Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وجوب الاستمساك باليقين في الإيمان
وانظر إلى الملامح المنهجية في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، لتدرك أنه لابد لك من الاستمساك باليقين، والبعد عن الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً في أمر الاعتقاد والعبادة، وفي أمر الإيمان، وهو أساس حياة الإنسان المسلم.
يقول جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، إنه إيمان مبني على يقين، وعلى دليل واضح، وعلى حجج وبراهين ساطعة، ينبغي أن يكون هذا هو ديدنك لتدخل في وصف أهل الإيمان الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٤]، واليقين: علم جازم لا يخالطه شك، ولا يمازجه ريب، ولا يغيره ظرف ولا يبدله قهر، ولا إجبار؛ لأنه مستند إلى أسس ثابتة، وإلى أدلة قاطعة لا تتغير مطلقاً؛ لأن الله قد جعلها آيات تتلى في كتابه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثم إن الله جل وعلا قد جعل في هذه الحياة الدنيا من آياته ومن خلقه شواهد تدل على وجوده وتنبئ عن عظيم صفاته وكماله ، حتى يصل المؤمن إلى اليقين، وحتى يرى هذه الأدلة المبسوطة في كتاب الله ، والأمثلة التي ضربها النبي ﷺ لأصحابه عندما وبين لهم المنهج الحق بالاعتقاد الصحيح بالله ، يقول جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥]، فإنه لا رضا بدون منزلة اليقين في الإيمان والثبات عليه، والاعتقاد الجازم به.
ويقول جل وعلا لسائر الخلق أجمعين: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠]، ينبغي أن تكون على بينة من أمرك وعلى وضوح في اعتقادك، لا يمكن للمسلم أن يجعل في إيمانه شكاً، أو أن يدخل في يقينه ظناً، فإن ذلك هو عين الانحراف وهو مبدأ الشرك، وهو طريق الجنوح عن التوحيد الخالص لله ، ولذلك لابد أن يكون موقفك أخي المسلم! موقف الرافض لكل تشكيك في دين الله، وإن كثر القائلون به، وإن كثر الداعون إليه، وإن كثر الملبسون فيه: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، لو كفرت الدنيا كلها، ولو شك البشر جميعاً في حقائق الإيمان الثابتة بالآيات القرآنية القاطعة ما تزحزح المؤمن عن إيمانه قيد شعرة، ولا شك في دينه قيد أنملة؛ لأنه على بينة من ربه .
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]، هذا المنهج مرفوض عند المسلم ليس له مكان، إذا جاء الحشد الكبير، وإذا جاءت الشبه المتكاثرة فإنها لا قيمة لها عنده، أما أهل الزيغ وضعف الإيمان وأهل قلة العلم، فإنهم يميدون شمالاً ويميناً، وإنهم يضطربون فيقولون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢].
بل لابد لك -أيها المسلم- ألا تلقي بهذه الأمور جانباً فحسب، بل ينبغي أن تدحضها بالآيات والأدلة الواضحة، وأن تكون على بينة من أمرك تحفظ بها إيمانك، بل وتستطيع أن تكشف زيغ الزائغين، وضلال المبطلين، كما قال جل وعلا: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم:١٠]، هؤلاء الرسل جابهوا أهل الشك فيما شكوا فيه، وأقاموا الأدلة حتى بينوا بطلان قولهم، فينبغي أن تكون كذلك أيها المسلم! ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج:٣ - ٤].
لابد أن تدرك أن عندك من الحق ما يدحض الباطل، وأن عندك من نور الوحي ما يبدد كل ظلام للشبهة مهما تكاثف، لابد أن تكون على يقين قوي راسخ بما عندك من الحق، وأنه هو الكمال، وأنه هو الدين الذي يرتضيه الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، لاشك في ذلك ولا ارتياب، وهو الكمال كما قال جل وعلا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وانظر يميناً ويساراً، وانظر في كثير من بقاع الأرض، وانظر إلى كثير من أحوال المسلمين لترى كيف تسرب الشك إلى نفوسهم؟ وكيف دب الضعف إلى إيمانهم؟ وكيف صاروا في حيرة من أمرهم؟ ذلك أنهم لم يأخذوا اليقين من منبعه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ذلك أنهم أصغوا آذانهم للباطل، وجعلوا قلوبهم نهباً للشهوات والشبهات، تعمل فيها فتفتك بما فيها من إيمان، لأنه إيمان وراثة وعادة، ولم يكن إيمان يقين وعبادة لله .
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:٦٥]، ويخاطبهم الله جل وعلا ليبين لنا الطريق الذي ندحض بها حجج المبطلين: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران:٦٦]، وأكثر المتكلمين بغير الإسلام وبغير القرآن والسنة في أمور الاعتقاد وفي أمور الكون وفي أمور الآخرة، إنما هم ممن يظنون ظناً وما هم بمستيقنين، إنما هم من المتبعين للظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، إنما هم من أهل الظن الذي هو ظن الجاهلية، وقد كثرت الأقوال في مجتمعات المسلمين حتى بدت تزاحم -عند من ليس عنده ثبات- كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وصار الناس يأخذون من زيد وعمرو، ويأخذون من شرق وغرب، ويقارنون ويقابلون؛ فاضطربوا وتحيروا وزاغوا، وكثرت في مجتمعات المسلمين صور الشرك والانحراف العقدي، وانتشرت بينهم البدع، وتمكنت منهم الخرافات، وصاروا ألعوبة في أيدي أهل الأهواء، وأهل الباطل، وأهل المصالح الذاتية، ذلك أنه إذا لم يكن هناك يقين فهناك مهاوٍ كثيرة، ومشارب عدة مختلفة يبقى فيها الإنسان حائراً مضطرباً حتى يأذن الله أن يرده إلى الحق بإذنه .
فهذا أمر اليقين في الاعتقاد.
стр. 1227
وجوب الاستمساك باليقين في العبادات
وأنتقل بك أخي المسلم إلى أمر العبادة، فلابد أن تكون فيها على يقين، وقد يعجب بعضكم ويتساءل: هل نحن في شك مما افترض الله علينا؟! فأقول: إن بعض ما سأشير إليه يبين الواقع أن الارتباط به، والمعرفة له، والثبات عليه ليس كما ينبغي أن يكون من أهل الإسلام والإيمان.
فينبغي أن تكون على يقين بفرضية العبادة وأهميتها، وانظر أمثلة حية لذلك في سير السلف الصالح رضوان الله عليهم: كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، أي أنه قد بلغ به الإعياء والمرض والتعب مبلغاً لا يستطيع معه أن يسير إلا معتمداً على رجل عن يمينه وآخر عن شماله.
كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقف في الصف ليكون مع الجماعة، أولئك قوم عرفوا الفرضية واستيقنوها، أما الذي ينام ملء عينيه وهو يسمع الأذان ويسمع الإقامة، أفيكون يقين هذا قد استكمل في عبادته وفرضية الله لها عليه؟! والنبي ﷺ عندما يحذرنا ويبين لنا خطورة ترك العبادة أو الصلاة على وجه الخصوص من بين أنواع العبادة إنما يدلنا على الأهمية، وعلى أن اليقين ينبغي أن يبلغ بها مبلغاً عظيماً، فيقول ﵊ كما في الصحيح: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)، هذا التهديد والوعيد العظيم يدل على أن أولئك القوم قد قصروا تقصيراً، وفرطوا تفريطاً، ولم يبلغوا من الارتباط واليقين بفرضية العبادة وأهميتها ما ينبغي أن يكون عليه المسلم.
ولابد لك أيضاً من يقين بأثر العبادة ونفعها، ولذلك صور عملية، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣].
التطبيق العملي من النبي ﵊ أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، أي: كلما وقعت معضلة، كلما حصلت مشكلة، كلما حصل بلاء كان الفزع والالتجاء إلى الله بالصلاة، تحققاً باليقين في أثر هذه العبادة وفي نفعها؛ لأن النبي ﷺ قد قال: (الدعاء مخ العبادة) والصلاة فيها الذل والخضوع، وفيها الانكسار والتضرع، وفيها الدعاء والمناجاة لله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
فهل نحن يقيناً نطبق مثل هذه المعاني الواضحة في الآيات القرآنية، أم أن كثيراً من المسلمين إذا وقعت به مشكلة لجأ إلى هذا وذاك، وفكر في مخرج من هنا وهناك، والتمس طريقاً من يمين ويسار، ولم يتوجه قلبه للارتباط بالله والدعاء له.
نحن قد رأينا في تاريخ أمة الإسلام أموراً عجيبة وفريدة تدل على كمال اليقين في هذا، ألم يقف النبي ﷺ -وقد وعد بالنصر في يوم بدر، لما دنا الأمر وأوشكت الصفوف أن تلتحم، ويرفع يديه إلى السماء يقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم أنجز وعدك الذي وعدتني)، ويلح في الدعاء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه ﷺ ؟ إنه التطبيق العملي الذي يدل على اليقين الراسخ، أين نحن من الدعاء في مواطن البلاء؟ أين نحن من الالتجاء لله عند حلول الفتن؟ أم أن الذي يحصل في واقع كثير من بيئتنا نوع من الجدال والاختلاف والنزاع، وتفرق الآراء، وتعدد الأهواء، وننسى ربنا ، وننسى يقيننا بعبادتنا.
ثم انظر إلى اليقين الذي ينبغي أن يكون أثره ونفعه في أمر تتعلق به النفوس، وترتبط به القلوب في إخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣].
لابد أن نوقن بهذا المعنى، وأن هذه الفريضة فيها تطهير للنفس من أوضارها ومن أمراضها وأخلاطها، تطهير من البخل والشح والحسد والبغضاء، وأن فيها نماء للمال ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، كما أخبر النبي ﷺ أيضاً فقال: (ما نقص مال من صدقة) فهل عندما نخرج زكاتنا، أو نخرج بعضاً من أموالنا يكون في قلوبنا ذلك اليقين الذي كان في قلب أبي بكر ﵁ لما تصدق بماله كله في سبيل الله ، فسأله النبي ﷺ : (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟! قال: أبقيت لهم الله ورسوله)؟ ذلك هو اليقين الراسخ، لا الظن الذي يقع منا اليوم، فنخرج المال من جهة ونحسب الحسابات من جهة أخرى، ونؤمن للمستقبل من جهة ثالثة، ونعد لما قد يحصل من أمور وظروف؛ لأن اليقين قد ضعف؛ ولأن الظن قد تسرب إلى النفوس؛ ولأن الثقة بالله لم تبلغ المبلغ الذي كان عليه صحب محمد ﷺ .
стр. 1228
منهجية الإسلام في تلقي الأخبار
стр. 1229
وجوب التثبت في الأقوال ونقل الأخبار
الظن يقع في مجال ثالث هو من أكثر المجالات التي يقع فيها الاضطراب في مجتمع المسلمين اليوم، في واقع الأخبار تلقياً ونقلاً.
ما هو منهجك -أيها المسلم- في هذا الأمر المهم؟ كيف تتلقى الأخبار؟ وكيف تعرف الوقائع؟ هل أنت ممن يأخذون بالظنون، ويقبلون الأقوال دون بينة أو حجة؟ أين أنت من المنهج القرآني والمسلك النبوي؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦].
والنبي ﷺ في موقف عصيب وشديد يرفع لنا هذا الشعار لئلا نأخذ أي خبر دون تمحيص، ودون اختبار ودون تحقق ولو كان المخبر لنا ممن نحسن به ظناً، فلابد أن يكون عندنا ذلك المنهج في التروي والتثبت والتحقق، يأتي أحد الصحابة وقد رأى أمراً فظيعاً هائلاً خطيراً، وقد رأى مع زوجته رجلاً، فأتى إلى النبي ﷺ وقد غلا الدم في عروقه وانتفخت أوداجه من شدة الغضب، يقول للنبي ﷺ : كذا وكذا وكذا، فيقول له النبي ﵊: (البينة أو حد في ظهرك).
إن هذا أمر عظيم! إنها تهمة خطيرة! لابد من الدليل الذي لا ينزل عن مرتبة اليقين حسبما ثبت في الشرع من لزوم أربعة شهود في مثل هذا الأمر، فإن الأمور لا تلقى على عواهنها، وإن الأقوال لا تطلق حسب ما تطلقها ألسنة القائلين بها؛ لأننا نحن أهل إيمان أهل برهان أهل دليل لا يمكن أن نقبل أي قول وخاصة إن جاءت هذه الأقوال من المجروحين أو المنكرين أو غير المعروفين بالصلاح والاستقامة، أو تلقفتها الآذان من إذاعات شرقية أو غربية لا تدين بدين الإسلام، بل قد يكون عندها مكر به وإرادة سوء بأهله، فينبغي أن يكون هذا دأبنا وهذا نهجنا.
ثم في نقل الأخبار يأتينا حديث النبي ﷺ في صحيح الإمام مسلم: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)، ما بال الألسنة لاغية؟ ما بالها لا تسمع خبراً حتى تذيعه في كل مكان، وحتى تنطق به في كل مجلس قبل أن تتثبت منه، وقبل أن تنظر بعد التثبت إلى آثاره الإيجابية والسلبية؟! يقول النبي ﷺ كما أخرج البخاري في الأدب المفرد: (بئس مطية الرجل زعموا).
كثيراً ما تسمع قولاً فتسأل قائله: هل رأيت بأم عينيك؟ هل سمعت بأذنيك؟ هل حضرت بنفسك؟ فيقول: كلا، بل قالوا أو زعموا أو أخبروني من أولئك القوم؟ إننا لا نريد هذا المنهج الذي سرت بسببه كثير من الفتن، وكثير من صور الإرجاف في مجتمع المسلمين، والله جل وعلا قد بين لنا أن هذا الاستناد باطل: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٢]، يقولون ويقولون ويقولون، يقصون ويقصون ويقصون، يزعمون ويذيعون، لا يعنينا من ذلك إلا ما دل الدليل عليه أو ما احتفت به القرائن.
