← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أنموذج نتلمس فيه كل ما قلناه من تلك المعاني، أنموذج في فريضة الصلاة التي افترضها الله علينا في كل يوم خمس مرات، لنرى كيف يمكن أن تكون هذه الصلاة هي سعادة دنيانا، ونجاة أخرانا، وراحة نفوسنا، وطمأنينة قلوبنا، وانشراح صدورنا، وهدوء بالنا، ولذة حياتنا، وسعادة أفراحنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] كلما ادلهمت الخطوب، وعظمت الرزايا، فلنفعل ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، (كان إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة) ألق فيها همك، واطرح فيها بين يدي ربك شكواك، وارفع إليه مناجاتك، وتضرع إليه، فإن ذلك يحقق لك كل طمأنينة وسكينة، وتأملوا حديث المصطفى ﷺ وهو يوجز الدنيا ومتاعها، ويجعل الكفة الراجحة في سعادة القلب والنفس في هذه الصلاة: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، تلك من متاع الدنيا، لكن قرة العين وهي منتهى السعادة، وغاية اللذة، وقمة السرور، وأقصى ما يجد الإنسان فيه راحته وسعادته، قال ﵊: (في الصلاة تلقي همك، وتبث شكواك إلى ربك ومولاك) فأي شيء من هم يبقى بعد ذلك؟! وكان ﵊ ينادي بلالاً فيقول: (أرحنا بها يا بلال! أرحنا بها يا بلال!) راحة من كل تعب، وهدوء من كل صخب، وسعادةٌ من كل شقاء نجدها في تعليق القلوب إلى الله، وسجود الجباه لعظمته ، وتسبيح الألسنة له، وذكرها له ، ونرى ذلك واضحاً فيما بينته سنة النبي ﷺ ، كيف نزيل الكدر والهم والغم؟ كيف نطهر الأبدان والأرواح؟ (أرأيتم لو أن نهراً غمراً يجري بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، يا رسول الله! قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) ويمحو كذلك كدر النفوس، وهم القلوب، وضيق الصدور بإذنه جل وعلا، وكذلك نجد ذلك في السير والأحاديث والنصوص، وحسبنا في ذلك أن نذكر الحديث العظيم الذي أخبر فيه نبينا ﷺ عن رب العزة والجلال أنه قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله جل وعلا: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله جل وعلا: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: حمدني عبدي وذلك بيني وبينه، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). تأمل أنت العبد الفقير الحقير إذا وقفت بين يدي الله كل كلمة تتلوها من آياته يرد بها عليك، إذا وقفت بين يدي الله في مقام الصلاة والمناجاة فإن الله يرى مقامك، ويسمع مناجاتك، ويرد على تلاوة آياتك، فأي شيء أعظم من ذلك!، وأي مقام أرفع من هذا! تأمل هذا واعلم أن هذا أنموذج فحسب، وإلا ففي الذكر فسحة واسعة، وفي الدعاء لذة غامرة، وفي الإحسان إلى الخلق سور عظيم، وفي كل طاعة من طاعات الله ما تسكن به النفوس وتسعد. نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، اللهم زك نفوسنا، وطهر قلوبنا، واشرح صدورنا، وأنر بصائرنا، واهد عقولنا، وثبت أقدامنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل طاعتك أحب إلينا من دنيانا، اللهم اجعل ذكرك أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، اللهم اجعلنا مقبلين على طاعتك، متلذذين بمناجاتك، اشرح اللهم بها صدورنا، وطمئن بها قلوبنا، اللهم علق قلوبنا بطاعتك ومرضاتك، لا تجعل لنا في الدنيا قصداً إلا إليك، ولا رغبةً إلا فيما عندك، ولا رهبة إلا من عذابك، نسألك اللهم أن تجعلنا منيبين إليك، متوكلين عليك، خائفين منك، راجين فيك، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم إنا نسألك أن تستخدمنا في طاعتك، وأن تسخر جوارحنا في مرضاتك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن تحسن ختامهم، وترفع في الآخرة مقامهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا ومثوانا ومنقلبنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، احصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم اجعل الخلف في صفوفهم، اللهم رد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واشف فيهم صدور قومٍ مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا وأذلوا عبادك المؤمنين وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم عليك بهم أجمعين يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم وعظم يقينهم يا رب العالمين! واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، واجعلنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1262

تأملات في الهزائم والانتصارات إن الله إذا قال فإن قوله حق، وإذا وعد فإنه لا يخلف الميعاد، وقد وعد هذه الأمة بالنصر والتمكين، إلا أن هذا النصر متخلف فهذه الأيام، وما ذاك إلا بسبب التضييع لدين الله، والبعد عنه ، وكثرة المعاصي والفواحش، والمجاهرة بها في بلاد المسلمين، فإذا رجعت الأمة إلى دين الله، وعملت بأسباب النصر، عندها يتحقق موعود الله لها بالنصر والتمكين.

стр. 1263

إعلان النصر قبل المعركة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده على آلائه التي لا تعد ولا تحصى، ونصلي ونسلم على خير خلق الله، وخاتم رسل الله، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته، واقتفى أثره، وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة. أما بعد: أيها الإخوة الأحبة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله جل وعلا أن يُكتب هذا اللقاء في موازين حسناتنا، وأن يرزقنا من ورائه نفعاً، وأن يكتب لنا به أجراً. وأبدأ بعد شكر الله جل وعلا بشكر أخي فضيلة الشيخ عبد الوهاب الذي كان سبباً في هذا اللقاء، وأشكر الإخوة الحضور الذين أحسنوا الظن بما قد ينتفعون به من سماع هذا الموضوع، وأما بُعد الشقة واختلاف البلاد فإني أقول: ما جئت من بلد ناء إلى بلدي بل جئت من كبد حرى إلى كبدي ولقيا الوجوه الطيبة والإخوة الصالحين تذكر بالآخرة، وتعين على الطاعة، وتجدد العزم، وتقوي الهمة، وتبعث روحاً جديدة يأنس بها الإنسان، ويشعر أن له إخوة معه على الدرب والعهد، مهما اختلفت ديارهم أو لهجاتهم أو أفكارهم من حيث تعليمهم ومراتبهم الاجتماعية والعلمية، وهذا أمر يشعر به أهل الإيمان بلا خلف أو تفرقة بينهم. موضوع حديثنا هو: (تأملات في الهزائم والانتصارات) فإنه يسلط الضوء على هذا الموضوع من جهة المواقع الفاصلة، والأحداث الكبرى في بعض مراحل تاريخ الأمة المسلمة، والله قد قص علينا قصص السابقين، وساق لنا قصص الأنبياء والمرسلين؛ لنتدبر فيها، ونستقي منها العبرة، ونقرأ بين سطورها وفي ثناياها الدروس التي كتبها الله في قواعد محكمة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، وكما قضى الله بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وكما قضت حكمته أن قطع على نفسه الوعد بأنه يدافع عن الذين آمنوا، وربط الشرط بمشروط في قوله جل وعلا: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] غاية الأمر أننا نريد أن نسلط الضوء لنقرأ فيما وراء الأحداث، ولنتأمل في الأمور التي قد لا يكترث الناس بها، ولا تخلد في أذهانهم، ولا تبقى في عقولهم. اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضاع قوم ليس يدرون الخبر إن أمة لا تقرأ تاريخها لا يمكن أن تعرف حاضرها، ولا أن تخطط لمستقبلها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] هذه الدنيا كلها بما فيها من الأحداث درس وعبرة يظهر للمؤمن فيها قدر الله النافذ، وحكمته البالغة، ومشيئته التي لا يردها شيء، وكذلك تظهر له من خلالها الصورة الحقيقية لأسباب النصر، والصورة الحقيقية لأسباب الهزيمة. وأبدأ بالنقطة الأولى: إعلان النصر قبل المعركة: معلوم أن الانتصار لا يعلن قبل اللقاء، وأنه في المعارك والمهام يبقى الجزم بالنصر حتى اللحظات الأخيرة غير معروف، لكن سنأخذ ومضات سريعة نرى فيها أن النصر أعلن قبل بدء المعركة في كثير من الأوقات، وذلك ينبئ عن أن الذي جزم بهذا النصر قبل اللقاء قد استحضر أموراً معينة، ورأى أسباباً مهيأة، وعرف حقائق إيمانية لا تزول ولا تتغير، فجزم بذلك في أول يوم من أيام الله . في يوم الفرقان يوم بدر الأغر، لما قضى الله أن يلتقي محمد ﷺ وصحبه الكرام الميامين بكفار قريش، ولم يكونوا قد تهيئوا لذلك، وعندما صفت الصفوف، وتعين اللقاء ماذا صنع الرسول ﷺ ؟ توجه إلى الله وهو يناشد ربه ويسأل مولاه، ويلحف في المسألة، ويلح في الدعاء، ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها -ويلح ﵊ اللهم نصرك الذي وعدتني، حتى سقط الرداء من كتفه الشريف ﷺ ، ويبكي أبو بكر ﵁ ويقول: حسبك يا رسول الله! فإن الله منجز لك ما وعد)، أي: يكفي هذا الإلحاح وهذا الدعاء، فماذا حصل بعد ذلك؟ أخذ النبي ﷺ بحفنة من الحصى، ورمى بها في جهة الكفار وقال: (شاهت الوجوه، ثم قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع عقبة بن أبي معيط، هذا مصرع أبي جهل، هذا مصرع أبي، هذا مصرع أمية بن خلف)، ويعين مواضع مصرعهم، قال الرواة في السير: فما أخطأ واحد منهم ما أشار به ﷺ ، لقد حكم ﵊ بالنصر؛ لأنه كان يعلم من أصحابه قلوباً مؤمنة بالله، وجباهاً ساجدة لله، وصفاً موتد العرى بالمحبة والألفة في الله ، فتحققت أسباب النصر، فأعلنه ﵊ قبل بدء المعركة. وفي موقف أكثر شدة وضراوة وقسوة على المسلمين، اجتمع فيه عليهم شدة البرد، مع شدة الجوع، مع شدة الخوف، مع كثرة العدو، مع خيانة الذي كان نصيراً، وذلك في يوم الأحزاب الذي وصفه الله وصفاً عجيباً فقال : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١] في ذلك الموقف العصيب، وقد اجتمعت قريش وغطفان ومن معهم من بعض القبائل والأحابيش، وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، وحاصروها، ورسول الله ﷺ قد بلغ به وبأصحابه الأمر مبلغاً عظيماً من شدة الجوع والخوف والبرد، ثم يرسل ﵊ السعدين ليستجليا له خبر قريظة، قال: (فإن كانوا على العهد فأظهروا ذلك، وإن كانوا قد نقضوا فالحنا لي لحناً أعرفه ولا يعرفه غيري)، فلما بلغه الخبر ﵊ بنقض قريظة للعهد، وكان ذلك بمثابة الطعنة من الخلف، وبمثابة آخر حجر من أحجار البناء الذي يظن في الصورة المادية أنه بدا متهالكاً متداعياً، يوشك أن يسقط على الرسول ﵊ وصحبه، عندما بلغه هذا الخبر كبر ﵊ وقال: (الله أكبر، الله أكبر، أبشروا بالنصر)، في عمق المأساة، وفي شدة الكرب، يكبر ﵊ ويجزم بالنصر، ولم يكن يعرف له سبباً، ولم يكن يعرف من وحي الله ما سيقع بعد، ولكنه رأى أسباب النصر: أمة موحدة لله ، ما لانت ولا داهنت في دينها، ولا باعت مبادئها، ولا غيرت عهدها مع الله ، أمة متوحدة مترابطة قلبها قلب رجل واحد، فقال ﵊: (أبشروا بالنصر). فجاء نصر الله من حيث لم يحتسبوا، ولم يشعروا، ولم يعرفوا، فإذا بالريح تطفئ النار، وتكفئ القدور، وإذا بـ أبي سفيان زعيم القوم ينهض ناقته ويقول: يا أهل مكة! لا مقام لكم فارجعوا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]، وبث في قلوب الكفار الرعب، وجاء النصر. وقد يقول قائل: إن هذا الإخبار من الرسول ﷺ وحي فله أن يعلن النصر قبل المعركة، ولكني أقول: إن هذا ليس من هذا النحو، وإن كان المصطفى ﵊ مسدداً بالوحي، لكن الأمر كان منه ﵊ نظراً في هذه الأسباب؛ ولذا قد وقع من غير الرسول ﵊ من أهل الصلاح والإيمان من هذه الأمة الإسلامية من جزم بالنصر، كما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في عام (٧٠٢هـ) في موقعة (شقحب)، عندما تلاقى المسلمون والتتار، فقد كان شيخ الإسلام رحمة الله عليه يحرض المسلمين على القتال، ويحثهم على الجهاد، ويأمرهم بالدعاء، ثم يقول: والله! إنكم لمنصورون عليهم هذه الكرة، فيقولون له: قل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. سبحان الله! يجزم ويحلف، وإذا قيل له: قل: إن شاء الله يقول: إن شاء الله تحقيقاً، أي: أن ذلك واقع لا محالة، ولكنه بمشيئة الله ، لا تعليقاً كأنه يشك في نصر الله ، لم جزم شيخ الإسلام بذلك وليس هو ممن يوحى إليه قطعاً؟ هو من أمة محمد ﷺ ، لكنه قد رأى بأم عينيه ملامح النصر تتحقق في الأمة المسلمة، فعلم أن قوماً قد لجئوا إلى الله ، ونابذوا المعاصي، وتوحدت صفوفهم، سينصرهم الله ؛ لأن وعده لا يتخلف: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. هذه الومضة ليست هي مقصودنا في الحديث، إنما مقصودنا أن النصر والهزيمة لا يتعلق بالأمور المادية الظاهرة، وإنما يتعلق أكثر ما يتعلق بالأمور والأسباب المعنوية الإيمانية التي فيها وفاء بعهد الله، والتزام بشرع الله .

