي: الصبر هو الذي يحل كل المشكلات المتعلقة بالمعلمين وبعملية التعليم. والحقيقة أن أكثر الناس احتياجاً للصبر هم المعلمون؛ لأنهم يواجهون البلادة، ويواجهون الجهالة، ويواجهون الحماقة، ويواجهون أحياناً الصلافة، وكل هذه المعاني يواجهها المدرس، إضافة إلى مواجهة العناء والتعب والإرهاق، وأنا أعلم أن المدرسين سيقولون: لماذا لم يكن هناك حديث عن هذا المدرس الذي يقف خمس حصص أو خمس ساعات في كل يوم، ومهمته أن يبدأ حصته بالكلام وينهيها بالكلام طول الوقت، ومهمته بعد ذلك أن يكتب، وأن يسأل، وأن يعاقب، وأن يراقب، وأن يدقق، إلى غير ذلك؟ وأقول: هذا كله لنا فيه وصفة واحدة هي الصبر، ولذلك جُعل الإيمان شطرين: شطر شكر وشطر صبر، والنبي ﵊ قد بين عظمة الصبر في هذا المعنى، والحقيقة أن الصبر -أيضاً- فن؛ لأن الطلاب أحياناً يتنافسون في كيفية إخراج المدرس عن صوابه وإغضابه وامتحانه في سعة صدره وحلمه. فالصبر حقيقة -أيضاً- أمر مهم جداً في هذا الجانب.

стр. 1169

تواضع المعلم ولين جانبه الأمر الثالث: التواضع ولين الجانب، والحقيقة أن في بعض الأحوال تجد المدرس يفتعل الهيبة والوقار، وهما أمران مهمان للمعلم ولشخصيته، لكنه يظن أو يتصور هذه الهيبة وذلك الوقار والاحترام بصورة خاطئة، فلا يمكن أن تَفْتَرَّ شفتاه عن ابتسامة، ولا يمكن أن يُرى إلا مقطب الجبين مكشر الوجه، ولا يُسمع منه إلا الكلام الجاد والحاد في الوقت نفسه، ويرى الطالب حينئذٍ أنه أمام عقبة صعبة شديدة قاسية مغلقة، فلا يمكن أن يكون هناك تواصل، بينما التواضع ولين الجانب له أثره الكبير في أداء المهمة التعليمية والتربوية والسلوكية التي أشرنا إليها، وبعض المدرسين القدماء ربما تجدهم أحياناً يوصون بعض زملائهم الجدد بقولهم: أحذر أن تقول كلاماً هيناً، ولا تصاحب طالباً، ولا تقدم أي صورة من صور التواضع واللين. وهذا خطأ.

стр. 1170

استشعار المعلم مسئوليته أولاً: استشعار المسئولية، وبدون هذا لا يدرك المدرس منزلته ورسالته، ولا يؤدي عمله ومهمته، ولذلك المنهج الإسلامي ينشأ في كل أمور الإنسان على أنه مسئول بين يدي الله ، لكننا عندما ننظر إلى التخصيص نجد أن التخصيص قد ورد في أمور بعينها، ومنها العلم، كما في الحديث المعروف عن النبي ﷺ قال: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع)، ومنها: (عن علمه ماذا عمل به)، ومعلوم أيضاً أن من أول الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة الذي علم ليقال: عالم. ولم يعلم بالإخلاص والقيام بالمهمة والمسئولية كما أراد الله ، فعن أبي الدرداء ﵁ أنه كان يقول: (إني لأخشى أن يقول لي الله يوم القيامة: يا عويمر! -وأبو الدرداء اسمه عويمر - فأقول: لبيك يا رب. فيقول: ما عملت فيما علمت؟) فعندما يستشعر المدرس مسئوليته حينئذٍ يمكن أن يعول عليه كثيراً بإذن الله .

стр. 1171

الأمانة العلمية الأمر الثاني: الأمانة العلمية، وهذا يقتضي منه أموراً كثيرة، وأذكر منها بعضاً: أولها: الإتقان في مجال التخصص وفي مادته العلمية، فإن هذا من أعظم الأمور المعينة على قيامه بمهمته، فلابد من أن يستفيد دائماً، وأن يراجع دائماً، وأن يبحث كثيراً، وأن يحاول دائماً أن يكون متمكناً تمكناً جيداً. ومن الأمانة العلمية -أيضاً- ما أعلنه النبي ﷺ أمام الصحابة وأمام الملأ من المسلمين عندما جاءه السائل يسأله عن الساعة، فقال النبي ﵊: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) ولا حرج إذا سُئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. فهذا من الأمانة العلمية. ومن ذلك أيضاًً -وهو مندرج في هذا الباب- أن يقبل من طلابه ومن زملائه ما قد يلفتون نظره إليه من خلل أو خطأ فيما قال أو فيما أشار إليه، وهذا أيضاً أمر مهم جداً. ومن الأمانة العلمية مسئوليته عن علمه، فهو مسئول عن صيانته وحفظه، فهذا العلم الذي عنده ينبغي أن يصونه وأن يحفظه، فبعض المدرسين -وهذا يحصل كثيراً بسبب التكرار وبسبب الأمور والأوضاع الإدارية والفنية التي يمر بها المعلم- يتخرج من جامعته، فيبدأ في التدريس، وبدلاً من أن يستزيد من علمه إذا به يتآكل علمه؛ لأنه كان يدرس في الجامعة موضوعات كثيرة، وكتباً كبيرة، ومسائل دقيقة، فلما جاء إلى التدريس جاء إلى مستوىً معين من الطلاب ينبغي أن يعطيهم بقدر ما هو مقرر في المنهج، وبقدر عقولهم وأفهامهم، فنزل إلى مستواهم وبقي معهم، وضيَّع كل ما أخذه من العلم مما ليس في هذه المناهج، وانتهى أمره إلى أنه أصبح متخصصاً في هذه الكتب، بمعنى أنه -إذا صح التعبير مع الاعتذار للمعلمين- مثله مثل الطالب الذي يتمرس في المنهج، ولو أن طالباً درس المنهج ورسب وأعاد مرة ثانية أو درس دروساً خصوصية أو كذا لكان -كما يقولون- طالباً معيداً، أي: عنده خبرة يمكن أن يكون مدرساً مثل المدرس، ولا فرق بينه وبين المدرس الذي ذكرنا وصفه وكلامه؛ لأنه حصر نفسه في هذا الجانب، ولذلك ينبغي للمدرس أن لا يكون بهذا الأمر.

стр. 1172

ماذا يُراد من المعلمين ؟ وقبل أن أختم الحديث أشير إلى نقطة أخيرة: ماذا يُراد منكم؟ أقول فيها: إن الذي يراد من المدرس هو أن يكون المقيَّم لكل خطأ؛ لأن المعلم -كما يقول أهل التربية والتعليم- هو الأساس في العملية التعليمية، فإن كان في المناهج نقص أو فيها خلل أو فيها مخالفات أو أخطاء فالمعول في تصحيح ذلك على المعلم، وإن كان في الطلاب وطريقة تلقيهم للعلم خطأ أو في طريقة نظرتهم للعلم خطأ أو في طريقة استفادتهم للعلم خطأ فالمعول في إصلاح ذلك على المعلم، وإذا كان النظام التعليمي نفسه هو في حد ذاته فيه أخطاء وفيه عيوب أيضاً فيمكن أن يتغلب أو أن يكون المقوم أو الذي يخفف هذه الأمور أو يغيرها إلى أمور صالحة هو المعلم. وهنا سيقول المدرسون والمعلمون: تطلب منا وتطلب منا وتطلب منا ولا تطلب من الآخرين؟! فأقول: نعم. المفترض أن تكون العناية بالمعلم هي في الرتبة العليا على كل المستويات، سواء في قطاعات التعليم، أو في قطاعات الدولة، أو في قطاعات النظر إلى العلماء، أو في قطاعات الاقتصاد، أو في قطاعات السياسة والاجتماع، فالمعلم هو الذي له أكبر الأهمية في هذا الجانب، فينبغي أن تكون وسائل الإعلام تخدم العملية التعليمية والتربوية، وينبغي أن تكون الصحافة والبحوث والمؤتمرات والتوجيهات كلها تخدم هذا الجانب، لكننا نتكلم فيما يوجه لكم، وذاك حديثه آخر، وجانبه آخر قد تكونون أنتم جزءاً من المشاركة في هذا، وغيركم يشارك فيه، لكن نقول: نحن نطالب المعلمين بما هو في أيديهم، وبما نرى أنهم قد يكونون قريباً منه بإذن الله . وأقول: نحن في آخر الأمر نرى أن كل ما نريده من المعلمين وما يضيفه غيرنا هو مطلوب منهم، وهو مأمل فيهم، وهو مرجو -إن شاء الله أن يُعانوا عليه إذا أخلصوا النية لله ، وهذا ما أختم به في هذه النقاط.