стр. 1230
كيف نتلقى الأخبار
بحسبنا أن نحسن كيف نتلقى الأخبار، كما يحسن بنا أن نحسن كيف ننقلها، وإلى من ننقلها، وكيف نعرضها؟ حتى لا يقع من وراء ذلك ما لا تحمد عقباه، والله قد قص علينا قصة عظيمة تتعلق بهذا الجانب، وبالجانب الذي هو مرتبط به وهو جانب معاملة المسلمين، وأنت وأنا وبعض منا قد يقع منه ظن السوء في هذا وذاك، وقد يستسلم للشك في إخوانه المسلمين من حوله، لكلمة سمعها أو لمقالة لم يتثبت منها.
والله قد قص لنا في القرآن قصة عظيمة جعل فيها لأمة الإسلام درساً عظيماً ونافعاً، امتد في الزمان شهراً كاملاً، وكان يتعلق بأعظم إنسان كان في هذا الوجود وهو النبي ﷺ ، ويتعلق بعرض عائشة أم المؤمنين ﵂، وذلك عندما أثار أهل النفاق ما أثاروه، فجاء التوجيه لأهل الإيمان: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢].
أبو أيوب الأنصاري ﵁ يدخل إلى بيته، فتلقاه أم أيوب وتقول: هل سمعت يا أبا أيوب ما يقال؟ قال: وما يقال؟ قالت: يقولون في عائشة كيت وكيت! فقال: يا أم أيوب! أوكنت فاعلة ذلك؟ أي: طبقي ذلك على نفسك، أترضينه لنفسك؟ قال لها: يا أم أيوب! أوكنت فاعلة ذلك؟ فانتفضت وقالت: معاذ الله! فقال: والله لـ عائشة خير منك ولرسول الله ﷺ خير مني.
لم هذه الظنون المرجفة؟ لم هذه الأوهام السوداء التي تجعلك تنظر إلى هذا شزراً، وتحمل لهذا غلاً وبغضاً من غير ما شيء إلا كلام ساقط أو اتهام باطل؟! انظر إلى الآية القرآنية: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢]، ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] بهتان أن تنال من عرض أخيك المسلم، بهتان أن تنطق بالفاحشة فتشيعها بين أهل الإيمان وفي مجتمع الإسلام، أين أنت من اليقين؟ أين أنت من (البينة أو حد في ظهرك)؟ سيما إذا تعلق الأمر باتهام في عرض، وأخطر من ذلك باتهام في اعتقاد فهذا يكفر وهذا يبدع وهذا يفسق وهذا يرجم بالغيب، نسأل الله السلامة من هذا.
стр. 1231
تجنب سوء الظن
ويأتينا قول الله جل وعلا منبهاً ومحذراً ومبيناً المهاوي والمزالق التي تبدأ بسوء الظن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، قف عند هذه المرحلة، لا تسمح للأوهام والشكوك أن تأتي إلى قلبك عن أخيك المسلم، فإذا لم تفعل قال جل وعلا: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].
وإذا قادك الظن إلى أن تتجسس لتتحقق فاستمع لقول الله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢]، فإذا تجسست أو عرفت من غير ما تجسس فأردت أن تقول: فعل وفعل أو قال وقال، جاءك قول الله : (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢]، حتى لو كان الأمر حقاً: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).
أين منهج الإسلام؟ أين الآداب المحمدية النبوية من مجتمعاتنا التي ضعف فيها مثل هذا النهج الإيماني؟ الظن إن لم توقفه قادك إلى التجسس، فإن لم تقف عنده قادك إلى الغيبة، فإن لم تقف عنده فاستمع إلى حديث النبي ﷺ وهو يقول كما في الصحيحين: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) فإن عاقبة ذلك هو التباغض والتدابر، وإذا أردتم أن تكونوا إخوة في الله ، متآلفين متحابين، فخذوا بهذا المنهج باتباع اليقين، واتركوا الظن والرجم بالغيب من غير بينة ولا حجة.
أسأل الله جل وعلا أن يعصمنا بالحق، وأن يجعلنا من أهل الإيمان واليقين، اللهم إنا نسألك أن تحسن ظنوننا بإخواننا المسلمين.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1232
الفرق بين أهل اليقين وأهل الظن والأوهام في المحن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى حسن الظن بالمسلم.
وقد ذكرت لك أخي المسلم! ما ينبغي أن تكون عليه من اليقين وترك الظن في شأن الاعتقاد والعبادة، وتلقي الأخبار ونقلها، ومعاملة إخوانك المسلمين، وهأنذا أقف وقفة مع بعض الأمثلة القرآنية التي تنبئنا عن العاقبة الوخيمة التي يبلغها الإنسان إذا لم يأخذ باليقين الذي جاء عن رب العالمين، ونرى في ذلك مواقف أهل اليقين، ومواقف أهل الظن والشك والريبة.
ذكر الله حال المسلمين في يوم الأحزاب وما أدراك ما يوم الأحزاب؟ يوم اجتمع فيه على النبي ﷺ وصحابته شدة الجوع مع شدة الخوف مع شدة البرد: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١]، في المواقف العصيبة الرهيبة: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢].
أولئك أهل الشك والريبة، أولئك أهل الفتنة والنفاق قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، أما أهل اليقين: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، رأوا الجموع تنقض عليهم من كل جانب، وتحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم، لكن ما اضطرب يقينهم، ولا ضعفت في الله ثقتهم، ولا حارت في المنهج أفكارهم، بل كانوا على يقين راسخ وزادهم البلاء يقيناً.
وانظر إلى موقف آخر في قصة قارون الذي كان من قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨].
ويصور لنا القرآن الحالة التي انقسم فيها الناس إلى فريقين، يقول جل وعلا: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩]، بهذه الأبهة الدنيوية، والعظمة البشرية، والقوة الإنسانية، فإذا بالضعاف في يقينهم، المختلطين في عقولهم، المشدودين إلى الأرض، المرتبطين بالشهوات؛ يقولون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، لم يلتفتوا إلى كفره وجحوده، لم يلتفتوا إلى فسقه وفجوره، ولكنهم التفتوا إلى دنياه إلى عظمته الموهومة إلى بهرجه الزائف.
أما أهل الإيمان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، أولئك قوم يجعلهم يقينهم ينظرون إلى ما وراء الأحداث، ينظرون إلى ما وراء الصور الظاهرة، قوم قالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠]، اثبت على إيمانك وابق على يقينك فإن من وراء ذلك أجراً، وإن من وراء ذلك خيراً.
وهكذا تمضي الأمثلة القرآنية الكثيرة، ومنها مثال أختم به في هذا المقام من أمثلة الاستكبار التي ينجرف إليها أحياناً مجتمع كامل من المجتمعات، يقص الله علينا ذلك في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، هكذا يبين الله أن الذين يركنون إلى الدنيا وأسبابها المادية ظنوا أنهم قادرون عليها وعلى حصادها وعلى خيرها، فجاءهم الأمر من الله لما شكوا في قدرته، ولما نسوا أقداره وحكمته، وهكذا يقع لصاحب الظن السيئ ما يحل به مما يقدره الله من البلاء.
فينبغي أخي المسلم أن تعرف موقفك الحق بين الظن واليقين، فلا ترض أن تكون من أهل الضعف أو أهل الشك أو أهل الظنون والرجم بالغيب، وكن من أهل اليقين.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الإيمان واليقين، وأن يجعلنا من الثابتين على هذا الدين، وأن يجعلنا من الدعاة إليه وإلى دينه .
اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.
اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، ولا تخزنا اللهم على رءوس الأشهاد، اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا، وأن تجعل خير أعمارنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، واغفر لنا إنك رءوف رحيم، اللهم إنا نسألك لقلوبنا الصفاء والنقاء، ولأبداننا الصحة والعافية، ولأعمالنا القبول ومضاعفة الأجر والثواب.
اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن تكفر عنا سيئاتنا، وأن تضاعف لنا حسناتنا، وأن ترفع لنا درجاتنا، وأن تقيل يا ربنا عثراتنا.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم، اللهم اجعلنا من الدعاة العاملين، واجعلنا من العاملين المخلصين، واجعلنا من المخلصين المقبولين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم نكس راياتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يا من أمره بين الكاف والنون! اللهم إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المعذبين في كل مكان يا رب العالمين؛ اللهم رحمتك بالأطفال الرضع، والشيوخ الركع، والنسوة الثكالى، والصبية اليتامى، اللهم عجل فرجهم، وفرج كربهم، اللهم ارزقهم الصبر واليقين، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم اجعل عمل ولاتنا في رضاك، اللهم ووفقهم لهداك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اصرف عنا الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1233
النصيحة شروط وفوائد
تعتبر النصيحة جزءاً مهماً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يقوم الدين إلا به، وبها يحصل النفع الكثير والقضاء على منكرات كثيرة، ولكن ينبغي للناصح أن يتعلم آداب النصيحة وشروطها، حتى تؤتي ثمارها وتقع في موقعها.
стр. 1234
شروط النصيحة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه ﵊ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: (النصيحة شرائطها وفوائدها): نستكمل بهذا الموضوع ما سبق من حديث عن النصيحة التي نحتاج أن تكون خلقاً وصفة شائعة بيننا، يقدمها العالم للجاهل، والكبير للصغير، والولي لمن ولاه الله أمرهم، وتكون كذلك شائعة فيما بيننا من حيث تربيتنا عليها، حرصاً على أدائها، وتقبلاً لها، وتقديراً وإجلالاً واحتراماً لمقدمها، لما يبذله من خير يريده لنا.
وقد رأيت من بعض الإخوة اهتماماً بأننا مقصرون في واجب النصح فيما بيننا، وفيما نراه من أحوال حياتنا العامة، في بيوتنا، في مجتمعاتنا، في أحيائنا، في مساجدنا، فلعلنا في هذا المقام نؤكد على أهمية النصيحة والتناصح.
ونقف مع الشروط والصفات التي تجعل النصيحة كاملة نافعة، حتى نأخذ بالأسباب التي تقود إلى حصول المقصود.
стр. 1235
العلم بما ينصح به
وأول هذه الشرائط والأسباب: العلم بما ينصح به: فلا ينبغي أن تتقدم بنصح في أمر لا تعلمه، ولا تعرف فيه حكم الله، وليس لك اطلاع فيه على هدي رسول الله ﷺ ، فإن النصيحة أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإنها دعوة إلى الله لابد فيها من علم وفهم وإدراك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، قدم العلم على ما ينبني عليه بعد ذلك من العمل.
ويقول الحق جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] (على بصيرة) أي: على علم وبينة ومعرفة تامة وواضحة.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] والحكمة: وضع الشيء في موضعه، ولا يمكن أن تضعه في موضعه ما لم تكن به عالماً، وبالأحوال والظروف المحيطة مدركاً، وذلك ما ينبغي أن يكون.
ومن فقه أئمتنا أنهم نبهوا على أهمية العلم قبل العمل، وقبل النصح والإرشاد الذي لابد أن يكون قوامه ذلك العلم، فمما أثر عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: العامل بغير علم يفسد أكثر مما يصلح.
وهذا أمر بين نحتاج إليه، وكم من صور سنعرض لها يتقدم فيها من ينصح وهو ينصح بالباطل! وينصح بما يخالف النفع والفائدة المبنية على أساس الشريعة الإسلامية.
стр. 1236
عمل الناصح بما ينصح به
وأما الثاني للكمال في هذه النصيحة فهو عمل الناصح بما ينصح به: فإن القدوة الحسنة لها أثرها في النفوس، فإن وافق الفعل القول كان ذلك أبلغ في الفهم والمعرفة وفي القبول والإقبال على هذه النصيحة، ولقد ورد الذم كثيراً وعظيماً لمن يخالف قوله فعله، ولمن لا يلحق القول بالفعل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
وفي سياق ما ذكر من صفات مذمومة كان عليها بعض أهل الكتاب قول الحق جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، ولا يعني ذلك -كما أشرنا من قبل- أن تترك النصح إذا رأيت الخطأ وأنت غير مستقيم، فإن النصح في هذه الحالة يكون نصحاً للآخر ونصحاً لك، وذلك يقودك إلى مراجعة نفسك: ما بالي أقول لا تفعلوا وأنا أفعل؟ ما بالي أقول اجتنبوا وأنا ارتكب؟ فيكون ذلك عظة للإنسان.
لكننا نتحدث هنا عن الكمال الذي يجعل للنصيحة أثرها النافع والمفيد، ومن حديث أسامة بن زيد وهو صحيح، ما أخبر به النبي ﷺ عن عقاب رجل في يوم القيامة صفته: أنه يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، قال ﷺ : (فيؤتى به يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه -أي أمعاؤه- فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى؛ فيطلع عليه أهل النار فيقولون: ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).
وتلك صورة من العقاب المعنوي والحسي ساقها النبي ﷺ تذكيراً وموعظة، وتحذيراً وترهيباً من مثل هذا السلوك.
ولا شك أننا ندرك تماماً أن المخالفة بين القول والفعل من أسباب عدم قبول النصيحة، وحصول أثر الدعوة، ومن هنا جاء الخطاب القرآني على لسان نبي من أنبياء الله : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨]، لا أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أخالف وأكون أنا الذي أفعله، فيكون ذلك كما ذكر ابن القيم من صفات علماء السوء الذين يعظون الناس بأقوالهم، ويصدونهم عن سبيل الله بأفعالهم، فشبههم بالذين يصطادون الناس بالصد والإعراض عن سبيل الله وعن دينه .