стр. 1264

النصر بعد الهزائم الساحقة ومضة أخرى تدلل على هذا وتقودنا إلى لب حديثنا. النصر بعد الهزائم الساحقة، إن الأمة التي تهزم هزيمة شديدة وقاصمة وقوية لم يتوقع لها أن تنهض من كبوتها، ولا أن تعود إلى عزتها بسرعة، وهذا أمر في المقاييس المادية معروف ملموس، لكننا سنجد كما سأضرب بعض الأمثلة من مواقف التاريخ في حياة الأمة المسلمة ما يعكس هذه الصورة، وذلك يدلنا على أن الهزائم القوية لا تبلغ أحياناً من المهزومين مبلغاً إذا كانت لم تصل إلى إيمانهم، ولم تنل من عزائمهم، ولم تزعزع صلتهم وثقتهم بالله ، ولم تجعلهم ممسوخين في أفكارهم وفي مبادئهم وفي اعتزازهم بشخصيتهم ودينهم، ولذلك نجد هناك مواقع حاسمة في تاريخ الأمة: في عام (٤٩١هـ) اقتحم النصارى بيت المقدس وأخذوها، ودخلوا إلى المسجد الأقصى، وقتلوا فيه من المسلمين كما يذكر ابن كثير نحو سبعين ألف نفس، حتى غاصت ركب الخيول في دماء المسلمين! هزيمة مروعة، وفظاعة من القتل والوحشية تنخلع لها قلوب الرجال الأشداء فضلاً عن غيرهم، ومع ذلك يذكر التاريخ بعد عامين اثنين فقط في عام (٤٩٣هـ) أنه التقى بعض جيش المسلمين من أهل الشام مع أولئك النصارى فكسروهم كسرة لم يسمع التاريخ بمثلها، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: أن عدة جيش النصارى كان نحو ثلاثين ألفاً قتلوا عن بكرة أبيهم، وما بقي منهم إلا ثلاثة آلاف أسر بعضهم، وجرح بعضهم، وهرب بعضهم! أولئك الذين هزموا لم يزل فيهم من أسباب النصر ما هيأ لمجموعة قليلة منهم أن يتحققوا بأسباب النصر، ارتباطاً بالله، وثباتاً على منهجه، فنصرهم الله وهم لم تهدأ جراحهم بعد، ولم يتنفسوا الصعداء بعد أن هزموا في تلك الموقعة الشديدة. وفي عام (٦٥٦هـ) دخلت جيوش التتار بغداد، ونعلم سيرة التتار وقصصهم وما عندهم من الفظاعة والهول، ثم بعد عامين اثنين، وفي يوم الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك في عام (٦٥٨هـ) تأتي موقعة عين جالوت، ويُهزم فيها التتار، وهم الجيش الذي لا يقهر كما يقال، الوحوش التي لم تكن تنتسب إلى البشرية في ذلك الوقت عند الناس، يكسرون كسرة ما سمع بمثلها من قبل، لماذا؟ لأن بعض الأسباب كانت قد تحققت. وقبل ذلك كان الانتصار الأعظم لرسول الله ﷺ في أعقاب أحد، لما دارت الدائرة على المسلمين في آخر المعركة، ومضى منهم إلى الله سبعون من الشهداء، وأثخن البقية بالجراح، وشج وجه النبي ﷺ ، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنته ﵊، ثم رجعوا إلى المدينة، وإذا برسول الله ﷺ ينادي أهل أحد أن يخرجوا، لأي شيء؟ هل طلبهم أو ندبهم أن يخرجوا للعلاج أو ليخففوا من آثار ما وقع بهم؟ أمرهم أن يخرجوا ليلحقوا بـ أبي سفيان ومن معه من مشركي قريش، هذا وجراحهم ما تزال تنزف دماء! وما يزال الواحد منهم يحمل يده المقطوعة أو رجله المقطوعة! وأمر ألا يخرج معهم أحد أبداً ممن لم يشهد أحداً، فماذا كان موقف الصحابة؟! ما تخلف منهم رجل واحد: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٣] خرجوا وما تخلف منهم رجل واحد؛ لأن الهزيمة لم تبلغ نفوسهم فتضعضعها، ولم تبلغ إيمانهم فتضعفهم، بل كان إيمانهم أعظم من الجبال الرواسي، وهممهم أعلى من ذرى السحاب؛ ولذلك استجابوا لرسول الله ﷺ ، وما اعتبروا مهزومين، بل خرجوا وأقاموا في حمراء الأسد ثلاثة أيام أو أربعة أيام بلياليها، ولما أنصرف أبو سفيان قال: ما بلغنا من القوم مبلغاً، ما قتلنا محمداً ﷺ ، ولا قتلنا أبا بكر ولا عمر، ولا استأصلنا شأفتهم، ولا غزونا مدينتهم. وكان يفكر بالرجوع، فإذا بأحد الأعراب يمر عليه فقال: ما خبر محمد؟ قال: رأيته يجد هو وأصحابه في أثركم، فلاذ أبو سفيان بالفرار إلى مكة قناعة بالنصر الهزيل الذي وقع له. إذاً: إذا لم تنل الهزيمة من الإيمان ومن النفوس والعزائم فإن الجولة القادمة وشيكة الوقوع بإذن الله ، وقد فطن لهذا أعداء الأمة، فلم يكن اعتناؤهم -بعد دراسة طويلة للحروب الصليبية- بكسر المسلمين عسكرياً وحربياً فحسب، بل كانوا يريدون أن يطيلوا أمد الهزيمة دهراً طويلاً، وأن يعمقوا تأثيرها في النفوس والقلوب والعقول والسلوكيات والأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حتى ينخروا في بنيان الأمة، فلا تقوم لها قائمة في تصورهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].

стр. 1265

بيت المقدس وما حصل فيه من هزائم وانتصارات الوقفة الثالثة: وهي لب موضوعنا: نريد أن نقف في بعض المفاصل التاريخية؛ لنقرأ بين السطور ماذا وقع في الهزائم؟ وكيف وقعت الانتصارات في تاريخ الأمة المسلمة؟ هذه المفاصل كثيرة، وسأذكر منها اثنين بالتفصيل، وإن سمح الوقت ذكرنا ثالثاً. الأول: ما يتعلق بحقوق بيت المقدس، والثاني: سقوط بغداد، والثالث: موقعة شقحب؛ لأن فيها دروساً عظيمة جداً. في بيت المقدس لننظر كيف كان توجه المسيحيين في ذلك الوقت؟ وكيف توجهوا لقتال المسلمين؟ وبأي منطق وتحت أي مبدأ تجمعوا؟ نقرأ في سطور التاريخ وفي وقائعه ما ينبئنا عن أن في كل جولة لابد من تحقق أسباب، ومن رؤية معالم هي التي تكون بها الهزيمة أو يقع بها -بعد إذن الله النصر، تجمع المسيحيون تحت راية المسيحية، وتنادوا باسمها، وهذا المكمن الذي ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لا نصر لهم إلا تحت راية الإسلام، وإلا أن يتنادوا باسم نصرة العقيدة والإيمان، أما غير ذلك فقد رأت الأمة هذه الصورة، وتجرعت مرارتها حينما تجمعت مرة باسم القومية، وأخرى باسم البعثية، وثالثة باسم الاشتراكية، فهوت بها كل واحدة إلى هاوية وبعد سحيق. في ذلك الوقت ماذا كان من المسيحيين؟ إمبراطور القسطنطينية يبعث إلى ملك آخر من ملوك المسيحية في ذلك الوقت، ويناديه بنداء يستصرخ فيه الهمة لقتال المسلمين، فماذا يقول؟ يقول: إلى رجال الدين والدنيا تحية وسلاماً، أيها السيد العظيم! حامي حمى العقيدة المسيحية، أود أن أحيطك علماً بما وصل إليه تهديد الأتراك -يعني: السلاجقة المسلمون- للإمبراطورية الإغريقية المسيحية المقدسة، فهم يعملون فيها السلب والتخريب كل يوم، ويتوغلون في أراضيها دون انقطاع، وكم من مذابح وتقتيل وجرائم تفوق حد الوصف يقترفونها ضد المسيحيين الإغريق -وهذا أكثره كذب- فضلاً عن السخرية والتحقير، فإنهم يذبحون الأطفال والشباب داخل أماكن التعميد، حيث يريقون دماء القتلى محتقرين بذلك المسيح؛ لذا أستحلفك بمحبة الله وباسم جميع المسيحيين الإغريق أن تمد لنا وللمسيحيين الإغريق العون والمساعدة، وذلك بتقديم جميع جنود المسيحيين من كبير وصغير، فضلاً عن العامة ممن يتسنى جمعهم من بلادك. فهذا تناد باسم الإيمان والعقيدة الباطلة، وتناد بالنصرة بالقوة الفعلية المؤثرة، وليس بمجرد القول أو الشجب أو الاستنكار أو البيانات، وليس تحت راية علمانية أو اشتراكية أو غيرها، فهكذا كان تجمعهم في ذلك الوقت، وكانت نظرة حديثهم. بل إن الذين كانوا يقودون تلك الحروب ويؤججونها ضد المسلمين هم زعماء الدين، فهذا البابا أريان الثاني يوجه في مؤتمر كليرمونت في ذلك الوقت نداءه إلى أبناء الملة المسيحية كلها، فيقول: يا شعب الفرنجة شعب الله المحبوب المختار! لقد جاءت من تخوم الصين ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة، تعلن أن جنساً لعيناً -يقصد به المسلمين- أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في تلك البلاد بلاد المسيحيين، وخربها بما نشره فيها من أعمال السلب والحرائق، ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع تعذيب، وهم يهدمون الكنائس بعد أن دنسوها برجسهم. إذاً: مرة أخرى نداء العاطفة العقدية الإيمانية، ثم يقول: ألا فليكن لكم من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم، فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! وهنا يربط بمبدأ مهم وهو القدوات التاريخية التي ترتبط بها الأمة لارتباطها بمنهج الله، فتثير فيها الهمة والعزيمة، واليوم يغير التاريخ ويدلس لتغيب القدوات الصالحة، ويغيب الأئمة من العلماء، ويغيب القواد من المجاهدين، وتظهر القدوات الفاسدة التي لا تقدم ولا تؤخر، بل حقيقة دورها أنها تشوه وتمسخ، وأنها تغتال وتقتل كل قيمة إيمانية، وكل همة وعزيمة وقوة في صفوف الأمة. ثم يقول أيضاً لتتضح لنا الأسباب: طهروا -ولو قلنا هذا الكلام للمسلمين لكانوا أولى به وأحرى- قلوبكم إذاً من أدران الحقد، واقضوا على ما بينكم من نزاع، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث. إذاً: طالبهم بأن يزيلوا الأحقاد، وأن يمنعوا الخلاف والنزاع لتتوحد الصفوف، ونصب لهم هدفاً يهمهم ويشغل بالهم؛ حتى تتلاشى الأسباب الثانوية العارضة للاختلافات التي يثيرها الأعداء ليفرقوا صفوف الأمة، هذه صورة موجزة لما كانوا يتنادون به. فماذا كانت صورة الأمة المسلمة في ومضات؟ كان أحد ملوك المسلمين حاكماً للموصل في ذلك الوقت، وبعد سقوط بيت المقدس أراد أن يجمع بعض الجيوش لمحاربة النصارى، لكن الأسباب كانت غير مهيأة ولا مواتية فماذا حصل؟ قتل هذا الملك المسلم في يوم العيد بعد الصلاة في وسط المسجد غيلة، فماذا وقع بعد ذلك؟ كتب ملك الفرنجة إلى طغتكين الذي جاء بعده كتاباً فيه كلمات موجزة، لكنها تنبئ أن القوم كانوا ينظرون إلى أسباب الهزيمة لائحة أمام أعينهم، فقال كلاماً جميلاً ذكره ابن كثير رحمة الله عليه، يقول: إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها. كيف تنتصر وبينها هذه الخلافات؟ كيف تنتصر والأحقاد تتسلط عليها؟ كيف تنتصر وهي ليست موجهة نحو إعلاء كلمة الله ورعاية مصلحة الأمة المسلمة؟