стр. 1173

توجيهات جامعة للمعلمين وانتقل إلى ما أشرت إليه في أول الحديث مما أردت أن يكون في آخره حتى لا يزدحم الموضوع، فهذه مقولات لبعض أهل الفضل والعلم في بعض التوجيهات الجامعة والمهمة بالنسبة للمعلمين، وأبدؤها بعبارة نفيسة ومقالة جيدة رغم وجازتها إلا أنها تلخص كثيراً من الأمور، فأقولها أولاً ثم أذكر قائلها أو كاتبها ثانياً. يقول حفظه الله وأجزل مثوبته: لا ريب أن المعلم هو المربي الروحي للطالب، فينبغي أن يكون ذا أخلاق فاضلة وسمت حسن حتى يتأسى به تلامذته، وينبغي أن يكون محافظاً على المأمورات الشرعية بعيداً عن المنهيات، حافظاً لوقته، قليل المزاح، واسع البال، طلق الوجه، حسن البشر، رحب الصدر، جميل المظهر، ذا كفاية ومقدرة وسعة إطلاع، كثير العلم بالأساليب العربية ليتمكن من تأدية واجبه على الوجه الأكمل، ولا شك أن من يُعنى بدراسة النفس البشرية من كافة النواحي ويبحث عن الأسباب الموصلة إلى معرفة الطريقة التي يمكن بواسطتها غرس العلوم في هذه النفس بسهولة ويسر سوف يحصل على نتائج طيبة في كشف خفاياها وما انطوت عليه من مشاعر وأحاسيس، ومدى تقبلها للمعلومات المراد غرسها فيها، وسيخرج من تلك الدراسة والبحث معلومات هي في الحقيقة من القواعد العامة التي يقوم عليها صرح التعليم، وهذه القواعد يمكن إجمالها في أنه إذا ما أراد أي معلم أن يغرس معلوماته في أذهان تلامذته فلابد له قبل كل شيء أن يكون ذا إلمام تام بالدرس الذي وكل إليه القيام به، وذا معرفة بالغة بطرق التدريس، وكيفية حسن الإلقاء، ولفت نظر طلابه لطريقة جلية واضحة إلى الموضوع الأساسي للدرس، وحصره البحث في موضوع الدرس دون الخروج إلى هوامش قد تبلبل أفكار التلاميذ وتفوت عليهم الفائدة، وأن يسلك في تفهيمهم للعلوم التي يلقيها عليهم طرق الإقناع، مستخدماً وسائل العرض والتشبيه والتمثيل، وأن يركز اهتمامه على الأمور الجوهرية التي هي القواعد الأساسية لكل درس من الدروس، وأن يغرس في نفوسهم كليات الأشياء، ثم يتطرق إلى الجزئيات شيئاً فشيئاً؛ إذ المهم في كل أمر أصله، وأما الفروع فهي تبع للأصول، وأن يركز المواد ويقربها إلى أذهان التلاميذ، وأن يحبب إليهم الدرس ويرغبهم في الإصغاء إليه، ويعلمهم بفائدته وغايته، آخذاً في الحسبان تفهيم كل طالب ما يلائمه باللغة التي يفهمها، فليس كل الطلبة على حد سواء، وأن يفسح المجال للمناقشة معهم، وتحمل الأخطاء التي تأتي في مناقشاتهم لكونها ناتجة عن البحث عن الحقائق، وأن يشجعهم على كل بحث يفضي إلى وقوفهم على الحقيقة، آخذاً في الحسبان عوامل البيئة والطباع والعادات والمناخ؛ لأن تلك الأمور تؤثر تأثيراً بالغاً في نفسيات التلاميذ ينعكس على أفهامهم وسيرتهم وأعمالهم، ولهذا فإن المسلم به أن المعلم النابه الذكي الآخذ بهذه الأمور يكون تأثيره على تلامذته أبلغ من تأثير من دونه من المعلمين، ومهمة المعلم أشبه ما تكون بمهمة الطبيب، ومن واجبه أن يعرف أمور طلابه ومدى حظ كل واحد من الذكاء، وعلى أساس هذه المعرفة يقدر المقاييس الأساسية التي يسير عليها نهجه في مخاطبة عقولهم وأفهامهم، وتلك من أهم أسباب نجاح المعلم. وهذا من كلام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، فيه جمع لكثير من الصفات، في وجازة من الألفاظ وحسن في العبارات. وهنا أيضاً عبارة من مقتطفات اخترتها، وكثير منها يتعلق ببعض ما سبقت الإشارة إليه، يقول الأستاذ أحمد جمال رحمة الله عليه: إن العلماء الذين يحفظون العلم في صدورهم ولا ينقلونه إلى غيرهم ليسوا علماء؛ لأن واجبهم أن يورثوا العلم الذي تعلموه للجهلاء علماً ومعرفة، وللسفهاء أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ودعوة إلى الخير. إذاً فالمعلمون هم العلماء حقاً، وهم ورثة الأنبياء صدقاً، ومما قاله من الكلام الجيد الحسن في الحقيقة أنه قال: إن المدرس ينبغي أن يطبق حديث النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). واستدل بقول أحد التربويين عند أن سأله المعلم فقال له: كيف ينبغي أن أكون في تعليمي؟ فقال: كما كنت تحب أن يكون معلمك وأنت طالب. فعندما تكون طالباً تحب من المدرس أن يشرح، وأن يعيد، وأن يكون حسناً في تعامله، وأن يكون وأن يكون فأحب للطلاب ما تحبه لنفسك. وهنا عبارة جميلة أشرت إلى صورة منها وقال فيها: يرتكب المدرسون خطيئة كبرى حين يتخذون من منصة الدرس عرشاً إذا ما جلسوا عليه تخيلوا أنفسهم معلقين بالثريا، ورأوا طلابهم دونهم إلى الثرى، فما يرضون أن توجه إليهم من أسئلة الطلاب ومناقشاتهم إلا ما اتفق مع أصول اللياقة والأدب، ولا يسمحون لأي طالب يفكر بأن يتجاوز معهم الحدود بنقاش أو جدال، ويخطئ مدرسو المواد الدينية بصفة خاصة عندما يصطنعون الغيرة على حرمات الله وأحكام دينه فيقذفون الملامة في وجوه الطلاب الذين يبدو منهم بعض التساهل أو التهاون في أحكام الدين وآدابه، أو الطلاب الذين يكثرون الجدل حول بعض شئون العقيدة وأصولها. فينبغي أن يكون المدرس صدره رحباً وأسلوبه علمياً مقنعاً في هذا الباب. وهنا مقالة جميلة لـ بديع الزمان النورسي يقول في وصف العلم -وهذا مما يفرح المعلمين أيضاً-: العلم شيء بعيد المرام، لا يُصاب بسهام، ولا يُقسم بالأزلام، ولا يُكتب للئام، ولا يُرى في المنام، ولا يُقبص باللجام، ولا يُؤخذ عن الآباء والأعمام، ولا يزكو إلا متى صادف من الحزم ثرىً طيباً، ومن التوفيق مطراً صيباً، ومن الطبع جواً صافياً، ومن الجهد روحاً دائماً، ومن الصبر سقياً نافعاً، وغرضاً لا يُصاب إلا لافتراش المدر، واستناد الحجر، ورد الضجر، وركوب الخطر، وإدمان السهر، واصطحاب السفر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر. فهذا كله مما هو مطلوب منكم مما هو داخل في مهمتكم. وهنا أيضاً عبارت لـ بشير الإبراهيمي يقول فيها: ربوهم على الرجولة وبُعد الهمة، وعلى الشجاعة والصبر، وعلى الإنصاف والإيثار، وعلى البساطة واليسر، وعلى العفة والأمانة، وعلى المروءة والوفاء، وعلى الاستقلال والاعتزاز بالنفس، وعلى العزة والكرامة، وعلى التحابب والتسامح، وعلى حب الدين والعلم، وكونوا لتلاميذكم قدوة صالحة في الأعمال والأحوال، لا يرون منكم إلا الصالح من الأعمال والأحوال، ولا يسمعون منكم إلا الصادق من الأقوال إلى آخر ما قاله في هذه العبارات. وأكتفي بهذا لأنتقل إلى بعض الأسئلة والملاحظات في إيجاز سريع، وبعضها -كما قلت- إضافات، وأنا قلت في أول الحديث: إن الموضوع مقصور على جزء يسير من جوانب الموضوعات المتعلقة بالتعليم.