стр. 1237
إظهار الحرص والتجرد عند النصح
الثالث: إظهار الحرص والتجرد عند النصح: أما الحرص فنقصد به إظهار الحرص على ذلك المنصوح، وأن تبدي له غاية الشفقة به، وعظيم الرحمة له، وأن تجسد له أنك تريد له الخير، وتضمر له الحب، فإن ذلك من أعظم الأسباب التي تغزو بها النصيحة القلوب والعقول.
ولعلنا نستحضر هنا الوصف العظيم الذي وصف به نبينا العظيم ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فهو الذي فاض قلبه بالرحمة فكان يشفق على كل عاصٍ، ويحزن لكفر الكافر، ويريد أن يكون الناس كلهم في سياق رحمة الله ورضوانه، ويقول النبي ﷺ في هذا السياق مبيناً صفته مع الناس: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تتقحمون فيها)، كما ورد في بعض الروايات.
فكأن الناس قد انساقوا وتسارعوا إلى النار غفلة عن الله أو كفراً به أو ولوجاً في المعاصي، وتأتي هداية النبي ﷺ وسنته ورحمته لترد الناس عن هذا المصير السيئ والخاتمة الشقية إلى حياض دين الله .
ومن هنا رأينا مواقف رحمته كيف أثرت في نفوس العتاة الصادين عن دين الله! فتتت قسوة قلوبهم وألانتها بما كان من هذا الحرص والإظهار للمحبة والشفقة.
وكيف نريد أن يقبل منا النصح والمنصوح قد يرى أننا لا نضمر له إلا شدة، ولا نريه إلا غلظة، ولا يسمع منا إلا فظاظة: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، والله جل وعلا صدر الآية بالرحمة: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فالله الله عندما ننصح أن يكون إظهار هذا المعنى مهماً.
والمعنى الآخر هو التجرد: أي التجرد عن المصلحة والمنفعة، إنما أنصحك لوجه الله لا أريد منك جزاءً ولا أنتظر منك شكوراً، ولا أرقب منك أن ترد لي المعروف مادة أو شيئاً من ذلك، وذلك لسان حال الرسل والأنبياء كلهم فيما قص القرآن من خبرهم: (فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس:٧٢].
ويوم يتنزه الناصح والداعي عن المطامع وحطام الدنيا تعلو مكانته عند الناس، ويعظم قدره في عيونهم، ويرون صدق إخلاصه، فيكون لذلك أثره في القبول: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، ما لي عندكم من غرض، ولا فيكم من أرب، إلا أن يجري الله الخير على يدي بما أقول، إبراء لذمتي، وبما أرقب من النفع استجابة لدعوتي.
فالله الله في مثل هذا السلوك؛ لأنه هو الذي يقود بإذن الله إلى حصول الأثر.
стр. 1238
التلطف في الأداء قولاً وفعلاً
الشرط الرابع: التلطف في الأداء قولاً وفعلاً، وليس ببعيد عما ذكرناه، كذلك إظهار المشاعر القلبية، وهذا إظهار للأسباب الظاهرة فعلاً وقولاً، واستمع إلى هذه الآية العظيمة التي تبين ذلك الأمر بياناً شافياً: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، وهي آية عظيمة في بلاغتها، وفيها روعة لا يمكن أن يحيط كلام الناس بعظمتها.
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ) فتلك في باب والأخرى في باب آخر، فإذا جاءتك السيئة أو وقعت الخطيئة أو حصلت المخالفة: (ادْفَع) أي: ادفعها وبددها، فهل يكون ذلك بالقوة؟ (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ليس بالحسنى بل بالتي هي أحسن، أي: بغاية ما يمكن من الإحسان والتلطف الذي يحصل به الأثر بإذن الله .
وكثيراً ما تسمع من الناس غير ذلك، فإن أسيئ إليك وأردت أن تكون واسع الصدر وأن ترد الإساءة بإحسان جاءك من يقول لك: لم ترض بالهوان؟ ولم تقبل بالذل؟ لو كنت مكانك لرددت الصاع صاعين، إن مثل هذه الأقوال نصائح على غير المنهاج القويم، وإن كان لكل مقام مقال كما سنذكر في بعض الأحوال.
انتبه إلى مثل هذا المعنى وهو الذي تكررت به الآيات في سياق الخطاب والحوار في النصح لعتاة وطغاة كبار، يقول الحق جل وعلا: ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٥ - ٢٦].
انتبه لهذا المعنى: (قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا)، نحن أهل حق وأهل إسلام وإيمان قد نخاطب أهل كفر وطغيان وعصيان، نقول: (لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) كأننا نقول لهم: لا تنظروا في الابتداء إلى أننا أهل حق وأنتم أهل باطل، وإنما نقول لكم: تأملوا وتدبروا، ورحم الله مصعب بن عمير يوم دعا في المدينة فجاءه أسيد بن حضير مرسلاً من سعد بن معاذ يقول: اخرج عنا ولا تفرق بيننا! قال: أوغير ذلك؟ قال: ما عندك؟ قال: تجلس فتسمع، فإن أعجبك الذي قلنا وإلا أعطيناك الذي أردت، قال: لقد أنصفت.
كلام منطقي من عاقل، فسمع فشرح الله صدره، ونور قلبه، ونطق بالتوحيد لسانه، ورجع إلى سعد داعياً، فأسلم سعد وأسلم من بعد سعد قومه كلهم.
تأمل هذا المعنى فإنه عزيز وقليل من الناس من يحسنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣]، وكلمة: (يا بني) هي أسلوب تلطف وتودد، وترغيب وتحفظ، وهو أب يمكن أن يكون آمراً وزاجراً ولا شيء غير ذلك، لكنه عندما أراد أن تكون موعظته بليغة ونافعة، ونصيحته مؤثرة وبالغة حينئذ قال: (يا بني).
وإذا رأينا أبا الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇ يخاطب أباه وقد كان زعيم الكفر في وقته: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، هذا المعنى (يا أبت) لم ينقص حقه، ولم ينس قدره، ولم يخف عليه أن مثل هذا المدخل قد يكون له أثره.
وقصة موسى وفرعون معروفة: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤].
هذه معان كثيرة نحتاج إليها، ولذلك قد يكون من هذا إظهار شيء من التودد والتلطف أو التقدير والاحترام بقصد التأثير، فإن وقع ذلك فالحمد لله، وإن لم يقع فأنت قد أديت ما عليك، ومن أصر على معصيته فعاوده بين فينة وأخرى بأسلوب يناسبه، مرة فيه لين، ومرة قد يكون فيه شدة.
وهذا أمر مهم والنبي ﷺ عندما خاطب ملوك الأرض من حوله ذكرهم بمناقبهم ومناصبهم؛ لأنهم بها يخاطبون وإن كانوا ليسوا معظمين في الميزان الإيماني والإسلامي، فكتب إلى الملوك فقال: (إلى هرقل عظيم الروم)، (إلى كسرى عظيم الفرس).
وفي قصة المسلمين في الحبشة ما يدل على ذلك، فلما خاطب جعفر بلسان المسلمين النجاشي قال: (أيها الملك) فأعطاه مقامه الذي هو فيه؛ حتى يكون ذلك التوقير داعياً إلى إصغائه، ولو أنه أهمله أو أنكره أو جفا عليه أو احتقره؛ لما كان له أن ينصت له أو أن يصغي إليه.
стр. 1239
الاختيار المناسب للأسلوب
الخامس: الاختيار المناسب للأسلوب بحسب الظروف المتغيرة: ومن ذلك اختيار الأوقات المناسبة، وهذا أمر عزيز في النصيحة، فكم من نصيحة نقذفها في وجه صاحبها وهو في أوج غضبه، أو وهو في شدة أزمته أو كربه فلا يكاد يسمع شيئاً.
خذوا هذا الموقف: اختصم في عهد النبي ﷺ اثنان، فعلت أصواتهما، حتى احمر وجه أحدهما وظهرت أوداجه في رقبته، فقال النبي ﷺ من بعد: (إني أعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فسعى بها رجل)، يعني: سمعها رجل من النبي ﷺ فذهب بها إلى الرجل وقال له: يقول الرسول ﷺ كذا (فمن شدة غضب الرجل وفورته قال: اذهب عني فإني لست بمجنون)، أي: تقول لي: استعذ من الشيطان وكأن الشيطان قد ركبني! لو كان هذا في وقت بعده بقليل لربما كان أنسب.
وخذوا فقه العظيم النبي ﷺ عندما: (جاءه حكيم بن حزام فسأله مالاً فأعطاه، ثم جاء في وقت آخر فسأله فأعطاه، ثم جاء ثالثة فسأله فأعطاه، ثم قال له: يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس لم يبارك له فيه).
سأله في أول مرة وهو محتاج فأعطاه، لو قال له في ذلك الوقت: السؤال ليس مناسباً والتسول ليس مطلوباً لقال: إنما يريد أن يصرفني، ولا يريد أن يعطيني، لكنه أعطاه، والمرة الثانية أعطاه، والمرة الثالثة أعطاه، فلما أشار له إشارة أن التطلب لهذا المال قد لا يكون مناسباً وقعت النصيحة والموعظة في موقعها، وعلم أنه ما قال له ذلك لأنه بخيل -فحاشاه ﵊ أو لأنه لا يريد أن يعطيه، وإنما قاله له لمصلحته، فعرف ذلك بعد أن اختار الوقت المناسب وبعد أن سد له حاجته في مرة واثنتين حتى لا تذهب به الظنون بعيداً، فأي شيء أثر ذلك في حكيم؟ قال: (فما سألت أحداً بعد رسول الله ﷺ حتى مت)، وفي عهد أبي بكر أرسل له عطاءه المستحق له من بيت المال فرده قال: (والله لا أرزأ أحداً بعد رسول الله ﷺ ، وفي عهد عمر رد عطاءه.
انظروا كيف تغلغل أثر هذا في نفسه حتى إنه لم يعد يأخذ شيئاً ولو كان له فيه حق؛ لأن نفسه سمت وارتفعت عن أن يأخذ بعد أن فقه هذه النصيحة فقهاً له أثره العظيم في حياته.
والتخول بالموعظة كان من هديه ﵊، فهذا أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود كان يعظ الناس ويذكرهم كل خميس قالوا: وددنا يا أبا عبد الرحمن! لو أنك ذكرتنا كل يوم، قال: كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا، إذاً: كلهم لهم به ﵊ اقتداء وهم لأثره في اقتفاء، ولذلك كانت أفعالهم على هذا النحو العظيم المؤثر النافع.
وكذلك من ضمن ما يدخل في الوقت المناسب المراوحة والمزاوجة بين الإسرار والإعلان: فنصيحة الفرد غالباً ما يكون الأفضل فيها والأتم أن تكون في السر بينك وبينه، وأما نصيحة العموم إذا فشا أمر، فالخطيب يريد أن يذكر، والعالم يريد أن ينبه، والناصح يريد أن يحذر، ولا بأس بذلك، ولكنه وإن كان معلناً فينبغي أن يكون للعموم، ليس فيه تحديد، فكم من حادثة كان النبي ﵊ يذكر فيها وينصح على الملأ ولكن يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ثم ينبه.
لست في حاجة أن أقول: فعل فلان أو أن أصف وصفاً يعلم الناس كلهم أن المقصود به فلان وفلان، فذلك لم يعد نصيحة بل فضيحة، ولذلك فإن مراعاة مثل هذه الصفات لها أثرها في أن تقع النصيحة على الوجه المطلوب.
نسأل الله أن يوفقنا لأرشد الآراء وأصوب الأفعال، وأن يجعل ذلك العمل كله خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1240
الأسباب الداعية إلى النصيحة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى النصح للمسلمين كما بايع النبي ﷺ على ذلك جرير بن عبد الله البجلي ﵁، ولعلي هنا أقف وقفات سريعة: هل نحن في حاجة إلى النصيحة والتناصح فيما بيننا؟ كلكم سيقول: نعم، وأزيد هذا تأييداً فأقول: عندنا أسباب كثيرة: منها: كثرة وغلبة الجهل الذي عم كثيراً من المسلمين، فلا يكادون يعرفون أحكاماً كثيرة من دينهم، ولا يكادون يقيمون أركاناً وفرائض من شعائر الإسلام، فيحتاجون إلى النصيحة في مثل ذلك.
وأمر آخر: وهو شيوع المخالفات سواء كان ذلك في وقوع الانحراف بالابتداعات، أو كان ذلك في ارتكاب المحرمات، أو كان في الإصرار والتشبث بالعادات رغم ما فيها من المخالفات، وذلك أيضاً نلمحه ونراه.
ويضاف إلى ذلك: ضعف التدين والورع، وقلة الاحتفال والاهتمام بأمر الدين، ولذلك نرى الناس يسألون عن العمل من أمور الدنيا يريدون الإقدام عليه، أو قضية يحتاجون إليها، ولكنهم قل أن يسألوا في أمر من أمور دينهم يحتاجونه، بل يسألون من الناحية الفنية أو الاقتصادية أو العملية، وبعد أن يمضوا في هذا العمل وينتهوا منه أو يقطعوا فيه شوطاً يقولون: هل في هذا محظور شرعي أو فيه حرمة أو فيه شبهة؟! ذلك كثيراً ما يؤخر، وهذا أمره خطير.
ومن الأسباب: هذا الزخم الواسع من الغزو المتنوع في انحراف الفكر وانحلال السلوك عبر الوسائل المختلفة من هذه الفضائيات أو الإذاعات أو الشاشات أو الشبكات أو غير ذلك مما أصبح معه الناس دائماً في تأثر سلبي، يحتاج إلى مقابلة بهذا النصح والتذكير بإذن الله .