стр. 1266

ما قام به صلاح الدين من الإصلاحات قبل تحرير بيت المقدس ننتقل إلى الوقت الذي جاء فيه نصر الله ، وكلنا يعلم أن النصر وتخليص بيت المقدس جاء بقدر الله على يد صلاح الدين، والناس كلهم يقولون: جاء صلاح الدين وانتصر يوم حطين، وخلص القدس من الصليبيين، وكأن المسألة انحصرت في تلك المعركة التي خاضها صلاح الدين رحمة الله عليه، والأمر ليس كذلك، فإن صلاح الدين خاض قبل هذه المعركة أربع معارك هي أشد وأشرس وأقوى، وهي من أعظم ما هيأ النصر لذلك اليوم العظيم في يوم حطين، لم يأت صلاح الدين هكذا ليجمع جيوشاً بالقوة، ثم ينتصر بعد ذلك، بل حارب في مواقع أربع قبل أن يلاقي النصارى في حطين، حارب الكيانات الفاسدة، وحارب الجهالات الخاطئة، وحارب الانحرافات المفسدة، وحارب الفرقة القاتلة، وسأذكر ذلك بشيء من الإيجاز. حارب الكيانات الفاسدة التي كانت تعمل في الأمة من الفساد والتدمير أكثر مما يعمله أعداؤها؛ لأنها في حقيقة الأمر أعدى من الأعداء، وكان مما هيأ الله لـ صلاح الدين وأجرى على يديه أن قوض الدولة الفاطمية العبيدية الرافضية التي أضاف إليها الذهبي في سير أعلام النبلاء وصف اليهودية فقال: الدولة الرافضية العبيدية اليهودية. فقبل أن يتوجه إلى بيت المقدس أزال هذا الورم السرطاني الذي ظل يرزح على الأمة المسلمة وفي بلادها دهراً طويلاً، وعاث فيها فساداً في الاعتقاد، وتخريباً لمقدرات الأمة، وممالأة لأعدائها، فتوجه صلاح الدين رحمة الله عليه ومهد له من قبل نور الدين زنكي، فتوجه أولاً ليستأصل هذه الدولة الرافضية، وبالفعل قوض ملكها ودخل مصر فاتحاً، وألغى وجودها من التاريخ، وجعلها صفحات مذكورة في طيات التاريخ، ولم تقم لهم بحمد الله قائمة في عهده وإلى سنوات طويلة بعده رحمة الله عليه، وسيأتي لنا آثار ذلك جلية واضحة، ثم ماذا؟ كان من أشهر أعمال صلاح الدين رحمة الله عليه أنه رأى في الأمة انحرافات سلوكية كثيرة، كانت الخمور والخمارات والفساد والانحراف مستشرياً يضعف في الأمة إيمانها، ويحقق فيها من أسباب البلاء ومن أسباب نزول سخط الله ، وارتفاع رحمته، وبعد نصره الشيء الكثير، فكان من جملة أعماله المباركة أن وجه جهوده للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولإزالة أسباب الفساد، فأغلق الحوانيت، ومنع شرب الخمور، وعاقب المخالفين، وطهر المجتمع المسلم من الإعلان بالحرب على الله من خلال المجاهرة بالمعاصي، ولا يمكن أن تتوجه للعدو والسهام مغروسة في ظهرك من أثر هذه المعاصي التي ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في فوائده أن آثارها الوخيمة ليست على مستوى الفرد فقط، بل على مستوى الأمة والكون كله، وقد ذكر كلاماً عجيباً، لولا ضيق الوقت والمقام لذكرت شيئاً منه. طهر صلاح الدين هذا المجتمع المسلم من هذه الأوضار والمعاصي، وكانت معركة قوية هيأ بها الأمة لحصول النصر. ثم كانت هناك جهالات خاطئة، وكان هناك ضعف في الناحية العلمية، وقلة في التعلق بعلم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وكانت هناك شطحات صوفية، وكانت هناك خرافات قد عشعشت في العقول وغير ذلك من الأمور، فجعل دأبه أن يقوي وينشط الحركة العلمية التي تقوي الأمة وتربطها بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ، وتربطها بعلمائها وقادتها، ولذلك عمل عملاً كبيراً في تنشيط الحركة العلمية، وبنى المدارس التي كثير منها في بلاد الشام ومصر يعود إنشاؤه أو إحياؤه لـ صلاح الدين رحمة الله عليه، كالمدرسة الأشرفية والصالحية والعادلية وغيرها، فكثير منها قوي أثرها في عهد صلاح الدين، فنشر علم الكتاب والسنة، وربط الأمة بسلفها وبعلمائها، ووطد أركان هذا العلم في المجتمع، فكان ذلك أيضاً توطئة ومعركة خاضها رحمة الله عليه. ثم سعى بعد ذلك إلى معركة الفرقة القاتلة، حيث كان المسلمون إمارات مختلفة، وبعضها متنازعة، وبعضها متناحرة، فسعى إلى ضم بعضها إلى بعض، فضم مصر إلى الشام، ثم أرسل أخاه إلى اليمن، وأخذ اليمن معه، ثم جمع كثيراً من بلاد المسلمين تحت راية واحدة، واجتمعت الكلمة عليه، وانضوى تحته الأمراء والقادة، فقدمت الأمة حينئذ أسباب النصر: صلة بالله ، وتحققاً بصدق الارتباط به، وصحة الاعتقاد فيه ، ثم ارتباط بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، علماً ونشراً ودعوةً، ثم بتطهير المجتمع من المعاصي والمفاسد، ثم بتوحيد الأمة تحت راية واحدة، فلم تكن بعد ذلك حطين إلا تحصيل حاصل وختاماً لهذه الجهود التي قام بها صلاح الدين. ولعلنا أيضاً نقف مع ومضات تاريخية نرى فيها هذه الصورة، كيف اجتمعت لـ صلاح الدين؟ وكيف كان حال الأمة في ذلك الوقت، بعد أن رأينا ومضات من حالها وقت سقوطها؟ الملك المظفر كان ملك حماة، وبنى النصارى حصناً إلى جوار دمشق، وبدأوا يناوشونه ويؤذونه، فكتب إليهم طالباً أن يهدموا هذا الحصن، فقالوا: نعم نهدمه، ولكن تدفع لنا أجرة بنائه، فدفع لهم مائة ألف، فطمعوا وزادوا، فكتب إلى صلاح الدين يستشيره. إذاً: كان صلاح الدين مرجعاً لأولئك، فاستشاره في هذا الأمر، فماذا قال له صلاح الدين حتى نرى تأثيره رحمة الله عليه؟ يقول: إن هذا الرأي الذي قد أزمعت عليه ليس بشيء، وإن الله تعالى سيسألك عن إعطائهم هذا المال، كيف تعطي أعداء الله المال وأنت قادر على المسير إليهم، والرأي أن تصرف هذا المال على الأجناد، وترغبهم في الجهاد، بدل أن تصرف المال لأعداء الله، فأعد العدة لذلك، وسر بعساكرك إليهم، والله تعالى في معونتك ونصرك. ثم يصور لنا صلاح الدين وقد كاتب الأمراء والقواد ليحتشدوا لهذه المعركة (حطين)، فيقول في رسالة له إلى المظفر صاحب مصر في سنة (٥٧٩هـ): وقد كاتبنا أمراء الأطراف باستعدادهم لاستدعائهم -أي: يستعدوا لنستدعيهم- وأن يحزموا في جميع العساكر أوامرهم لأمرائهم. فماذا كانت النتيجة؟ يقول: فما منهم إلا من يسابق إلى تلبية النداء، ويسارع إلى إجابة الدعاء، ويعشق -ولا عشق لقاء الأحبة- لقاء الأعداء أكثر من عشقه لقاء الأحبة. إذاً: قد سرت في الأمة روح جديدة لم تكن موجودة فيها وقت سقوطها؛ لأن سقوط بيت المقدس لم يكن لقوة النصارى، فقد جاء النصارى من أواسط آسيا، ووصلوا إلى بيت المقدس وقد هدت قواهم، وقد لاقوا بعض المجاعة في الطريق، وجاءوا في صورة مرهقة وكانوا متعبين، ولكن وجدوا من هم أتعب منهم، وأضعف منهم، فانتصروا عليهم تماماً، مثل الجدار المتداعي المتصدع إذا وضعت يدك عليه سقط، وليس ذلك من قوة يدك، ولكنه من ضعف ذلك الجدار، وما انتُصر على أمة الإسلام يوماً إلا لضعفها لا لقوة أعدائها مطلقاً، فهنا ذكر لنا صلاح الدين هذه الصورة في استجابة الأمة.

стр. 1267

دور صلاح الدين والعلماء في تحرير بيت المقدس ثم انظروا إلى دور العلماء في عهد صلاح الدين لما جعل لهم مكانتهم البارزة، وجعل لهم قيادتهم الرائدة، وجعل لهم كلمتهم المسموعة، كتب القاضي الفاضل إلى صلاح الدين يقول له: لأن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه، والامتثال لأمر شريعته -العالم يقول للقائد والأمير- والمعاصي في كل مكان بادية، والمظالم في كل موضع فاشية. يعني: لابد أولاً أن تصلح هذا الجانب، وأن تصحح هذه الأوضاع الخاطئة. ويقول في رسالة أخرى يشخص الداء الذي في الأمة قبل أن تواجه أعداءها: إنما أوتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، ثم يقول له: ولا نغتر بكثرة العساكر والأعوان، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل فلاناً، فكل هذه مشاغل، وليس بها النصر، وإنما النصر من عند الله، ولا نأمن أن يكلنا الله إليها والنصر به واللطف منه، وأستغفر الله تعالى من ذنوبنا، فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل. هذه هي القيادة العلمية الراشدة الموجهة التي تكشف الخلل وتبين الخطأ، وتدعو إلى الإصلاح الذي فيه صلاح ما بين الأمة وخالقها . ثم انظروا إلى روح الأمة في ذلك الوقت، المسلمون في عكا حوصروا حصاراً شديداً، لكن ما بلغ شدة الحصار من نفوسهم وعزائمهم، وكانوا يستنجدون بـ صلاح الدين ليفك عنهم الحصار، فكتبوا إليه يقولون له: إنا قد تبايعنا على الموت، ونحن لا نزال نقاتل حتى نقتل، ولا نسلم هذا البلد أحياء، فانظروا كيف تصنعون في شغل العدو عنا، ودفعه عن قتالنا، ثم المحاصرون هؤلاء المستضعفون يقولون لـ صلاح الدين: فهذه عزائمنا، وإياكم أن تخضعوا لهذا العدو، أو تلينوا له، فأما نحن فقد فات أمرنا، نحن قد بعنا أنفسنا لله، وتبايعنا على الجهاد، فلا تلينوا للعدو ولا تضعفوا أبداًَ. ثم نجد هذه الصور واضحة جداً في قوة المسلمين، وترابطهم وارتباطهم بالله ، من ذلك ما تشير إليه أيضاً وقائع التاريخ أن صلاح الدين كاتبه أحد ملوك النصارى عندما كان يحاصر عسقلان، فأراد هذا الملك أن يكتب صلحاً مع صلاح الدين قبل الشتاء حتى يرجع إلى بلده، فكتب كتاباً فيه أنه إذا لم يكتب الصلح في هذه الأيام القريبة وإلا فإنه سيضطر أن يشتي في هذه البلاد، وإذا أدركه الشتاء فلن يستطيع أن يتحرك وينتقل، فماذا كتب له صلاح الدين؟ كتب له كلاماً جميلاً ونفيساً، يقول: أما النزول عن عسقلان -يعني: ترك الحصار- فلا سبيل إليه، وأما تشتيته -يعني: بقاؤه وجنده في هذه البلاد في الشتاء- فلابد منه؛ لأنه قد استولى على هذه البلاد، ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة، وإذا أقام إن شاء الله، -يعني: إن ذهب وإن بقي- سيأخذها المسلمون بإذن الله ، ثم يقول: وإذا سهل عليه أن يشتي هنا ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين، وهو شاب في عنفوان شبابه، ووقت اقتناص لذاته، ما أسهل علي -يقول صلاح الدين - أن أشتي وأصيف وأنا وسط بلادي، وعندي أولادي وأهلي، وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى ينزل الله نصره. هذه روح الأمة ومواقفها في ذلك الوقت. ولما كتب الله لهم النصر ما طغوا ولا بغوا ولا جحدوا نعمة الله ، ولا فسقوا ولا فجروا، بل صورت لنا كتب التاريخ والمراسلات في ذلك الوقت ما صنع المسلمون، وبأي شيء فرحوا، لم يفرحوا بالأموال، ولا بالبلاد، ولا بالديار، وإنما فرحوا بنصرة دين الله، وتطهير مساجد المسلمين من أوضار المسيحية والتثليث، فكتب القاضي الفاضل من مصر يهنئ صلاح الدين بحطين، ويخبره عن أهل مصر فيقول: والرءوس إلى الآن لم ترفع من سجودها، والدموع لم تمسح من خدودها؛ شكراً لله ، وكلما فكر -يعني: يقول هو عن نفسه- الخادم أن البيع -يعني: الكنائس- تعود مساجد، والمكان الذي كان يقال فيه: إن الله ثالث ثلاثة يقال فيه: إنه الإله الواحد، يعني: لا أعظم عندي من هذا الفرح، ولا أجمل منه، ولذلك لما كتب صلاح الدين يبشر أخاه بالنصر، قال له: وعاد الإسلام بإسلام بيت المقدس إلى تقديسه، ووضع بنيان التقوى إلى تأسيسه، وزال ناموس ناقوسه -زالت النصرانية- وبطل بنفس النصر قياس قسيسه، ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد، وامتلأ ذلك الفناء بالأتقياء الأماجد، وطنت أوطانه بقراءة القرآن، ورواية الحديث وذكر الدروس، وحديث هدي الهدى، وزارها شهر رمضان مضيفاً لها نهارها بالتسبيح، وليل فطرها بالتراويح. وقال الخطيب القاضي زكي الدين في أول خطبة في يوم جمعة في المسجد الأقصى بعد فتحه وتحريره، قال مخاطباً صلاح الدين: جددتم الإسلام أيام القادسية، والملامح اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ثم قال لهم: فاقدروا هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها، فله المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة. إذاً: رأينا كيف تحقق النصر عندما جاءت هذه الصورة بعد تهيئة أسبابها.

стр. 1268

بغداد وما حصل فيها من هزائم وانتصارات الموقف الثاني: سقوط بغداد أكثر تأثيراً وأبلغ وأعمق في تجلية صورة الهزيمة والنصر، ذكر ابن كثير هذه الحوادث في شهر محرم من عام (٦٥٦هـ)، والحقيقة أن نص ابن كثير يغني عن كل تعليق، وكل ما نذكره هنا في هذه الوقائع ينبغي أن نربطه بواقع الأمة، ولا يحتاج ذلك لا إلى تعليق، ولا إلى تفصيل، بل إن الناظر يرى ذلك أمام عينيه، ويسمع أحداث ما يقع للمسلمين بأذنيه، فلا يكاد يخطئ شيئاً من ذلك أبداً، والتاريخ -كما يقولون- يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة؛ لأن الأمر مرتبط بسنة الله قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣].