стр. 1174

الأسئلة

стр. 1175

أسلوب العقاب بين الإفراط والتفريط السؤال ما رأيكم في الأسلوب الأمثل لعقاب الطلاب أو زجرهم نتيجة تقصيرهم في دروسهم أو سلوكهم بعدما منع منعاً باتاً العقاب البدني للطلاب بحجة أنه يوغر قلوب الطلاب ويزرع فيهم الكراهية للتعليم والتعلم؟ الجواب أحد المدرسين -جزاه الله خيراً- أعطاني ملفاً يجمعه لنفسه، يجمع فيه مقالات عن التعليم، وهذا من التجديد والاهتمام في التعليم، حتى يكون بالفعل عنده حيوية، فكان مما رأيت مقابلات صحفية لبعض المدرسين والتربويين، قال: صدر قرار منع العقاب البدني أو الذي يُسمى الضرب كما يقولون في التعبير الواضح أو المباشر، وقرأت هذه القصاصات فلم أر قولاً واحداً منها يؤيد أن يكون هناك إطلاق دائم شامل لمنع العقاب البدني، والنبي ﵊ يقول: (واضربوهم عليها لعشر) فهي وسيلة، لكن عندما يكون هناك خطأ في الأخذ بالوسيلة لا يبرر هذا الخطأ إنكار أثر هذه الوسيلة من الناحية التربوية، وإنما يُقوَّم الخطأ، وتوضع له الضوابط، ومما اشتكى منه هؤلاء المدرسون في هذه اللقاءات التي اطلعت عليها أنهم قالوا -وهذا ليس على إطلاقه-: المدرس إذا لم يكن عنده ضرب فإنه يستهان به، ولا يكون له قيمة. وبالفعل قد وقع في بعض الأحوال أن المدرس لما لم يصر له صلاحية الضرب صار للطلاب صلاحية الضرب، وتقع بعض هذه الأمور، فالمسألة تحتاج إلى تقدير حقيقي وواقعي من خلال الأمور التربوية، حتى إن التربويين أنفسهم يقولون: إن الضرب وسيلة تربوية عندما تكون بقدرها. بل قد ذكر الله الضرب في تقويم الزوج لزوجته فقال: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] وقال النبي ﵊: (اضربوا ضرباً غير مبرح، ولا تقبحوا، ولا تقربوا الوجه) أو كما قال ﵊، وقال ﵊: (علقوا السوط في البيت حتى يراه أهل البيت) وهذا أيضاً حديث صح عن النبي ﵊ كما ذكر بعض أهل العلم من المحدثين، لكن لا يعني ضرب الزوج لزوجته، فقد نهى النبي عن ذلك في وجه آخر فقال: (لا يضربن أحدكم زوجته ضرب الأمة -أو ضرب غرائب الإبل- ثم يأتي من آخر الليل ليجامعها) أو كما قال ﵊، فالمسألة فيها نظر شامل، وليس الضرب بحد ذاته وليس منعه بحد ذاته هو الحل، فهل صلحت أحوال الطلاب وأحبوا العلم ورغبوا فيه وتفانوا فيه وارتفعت مستوياتهم عندما مُنع الضرب؟ الجواب يعرفه كثير من المدرسين! فنسأل الله التوفيق والسداد، وأن يبارك في الجهود والأعمال، وأن يصلح أحوال المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين. وصل -اللهم- وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1176

عموم الحديث عن المعلم السؤال جل حديثك يخص مدرسي المواد الدينية، فهل يشمل ذلك مدرسي المواد الطبيعية كالرياضيات والكيمياء ومدرس اللغة الإنجليزية؟ الجواب لم يكن حديثي كذلك، بل الحديث عام يشملهم كلهم، لكن لكوننا لم ننص عليهم ظُنَّ أننا أئمة مساجد ونتكلم في المسجد فلا نتحدث إلا عن هؤلاء، وقد يكون في حديثي تقصير حيث لم أشر إلى ذلك بصورة واضحة.

стр. 1177

كل عمل فيه أجر إذا خلصت فيه النية لله السؤال هل الذي يقوم بعمل إداري في التعليم كمدير أو نحو ذلك له ثواب؟ الجواب كل بحسبه، ولا شك أن أي عمل -حتى في غير التعليم- تعمله تنفع به وتؤدي دوراً وواجباً لا شك أن فيه أجراً إذا أخلصت النية فيه لله . وأيضاً ننبه بعض الإخوة إلى قضية لم نذكرها، وهي قضية محاولة ربط المنهج الذي يدرسه المدرس -خاصة في المواد غير المباشرة في التوجيه كالمواد الدينية- فيربط من خلال الفيزياء أو الكيمياء ببعض المعاني الإيمانية، وبعض المعاني التربوية، وبعض التشبيهات، هذا أيضاً مهم؛ لأن بعض المعلمين يكرس الحصة للدرس، ولا يخرج إلى مواضيع أخرى مطلقاً، ويشير بعضهم إلى أنه لا يخرج إلى ربط المادة بأمور أخرى تربوية، وهنا إفراط وتفريط، فبعضهم لا يفعل ذلك مطلقاً، وبعضهم يترك الرياضيات ويترك الفيزياء، ويحدثهم بموعظة وخطبة جمعة في الدرس، وهذا ليس أيضاً تصرفاً صالحاً ولا محموداً، وبعض المدرسين يشكون -ولهم حق في ذلك- أن المنهج إلى حد ما كثيف، وليس هناك وقت يسمح بالخروج كثيراً، ولذلك هناك العوامل الأخرى التي ذكرتها في الأنشطة وفي العلاقات الشخصية إلى آخر ما ذكرت.

стр. 1178

ما ورد في فضل العلماء يدخل فيه المدرسون السؤال هناك من يرى أن الفضل الذي يذكر للعلماء وليس للمدرسين، فما صحة هذا الرأي؟ الجواب هذا خلل في الفهم؛ فإن معلم الناس الخير بالمنهج الإسلامي الصحيح وبالنية الصحيحة والغاية الصحيحة يدخل في عموم هذا، ولا شك أن هناك تفاوتاً في الفضل بين أهل العلم، فعالم الشرع قد يكون أفضل، وأحياناً قد يكون العالم بالعلوم التي يسمونها دنيوية أفضل إذا كانت نيته أصلح، وإذا كان جهده أعظم، فكل قضية تُصنف باعتبارها وبحالتها الخاصة، أما العموم فيدخل فيه هؤلاء المدرسون ولا شك في هذا.

стр. 1179

كيفية التخلص من سآمة تكرار الحصص السؤال أحس بالملل والسآمة من تكرار الحصص وكثرتها، فماذا أفعل؟ الجواب قد ذكرت بعض الأمور التحايلية، وبعض الأمور النفسية، وبعض الأمور التجديدية، فلعل في بعضها ما يفيد.

стр. 1180

ذكر بعض الكتب التي تفيد المدرس في طرق التدريس ووسائله السؤال هل هناك مراجع لطرق التدريس وطرائق التعليم ووسائل التوجيه والإرشاد؟ الجواب كثير من المدرسين الذين يدرسون تخصصاتهم التي يسمونها تربوية أو بعض المدرسين إذا تخرجوا يأخذون بعض الدورات التربوية، وسمعت من كثير منهم شكوى متكررة أن هذه الموضوعات التربوية كثير منها يعتبرونها لا فائدة لها، وأنها كلام في كلام، وفي بعضها نظريات تربوية غربية، وقال فلان وقال علان كما يقولون. فأقول: جزء من هذا حق، وجزء منه ليس كذلك، وهناك فوائد، لكن لعل السائل يسأل عن بعض هذه الأبعاد من وجهة نظر إسلامية، فأنا أوصي الإخوة المدرسين في قضايا التربية وطرائق التدريس ببعض الكتب فيما أعلم؛ لأني لست من المهتمين أو المتخصصين أو الذين عندهم اطلاع واسع في هذا، فبالنسبة لكتب التربية -والتربية شاملة تشمل المدرس وإمام المسجد والواعظ والأب لأبنائه- هناك كتب لفضيلة الأستاذ محمد قطب، منها: (منهج التربية الإسلامية) وله بعض كتب أخرى أيضاً في هذا المجال، وهناك كتب للدكتور مقداد الذي حصل على جائزة الملك فيصل في الدراسات التربوية، فله كتب نفيسة وبحوث جيدة جداً، لكني أرى أنه غير معروف ولا مشهور بين أهل الصلاح والشباب الملتزمين في كثير مما أسمع منهم، لكن له كتب ورسائل كثيرة، منها كتاب عن التربية الإسلامية، وله بحوث منشورة في ضمن البحوث التي ينشرها مركز التربية لمجلس التعاون لدول الخليج، وله رسالة أو كتاب صغير (الطريق إلى العبقرية) وفيه كلام عن تربية الموهوبين أو التربية التي تفجر الطاقات التي فيها مواهب ونحو ذلك، فكتاباته في هذا جيدة، ثم اطلعت في أثناء تحضيراتي لهذا الموضوع على كتب الحقيقة فيها فائدة، منها كتاب (منهج التدريس في مدرسة النبوة) للدكتور سراج وزان، وهو من مطبوعات رابطة العالم الإسلامي، هذا الكتاب فيه بحث جيد وأسلوب حسن في عرض هذا الموضوع، وهناك كتاب ضخم فيه موضوعات أوسع من قضية التربية والتعليم، وهو (التعليم في المدينة المنورة من عصر النبوة إلى عصر آخر كتاب فيه قضية التعليم). وكل الكتب التعليمية التي ألفها العلماء السابقون فيها هذه المعاني، وفيها هذه التوجيهات التربوية، ومنها كتاب (التعليم والتعلم) وكتب كثيرة للزرمودي، وهناك أيضاً كتاب (تذكرة السامع والمتعلم) لـ ابن جماعة، وكتاب (الحث على طلب العلم وآدابه) لـ أبي هلال العسكري، وغيرها من الكتب التي تكلمت عن العلم، و (أدب الاستملاء) للسمعاني، كل هذه فيها توجيهات كثيرة جداً في هذا الجانب.

стр. 1181

المسلم بين اليأس والأمل لقد ذم الله اليأس في كتابه الكريم، وذكر أنه ليس من صفات المؤمنين الصادقين مع الله، الموقنين بوعد الله، وعند النظر إلى الواقع وما عليه المسلمون من حال قد يدب اليأس إلى النفوس، لكن على الإنسان أن يتفاءل، وأن ينظر إلى جوانب الخير، وأن رحمة الله وفرجه قريب، فيبعث الأمل في نفسه ويقضي على اليأس.

стр. 1182

مبشرات في زمن اليأس الحمد لله الذي هدانا للإيمان، وأكرمنا بالإسلام، ووفقنا للطاعات، وجعلنا من المسارعين إلى الخيرات، وجعل من بعد العسر يسراً، ومن بعد الشدة فرجاً، أحمده على عظيم نعمه، وتوالي مننه، ودوام بره، وعظيم لطفه، هو أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، نحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! المسلم بين اليأس والأمل؛ موضوع حديثنا اليوم نستكمل به ملامح الشخصية الإسلامية. وإن الأمر الأول الذي يكتنفه يأس عند بعض النفوس، ويلج به قنوط على بعض القلوب: أحوال أمة الإسلام في كثير من البقاع والديار. إن المسلم لينظر إلى الشرق والغرب، فيرى أحوال المسلمين لا تحزن عدواً ولا تسر صديقاً، فإذا بلادهم قد مزقت تمزيقاً وإذا وحدتهم قد قطعت تقطيعاً وإذا بعض ديارهم قد سلبت وإذا كثير من أعراضهم قد اغتصبت وإذا البطون قد بقرت وإذا العيون قد سملت وإذا البيوت قد هدمت وإذا المساجد قد دمرت وإذا المصاحف قد دنست وإذا بألوان من العناء والبلاء، وصور من المعاناة والشقاء، ونيران ودخان تحيط بأحوال كثير من المسلمين في كثير من بقاعهم وديارهم، وإذا صور أخرى ربما تكون أشد وأعظم، إذ كثير من ديار الإسلام قد نحت كتاب الله عن تحكيمه في واقع الحياة، وكثير من ديار الإسلام قد سارت تبعاً لشرق أو غرب، وكثير من المسلمين قد لجوا في المعاصي، وخاضوا في الشهوات إلا من رحم الله. وهنا يسري إلى النفوس بعض اليأس والقنوط، وعدم وجود الأمل في إصلاح الأحوال وتغيرها وتبدلها، وما ينبغي لمسلم أن يكون عنده يأس من روح الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. إن الأمل في الله عظيم، وإن الخير في هذه الأمة عميم، وإن المسلم لو تمعن قليلاً ولو تفكر يسيراً لرأى أن من وراء هذه الظلمات نوراً يوشك أن ينشق عن فجر مشرق وضاء بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز، وإن أحوال الأمة اليوم هي خير بكثير مما كانت عليه في أوقات مضت، وليس ذلك محض ادعاء، ولا ذلك موافقة للعواطف والمشاعر، ولا تخديراً لمشاعر الحزن والأسى والألم في نفوس كثير من أبناء المسلمين، ولكنه أمر الأمل الذي ينبغي أن ينبعث في القلوب، والثقة التي ينبغي أن تعظم في الله ، واليقين الذي ينبغي ألا يخالطه شك في صدق وعد الله ، وأن العاقبة للمتقين. والنبي ﷺ قد أخبرنا أن هذا الدين عظيم: (ما من بيت مدر ولا وبر إلا ويدخله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل)، قول صادق من الرسول المصدق ﷺ ، وقد بشرنا بفتح القسطنطينية، وفتحت كما أخبر ﵊. وشق البشارة الأخرى أمل في نفس كل مؤمن، ويقين في قلب كل مسلم لا يمكن أن يتزعزع أو أن يداخل مسلماً فيه شك أو ريبة بأي حال من الأحوال، والنبي ﷺ قد نبأنا بما يكون في مستقبل الأيام، وقد أخبرنا بعز هذا الدين ورفعة الإسلام، والنبي ﷺ فيما أخبرنا به لا يمكن أن يكون إخباراً يتطرق إليه أدنى شك بصورة من الصور، فإننا ننتظر وقوع ما أخبرنا به وحصوله، ولكن العمل هو الذي يبعث الأمل، فإن الآمال من غير أعمال إنما هي خيالات وأوهام، وإنما هي أضغاث أحلام، فينبغي للمسلم أن يعرف أن الأمل في الله ينبغي ألا ينقطع، وأن اليأس من روح الله ورحمته ينبغي ألا يخالط نفسه وقلبه وعقله بأي حال من الأحوال. انظر إلى أحوال الأمة اليوم ألا ترى تضاعفاً لأعداد المصلين والساجدين؟ ألا ترى أوبة من كثير من الشاردين والمعرضين؟ ألا ترى غيرة من كثير من اللاهين والعابثين؟ ألا ترى أن أمة الإسلام كلما ازداد الضيم عليها والظلم الواقع على أبنائها، والإجرام المحيط بها، ازداد أبناؤها تشبثاً بدينهم، واستمساكاً بإسلامهم؟ ألم يقع في فترة مضت من هذا الزمان عندما احتلت ديار المسلمين، أن بعض الناس بدلوا دينهم، وغيروا أخلاقهم، والوا أعداءهم؟ انظر اليوم إلى أحوال كثير من المسلمين وهم يلاقون أشد أنواع العناء بالبوسنة والهرسك وكشمير وغيرها، ما فتنهم ذلك عن دينهم ولا تخلوا عن إسلامهم، هذه صور مشرقة، هذه آمال عريضة، فإن وراء ذلك خير عميم في فئام من المسلمين، ألا نرى اليوم صغارهم وهم يدرجون إلى المساجد في أول سنهم؟ ألا ترى اليوم فتيانهم وهم يتحلقون على كتاب ربهم؟ ألا ترى اليوم شبابهم وهم يتواصون ويعظ بعضهم بعضاً بالتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؟ ألا ترى اليوم أشياخاً قد فرغوا أنفسهم لطاعة الله، وبذلوا أموالهم لنصرة دين الله؟ فما بالك أخي المسلم لا تنظر إلى عظيم فضل الله، ولا تنظر إلى عظيم منة الله؟ إن الأمر قد بدا فيه كثير من الخير والأمل: في كل عين يقظة وبكل دمـ ع صحوة كالنشر كالطوفان وإذا العروبة راية معقودة لله للتوحيد للفرقان وإذا شعوب المسلمين عزيمة من سفح تطوان إلى اليابان ألم تر اليوم مسلمين ما كنا نسمع بهم من قبل، يصلون لله في أقاصي الصين في شرق الأرض، ويصلون لله في أقصى بلاد الغرب؟ ألم تر مسلمين ما كنا نعرف بلادهم، ولا كنا نسمع عن أحوالهم، عاشوا دهوراً طويلة تحت حكم الشيوعية أو تحت حكم أي ذلة كفرية، ثم بعد السنوات الطوال، وبعد الاضطهاد العظيم، وبعد البلاء المتواصل خرجوا من تحت الأرض مسلمين، وانبعثوا بعد هذه السنوات مؤمنين، ولله موحدين، ولراية دينه رافعين؟ إن هذا أمل عظيم، وخير عميم، ألا ترى اليوم جهاد المسلمين قد انبعث في كثير من البقاع الإسلامية، جهاداً خالصاً لله يرفع راية الإسلام؟ إنها آمال عريضة في أحوال الأمة ينبغي ألا تقنطنا من رحمة الله ، وينبغي أن ندرك أن وراء الشدة فرجاً، وأن بعد الضيق مخرجاً، وأن مع اليسر يسراً، ولن يغلب عسر يسرين كما أخبر الرسول ﷺ . فليفعل أعداء الإسلام بالأمة ما شاءوا، فإن في القلوب إيماناً يستعصي على الانتزاع، وإن في النفوس يقيناً يستعصي على الشك والارتياب، وإن في الأعمال بإذن الله مواصلة ومضاعفة، حتى يأذن الله أن تعود للأمة وحدتها من بعد فرقتها، وقوتها من بعد ضعفها، وعزها من بعد ذلها، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 1183

شهادة التاريخ بالعاقبة للمتقين وانظر أخي المسلم إلى التاريخ يصدقك هذه الأنباء، إن المسلمين قد مرت بهم أحوال عصيبة، وظروف رهيبة، لا تقل عما يحل بهم اليوم، ألم تسمع عن جيوش التتار الغازية البربرية الوحشية المدمرة الفتاكة التي ما تركت أخضر ولا يابساً، والتي أتت على كل معنى من معاني الإنسانية، ودمرت كل معلم من معالم الحضارة البشرية، ألا ترى تلك الأحوال؟ ألم تقرأ عن دخول التتار إلى بغداد سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة؟ قال ابن كثير في تاريخه: إن عدة من قتلوا في بغداد في ذلك الوقت نحو ثمانمائة ألف نسمة، ويذكر في رواية أخرى أنهم يزيدون عن ألف ألف، أي عن مليون. قال: قتلوا حتى هربوا إلى بيوتهم، ثم دخلوا عليهم في بيوتهم حتى صعدوا إلى أسطح منازلهم، ثم قتلوا حتى صبت ميازيب بيوتهم من دمائهم، وبقوا أربعين يوماً يستحر فيهم القتل من أولئك التتار الكفرة الهمجيين. ثم ماذا بعد ذلك أيها الإخوة؟! بعد عامين اثنين فقط، في الخامس والعشرين من شهر رمضان، في يوم جمعة أغر للعام الثامن والخمسين وستمائة للهجرة كانت معركة عين جالوت، عندما عادت الأمة إلى ربها وتوحدت في بعض صفوفها، وأخلصت في كثير من المعاني لربها، جاءت عين جالوت لتكون نصراً عظيماً للإسلام والمسلمين، ودحراً وكسراً للتتار المعتدين. ثم بعد ذلك دخل التتار في دين الله أفواجاً وصاروا مسلمين، بمقياس العقل والمادة، لا يمكن لأمة هزمت مثل هذه الهزيمة وحلت بها مثل هذه المصيبة أن تقوم لها قائمة، أو أن ينشط لها أبناؤها في هذه الفترة الوجيزة من الزمان. فينبغي ألا يكون هناك يأس، فالأمل في الله عظيم، والأمل كما أشرت يحتاج إلى العمل، انظر أخي المسلم إلى ما قص الله علينا من شأن الأنبياء والمرسلين المصلحين، الذين يغيرون الأحوال بأمر الله لما بعثهم وأرسلهم إلى أقوامهم: نوح ﵇ يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ما خالطه يأس ولا فتر عن العمل، ولا انقطع منه الأمل، ولذلك حتى في الوقت الذي كان الطوفان قد بدأ ما زال عنده أمل في ابنه: (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا﴾ [هود:٤٢]، يناديه إلى اللحظات الأخيرة إلى الثواني الأخيرة! والنبي ﷺ قال الله جل وعلا له: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، فظل موصولاً بالله طول عمره، وخرج بعد أن صدت مكة عنه إلى الطائف، ثم وجد بها ما وجد من الأسى ومن المعارضة فرجع، ثم جاءه ملك الجبال مبعوثاً من الله يقول لمحمد ﷺ : (لو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت)، فيقول النبي الكريم ﵊، الموصول القلب بالله، العظيم الثقة بالله، العظيم الأمل في وعد الله، الذي يحب الخير للناس: (لا، ولكن لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ، وقد كان كما أخبر النبي الكريم ﷺ . ألم نر إلى الرسول ﵊ خرج من مكة مهاجراً مطارداً ثم لم يلبث أن عاد إليها بعد أعوام قليلة فاتحاً منتصراً؟

стр. 1184

لا قنوط من رحمة الله أيها الإخوة الأحبة! ينبغي أن يكون في نفوس المسلمين أمل عظيم في الله . وهنا أمر آخر يقع لبعض أهل الإيمان والإسلام، ممن غلبت عليهم الشهوات، وممن غرقوا في بحار المعاصي والسيئات، وإذا بهم تأتيهم وساوس الشيطان، وأوهام النفس الأمارة بالسوء فتقول: قد تدنست بالخطايا، وغرقت في مخالفة أمر الله ، فأنى لك النجاة؟ وكيف لك الخلاص؟ قد سدت الأبواب، وانقطعت الأسباب، ويأتي الشيطان ليقعدك وعندك ما هو أعظم من كل هذه المعاصي، عندك إيمان في قلبك، وتوحيد بالله ، يأتي ليسد عليك الأبواب، وليدخل على قلبك اليأس من رحمة الله ، ولتنقطع عن إخوانك المسلمين، ولئلا يكون لك دور في نصرة هذا الدين، بحجة وهمية؛ وهي أنك قد وقعت في المعاصي. وانظر أخي المسلم! إلى الأمر الذي يبدد هذا اليأس، ويبعث الأمل قوياً موصولاً في نفسك، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، آية من أعظم آيات الرجاء في القرآن: (قُلْ يَا عِبَادِيَ) سماهم عباداً له؛ لأنهم موحدون لأنهم مؤمنون وإن كانوا عصاة خاطئين: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: في المعاصي والشهوات والملذات والمخالفات، (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) لا تقنطوا من رحمة الله مهما تعاظمت ذنوبكم! ليس ذلك دعوة لارتكاب المعاصي، وإنما دعوة لمن قد وقع ليخرج من هذه الورطة والوقعة. (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ما خلا الشرك، في الحديث القدسي الصحيح عن رب العزة والجلال: (ابن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا بملء الأرض معاصي وذنوب وخطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لقيتك بقرابها مغفرة)، إن هذا الأمر يحتاج منك إلى التوبة والاستغفار، ثم إلى مواصلة العمل في مرضاة الله . يقول ﷺ : (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) (إن الله إذا بقي الثلث الأخير من الليل ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟)، وذلك الدهر كله (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، وفي حديث آخر صحيح أيضاً: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها). فضل الله عظيم، والأمل في رحمته كبير! وفي سنن النسائي وأبي داود وابن ماجة وعند الإمام أحمد بسند صححه بعض أهل العلم عن النبي ﷺ : (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)، توبوا إلى الله واستغفروه في اليوم والليلة مائة أو سبعين مرة، فقد كان ذلك فعل الرسول الكريم ﷺ ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلا يأس من روح الله، ولا يأس من رحمة الله، حتى وإن كنت من العصاة.

стр. 1185

الأمل في رحمة الله عند الضيق والشدائد وأمر ثالث أيضاً يدخل به اليأس والقنوط على نفوس بعض الناس: عندما تضيق بهم الأحوال، وتقل في أيديهم الأموال، وتنسد طرق الرزق أمامهم وأمام سعيهم، فإذا بالرضا عن قضاء الله لا يلج إلى قلب أولئك، فتجدهم متكدرين معترضين ساخطين، غير متأملين في نعم الله عليهم، وغير متفائلين في الأمل الذي يمكن أن يفتحه الله في مستقبل الأيام. وما ينبغي أن يكون هذا حال المؤمن، فإن نعمة واحدة من نعم الله عليك لا يكفيك عملك كله شكراً لها، فإذا وجدت شيئاً من الضيق في باب من الأبواب، فانظر إلى الصحة التي آتاك الله إياها، وانظر إلى السلامة والأمن الذي هيأه الله لك، وانظر إلى الأولاد الذين رزقهم الله إياك، وانظر إلى ما سلف من الرزق الذي أجراه الله بين يديك، وانظر إلى القليل الذي آتاك الله كيف بارك لك فيه، وانظر إلى غيرك ممن هو أدنى منك في أبواب الرزق؛ لتذكر نعمة الله عليك، ولتشكر الله ، وتذكر قوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] قد أجدبت الأرض، وأقفرت من الماء حتى لم يعد هناك أمل، فإذا الله ينزل رحمته. وهكذا هذا الأمر يحتاج أيضاً إلى عمل، يحتاج إلى التضرع والدعاء، يحتاج إلى الصلاة والاستسقاء، يحتاج إلى أن تتعرف على الله في الشدة والرخاء، ينبغي ألا تكون حالك كحال أهل الكفر أو أهل الغفلة والطغيان، الذين لا يلتفتون إلى رحمة الله ، والذين يطغون بالنعم إذا جاءتهم، ويكفرون بالله إذا سلبهم بعض النعم. أما المؤمن فإن أمره كما أخبر النبي الكريم ﷺ : كله له خير؛ فإن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، فهو في كل حال من الأحوال على خير. واعلم أن كل بلاء يحل بك أو ضيق يواجهك في حياتك إنما هو تكفير للسيئات ورفع للدرجات، وقد أخبر النبي ﷺ حيث قال: (حتى الشوكة يشاكها العبد المؤمن يكفر الله بها من خطاياه)، فاحمد الله عبد الله، ولا تيأس من نعمة الله ولا من رزق الله، ألم تر فقراء من الله عليهم فجأة بسعة الرزق من إرث أو من عمل لم يكونوا يحتسبونه؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] لم نضيق بما قدر الله علينا ثم نتنكب الطريق ونريد توسعة الرزق من خلال الحرام، فنقبل الرشاوي، ونغش، وندلس، فإذا قيل: لم تفعل هذا؟ قال: لأن أبواب الرزق ضاقت ولم يكن هناك من طريق إلا هذا! فسبحان الله كيف نريد عطاء الله بمعصية الله! وكيف نريد أن يفرج الله عنا ونحن نضيق على أنفسنا ونسد الطريق بيننا وبينه بمثل هذه المعاصي! وهنا مثل جاء في كتاب الله لنأخذ منه الدرس والعبرة من غير ما تطويل كما في قصة الخليل إبراهيم ﵇، لما جاءته ملائكة الله، يقول الله جل وعلا: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٢ - ٥٥]. فهذه صورة أخرى: بعض الناس يحرم الولد ويبحث هنا وهنا ثم ينقطع الأمل، والله قد قص علينا في قصة إبراهيم أنه كان قد بلغ من الكبر عتياً، فجاءته البشارة فلم يصدقها لأول وهلة؛ لأنه لا يعرف هؤلاء المبلغين لهذه البشارة، فلما قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر:٥٥] أي: من عند الله ، لم يكن عنده أدنى شك في وعد الله ، وفي البشارة التي بلغها إياه ملائكة الله . وكم ممن حرموا من الذرية عاشوا سنوات طوالاً ثم رزقهم الله ! فلا يمكن للمؤمن أن ييأس من أي أمر في هذه الحياة ما دام موصولاً بالله ، وأكثر ما يقع اليأس عندما تحل المحن ويكثر البلاء، ويشتد كيد الأعداء، وتحيط بالمسلم أو بالمسلمين النكبات من كل مكان، هنا يقع في بعض القلوب وهن، ويسري إلى بعض النفوس يأس وقنوط، وينبغي ألا يكون ذلك ممن قلبه معمور بالإيمان، وإن الله قد قص علينا من قصص الأنبياء والمرسلين ما هو درس وعظة وعبرة في هذا الشأن: فهذا موسى ﵇ يخرج ومعه بنو إسرائيل من مصر، ويتبعه فرعون وجنوده، ثم يعترضه البحر أمامه، وفرعون بجيوشه وسيوفه وحرابه من ورائه، فإذا ببعض بني إسرائيل ممن لم يعمر الإيمان قلبه ولم تعظم ثقتهم بالله : ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] لا أمل لنا في النجاة مطلقاً، وجاء رد موسى ﵇ بقدر ما كان على عظيم الأمل وكماله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] لا يمكن أن تكون هذه هي النتيجة؛ لأن هناك وعداً من الله ، ولم يكن موسى ﵇ إذ ذاك يعلم كيف سيكون الخلاص؟ هو يعلم أن ثمة خلاصاً لكنه لا يعلم كيف يكون، ثم جاء السبب اليسير: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣]، فلما مر موسى ومن معه وجاء فرعون ومن معه أطبق البحر عليهم فماتوا غرقى. والنبي ﷺ في أثناء الهجرة لما كان مختفياً في الغار وتتبع قصاص الأثر أثره وأثر أبي بكر حتى وقفوا على فم الغار. يقول أبو بكر: (لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا؛ فيقول النبي ﷺ : ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟). وانظر إلى صحابة النبي رضوان الله عليهم عندما حلت بهم بعض الهزيمة في أحد: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وانظر إليهم في الأحزاب وقد اجتمعت عليهم ظروف عصيبة ورهيبة: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. هكذا كان أملهم في الله ، إنهم ينتظرون إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة، إنهم مستقيمون على أمر الله، ثابتون على دين الله، يعلمون أن الفرج من عند الله ، فينبغي ألا يسري اليأس إلى نفوسنا، وألا يداخل القنوط قلوبنا، فإن الأمل في الله عظيم، وإن الخير في أمة الإسلام عميم. أسأل الله أن يفرج هموم المسلمين، وأن ينفس كروبهم، وأن يعجل نصرهم، وأن يقرب فرجهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1186

صور من الواقع تبعث الأمل في النفس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى تعظيم الثقة بالله، وعقد الأمل في عطاء الله ، وإن اليأس عند الشدائد -كما قلت- هو الذي يحيط بكثير من أحوال الأمة اليوم، ولنا عبرة فيما سلف من قصص الأنبياء والمرسلين وفي سير أصحاب رسول الله ﷺ . وإن صور الثبات التي تقع في واقع الأمة اليوم لتبعث الأمل عظيماً، فإننا نرى شدة، وإننا نرى وحشية واعتداءً وبغياً، وكل تحطيم لمعاني الكرامة الإنسانية، ومع ذلك نجد -بحمد الله عند كثير من إخواننا المسلمين المعذبين المضطهدين المظلومين لجوءاً إلى الله ، وعودة إلى الله ، وانقطعت آمالهم وانقطع رجاؤهم إلا في الله ، وهنا يحصل الأمر الذي ينبغي أن يكون وهو أن يدب اليأس لا إلى المسلمين، وإنما إلى الكافرين، أن يأتيهم اليأس أنه لا أمل في تغيير المسلمين عن إسلامهم، ولا في نزع إيمانهم، ولا في تغيير صلتهم بالله وارتباطهم، ولا في تقطع أواصرهم، فعندما ابتلي المسلمون في البوسنة أو في كشمير أو أي مكان ماذا كان قولهم؟ دعاء لله، ثم اتصال بإخوانهم المسلمين، هكذا كان الأمر، ولذلك يقول الله جل وعلا: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٣]، ما معنى هذه الآية؟ قال ابن كثير في تفسيره: أي: أن المشركين قد يئسوا أن يرجع أهل الإسلام عن إسلامهم، في أول الأمر كانت قريش تغري بالأموال، ثم بعد ذلك صارت تلهب بالسياط، ثم بعد ذلك صارت تضيق بالحصار، كل ذلك أملاً في الارتداد، وفي أن يرجع المسلمون إلى كفرهم وشركهم. لما فشلت كل هذه المحاولات دب اليأس في قلوب الأعداء أنه لا أمل فيمن خالط الإيمان قلبه، لا أمل فيمن سجد لله سجدة إذا ثبت بإذن الله على إيمانه، ورسخ بقدمه على طريق رضوان الله ، وهكذا ينبغي أن يكون، فإن النبي ﷺ قد بين ذلك في معنى آخر عندما قال: (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم). وهذا الأمر ينبغي أن يكون عندنا شيء كبير من الأمل، وينبغي لك أخي المسلم ألا تكون موصوفاً باليأس؛ لأنه صفة أهل الكفر كما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٢٣]. ينبغي لك ألا تكون كحال الإنسان إذا كان مجرداً عن الإيمان مما أخبرنا به الله في القرآن عندما قال جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود:٩ - ١٠]: قال ابن كثير في تفسيره عن حال هذا الإنسان بلا إيمان: إذا وقعت له شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة للمستقبل، وكفر وجحود بالنسبة لماضي الحال، كأنه لم ير خيراً من قبل قط، وحال الإنسان كما قال الله جل وعلا: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩]، يدعو الله بالمال وبالأولاد وبسعة الرزق، ويعطيه الله ما قدره ، فإذا أخذ منه بعض نعمه إذا هو يئوس قنوط. ينبغي ألا يكون هذا حال المسلم، ينبغي أن تكون أخي المسلم راضياً بالقضاء، شاكراً على النعماء، صابراً على الضراء، مواظباً على الدعاء، مؤملاً في الله في الشدة والرخاء، ينبغي أن تكون دائم الصلة بالله ، وإن الفجر بعد الليل لا بد أن يطلع، وإن النور بعد الظلام لابد أن يسطع، حقيقة كونية لا شك فيها. وانظر إلى قصة يوسف وأبيه يعقوب ﵉، بعد أن ذهب يوسف ومرت به سنوات لا يعرفون له خبراً، ولا يأتيهم عنه ذكر من قريب ولا بعيد، ثم بعد ذلك يأتي ابنه الثاني ويقبض عليه العزيز في قصة السرقة المعروفة، ثم يرجع الأبناء وقد يئسوا، فيقول يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، قبل ذلك قالوا له: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٥ - ٨٦]، بث شكواك إلى الله، وأصغ بما حل بك إلى الله، واترك الأمر لله، فإن الله جاعل لكل أمر ولكل ضيق مخرجاً بإذنه ، ولكن الآمال كما أشرت تحتاج إلى الأعمال، ولا بد أن نعرف أن العاقبة للمتقين: أخي ستبيد جيوش الظلام ويشرق في الكون فجر جديد فأطلق لروحك إشراقها ترى الفجر يرمقنا من جديد فالله الله في الأمل في الله، والله الله في الرجاء في الله، والله الله في الأعمال من التوبة والاستغفار، ومن التضرع والدعاء، ومن البذل والسخاء، ومن العمل لكل ما يحبه الله ويرضاه، والعمل لكل ما من شأنه رفعة هذه الأمة، ونصرة هذا الدين، حتى يعود العز المفقود، والوحدة الضائعة، والقوة المبددة، وما ذلك على الله بعزيز، وقد نصر الله أهل الإيمان، ووعده قائم: (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقاعدته التي جعلها بشرى لأهل الإيمان قاعدة مطردة لا تتخلف: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، ولكنه جعل لذلك شروطاً وجعل له قواعد وسنناً: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. اللهم إنا نسألك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم اجعلنا من العاملين بالطاعات، والمبتعدين عن المعاصي والسيئات، والمسارعين إلى الخيرات، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى، وأن تصرف عنا ما لا تحب وترضى، اللهم إنا نسأل الثقة بك، والتوكل عليك، والإنابة إليك، والرجاء فيك، والخوف منك، والإخلاص لك، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك، وأفقر الفقراء إليك، وأغننا بفضلك عمن أغنيته عنا، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة يا رب العالمين! اللهم قد تبرأنا من حولنا وقوتنا إلى حولك وقوتك يا رب العالمين! اللهم فأمدنا بالإيمان واليقين، اللهم وأمدنا بالعمل لهذا الدين، اللهم ووفقنا لنصرة إخواننا المسلمين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا، وأن تثبت على طريق الحق أقدامنا، وأن تجعل الجنة مأوانا ومتقلبنا يا رب العالمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم، اللهم عجل فرجنا، وقرب نصرنا، ونفس كربنا، اللهم اغفر سيآتنا، وامح زلاتنا، وأقل عثراتنا، وتقبل حسناتنا، وارفع درجاتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، والشيوخ الركع، والأطفال الرضع، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم، اللهم إنهم مشردون فسكنهم، اللهم رضهم بالقضاء، وصبرهم على البلاء، اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم رد كيد أعدائهم في نحورهم، واجعل تدبير أعدائهم تدميراً عليهم يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر الجلي، والمقام العلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1187

المسلم بين البذل والبخل البذل والكرم من الصفات الحميدة التي جاء الشرع بمدحها والحث عليها، وذلك لما لها من الآثار العظيمة النافعة على الفرد والمجتمع، وبالعكس من ذلك فقد جاء بذم البخل والتنفير منه، وذلك لما له من الآثار السيئة، فعلى المسلم أن يبذل في وجوه الخير كل ما يستطيعه من أنواع البذل، ويجب عليه أن يحذر من داء البخل؛ فإنه داء عضال.

стр. 1188

مسارعة المؤمنين إلى مرضاة الله الحمد لله، الحمد لله العزيز الغفار، المنتقم الجبار، مكور الليل على النهار ومكور النهار على الليل، نحمده هو ذو الجود والكرم، وهو واهب النعم، نحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد في الأولى والآخرة كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، دعانا إلى الطاعة والإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ووعد المستجيبين المتقين بالنعيم في الجنان، وتوعد الجاحدين المخالفين بعذاب النيران. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وكان أبعدنا عنه، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون! " المسلم بين البذل والبخل" هو موضوع حديثنا في هذا المقام، نستكمل به الأضواء على ملامح الشخصية الإسلامية، ولابد أن ندرك ابتداءً أن هذه الحياة الدنيا في تصور الإسلام وفي يقين المؤمن إنما هي دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر، ومن ثمَّ فإن هذا التصور يجعل التعلق بالحياة الدنيا والبذل فيها يخضع لهذا التصور الإيماني الإسلامي الذي يجعل الآخرة أوكد الهمَّ، والذي يجعلها غاية الغايات، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]. إن المسلم في حقيقة إسلامه وإيمانه باذل منفق معطٍ في كل ما يحبه الله ويرضاه وفي كل باب من أبواب نصرة دين الله، وفي كل ميدان من ميادين الدعوة إلى الله، وفي كل موقع من مواقع الجهاد في سبيل الله، والله قد جعل سمة أهل الإيمان والتقوى الإنفاق في سبيل الله والبذل في مراضيه جل وعلا، فقال : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٣]. وأهل التقوى هم الذين ذكر الله عاقبتهم ومثوبتهم عنده فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وأول وصف من أوصافهم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، والله جل وعلا عندما جعل هذا الوصف سمة لأهل الإيمان جعل الإنفاق عاماً مطلقاً فقال: (ينفقون في السراء والضراء).

стр. 1189

أوجه البذل عند رسول الله ﷺ وليس بالضرورة أن يكون البذل محصوراً في المال وحده، وإنما المسلم يبذل من علمه، ويبذل من وقته، ويبذل من جهده، ويبذل من سماحة نفسه، وأعلى أنواع البذل وأرفعها أن يبذل نفسه وروحه رخيصة في سبيل الله .

стр. 1190

بذل المال لوجه الله تعالى وهنا كان بذل أهل الإيمان في سبيل الله ، وكان بذله ﵊ أيضاً في شأن المال هو أعظم أنواع البذل، فهذا ابن عباس ﵁ يصف المصطفى ﵊ وصفاً عجيباً فيقول: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة). قال الشاعر: ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم وقال آخر: لو لم تكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله فكان ﵊ لا يرد سائلاً، ولا يمنع مالاً، بل قد تجوز مرة في صلاته وأسرع فيها، ثم انفتل خارجاً من المسجد، ثم غاب في بيته، ثم خرج إلى الصحابة فرأى علائم الاستفهام والاستغراب مرسومة على وجوههم فقال: (إني ذكرت شيئاً من تبر -أي: ذهب- فخشيت أن يحبسني، فأنفقته في سبيل الله). ومضى الرسول الكريم الذي دانت له الدنيا وجاءته الخيرات من كل مكان إلى ربه ومولاه ودرعه مرهونة عند يهودي في بعض طعام كان يأخذه ﵊، وكان يمر الهلالان والثلاثة -كما تقول عائشة وما يوقد في بيوت رسول الله ﷺ نار، وما كان ذلك عن فقر وحاجة، وإنما كان عن بذل وإنفاق وسماحة في سبيل الله ، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠] فهذا وصف أهل الإيمان، وهذا وصف أهل القرآن أنهم يرجون تجارة لن تبور، أرباحها أضعاف مضاعفة، وتأمينها عند من لا تنفد خزائنه .

стр. 1191

بذل النفس في سبيل الله وأيضاً كان ﵊ يرسم لنا صورة البذل في أمر النفس والروح في الجهاد في سبيل الله، فكم من غزوة خرج فيها وكان قائد المسلمين ومقدمهم! وهذا علي بن أبي طالب ﵁ أشجع الشجعان وفارس الفرسان يقول: (كنا إذا حمي الوطيس، واحمرت الحدق، نتقي برسول الله ﷺ ، فقد كان ﷺ يكون في المقدمة عند مواجهة الأعداء، ولم يكن ﵊ من الجبناء، وفي يوم حنين ارتبكت جيوش المسلمين، وجاء أولها على آخرها، ومقدمها على مؤخرها، واضطربت الصفوف، ورجع أهل الفتح من المسلمة الذين لم يثبت إيمانهم بعد، فكان النبي ﷺ على بغلة بيضاء له يقال لها: دلدل. والبغلة ليست من الدواب التي تسرع حتى تكون دابة هروب وفرار، بل هي دابة استقرار وقرار، فجعل النبي ﷺ يثبت في مكانه ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). ثم يدعو العباس لينادي أهل الهجرة وأهل بدر، حتى تجمع الناس حول رسول الله ﷺ ، وانظر إلى عظيم حديثه ﵊ الذي أخبر فيه عن بذل النفس والروح في سبيل الله، وأنه لا يتمنى إلا أن يقتل في سبيل الله، ثم تعاد إليه روحه، فيقتل في سبيل الله ثانية، ثم تعاد إليه روحه، فيقتل في سبيل الله ثالثة، وذلك لما يرى المجاهد من ثواب الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١]. وانظر إلى هذه الصفقة العظيمة (إن الله اشترى) فالمشتري هو الله ، وقد اشترى الأنفس قبل الأموال، فالسلعة هي الروح التي بين جنبيك، هي خفقان قلبك، هي حياتك في هذه الدنيا الدنيئة، ثم الثواب والأجر والقيمة المعطاة: (جنة عرضها السموات والأرض). لما سمع الصحب الكرام ذلك الوعد العظيم من الله قالوا: لا نقيل ولا نستقيل، هذه بيعة نثبت عليها، هذه صفقة نصر عليها، هذا عهد نمضي عليه حتى آخر لحظة من لحظات الحياة.

стр. 1192

بذل بالأخلاق الحسنة للمسلمين وهذا رسولنا ﷺ يجسد لنا كل صور البذل في أروع مراتبها وأرفع مقاماتها، ويبينها لنا في مقاله وفي حاله الذي نقل لنا من سيرته ﷺ العطرة. عندما نتحدث عن البذل فإن كثيراً من الناس يحصرونه ويقصرونه في أمر المال، وأؤجل الحديث عنه لما يشيع بين الناس من معرفة أوصافه وما يتعلق به؛ وأتحدث عن أنواع البذل الأخرى التي لا يفقهها كثير من الناس، والتي يقصر فيها كثير من الناس؛ فهذا النبي الكريم ﷺ يعلمنا أن نبذل من سماحة نفوسنا، فهاهو ﵊ يبين لك أن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأن إدخال السرور على المؤمن من أعظم أبواب الخير والبذل والإحسان، ولذلك كان ﵊ صدراً رحباً وسع جميع الصحابة، ووسع الجهلاء والغلظاء من الأعراب، وما ضاق عنهم حلمه ﵊، بل وسعتهم أخلاقه العظيمة وشمائله الكريمة، وبذل لهم من عظيم صبره، وبذل لهم من سماحة نفسه ﵊. فاستأسر القلوب، وسبى المشاعر والنفوس، وخطف الألباب والأبصار؛ فكان قدوة عظيمة لكل من جاء إليه ولكل من كان معه ولكل من التف حوله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. وكان ﵊ يبذل من وقته فهذا سائل يسأل، وذاك مستفتٍ يستفتي، وذاك طالب حاجة يطلب السعي معه في حاجته، وتلك امرأة عجوز لا يؤبه لها تأخذ بيد رسول الله ﷺ وتقوده إلى أي سكك المدينة شاءت؛ حتى يقضي ﵊ لها حاجتها، فلا يستكبر من ذلك ولا يستنكف، بل يبذل ﵊ لكل صاحب حاجة ما يليق بحاجته.

стр. 1193

بذل الدعوة وهداية الناس ثم بذل ﵊ في باب عظيم من أعظم الأبواب التي يقل فيها البذل، وهو بذله في الدعوة وهداية الناس، وإرشادهم إلى الخير، وحرصه على أن يمنعهم من الوقوع في الهلاك والتردي في عاجل دنياهم وعاقب أخراهم، فهو ﵊ لم يترك موقفاً من المواقف ولا مجمعاً من المجامع ولا بقعة من البقاع إلا وسعى ليوصل إليها دعوته، فكان في الفترة المكية يغشى مجالس قريش وصناديدها، مع أنهم كانوا أهل علو واستكبار وأهل إيذاء وإهانة للرسول ﷺ وصحابته. وكان ﷺ يلقي دعوته لله ، فيبذلها للضالين والكافرين والمعرضين فضلاً عن المقبلين والراغبين والطالبين، وما كان ﷺ يمنع شيئاً من علم وهدى وإرشاد، بل كان يسعى إلى بذله؛ حتى كان يتتبع القبائل في مواضعها؛ فخرج إلى الطائف، ثم هاجر إلى المدينة، ثم مضى بعد ذلك مرة أخرى إلى الطائف فاتحاً، ثم مضى مجاهداً، ثم أرسل الكتب إلى الملوك من حول الجزيرة كلها، وكانت نفسه تتقطع حسرات على ضلال الضالين وكفر الكافرين، حتى قال جل وعلا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أي: أنت مهلك نفسك في إثر أولئك القوم المعرضين تريد أن تردهم عن موارد الهلاك، كما أخبر عن نفسه ﵊ في الحديث الصحيح: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الفراش والدواب يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار).

стр. 1194

اقتداء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم برسول الله في البذل ولذلك أخذ الصحابة من الرسول ﷺ هذه الخصلة العظيمة؛ خصلة البذل في سبيل الله بكل صوره وأشكاله، فإذا بالصحب الكرام باذلون في سبيل الله أموالهم وأوقاتهم وعلمهم ودعوتهم وأنفسهم التي بين جنوبهم، فهذا مثل عظيم من الأمثلة التي فيها أروع صور البذل لفرد واحد من مدرسة النبوة العظيمة: وهو أنس بن النضر ﵁، وذلك عندما لم يتهيأ له أن يشهد بدراً، خرج في أحد وقال: (ليرين الله ما أصنع). وهذا تهييج للنفس، وقطع للأمل، وإعلان للبذل في سبيل الله ، فلما دارت الدائرة وشاع في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل، فقال: (فعلامَ الحياة من بعده؟ موتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم مضى منطلقاً يخترق الصفوف، ويعانق السيوف، ويدخل بين أهل الكفر، يجندل منهم يميناً وشمالاً، وهو يقول: (واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد). وانظر إلى بذل الصديق ﵁ الذي سخر ماله كله خدمة لدين الله ونصرة لدعوة الله، فإذا به يعتق الأرقاء ممن أسلموا في مكة، وإذا به يجهز موكب الهجرة، وإذا به في يوم تبوك يأتي بماله كله، فيقول له النبي ﷺ : (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله)، هكذا كان الصحب الكرام رضوان الله عليهم. وهذا عمر الفاروق كان من أعظم الباذلين من صحب النبي ﷺ ، فقد بذل من مشاعره رحمة وشفقة ورعاية لأمة محمد ﵊، فكان يسأل عن صغيرهم، ويتحرى شأن كبيرهم، وينظر في كل شئونهم، ولا يطمئن له جنب ولا تغمض له عين إلا أن يبذل كل ما يستطيع من طاقة وجهد نصحاً لأمة الإسلام والمسلمين، وحرصاً على مصالح المسلمين. وهكذا كان الصحب الكرام رضوان الله عليهم يضربون الأمثلة، والمقام يضيق عن ذكر الأمثلة فضلاً عن الإحصاء أو الاستقصاء.

стр. 1195

وعد الله بالإخلاف على من أنفق في الخير المسلم باذل من نفسه ومن ماله، والوعد من الله قائم مطلق لا يتخلف، قال : ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]، أي: وما أنفقتم من شيء قليل أو كثير مال أو غير مال فهو يخلفه، فمهما أنفقت يعوضك الله إياه. وانظر إلى علماء الإسلام كم بذلوا من أوقاتهم! وكم أفنوا من أعمارهم! وكم أذهبوا من نور أبصارهم فيما يتعلق بالعلم الشرعي الذي يبلغونه لأمة الإسلام من بعهدهم! فانظر رحمك الله ما أخلف عليهم الله من مباركة الأوقات، فجاءونا بالكتب المطولات والموسوعات التي لا نستطيع اليوم أن نقرأها فضلاً عن أن نفهمها، فضلاً عن أن ننشئ مثلها أو قريباً منها. والله وعد أنك إن أنفقت أو بذلت شيئاً في سبيل الله أن يخلفه، فالإخلاف هو من الله ، والتعويض هو من الله جل وعلا، وكل شيء تبذله يأتيك عاجله في الدنيا -بإذن الله قبل الآخرة.
следующие страницы →