ومن ذلك أيضاً: الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة بسبب ما تيسر من أسباب الحياة وترفها، مما يحتاج دائماً إلى نصيحة تقرع ناقوس الخطر، وتنبه إلى حقيقة الحياة الدنيا وإلى نهايتها وزوالها وإلى ما بعدها.
стр. 1241
صور من النصائح المعكوسة
ثم أمر آخر: هناك نصائح معكوسة ومقلوبة، من يسمعها ويصغي إليها لا يصل إلى الخير بل إلى ضده: وللأسف أن صوراً منها تشيع في واقعنا، ولها كذلك في التاريخ وفيما سجلته آيات القرآن أدلة وأمثله: فرعون أطغى أهل الأرض وأكفرهم يقول عن موسى ﵇: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، فهو ينصح الناس ويحذرهم من موسى ﵇ ويقول: أخشى أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.
ويقول عن نفسه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، فرعون يقول: أنا الذي أنصحكم وأبين لكم الحق.
وهكذا نجد صوراً كثيرة في حياة الناس وفي واقعنا اليوم من هذا الأمر، حتى إنك إذا نصحت بأسلوب حسن وعلم عنك ذلك، يأتيك من يقول: ما لك وللناس؟! دع الخلق للخالق، لا تدخل بين البصلة وقشرتها، لماذا تكلف نفسك ما لا تطيق؟! وهل كلفت بأمر الناس؟! وكأنه يقول لك: كن وحدك لا تنطق لسانك بالحق، ولا تنكر بالقلب، ولا تغير باليد، ولا يتمعرن وجهك لمنكر، ولا يتغيرن قلبك لمفسدة ونحو ذلك، كأنما ينصحك بأن تترك أمر الله ، وهدي رسوله ﷺ .
في أحوالنا الاجتماعية بم تنصح الزوجة أحياناً؟ احذري لا يتسلطن عليك، انتبهي لا يأخذن من مالك، كوني له بالمرصاد، ترقبيه في كل لحظة.
والزوج يقولون له: انتبه من البداية، لابد أن تضرب بيد من حديد، هذه نصائح شائعة، ويقدمها أصحابها على أنها نصائح، وهي من المخاطر والمزالق العظيمة.
стр. 1242
كيفية النصيحة لعامة المسلمين ؟
أخيراً نصيحتنا فيما بيننا: نحن عامة المسلمين الداخلين في حديث النبي ﷺ : (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم)، كيف ننصح لبعضنا؟ أولاً: التعليم والإرشاد: علم أخاك بما ترى أنه لا يعلمه وأنت تعلمه، أرشده إلى مواطن الحق والخير، ومحض النصح فيما تشير به عليه.
ثانياً: الرعاية والإعانة والإسناد: إن كانت له حاجة فبادر إلى سدها، إن كان في كرب فبادر إلى التنفيس عنه فإن ذلك من ألوان النصح له كذلك.
ثالثاً: الأمر والنهي والنصرة الحقيقية: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! عرفنا كيف ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تمنعه أو تردعه عن الظلم، فتلك نصرته).
كذلك الإحسان والستر: أحسن إليه، واستر عليه، وكن معه على ذلك الشأن الذي تحب أن يكون لك من الآخرين.
ومن ذلك: التعظيم والتوقير: ونعني بذلك تعظيم حقوق المسلمين، وتوقير قدرهم، فإن للمسلم على المسلم حقاً لابد أن يؤدى، وإن له حرمة لابد أن ترعى، وذلك في عرضه ودمه وماله؛ فكيف تغتابه وكيف تستهزئ به وتسخر منه وكيف لا تعطيه قدره وكيف تشعره بالإهانة أو الاحتقار أو الازدراء والآيات في النهي عن ذلك كثيرة معروفة! ومن ذلك كف الأذى عنه: وكم من الأذى يأتي منا إلينا وفيما بيننا، ولعلنا أيضاً نحتاج إلى التعاون على البر والتقوى فهو من أعظم صور النصح بين المسلمين، وميادين ذلك كثيرة.
نحن نرى في مساجدنا قصوراً وخللاً ومخالفات؛ لكننا نكاد لا نسمع من ينطق بالنصح بالأسلوب المناسب وفي السر وبالطريقة الملائمة، نحن نأتي إلى المساجد ونرى كثيراً من الشباب وغير الشباب لا يجيبون النداء ولا يتوجهون إلى الصلاة، فلا يكاد يذكرهم أحد أو ينصحهم، نحن نرى من يشتم ويسب ويلعن فلا نقول له: انتبه فإن ذلك يعود عليك، ولا تكن كذلك، فإنك إن تعودت ذلك صار لك ديدناً، وصار لك سمة سيئة ونحو ذلك.
فهذه الصور التي في واقعنا تحتاج أن نشيع النصح، ولكننا كثيراً ما نتأخر أو نتخلف لأسباب ذكرناها فيما مضى، فلعلنا أن نتعاون تعاوناً حقيقياً، وأن نستفيد من مثل هذه الكلمات استفادة عملية، فلنشع هذا النصح فيما بيننا في أحوال مسجدنا هذا، وفيما يقع فيه من أمور أو مخالفات.
كم نرى من أناس يدخلون إلى المساجد بثياب قذرة ورائحة منفرة، ولا يذكرون أحاديث النبي ﷺ وهو ينهى عن أكل بعض الطعام كالثوم لئلا يكون له أثر ورائحة كريهة تؤذي المصلين، وتؤذي الملائكة الذين يحفون بالمصلين! وكم من صور أخرى نراها في اعتداء على حقوق المسجد، وقد تحدثت في ذلك، ولكن لم نجد ما ينبغي أن يكون من تعاون لدرأ هذه المفاسد.
وينبغي أن نشيع النصح والوعظ لمن يجاورون المسجد في كل الأمور والأحوال، سواء كان ذلك في العبادات أو كان ذلك في الأحوال الاجتماعية والتعليمية وغيرها، فإن المسجد هو قلب المجتمع المسلم النابض، وهو الرئة التي يتنفس بها، فلو تعاونا على ذلك لكان لنا من وراء ذلك خير كثير.
نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يسلك بنا سبيل الصالحين، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وأن يجعلنا من عباده الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والناصحين، ونسأله جل وعلا أن يكتبنا في جنده المجاهدين، وأن يجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين؛ احفظ لهذه البلاد أمنها وأمانها، وسلمها وسلامها، ورغد عيشها ورخاءها، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين اللهم رد كيد الكائدين، وادفع شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم يا رب العالمين اللهم من كادنا فكده، ومن حاربنا فاخذله يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين والمرضى في كل مكان يا رب العالمين اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم واجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون!
стр. 1243
نحن أمة الإسلام
لقد فضل الله تعالى الأمة المحمدية على سائر الأمم رغم أنها آخرها، وجعل لها من المميزات ما لم يجعلها لأمة قبلها، فمن ذلك: إرسال محمد ﷺ نبياً لها، وتخفيف الصلاة عنها، وجعلها خير الأمم، وحفظ كتابها من التغيير والتبديل، وهذا كله لم يقع لأمة متقدمة أبداً، فينبغي علينا أن نعتز بديننا، وأن نفخر به، وأن نتمسك به قولاً وعملاً وتطبيقاً ودعوة إليه، فهذا هو الذي أراده الله منا.
стр. 1244
واجب المسلمين نحو الإسلام
السؤال
هذا وصفنا نحن أمة الإسلام في كتاب الله ، فما واجبنا؟ وما حالنا في واقعنا؟ لا نريد أن نفخر بالأقوال وأن نترك الأعمال، لا نريد أن نعيش على التاريخ الذي مضى، ونترك الواقع الذي بين أيدينا، إن مقتضيات هذا التمييز والتفضيل عظيمة جداً، وأذكر منها أربعة من المعاني المهمة:
стр. 1245
الاعتزاز والافتخار بهذا الدين
الأمر الأول: الاعتزاز والافتخار بهذا الدين، أنت مسلم تنتمي إلى كوكبة الرسل والأنبياء كلهم، أنت مسلم من أمة خاتم الأنبياء وسيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، أنت مسلم أسلمت نفسك لله رب العالمين؛ فافتخر بذلك واعتز، أين اعتزاز المسلمين بدينهم؟! ربما كثير منهم اليوم لا يريد أن ينتسب إلى الإسلام، وربما يخفي إسلامه، وربما يستحي أن يظهر شعائر الإسلام في نفسه أو أهله، وربما يجامل أو يداهن أو ينافق أو يغالط، وربما يأتي ليبين محاسن الإسلام في وهمه وهو منهزم نفسياً، يريد أن يدفع ما يبطله المبطلون، وما يزيفه المزيفون عن هذا الإسلام من تهم لا صحة لها؛ فإذا به ينتحل ويتمحل أموراً، والأصل أنه ينبغي أن يتشرف وأن يفتخر وأن يعتز بهذا الإسلام، وأن يكون راسخ اليقين بأن هذا الدين صحيح، وكل حكم فيه حكيم، وأنه صالح لكل زمان ومكان، فما بال بعض المسلمين ضعفت هذه الثقة في نفوسهم، وتزعزع هذا اليقين في نفوسهم، وأصبحوا متميعين، غير مفتخرين بالإسلام ولا معتزين؟!
стр. 1246
العمل والتطبيق
الأمر الثاني: اللازم ليس مجرد الدعاوى والفخر، وإنما بعد الاعتزاز والافتخار: العمل والتطبيق، فأين حياتنا وواقعنا من أمر الله ، ومن هدي رسوله ﷺ ؟! سؤال يطرحه كل امرئ على نفسه، وينظر إليه وإلى جوابه في واقع أسرته وبيئته ومجتمعه، وإلى واقع الأمة الإسلامية في كثير من أقطارها ودولها، أليس كثير منها قد نحى شرع الله، وأخر كتاب الله، وقدم على ذلك أقوال البشر وقوانين أهل الأرض؟! أليس في كثير من ديار الإسلام ومجتمعات المسلمين إعلان الحرب على الله ، وإبراز للمخالفات البين تحريمها بالدليل القطعي من كلام الله وهدي رسول الله ﷺ ؟! والأمر في ذلك لا يحتاج إلى مزيد تفصيل وبيان، وإنما يحتاج إلى اتعاظ وادكار، وإلى مراجعة ومحاسبة.
стр. 1247
القيام بالجهاد والتضحية في سبيل نصرة الدين
وأخيراً: لا بد لنا أيضاً من أمر رابع نحمي به حمى هذا الدين، ونحمي به مقدرات المسلمين، وهو أمر الجهاد والمدافعة والتضحية في سبيل الله وفي سبيل نصرة هذا الدين، ما بال كثير منا إذا انتقص ماله أو نقصت وظيفته أو وقع له شيء من الضرر في أمور حياته أصابه الغم والهم، وسعى هنا وهناك، وإذا اعتدي على دين الله، واستهزئ برسول الله ﷺ ، وانتهكت حرمات المسلمين؛ لم تقم لهم قائمة، ولم يتحرك لهم نبض، ولم يتغير لهم وجه، ولم يتحرق لهم قلب؟ أين غيرة الإيمان؟! وأين صدق الالتزام بهذا الإسلام؟! اللهم إنا نسألك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، وأن توفقنا للعمل بالصالحات، والمسابقة والمسارعة إلى الخيرات، اللهم إنا نسألك أن توفقنا وأن تهدينا.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1248
واقع المسلمين في الانسياب وراء اليهود والنصارى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى الحرص على كل ما أمر الله جل وعلا به لا سيما الولاء والبراء الذي هو من صلب هذا الدين، ومن أصل عقيدة المسلمين.
أيها الأحبة الكرام! ما أسلفت ذكره أمثلة يسيرة، وإلا ففي كتاب الله وسنة النبي ﷺ نصوص كثيرة، وأدلة عديدة تبين لنا أن أمة الإسلام أمة متميزة تخالف غيرها، وقد هدى وأرشد النبي ﵊ في كثير من الأمور إلى المخالفة الصريحة الواضحة للأمم السابقة حتى يبقى لأمة الإسلام سمتها المتميز، وهذا السمت فيه تخفيف وتيسير، ورفع للحرج والمشقة، وتفضيل وتعظيم للأجر، وتقديم للمسلمين على غيرهم، وأيضاً له تبعات والتزامات ينبغي أن نحققها في أنفسنا اعتزازاً بهذا الدين وعملاً به، ودعوة إليه، وجهاداً في سبيل نصرته، وكثير من هذه الأوصاف في حقيقة الأمر قد غابت عن كثير من المسلمين، واتصف بها غيرهم، وإذا رأيت بعض المسلمين ربما لم تستطع تمييزهم؛ لأنهم أخذوا بصفات كثيرة مما جبل عليه اليهود والنصارى، وأهل الكفر والشرك، ومن ذمهم الله وقبح أوصافهم وأفعالهم، فأصبح الأمر مختلطاً، فحتى يكون لنا تميزنا وفضيلتنا نحن أمة الإسلام ينبغي أن نحرص على هذا الأمر كله.
стр. 1249
دور العلم في إصلاح النفس
لابد من إصلاح النفس من الجهل إلى العلم، فأمة الإسلام اليوم كثير من أبنائها لا يعرف دينه، ولا يقرأ قرآنه، ولا يطالع حديث وسنة وسيرة نبيه ﷺ ، بل كثير من أبناء الإسلام اليوم يعرف عن سقطة الناس وسفلتهم أكثر مما يعرف من أحداث سيرة المصطفى ﷺ ، ولذلك لا ينبغي أن نستعجب ونستغرب مما يحصل إذا رأينا كيف أصبحت النفوس ضعيفة من كثرة جهلها بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، ذكر شيخ الإسلام أن النفس بطبيعتها يغلبها الهوى، وينبغي لكل أحد -كما قال- أن يعرف أن النفس جاهلة ظالمة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح.