стр. 1269

أسباب سقوط بغداد على يد التتار يقول ابن كثير في وصف تلك الوقعة: جاء التتار إلى بغداد، وجاءت إليه أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة، ومعه أميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله! أول بلاء أن يكون من المسلمين من ينصر أعداء الدين على إخوانه المسلمين، وهذه البلية التي ما يزال المسلمون مبتلون بها في هذا العصر، فترى بعضهم يحالف أعداء الله ضد إخوانه من المسلمين ومن أولياء الله، قال: جاءت إليهم أمداد صاحب الموصل تقدم فروض الولاء والطاعة، وتقدم المعونة والنصرة لهم، فهذا أعظم بلاء وأعظم سبب من أسباب الهزيمة، ثم قال: وأحاطت التتار بدار الخلافة- يعني: قد دخلوا إلى بغداد- يرشقونها بالنبال من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حضاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك، وفزع فزعاً شديداً -قبل ذلك لم يكن يعلم من أمره شيئاً- وأحضر السهم الذي رميت به الجارية بين يديه، فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره، أذهب من ذوي العقول عقولهم. فأمر الخليفة عند ذلك بالاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة. يعني: أنهم دخلوا البلد ووصلوا إلى دار الخلافة، والخليفة في مجلسه والجارية ترقص بين يديه، فلما جاءها السهم وقتلت فزع فزعاً شديداً، وأمر بالاحتياط والتحرز، وهذه يبين لنا أن هذا الداء من أعظم أسباب البلاء في الأمة المسلمة وكما يقول الشاعر: إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص فعندما يكون الذي ينتظر منه الجد والتحفظ والتيقظ، والأخذ بأسباب مصالح المسلمين، ورفع رايتهم، وتحقيق أسباب عزتهم لاهياً ساهياً غافلاً نائماً لا يدري عن أمره شيئاً، فهذه صورة مفزعة، وبمجرد أن يتأمل فيها الإنسان يحكم عليهم بالهزيمة وهو مغمض العينين من غير تفكير. يقول ابن كثير رحمة الله عليه في وصفه لخليفة الوقت في ترجمته: ولكن كان فيه لين، وعدم يقظة، ومحبة للمال وجمعه، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعها إياه الناصر داود بن المعظم، كان قيمتها نحواً من مائة ألف دينار، فاستقبح هذا من الخليفة، وهو مستقبح ممن هو دونه بكثير. ولعل سائلاً أن يسأل أين الجيوش؟ كيف دخل التتار ووصلوا إلى دار الخلافة؟ فهذا جواب ابن كثير رحمة الله عليه يقول: وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم وبقية الجيش قد صرفوا عن إقطاعاتهم- الأجور والرواتب- حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لحالهم، ويحزنون على الإسلام وأهله. هذا حال الجيش الذي كان في ذلك الوقت؛ لأن الخليفة لم يكن متفرغاً لتقوية الأمة، ولا لإعداد الجيش، ولا لتحقيق قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، ولا لتحقيق قول النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) فكانت هذه جيوش بغداد، الجنود يستعطون ويطلبون العطايا من الناس في الأسواق وأبواب المساجد، فهؤلاء العشرة آلالاف البقية الباقية، إذاً: ضاعت الأمة عندما ضاعت قوتها وهيبتها وشوكتها. لماذا كان جيش بغداد على هذه الصورة؟ هذا هو السبب الرابع وهو السبب الخطير الذي يسميه الناس اليوم: الطابور الخامس الذي يعمل في الأمة أكثر مما يحتاج الأعداء، ومما يأملون ويتوقعون. قال ابن كثير: وكل ذلك عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي. كان وزير الخليفة رافضياً شيعياً خبيثاً متمالئاً مع الأعداء، فهو الذي فعل هذه الأفاعيل، يقول ابن كثير: حصل هناك نزاع بين أهل السنة والشيعة نهبت فيها الكرخ محلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير، فاشتد حنقه على ذلك. فكان هذا مما أهاجه على أن دبر للإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ أن بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات؛ ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو هذا الرجل، وماذا كان قد صنع من قبل؟ قال: وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش، وإسقاط أسمائهم من الديوان، فكانت العساكر في أيام المستنصر قريباً من مائة ألف. وجاء التتار وهم عشرة آلاف من المتسولين! بسبب هذا الوزير الخبيث، قال: فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار، وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل ذلك عليهم، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال. وهذا هو الداء الدوي الذي ينخر في جسم الأمة اليوم عندما يكون في صفوفها أصحاب العقائد المنحرفة التي تسعى جاهدة إلى أن تدمر الأمة، وفي قلوبها من الحقد والضغينة أعظم مما في قلوب الأعداء، وهم أكثر عوناً للأعداء وإخلاصاً من بني جلدتهم -أي: من الأعداء أنفسهم- وهذا هو الذي ذكره ابن كثير رحمة الله عليه. وسبب خامس يذكره لنا تتمة لهذا السبب قال: لما ذهب الخليفة ليقابل هولاكو ومعه هذا الوزير الرافضي, ومعه أيضاً خادمه نصير الدين الطوسي، وكان هذا نصير الدين الطوسي عند هولاكو، وقد استصحبه عندما فتح بعض قلاع المسلمين. وكان نصير الدين ممن ينسبون إلى المستنصر العبيدي، ويريدون أن يجددوا الدولة العبيدية التي أزالها صلاح الدين بجهاده الذي أشرنا إليه، قال ابن كثير رحمة الله عليه: وكانوا يريدون إبطال السنة، وإقامة الرفض، وإقامة خليفة من العبيديين، ولكن الله ما أمهلهم حتى مات هذا الوزير الرافضي في العام نفسه، ثم لحقه ابنه بعده بستة أشهر! ثم يقول ابن كثير: ولم ينج أحد من الناس سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ممن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي. إذاً: كانوا صفوفاً وطوابير خامسة، ويمالئون الأعداء، ولذلك لم يصبهم ضرر، هؤلاء الذين يظهرون لنا أنهم أولياء وأحباء، لا يؤمن غير المسلم على أمة الإسلام أبداً، لا في دينها وعقيدتها، ولا في مقدراتها وثرواتها، ولا في أوضاعها وأحوالها وأخلاقها مطلقاً، وهذا التاريخ هو الذي يحدثنا بذلك حديثاً شافياً واضحاً. ثم وصف ابن كثير رحمة الله عليه ما وقع من الهول الشديد، حيث كان الناس يقتلون ويبادون، أربعون يوماً والسيف يعمل في أهل بغداد، وكانوا يهربون إلى الأسطحة فيقتلونهم في الأسطحة حتى سالت ميازيب بغداد من دماء المسلمين! قال رحمة الله عليه: عدة من مات من المسلمين: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف -يعني: مليون- وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف. وهذا يدل على عظيم الهول.

стр. 1270

معركة عين جالوت وما أحرزته من نصر عظيم بعد سنتين نعود إلى جولة أخرى وهي جولة عين جالوت، وعندما نتأمل سنجد ومضات النصر ظاهرة أيضاً، فهنا المظفر قطز أجرى الله على يديه هذا النصر، ماذا كان من حاله؟ سمع بأمر التتار، وأخذهم لبلاد الشام، وأنهم يريدون أن يتوجهوا إلى مصر فماذا صنع؟ ما انتظرهم ولكن توجه إليهم بجيوشه، قال ابن كثير: وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام، يعني: اجتمعت الكلمة من بعض القواد والأمراء المسلمين، ووصف هذا الملك بأنه كان شجاعاً وصالحاً، قال ابن كثير: لا يتعاطى شيئاً مما كان يتعاطاه الملوك والأمراء في ذلك الزمان، أي: من المعاصي والمفاسد. فاجتمع هو والتتار في عين جالوت في الجمعة في اليوم الخامس والعشرين من شهر رمضان، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، فكانت النصرة -ولله الحمد- للإسلام وأهله، فهزموا التتار المنتصرين قبل سنتين في بغداد، والذين فعلوا تلك الأفاعيل، فهزموا، وتتبعتهم جيوش المسلمين حتى بلغوا دمشق، ثم تبعوهم إلى حلب، وهم يفرون، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوزت عشرات الآلاف، إلى ما يقرب من مئات الآلاف. هذا النصر يدل على مثل هذه الصورة عندما تهيأت بعض أسباب النصر، قال: وقتلت العامة في ذلك الوقت في وسط الجامع شيخاً رافضياً مصانعاً للتتار على أموال المسلمين. وهكذا وطهروا ذلك المجتمع من مثل هذه الانحرافات. ثم قال ابن كثير في وصف قطز: وكان شجاعاً بطلاً، كثير الخير، ناصحاً للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيراً، قال: ولما كان في القتال قتلت فرسه، فظل يقاتل وهو واقف ينتظر الإمداد، فجاء بعض الأمراء ليعطونه فرساً بديلاً عنه، فرفض ذلك وظل يقاتل، قالوا: لماذا لم تقبل ونحن نريد ألا تهزم فينهزم بك الإسلام والمسلمون؟ فقال: أما أنا لو قتلت فكنت أذهب إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه. هذه المواقف تبين لنا ملامح الهزائم وأسبابها كما تبين لنا ومضات الانتصارات وأسبابها. إذاً: أيها الإخوة! المقصد هو أننا عندما نرى نصراً فإننا ينبغي لنا أن ننظر إلى ما قبله، ونرى صورة الأمة وأحوالها في ذلك الوقت، وكذلك أمر الهزيمة، فإن مثل هذه الصور تبين لنا أن سبب الهزيمة التي تقع على المسلمين اليوم إنما هو بمثل هذه الأسباب التي ذكرت من ضعف قوتها العسكرية، ومن غياب القيام بالواجب من قياداتها السياسية، ومن وجود التفرقة والاختلافات والمنازعات فيما بينها، وكذلك في إعلانها للمعاصي ومجاهرتها بها، وإعلانها الحرب على الله بما تجهر به من معاصي، وهذا هو الذي ينبغي أن نفقهه وأن نفطن إليه، وأن نعرف توجه أعداء الأمة لترسيخ هذه المعاني والمعالم في حياة الأمة.

стр. 1271

أسباب الهزيمة الموجودة في الأمة التغيير والنصر يأتي متأخراً، وحديثنا كان يقدم الهزائم على الانتصارات؛ لأننا إلى حد ما في ظلال الهزائم، والانتصارات هي الأمل المفتقد بإذن الله ، وقد بدت بشائره وتبدو هنا وهناك في عودة الأمة إلى دينها، ورجوعها إلى ربها، واعتزازها بشخصيتها وإسلامها وإيمانها وولائها لله، وبراءتها من أعداء الله ، وأخذها بأسباب الوحدة والألفة والاجتماع، ونبذها لأسباب الفرقة، وإن كانت هذه الصور ما تزال جزئياً هنا وهناك باقية، ويسعى أعداء الله إلى إطالة أمدها، وإلى تعميق آثارها، وإلى توسعة دائرتها حتى لا تقوم للمسلمين قائمة؛ ولذلك أكثر ما يبتلى به المسلمون الشقاق والنزاع، وأكثر ما يسلط عليهم ليفتنوا هو الفساد والانحراف؛ ولذلك أريد أن أوجز الحديث لأختم هذا اللقاء فيما يتعلق بتكريس أسباب الهزيمة في الأمة.

стр. 1272

أسباب الهزيمة في مجال السياسة هناك أوضاع ومجالات تكرس أسباب الهزيمة في الأمة، والحديث عنها الأصل فيه أن يطول، لكن الإشارة إن شاء الله تغني عن الإفاضة والتوسع، وهي مجالات كثيرة سلط أعداء الله عليها الجهود؛ لتبقى في الأمة أسباب الهزيمة والضعف، وذلك في مجالات ثلاثة رئيسة ومهمة، ربما تكون هي أبرز وأظهر هذه المجالات. أولها: في المجال السياسي، وذلك بزرع الفرقة بين المسلمين على مستوى دولهم، وتقطيع أوصالهم، وإثارة النزاعات العرقية، والخلافات الحدودية، وغير ذلك من هذه الأسباب. ثانياً: تنحية شرع الله في كثير من بلاد المسلمين، وتغييبه عن واقع الحياة. ثالثاًًً: الموالاة لأعداء الله ، والسير في فلكهم، والتحقيق لأطماعهم في بلاد المسلمين، والموافقة لهم في مخططاتهم، والسير وراءهم فيما يخططون ويدبرون من كيد وتدمير وهدم لبلاد المسلمين، وكذلك أيضاً في صور أخرى متعددة يطول ذكرها.

стр. 1273

أسباب الهزيمة في مجال التعليم المجال الثاني: مجال التعليم الذي يصبغ الأمة بصبغات شتى، بحسب ما يوجه ويصب في أذهان أبناء الأمة المسلمة في شرق الأرض وغربها، فإذا بنا نجد مظاهر منها: الفصل بين التعليم الديني والمدني كما يسمى. التضييق على التعليم الإسلامي. تغيير المناهج وإبعادها عن الروح الإسلامية، وربط الأمة بدينها وبتاريخها، وذلك ظاهر في كثير من بلاد الإسلام والمسلمين، حتى إن كل توجه يصبغ أول ما يصبغ الأمة عبر مناهج التعليم؛ ولذلك نجد هذه الصورة واضحة حتى أن بعض البلاد اختزلت تاريخ الأمة المسلمة اختزالاً مشيناً، فنجد أن حظ تاريخ عمر بن الخطاب ﵁ لم يتجاوز سبعة أسطر، وحظ تاريخ عثمان ﵁ الطويل المديد لم يتجاوز خمسة أسطر في مناهج بعض البلاد العربية الإسلامية، وهكذا يسلط على الأمة في هذا المجال والميدان كثير من الأدواء والانحرافات التي تعمق هذا الجانب، وتغير الأفكار، وتشتت الأذهان، وتقطع الأمة عن تاريخها، والمجالات في ذلك كثيرة، حتى إن التعليم الإسلامي يجعل له منزلة أدنى من غيره، كما يعلم الجميع أن بعض البلاد لا تدخل المواد الدينية في النجاح والرسوب، يرسب الطالب أو ينجح في المواد الدينية فليست هناك مشكلة، أو لا تدخل في معدلات النسب والتقديرات من الامتياز وغيره، إضافة إلى اغتيال وإضعاف منابر التعليم الإسلامي ذات الأثر والتاريخ العريق، وتفريغها من مضمونها ومحتواها، وتحويرها وتحويلها إلى صور لا حقيقة لها أو إلى مظاهر لا باطن لها.

стр. 1274

أسباب الهزيمة في مجال الإعلام أخيراً المجال الخطير: وهو مجال الإعلام الذي يغير في الأمة، ويرسخ فيها كثيراً من مجالات الانحراف والأخطاء العقدية والسلوكية والفكرية، ويظهر ذلك من صور شتى كثيرة، أبرزها وأهمها: وجود التناقض بين الحكم والواقع، فبينما يأتي البرنامج الذي يسمى برنامجاً دينياً وينشر فيه أن حكم الغناء الحرمة، وحكم الرقص الحرمة، ثم بعده يأتي هذا الغناء وهذا الرقص! فيشعر الناس بالتناقض أو أن يقبلوا هذين، على أن كلاً منهما له حكمه كما يقولون: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، أو أن يضطرب الناس فيظنون الحلال حراماً، والحرام حلالاً، إضافة إلى ما يسلط على الأفكار والمعتقدات من انحرافات، فضلاً عما يفتك بالمسلمين من قضايا الانحراف السلوكي عبر الخلاعة والمجون وغير ذلك. ثم أمر مهم وخطير وهو: تعظيم الأجنبي غير المسلم، وإعطاؤه صورة من الحضارة والعلو والرفعة، حتى إنه لا يظهر إلا بصورة الممجد المعظم، بينما غيره من المسلمين لا يعطى مثل هذه الصورة. وأيضاً: تسليط الأضواء في مجتمعات المسلمين ليس على الأخيار، ولا على الأبرار، ولا على الدعاة العاملين، ولا على العلماء المخلصين، وإنما تسلط الأضواء على من تاريخهم يشهد بخيانتهم للأمة، وانحرافهم عن نهج الله ، وإن كانوا كما قال النبي ﵊: (من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، فهذه المجالات كلها تكرس أسباب الهزيمة وصورها في واقع المجتمعات؛ ولذلك البشائر التي تبدو في الأفق من هذه الصحوة الإسلامية ينبغي أن تعلم أن البداية هي في علاج هذه الانحرافات والأخطاء، وفي وقف سير الأضرار التي تجرف المجتمعات المسلمة من جراء هذه الميادين والمجالات، وأيضاً أن تعلو بإذن الله راية الحق والجهاد. وقد ظهر للمسلمين عياناً أن الأمة إذا ارتبطت بدينها، ورفعت شعار التوحيد، وأرادت أن تقاتل وتحارب، وأن تواجه أعداءها باسم الله، راجية من الله أن يحقق لها النصر كما ظهرت صور ذلك أيضاً في كثير من المواطن والبلاد الإسلامية هنا وهناك.

стр. 1275

الأسئلة

стр. 1276

حكم من قال: لو ذهب بوش من الرئاسة فإنه لن يذهب من قلوبنا السؤال ما رأيك في قول أحد الصحفيين الكويتيين: لو ذهب بوش من منصب الرئاسة فإنه لم ولن يذهب من قلوبنا؟ الجواب يعني: من قلبه هو وأمثاله، أما قلوب المسلمين والمؤمنين فلم يدخل إليها حب غير أولياء الله حتى يخرج منها، وهذا لا شك أن مثل هذه الصور هي التي تعبر لنا عن صور الهزيمة النفسية التي هي مقدمة الهزيمة العسكرية والمادية.

