← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

بذل النفس في سبيل الله وأيضاً كان ﵊ يرسم لنا صورة البذل في أمر النفس والروح في الجهاد في سبيل الله، فكم من غزوة خرج فيها وكان قائد المسلمين ومقدمهم! وهذا علي بن أبي طالب ﵁ أشجع الشجعان وفارس الفرسان يقول: (كنا إذا حمي الوطيس، واحمرت الحدق، نتقي برسول الله ﷺ ، فقد كان ﷺ يكون في المقدمة عند مواجهة الأعداء، ولم يكن ﵊ من الجبناء، وفي يوم حنين ارتبكت جيوش المسلمين، وجاء أولها على آخرها، ومقدمها على مؤخرها، واضطربت الصفوف، ورجع أهل الفتح من المسلمة الذين لم يثبت إيمانهم بعد، فكان النبي ﷺ على بغلة بيضاء له يقال لها: دلدل. والبغلة ليست من الدواب التي تسرع حتى تكون دابة هروب وفرار، بل هي دابة استقرار وقرار، فجعل النبي ﷺ يثبت في مكانه ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). ثم يدعو العباس لينادي أهل الهجرة وأهل بدر، حتى تجمع الناس حول رسول الله ﷺ ، وانظر إلى عظيم حديثه ﵊ الذي أخبر فيه عن بذل النفس والروح في سبيل الله، وأنه لا يتمنى إلا أن يقتل في سبيل الله، ثم تعاد إليه روحه، فيقتل في سبيل الله ثانية، ثم تعاد إليه روحه، فيقتل في سبيل الله ثالثة، وذلك لما يرى المجاهد من ثواب الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١]. وانظر إلى هذه الصفقة العظيمة (إن الله اشترى) فالمشتري هو الله ، وقد اشترى الأنفس قبل الأموال، فالسلعة هي الروح التي بين جنبيك، هي خفقان قلبك، هي حياتك في هذه الدنيا الدنيئة، ثم الثواب والأجر والقيمة المعطاة: (جنة عرضها السموات والأرض). لما سمع الصحب الكرام ذلك الوعد العظيم من الله قالوا: لا نقيل ولا نستقيل، هذه بيعة نثبت عليها، هذه صفقة نصر عليها، هذا عهد نمضي عليه حتى آخر لحظة من لحظات الحياة.

стр. 1192

بذل بالأخلاق الحسنة للمسلمين وهذا رسولنا ﷺ يجسد لنا كل صور البذل في أروع مراتبها وأرفع مقاماتها، ويبينها لنا في مقاله وفي حاله الذي نقل لنا من سيرته ﷺ العطرة. عندما نتحدث عن البذل فإن كثيراً من الناس يحصرونه ويقصرونه في أمر المال، وأؤجل الحديث عنه لما يشيع بين الناس من معرفة أوصافه وما يتعلق به؛ وأتحدث عن أنواع البذل الأخرى التي لا يفقهها كثير من الناس، والتي يقصر فيها كثير من الناس؛ فهذا النبي الكريم ﷺ يعلمنا أن نبذل من سماحة نفوسنا، فهاهو ﵊ يبين لك أن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأن إدخال السرور على المؤمن من أعظم أبواب الخير والبذل والإحسان، ولذلك كان ﵊ صدراً رحباً وسع جميع الصحابة، ووسع الجهلاء والغلظاء من الأعراب، وما ضاق عنهم حلمه ﵊، بل وسعتهم أخلاقه العظيمة وشمائله الكريمة، وبذل لهم من عظيم صبره، وبذل لهم من سماحة نفسه ﵊. فاستأسر القلوب، وسبى المشاعر والنفوس، وخطف الألباب والأبصار؛ فكان قدوة عظيمة لكل من جاء إليه ولكل من كان معه ولكل من التف حوله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. وكان ﵊ يبذل من وقته فهذا سائل يسأل، وذاك مستفتٍ يستفتي، وذاك طالب حاجة يطلب السعي معه في حاجته، وتلك امرأة عجوز لا يؤبه لها تأخذ بيد رسول الله ﷺ وتقوده إلى أي سكك المدينة شاءت؛ حتى يقضي ﵊ لها حاجتها، فلا يستكبر من ذلك ولا يستنكف، بل يبذل ﵊ لكل صاحب حاجة ما يليق بحاجته.

стр. 1193

بذل الدعوة وهداية الناس ثم بذل ﵊ في باب عظيم من أعظم الأبواب التي يقل فيها البذل، وهو بذله في الدعوة وهداية الناس، وإرشادهم إلى الخير، وحرصه على أن يمنعهم من الوقوع في الهلاك والتردي في عاجل دنياهم وعاقب أخراهم، فهو ﵊ لم يترك موقفاً من المواقف ولا مجمعاً من المجامع ولا بقعة من البقاع إلا وسعى ليوصل إليها دعوته، فكان في الفترة المكية يغشى مجالس قريش وصناديدها، مع أنهم كانوا أهل علو واستكبار وأهل إيذاء وإهانة للرسول ﷺ وصحابته. وكان ﷺ يلقي دعوته لله ، فيبذلها للضالين والكافرين والمعرضين فضلاً عن المقبلين والراغبين والطالبين، وما كان ﷺ يمنع شيئاً من علم وهدى وإرشاد، بل كان يسعى إلى بذله؛ حتى كان يتتبع القبائل في مواضعها؛ فخرج إلى الطائف، ثم هاجر إلى المدينة، ثم مضى بعد ذلك مرة أخرى إلى الطائف فاتحاً، ثم مضى مجاهداً، ثم أرسل الكتب إلى الملوك من حول الجزيرة كلها، وكانت نفسه تتقطع حسرات على ضلال الضالين وكفر الكافرين، حتى قال جل وعلا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أي: أنت مهلك نفسك في إثر أولئك القوم المعرضين تريد أن تردهم عن موارد الهلاك، كما أخبر عن نفسه ﵊ في الحديث الصحيح: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الفراش والدواب يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار).

стр. 1194

اقتداء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم برسول الله في البذل ولذلك أخذ الصحابة من الرسول ﷺ هذه الخصلة العظيمة؛ خصلة البذل في سبيل الله بكل صوره وأشكاله، فإذا بالصحب الكرام باذلون في سبيل الله أموالهم وأوقاتهم وعلمهم ودعوتهم وأنفسهم التي بين جنوبهم، فهذا مثل عظيم من الأمثلة التي فيها أروع صور البذل لفرد واحد من مدرسة النبوة العظيمة: وهو أنس بن النضر ﵁، وذلك عندما لم يتهيأ له أن يشهد بدراً، خرج في أحد وقال: (ليرين الله ما أصنع). وهذا تهييج للنفس، وقطع للأمل، وإعلان للبذل في سبيل الله ، فلما دارت الدائرة وشاع في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل، فقال: (فعلامَ الحياة من بعده؟ موتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم مضى منطلقاً يخترق الصفوف، ويعانق السيوف، ويدخل بين أهل الكفر، يجندل منهم يميناً وشمالاً، وهو يقول: (واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد). وانظر إلى بذل الصديق ﵁ الذي سخر ماله كله خدمة لدين الله ونصرة لدعوة الله، فإذا به يعتق الأرقاء ممن أسلموا في مكة، وإذا به يجهز موكب الهجرة، وإذا به في يوم تبوك يأتي بماله كله، فيقول له النبي ﷺ : (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله)، هكذا كان الصحب الكرام رضوان الله عليهم. وهذا عمر الفاروق كان من أعظم الباذلين من صحب النبي ﷺ ، فقد بذل من مشاعره رحمة وشفقة ورعاية لأمة محمد ﵊، فكان يسأل عن صغيرهم، ويتحرى شأن كبيرهم، وينظر في كل شئونهم، ولا يطمئن له جنب ولا تغمض له عين إلا أن يبذل كل ما يستطيع من طاقة وجهد نصحاً لأمة الإسلام والمسلمين، وحرصاً على مصالح المسلمين. وهكذا كان الصحب الكرام رضوان الله عليهم يضربون الأمثلة، والمقام يضيق عن ذكر الأمثلة فضلاً عن الإحصاء أو الاستقصاء.

стр. 1195

وعد الله بالإخلاف على من أنفق في الخير المسلم باذل من نفسه ومن ماله، والوعد من الله قائم مطلق لا يتخلف، قال : ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]، أي: وما أنفقتم من شيء قليل أو كثير مال أو غير مال فهو يخلفه، فمهما أنفقت يعوضك الله إياه. وانظر إلى علماء الإسلام كم بذلوا من أوقاتهم! وكم أفنوا من أعمارهم! وكم أذهبوا من نور أبصارهم فيما يتعلق بالعلم الشرعي الذي يبلغونه لأمة الإسلام من بعهدهم! فانظر رحمك الله ما أخلف عليهم الله من مباركة الأوقات، فجاءونا بالكتب المطولات والموسوعات التي لا نستطيع اليوم أن نقرأها فضلاً عن أن نفهمها، فضلاً عن أن ننشئ مثلها أو قريباً منها. والله وعد أنك إن أنفقت أو بذلت شيئاً في سبيل الله أن يخلفه، فالإخلاف هو من الله ، والتعويض هو من الله جل وعلا، وكل شيء تبذله يأتيك عاجله في الدنيا -بإذن الله قبل الآخرة.

стр. 1196

بذل أعداء الإسلام أموالهم في الصد عن سبيل الله ، وواجب المسلمين تجاه ذلك والله قد بين لنا كل هذه الجوانب، وبين لنا أن أمر الإنفاق والبذل عظيم، وأنه ينبغي للمسلمين ألا يتخلفوا عنه في الوقت الذي يتسابق فيه أهل الكفر فيبذلون أموالهم، ويبذلون عصارة أفكارهم، وخلاصة عقولهم، وذروة علومهم؛ ليكون ذلك في مواجهة الإسلام والمسلمين. ثم أريد أنا وأنت أن نصد عدوان المسلمين وأن ننصر المسلمين، ونحن لا نخرج شيئاً من أموالنا! ولا نبذل قليلاً من أوقاتنا! ولا نريد أن نتعب أجسادنا! ولا نريد أن نقلق راحتنا! ولا نريد أن نفارق زوجاتنا وأولادنا! أي شيء هذا؟! قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦] فقال: (ينفقون) أتى بصيغة المضارع التي تدل على الاستمرار في كل زمان ومكان وحال، فهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ولكن: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. لكن أين الذين ينفقون ليدعوا إلى سبيل الله، بل لينصروا دين الله. إن هذا لا يمكن أن يواجه إلا ببذل مماثل، كما كان عليه الحال في عهد النبي ﷺ وصحابته الكرام وأسلاف أمتنا من الأئمة الأعلام الذي شرقوا وغربوا في طلب العلم، والذين شرقوا وغربوا في الجهاد في سبيل الله، والذين شرقوا وغربوا لينصروا دين الله ، كل ذلك ينبغي أن نعيه، وأنه خصلة أساسية من خصال المسلم الحق، فإنه منفق في سبيل الله ، وباذل لنصرة دين الله.

стр. 1197

ذم البخل وأهله أما البخل فليس من شأن أهل الإيمان في شيء، وأما الإقتار والتردد والتخاذل فلا يليق بالمسلم سيما عندما يتعلق الأمر بالأمة والدين، يقول النبي الكريم ﵊: (إن الولد مبخلة مجبنة) وهذا يبين لنا بعضاً من العوائق التي تشد إلى الأرض، وتشغل بالدنيا، وتحول دون البذل في سبيل الله. إن الأبناء مبخلة، أي: عن الإنفاق والبذل في سبيل الله، (مجبنة) أي: عن الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، قال : ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨]، يبين الله جل وعلا لنا هذه المعاني حتى ندرك أننا نحتاج إلى أن نفك القيود؛ لتكون نفسونا مهيأة للبذل في سبيل الله، فما بالنا نبذل من الأوقات أطولها وأفضلها لنحصل معاشنا، ثم نبخل أن نبذل من الأوقات شيئاً يسيراً نسعى فيه في الخير وننصر به أهل الإسلام، ونسعى فيه لمعاونة مسلم، أو لإغاثة ملهوف، أو لتعليم جاهل، أو لدعوة غافل؟! وما بالنا نبذل من أموالنا أكثرها وأشرفها في مآكلنا ومشاربنا وبيوتنا ودورنا ومظاهرنا الزائفة، ثم نبخل أن ننفق في سبيل الله . وما بالنا نجهد ونرهق في أمور الدنيا، وربما في أمور اللهو والمتاع، ثم لا نريد أن نتعب ولو يسيراً، وأن نعرق ولو قليلاً، ونحن نسعى في طاعة الله ومرضاة الله؟ إن المسلم شأنه البذل، وينبغي أن يجتنب البخل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. أسال الله جل وعلا أن يجعلنا من الباذلين في سبيله، ومن الناجين من البخل في كل باب من أبواب الخير، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1198

المنفق والبخيل عند الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى البذل في سبيل الله، وأقف بكم مع مثل ضربه الرسول الكريم ﷺ ليبين لنا صورة البذل وصورة البخل، ولنستخرج من هذا المثل الآثار النفسية والحسية والدنيوية والأخروية لأمر البذل من جهة، ولأمر البخل من جهة أخرى. في صحيح البخاري وغيره أن رسول الله ﷺ قال: (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما) أي: هذه الحلة سابغة وضيقة، وحسبك بهذا الوصف والتشبيه الأولي، ثم انظر إلى أثر البذل وأثر البخل، يقول: (فكلما هم المتصدق اتسعت بصدقته-أي: توسعت وتفسحت عليه- حتى تغشى أنامله -أي: تطول حتى تصبح قد وصلت إلى أنامله- وتعفو أثره) أي: كلما مشى كان طولها يمحو الآثار من وراءه. ومعنى هذا التشبيه: أن هذه السعة هي سعة الرزق، وسعة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وهي السماحة واليسر، وهي التوفيق والسداد، وكأن المسلم المنفق إذا وفقه الله كلما رفع حجراً وجد تحته ذهباً، وكلما طرق باباً وجد وراءه رزقاً، إنه وعد من الله ووعد من رسوله ﷺ ، كما قال ﵊: (ما نقص مال من صدقة). فالجبة تتسع على المنفق حتى تعفو أثره، ومعنى عفو الأثر في هذا الحديث: محو الآثام والسيئات. قال: (وما يزال البخيل يبخل، وكلما همَّ بصدقة ثم امتنع عنها قلصت عليه -أي: هذه الحلة أو الجبة- وضاقت كل حلقة بمكانها) أي: تضيق ضيقاً شديداً، فإذا بهذا الضيق هو ضيق في الرزق، وضيق في الصدر، وضيق في الحال، وضيق في السعادة، فلا تجد إلا هماً متراكباً، ولا تجد إلا فقراً متتابعاً، ولا تجد إلا غضباً متوالياً، وهذا أثر من آثار ترك الإنفاق في سبيل الله ، يقول أبو هريرة ﵁: فلو رأيته -أي: ﵊ يوسعها فلا تتسع. فالذي لا ينفق يريد أن يبحث عن أبواب الرزق ويريد أن يزيد من المال، فإذا بالله يسلط عليه من النكبات ما يمحق بركة المال ويذهب أثره الذي ينتفع به، وإن لم يحصل شيء من ذلك أو كثير منه فالعاقبة الأخروية جديرة بالمؤمن أن يتأمل فيها، وأن يفكر فيها، وانظر إلى ذلك في قول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠]. وتأمل كيف يكون التيسير للعسر، فإن الله جل وعلا يجعل ذلك بصور وأشكال قد يفقهونها وقد لا يفقهونها، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠]، فلا تظنه خيراً لك بأن يزداد رصيدك، وتؤمّن مستقبلك، بل هو شر لك إن لم تخرج حق الله، وإن لم تحرص أن تغالب نفسك لتنفق أكثر في سبيل الله. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مضرة عليه في دينه.

стр. 1199

الحث على البذل في أبواب الخير يقول الله جل وعلا في آيات متتابعات من سورة محمد: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦]، قال ابن كثير: الله جل وعلا غني عنكم، لا يطلب منكم شيئاً، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء؛ ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم. ثم يقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧]، وكلنا من خلق الله جل وعلا، وكل الرزق من عنده، وكل ما في الدنيا وباطنها وظاهرها وما بين السماء والأرض له جل وعلا، ولو أنه أمرنا أن ننفق مالنا كله وأن نعطي كل ما لدينا لكان في ذلك حرج، ولنتج عنه بخل، لكنه ما جعل ذلك إلا بقدر يسير، وليس إلا لإخوان لك في الإيمان والاعتقاد من ذوي الحاجات؛ ليعود النفع إليك، ويكتب الأجر والثواب لك. قال قتادة: قد علم الله أن في إخراج المال إخراج الأضغان، وتنشل به الأحقاد من القلوب، وينتزع به الحسد من النفوس، ويحصل به الوئام والمحبة والتكافل والتعاون بين أهل الإسلام، ولذلك يقول ابن كثير في هذا: صدق قتادة؛ فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يمكن أن يخرجه الإنسان إلا إلى محبوب أعظم منه، وهو حبه لله ، قال الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. ثم يقول جل وعلا: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨]، يقول ابن كثير: إنما نقص نفسه من الأجر، وإنما يعود وباء ذلك عليه، كما مر بنا في تمثيل النبي ﷺ : ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ [محمد:٣٨] أي: عن كل ما سواه : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وهذا تهديد ووعيد من الله ، والله جل وعلا قد بسط في هذه الآيات الصور الكثيرة التي تحذر وترهب المسلم من أن يكون من البخلاء غير الباذلين في سبيل الله . وفي صحيح البخاري وغيره عن رسول الله ﷺ قال: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثل له -أي: يوم القيامة- شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه -يعني: بشدقيه- فيقول: أنا مالك). والأحاديث في ذلك كثيرة.

стр. 1200

البخل صفة من صفات أهل النفاق واعلم أخي المسلم أن البذل هو صفة المسلم، وأن البخل هو صفة أهل النفاق، فاربأ بنفسك أن تكون منهم، والله جل وعلا يقول في شأن المنافقين: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧]. ويخبرنا الله عن شأنهم وعن شأن بعض أحوالهم فيقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦] والنتيجة: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧] أورثهم وجعل لهم نفاقاً في قلوبهم أي: فساداً في القلوب لما أخلفوا الوعد مع الله، وخلف الوعد مع الخلق من صفة المنافقين، فكيف إذا كان مع الله ؟ فالمسلم لابد أن ينتبه إلى هذه المعاني الخطيرة. وننتبه أيضاً إلى الحديث الذي ورد في سنن الترمذي وعند الإمام أحمد في مسنده، أنه ﵊ قال: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي)، فصلوا على رسول الله ﷺ .

стр. 1201

أهمية البذل والإنفاق في سبيل الله جاء عند الترمذي عنه ﷺ قال: (البخيل بعيد من الجنة بعيد من الناس)؛ لأن الجنة تحتاج إلى بذل، وتحتاج إلى أن يدفع الثمن، كما قال النبي ﷺ : (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)، فلا تنال بالقليل، بل لابد من الكثير، ولا تنال بالتقصير، بل لابد من الحرص على التسديد والمقاربة، كما أخبر ﵊، فلذا لابد أن نعود أنفسنا على البذل والإنفاق في سبيل الله ، والعطاء بكل صوره وأشكاله، بذلاً من سماحة النفوس، وبذلاً من الأخلاق التي يتعودها المسلم، وبذلاً من وقتك، وبذلاً من جهدك، وبذلاً من دعوتك، وبذلاً من علمك، وبذلاً من نفسك بكل ما تستطيع في مرضاة الله . فأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الباذلين المنفقين، وأن يجعلنا من العاملين لنصرة دين الله ، والمخلصين له ، والداعين إلى دينه، والمجاهدين في سبيله. نسألك اللهم أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً. اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، ووفقنا لما تحب وترضى، واصرف عنا ما لا تحب وترضى، وثبت أقدامنا، وأحسن ختامنا، واجعل عاقبتنا خيراً من عاجلتنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم، واقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم زد إيماننا، وعظم يقيننا، اللهم ضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، اللهم امح سيئاتنا، وأقل عثراتنا يا أرحم الراحمين! يا أكرم الأكرمين! يا رب العالمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد. اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والمشركين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم نكس راياتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم يا قوي يا عزيز! يا منتقم يا جبار! يا من أمره بين الكاف والنون! اللهم إنا نسألك اللطف والرحمة لعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والأسرى والمسجونين والمشردين والمبعدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تفرج عن إخواننا في البوسنة وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم عجل فرجهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم اجعل عدوان الأعداء رداً في نحورهم، اللهم واجعل عدوانهم تدميراً لقوتهم، وتقويضاً لدولتهم، وتفريقاً لكلمتهم يا من أمره بين الكاف والنون! اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نسألك أن تزيل عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! والحمد لله رب العالمين.

стр. 1202

المسلم بين النصيحة والفضيحة للنصيحة منزلة عظيمة في الدين الإسلامي، بل هي الدين كله كما قال ذلك رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ولها شروط وضوابط ينبغي مراعاتها حتى تؤتي ثمارها؛ فإنها إذا خرجت عن شروطها وضوابطها انقلبت إلى فضيحة، وجاءت ثمارها معكوسة.

стр. 1203

تعريف النصيحة الحمد لله الذي حبب إلينا الطاعة والإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأرشد إلى النصيحة والبيان، وحذر من الفضيحة والبهتان، أحمده هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد في الأولى والآخرة، له الحمد على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وبعثه إلى الناس أجمعين، وجعله رحمة للعالمين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا جميعاً اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! موضوع حديثنا هذا هو عن (المسلم بين النصيحة والفضيحة) نستعرض فيه ملامح الشخصية الإسلامية. وقد سلف لنا الحديث على أن المؤمن مبلغ عن الله، وداعٍ إلى دين الله، ومرشد إلى سنة رسول الله ﷺ ، وأنه ناطق بالحق، داعٍ ومرغب في الخير، وهذه السمة هي من أعظم سمات المسلم، والنصح هو أيضاً أمر عظيم يؤدي به المسلم ذلك البلاغ، ويحقق به ما كلفه الله جل وعلا به. فالنصيحة: هي كلمة جامعة لإرادة الخير وحيازته للمنصوح، وأصلها بالاشتقاق اللغوي: من نصحت الثوب إذا خطته، أو من نصحت العسل إذا صفيته، فالمقصود بها: رتق العيوب، وسد الخلل، والتصفية ونبذ ما لا يليق بالمسلم، وتحذيره من المخالفة، وزجره عن المعصية، وجذبه إلى الطاعة، ليخلص من الشرور والآثام، وليبعد عنه آثارها العظام، وهذا الأمر هو الذي ينبغي أن يتنبه له المسلم. والنصيحة هي من أعظم ما يكلف به المسلم، بل هي الحد الذي لا ينفلت ولا ينفك عنه مسلم، كما قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١]. وقد تعجز عن بعض الفعل لعذر شرعي، لكن نصحك لله ولرسوله ونصحك للأمة ولعباد الله، أمر ينبغي أن ينطوي عليه قلبك، وأن ينطق به لسانك، وأن يكون ديدنك في حياتك كلها مع كل إخوانك، بالأسلوب الحسن، وبالمنهج الشرعي، ووفق الهدي النبوي الذي علمنا إياه رسولنا ﷺ . وقد ذكر الله جل وعلا لنا في قصص الأنبياء والمرسلين شعاراً قاله بعضهم وطبقه كلهم: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٨]. والنصح فيه إخلاص وأمانة ومحبة للمنصوح وإرادة الخير له؛ فإنما المسلم هو الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، فإن هداه الله إلى الطاعة وإن وفقه إلى الخير، أحب أن يشاركه سائر إخوانه في تلك الطاعات وفي المسارعة والمسابقة إلى الخيرات.

стр. 1204

مكانة النصيحة في دين الإسلام لقد بين النبي ﷺ مكانة النصيحة، كما في الحديث العظيم المشهور الذي رواه تميم الداري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم). فهذه النصيحة رحبة المدى، متعددة الأنحاء، وهي أمر عظيم في هذا الدين، ولذا قال المصطفى ﷺ : (الدين النصيحة) قال أهل العلم: أي: قوامه وعماده وأساسه النصيحة؛ لأن بها سياج لسائر المأمورات؛ ولأن بها حماية من سائر المنكرات، ولذلك قال بعض أهل العلم في هذا المعنى: إن المراد أن غالب الدين يدور على النصيحة، وقد جاءت عنه ﵊ أحاديث أخرى فيها مثل هذا المعنى، كقوله: (الحج عرفة).

стр. 1205

واجب المسلم في النصيحة لإخوانه وتأمل تعليم النبي ﷺ لأمته؛ لكي تقوم بهذه المهمة دون الخروج عما ينبغي أن تكون عليه أثناء أدائها، فهذا جرير بن عبد الله البجلي ﵁ يروي لنا مبايعته للنبي ﷺ فيقول: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)، وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ هو الذي زاده في بيعته: (والنصح لكل مسلم). ولنعلم أيضاً الحديث المشهور المروي عن أبي هريرة ﵁ في ذكر حقوق المسلم على المسلم ومنها: (إذا استنصحك فانصحه أو فانصح له) فهذه حقوق وواجبات، وهذه معالم وسمات ينبغي للمسلم أن يرتبط بها، وأن يحرص عليها، فما معنى نصحك لإخوانك المسلمين؟ وأي دلالة تؤديها هذه الكلمة؟ إنها ليست مجرد كلمات عابرة تقولها أو أمراً أو تذكيراً تقوله مرة واحدة أو في شأن واحد، بل الأمر أوسع من ذلك وأرحب. وأقف بك -أخي المسلم- مع قول الإمام النووي في بيان ما يجب عليك من النصح لإخوانك المسلمين؛ لترى أن في هذا الأمر من العظمة والاتساع والتنوع والتعدد ما هو جدير أن تلتفت له، وأن تعتني به، وأن تبذل فيه من جهدك وطاقتك وعلمك ووقتك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. هذا الإمام النووي رحمة الله عليه يقول في شأن النصيحة للمسلمين: إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره لهم ما يكرهه لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك. فانظر -رحمك الله- إلى عظيم هذه الأمور والواجبات، وإلى ما ينبغي أن يشيع بيننا من النصائح والمواعظ والأمر والنهي؛ فإن ذلك كما أخبر النبي ﷺ أنه الدين، أي: قوامه وأساسه وغالبه.

стр. 1206

فضل المسلم الناصح هذا الفضيل بن عياض أحد أئمة التابعين يبين لنا ويرشدنا فيقول: ما أدرك عندنا من أدرك بكثير صلاة ولا صيام، وإنما أدرك من عندنا بسخاء النفس، وسلامة الصدر، والنصح للأمة. لا يبلغ المسلم المراتب العالية بمجرد كثرة صلاته وصيامه -وإن كان هذا مما يؤمر به- ولكن بسخاء النفس، وسلامة الصدر، والنصح للأمة، فإن هذه هي المعاني الإيمانية القلبية والمعالم التربوية النفسية وأثرها الظاهر في النصح للأمة والإخلاص لها. وعن الحسن البصري رحمة الله عليه أنه قال: لو شئتم أن أقسم لكم لأقسمن: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، والذين يحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة. ويقول في مقالة أخرى: يجب عليك لأهل قبلتك أربع: تعين محسنهم، وتحب تائبهم، وتستغفر لمذنبهم، وتدعو لمدبرهم. فانظر -رحمك الله- إلى هذه الكلمات كم فيها من الإشراقات والأنوار، وكم فيها من بيان الإيمان وصفاء القلب، وكم فيها من تهذيب النفس وطهارتها! إن واجبك تجاه إخوانك أن تعين المحسن على إحسانه، وأن تحب التائب لإقلاعه، وأن تكون مستغفراً للمذنب رجاء أن يعفو الله عنه، وأن تدعو المدبر، وأن تسير في إثره، وأن تلح عليه، وأن تلحقه وتدركه علك أن تكون سبباً في إنقاذه من النار بنصحك له ودعوتك له، فهذه كلها من الأمور المهمة.

стр. 1207

الفرق بين النصيحة والفضيحة ووقفتنا التي نفرق فيها بين ما ينبغي وما لا ينبغي، وما ندعو إليه وما نحذر منه، وبين ما بين لنا الشارع محاسنه وبين ما حذرنا من مساوئه؛ هي تلك النصيحة عندما تنقلب إلى فضيحة، وعندما يجهر بها في المجالس، وتشاع في المجامع، وتعلن بالصوت المرتفع، وتجبه بالأسلوب السيئ البغيض المنفر، فليست حينئذ تؤدي أثرها، ولا تكون على صواب وسواء في نهجها. فهذا الفضيل بن عياض يبين لنا الفرق فيقول: إن المؤمن يستر وينصح، وإن المنافق والفاجر يهتك ويعير. فإن كنت مؤمناً مخلصاً في محبتك لإخوانك فاستر عليهم قصورهم وعيوبهم، ثم اخلص بالأسلوب الحسن والحكمة والموعظة الحسنة إلى قلوبهم وإلى آذانهم وإلى عقولهم، وانصحهم بالتي هي أحسن، فإن سترك عليهم مظنة قبولهم منك، وإن سترك عليهم عون لهم على الإقلاع عن الذنوب. أما التجرؤ بهتك أستار الناس والتلفظ بمعايبهم على سبيل التنقص والتعيير فليس من النصيحة في شيء، وقد نقل ابن رجب عن السلف أنهم كانوا يقولون: من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره. ونقل عن سلف الأمة أنهم كانوا يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه، أي: على وجه الإعلان والمجابهة وإشهار العيوب، قال: ويحبون أن يكون الأمر سراً بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النصح، فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها. فإن كنت مخلصاً فما الفائدة في إعلان المعايب؟ وما الذي يرجى من إشهار الأخطاء؟ وإن كنت تريد التغيير ومنع الواقع في المنكر عن منكره فالطريق الشرعي أن تفضي بنقدك له مباشرة، وأن تسر له بالنصيحة بينك وبينه، فإن ذلك أدعى للقبول وحصول التأثير. وبعض الناس بحجة النصيحة يقعون في الفضيحة، وبحجة إحقاق الحق يقعون في عين الباطل، فتجد بعضهم كأنما يذيع نشرة أخبار يقول عن هذا كذا وعن ذاك كذا، وهذا فعل كيت وكيت، وذاك قال كذا وكذا، وقد اطلعت من هذا على هذا وهذا! وما تجلس في مجلس إلا وتسمع منه من الكلمات والفحش ما هو محذور، وما هو خطر جليل عظيم. إن الله جل وعلا يحذرنا بقوله جل وعلا: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦]، قال ابن عباس وغيره من سلف الأمة في تفسير هذه الآية: القول الخبيث والكلمات الخبيثة للخبيثين. وقال ابن جرير مرجحاً هذا المعنى: لا يصدر القول القبيح إلا من القبيح، ولا يصدر القول الطيب إلا من الطيب. والنبي ﷺ -كما في حديث أبي برزة الذي رواه أبو داود والإمام أحمد وسنده صحيح- يحذرنا من هذا تحذيراً لو تأمله المسلم لما تجرأ على هتك أعراض إخوانه وفضحهم بحجج وهمية وبمناهج فيها من الخطأ ما فيها، يقول ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عورات المسلمين يتتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته)، فقوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه) أي: لم يخلص الإيمان إلى التمكن من قلبه والتأثير في نفسه وظهور آثاره في فعله، قال: (لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتتبع عورات المسلمين يتتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته) فهل بعد هذا البيان من بيان؟ وهل بعد هذا التحذير والوعيد من وعيد؟

стр. 1208

المحاذير التي تحصل بسبب النصيحة العلنية فانظر -أخي المسلم- إلى المحاذير والآثار التي تقع من هذا العمل: إن القائل بالنصيحة على رءوس الأشهاد، والمعلن للأخطاء في المحافل والمجامع، والمكرر لهذا الفعل في سائر أوقاته وأحواله يرتكب أموراً فيها محاذير شرعية كثيرة:

стр. 1209

سوء الظن بالمسلمين الأمر الأول: سوء الظن بالمسلمين: لأن هذا هو المذهب الذي يدفعه إلى ما بعده، والله جل وعلا قد قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، وفي الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث).

стр. 1210

التجسس الأمر الثاني: التجسس: لأن سوء الظن يدفعه إلى أن يتحقق بزعمه، فيبحث مستمعاً متنصتاً، أو ناظراً متجسساً، أو باحثاً متعقباً عن عورات المسلمين وعن سقطاتهم وعن فلتات كلماتهم، بل ربما تجرأ فدخل بكلامه إلى داخل قلوبهم وإلى خبايا نياتهم، والله جل وعلا قال: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢]، والنبي ﷺ : (ولا تجسسوا، ولا تحسسوا).

стр. 1211

الغيبة الأمر الثالث: أمر الغيبة: وقد حذر النبي ﷺ من الغيبة، كما في الصحيح أنه سئل: (يا رسول الله! وما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، فليست الغيبة أن تقول شيئاً في حقيقته كذب، بل الغيبة أن تقول شيئاً صحيحاً، لكنك تخالف بإشاعة هذا الأمر، ولا تجعل طريقك الصحيح بالنصح المباشر إلى الواقع في المنكر.

стр. 1212

عدم التثبت من الأقوال والأفعال الأمر الرابع: ترك الأمر القرآني في التثبت من الأقوال والأعمال والأحوال: فإن الله جل وعلا قد قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]، وكثير من ناقلي هذه الأقوال إنما ينقلون أقوالاً لا خطام لها ولا زمام، فإن قلت له: هل سمعت بنفسك، أو رأيت بعينك؟ قال: بل قالوا! ويسند إلى مجاهيل لا تعلمهم، أو ثقات عنده، وحسبك بتوثيقهم أنهم مجروحون، كما قال عمر بن عبد العزيز عندما بلّغه بعض الناس خبراً عن آخرين: إن كنت كاذباً فحسبك بالكذب إثماً، وإن كنت صادقاً فحسبك بالنميمة إثماً. فنقل الخبر على سبيل التنقص والتعيير وإشهار العيوب إنما هو من هذا الجانب.

стр. 1213

عدم الستر على المسلم الأمر الخامس: مخالفتهم لهدي النبي ﷺ وأمره بالستر على المسلمين: فأين نحن من هذا النداء الذي حضنا فيه النبي ﷺ على الستر، كما في الحديث الصحيح أنه قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن فرج عن مسلم فرج الله عنه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)؟ فلم يجترئ ذلك الفاعل على فضح المسلم؟ نسأل الله السلامة.

стр. 1214

الفحش والبذاءة الأمر السادس: وقوعه في محظور آخر لا يليق بالمسلم، وقد تنزه عنه النبي ﷺ وبين فظاعته وحذر منه، وهو الفحش في القول؛ لأن كثيراً من الناس يقولون: فلان قال كذا وكذا، ثم ينقلون الألفاظ البذيئة، وقد يصفون الأفعال القبيحة، فهم بأنفسهم يقولون هذه المقالات، ويصفون هذه الأعمال التي لا ينبغي أن تكون على لسان المؤمن، ولا في مجامع المسلمين. فلا ينبغي أن توصف الفواحش وأن تذكر الأقوال البذيئة؛ هذا مما ينبغي أن تصان عنه المجالس. وأن تحمى منه القلوب والنفوس، والنبي ﷺ قال: (إياكم والفحش والتفحش!)، ولم يكن النبي ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً ولا طعاناً ولا صخاباً في الأسواق، كما في ورد في وصفه ﵊.

стр. 1215

الآثار المترتبة على قلب النصيحة إلى فضيحة فانظر -رحمك الله- كم من المحظورات قد ارتُكبت عندما فُعل هذا الفعل؟ ثم انظر مرة أخرى إلى الآثار المترتبة على انقلاب النصيحة إلى فضيحة:

стр. 1216

عدم قبول النصيحة أولاً: عدم القبول لهذه النصيحة: لأن النفوس تصد عما يكون فيه إظهار لعيبها، وإشهار لخطئها، فإذا نصحت الرجل في الملأ من الناس أو أظهرت عيبه من ورائه فغالب الأحوال أنه لا يرتدع، بل يصر ويمضي على معصيته، ويبقى على مخالفته، ثم قد يلتمس لها تأويلاً، وقد يبحث لها عن دليل؛ وما ذلك إلا بسبب ما وقع في نفسه من أثر سوء فعلك ومن أثر فضحك له.

стр. 1217

تغير القلوب الأمر الثاني: تغير القلوب وحصول الشحناء والبغضاء، وشيوع سوء الظن والريبة بين الناس: فإن الذي فضحته لا شك أنه في الغالب يضمر لك في قلبه كرهاً، ويحمل لك في نفسه شراً، والآخرون الذين سمعوا تغيرت قلوبهم، وزادت ريبتهم، وتحقق تخوفهم وحذرهم، فيحصل من وراء ذلك ما لا يليق بأمة الإسلام من إساءة الظن، وتتبع العثرات، وترقب المحاذير والمعايب، وهذا كله فساد لأصل المودة والأخوة الإيمانية الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وهذا يبعث على تغير القلوب. وفي حديث معاوية ﵁ الذي رواه أبو داود وابن حبان بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم)، أي: إنك تعلمهم كيف يسيئون الظن بغيرهم، وتعلمهم كيف يجترئون على حرمات إخوانهم، وتعلمهم كيف تنصرف ألسنتهم بالغيبة من أثر هذا الفعل، وكم في إفساد القلوب وإفساد النوايا والطوايا بين أهل الإسلام وأهل الإيمان من آثار وخيمة وعواقب عظيمة!

стр. 1218

إشاعة الفاحشة الأمر الثالث: إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا: فالله جل وعلا قد نهى عن ذلك وحذر منه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة﴾ [النور:١٩]، فهذا التحذير معناه: ألا يذكر المرء وقوع الفواحش، وألا يذكر من ذكرها؛ حتى لا يكون في ذلك تسهيل للناس إلى الوقوع فيها، أو إرشاد لهم إلى طرائقها، أو تهوين من خطرها وفظاعتها، أو عدم التفات لما وقع في الآيات والأحاديث من التحذير منها، وذلك كله من أعظم الأمور وأخطرها، ولذلك ورد عن بعض السلف في شأن إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا أنه قال: اجتهدوا أن تستروا العصاة؛ فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام، أي أنه يظهر المجتمع المسلم كأنه مجتمع فحش وجرائم وأمور لا تليق بصفاء القلوب ولا بنقاء السرائر ولا بالصلة بالله؛ فينبغي أن يحذر المرء من ذلك.

стр. 1219

الاشتغال بعيوب الآخرين عن عيوب النفس الأمر الرابع: انشغال مثل هؤلاء الناس بعيوب غيرهم عن عيوبهم: وحسبك بهذا أثراً خطيراً؛ لأن كثيراً من أولئك قد تفرغ في وقته وفكره لتتبع أخطاء الناس وفضحهم بحجة أنه يظهر الحق، وهذا في غالب الأحوال ينسى نفسه، ويغض الطرف عن عيبه، ويقسو بذلك قلبه، وقد قال ابن رجب: فشتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة. أما صاحب العقل الصحيح والقلب الحي فإنه يدرك ويفرق بين ما هو نصيحة وبين هو فضيحة. وعن الحسن البصري أنه قال: من سمع بفاحشة فأفشاها كان كمن أتاها، وما تزال الفاحشة تفشو بين المؤمنين حتى تصل إلى الصالحين فهم خزانها. أي: يمسكون عن نشرها وإشاعتها لئلا يسهل على الناس ذكر مثل هذه الأمور. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل النصح والإخلاص، وأن يجعلنا ممن يجتنبون هذه المحاذير ويبتعدون عن هذه الآثار، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1220

وقفات من هدي السلف وتوجيهاتهم في باب النصيحة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ، وإن من التقوى إخلاص النصح لأخيك المسلم على الوجه الشرعي، وإن من التقوى تجنب هتك ستر المسلم وفضحه على رءوس الأشهاد إلا ما كان محتاجاً إليه منصوصاً عليه لك فيه مستند من شرع الله جل وعلا، وذلك ليس إلا في النادر من الحالات التي ذكرها أهل العلم، وإلا فإن النبي ﷺ كان كثيراً ما يقول: (ما بال أقوام يفعلون أو يقولون كذا وكذا؟)، فبيانك الأمر مغنٍ عن بيان فاعله أو قائله إن كنت تريد الإصلاح والنصح والتغيير بما يرضي الله . وأقف أيضاً وقفات يسيرة مع أقوال سلفنا وتوجيهاتهم وإرشاداتهم، وهم القوم الذين قد عظم الإيمان في قلوبهم، وغزر علمهم، وصح عندنا حسن اعتقادهم، وظهر لنا كثير من آثار تقواهم وورعهم، فهم ممن نستهدي بهديهم وممن نقتفي آثارهم: هذا أبو بكر عبد الله بن عبد الله المزني يقول ناصحاً لنا وموجهاً كلمات جميلة انتخبت بعضاً منها: احملوا إخوانكم على ما كان فيهم، كما تحبون أن يحملوكم على ما كان فيكم، وإذا رأيت من هو أكبر منك سناً فقل: هذا خير مني؛ قد صام وصلى وعبد الله قبلي، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: هو أحدث مني سناً، وأقل ذنوباً، واتخذ أكبر المسلمين لك أباً وأوسطهم لك أخاً وأصغرهم لك ابناً، أوتحب أن تعذب الطفل الصغير، أو تظلم الشيخ الكبير؟ ولتشتغل بذنوبك عن ذنوب العباد، واشتغل بالتوبة والاستغفار، وليسعك ما أنعم الله به عليك عما أنعم به على العباد، واشتغل فيه بالحمد والذكر والشكر، ولا تنظروا لذنوب الناس كالأرباب، وانظروا إلى ذنوبكم كالعبيد. وأحب أيضاً أن أنبه إلى ما نبه إليه الصحابي الجليل أبو الدرداء ﵁ في مقالة عظيمة مؤثرة اقتبسها من هدي رسول الله ﷺ ، وتحتاج منا إلى التأمل والانتباه! يقول فيها: (أيما رجل أشاع على امرئ مسلم كلمة هو منها بريء؛ ليشينه بها، كان حقاً على الله أن يعذبه بها يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال)، وهذا اقتباس من حديث رسول الله ﷺ الطويل الذي رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه البيهقي في سننه عن ابن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال في ضمن حديثه: (ومن بهت مؤمناً -أي: قال فيه بهتاناً وافتراءً ما ليس فيه- حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي فيما قال بمخرج وليس بخارج). وهذا التحذير يبين لنا ما يترخص فيه بعض الناس من إشاعة القول من غير تثبت ولا بينة، بل بعضهم قد يعلم كذب القول ويشيعه، وذلك له أسباب ودوافع ليس هذا المقام مقام ذكرها، ومن أكثرها: الحسد لأهل الخير والصلاح، أو لمن يوفقه الله لإرشاد أو لإصلاح أو لتقدم في أمر من الأمور، فإن الحسد يوغر الصدور، ويحمل على ارتكاب عظائم الأمور. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يرشدنا إلى تحقيق هذه المعاني الإيمانية التي ينبغي أن ننتبه لها حيث قال: (لا تعجبكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل). وروى ابن أبي الشيخ في (التوبيخ والتنبيه) عن أعرابي أنه قال: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، فمن نطق بقبح فإنما استمده من قبح ما في قلبه، ومن نطق بفحش فإنما ذلك استمداد من قلبه. والله يعلم إن قلبي لك شاكر ولساني لك ذاكر، وهيهات أن يظهر الود المستقيم في القلب السقيم؛ فإن القلب المريض الذي قد غشه صاحبه بالبغض لأهل الإيمان أو الحسد لأهل السبق في الخيرات إنما يصدر عنه -غالباً- ما لا يكون لائقاً بالمسلم. وهذا أكثم بن صيفي ينصح بنيه قائلاً: يا بني! كفوا عن ذكر مساوئ الناس تصف لكم صدورهم. فالنصيحة أيها الأخ المسلم! مطلوبة منك وواجبة عليك، لكنك ينبغي أن تخلص فيها لله أولاً، وأن تكون فيها على هدي رسول الله ﷺ ثانياً، وأن تمضي في تكرارها والثبات عليها ثالثاً، وأن تحذر أن يخالط قلبك شيء مما حذر الله ورسوله منه، أو أن يخالط قلبك ما لا ينبغي أن يكون تجاه أخيك المسلم؛ فإنك تبغض منه معصيته، وتحب منه ما كان من طاعته، وتود من قلبك لو أقلع عن المعصية؛ فإن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. واحذر مما يقع فيه كثير من الناس من الفضح، والهتك، والتجسس، والغيبة، وإشاعة الفواحش، وكن واقفاً لأولئك القوم بالمرصاد نصحاً لله ولرسوله، وبين لهم الآثار الوخيمة، وبين لهم المحاذير الشرعية التي يقعون فيها أثناء ذلك، فسلف الأمة -كما أثر عن كثير من علمائهم وفضلائهم- كانوا لا يغتابون أحداً، ولا يسمحون في مجالسهم أن يُغتاب أحد، فإن تكلم أحد نهوه، فإن سكت وإلا قاموا من المجلس؛ لئلا يكونوا في ذلك مشاركين. واعلم أخي المسلم! أن من أعظم الحرمات حرمة المسلم في عرضه وماله ودمه، فقد جاءت النصوص حافظة لهذا المعنى معظمة له، فاحذر أن تكون واقعاً في هذا، والله أسأل أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح. اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب. اللهم وفقنا للصالحات والخيرات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آتٍ. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا الخيرات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وامح عنا السيئات، وأقل لنا العثرات يا رب العالمين. اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية. اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، ولا تخزنا اللهم يوم العرض عليك. اللهم اجعلنا ممن أخلصوا دينهم لك، اللهم اجعلنا ممن حرصوا على اتباع سنة نبيك ﷺ . اللهم اجعلنا من الناصحين لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم يا رب العالمين. اللهم اجعلنا من القائلين بالحق والداعين إلى الخير والمتبعين لهدي رسول الله ﷺ . اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، برحمتك وقوتك يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، اللهم نكس راياتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، اللهم أبطل مكرهم، اللهم رد كيدهم في نحورهم، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك اللهم في نحورهم، اللهم أنزل بهم سخطك وعذابك وبأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والأسرى والمسجونين، والمشردين والمبعدين. اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، والأطفال الرضع، والشيوخ الركع، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم قرب فرجهم، ونفس كربهم، وفرج همهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، جائعون فأطعمهم، مشردون فسكنهم، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين. عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! والحمد لله رب العالمين.

стр. 1221

المسلم بين الظن واليقين اليقين أمر مطلوب، وواجب على العبد أن يكون على يقين في إيمانه واعتقاده وعبادته وقبوله ونقله للأخبار، فأهل الظنون والشكوك لا ينظرون إلى العاقبة، ولا يدرون ما يحمله ظنهم من أثر على نفوسهم، وضعف في قلوبهم، وشك في أمرهم، فتجد اعتقادهم مهزوزاً، وإيمانهم مشكوكاً، وهكذا عاقبة كل من لم يسلم إلى نصوص الوحي أمره، ويقدر كتاب الله حق قدره، ويعظم سنة محمد ﷺ حق التعظيم.

стр. 1222

حقيقة الظن في الشرع الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، رفع السموات بلا عمد وبسط الأرض ومد، وأفاض النعم بلا حصر وعد، أحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، نحمده جل وعلا حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، ودعا إلى الطاعة والإيمان، ووعد عند الاستجابة بالنعيم في الجنان، ونهى عن الكفر والجحود وتوعد على ذلك بعذاب النيران. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وبعثه كافة للناس أجمعين، ورحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد:

стр. 1223

تعريف الظن في الشرع أيها الإخوة المؤمنون! حديث اليوم: المسلم بين الظن والقين: نستكمل به صورة الملامح الأساسية للشخصية الإسلامية، وقد سلف لنا حديث عن المسلم بين الفردية والجماعية، واليوم نقف هذه الوقفة مع هذا الموضوع الذي له أهمية كبيرة؛ لما له من تعلق بالواقع في التصورات والاعتقادات، ولما له من صلة وطيدة بالطاعات والعبادات، ولما له من أثر واضح في الممارسات والسلوكيات. فالظن: قصور عن العلم القاطع، وعدول عن الدليل الساطع، ورجم بالغيب، واعتساف في غير حق، ولذلك فإن الله جل وعلا قد بين لنا صورة الظن وحقيقته، حتى ندرك أن المسلم ينبغي ألا يكون من أهل الظنون، ولا من أهل الشك والارتياب، وإنما من أهل العلم واليقين بإذن الله . يقول جل وعلا: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس:٣٦]، فالحق أمر واضح قاطع، له الأدلة الساطعة، وله مصداقيته في الواقع، والظن بعيد عن هذا، لا يغني عن الحق شيئاً، ولا يكون عنه بديلاً. ويقول الله جل وعلا في شأن أهل الكتاب، وما رجموا به من الظنون، وما انحرفوا به من العقائد: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء:١٥٧].

стр. 1224

أثر الظنون على الناس ويبين الله أن الظنون تعصف بالناس عصفاً، وتأخذ بالعقول أخذاً إلا من رحم الله من أهل الإيمان ومن اعتصم بمنهج القرآن وتابع المصطفى ﷺ : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦]. إنهم أقوام رضوا بالتلفيق، وأخذوا بالتشكيك، وما عرفوا النور في آيات الله ، وما عرفوا الاستقامة في منهج رسول الله ﷺ ، وما عرفوا الثبات على الحق والاعتصام به؛ لأنه الطريق الموصل إلى رضوان الله من غير حيرة ولا اضطراب، ومن غير شك ولا ارتياب.

стр. 1225

الظن صورة من صور الجاهلية والله يبين لنا أن الظن في حقيقة أمره إنما هو صورة من صور الجاهلية التي لا تعرف لله قدراً، ولا لرسوله ﷺ وقاراً، ولا تأخذ من نهج كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فهو يقول جل وعلا: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: كما يظن أهل الجاهلية في الله . ويقول جل وعلا: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]، فالظن والهوى شيء آخر يختلف عما جاء به الله من الهدى والحق واليقين. ومن ثم أخي المسلم! لابد أن تكون من أهل الإيمان واليقين، من أهل العلم والمعرفة والحجة، لا تكن ممن يرجمون بالغيب، ويظنون ظن السوء.

стр. 1226

وجوب الاستمساك باليقين في الإيمان وانظر إلى الملامح المنهجية في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، لتدرك أنه لابد لك من الاستمساك باليقين، والبعد عن الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً في أمر الاعتقاد والعبادة، وفي أمر الإيمان، وهو أساس حياة الإنسان المسلم. يقول جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، إنه إيمان مبني على يقين، وعلى دليل واضح، وعلى حجج وبراهين ساطعة، ينبغي أن يكون هذا هو ديدنك لتدخل في وصف أهل الإيمان الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٤]، واليقين: علم جازم لا يخالطه شك، ولا يمازجه ريب، ولا يغيره ظرف ولا يبدله قهر، ولا إجبار؛ لأنه مستند إلى أسس ثابتة، وإلى أدلة قاطعة لا تتغير مطلقاً؛ لأن الله قد جعلها آيات تتلى في كتابه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثم إن الله جل وعلا قد جعل في هذه الحياة الدنيا من آياته ومن خلقه شواهد تدل على وجوده وتنبئ عن عظيم صفاته وكماله ، حتى يصل المؤمن إلى اليقين، وحتى يرى هذه الأدلة المبسوطة في كتاب الله ، والأمثلة التي ضربها النبي ﷺ لأصحابه عندما وبين لهم المنهج الحق بالاعتقاد الصحيح بالله ، يقول جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥]، فإنه لا رضا بدون منزلة اليقين في الإيمان والثبات عليه، والاعتقاد الجازم به. ويقول جل وعلا لسائر الخلق أجمعين: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠]، ينبغي أن تكون على بينة من أمرك وعلى وضوح في اعتقادك، لا يمكن للمسلم أن يجعل في إيمانه شكاً، أو أن يدخل في يقينه ظناً، فإن ذلك هو عين الانحراف وهو مبدأ الشرك، وهو طريق الجنوح عن التوحيد الخالص لله ، ولذلك لابد أن يكون موقفك أخي المسلم! موقف الرافض لكل تشكيك في دين الله، وإن كثر القائلون به، وإن كثر الداعون إليه، وإن كثر الملبسون فيه: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، لو كفرت الدنيا كلها، ولو شك البشر جميعاً في حقائق الإيمان الثابتة بالآيات القرآنية القاطعة ما تزحزح المؤمن عن إيمانه قيد شعرة، ولا شك في دينه قيد أنملة؛ لأنه على بينة من ربه . ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]، هذا المنهج مرفوض عند المسلم ليس له مكان، إذا جاء الحشد الكبير، وإذا جاءت الشبه المتكاثرة فإنها لا قيمة لها عنده، أما أهل الزيغ وضعف الإيمان وأهل قلة العلم، فإنهم يميدون شمالاً ويميناً، وإنهم يضطربون فيقولون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]. بل لابد لك -أيها المسلم- ألا تلقي بهذه الأمور جانباً فحسب، بل ينبغي أن تدحضها بالآيات والأدلة الواضحة، وأن تكون على بينة من أمرك تحفظ بها إيمانك، بل وتستطيع أن تكشف زيغ الزائغين، وضلال المبطلين، كما قال جل وعلا: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم:١٠]، هؤلاء الرسل جابهوا أهل الشك فيما شكوا فيه، وأقاموا الأدلة حتى بينوا بطلان قولهم، فينبغي أن تكون كذلك أيها المسلم! ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج:٣ - ٤]. لابد أن تدرك أن عندك من الحق ما يدحض الباطل، وأن عندك من نور الوحي ما يبدد كل ظلام للشبهة مهما تكاثف، لابد أن تكون على يقين قوي راسخ بما عندك من الحق، وأنه هو الكمال، وأنه هو الدين الذي يرتضيه الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، لاشك في ذلك ولا ارتياب، وهو الكمال كما قال جل وعلا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. وانظر يميناً ويساراً، وانظر في كثير من بقاع الأرض، وانظر إلى كثير من أحوال المسلمين لترى كيف تسرب الشك إلى نفوسهم؟ وكيف دب الضعف إلى إيمانهم؟ وكيف صاروا في حيرة من أمرهم؟ ذلك أنهم لم يأخذوا اليقين من منبعه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ذلك أنهم أصغوا آذانهم للباطل، وجعلوا قلوبهم نهباً للشهوات والشبهات، تعمل فيها فتفتك بما فيها من إيمان، لأنه إيمان وراثة وعادة، ولم يكن إيمان يقين وعبادة لله . ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:٦٥]، ويخاطبهم الله جل وعلا ليبين لنا الطريق الذي ندحض بها حجج المبطلين: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران:٦٦]، وأكثر المتكلمين بغير الإسلام وبغير القرآن والسنة في أمور الاعتقاد وفي أمور الكون وفي أمور الآخرة، إنما هم ممن يظنون ظناً وما هم بمستيقنين، إنما هم من المتبعين للظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، إنما هم من أهل الظن الذي هو ظن الجاهلية، وقد كثرت الأقوال في مجتمعات المسلمين حتى بدت تزاحم -عند من ليس عنده ثبات- كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وصار الناس يأخذون من زيد وعمرو، ويأخذون من شرق وغرب، ويقارنون ويقابلون؛ فاضطربوا وتحيروا وزاغوا، وكثرت في مجتمعات المسلمين صور الشرك والانحراف العقدي، وانتشرت بينهم البدع، وتمكنت منهم الخرافات، وصاروا ألعوبة في أيدي أهل الأهواء، وأهل الباطل، وأهل المصالح الذاتية، ذلك أنه إذا لم يكن هناك يقين فهناك مهاوٍ كثيرة، ومشارب عدة مختلفة يبقى فيها الإنسان حائراً مضطرباً حتى يأذن الله أن يرده إلى الحق بإذنه . فهذا أمر اليقين في الاعتقاد.

стр. 1227

وجوب الاستمساك باليقين في العبادات وأنتقل بك أخي المسلم إلى أمر العبادة، فلابد أن تكون فيها على يقين، وقد يعجب بعضكم ويتساءل: هل نحن في شك مما افترض الله علينا؟! فأقول: إن بعض ما سأشير إليه يبين الواقع أن الارتباط به، والمعرفة له، والثبات عليه ليس كما ينبغي أن يكون من أهل الإسلام والإيمان. فينبغي أن تكون على يقين بفرضية العبادة وأهميتها، وانظر أمثلة حية لذلك في سير السلف الصالح رضوان الله عليهم: كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، أي أنه قد بلغ به الإعياء والمرض والتعب مبلغاً لا يستطيع معه أن يسير إلا معتمداً على رجل عن يمينه وآخر عن شماله. كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقف في الصف ليكون مع الجماعة، أولئك قوم عرفوا الفرضية واستيقنوها، أما الذي ينام ملء عينيه وهو يسمع الأذان ويسمع الإقامة، أفيكون يقين هذا قد استكمل في عبادته وفرضية الله لها عليه؟! والنبي ﷺ عندما يحذرنا ويبين لنا خطورة ترك العبادة أو الصلاة على وجه الخصوص من بين أنواع العبادة إنما يدلنا على الأهمية، وعلى أن اليقين ينبغي أن يبلغ بها مبلغاً عظيماً، فيقول ﵊ كما في الصحيح: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)، هذا التهديد والوعيد العظيم يدل على أن أولئك القوم قد قصروا تقصيراً، وفرطوا تفريطاً، ولم يبلغوا من الارتباط واليقين بفرضية العبادة وأهميتها ما ينبغي أن يكون عليه المسلم. ولابد لك أيضاً من يقين بأثر العبادة ونفعها، ولذلك صور عملية، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]. التطبيق العملي من النبي ﵊ أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، أي: كلما وقعت معضلة، كلما حصلت مشكلة، كلما حصل بلاء كان الفزع والالتجاء إلى الله بالصلاة، تحققاً باليقين في أثر هذه العبادة وفي نفعها؛ لأن النبي ﷺ قد قال: (الدعاء مخ العبادة) والصلاة فيها الذل والخضوع، وفيها الانكسار والتضرع، وفيها الدعاء والمناجاة لله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. فهل نحن يقيناً نطبق مثل هذه المعاني الواضحة في الآيات القرآنية، أم أن كثيراً من المسلمين إذا وقعت به مشكلة لجأ إلى هذا وذاك، وفكر في مخرج من هنا وهناك، والتمس طريقاً من يمين ويسار، ولم يتوجه قلبه للارتباط بالله والدعاء له. نحن قد رأينا في تاريخ أمة الإسلام أموراً عجيبة وفريدة تدل على كمال اليقين في هذا، ألم يقف النبي ﷺ -وقد وعد بالنصر في يوم بدر، لما دنا الأمر وأوشكت الصفوف أن تلتحم، ويرفع يديه إلى السماء يقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم أنجز وعدك الذي وعدتني)، ويلح في الدعاء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه ﷺ ؟ إنه التطبيق العملي الذي يدل على اليقين الراسخ، أين نحن من الدعاء في مواطن البلاء؟ أين نحن من الالتجاء لله عند حلول الفتن؟ أم أن الذي يحصل في واقع كثير من بيئتنا نوع من الجدال والاختلاف والنزاع، وتفرق الآراء، وتعدد الأهواء، وننسى ربنا ، وننسى يقيننا بعبادتنا. ثم انظر إلى اليقين الذي ينبغي أن يكون أثره ونفعه في أمر تتعلق به النفوس، وترتبط به القلوب في إخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]. لابد أن نوقن بهذا المعنى، وأن هذه الفريضة فيها تطهير للنفس من أوضارها ومن أمراضها وأخلاطها، تطهير من البخل والشح والحسد والبغضاء، وأن فيها نماء للمال ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، كما أخبر النبي ﷺ أيضاً فقال: (ما نقص مال من صدقة) فهل عندما نخرج زكاتنا، أو نخرج بعضاً من أموالنا يكون في قلوبنا ذلك اليقين الذي كان في قلب أبي بكر ﵁ لما تصدق بماله كله في سبيل الله ، فسأله النبي ﷺ : (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟! قال: أبقيت لهم الله ورسوله)؟ ذلك هو اليقين الراسخ، لا الظن الذي يقع منا اليوم، فنخرج المال من جهة ونحسب الحسابات من جهة أخرى، ونؤمن للمستقبل من جهة ثالثة، ونعد لما قد يحصل من أمور وظروف؛ لأن اليقين قد ضعف؛ ولأن الظن قد تسرب إلى النفوس؛ ولأن الثقة بالله لم تبلغ المبلغ الذي كان عليه صحب محمد ﷺ .

стр. 1228

منهجية الإسلام في تلقي الأخبار

стр. 1229

وجوب التثبت في الأقوال ونقل الأخبار الظن يقع في مجال ثالث هو من أكثر المجالات التي يقع فيها الاضطراب في مجتمع المسلمين اليوم، في واقع الأخبار تلقياً ونقلاً. ما هو منهجك -أيها المسلم- في هذا الأمر المهم؟ كيف تتلقى الأخبار؟ وكيف تعرف الوقائع؟ هل أنت ممن يأخذون بالظنون، ويقبلون الأقوال دون بينة أو حجة؟ أين أنت من المنهج القرآني والمسلك النبوي؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]. والنبي ﷺ في موقف عصيب وشديد يرفع لنا هذا الشعار لئلا نأخذ أي خبر دون تمحيص، ودون اختبار ودون تحقق ولو كان المخبر لنا ممن نحسن به ظناً، فلابد أن يكون عندنا ذلك المنهج في التروي والتثبت والتحقق، يأتي أحد الصحابة وقد رأى أمراً فظيعاً هائلاً خطيراً، وقد رأى مع زوجته رجلاً، فأتى إلى النبي ﷺ وقد غلا الدم في عروقه وانتفخت أوداجه من شدة الغضب، يقول للنبي ﷺ : كذا وكذا وكذا، فيقول له النبي ﵊: (البينة أو حد في ظهرك). إن هذا أمر عظيم! إنها تهمة خطيرة! لابد من الدليل الذي لا ينزل عن مرتبة اليقين حسبما ثبت في الشرع من لزوم أربعة شهود في مثل هذا الأمر، فإن الأمور لا تلقى على عواهنها، وإن الأقوال لا تطلق حسب ما تطلقها ألسنة القائلين بها؛ لأننا نحن أهل إيمان أهل برهان أهل دليل لا يمكن أن نقبل أي قول وخاصة إن جاءت هذه الأقوال من المجروحين أو المنكرين أو غير المعروفين بالصلاح والاستقامة، أو تلقفتها الآذان من إذاعات شرقية أو غربية لا تدين بدين الإسلام، بل قد يكون عندها مكر به وإرادة سوء بأهله، فينبغي أن يكون هذا دأبنا وهذا نهجنا. ثم في نقل الأخبار يأتينا حديث النبي ﷺ في صحيح الإمام مسلم: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)، ما بال الألسنة لاغية؟ ما بالها لا تسمع خبراً حتى تذيعه في كل مكان، وحتى تنطق به في كل مجلس قبل أن تتثبت منه، وقبل أن تنظر بعد التثبت إلى آثاره الإيجابية والسلبية؟! يقول النبي ﷺ كما أخرج البخاري في الأدب المفرد: (بئس مطية الرجل زعموا). كثيراً ما تسمع قولاً فتسأل قائله: هل رأيت بأم عينيك؟ هل سمعت بأذنيك؟ هل حضرت بنفسك؟ فيقول: كلا، بل قالوا أو زعموا أو أخبروني من أولئك القوم؟ إننا لا نريد هذا المنهج الذي سرت بسببه كثير من الفتن، وكثير من صور الإرجاف في مجتمع المسلمين، والله جل وعلا قد بين لنا أن هذا الاستناد باطل: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٢]، يقولون ويقولون ويقولون، يقصون ويقصون ويقصون، يزعمون ويذيعون، لا يعنينا من ذلك إلا ما دل الدليل عليه أو ما احتفت به القرائن.

стр. 1230

كيف نتلقى الأخبار بحسبنا أن نحسن كيف نتلقى الأخبار، كما يحسن بنا أن نحسن كيف ننقلها، وإلى من ننقلها، وكيف نعرضها؟ حتى لا يقع من وراء ذلك ما لا تحمد عقباه، والله قد قص علينا قصة عظيمة تتعلق بهذا الجانب، وبالجانب الذي هو مرتبط به وهو جانب معاملة المسلمين، وأنت وأنا وبعض منا قد يقع منه ظن السوء في هذا وذاك، وقد يستسلم للشك في إخوانه المسلمين من حوله، لكلمة سمعها أو لمقالة لم يتثبت منها. والله قد قص لنا في القرآن قصة عظيمة جعل فيها لأمة الإسلام درساً عظيماً ونافعاً، امتد في الزمان شهراً كاملاً، وكان يتعلق بأعظم إنسان كان في هذا الوجود وهو النبي ﷺ ، ويتعلق بعرض عائشة أم المؤمنين ﵂، وذلك عندما أثار أهل النفاق ما أثاروه، فجاء التوجيه لأهل الإيمان: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢]. أبو أيوب الأنصاري ﵁ يدخل إلى بيته، فتلقاه أم أيوب وتقول: هل سمعت يا أبا أيوب ما يقال؟ قال: وما يقال؟ قالت: يقولون في عائشة كيت وكيت! فقال: يا أم أيوب! أوكنت فاعلة ذلك؟ أي: طبقي ذلك على نفسك، أترضينه لنفسك؟ قال لها: يا أم أيوب! أوكنت فاعلة ذلك؟ فانتفضت وقالت: معاذ الله! فقال: والله لـ عائشة خير منك ولرسول الله ﷺ خير مني. لم هذه الظنون المرجفة؟ لم هذه الأوهام السوداء التي تجعلك تنظر إلى هذا شزراً، وتحمل لهذا غلاً وبغضاً من غير ما شيء إلا كلام ساقط أو اتهام باطل؟! انظر إلى الآية القرآنية: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢]، ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] بهتان أن تنال من عرض أخيك المسلم، بهتان أن تنطق بالفاحشة فتشيعها بين أهل الإيمان وفي مجتمع الإسلام، أين أنت من اليقين؟ أين أنت من (البينة أو حد في ظهرك)؟ سيما إذا تعلق الأمر باتهام في عرض، وأخطر من ذلك باتهام في اعتقاد فهذا يكفر وهذا يبدع وهذا يفسق وهذا يرجم بالغيب، نسأل الله السلامة من هذا.
следующие страницы →