فكيف يكون العلاج؟ قال: لابد من علاج الجهل بالعلم النافع الذي يخرجها عن وصف الجهل، والعمل الصالح الذي يخرجها عن وصف الظلم.
قال الله على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، وكل الأنبياء استعاذوا من الجهل، وليس المقصود بالجهل مجرد عدم العلم، بل هو عدم الالتزام والعمل بهذا العلم كما هو معلوم.
فلنطالب أنفسنا جميعاً بأن نعظم ونزيد ونواصل الصلة بكتاب الله مداومة على تلاوته، وإحساناً لترتيله، وتأملاً وتدبراً في معانيه، واجتهاداً في الأخذ بأحكامه والتحلي بآدابه، وحرصاً على نشره وتعليمه والدعوة إليه، وذلك فيه من الأثر والخير ما فيه.
стр. 1250
أهمية الذكر في إصلاح النفس
لابد من الانتقال من الغفلة إلى الذكر، فالنفوس غلب عليها الران، والقلوب اشتدت فيها القسوة، وأظلمت النفوس من كثرة ما تركت من الطاعات والواجبات، ولابد في إصلاح النفس من هذا التذكر؛ فإن أحوالنا اليوم تدعو إلى لفت النظر؛ فإن نفوسنا كأنما هي في نوم بلا يقظة، وتسويف بلا حزم، وابتلاء بلا اعتبار، وكأن القلوب قد عميت، وكأن النفوس قد ركعت، كثير منا في عقول سادرة، وألسن لاغية، وآذان للباطل مصغية، فلا الآيات تُتلى، ولا الأحاديث تُروى، وربما تُتلى وتُروى ولكنها لا تجد آذاناً صاغية، ولا قلوباً واعية، ولا أنفساً متقبلة، ولذا لابد أن ننتبه، قال ابن كثير ﵀ في قوله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]: أي: لا توضع الموعظة في غير أهلها الذين لا يعتبرون ولا يتذكرون بها، والله قد وصف الغافلين وصفاً ينبغي أن نحذر منه، وصفاً يخلع قلب كل مسلم، ويجعله ينتبه ويرتاع حتى لا يكون من أهل هذا الوصف، وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فهل يرضى أحدنا أن يكون كالأنعام، وأن يكون كأنه لا قلب ولا عين ولا أذن له؛ لأنه لم يعتبر؛ ولأنه لم يتذكر؛ ولأنه ما زال غافلاً؛ ولأنه ما زال في الغي سادراً؛ ولأنه ما زال بالشهوات منشغلاً؛ ولأنه ما زال في الملذات منغمساً؟! هذه صورة -للأسف الشديد- تعمنا إلا من رحم الله، وإذا تذكرنا تذكرنا بقدر الحادث الذي مر، وبقدر النكبة التي مرت ثم عدنا من بعد ذلك إلى غفلتنا لنستمر في نومنا وغينا دون أن نجعل من هذه الأحداث محطات تغيير وأسباب تحول حقيقي دائم نحو ما ينبغي أن تكون عليه أحوالنا، وهذه مسألة مهمة لابد أن نعتبر بها.
كان أسلافنا من أصحاب القلوب الحية، والنفوس المطمئنة ذات التأثر العظيم، ولذلك نسمع من أقوالهم، ونعرف من أحوالهم إذا قرأنا سيرهم ما يلفت نظرنا إلى هذا المعنى، رأى بعض الناس الخوف في وجه أحد السلف فسألوه فقال: ذكرت ليلة صبحها يوم القيامة، وكما قال قائلهم: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
فأديموا المحاسبة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، واعتبروا بالأحداث الجارية، قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]، فهذه صفة قد ذم الله بها أولئك القوم من أهل الكتاب الذين انحرفوا عن نهجه ، فما بالنا نجعل ذلك من صفاتنا وخلالنا؟! نسأل الله السلامة.
стр. 1251
أهمية العمل في إصلاح النفس
لابد من التحول من الكسل إلى العمل، فكثيرون منا أخلدوا إلى الراحة، وأصبحوا يستثقلون أدنى درجات الحركة والنشاط فيما هو من الفرائض والواجبات، فضلاً عما هو فوق ذلك من السعي في مصالح المسلمين، والعمل على الإصلاح والتغيير، والتنادي إلى البر، والتعاون على البر والتقوى، وهذا -وللأسف الشديد- نادراً ما نجده، بينما نجد كدحاً وجداً وسبقاً وحثاً في مجال حياتنا الدنيوية، وكسبنا المادي، وطلبنا للترقي المعنوي، وغير ذلك مما نرى الناس يبذلون فيه عامة وقتهم، ومعظم جهدهم، وخالص فكرهم، ولا يكون لإسلامهم وإيمانهم وأحوال أمتهم مثل هذا الاعتناء والاعتبار والأخذ بالأسباب المهمة، والله دعانا للعمل بجد وبعزم وبحزم، وجعل العمل هو المناص فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]، وعندما دعينا للعمل دعينا بصيغ عظيمة، قال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، فهذه كلها صيغ تدلنا على أن الكسل والخمول لا موقع له ولا مكان له في صفة المسلم الحق، فكيف إذا كان المسلم في زمن ضعفت فيه الأمة، وذهبت هيبتها، وضاعت قيمتها، وتسلط عليها أعداؤها؟! إن الكسل حينئذٍ يكون جريمة عظمى، ويكون صورة من صور موات القلوب والنفوس، نسأل الله السلامة.
стр. 1252
واقع المسلمين في الانسياب وراء اليهود والنصارى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى الحرص على كل ما أمر الله جل وعلا به لا سيما الولاء والبراء الذي هو من صلب هذا الدين، ومن أصل عقيدة المسلمين.
أيها الأحبة الكرام! ما أسلفت ذكره أمثلة يسيرة، وإلا ففي كتاب الله وسنة النبي ﷺ نصوص كثيرة، وأدلة عديدة تبين لنا أن أمة الإسلام أمة متميزة تخالف غيرها، وقد هدى وأرشد النبي ﵊ في كثير من الأمور إلى المخالفة الصريحة الواضحة للأمم السابقة حتى يبقى لأمة الإسلام سمتها المتميز، وهذا السمت فيه تخفيف وتيسير، ورفع للحرج والمشقة، وتفضيل وتعظيم للأجر، وتقديم للمسلمين على غيرهم، وأيضاً له تبعات والتزامات ينبغي أن نحققها في أنفسنا اعتزازاً بهذا الدين وعملاً به، ودعوة إليه، وجهاداً في سبيل نصرته، وكثير من هذه الأوصاف في حقيقة الأمر قد غابت عن كثير من المسلمين، واتصف بها غيرهم، وإذا رأيت بعض المسلمين ربما لم تستطع تمييزهم؛ لأنهم أخذوا بصفات كثيرة مما جبل عليه اليهود والنصارى، وأهل الكفر والشرك، ومن ذمهم الله وقبح أوصافهم وأفعالهم، فأصبح الأمر مختلطاً، فحتى يكون لنا تميزنا وفضيلتنا نحن أمة الإسلام ينبغي أن نحرص على هذا الأمر كله.
стр. 1253
دور العلم في إصلاح النفس
لابد من إصلاح النفس من الجهل إلى العلم، فأمة الإسلام اليوم كثير من أبنائها لا يعرف دينه، ولا يقرأ قرآنه، ولا يطالع حديث وسنة وسيرة نبيه ﷺ ، بل كثير من أبناء الإسلام اليوم يعرف عن سقطة الناس وسفلتهم أكثر مما يعرف من أحداث سيرة المصطفى ﷺ ، ولذلك لا ينبغي أن نستعجب ونستغرب مما يحصل إذا رأينا كيف أصبحت النفوس ضعيفة من كثرة جهلها بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، ذكر شيخ الإسلام أن النفس بطبيعتها يغلبها الهوى، وينبغي لكل أحد -كما قال- أن يعرف أن النفس جاهلة ظالمة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح.
فكيف يكون العلاج؟ قال: لابد من علاج الجهل بالعلم النافع الذي يخرجها عن وصف الجهل، والعمل الصالح الذي يخرجها عن وصف الظلم.
قال الله على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، وكل الأنبياء استعاذوا من الجهل، وليس المقصود بالجهل مجرد عدم العلم، بل هو عدم الالتزام والعمل بهذا العلم كما هو معلوم.
فلنطالب أنفسنا جميعاً بأن نعظم ونزيد ونواصل الصلة بكتاب الله مداومة على تلاوته، وإحساناً لترتيله، وتأملاً وتدبراً في معانيه، واجتهاداً في الأخذ بأحكامه والتحلي بآدابه، وحرصاً على نشره وتعليمه والدعوة إليه، وذلك فيه من الأثر والخير ما فيه.
стр. 1254
أهمية الذكر في إصلاح النفس
لابد من الانتقال من الغفلة إلى الذكر، فالنفوس غلب عليها الران، والقلوب اشتدت فيها القسوة، وأظلمت النفوس من كثرة ما تركت من الطاعات والواجبات، ولابد في إصلاح النفس من هذا التذكر؛ فإن أحوالنا اليوم تدعو إلى لفت النظر؛ فإن نفوسنا كأنما هي في نوم بلا يقظة، وتسويف بلا حزم، وابتلاء بلا اعتبار، وكأن القلوب قد عميت، وكأن النفوس قد ركعت، كثير منا في عقول سادرة، وألسن لاغية، وآذان للباطل مصغية، فلا الآيات تُتلى، ولا الأحاديث تُروى، وربما تُتلى وتُروى ولكنها لا تجد آذاناً صاغية، ولا قلوباً واعية، ولا أنفساً متقبلة، ولذا لابد أن ننتبه، قال ابن كثير ﵀ في قوله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]: أي: لا توضع الموعظة في غير أهلها الذين لا يعتبرون ولا يتذكرون بها، والله قد وصف الغافلين وصفاً ينبغي أن نحذر منه، وصفاً يخلع قلب كل مسلم، ويجعله ينتبه ويرتاع حتى لا يكون من أهل هذا الوصف، وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فهل يرضى أحدنا أن يكون كالأنعام، وأن يكون كأنه لا قلب ولا عين ولا أذن له؛ لأنه لم يعتبر؛ ولأنه لم يتذكر؛ ولأنه ما زال غافلاً؛ ولأنه ما زال في الغي سادراً؛ ولأنه ما زال بالشهوات منشغلاً؛ ولأنه ما زال في الملذات منغمساً؟! هذه صورة -للأسف الشديد- تعمنا إلا من رحم الله، وإذا تذكرنا تذكرنا بقدر الحادث الذي مر، وبقدر النكبة التي مرت ثم عدنا من بعد ذلك إلى غفلتنا لنستمر في نومنا وغينا دون أن نجعل من هذه الأحداث محطات تغيير وأسباب تحول حقيقي دائم نحو ما ينبغي أن تكون عليه أحوالنا، وهذه مسألة مهمة لابد أن نعتبر بها.
كان أسلافنا من أصحاب القلوب الحية، والنفوس المطمئنة ذات التأثر العظيم، ولذلك نسمع من أقوالهم، ونعرف من أحوالهم إذا قرأنا سيرهم ما يلفت نظرنا إلى هذا المعنى، رأى بعض الناس الخوف في وجه أحد السلف فسألوه فقال: ذكرت ليلة صبحها يوم القيامة، وكما قال قائلهم: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
فأديموا المحاسبة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، واعتبروا بالأحداث الجارية، قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]، فهذه صفة قد ذم الله بها أولئك القوم من أهل الكتاب الذين انحرفوا عن نهجه ، فما بالنا نجعل ذلك من صفاتنا وخلالنا؟! نسأل الله السلامة.
стр. 1255
أهمية العمل في إصلاح النفس
لابد من التحول من الكسل إلى العمل، فكثيرون منا أخلدوا إلى الراحة، وأصبحوا يستثقلون أدنى درجات الحركة والنشاط فيما هو من الفرائض والواجبات، فضلاً عما هو فوق ذلك من السعي في مصالح المسلمين، والعمل على الإصلاح والتغيير، والتنادي إلى البر، والتعاون على البر والتقوى، وهذا -وللأسف الشديد- نادراً ما نجده، بينما نجد كدحاً وجداً وسبقاً وحثاً في مجال حياتنا الدنيوية، وكسبنا المادي، وطلبنا للترقي المعنوي، وغير ذلك مما نرى الناس يبذلون فيه عامة وقتهم، ومعظم جهدهم، وخالص فكرهم، ولا يكون لإسلامهم وإيمانهم وأحوال أمتهم مثل هذا الاعتناء والاعتبار والأخذ بالأسباب المهمة، والله دعانا للعمل بجد وبعزم وبحزم، وجعل العمل هو المناص فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]، وعندما دعينا للعمل دعينا بصيغ عظيمة، قال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، فهذه كلها صيغ تدلنا على أن الكسل والخمول لا موقع له ولا مكان له في صفة المسلم الحق، فكيف إذا كان المسلم في زمن ضعفت فيه الأمة، وذهبت هيبتها، وضاعت قيمتها، وتسلط عليها أعداؤها؟! إن الكسل حينئذٍ يكون جريمة عظمى، ويكون صورة من صور موات القلوب والنفوس، نسأل الله السلامة.
стр. 1256
استحباب صيام عاشوراء ومخالفة اليهود فيه
وأثني في هذا المقام بما بدأت به في شأن صيام عاشوراء، فإن النبي ﷺ قد حث عليه وأمر به وصامه ﵊، وأمر بأن يصام يوماً قبله أو يوماً بعده، وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة، وقد ذكر أهل العلم أن صيام يوم عاشوراء على ثلاث مراتب: أولها وأعلاها: صيام يوم عاشوراء ويوماً قبله ويوماً بعده.
المرتبة الثانية: أن يصوم يوم عاشوراء، وأن يصوم يوماً قبله وهو اليوم التاسع.
المرتبة الأقل: أن يفرد صيام يوم عاشوراء وحده، ومن لم يكن له في ذلك عذر فإنه يكون قد ترك الأولى، ووقع في خلاف ما حث عليه النبي ﵊، وهو أن يخالف اليهود بأن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده، ويوم غد هو تاسع أيام هذا الشهر (تاسوعاء)، فأذكر نفسي وإخواني بأن نصوم هذا اليوم والذي بعده، ومن استطاع فالذي بعده، وكذلك نحث أنفسنا ونحيي هذه المعاني التي ذكرناها مع هذه السنة في نفوسنا، فنحن نريد أن نطبق السنة، وأن ننتبه إلى المعنى العظيم الذي نبهنا إليه النبي ﵊ عندما بين المخالفة، وعندما بين الفضيلة بقوله: (أنا أحق بموسى منهم)، فنحن أحق بالرسل والأنبياء؛ لأننا على نهج قويم، وعلى دين عظيم، وعلى اتباع لنبي كريم ﵊، فالله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم ووفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، اللهم إنا نسألك أن توفقنا للصالحات، وأن تغفر لنا ما مضى وما هو آت برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا أرحم الراحمين! اللهم املأ قلوبنا بالإيمان بك، وأنطق ألسنتنا بالدعوة إليك، وسخر جوارحنا في العمل لنصرة دينك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم أذل الشرك والمشركين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المسلمين المؤمنين، المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، اللهم رحمتك بهم، اللهم إنا نسألك أن تفرغ على قلوبهم الصبر واليقين، اللهم ثبت أقدامهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جائعون فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم وانصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، واجمع كلمتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، اللهم واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم أنعم على بلاد المسلمين بالأمن والأمان والسكينة والسلام، اللهم ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واجمعهم على كلمة الحق يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 1257
السعادة والنجاة في الصلة بالله
لا سعادة للعبد، ولا حياة يغمرها الفرح والسرور والطمأنينة إلا بالقرب من الله ، والصلة به، واللجوء إليه، والتذلل والخضوع له، وإذا ما ابتعد الإنسان عن طاعة مولاه، وهجر أماكن الطاعة والعبادة، استبدل الفرح بالحزن، والطمأنينة بالضنك، والبشاشة بالكآبة، والرضا بالسخط.
стр. 1258
السعادة الحقيقية
الحمد لله، لا إله غيره، ولا رب سواه، جعل طمأنينة القلوب في ذكره، وزيادة النعم بشكره، وجعل السعادة في طاعته، وجعل اللذة في عبادته، له الحمد ، شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالقرآن، وهدى البصائر بالإيمان، نحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد في كل حال وفي كل آن، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله والحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، بعثه الله إلى الناس كافة أجمعين، وأرسله رحمةً للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا الله وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته.
وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! السعادة والنجاة في الصلة بالله حقيقة لابد من اليقين بها، ولا مخرج إلا بامتثالها وتطبيقها، كم في الصدور من ضيق ومن حرج! كم في القلوب من هموم وغموم! كم في الحياة من مشكلات ومعضلات! كم في العلاقات من سوء وانقطاع! كم في الأبناء من عقوق وتمرد! وفي الحياة من صورٍ مختلفة من الابتلاءات! يفضي المرء بها إلى شقاء عظيم، وإلى بلاء كبير، وهي في أصل خلقتها سنة الله جل وعلا في الحياة: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] إنها حياة ابتلاء، من لم يكن له بالله صلة صار في ابتلاء وشقاء، وإن المرء ليتأمل فيجد في حياة الناس في الجملة أسباباً كثيرة من أسباب النكد والهم والغم، فذاك حزين كاسف البال؛ لأنه لا يجد ما يريد وما يطمع فيه من المال، وذاك حزين متألم لما وجد من خصومة زوجته وعقوق أبنائه، وهذا متذمر من سوء جيرانه وأذاهم، والأخير متألم مكوي بنار في قلبه من ظلم الطغاة والجبابرة؛ وقهرهم له، وأخذهم لحقه، فأي شيء يسري عن تلك النفوس وما فيها من الأحزان والآلام؟! وأي شيء يسكب في تلك القلوب الحزينة الكسيفة الطمأنينة والسكينة؟! وكيف تخلص السعادة واللذة إلى النفوس والأرواح رغم كل هذه البلايا والرزايا؟! إن الدنيا كلها وما فيها من متع وشهوات لا يمكن أن تحل هذه المشكلات، ولا أن تزيل تلك الهموم، وإن أسباب القوة المادية من جاه وسلطان لا يمكن كذلك أن يكون لها أدنى أثر ولا أقل فائدة، إنه لا بد لنا أن نعرف أصل خلقتنا: قبضة طينٍ ونفخة روح: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٩] إن الأرواح أثر من نفخة روح الله ! إن القلوب والنفوس لا يطعمها ولا يغذيها ولا يشبعها ولا يرويها غذاءٌ وشرابٌ وطعامٌ من أثر هذه الحياة الدنيا! وإنما غذاؤها روحي، وإنما ريها رباني، وإنما تطلعها لما في الملأ الأعلى، لا بد أن ندرك هذه الحقيقة، وإلا يكن الأمر كذلك فإنه الشقاء المحتوم، والبلاء الدائم، والهم العظيم، والغم المتوالي، وذلك ما نشكو منه، وذلك ما نحس به؛ لأن القلوب لم يخلص إليها روحٌ من الله من أثر التعلق به، وحسن الصلة به، وذلك ما دلت عليه الآيات، وما استنبطه العلماء، وما بينته وقائع سيرة المصطفى ﷺ ، فلنقف هذه الوقفات التي نحن في أمس الحاجة إليها مع صعوبة وشدة وشقاء وعناء هذه الحياة.
стр. 1259
من كلام السلف في أسباب السعادة
قال إبراهيم بن شيبان: من أراد أن يكون معدوداً في الأحرار، مذكوراً في الأبرار؛ فليخلص عبادة ربه.
إنك بدون ذلك التعلق تبقى عبداً مأسوراً لحاجتك، ذليلاً لمن تمد إليه يدك غير الله، مقهوراً لكل من تخافه غير الله ، أما إذا علقت القلب به، وأخلصت النية له، ووجهت القصد والوقت والجهد في طاعته ومرضاته، فأنت حر الأحرار، وأنت بر الأبرار، وأنت الناجي من عذاب النار بإذنه ، وكذلك نجد هذا فيما كان يقوله أسلافنا.
سئل ذو النون ﵀: فيم يجد العبد الخلاص؟ وكلنا نسأل هذا السؤال كلنا نريد الخلاص كلنا نريد النجاة كلنا نريد السعادة، فقال ﵀: الخلاص في الإخلاص، فإذا أخلص تخلص من كل هم دنياه، تخلص من كل تسلط أعدائه، وتخلص من كل حاجات نفسه الدنية الدنيوية؛ ليبقى سامياً عالياً مرتقياً على الدنيا وما فيها، وعلى أهل الدنيا جميعاًَ، فإن قوته وصلته بالله تعطيه من الغنى والاستغناء ما لا يكون أهل الأرض كلهم يوازون عنده جناح بعوضة كما قال سيد الخلق ﷺ : (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، ونحن لنا مطامع إذا علقناها بالله وجدنا الخير والسعادة والحرية، وإذا علقناها بأسباب الحياة لم نجد ما يشبع النهمة ويروي الظمأ، ثم كنا أسرى ضعفاء لا نستطيع أن نحقق مرادنا في دنيانا، ونحشى ألا نحقق نجاتنا في أخرانا.
قال ابن تيمية ﵀: كلما طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له، وحريته عما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، فإن احتجت إلى غير الله فأنت أسيره.
وتأمل أخي المؤمن ماذا تريد من الدنيا؟ وماذا تريد في الآخرة؟ اسأل نفسك، وتلمس الإجابة، فإنك تجدها كلها متعلقة بأمر الله وطاعته، وتعليق القلب به، وربط الحبال بما عنده ، ألست تريد تكثير الحسنات وتكفير السيئات؟ استمع لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق:٥] ألست تريد العلم والفقه والفهم؟ استمع لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ألست تريد الفرج والرزق ورغد العيش؟ استمع لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ألست تريد الفرح والسرور والسعادة؟ استمع لقول الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] المعين عذبٌ متدفق فأين الواردون الشاربون؟ والطريق واضحٌ مستقيم فأين السالكون المشمرون؟ تأملوا لنجد أن شقاءنا مغروس في نفوسنا بما أعرضت عن ذكر الله، وبما فرطت من التعلق بالله ، لنجد أن كل ما نحتاج إليه كما أسلفنا القول في بدء حديثنا مبدؤه ومنتهاه، أوله وآخره، سراؤه وضراؤه، دنياه وأخراه مرتبطٌ بحقيقة التعلق بالله، ألستم تعرفون أحاديث المصطفى ﷺ ؟ ألسنا نحفظ قوله: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)؟ ألسنا نعرف فقه الابتلاء الذي يزيل الهم والغم، وينفس الكرب في حديث المصطفى ﷺ : (ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا تعب ولا همٍ ولا غمٍ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)؟ ألسنا نعرف وصيته العظيمة قالها لغلامٍ في مقتبل عمره: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)؟ أين نحن من هذا؟! نسأل الله أن يردنا إلى كتابه، وإلى هدي رسوله، وأن يروي ظمأ قلوبنا، وأن يطهر كدر نفوسنا بالإقبال عليه والتعلق به، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء فيه.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1260
كلام نفيس لابن القيم في السعادة
قال ابن القيم ﵀ في إطلالة قرآنية، واستنباطات روحانية، ودلالات علمية تكشف حقيقة الحياة البشرية، وتدل على سبل النجاة الحقيقية، قال رحمه الله تعالى: (قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر:٢١] متضمن لكنز من الكنوز، وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه، ومفاتيح تلك الخزائن بيده، وأن طلبه من غيره ممن ليس عنده ولا يقدر عليه أمرٌ غير محمود ولا معقول.
وقوله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] متضمن لكنز عظيم، وهو أن كل مراد لم يرد لأجله ويتصل به فهو مضمحل منقطع، فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها، فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعذاب، وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه، فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر:٢١]، واجتمع كل ما يراد له في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢]، فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى، وتحت هذا سرٌ عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ولا يسكن إلا بالوصول إليه).
إنها حقائق القرآن، إنها الوقائع الحقيقية في حياة البشرية، أفلا ترون غير المسلمين عموماً وبعض المسلمين الشاردين عن طاعة الله خصوصاً، كيف تيسرت لهم أسباب الدنيا، وكيف كسروا حواجز الحرام فأكثروا من شهواتها وملذاتها، وكيف تيسرت لهم كثير من الأسباب التي يتمناها غيرهم من الناس، فهل خلصت السعادة إلى نفوسهم؟! وهل سكنت الطمأنينة قلوبهم؟! كلا والله، إنك لترى الشقاء مرسوماً على جباههم، وبادياً في وجوههم، وظاهراً في حزنهم، ومتجلياً في كسف بالهم، إنك تراهم وقد ملكوا الدنيا وأسبابها وهم ما يزالون في نكد وبلاء وضيق؛ لأن شقاء الدنيا كله قد جمعته وأوجزته حقيقة ربانية في شطر آية قرآنية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] ضنكٌ في كل شيء، ضنكٌ في أسباب الحياة المادية والمعنوية، ضنك في أسباب الحياة الفردية والجماعية، ضنك في أسباب الحياة الداخلية والظاهرية، ضنك لا يكاد ينفك عنه أحدٌ إلا إذا أقبل على الله، وعلق قلبه بالله، وأفضى بعوالج ولواعج قلبه ونفسه إلى خالقه ومولاه، لا يمكن أن يتخلص من همه وغمه إلا بتلك المناجاة والتضرع إلى الله، والإقبال على الله، فإنه لا يسد فاقة القلب ولا يلم شعثه إلا الإقبال على الله، ولا يمكن لأحدٍ أن يطلب تلك السعاة والراحة إلا من هذا الطريق، وإلا فإنه محجوب مردود على عقبه غير بالغ مقصده، ولا نائل إربه، وتلك الحقيقة تنطق بها الآيات، وتشهد بها الوقائع في حياة الناس، وهذه كلمات أخرى تدل على ذلك وتؤكده في كل صور الحياة النفسية والقلبية التي يحتاجها كل إنسان على سبيل العموم، وكل مؤمن مسلمٍ على سبيل الخصوص، إن في القلب شعثاً لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزنٌ لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلقٌ لا يسكنه إلا الاجتماع إليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، وفيه طلبٌ شديدٌ لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً، وها نحن أيها الإخوة الأحبة نوضح هذه الحقيقة فهل إلى مراجعة من سبيل؟! وهل إلى مصارحة من طريق تجعلنا ندخل السرور إلى نفوسنا، ونذهب الهم والحزن عن قلوبنا، ونشيع اللذة والحبور والسرور في أرواحنا؟! استمعوا إلى نداء القرآن الفريد العجيب: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] وكل شيء خفته فررت منه، وكل شيء يمكن أن يكون سبباً -ولو بتقديرٍ- في شيء من ضرٍ لا يتصور أن يكون علاجه وبرؤه منه لكنها الحقيقة الربانية، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] كلما أظلمت الدنيا في وجوهكم فروا إلى الله كلما تعاظمت المشكلات والصعوبات فروا إلى الله كلما ضاقت الصدور وقست القلوب فروا إلى الله كلما جمدت الأعين وقحطت الدموع فروا إلى الله كلما لغت الألسن وأكثرت من الباطل فروا إلى الله تجدوا عنده كل ما يملأ قلوبكم ونفوسكم أنساً وسعادة وسروراً، وذلك أمره بينٌ وقد فقهه أسلافنا وعلماؤنا وأئمتنا، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى ذلك كله، فهو أمرٌ يفقهه ويعرفه -بل يذوقه ويستشعره- كل مؤمن يقبل على الله ويقف بين يديه، ويتوسل إليه، ويتضرع إليه، وذلك مما تشهد به وقائع أحوالنا، فعندما تتغير أحوالنا في بعض الأوقات عند الملمات أو في المناسبات والطاعات نشعر بأثر ذلك، ونشعر بلذة في لحظات نقيسها ونزنها بسنوات وسنوات؛ لأنه ليس هناك أثقل ولا أجمل ولا أفضل من تلك السعادة النفسية الروحية التي فيها هدوء البال، وسكينة النفس، وطمأنينة القلب، ورشد العقل، وسكينة تفيض على الإنسان كل هذه المعاني الطيبة الحسنة.
стр. 1261
قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أنموذج نتلمس فيه كل ما قلناه من تلك المعاني، أنموذج في فريضة الصلاة التي افترضها الله علينا في كل يوم خمس مرات، لنرى كيف يمكن أن تكون هذه الصلاة هي سعادة دنيانا، ونجاة أخرانا، وراحة نفوسنا، وطمأنينة قلوبنا، وانشراح صدورنا، وهدوء بالنا، ولذة حياتنا، وسعادة أفراحنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] كلما ادلهمت الخطوب، وعظمت الرزايا، فلنفعل ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، (كان إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة) ألق فيها همك، واطرح فيها بين يدي ربك شكواك، وارفع إليه مناجاتك، وتضرع إليه، فإن ذلك يحقق لك كل طمأنينة وسكينة، وتأملوا حديث المصطفى ﷺ وهو يوجز الدنيا ومتاعها، ويجعل الكفة الراجحة في سعادة القلب والنفس في هذه الصلاة: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، تلك من متاع الدنيا، لكن قرة العين وهي منتهى السعادة، وغاية اللذة، وقمة السرور، وأقصى ما يجد الإنسان فيه راحته وسعادته، قال ﵊: (في الصلاة تلقي همك، وتبث شكواك إلى ربك ومولاك) فأي شيء من هم يبقى بعد ذلك؟! وكان ﵊ ينادي بلالاً فيقول: (أرحنا بها يا بلال! أرحنا بها يا بلال!) راحة من كل تعب، وهدوء من كل صخب، وسعادةٌ من كل شقاء نجدها في تعليق القلوب إلى الله، وسجود الجباه لعظمته ، وتسبيح الألسنة له، وذكرها له ، ونرى ذلك واضحاً فيما بينته سنة النبي ﷺ ، كيف نزيل الكدر والهم والغم؟ كيف نطهر الأبدان والأرواح؟ (أرأيتم لو أن نهراً غمراً يجري بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، يا رسول الله! قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) ويمحو كذلك كدر النفوس، وهم القلوب، وضيق الصدور بإذنه جل وعلا، وكذلك نجد ذلك في السير والأحاديث والنصوص، وحسبنا في ذلك أن نذكر الحديث العظيم الذي أخبر فيه نبينا ﷺ عن رب العزة والجلال أنه قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله جل وعلا: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله جل وعلا: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: حمدني عبدي وذلك بيني وبينه، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).
تأمل أنت العبد الفقير الحقير إذا وقفت بين يدي الله كل كلمة تتلوها من آياته يرد بها عليك، إذا وقفت بين يدي الله في مقام الصلاة والمناجاة فإن الله يرى مقامك، ويسمع مناجاتك، ويرد على تلاوة آياتك، فأي شيء أعظم من ذلك!، وأي مقام أرفع من هذا! تأمل هذا واعلم أن هذا أنموذج فحسب، وإلا ففي الذكر فسحة واسعة، وفي الدعاء لذة غامرة، وفي الإحسان إلى الخلق سور عظيم، وفي كل طاعة من طاعات الله ما تسكن به النفوس وتسعد.
نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، اللهم زك نفوسنا، وطهر قلوبنا، واشرح صدورنا، وأنر بصائرنا، واهد عقولنا، وثبت أقدامنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل طاعتك أحب إلينا من دنيانا، اللهم اجعل ذكرك أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، اللهم اجعلنا مقبلين على طاعتك، متلذذين بمناجاتك، اشرح اللهم بها صدورنا، وطمئن بها قلوبنا، اللهم علق قلوبنا بطاعتك ومرضاتك، لا تجعل لنا في الدنيا قصداً إلا إليك، ولا رغبةً إلا فيما عندك، ولا رهبة إلا من عذابك، نسألك اللهم أن تجعلنا منيبين إليك، متوكلين عليك، خائفين منك، راجين فيك، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم إنا نسألك أن تستخدمنا في طاعتك، وأن تسخر جوارحنا في مرضاتك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن تحسن ختامهم، وترفع في الآخرة مقامهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا ومثوانا ومنقلبنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، احصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم اجعل الخلف في صفوفهم، اللهم رد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واشف فيهم صدور قومٍ مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا وأذلوا عبادك المؤمنين وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم عليك بهم أجمعين يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم وعظم يقينهم يا رب العالمين! واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، واجعلنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1262
تأملات في الهزائم والانتصارات
إن الله إذا قال فإن قوله حق، وإذا وعد فإنه لا يخلف الميعاد، وقد وعد هذه الأمة بالنصر والتمكين، إلا أن هذا النصر متخلف فهذه الأيام، وما ذاك إلا بسبب التضييع لدين الله، والبعد عنه ، وكثرة المعاصي والفواحش، والمجاهرة بها في بلاد المسلمين، فإذا رجعت الأمة إلى دين الله، وعملت بأسباب النصر، عندها يتحقق موعود الله لها بالنصر والتمكين.
стр. 1263
إعلان النصر قبل المعركة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده على آلائه التي لا تعد ولا تحصى، ونصلي ونسلم على خير خلق الله، وخاتم رسل الله، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته، واقتفى أثره، وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة.
أما بعد: أيها الإخوة الأحبة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله جل وعلا أن يُكتب هذا اللقاء في موازين حسناتنا، وأن يرزقنا من ورائه نفعاً، وأن يكتب لنا به أجراً.
وأبدأ بعد شكر الله جل وعلا بشكر أخي فضيلة الشيخ عبد الوهاب الذي كان سبباً في هذا اللقاء، وأشكر الإخوة الحضور الذين أحسنوا الظن بما قد ينتفعون به من سماع هذا الموضوع، وأما بُعد الشقة واختلاف البلاد فإني أقول: ما جئت من بلد ناء إلى بلدي بل جئت من كبد حرى إلى كبدي ولقيا الوجوه الطيبة والإخوة الصالحين تذكر بالآخرة، وتعين على الطاعة، وتجدد العزم، وتقوي الهمة، وتبعث روحاً جديدة يأنس بها الإنسان، ويشعر أن له إخوة معه على الدرب والعهد، مهما اختلفت ديارهم أو لهجاتهم أو أفكارهم من حيث تعليمهم ومراتبهم الاجتماعية والعلمية، وهذا أمر يشعر به أهل الإيمان بلا خلف أو تفرقة بينهم.
موضوع حديثنا هو: (تأملات في الهزائم والانتصارات) فإنه يسلط الضوء على هذا الموضوع من جهة المواقع الفاصلة، والأحداث الكبرى في بعض مراحل تاريخ الأمة المسلمة، والله قد قص علينا قصص السابقين، وساق لنا قصص الأنبياء والمرسلين؛ لنتدبر فيها، ونستقي منها العبرة، ونقرأ بين سطورها وفي ثناياها الدروس التي كتبها الله في قواعد محكمة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، وكما قضى الله بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وكما قضت حكمته أن قطع على نفسه الوعد بأنه يدافع عن الذين آمنوا، وربط الشرط بمشروط في قوله جل وعلا: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] غاية الأمر أننا نريد أن نسلط الضوء لنقرأ فيما وراء الأحداث، ولنتأمل في الأمور التي قد لا يكترث الناس بها، ولا تخلد في أذهانهم، ولا تبقى في عقولهم.
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضاع قوم ليس يدرون الخبر إن أمة لا تقرأ تاريخها لا يمكن أن تعرف حاضرها، ولا أن تخطط لمستقبلها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] هذه الدنيا كلها بما فيها من الأحداث درس وعبرة يظهر للمؤمن فيها قدر الله النافذ، وحكمته البالغة، ومشيئته التي لا يردها شيء، وكذلك تظهر له من خلالها الصورة الحقيقية لأسباب النصر، والصورة الحقيقية لأسباب الهزيمة.
وأبدأ بالنقطة الأولى: إعلان النصر قبل المعركة: معلوم أن الانتصار لا يعلن قبل اللقاء، وأنه في المعارك والمهام يبقى الجزم بالنصر حتى اللحظات الأخيرة غير معروف، لكن سنأخذ ومضات سريعة نرى فيها أن النصر أعلن قبل بدء المعركة في كثير من الأوقات، وذلك ينبئ عن أن الذي جزم بهذا النصر قبل اللقاء قد استحضر أموراً معينة، ورأى أسباباً مهيأة، وعرف حقائق إيمانية لا تزول ولا تتغير، فجزم بذلك في أول يوم من أيام الله .
في يوم الفرقان يوم بدر الأغر، لما قضى الله أن يلتقي محمد ﷺ وصحبه الكرام الميامين بكفار قريش، ولم يكونوا قد تهيئوا لذلك، وعندما صفت الصفوف، وتعين اللقاء ماذا صنع الرسول ﷺ ؟ توجه إلى الله وهو يناشد ربه ويسأل مولاه، ويلحف في المسألة، ويلح في الدعاء، ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها -ويلح ﵊ اللهم نصرك الذي وعدتني، حتى سقط الرداء من كتفه الشريف ﷺ ، ويبكي أبو بكر ﵁ ويقول: حسبك يا رسول الله! فإن الله منجز لك ما وعد)، أي: يكفي هذا الإلحاح وهذا الدعاء، فماذا حصل بعد ذلك؟ أخذ النبي ﷺ بحفنة من الحصى، ورمى بها في جهة الكفار وقال: (شاهت الوجوه، ثم قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع عقبة بن أبي معيط، هذا مصرع أبي جهل، هذا مصرع أبي، هذا مصرع أمية بن خلف)، ويعين مواضع مصرعهم، قال الرواة في السير: فما أخطأ واحد منهم ما أشار به ﷺ ، لقد حكم ﵊ بالنصر؛ لأنه كان يعلم من أصحابه قلوباً مؤمنة بالله، وجباهاً ساجدة لله، وصفاً موتد العرى بالمحبة والألفة في الله ، فتحققت أسباب النصر، فأعلنه ﵊ قبل بدء المعركة.
وفي موقف أكثر شدة وضراوة وقسوة على المسلمين، اجتمع فيه عليهم شدة البرد، مع شدة الجوع، مع شدة الخوف، مع كثرة العدو، مع خيانة الذي كان نصيراً، وذلك في يوم الأحزاب الذي وصفه الله وصفاً عجيباً فقال : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١] في ذلك الموقف العصيب، وقد اجتمعت قريش وغطفان ومن معهم من بعض القبائل والأحابيش، وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، وحاصروها، ورسول الله ﷺ قد بلغ به وبأصحابه الأمر مبلغاً عظيماً من شدة الجوع والخوف والبرد، ثم يرسل ﵊ السعدين ليستجليا له خبر قريظة، قال: (فإن كانوا على العهد فأظهروا ذلك، وإن كانوا قد نقضوا فالحنا لي لحناً أعرفه ولا يعرفه غيري)، فلما بلغه الخبر ﵊ بنقض قريظة للعهد، وكان ذلك بمثابة الطعنة من الخلف، وبمثابة آخر حجر من أحجار البناء الذي يظن في الصورة المادية أنه بدا متهالكاً متداعياً، يوشك أن يسقط على الرسول ﵊ وصحبه، عندما بلغه هذا الخبر كبر ﵊ وقال: (الله أكبر، الله أكبر، أبشروا بالنصر)، في عمق المأساة، وفي شدة الكرب، يكبر ﵊ ويجزم بالنصر، ولم يكن يعرف له سبباً، ولم يكن يعرف من وحي الله ما سيقع بعد، ولكنه رأى أسباب النصر: أمة موحدة لله ، ما لانت ولا داهنت في دينها، ولا باعت مبادئها، ولا غيرت عهدها مع الله ، أمة متوحدة مترابطة قلبها قلب رجل واحد، فقال ﵊: (أبشروا بالنصر).
فجاء نصر الله من حيث لم يحتسبوا، ولم يشعروا، ولم يعرفوا، فإذا بالريح تطفئ النار، وتكفئ القدور، وإذا بـ أبي سفيان زعيم القوم ينهض ناقته ويقول: يا أهل مكة! لا مقام لكم فارجعوا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]، وبث في قلوب الكفار الرعب، وجاء النصر.
وقد يقول قائل: إن هذا الإخبار من الرسول ﷺ وحي فله أن يعلن النصر قبل المعركة، ولكني أقول: إن هذا ليس من هذا النحو، وإن كان المصطفى ﵊ مسدداً بالوحي، لكن الأمر كان منه ﵊ نظراً في هذه الأسباب؛ ولذا قد وقع من غير الرسول ﵊ من أهل الصلاح والإيمان من هذه الأمة الإسلامية من جزم بالنصر، كما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في عام (٧٠٢هـ) في موقعة (شقحب)، عندما تلاقى المسلمون والتتار، فقد كان شيخ الإسلام رحمة الله عليه يحرض المسلمين على القتال، ويحثهم على الجهاد، ويأمرهم بالدعاء، ثم يقول: والله! إنكم لمنصورون عليهم هذه الكرة، فيقولون له: قل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً.
سبحان الله! يجزم ويحلف، وإذا قيل له: قل: إن شاء الله يقول: إن شاء الله تحقيقاً، أي: أن ذلك واقع لا محالة، ولكنه بمشيئة الله ، لا تعليقاً كأنه يشك في نصر الله ، لم جزم شيخ الإسلام بذلك وليس هو ممن يوحى إليه قطعاً؟ هو من أمة محمد ﷺ ، لكنه قد رأى بأم عينيه ملامح النصر تتحقق في الأمة المسلمة، فعلم أن قوماً قد لجئوا إلى الله ، ونابذوا المعاصي، وتوحدت صفوفهم، سينصرهم الله ؛ لأن وعده لا يتخلف: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
هذه الومضة ليست هي مقصودنا في الحديث، إنما مقصودنا أن النصر والهزيمة لا يتعلق بالأمور المادية الظاهرة، وإنما يتعلق أكثر ما يتعلق بالأمور والأسباب المعنوية الإيمانية التي فيها وفاء بعهد الله، والتزام بشرع الله .
стр. 1264
النصر بعد الهزائم الساحقة
ومضة أخرى تدلل على هذا وتقودنا إلى لب حديثنا.
النصر بعد الهزائم الساحقة، إن الأمة التي تهزم هزيمة شديدة وقاصمة وقوية لم يتوقع لها أن تنهض من كبوتها، ولا أن تعود إلى عزتها بسرعة، وهذا أمر في المقاييس المادية معروف ملموس، لكننا سنجد كما سأضرب بعض الأمثلة من مواقف التاريخ في حياة الأمة المسلمة ما يعكس هذه الصورة، وذلك يدلنا على أن الهزائم القوية لا تبلغ أحياناً من المهزومين مبلغاً إذا كانت لم تصل إلى إيمانهم، ولم تنل من عزائمهم، ولم تزعزع صلتهم وثقتهم بالله ، ولم تجعلهم ممسوخين في أفكارهم وفي مبادئهم وفي اعتزازهم بشخصيتهم ودينهم، ولذلك نجد هناك مواقع حاسمة في تاريخ الأمة: في عام (٤٩١هـ) اقتحم النصارى بيت المقدس وأخذوها، ودخلوا إلى المسجد الأقصى، وقتلوا فيه من المسلمين كما يذكر ابن كثير نحو سبعين ألف نفس، حتى غاصت ركب الخيول في دماء المسلمين! هزيمة مروعة، وفظاعة من القتل والوحشية تنخلع لها قلوب الرجال الأشداء فضلاً عن غيرهم، ومع ذلك يذكر التاريخ بعد عامين اثنين فقط في عام (٤٩٣هـ) أنه التقى بعض جيش المسلمين من أهل الشام مع أولئك النصارى فكسروهم كسرة لم يسمع التاريخ بمثلها، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: أن عدة جيش النصارى كان نحو ثلاثين ألفاً قتلوا عن بكرة أبيهم، وما بقي منهم إلا ثلاثة آلاف أسر بعضهم، وجرح بعضهم، وهرب بعضهم! أولئك الذين هزموا لم يزل فيهم من أسباب النصر ما هيأ لمجموعة قليلة منهم أن يتحققوا بأسباب النصر، ارتباطاً بالله، وثباتاً على منهجه، فنصرهم الله وهم لم تهدأ جراحهم بعد، ولم يتنفسوا الصعداء بعد أن هزموا في تلك الموقعة الشديدة.
وفي عام (٦٥٦هـ) دخلت جيوش التتار بغداد، ونعلم سيرة التتار وقصصهم وما عندهم من الفظاعة والهول، ثم بعد عامين اثنين، وفي يوم الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك في عام (٦٥٨هـ) تأتي موقعة عين جالوت، ويُهزم فيها التتار، وهم الجيش الذي لا يقهر كما يقال، الوحوش التي لم تكن تنتسب إلى البشرية في ذلك الوقت عند الناس، يكسرون كسرة ما سمع بمثلها من قبل، لماذا؟ لأن بعض الأسباب كانت قد تحققت.
وقبل ذلك كان الانتصار الأعظم لرسول الله ﷺ في أعقاب أحد، لما دارت الدائرة على المسلمين في آخر المعركة، ومضى منهم إلى الله سبعون من الشهداء، وأثخن البقية بالجراح، وشج وجه النبي ﷺ ، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنته ﵊، ثم رجعوا إلى المدينة، وإذا برسول الله ﷺ ينادي أهل أحد أن يخرجوا، لأي شيء؟ هل طلبهم أو ندبهم أن يخرجوا للعلاج أو ليخففوا من آثار ما وقع بهم؟ أمرهم أن يخرجوا ليلحقوا بـ أبي سفيان ومن معه من مشركي قريش، هذا وجراحهم ما تزال تنزف دماء! وما يزال الواحد منهم يحمل يده المقطوعة أو رجله المقطوعة! وأمر ألا يخرج معهم أحد أبداً ممن لم يشهد أحداً، فماذا كان موقف الصحابة؟! ما تخلف منهم رجل واحد: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٣] خرجوا وما تخلف منهم رجل واحد؛ لأن الهزيمة لم تبلغ نفوسهم فتضعضعها، ولم تبلغ إيمانهم فتضعفهم، بل كان إيمانهم أعظم من الجبال الرواسي، وهممهم أعلى من ذرى السحاب؛ ولذلك استجابوا لرسول الله ﷺ ، وما اعتبروا مهزومين، بل خرجوا وأقاموا في حمراء الأسد ثلاثة أيام أو أربعة أيام بلياليها، ولما أنصرف أبو سفيان قال: ما بلغنا من القوم مبلغاً، ما قتلنا محمداً ﷺ ، ولا قتلنا أبا بكر ولا عمر، ولا استأصلنا شأفتهم، ولا غزونا مدينتهم.
وكان يفكر بالرجوع، فإذا بأحد الأعراب يمر عليه فقال: ما خبر محمد؟ قال: رأيته يجد هو وأصحابه في أثركم، فلاذ أبو سفيان بالفرار إلى مكة قناعة بالنصر الهزيل الذي وقع له.
إذاً: إذا لم تنل الهزيمة من الإيمان ومن النفوس والعزائم فإن الجولة القادمة وشيكة الوقوع بإذن الله ، وقد فطن لهذا أعداء الأمة، فلم يكن اعتناؤهم -بعد دراسة طويلة للحروب الصليبية- بكسر المسلمين عسكرياً وحربياً فحسب، بل كانوا يريدون أن يطيلوا أمد الهزيمة دهراً طويلاً، وأن يعمقوا تأثيرها في النفوس والقلوب والعقول والسلوكيات والأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حتى ينخروا في بنيان الأمة، فلا تقوم لها قائمة في تصورهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
стр. 1265
بيت المقدس وما حصل فيه من هزائم وانتصارات
الوقفة الثالثة: وهي لب موضوعنا: نريد أن نقف في بعض المفاصل التاريخية؛ لنقرأ بين السطور ماذا وقع في الهزائم؟ وكيف وقعت الانتصارات في تاريخ الأمة المسلمة؟ هذه المفاصل كثيرة، وسأذكر منها اثنين بالتفصيل، وإن سمح الوقت ذكرنا ثالثاً.
الأول: ما يتعلق بحقوق بيت المقدس، والثاني: سقوط بغداد، والثالث: موقعة شقحب؛ لأن فيها دروساً عظيمة جداً.
في بيت المقدس لننظر كيف كان توجه المسيحيين في ذلك الوقت؟ وكيف توجهوا لقتال المسلمين؟ وبأي منطق وتحت أي مبدأ تجمعوا؟ نقرأ في سطور التاريخ وفي وقائعه ما ينبئنا عن أن في كل جولة لابد من تحقق أسباب، ومن رؤية معالم هي التي تكون بها الهزيمة أو يقع بها -بعد إذن الله النصر، تجمع المسيحيون تحت راية المسيحية، وتنادوا باسمها، وهذا المكمن الذي ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لا نصر لهم إلا تحت راية الإسلام، وإلا أن يتنادوا باسم نصرة العقيدة والإيمان، أما غير ذلك فقد رأت الأمة هذه الصورة، وتجرعت مرارتها حينما تجمعت مرة باسم القومية، وأخرى باسم البعثية، وثالثة باسم الاشتراكية، فهوت بها كل واحدة إلى هاوية وبعد سحيق.
في ذلك الوقت ماذا كان من المسيحيين؟ إمبراطور القسطنطينية يبعث إلى ملك آخر من ملوك المسيحية في ذلك الوقت، ويناديه بنداء يستصرخ فيه الهمة لقتال المسلمين، فماذا يقول؟ يقول: إلى رجال الدين والدنيا تحية وسلاماً، أيها السيد العظيم! حامي حمى العقيدة المسيحية، أود أن أحيطك علماً بما وصل إليه تهديد الأتراك -يعني: السلاجقة المسلمون- للإمبراطورية الإغريقية المسيحية المقدسة، فهم يعملون فيها السلب والتخريب كل يوم، ويتوغلون في أراضيها دون انقطاع، وكم من مذابح وتقتيل وجرائم تفوق حد الوصف يقترفونها ضد المسيحيين الإغريق -وهذا أكثره كذب- فضلاً عن السخرية والتحقير، فإنهم يذبحون الأطفال والشباب داخل أماكن التعميد، حيث يريقون دماء القتلى محتقرين بذلك المسيح؛ لذا أستحلفك بمحبة الله وباسم جميع المسيحيين الإغريق أن تمد لنا وللمسيحيين الإغريق العون والمساعدة، وذلك بتقديم جميع جنود المسيحيين من كبير وصغير، فضلاً عن العامة ممن يتسنى جمعهم من بلادك.
فهذا تناد باسم الإيمان والعقيدة الباطلة، وتناد بالنصرة بالقوة الفعلية المؤثرة، وليس بمجرد القول أو الشجب أو الاستنكار أو البيانات، وليس تحت راية علمانية أو اشتراكية أو غيرها، فهكذا كان تجمعهم في ذلك الوقت، وكانت نظرة حديثهم.
بل إن الذين كانوا يقودون تلك الحروب ويؤججونها ضد المسلمين هم زعماء الدين، فهذا البابا أريان الثاني يوجه في مؤتمر كليرمونت في ذلك الوقت نداءه إلى أبناء الملة المسيحية كلها، فيقول: يا شعب الفرنجة شعب الله المحبوب المختار! لقد جاءت من تخوم الصين ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة، تعلن أن جنساً لعيناً -يقصد به المسلمين- أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في تلك البلاد بلاد المسيحيين، وخربها بما نشره فيها من أعمال السلب والحرائق، ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع تعذيب، وهم يهدمون الكنائس بعد أن دنسوها برجسهم.
إذاً: مرة أخرى نداء العاطفة العقدية الإيمانية، ثم يقول: ألا فليكن لكم من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم، فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! وهنا يربط بمبدأ مهم وهو القدوات التاريخية التي ترتبط بها الأمة لارتباطها بمنهج الله، فتثير فيها الهمة والعزيمة، واليوم يغير التاريخ ويدلس لتغيب القدوات الصالحة، ويغيب الأئمة من العلماء، ويغيب القواد من المجاهدين، وتظهر القدوات الفاسدة التي لا تقدم ولا تؤخر، بل حقيقة دورها أنها تشوه وتمسخ، وأنها تغتال وتقتل كل قيمة إيمانية، وكل همة وعزيمة وقوة في صفوف الأمة.
ثم يقول أيضاً لتتضح لنا الأسباب: طهروا -ولو قلنا هذا الكلام للمسلمين لكانوا أولى به وأحرى- قلوبكم إذاً من أدران الحقد، واقضوا على ما بينكم من نزاع، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث.
إذاً: طالبهم بأن يزيلوا الأحقاد، وأن يمنعوا الخلاف والنزاع لتتوحد الصفوف، ونصب لهم هدفاً يهمهم ويشغل بالهم؛ حتى تتلاشى الأسباب الثانوية العارضة للاختلافات التي يثيرها الأعداء ليفرقوا صفوف الأمة، هذه صورة موجزة لما كانوا يتنادون به.
فماذا كانت صورة الأمة المسلمة في ومضات؟ كان أحد ملوك المسلمين حاكماً للموصل في ذلك الوقت، وبعد سقوط بيت المقدس أراد أن يجمع بعض الجيوش لمحاربة النصارى، لكن الأسباب كانت غير مهيأة ولا مواتية فماذا حصل؟ قتل هذا الملك المسلم في يوم العيد بعد الصلاة في وسط المسجد غيلة، فماذا وقع بعد ذلك؟ كتب ملك الفرنجة إلى طغتكين الذي جاء بعده كتاباً فيه كلمات موجزة، لكنها تنبئ أن القوم كانوا ينظرون إلى أسباب الهزيمة لائحة أمام أعينهم، فقال كلاماً جميلاً ذكره ابن كثير رحمة الله عليه، يقول: إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها.
كيف تنتصر وبينها هذه الخلافات؟ كيف تنتصر والأحقاد تتسلط عليها؟ كيف تنتصر وهي ليست موجهة نحو إعلاء كلمة الله ورعاية مصلحة الأمة المسلمة؟
следующие страницы →