стр. 1277

حكم الخلاف والتشهير بأخطاء العلماء السؤال ما تعليقكم على وجود بعض الدعاة الذين يشككون بتوجهات مشاهير الدعاة المخلصين؟ وما دور هذا في تفريق كلمة الأمة؟ الجواب كل ما هو من أسباب الفرقة والنزاع ينبغي ألا يذاع ولا يشاع، وألا يكون من أبناء الأمة من يفت في عضدها، نعم هناك قضايا، وهناك أمور واجتهادات، لكن لا ينبغي أن تكون سبيلاً للتفرقة، وأذكر هنا نقطة؛ لأن هذا الموضوع أظنه يكثر الحديث عنه: مسألة الألفة والمحبة والائتلاف والاجتماع هي أساس التعاون والتناصح، والسعي والأخذ بأسباب نصرة الأمة، وتحقيق نشر الدعوة، والجهاد في سبيل الله ، فإذا لم توجد الأولى لم توجد الثانية، وإذا تأمل الإنسان في تاريخ الأمة، وأنا أوصي الإخوة جميعاً أن يكثروا من قراءة التاريخ؛ لأن القراءة في التاريخ تفيد في الوعي، وتقوي أيضاً الإيمان؛ لأنه يرى الإنسان مصارع الكفر والبغي، وكيف تدور الدائرة على الكافرين، وكيف تقع الهزيمة بالمسلمين إذا تخلوا عن أمر الله إلى غير ذلك. أقول: هناك أمور ثلاثة هي التي يختلف فيها الناس إما على الإمارة والسلطة، وإما في مجال الحكم والتشريع والاجتهاد فيه، وإما في مجال وسائل العمل والدعوة، ولو تأملنا في تاريخ الأمة فإننا نجد أن القدوات كانوا يعرفون ما يقع فيه الاختلاف السائغ والاجتهاد المشروع، فلا يجعلونه سبباً للنزاع، وكان عندهم أمر مهم جداً هو الذي ينبغي أن نفتش عنه بأنفسنا وهو: صدق التوجه لله والإخلاص له، وصدق النصح للمسلمين، وإرادة المصلحة العامة، وألا يؤثر في نفوسنا بعض الأهواء أو الانتصار للنفس أو النظر إلى مكاسب شخصية أو غير ذلك، عندما عهد عمر ﵁ إلى الستة من العشرة المبشرين بالجنة بالخلافة وقال: أنتم ستة اختاروا من بينكم من يكون خليفة للمسلمين، لو قلنا الآن لستة: اختاروا من بينكم من يكون مسئولاً عن هذه الطاولة لاختلفوا، فكيف وهؤلاء يريدون أن يكون أحدهم خليفة للمسلمين؟! ماذا صنع عبد الرحمن بن عوف؟! وانظروا ذلك في سير أعلام النبلاء في ترجمته، خرج من بينهم وقال: اجعلوا الأمر لي فيمن يلي منكم، وليست لي يعني قال: أنا لا أريد الخلافة وليست لي، ولا أتعلق بها، لكن اجعلوني أنا الذي أختار من بينكم، إذاً: خرج هو من حب السلطة أو الميل إليها، وراقب الله وأخلص له، ونظر في مصلحة الأمة، ولم يلتفت إلى هذا. وعند الاجتهاد في الأحكام الفقهية قد اختلف العلماء والأئمة المعتبرون، وما كان اختلافهم ليؤدي إلى فرقة، وفي التراجم كثير من هذا الباب، فالإمام أحمد كان يدعو للشافعي، فحين يسأله ابنه عنه يقول: يا بني! الشافعي للناس كالشمس للدنيا، والعافية للأبدان، فانظر هل لهما من بدل أو عنهما من عوض؟! وهو بينه وبينه اختلاف في مسائل لا تعد ولا تحصى. ويقول الشافعي: خرجت من بغداد ما خلفت فيها أورع ولا أعبد ولا أزهد ولا أعلم من أحمد بن حنبل. وفي ترجمة الشافعي في سير أعلام النبلاء أنه تناظر هو ويونس الصدفي في مسألة حتى علت أصواتهما، وافترقا، فلما لقيه من قابل أخذ الشافعي بيد يونس وقال له: يا أخي! ألا يصح أن نختلف ونأتلف؟! يعني: نختلف في مسائل الاجتهادات، ونأتلف في القلوب ووحدة الأمة، بدلاً أن نفرق الصفوف، فعلق الذهبي على ذلك تعليقاً جميلاً، وأثنى على الشافعي بهذا الفقه، وهذا النفس النفيس. وهذا بابه يطول كثيراً، وفي وسائل الدعوة والعمل للإسلام أيضاً يختلف الناس في آرائهم وفي تصوراتهم؛ لما قد يكون أولاً، وما قد يكون آخراً، والوسيلة مشروعة والأمر يعود إلى خير، ولا يمنع ذلك من بذل النصح، ومن التناظر والتشاور، فإن الإنسان القاصر بالحق يرجع إلى الأولى وإلى الأحق، ولذلك الإمام أحمد رحمة الله عليه في فتنة خلق القرآن كان موقفه معروفاً مشهوداً، وكان موقف الإمام أحمد بن نصر الخزاعي أيضاً معروفاً مشهوداً، فقد رأى أن هذه الفتنة عميقة وطويلة، فرأى أنه لا بد من مواجهتها بعمل علمي دعوي، فاختفى ومعه بعض تلاميذه يعلمهم عقيدة أهل السنة والجماعة، ويبين لهم خطأ هذه العقيدة التي تزعمها المأمون في ذلك الوقت، وبلغ اختفاؤه خمسة وعشرين عاماً، ذكر الذهبي والخطيب البغدادي أيضاً في تاريخه أنه بلغ عنده عدداً كبيراً ممن عرفوا هذا المنهج الصحيح، وأنكروا هذا الخطأ، حتى كان له أمراء بالرصافة وبالكرك، وكادوا يثبون على الخلافة ليغيروا هذا الخلل تغييراً صحيحاً جذرياً، فبلغ أمرهم إلى الخليفة فقتل أحمد بن نصر الخزاعي وصلب جسمه في بغداد ورأسه في سر من رأى. ولما كان يذكر أحمد بن نصر رحمة الله عليه عند الإمام أحمد كان يثني عليه ويمدحه، ويقول: ذلك رجل جاد بروحه في سبيل الله، وإن كان هذا رأى أسلوباً في مواجهة هذا الأمر، وذاك رأى رأياً آخر، لكن الكل كان ينافح عن دين الله، ويبغي مصلحة عباد الله ، وينصح لدين الله .

стр. 1278

الانتقام من صلاح الدين الأيوبي السؤال ألا تعتقد أن الحرب على إخواننا الأكراد وتفتيتهم شيعاً بواسطة البعثيين والغربيين وغيرهم إنما هو انتقام من صلاح الدين؟ الجواب انتقام من صلاح الدين ومن المسلمين، وكل معلم إسلامي؛ لأن صلاح الدين كردي مسلم، وكرديته ما اشتهرت، ولكن إسلامه هو الذي اشتهر، وما كان يفتخر بكرديته، ولا نشر كرديته، ولكنه افتخر بالإسلام، والتزمه، ورفع رايته، فكتب الله على يديه النصر. عندما دخل الجنرال غورو الفرنسي إلى دمشق في عهد الحروب الصليبية ذهب إلى قبر صلاح الدين وقال: يا صلاح الدين! ها قد عدنا، وهكذا الحروب الصليبية في البوسنة والهرسك، وفي الأندلس وفلسطين، وما أشبه الليلة بالبارحة، فإن التاريخ يعيد نفسه، وقد عقدت مرة مقارنة بين أوضاع وأحوال المسلمين في البوسنة والهرسك، وبين ما كانت عليه أحوال المسلمين في الأندلس مقارنة متتابعة كاملة، واستشهدت فيها بأشعار الأندلسيين على أحداث اليوم، فكانت مطابقة بالكامل، واستشهدت ببعض قصائد وأشعار وأقوال المعاصرين اليوم، ووصفت بها أحداث الأندلس فلم تخطئها مطلقاً، وهذا موضوع محاضرة كاملة بعنوان (ما أشبه الليلة بالبارحة). وقارنت أيضاً مرة بين أحداث فلسطين وبين أحداث البوسنة والهرسك، ومرة بين أحداث كشمير وبين أحداث أفغانستان؛ لأن التاريخ يعتمد على قضايا هي التي تسمى السنن الاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتغير، وطبيعة الصراع بين الحق والباطل والعقائد والأديان واضحة، وهذه كلها موضوعات مستقلة كل منها ألقي في محاضرة كاملة، ودرس مستقل، فيه هذه المقارنات بالشواهد التاريخية، والأقوال التي يذكرها مثل هذا السائل جزاه الله خيراً، مثل أن القوميين العرب وغيرهم من بعثيين قاتلوا في خندق واحد مع الصليبيين، فمن ترك دين الله فلا تسأل عنه بعد ذلك، فإنه يمكن أن يقع منه أي شيء.

стр. 1279

صنفان من الناس تصلح الأمة بصلاحهم السؤال من أهم أسباب التخلف في حياة المسلمين؟ الجواب قال العلماء: صنفان من الأمة بصلاحهم يصلح الناس، وبفسادهم يفسد الناس: الأمراء والعلماء؛ ولذلك هذه المسألة من أهم مسائل المجتمعات كلها، ومعلوم أن الناس يتأثرون بمن يكون منصوباً للقدوة أمامهم؛ ولذلك لا بد أن يكون هذا الأمر، ومن فقه الإمام أحمد رحمة الله عليه أنه كان يدعو دائماً لولي الأمر، وأن يصلح الله الخليفة، وأن يعيده إلى الله وإلى منهج الحق؛ لأنه بهذا الصلاح يعود أو يقع خير كثير، وهكذا كان أهل الإيمان يقومون بالواجب والدعوة والإصلاح والتغيير، وكذلك لا يغفلون عن الدعاء، ونحن أيضاً ينبغي ألا نغفل عن الدعاء.

стр. 1280

ترك اليأس والعمل بجدية لهذا الدين السؤال ألا ترى أننا مخطئون في نظرتنا التفاؤلية لحال المسلمين الآن مع هذه الفتن، فإنه مع هذه الرجعة الطيبة إلا أنك تكاد تجزم أنه لا يثبت في الصعاب إلا قليلون؟ الجواب أقول تفاءلوا بالخير تجدوه، وأقول: إن في الأمة نبضاً جديداً قد سرى، وفيما يظهر وفيما يستقرئ الإنسان من التاريخ أن هذا النبض سيتنامى ويزداد بإذن الله ، مهما كثرت الصعوبات والظروف، ولكن ما قدر الله من تغير الأحوال لن يتغير في غمضة عين وانتباهتها، ولا بين ليلة وأخرى، وفي الأمة من الأمراض والأدواء، وفيها من أسباب الفتنة والبلاء شيء كثير، لكن البداية تبشر بخير، وكما يقولون: طريق الألف ميل يبدأ بالخطوة، فلا تيأسوا من روح الله ، والإنسان مطالب بالعمل، والثمرة من الله .

стр. 1281

رؤية في كتاب التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر السؤال ما رأيكم في التاريخ الإسلامي لـ محمود شاكر؟ وما هي أبرز الملاحظات عليه؟ وهل الوثائق فيه محققة؟ الجواب ليس عندي فيه كبير تفصيل حتى أحكم عليه، لكن فيه مزية جمع وإيجاز لهذا التاريخ، وتجميع لكثير من مشاهده، أيضاً مزية أخرى أحسبها له أنه لا يجمع فيه ما يجمعه غيره من المتأخرين الحاقدين من المواقف التي تشوه صورة الإسلام، والروايات التي يقصد بها أصحابها التشويه والغمز واللمز، ومع ذلك لا يخلو أن يكون فيه خطأ؛ لأن روايات التاريخ ينبغي أن نفهم أنها ليست مثل الروايات الحديثية، وأن فيها أموراً من الضعف وعدم التحري الذي يكون في روايات الحديث، وهناك من حرروا بعض المواقف واجتهدوا فيها، مثل محمد صادق عرجون في كتابه عن خالد بن الوليد وعن عثمان بن عفان، وفي كتابه عن سيرة الرسول ﵊، حيث حاول أن يسلط الضوء على الروايات التاريخية بالتحقيق، وله في ذلك جهد مشكور، وكذلك كتاب العواصم من القواصم الذي سلط الضوء على فترات مهمة وقضايا خطيرة في تاريخ الأمة، وكشف عنها، وكذلك روايات الزبير بن بكار عن مسائل في تاريخ الفتنة التي وقعت في العصر الإسلامي الأول، وينبغي للإنسان ألا يتعجل بالنقد والإسقاط كلية، ولكن أحسب أن الكتاب فيه منفعة خاصة، وأنه جمع كثيراً من التاريخ واختصره وهذبه، بحيث يكون قريباً، وإن كان القارئ للتاريخ سيجد أنه لا غنى له عن بعض التفاصيل والوقائع المهمة، وله كما قلت حسنات، منها أنه يبرز جوانب مضيئة ومشرقة، فمثلاً في كلامه عن الخلفاء الراشدين ذكر في آخر سيرة وتاريخ أبي بكر رثاء علي بن أبي طالب ﵁ في أبي بكر، ومدحه له مدحاً عظيماً، وثناءً عاطراً، كأنه يشير إلى ما كان بين الصحابة من الألفة والتعظيم، خلافاً لمن يريد أن يشكك في ذلك، ويثير بعض الروايات المغرضة هنا وهناك.

стр. 1282

كتب لابد منها في قراءة التاريخ السؤال تاريخنا قد نسي فلم يقرأ، فهلا دللتنا على كتاب نستطيع قراءته، ونفهم التاريخ منه فهماً صحيحاً بعيداً عن آراء الشيعة؟ الجواب هناك كثير من الكتب التاريخية القديمة ينبغي ألا نغفل عنها، والرواة كانوا يروون كل شيء، وكلما عنده في هذا الباب يرويه، ما صح وما لم يصح، فينبغي للإنسان أن يتفطن ويتنبه، والفترة التي كتب فيها التاريخ في الأول كانت هناك تأثيرات سياسية وعقدية لها أثرها، وأنا أوصي من أراد أن يتوسع بتاريخ ابن كثير، ففيه كلام نفيس، ورغم أنه يسرد أحداثاً لكن له تعليقات وومضات كأنها خلاصات للدروس والعبر من غير أن تشعر، وفيه كثير من الأمور النفيسة، وحبذا من يستخرج منه بعض الأمور ويقربها في كتب صغيرة نافعة، وتاريخ نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي مذكور في كتاب الروضتين لـ أبي شامة الذي ذكر فيه أحوال الدولة الزنكية، والدولة الصلاحية الأيوبية، فإن فيه أيضاً كثيراً من الأمور المهمة والمفيدة.

стр. 1283

الحلول المخرجة من مأزق الأمة اليوم السؤال إذا كان هذا حال الأمة فما هو الحل؟ الجواب الحل ألا ننام ثم نستيقظ وقد انتهت الأمور، ولا أن نجلس في المساجد وندعو وينتهي الأمر، ولكنها سنة الله تحتاج إلى جهد وجهاد، وابتلاء، وصبر ومصابرة، حتى يأذن الله بأن يحقق نصره، وأن تتكامل هذه الجهود. وينبغي أن نعلم أن الأمر يمتد مع الزمن ومع من هنا وهناك في شرق الأرض وغربها من المسلمين في كل مكان، قد يهزم المسلمون في مكان وينتصرون وتقوى شوكتهم في مكان آخر، وهذا من رحمة الله ، ومن عجائب التاريخ أنه في الوقت الذي كانت تسقط فيه الأندلس كانت جيوش المسلمين العثمانيين تدق أبواب فيينا في أوروبا الشرقية، وفتحت البوسنة والهرسك في ذلك الوقت الذي سقطت فيه الأندلس تماماً! وحقائق التاريخ تشهد بذلك كثيراً، والله ناصر عباده، ومنجز وعده، والله نسأل أن يختم لهذه الأمة بالنصر والعز والتمكين في قريب الزمان بإذن الله . وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1284

غزوة أحد مواقف وصور السيرة النبوية العطرة معين لا ينضب، ونهر لا يجف، وبحر مليء بالفوائد والعبر والدروس، وإن سنة الله قد مضت أن هذا الدين لا يتحقق في واقع الحياة، ولا يثبت على هذه الأرض، ولا تعلو رايته خفاقة فوق البقاع، ولا يتحقق منهجه بين الناس إلا بجهد من أبناء هذا الدين، وتضحية من أتباعه المخلصين، يسبق ذلك ويرافقه ويعقبه توفيق من الله .

стр. 1285

صور من كيد الأعداء للمسلمين الحمد لله ولي المؤمنين، ناصر الموحدين، كتب العزة لعباده المسلمين، وجعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين. أوهن كيد الكافرين، وجعل الدائرة على المعتدين، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، هو جل وعلا المحمود على كل حال وفي كل آن، نحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله له عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه كافة للناس أجمعين، وأرسله رحمة للعالمين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فهذه وقفات مع كيد الأعداء لأمة الإسلام في العهد النبوي الكريم، نقفها من خلال بعض الأحداث في غزوة أحد التي كانت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، والسيرة -كما نعلم- معين لا ينضب من الدروس والعبر والحكم والأحكام التي تجلت في هدي رسول الله ﷺ وتعليمه لأصحابه، وهديه وإرشاده لأمته، كما تجلت في ذلك الصراع بين الحق والباطل، والكيد من أهل الكفر، وإعمال الفتك والنخر في جسد الأمة الإسلامية من قبل أهل النفاق، وسوف ننظر إلى بعض هذه المواقف لنرى أعداء الداخل والخارج، ليكون لنا بذلك نورٌ يكشف ما يحل بمجتمعات الإسلام اليوم، ولندرك في ضوء هذه القصص التي وقعت في السيرة النبوية وما تنزل في شأنها من الآيات القرآنية ندرك حقيقة أعدائنا ممن هم مزروعين بين صفوفنا، أو مقيمين بالعداء على خطوطنا، أعداء الخارج من أهل الكفر، وأعداء الداخل في داخل مجتمعات المسلمين من أهل النفاق، لننظر إلى هؤلاء وهؤلاء كيف كانت مواقفهم وأفعالهم في غزوة أحد، حتى يكون ذلك معيناً ومبصراً لنا لما نكون فيه وعليه في حياة أمتنا الإسلامية وقد امتدت بها كثير من صور العناء من كيد وإجرام الأعداء.

стр. 1286

التهييج والتحريض ضد المسلمين روى ابن هشام وغيره من أصحاب السير بدايات نشوء التوجه لغزو المسلمين من قبل الكافرين في أحد. قال ابن هشام: مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم يوم بدر؛ فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا. ففعلوا ذلك. إنها الدعوة والتحريض، والإثارة والتهييج، وإذكاء نار العداوة في القلوب، وإشعال جمر الغضب على أمة الإسلام، وزرع الخوف من المسلمين لأنهم الخطر الداهم والعدو الغاشم حتى تتوحد الصفوف في العداء نحوهم، وتتوجه القوى المادية والمعنوية بالكيد لهم، هكذا صنع صفوان وعكرمة وغيرهما ممن مَنَّ الله عليهم بعد ذلك بالإسلام وصاروا من خيار صحابة رسول الله ﷺ ، لكن الصورة الحية المتحركة تبين لنا كيف يعمل أهل الكفر في صفوفهم ويأزون أصحابهم أزاً، ويدفعونهم دفعاً، ويستخرجون منهم العون والتأييد المادي والمعنوي، فإذا بهم يجوبون الآفاق، كما يقع اليوم في هذه الدنيا التي نرى فيها تكالب أعداء المسلمين على هذه الأمة المستضعفة في شرق الأرض وغربها. فكم من دور لمثل ما وقع من عكرمة وصفوان وعبد الله بن أبي ربيعة وغيرهم يقع اليوم في التأليب على أمة الإسلام والمسلمين، وعلى مجتمعات المسلمين في كثير من بقاع الإسلام: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:٦]، انطلاق، ومشي، وسعي، وحركة، وتأليب، وعرض، وتقليب للحقائق، وتزوير للصورة، وتشويه لأمة الإسلام حتى ينشأ العداء في القلوب، وتتوجه القوى لحرب أمة الإسلام. قال ابن إسحاق ﵀: ففيهم -أي: هؤلاء- كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. هؤلاء قد ذكر الله شأنهم بصيغة الفعل المضارع الذي يدل على تجدد فعلهم وتكرره في كل زمان، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بأية ملة كانت غير ملة الإسلام كفروا بالله ، وكفروا برسالة محمد ﷺ ، (إن الذين كفروا) بهذا الوصف المطلق العام الشامل ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: في كل زمان ومكان وموقف، لماذا؟ ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويحولوا بين الناس وبين الإسلام. ثم يخبر الله عن العاقبة التي ينبغي أن نوقن بها، ولكن ينبغي أيضاً أن نعمل لتحقيقها ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾، وكم نرى من إنفاق الأموال وتدبير الخطط، واستغلال العقول والأفكار الخبيثة والمكر والدهاء الخبيث لكي تقع الدائرة على أمة الإسلام والمسلمين؟

стр. 1287

استغلال كل الطاقات لحرب الإسلام انظر إلى مواقف أخرى حتى ندرك ما يحل بواقعنا الإسلامي اليوم، فهذا أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي أحد من أسروا في يوم بدر من الكفار، وكان فقيراً ذا عيال وحاجة، رق له قلب المصطفى ﷺ الذي يفيض رحمة، ونفسه التي تجود كرماً، فمن عليه بالفداء والعتق دون مال ودون شرط، ورده إلى أهل مكة سالماً غانماً من غير ما شيء، فأي شيء فعل هذا الرجل؟ لا شك أن إحسان النبي ﷺ قد أثر في نفسه، ولا شك أن هذه المعاملة الإسلامية العظيمة من رسول الله ﷺ قد سلت سخيمة قلبه وشحناء نفسه، فجاءه صفوان بن أمية وقال له: يا أبا عزة! إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك. استغلال لطاقات الكفر كلها، للطاقات الإعلامية والسياسية والقتالية وكل قوة أو قدرة يمكن أن تكون موجهة ضد الإسلام والمسلمين. إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك، واخرج معنا لتكون محارباً بلسانك لا بسنانك، فقال أبو عزة: إن محمداً ﷺ قد مَنَّ عليَّ فلا أريد أن أظاهر عليه. كان هذا هو الموقف المتوقع من أبي عزة، فقال له صفوان: أعنا بنفسك فلله عليَّ إن رجعت -أي: سالماً- أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. تأجيج وإغراء وتثبيت لأهل الكفر ليكونوا في مواجهة واحدة ضد النبي ﷺ وأصحابه المسلمين، فهذا رجل واحد لم يتركوه، كان واقفاً على الحياد فأتوا ليحرفوه، كان متردداً فدفعوه، وخامداً فحمسوه وشجعوه، ثم تعهدوا وتكفلوا له بأمور المادة والحياة الدنيوية: (فلله علي إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر) كذا قال صفوان بن أمية ﵁، وهو في ذلك الوقت على كفره وشركه. حتى هذا الرجل الواحد الذي ليس عنده من سلاح غير لسانه وشعره دعي إلى ذلك، فلما قيل له ذلك تزعزع عن موقفه، وتحرك ليكون حربة موجهة للإسلام والمسلمين، وليكون قوة تضاف إلى قوة أهل الكفر ضد رسول الله ﵊، فتحرك وانطلق في تهامة يدعو بني كنانة ليكونوا مع قريش ضد رسول الله ﵊.

стр. 1288

استغلال الإمكانيات الفردية وانتقائها هناك مواقف أخرى تستغل كل شيء، وكل طاقة، وكل صغير وكبير، لتحشد الحشود، وتجيش الجيوش، وتوجه القوى ضد أمة الإسلام، دعا جبير بن مطعم ﵁ وأرضاه -وكان على كفره وشركه آنذاك- دعا غلاماً له حبشياً يقال له: وحشي. يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ، كان رامياً بالحراب شهيراً، وكان عبداً حبشياً حقيراً، وكان كماً مهملاً لا قيمة له، فجاء يستنهضه ويبعث همته ويعلي منزلته، ويعده بمستقبل زاهر ليسدد حربته إلى صدور أهل الإسلام، وليكون مع غيره ممن لهم سبق في عداء أمة الإسلام لينضم إليهم، فقال له: اخرج مع الناس، فإن قتلت حمزة عم محمد ﷺ بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق. أي: يعتقه ويخرجه من الرق إلى الحرية، فخرج وحشي ليست له مهمة إلا قتل حمزة ﵁، وقتله وحشي ﵁ وأرضاه، وكان ذلك من أعظم ما أثر في نفسه حتى هيأ الله له عملاً رأى أنه بإذن الله يشفي غليله من ذلك الفعل الذي وقع عندما قتل بحربته مسيلمة الكذاب، ثم كان يقول: قتلت بحربتي هذه خير الناس وقتلت بها شر الناس. يعني حمزة بن عبد المطلب لما كان وحشي كافراً وحمزة مسلماً، ويعني بعد ذلك مسيلمة الكذاب لما كان وحشي مسلماً مجاهداً ضد مسيلمة وقومه. فهذا فرد واحد جيء به لتكون له مهمة واحدة وأمر محدد معين، المقصود أن يبلي في حرب الإسلام والمسلمين بلاءه، وأن يتحرك حركته بما يستطيع، وهكذا نرى هذه الصورة التي تدلنا على هذا التجييش والانتقاء للطاقات، ومعرفة كل إمكانية حتى توظف في اتجاهها الصحيح في حرب أمة الإسلام؛ لأن الذين كفروا لا يمكن أن يوادعوا، ولا أن يهادنوا، فضلاً عن أن يحبوا أو أن يناصروا، فضلاً عن أن يعينوا أو أن يوافقوا أمة الإسلام في شيء مطلقاً، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، حقائق القرآن تنطق، وآياته مخلدة إلى قيام الساعة تخبرنا بما علمنا الله إياه من حقائق أهل الإيمان والكفر.

стр. 1289

استخدام النساء لبعث الحمية في القلوب قال ابن هشام في غزوة أحد: فخرجت قريش بحدها وجدها وحديدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة. ليس ذلك فحسب، وإنما كما قال ابن هشام: وخرجوا معهم بالضعن -أي: النساء- خرجوا معهم بالنساء التماس الحفيظة وأن لا يفروا. حتى يكون وجود نسائهم وأعراضهم مهيجاً لهم على الثبات والقتال، ومانعاً لهم من الفرار والنكوص، وقد رأوا ما رأوا في بدر من قبل ذلك، فأرادوا أن يخرجوا بالنساء ليكملوا تجييش جيوشهم، وليجعلوا كل قواهم في الرجال والنساء والعبيد والأحرار والصغار والكبار موجهة وجهة واحدة في حرب الإسلام والمسلمين، فخرج كبراؤهم بنسائهم، خرج أبو سفيان ومعه هند بنت عتبة، وعكرمة بن أبي جهل خرج بـ أم حكيم بنت الحارث، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بـ فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وكان والدها قد قتل في يوم بدر، وخرج صفوان بن أمية بـ بردة بنت مسعود الثقفية؛ خرج الكبراء بالنساء حتى يجيشوا ويقووا توجههم ضد الإسلام والمسلمين، ولا يكون هناك مجال للتراجع أو التخاذل، فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قام النساء بدورهن في حرب الإسلام والمسلمين، وقامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها على رءوس الرجال يحرضنهم على القتال ويقلن: ويهاً بني عبد الدار ويهاً حماة الأديار ضرباً بكل بتار ويقلن: إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق فراقاً غير وامق أي: غير محب. فكن يحرضن على القتال ويؤلبن عليه، وكانت هذه أيضاً صورة من صور تكامل العداء الذي توجه به كفار قريش ضد رسول الله ﷺ والصحابة والمجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، وهي صورة تتكرر وتظهر بهذا التكامل الذي لا يخفى على عين البصير ولا على إدراك العاقل، فإن أمة الإسلام اليوم لا شك أنها تواجه مثل هذه الصور من العداء مع اختلاف وعظمة في الإمكانيات، وكثرة في أولئك الأعداء، وكيد ومكر في التخطيط والدهاء، كثيرة هي الصور التي تشابه في أصلها وتفوق في عظمتها وقوتها وشدتها ما كان عليه كفار قريش في حربهم وعدائهم للإسلام والمسلمين ولرسول الله ﷺ ، أفلسنا نرى صورة تتجدد لتلك الحشود التي تحشد ضد الإسلام والمسلمين؟ أولسنا نسمع أبواق الإعلام التي تشوه صورة الإسلام وتتهم أمة الإسلام بالدموية ونحو ذلك؟ أولسنا نرى صور كل فتنة وسبيل من أسباب الكيد والإغراء، وصورة من صور المكر والدهاء وهي تحاك ضد الإسلام والمسلمين؟ وما أمور المسلمين في البوسنة أو كشمير عنا ببعيد، أو في غيرها من بلاد الإسلام، فإن الأمر جد واضح ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، وهم على هذا النهج سائرون، وهذه صورة من الصور ومواقف قليلة في غزوة أحد فحسب، فما ظنك بغيرها؟ وما ظنك بحشود كانت قبل ذلك وبعد ذلك؟ وما ظنك بكيد وكيد كان مثله واضحاً بيناً في سيرة النبي ﷺ .

стр. 1290

أثر عمل المنافقين بين صفوف المسلمين حتى ندرك ما ينبغي أن نستخرجه ونتعلمه من سيرة نبينا ﷺ ، وندرك الحقائق القرآنية التي تبين أن أهل الكفر قائمون منتظرون لأية فرصة أو غفوة أو هفوة حتى يسددوا سهامهم، ويرموا بنبالهم، وينزلوا كيدهم وغضبهم وحقدهم على أمة الإسلام نتلوا قول الله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠٢]، ينتظرون غفلة أو ثغرة أو ضعفاً، فلا تكن أنت ولا يكن غيرك من أهل الإسلام موضعاً يلج منه أعداء الإسلام ضد المسلمين، وقد أخبر الله بحقيقة ما في قلوبهم لما قال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥]، هذا هو الشأن فيهم، وهذا هو الخبر الصادق القرآني عما في قلوبهم، وهكذا نجد الآيات القرآنية تكشف لنا كثيراً من هذا الذي ثبت وظهر في سيرة وأحداث ما كان بين النبي ﷺ وما كان بين أعدائه في ذلك الوقت. ولإن كان هؤلاء الكفار هم الصورة الظاهرة للعداء فإن أهل النفاق هم الصورة الخفية المتلونة الشديدة في أثرها من صور العداء؛ لأن أولئك قد باينوا وفارقوا وواجهوا وأظهروا وأعلنوا، أما أهل النفاق فقد اندسوا بين الصفوف وأضمروا غير ما أعلنوا، وهم يطعنون من وراء الظهر كما يقال. فننظر أيضاً إلى بعض الصور التي جاءت في غزوة أحد، لنرى صورة أكثر أهمية وخطورة فيما يتعلق بالأضرار التي تقع على المسلمين في كل زمان ومكان من أهل النفاق الذين أخبر النبي ﷺ في بعض حديثه عن بعض صورهم في أحاديث كثيرة، وكان فيما قاله حديث آخر الزمان من حديث حذيفة: (هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، إن أمر النفاق بدأ ونجم بعد غزوة بدر لما علت راية الإسلام، وانتصر حزب الإيمان وحزب الرحمن، حينئذٍ قالوا: لا مناص من أن تدخلوا تحت الراية، وتندرجوا في الصف حتى لا تكونوا مفارقين مخالفين. فدخلوا في صف الإسلام وهم على الكفر مقيمون، والبغضاء والحقد والكيد في قلوبهم قد انطوت عليه نفوسهم وأضمروه فيها، فماذا كان لما جاءت غزوة أحد؟ كان من رأي النبي ﷺ في الأمر أن يبقى في المدينة ويتحصن فيها، حتى إذا غزاها أهل الكفر كان للمسلمين قدرة على صدهم وردهم وإيقاع الهزيمة بهم، ثم كان بعض المسلمين من المتحمسين الذين لم يشهدوا بدراً وأرادوا شرف الجهاد وطمعوا في أجر الاستشهاد كانوا يرون الخروج، حتى خرج النبي ﷺ ولبس لأمته ودرعه، ثم عزم على القتال. وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين يرى الرأي الأول لرسول الله ﷺ في البقاء في المدينة، فماذا صنع؟ خرج مع الجيش المسلم حتى إذا كان الجيش بالشوط -مكان بين المدينة وأحد- انخذل عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه ممن وافقه من قومه على نفاقه، انخذلوا بثلث جيش المسلمين ورجعوا، وقال عبد الله: أطاعهم وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا؟ فلحقهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن عبد الله ﵁، لحقهم ليردهم ويذكرهم بإيمانهم ونصرهم لرسول الله ﷺ ، فقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٧]، وتعذروا بحجج أهل النفاق، ومضى عبد الله بن أبي يخذل الناس، حتى إذا آيس منهم عبد الله بن عمرو بن حرام دعا عليهم. فانظر إلى هذا الموقف، فبعد أن تألبت قريش، وجاءت الأخبار لرسول الله ﷺ بذلك الجيش العرمرم الذي جاءت به قريش، وهو أكثر من ثلاثة أضعاف جيش المسلمين، ومع ذلك ينخذل عبد الله بن أبي في اللحظة الحاسمة وفي الوقت العصيب، وهكذا هو شأن أهل النفاق، يختفون ويظهرون بمظهر الموافق، حتى إذا جد الجد، ودنت ساعة المواجهة، أو احتاج المسلمون إلى النصرة أو التثبيت كان دورهم الخذلان والتثبيط، وهكذا فعل عبد الله بن أبي بهؤلاء المسلمين. ثم قد ذكر أهل السير من الأحداث ما يدل على أن أهل النفاق لم يرجعوا كلهم، وإنما رجع بعضهم، وبعضهم واصل المسيرة وظهرت مقالاتهم وأفعالهم في أثناء الغزوة، وكان من خبر أولئك ما ذكره بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] قال: المقصود بأولئك بعض أهل النفاق من الرماة الذين تركوا مواقعهم وانصرفوا إلى الدنيا؛ لأنهم كانوا قد خرجوا إليها. وكذلك ما روي أيضاً في السير من أن بعضهم لما بلغه شائعة قتل النبي ﷺ ، ولما بدأت الدائرة في آخر المعركة تدور على المسلمين قال بعضهم وخرج ما في قلوبهم: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. ثم قالوا: إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. وهذا الزبير ﵁ يروي أيضاً -كما ورد في أسباب نزول بعض الآيات التي جاءت في أحد- قال: إني لأسمع قول معتب بن قشير وأنا في الحلم كالنائم -عندما غشيهم النعاس لتثبيتهم وتطمينهم في غزوة أحد كما حصل في غزوة بدر أيضاً- قال: إني لأسمع قوله وهو يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]. فكان هذا تثبيطهم في الغزوة، ثم جاء دورهم أيضاً بعد الغزوة، ووافقوا اليهود في المقالة التي أشاعوها بين أهل الإسلام توهيناً لهم وتثبيطاً، وزرعاً للزعزعة بين الصفوف، قالوا: لو كان نبياً ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب، ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه. وقال المنافقون للمسلمين أيضاً: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذي أصابكم. وهكذا نجد هذه المواقف التي تمثل صورة أكثر تأثيراً في العداء والخذلان في داخل صفوف المسلمين من أهل النفاق، ولو تأملنا لوجدناها تتكرر كثيراً في حياة الأمة الإسلامية اليوم، مما يستدعي أن يحرص المسلمون على معرفة حقيقة أعدائهم في داخل صفوفهم وخارجها، والله قد بين مصير أولئك وأولئك، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، وهذه العاقبة الختامية، ولكن المسلمون مطالبون أن يرفعوا راية الإسلام، ويحموا حوزة الإسلام والمسلمين، ويحافظوا على حرمات المسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فالله نسأل أن يرد عنا كيد الكائدين، ويخذل عنا المعتدين، ويحمينا من شرور الكافرين والمنافقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1291

حقيقة الولاء والبراء بين الكفار والمنافقين وإن المسلم ينبغي له أن يتأمل في آيات القرآن وأحداث سيرة النبي ﷺ ليدرك الحقائق، ويتلمس طريق النجاة، والصراط المستقيم الذي رسمه رسول الله ﷺ وأخبر الله عنه في تلك الوصية الجامعة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. وإن المتأمل يجد الحقيقة القرآنية في أمر مهم نذكر به، ولعلنا نختم به الحديث عن هذه الصورة الموجزة في غزوة أحد، وهو أمر التعاضد والتناصر والولاء الذي يجمع أهل الكفر وأهل النفاق، فقد أخبر الله بذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]، فهم يوالي بعضهم بعضاً، ويناصر بعضهم بعضاً، ويعين بعضهم بعضاً، ويثبت بعضهم بعضاً، ويتبادلون فيما بينهم كل ما يعينهم على تحصيل حظوظهم الدنيوية، والنيل من أهل الإسلام في كل مكان، والله أخبر أيضاً عن أهل النفاق فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، أخبر عن حقيقة فعلهم وحقيقة تعاضدهم وولائهم، وأنهم بعضهم من بعض، ولحمتهم واحدة، ودينهم واحد، وقد دعا الله جل وعلا أمة الإسلام إلى أن تحرص على موالاتها ومعاداتها فتجعلها لله ، كما أخبر النبي ﷺ أن: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)، وكما بين النبي ﷺ أن الولاء والبراء عقيدة إيمانية، وكما دعانا القرآن الكريم بآيات تتلى إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، وكما بينت الآيات القرآنية في غير ما آية ضرورة ولاء المسلمين بعضهم لبعض، وبرائهم من أعداء الله ، ولو تحقق ذلك في كل مسلم وفي كل مجتمع لبرئنا كثيراً من أضرار أولئك المندسين في الصفوف، ولبرئنا كثيراً أيضاً من الأوهام والأغلاط التي تجعل بعض المسلمين ربما يحسن الظن بالأعداء، أو يواليهم، أو يناصرهم، أو يكون معيناً لهم -والعياذ بالله- على غيره من المسلمين، وهذا أمر ينبغي أن نتفطن له، وهذه الغزوة يتجدد الحديث عنها دائماً، ونجد فيها وفي غيرها من أحداث السيرة مواقف ودروساً وعبراً تستحق التأمل، ولعل هذه الصورة المبسطة توقظنا إلى الحقيقة الواقعة الشاهدة الناطقة بها أحداث هذا العالم اليوم في تألبه وتكالبه على أمة الإسلام، وسعيه لحربها من داخل صفوفها ومن خارجها ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، وكما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، لكنه جل وعلا قد اشترط الشرط فقال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، فأروا الله من قلوبكم وولائكم وبرائكم والتزامكم بدينكم ما يجعل أمر الله بالنصر يتنزل على أمة الإسلام، ويعود -بإذن الله لها سالف عزتها وعظيم مجدها ووحدتها وقوتها التي كانت في عهد رسول الله ﷺ وفي عهود الإسلام الزاهرة في أوقات كثيرة. وفي هذا المقام نذكر أنفسنا أيضاً بالأعمال الصالحة التي ندبنا إليها في الأوقات الطيبة المباركة، فإن النبي ﷺ قد قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله)، وفي روايات توضيحية تفسيرية لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (الحسنة بعشر أمثالها) فشهر بعشرة أشهر، وستة أيام تعدل شهرين، فيكون ذلك عدل السنة كلها. فاحرص أخي المسلم على أن لا تفوت على نفسك هذا الأجر العظيم، وأن لا تجعل حظك من رمضان والصوم ينقطع بنهاية أيامه، والاستقامة أمر عظيم، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، والنبي ﷺ لما استوصاه ذلك الرجل قال: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، فالاستقامة على الطاعات والخيرات من مؤشرات القبول الذي نرجوه من الله لصيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا، ومن بشائر الخير التي يمنُّ الله بها علينا؛ لأن الطاعة تثمر الطاعة، والقبول يولد العمل الصالح بإذن الله . نسأل الله جل وعلا أن يتقبل أعمالنا، وأن يعيننا فيما بقي من أيامنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم! تولَّ أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم! إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وطرفاً دامعاً، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأرد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والنفاق والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! إنا نسألك أن تنزل سخطك وغضبك وعذابك على الكافرين، وعلى المعتدين على عبادك المؤمنين في كل مكان يا رب العالمين اللهم! أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم! زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم! اجعلهم عبرة للمعتبرين، لا ترفع -اللهم- لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم! سود وجوههم، ونكس راياتهم، وأذل أعناقهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم يا قوي يا عزيز، يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! وفق العلماء والدعاة العاملين لنصرة الإسلام والمسلمين في مكان يا رب العالمين، اللهم! وعليك بسائر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! ثبت إيمانهم، وزد يقينهم، وعجل فرجهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1292

غزوة أحد درس التضحية والثبات ما زالت أمة الإسلام مذ وجدت الأمة الولود التي تضحي بأبنائها في مواقف الشدة، لتعلن بذلك مواقف الثبات على الدين، وتعلي راية المسلمين، وتقول للعالمين: نحن على درب الأنبياء لن نهين أو نستكين، والأمثلة على ذلك كثيرة، ويشهد بذلك التاريخ من بداية دعوة النبي ﷺ ، ومن ذلك ما وقع في غزوة أحد، حيث أبدى المسلمون أمثلة من التضحيات وكتبوا في صفحات التاريخ دروساً لا تنسى.

стр. 1293

وقفة مع تضحية أهل الباطل وثباتهم على باطلهم الحمد لله، الحمد لله العزيز الغفار، المنتقم الجبار، مكور الليل على النهار، ومكور النهار على الليل؛ أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، نحمده جل وعلا كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً ننال به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، نحمده جل وعلا على كل حال وفي كل آن، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله؛ اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه وكان أبعدنا عنه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد:

стр. 1294

دروس السيرة معين لا ينضب أيها الإخوة المؤمنون! حنين كثير وشوق كبير يشدنا دائماً إلى السيرة النبوية العطرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، لنجلس في أفياء أحداثها مجلس التلاميذ الذين يتلقون العلوم والدروس النافعة المفيدة في أمور العقيدة والإيمان، والعبادة والأحكام، والسيادة والقيادة، والحرب والجهاد، والسلم وإدارة شئون الحياة؛ إنها مدرسة كاملة لإعمار هذه الدنيا على منهج الله ، وللسعي إلى رضوان الله في الآخرة. وإن الوقفة التي نحب أن نقفها اليوم تتصل بأحداث غزوة أحد التي كانت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، وقد كانت لنا وقفات كثيرة سابقة، وفي كل مرة نأخذ ومضة من ومضاتها، ونقف مع درس من دروسها؛ لأنها معين لا ينضب من هذه الدروس والعبر والفوائد والمنافع، وإن درس اليوم الذي نقف عنده هو: درس التضحية والثبات؛ فإن سنة الله جل وعلا قد مضت أن هذا الدين لا يتحقق في واقع الحياة، ولا يثبت على هذه الأرض، ولا تعلو رايته خفاقة فوق البقاع، ولا يتحقق منهجه بين الناس إلا بجهد من أبناء هذا الدين يسبقه ويرافقه ويعقبه توفيق من الله . إن هذا الدين لابد له من علم ينشر، ودعوة تبذل، وأموال تنفق، ومهج وأرواح تزهق في سبيل الله ، إنه ليس أمراً هيناً؛ إنها الرسالة العظيمة الخالدة، إنها الأمانة الكبيرة الماجدة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، ويخاطب الله جل وعلا نبيه ﷺ فيقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، إنها أمانة هذا الدين والرسالة الخاتمة من رب العالمين، الدين الذي ارتضاه الله للناس أجمعين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها يوم يقوم الناس لرب العالمين. هذه الرسالة العظيمة، وهذا الدرس الكريم نقف مع ومضات منه لنرى صورته في غزوة أحد، ولست معنياً بالوقوف مع الأحداث وترتيبها، وإنما نأخذ هذا الدرس الواضح الجلي في هذه المعركة العظيمة من معارك الإسلام الخالدة التي قادها محمد ﷺ برفقة الصحب الكرام الغر الميامين الأبطال الشجعان رضوان الله عليهم أجمعين. وقبل أن نأخذ هذا الدرس من الصحابة رضوان الله عليهم نقف وقفة مع الجانب المناوئ للمسلمين، نقف وقفة لنرى صوراً من تضحية أهل الباطل، ونماذج من ثباتهم على باطلهم لا لشيء إلا تشبثاً بحمية الجاهلية، وإعزازاً لمذاهب الكفر، وإرغاماً للإسلام وأهله، فإن الكفر أيضاً لا ينتشر إلا ووراءه جهود تبذل، وأموال تنفق، وجهود وأعمال كبيرة، أفيكون أهل الباطل أحرص على باطلهم، وأغير على كفرهم، وأبذل له من أهل الحق والإيمان؟ لم يكن ذلك أبداً في عهد النبي ﷺ بل كان أهل الإيمان هم السابقون في تضحياتهم، الشامخون في ثباتهم رضوان الله عليهم أجمعين. لما انتهت غزوة بدر كانت جراح مشركي مكة عظيمة غائرة، ونكبتهم وخسارتهم فادحة، وعظمتهم قد مرغت في التراب، ونفوسهم تشتعل نيراناً للأخذ بثأر كفارهم وقتلاهم من النبي ﷺ وصحبه الكرام، ولم يكن الأمر مقتصراً على بدر؛ فقد كانت بين بدر وأحد وما بينهما من السرايا ما أظهر الله به كلمة الإسلام، وكان آخرها: سرية زيد بن حارثة، التي عرض فيها لقافلة من قوافل قريش التجارية، ورغم أنهم تجنبوا طريق المدينة إلا أن سرية زيد بن حارثة أدركتهم وسبت كل مالهم وتجارتهم وفروا هاربين، فما كانت صورة استعدادات أهل الكفر؟ وما هي تطبيقاتهم العملية في ميدان المعركة؟

стр. 1295

بذل أهل الباطل لأموالهم لما نجت قافلة قريش الأولى في بدر ولقي المشركون الهزيمة، قال زعماؤهم وكبراؤهم: يا معشر قريش! إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم؛ فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً. هذه القافلة التجارية التي كانت سبب غزوة بدر نريد أن تنفق لتجهيز الجيوش، وقيام الحملات الإعلامية، وتكتيل الصفوف لحرب محمد ﷺ وأصحابه الكرام تجارة موسمية كاملة، وخاطب قريش كبار تجارهم: إن هذه الأموال نريد أن تحول لتكون وقوداً للتعبئة العسكرية علنا أن ندرك من محمد ﷺ ثأراً، فأجابوا إلى ذلك؛ فباعوها كلها وأنفقوها في حرب الإسلام والمسلمين، وكانت تلك القافلة كما ذكر أصحاب السير: ألف بعير كاملة، وخمسين ألف دينار؛ أنفقت كلها لحرب الإسلام والمسلمين، ونزل في ذلك كما ذكر بعض أهل السير والتفسير قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. المهم أنهم ينفقون ويبذلون ونراهم اليوم يجددون تلك السيرة، ونراهم اليوم وهم يتنادون من كل مكان، لسان حالهم كما أخبر الله في كتابه المحكم الكريم في شأن الكافرين وندائهم لبعضهم البعض: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:٦]، ولذلك تنادوا فأنفقوا الأموال لتجهيز الجيوش وحرب الإسلام والمسلمين، وهم اليوم يتنادون لذلك، وتصب الأموال بالملايين لتكون حرباً وقنابل وقذائف تصب على رءوس المستضعفين من إخواننا في البوسنة أو الشيشان أو فلسطين أو الهند أو في أي مكان من بلاد الإسلام والمسلمين.

стр. 1296

تضحية أهل الباطل بأرواحهم لننظر إلى صورة أخرى لنرى كيف يكون الباطل مدافعاً عن حقه وهو على باطل؛ حتى ندرك أن أهل الحق هم أولى بذلك. قبل أن تبدأ المعركة كان من المتعارف عليه أن الراية دائماً في بني عبد الدار من قريش، وكان النضر بن الحارث هو حامل رايتهم في يوم بدر، وقد وقع أسيراً في أيدي المسلمين، ووقوعه في الأسر دليل على الخزي والذلة والجبن والخور، فلما جاءت معركة أحد جاء أبو سفيان القائد العام لجيوش كفار مكة يخاطب بني عبد الدار حتى يثير حميتهم، ويحضهم على التضحية والثبات، فيقول لهم ويناديهم: يا بني عبد الدار! قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إن زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه. وما كانت العرب أبداً لترضى بالذل والصغار، فصاح بنو عبد الدار: أنسلم لك الراية؟ لترين غداً كيف نصنع؟ وقد ثبتوا ثباتاً يعجب المرء منه، ويأخذ منه في الوقت نفسه درساً وعبرة. كان حامل رايتهم طلحة بن أبي طلحة العبدري سيد بني عبد الدار، فلما بدأت معركة أحد خرج مختالاً يطلب المبارزة، وكان فارساً من أشجع الشجعان الأبطال عند العرب، فهاب الناس لقاءه، ثم تقدم له الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه، فلم يلبث أن وثب الزبير وثبة عظيمة حتى كان معه على جمله، ثم صرعه من جمله فألقاه في الأرض، ثم ذبحه ﵁ وأرضاه، فماذا صنع بنو عبد الدار بالراية التي أعطيت لهم؟ تقدم لها أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة ورفع الراية مرة أخرى، وصار ينادي: إن على أهل اللواء حقاً أن تخضب الصعدة أو تندقا وظل يقاتل حتى جاءه حمزة ﵁ وأرضاه، أسد رسول الله ﷺ فضربه بسيفه البتار ضربة على كتفه خلع بها يده، حتى بلغ سيفه إلى رئته فقتله، ثم جاء بعد ذلك أخوه أبو سعد بن أبي طلحة العبدري ورفع اللواء مرة أخرى وهو ينادي ويشمخ بلسان بني عبد الدار مرة ثالثة، ثم جاءه بعد ذلك سعد بن أبي وقاص فرماه بسهم فأصاب حنجرته، فاندلقت لسانه فمات من حينه، ثم حمل اللواء بعد ذلك مسافع بن طلحة ابن أبي طلحة ثم جاءه سهم من عاصم بن ثابت ﵁ فقتله، ثم حمل الراية أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة ثم قتل، ثم جاء أخوه الثالث وهو الجلاس بن طلحة ثم قتل، ستة نفر من بيت واحد ثلاثة إخوة وثلاثة أبناء لواحد من هؤلاء الإخوة، ثم تنادى بنو عبد الدار فحمل الراية منهم أرطأة بن شرحبيل، فجاءه علي بن أبي طالب ﵁ فقتله، فحمل الراية شريح بن قارض منهم أيضاً فقتل، ثم جاء أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري فقتل، ثم جاء ولد لـ شريح بن هاشم فقتل حتى فني في هذه الراية من بني عبد الدار عشرة منهم متواليين من كبارهم وزعمائهم وأشرافهم، فحمل الراية بعد ذلك غلام حبشي لبني عبد الدار يقال له: صواب، وأبلى في حمل الراية أكثر مما أبلى أسياده من بني عبد الدار أنفسهم، حتى قطعت يداه فبرك على الراية بصدره وعضديه، حتى قطعت عنقه وهو يقول: اللهم آعززت؟ أي: هل قمت بحقها؟ فانظر رحمك الله كيف كان أهل الباطل يتوقدون غيرة وحمية وجاهلية يثبتون ويضحون لأجل باطلهم وجاهليتهم الزائفة وأمجادهم الباطلة، وأهل الإسلام يريدون أن ينالوا الشرف اليوم دون أن يضحوا، أو أن يبذلوا، أو يثبتوا، ويريدونها هينة سهلة وهم ينامون ملء عيونهم، ويأكلون ملء بطونهم، ويضحكون ملء أشداقهم ما كان ذلك في عهد النبي ﷺ !

стр. 1297

صور من ثبات وتضحية أهل الإيمان سنرى صور التضحية والثبات في سيرة الأصحاب رضوان الله عليهم، وها نحن نقف هذه الوقفات الأعظم والأجل والأجلى في أخذ الدرس والعبرة من صحب النبي ﷺ .

стр. 1298

أبو دجانة وعصابة الموت هذا أبو دجانة نادى النبي ﷺ في يوم أحد ورفع سيفه: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، فتنادى له الصحابة رضوان الله عليهم وتسابقوا إليه، فقال النبي ﵊: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قالوا: وما حقه يا رسول الله! قال: أن يقاتل مقبلاً غير مدبر)، فتراجع بعضهم لا جبناً وإنما خوفاً أن يقصروا بالوفاء، فتقدم له أبو دجانة وقال: أنا يا رسول الله! وورد في بعض روايات السيرة أن الزبير تقدم له فمنعه منه النبي وأعطاه لـ سماك بن خرشة أبو دجانة ﵁، فلما أخذه عصب على رأسه عصابة حمراء فقالت الأنصار: عصب أبو دجانة عصابة الموت، وظل يمشي مشية مختالة، فقال النبي ﷺ : (إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن)؛ لأنه موطن إعزاز للإسلام والمسلمين، فماذا صنع أبو دجانة ﵁؟ عندما أخذ السيف وبدأت المعركة صار ينادي: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن في السفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول ثم فلق به هام المشركين، وشق صفوفهم، وخاض في الموت، وفي حمام الهلاك وهو يجندلهم عن يمينه وشماله، قال: حتى خلصت إلى فارس يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا هو امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن تضرب به امرأة، وكانت هذه هند بنت عتبة ﵂ فقد أسلمت فيما بعد وحسن إسلامها، كانت قد تلثمت وحاربت، وكانت من أشجع المحاربين في تلك المعركة، قال الزبير في بعض روايات السيرة: فرأيت فارساً لا يجد أحداً من المسلمين يزفف -أي: في آخر الرمق- إلا وأجهز عليه، فقلت: لعله يلقاه أبو دجانة، فما زلت أنظر حتى التقيا، ثم رفع أبو دجانة سيفه ولم يمضه، فنظرت فإذا هي هند بنت عتبة. وهكذا فعل أبو دجانة ﵁.

стр. 1299

أسد الله حمزة نأتي إلى موقف آخر لـ حمزة أسد رسول الله ﷺ ، ذاك الذي كان الموت يتربص به في ميدان المعركة، لكنه مات غيلة وغدراً، كان ﵁ قد فلق الهام، وقطع الرقاب، وشق صفوف المشركين شقاً، ثم لم يصمد له أحد، ولم يستطع أحد أن يواجهه، حتى جاء وحشي ﵁ وقد أسلم فيما بعد وصار من الصحابة، لم يكن عنده مهمة في هذه المعركة إلا أن يغتال غيلة وغدراً وخسة ودناءة حمزة بن عبد المطلب ﵁، فظل يكمن في أماكن معينة حتى أصاب منه غرة فأنفذ فيه حربته فقتله لوقته ﵁ وأرضاه.

стр. 1300

قمة من قمم الثبات النبوي أما المثل الأعظم الذي سنجعل وقفتنا معه؛ فهو المثل الذي تتقاصر دونه الأمثلة، والشجاعة التي تظهر كل شجاعة دونها بمراحل، شجاعة النبي ﷺ ، القدوة العظمى في التضحية لهذا الدين والثبات عليه والدعوة إليه. لما دارت الدائرة على المسلمين بعد نزول الرماة، وبعد أن كانت الجولة لهم، واشتد الاختلاط في صفوف المسلمين، وبدأت المعركة ينفرط عقدها، كان النبي ﵊ في تسعة نفر من أصحابه، وكان من المتبادر إلى أذهان أهل الضعف والخور، أو إلى أذهان أهل السلامة أن من الأصلح له أن ينسحب بهذه الكوكبة حتى يرجع إلى المدينة، حتى يسلم أصحابه أو حتى يسلم هذه الأمة، لكن النبي ﷺ كان مضرب المثل والقدوة، كان علي بن أبي طالب يقول: كنا إذا احمرت الحدق، وحمي الوطيس؛ نتقي برسول الله ﷺ . كان دائماً هو المقدم ﵊، فماذا صنع في ذلك الموقف؟ صاح: (يا عباد الله! هلموا إلي أنا رسول الله)، وهو يعلم أن صوته سيسمع عند المشركين قبل المسلمين، وكان الأمر كما كان، لقد سمع المشركون هذا النداء، وكان يعلم النبي ﵊ أن هذا سيسمع وأن الجموع ستجمع، وأن الجيوش ستتوجه نحوه ﵊، لكنه أراد أن يبين للأمة أن الثبات في الجيوش بثبات قياداتها، وأن المضي بمضي كرامها، ولذلك نادى هذا النداء العظيم ليقول كما قال بعد ذلك في يوم حنين: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فما كان له ﷺ أن يتخلف عند مواضع التقدم، أو أن يتراجع في مواضع الثبات ﵊. نادى هذا النداء ثم تجمعت الجيوش من حوله، فكانت صورة رائعة من صور تضحية الصحابة وفدائهم قل أن يجود التاريخ بمثلها مطلقاً، لذلك تجمع أولئك القوم حول النبي ﵊، حتى شج وجهه الكريم، وسال دمه على جبهته، ودخلت حلقات المغفر في وجنتيه، وكسرت رباعيته ﷺ ، حتى قال ﵊ في هذا الموقف: (كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم؟). درس لنا كيف ضحى النبي ﷺ وهو أشرف الخلق أجمعين؟ وبذل لأجل هذا الدين، وخاض غمار المعارك حتى سال دمه ولقي الموت؟ ونحن نريدها هينة سهلة، لو كانت هينة سهلة لكانت لرسول الله ﷺ ، ولو كان الإكرام للصلاح لكان أحق المكرمين هو رسول الله ﷺ ، ولو كان النصر يهدى لأحد لأهدي إلى رسول الله ﷺ ، ولكنه درس للأمة أنه لا يمكن أن ترفع لها راية، ولا أن تقوم لها قائمة، ولا أن ينتشر دينها، ولا أن تقوى قوتها وتعظم سيادتها إلا بالبذل والتضحية في سبيل الله ، والثبات على هذا الدين، فلذلك رسم النبي ﷺ هذه الصورة المشرقة الرائعة في الثبات والتضحية في سبيل الله حتى كان موئلاً تجمع حوله الصحابة من جديد، وانتهت المعركة نهاية مشرفة، وقد كان من الممكن أن تكون نهايتها أسوأ وأعظم شراً في الهزيمة على المسلمين، ولذلك ضرب النبي ﷺ المثل والقدوة من نفسه. فإذا كان الرسول قد دمي وجهه، وكسرت رباعيته؛ فما على أحد بعده أن يصيبه في سبيل الله ما هو أشد وأعظم وأنكى من هذا. نسأل الله أن يجعل لنا في رسوله ﷺ أسوة حسنة، وأن يجعلنا ممن يتأسون بأصحابه رضوان الله عليهم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →