Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
تضحية أهل الباطل بأرواحهم
لننظر إلى صورة أخرى لنرى كيف يكون الباطل مدافعاً عن حقه وهو على باطل؛ حتى ندرك أن أهل الحق هم أولى بذلك.
قبل أن تبدأ المعركة كان من المتعارف عليه أن الراية دائماً في بني عبد الدار من قريش، وكان النضر بن الحارث هو حامل رايتهم في يوم بدر، وقد وقع أسيراً في أيدي المسلمين، ووقوعه في الأسر دليل على الخزي والذلة والجبن والخور، فلما جاءت معركة أحد جاء أبو سفيان القائد العام لجيوش كفار مكة يخاطب بني عبد الدار حتى يثير حميتهم، ويحضهم على التضحية والثبات، فيقول لهم ويناديهم: يا بني عبد الدار! قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إن زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه.
وما كانت العرب أبداً لترضى بالذل والصغار، فصاح بنو عبد الدار: أنسلم لك الراية؟ لترين غداً كيف نصنع؟ وقد ثبتوا ثباتاً يعجب المرء منه، ويأخذ منه في الوقت نفسه درساً وعبرة.
كان حامل رايتهم طلحة بن أبي طلحة العبدري سيد بني عبد الدار، فلما بدأت معركة أحد خرج مختالاً يطلب المبارزة، وكان فارساً من أشجع الشجعان الأبطال عند العرب، فهاب الناس لقاءه، ثم تقدم له الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه، فلم يلبث أن وثب الزبير وثبة عظيمة حتى كان معه على جمله، ثم صرعه من جمله فألقاه في الأرض، ثم ذبحه ﵁ وأرضاه، فماذا صنع بنو عبد الدار بالراية التي أعطيت لهم؟ تقدم لها أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة ورفع الراية مرة أخرى، وصار ينادي: إن على أهل اللواء حقاً أن تخضب الصعدة أو تندقا وظل يقاتل حتى جاءه حمزة ﵁ وأرضاه، أسد رسول الله ﷺ فضربه بسيفه البتار ضربة على كتفه خلع بها يده، حتى بلغ سيفه إلى رئته فقتله، ثم جاء بعد ذلك أخوه أبو سعد بن أبي طلحة العبدري ورفع اللواء مرة أخرى وهو ينادي ويشمخ بلسان بني عبد الدار مرة ثالثة، ثم جاءه بعد ذلك سعد بن أبي وقاص فرماه بسهم فأصاب حنجرته، فاندلقت لسانه فمات من حينه، ثم حمل اللواء بعد ذلك مسافع بن طلحة ابن أبي طلحة ثم جاءه سهم من عاصم بن ثابت ﵁ فقتله، ثم حمل الراية أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة ثم قتل، ثم جاء أخوه الثالث وهو الجلاس بن طلحة ثم قتل، ستة نفر من بيت واحد ثلاثة إخوة وثلاثة أبناء لواحد من هؤلاء الإخوة، ثم تنادى بنو عبد الدار فحمل الراية منهم أرطأة بن شرحبيل، فجاءه علي بن أبي طالب ﵁ فقتله، فحمل الراية شريح بن قارض منهم أيضاً فقتل، ثم جاء أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري فقتل، ثم جاء ولد لـ شريح بن هاشم فقتل حتى فني في هذه الراية من بني عبد الدار عشرة منهم متواليين من كبارهم وزعمائهم وأشرافهم، فحمل الراية بعد ذلك غلام حبشي لبني عبد الدار يقال له: صواب، وأبلى في حمل الراية أكثر مما أبلى أسياده من بني عبد الدار أنفسهم، حتى قطعت يداه فبرك على الراية بصدره وعضديه، حتى قطعت عنقه وهو يقول: اللهم آعززت؟ أي: هل قمت بحقها؟ فانظر رحمك الله كيف كان أهل الباطل يتوقدون غيرة وحمية وجاهلية يثبتون ويضحون لأجل باطلهم وجاهليتهم الزائفة وأمجادهم الباطلة، وأهل الإسلام يريدون أن ينالوا الشرف اليوم دون أن يضحوا، أو أن يبذلوا، أو يثبتوا، ويريدونها هينة سهلة وهم ينامون ملء عيونهم، ويأكلون ملء بطونهم، ويضحكون ملء أشداقهم ما كان ذلك في عهد النبي ﷺ !
стр. 1297
صور من ثبات وتضحية أهل الإيمان
سنرى صور التضحية والثبات في سيرة الأصحاب رضوان الله عليهم، وها نحن نقف هذه الوقفات الأعظم والأجل والأجلى في أخذ الدرس والعبرة من صحب النبي ﷺ .
стр. 1298
أبو دجانة وعصابة الموت
هذا أبو دجانة نادى النبي ﷺ في يوم أحد ورفع سيفه: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، فتنادى له الصحابة رضوان الله عليهم وتسابقوا إليه، فقال النبي ﵊: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قالوا: وما حقه يا رسول الله! قال: أن يقاتل مقبلاً غير مدبر)، فتراجع بعضهم لا جبناً وإنما خوفاً أن يقصروا بالوفاء، فتقدم له أبو دجانة وقال: أنا يا رسول الله! وورد في بعض روايات السيرة أن الزبير تقدم له فمنعه منه النبي وأعطاه لـ سماك بن خرشة أبو دجانة ﵁، فلما أخذه عصب على رأسه عصابة حمراء فقالت الأنصار: عصب أبو دجانة عصابة الموت، وظل يمشي مشية مختالة، فقال النبي ﷺ : (إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن)؛ لأنه موطن إعزاز للإسلام والمسلمين، فماذا صنع أبو دجانة ﵁؟ عندما أخذ السيف وبدأت المعركة صار ينادي: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن في السفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول ثم فلق به هام المشركين، وشق صفوفهم، وخاض في الموت، وفي حمام الهلاك وهو يجندلهم عن يمينه وشماله، قال: حتى خلصت إلى فارس يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا هو امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن تضرب به امرأة، وكانت هذه هند بنت عتبة ﵂ فقد أسلمت فيما بعد وحسن إسلامها، كانت قد تلثمت وحاربت، وكانت من أشجع المحاربين في تلك المعركة، قال الزبير في بعض روايات السيرة: فرأيت فارساً لا يجد أحداً من المسلمين يزفف -أي: في آخر الرمق- إلا وأجهز عليه، فقلت: لعله يلقاه أبو دجانة، فما زلت أنظر حتى التقيا، ثم رفع أبو دجانة سيفه ولم يمضه، فنظرت فإذا هي هند بنت عتبة.
وهكذا فعل أبو دجانة ﵁.
стр. 1299
أسد الله حمزة
نأتي إلى موقف آخر لـ حمزة أسد رسول الله ﷺ ، ذاك الذي كان الموت يتربص به في ميدان المعركة، لكنه مات غيلة وغدراً، كان ﵁ قد فلق الهام، وقطع الرقاب، وشق صفوف المشركين شقاً، ثم لم يصمد له أحد، ولم يستطع أحد أن يواجهه، حتى جاء وحشي ﵁ وقد أسلم فيما بعد وصار من الصحابة، لم يكن عنده مهمة في هذه المعركة إلا أن يغتال غيلة وغدراً وخسة ودناءة حمزة بن عبد المطلب ﵁، فظل يكمن في أماكن معينة حتى أصاب منه غرة فأنفذ فيه حربته فقتله لوقته ﵁ وأرضاه.
стр. 1300
قمة من قمم الثبات النبوي
أما المثل الأعظم الذي سنجعل وقفتنا معه؛ فهو المثل الذي تتقاصر دونه الأمثلة، والشجاعة التي تظهر كل شجاعة دونها بمراحل، شجاعة النبي ﷺ ، القدوة العظمى في التضحية لهذا الدين والثبات عليه والدعوة إليه.
لما دارت الدائرة على المسلمين بعد نزول الرماة، وبعد أن كانت الجولة لهم، واشتد الاختلاط في صفوف المسلمين، وبدأت المعركة ينفرط عقدها، كان النبي ﵊ في تسعة نفر من أصحابه، وكان من المتبادر إلى أذهان أهل الضعف والخور، أو إلى أذهان أهل السلامة أن من الأصلح له أن ينسحب بهذه الكوكبة حتى يرجع إلى المدينة، حتى يسلم أصحابه أو حتى يسلم هذه الأمة، لكن النبي ﷺ كان مضرب المثل والقدوة، كان علي بن أبي طالب يقول: كنا إذا احمرت الحدق، وحمي الوطيس؛ نتقي برسول الله ﷺ .
كان دائماً هو المقدم ﵊، فماذا صنع في ذلك الموقف؟ صاح: (يا عباد الله! هلموا إلي أنا رسول الله)، وهو يعلم أن صوته سيسمع عند المشركين قبل المسلمين، وكان الأمر كما كان، لقد سمع المشركون هذا النداء، وكان يعلم النبي ﵊ أن هذا سيسمع وأن الجموع ستجمع، وأن الجيوش ستتوجه نحوه ﵊، لكنه أراد أن يبين للأمة أن الثبات في الجيوش بثبات قياداتها، وأن المضي بمضي كرامها، ولذلك نادى هذا النداء العظيم ليقول كما قال بعد ذلك في يوم حنين: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فما كان له ﷺ أن يتخلف عند مواضع التقدم، أو أن يتراجع في مواضع الثبات ﵊.
نادى هذا النداء ثم تجمعت الجيوش من حوله، فكانت صورة رائعة من صور تضحية الصحابة وفدائهم قل أن يجود التاريخ بمثلها مطلقاً، لذلك تجمع أولئك القوم حول النبي ﵊، حتى شج وجهه الكريم، وسال دمه على جبهته، ودخلت حلقات المغفر في وجنتيه، وكسرت رباعيته ﷺ ، حتى قال ﵊ في هذا الموقف: (كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم؟).
درس لنا كيف ضحى النبي ﷺ وهو أشرف الخلق أجمعين؟ وبذل لأجل هذا الدين، وخاض غمار المعارك حتى سال دمه ولقي الموت؟ ونحن نريدها هينة سهلة، لو كانت هينة سهلة لكانت لرسول الله ﷺ ، ولو كان الإكرام للصلاح لكان أحق المكرمين هو رسول الله ﷺ ، ولو كان النصر يهدى لأحد لأهدي إلى رسول الله ﷺ ، ولكنه درس للأمة أنه لا يمكن أن ترفع لها راية، ولا أن تقوم لها قائمة، ولا أن ينتشر دينها، ولا أن تقوى قوتها وتعظم سيادتها إلا بالبذل والتضحية في سبيل الله ، والثبات على هذا الدين، فلذلك رسم النبي ﷺ هذه الصورة المشرقة الرائعة في الثبات والتضحية في سبيل الله حتى كان موئلاً تجمع حوله الصحابة من جديد، وانتهت المعركة نهاية مشرفة، وقد كان من الممكن أن تكون نهايتها أسوأ وأعظم شراً في الهزيمة على المسلمين، ولذلك ضرب النبي ﷺ المثل والقدوة من نفسه.
فإذا كان الرسول قد دمي وجهه، وكسرت رباعيته؛ فما على أحد بعده أن يصيبه في سبيل الله ما هو أشد وأعظم وأنكى من هذا.
نسأل الله أن يجعل لنا في رسوله ﷺ أسوة حسنة، وأن يجعلنا ممن يتأسون بأصحابه رضوان الله عليهم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1301
من أجلى صور الثبات في غزوة أحد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أبواب التقوى: التضحية لأجل هذا الدين بكل غال ورخيص، بالنفس والنفيس، بالأموال، بالوقت، بالجهد، بالفكر؛ فإن لهذا الدين علينا حقاً، وإن لهذه الرسالة في عنقنا أمانة ينبغي أن نؤديها ونحرص على تبليغها.
ونمضي أيضاً مع بعض الأمثلة الأخرى لنرى صوراً من الدروس في هذا الباب:
стр. 1302
أنس بن النضر مثال الإقدام والثبات
فهذا أنس بن النضر ﵁ وأرضاه يقول قبل المعركة، وهو الذي فاتته غزوة بدر، وفاته شرف تلك الغزوة العظيمة، يقول: لئن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين ما أصنع؟ قسم عظيم يُبرز فيه هذا الصحابي الجليل أنه سيبذل وسيضحي وسيثبت ويقدم لهذا الدين ما تقر به أعين المسلمين، وما يرضى به عنه الله رب العالمين، يقول ذلك لا قولاً رخواً وهو متكئ على أريكته، ولا يقول ذلك وهو في مجلس اللهو واللعب؛ وإنما يقوله مقسماً بالله في مواطن الجد والعز.
فلما جاءت المعركة وجاءت هذه الدائرة، مر أنس ﵁ ببعض الأنصار وقد سرت شائعة قتل النبي ﷺ بعد أن تجمع حوله المشركون وحصل ما حصل، فمر أنس ببعض الأنصار وقد قعدوا على هامش المعركة، وسألهم: ما بكم؟ قالوا: أما شعرت أن محمداً ﷺ قد مات؟ فقال كلمات تسجل في صحائف التاريخ، وتخلد في ذاكرة المسلمين، وتنقش في قلوبهم صوراً محفورة لا تنسى من صور الثبات والتضحية، ومعرفة المنهج، ووضوح الرؤية عند الصحابة رضوان اللهم عليهم، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ! لئن مات النبي ﵊ فما قيمة الحياة بعده؟ ولئن أهينت المقدسات، وانتهكت الأعراض، واعتدي على الدين فما قيمة الحياة؟ هل يبقى المسلم في هذه الحياة ليأكل وينكح مثل بقية الأنعام والدواب والهوام؟ إن المسلم أجل وأرفع من أن تكون هذه غاياته، إنه صاحب مهمة ورسالة يقدم حياته كلها لأجل رسالته وإعلاء رايتها؛ فإن أصيب في دينه أو في رسالته؛ فإنه لا يمكن أن يرضى بالذل في هذه الحياة، ولا يمكن أن يبقى ساكناً وادعاً، بل ينبغي أن يتحرق قلبه، وتتحرك جوارحه، وينطق لسانه، وتنطلق أقدامه، وتنفق أمواله، ولو اقتضى الأمر أن تبذل مهجته وروحه في سبيل الله كما فعل الصحب الكرام رضوان الله عليهم، ونداء أنس ﵁ ينادي كل المسلمين: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ .
ثم مضى أنس ﵁ إلى ميدان المعركة، مضى إلى الغبار المثار، إلى السيوف التي تبرق في الضحى، إلى الأعناق التي تقطع، والدماء التي تسيل؛ فلقيه في أثناء مسيره سعد بن معاذ فقال له: إلى أين يا أبا عمرو؟! فسطر أنس ﵁ أيضاً الجواب بكلمات عظيمة: واهاً لريح الجنة، والله إني لأجدها دون أحد.
قوم أيقنوا بما أخبر الله به، واستيقنوا بما أخبر به الرسول ﷺ ، وعلموا أن طريق مرضاة الله إنما تكون من طريق إعزاز دين الله ، ونصر عباد الله، وعدم رضى الذل لدين الله .
واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد، ثم انطلق ﵁، قال سعد: فما استطعت أن أمضي مضيه، ولا أن أفري فريه، فمضى يقتل ويضرب حتى استشهد ﵁ وفي جسمه بضع وثمانون ما بين ضربة سيف أو طعنة رمح أو موضع سهم، حتى ما عرف وجهه، وإنما عرفته أخت له ببنانة أو شامة.
لم يعرف من شدة ما أصابه من ضرب.
قال بعض الصحابة: فأحصيت ما به من ضربات فلم أجد في ظهره منها ضربة قط.
كان مقبلاً غير مدبر، ولم تأته الضربات من ظهره؛ لأنه لم يول ولم يهرب، وإنما كان مضحياً ثابتاً، ولذلك ضرب مثلاً عظيماً من أمثلة التضحية والثبات على دين الله .
стр. 1303
أمثلة وصور متفرقة للثبات
وعن ثابت بن الدحداح ﵁: أنه مر بفئة من الصحابة الأنصار من قومه، ورأى بعضهم وقد تردد وتذبذب وحار وتبلبل، فقال: يا معشر الأنصار! إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم فإن الله مظهركم وناصركم.
هكذا كانوا يعرفون أن المسألة مسألة منهج ومبدأ، وإن كان الرسول ﷺ في نفوسهم عظيماً فدين الله أعظم، وإن كان ارتباطهم بالرسول ﵊ وثيقاً فارتباطهم بالله أوثق؛ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ .
وكما أخبر ثابت أيضاً في هذه المقالة: قاتلوا على دينكم فإن الله مظهركم وناصركم.
ثم مضى ثابت ﵁، ولم يكن هذا الكلام منهم كلاماً عابراً، بل مضى وقاتل حتى استشهد ﵁ وأرضاه.
وهذه صورة ثالثة: مر مهاجري بأحد الأنصار وهو يتشحط في دمه وقد أصيب إصابة قاتلة، مر به وقال متسائلاً ومستغرباً: يا فلان! أشعرت أن محمداً قد قتل؟ فقال هذا الذي يفارق الحياة ويستقبل الموت: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.
صحابة يتواردون على معنىً واحد، مما يدلنا على أن تربيتهم وإيمانهم ومنهجهم كان واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار، ولذا لم يتذبذبوا ولم يتراجعوا ولم ينخذلوا، وإنما كانت فترة من فترات الاضطراب والفوضى، ثم جاء نداء النبي ﷺ ، وجاءت القدوة المثلى لتجمع الصحابة رضوان الله عليهم، ولست بصدد ذكر الفداء والتضحية التي كانت من الصحب الكرام حول النبي ﷺ ، سبعة من الأنصار واحداً إثر آخر يقفون حول الرسول الكريم ﵊، يفتدونه بصدورهم وظهورهم، يهلكون واحداً إثر واحد، وكان معه سبعة من الأنصار واثنان من المهاجرين فقضى الأنصار واحداً إثر الآخر حتى قال النبي ﷺ : (ما أنصفنا أصحابنا)؛ لأنهم تقدموا وكان الآخرون لم يكتب الله لهم الشهادة في ذلك الوقت، كانوا ينضحون عنه النبل، ويتلقون عنه السيوف، ويذبون عنه الأعداء، وضحوا وثبتوا ثباتاً عجيباً في وقت كان الأصل أن يكون حالهم الفرار والهرب؛ فقد انفرط عقدهم ودارت الدائرة عليهم.
стр. 1304
حنظلة الغسيل وشوقه إلى الجهاد
مثل أخير أقف عنده؛ لأنه مثل يبين لنا الصورة التي تعيقنا عن الانطلاق لرضوان الله ، والمضي لنصرة دين الله ، والعمل لأجل نصرة هذا الدين في كل مكان.
هذا حنظلة بن أبي عامر، كان أبوه يسمى أبا عامر الراهب، وسماه النبي ﷺ أبا عامر الفاسق؛ لأنه كان من أشد أعداء الإسلام، أما ابنه حنظلة فقد كان صحابياً جليلاً من خيار الصحابة، كان عرسه في ليلة أحد، ودخل على زوجته وهو حديث عهد بعرس -في يوم الدخلة التي نسميها اليوم- وإذا به يسمع المنادي يقول: يا خيل الله اركبي! يسمع النداء إلى الجهاد، يسمع الانتقال من أحضان المرأة إلى الانتقال إلى أحضان الموت، يسمع الانتقال من العيش الرغيد إلى العيش الشظف الشاق، فإذا به لا يفكر ولا يتردد ولا يضعف ولا يركن إلى الأرض، ولا تلفته الزوجة الحسناء، ولا البيت المهيأ، ولا العطر والطيب بل يشتاق شوقاً عظيماً، ويتحرك حركة هائلة، وينخلع من بيته وزوجته، ويمتطي فرسه ويمضي مع المجاهدين إلى سبيل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨]، رسمها الصحابة صوراً حية.
ما متاع الآخرة في الدنيا إلا قليل! عرفوا ذلك فاشتاقت له نفوسهم.
ومضى حنظلة مقاتلاً ومجاهداً يشق الصفوف، كان يقصد أبا سفيان ﵁؛ لأنه كان قائداً لجيش المشركين في تلك المعركة حتى أوشك أن يصل إليه ويقتله، فإذا بـ شداد بن الأسود يأتيه من جنبه أو من خلفه فيضربه ضربة فيستشهد، فيخبر النبي ﷺ عن شأن حنظلة أنه كان لم يغتسل من الجنابة بعد، فإذا بالنبي ﵊ يقول: (إن الملائكة تغسل صاحبكم ما بين السماء والأرض) وتطهره لينتقل إلى الجنان وإلى الحور العين التي وعد الله بها الشهداء.
стр. 1305
التضحية والثبات درب السلف الأوائل
إن كل صور التضحية بالأهل والديار والأموال والأنفس ظهرت في هذه المواقف التي كانت للصحب الكرام رضوان الله عليهم، وخطوا لنا بكلماتهم في سمع الزمان كلمات تدوي لا تنسى، وخطوا لنا بأفعالهم صوراً تحتذى وأمثلة يقتدى بها، نسوقها لنا، نحن الذين شغلنا بالدنيا، وأخلدنا إلى الأرض، وانصرفنا إلى مصالحنا وذواتنا، ونسينا أمتنا، وديننا، ودعوتنا، ورسالتنا، إلا من رحم الله.
ونبث هذه المواقف أيضاً إلى إخواننا المسلمين في البوسنة والشيشان وفلسطين وكشمير وكل مكان ليروا كيف كان النبي ﵊، فقد لقي مثل ما يلقون؟ وكيف كان موقفه وموقف الصحابة رضوان الله عليهم؟ إنها صور تبعث القوة في نفوس المؤمنين، وتعيد الحياة إلى القلوب التي ذوت فيها الحياة، وإلى السواعد التي صارت كالأيدي الشلاء؛ ينبغي لنا أن نجدد هذا المعنى في نفوسنا، إنه لا يمكن لنا أن نحيي معاني هذا الدين، وأن نعلي رايته دون أن نضحي في سبيل الله ، فإذا لم نستطع أن نضحي بشيء من أوقاتنا، وقليل من أموالنا، وبعض من جهودنا فكيف سنضحي يوماً ما بأنفسنا في الجهاد في سبيل الله ، لابد أن نوطن أنفسنا على أن نكون على سنن الصحابة رضوان الله عليهم، أن نأخذ من هذه المدرسة النبوية هذه المعاني التربوية الإيمانية، وأن نحقق بعضاً من الشعور أننا من أبناء هذه الأمة، ومنتسبون لهذا الدين، ونحظى بشرف اتباع محمد ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
أتباع محمد حملة رسالة، وناشرو دعوة، ومجاهدون في سبيل الله .
أتباع محمد ليسوا من أهل الدنيا، ولا من أهل الانشغال عن الآخرة، ولا العمل لذوات أنفسهم والانشغال بمصالحهم الذاتية الأنانية؛ هذه لها حدها وقدرها ومشروعيتها، لكن النفوس العظيمة والإيمان العظيم يدعو صاحبه إلى ما دعا إليه أنس بن النضر، وحنظلة بن أبي عامر ﵄، وإلى ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم يوم أحد.
ينبغي أن نحيي هذه المعاني حتى نعالج هذا الفتور والخور والضعف والتعلق بالدنيا الذي في أنفسنا، فلئن كانت هذه صورة شامخة سامقة في حياة الصحابة ونحن في سفح سحيق فينبغي أن نحرك أنفسنا، نعم نحن بحمد الله اليوم في خير كثير، نعم قد دب الإيمان في القلوب، وشاع الإسلام في الصفوف، وتنادى المسلمون باسم الإسلام بوادر خير تحتاج إلى أن نرويها بتضحياتنا، ونغذيها بأرواحنا، ونحييها بكلماتنا ومواقفنا.
نسأل الله أن يسخرنا لخدمة هذا الدين، وأن يجعلنا من نصرائه في كل مكان، ونسأله أن يجعلنا ممن يسخرون أموالهم وجهودهم وأوقاتهم وأرواحهم في سبيل نصرة هذا الدين، وإعلاء راية الله في كل مكان.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم أبدل أمتنا من بعد ضعفها قوة، ومن بعد ذلتها عزة، ومن بعد فرقتها وحدة.
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب، اللهم اجعلهم بكتابك مستمسكين، ولسنة نبيك ﷺ متبعين، وفي آثار الصحابة سائرين، نسألك اللهم أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، وفرق كلمتهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم أبطل كيدهم، وأحبط مكرهم، واجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، جائعون فأطعمهم، مشردون فسكنهم، اللهم ارزقهم الصبر والثبات واليقين، اللهم اجعلهم من أهل الصبر على البلاء والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت لهم زيادة في الإيمان واليقين ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم قرب نصرهم، وعجل فرجهم، اللهم إنا نسألك أن تثبتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تخفف عنهم وأن ترفع عنهم يا أرحم الراحمين! اللهم واجعلنا في نصرة دينك وسخرنا في الدعوة إلى دينك، نسألك اللهم أن توفقنا لكل ما تحب وترضى، وأن تصرف عنا ما لا تحب ولا ترضى.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، واجعلهم مسخرين في رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1306
عظمة قدر النبي ﷺ
لقد عظم الله نبيه محمداً ﷺ ، ورفع مكانته ومنزلته على سائر الخلق، ورفع ذكره، فقرن اسمه باسمه في الأذان والصلاة والدعاء وغيرها من العبادات، وهذا يدل على علو منزلته ﷺ وقدره عند ربه، فيجب على كل مسلم أن يعظمه، ويوقره، ويعزره، وذلك بالدفاع عنه، والاقتداء به، والصلاة عليه، وغير ذلك من أوجه التعظيم والتبجيل.
стр. 1307
مقدمة عن حقيقة العظمة ومعناها ونصيب النبي ﵊ منها
الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، له الحمد لا يضل من استهداه، ولا يحرم من استعطاه، ولا يخيب من رجاه، من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه وقاه، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته، ونسأل الله جل وعلا كما جمعنا في هذا البيت من بيوته على غير أرحام تربطنا، ولا مصالح تجمعنا، أن يجمعنا في مستقر رحمته ودار كرامته، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عظمة قدر النبي ﷺ موضوع جليل، فإن المصطفى ﵊ كان قمة سامقة تتقاصر دونها القمم، وكانت مكانته رفيعة تتوارى معها المكانة والمنزلة مهما علت وسمت، وكما نرى النجم مضيئاً مشعاً وله جماله وبهاؤه فإذا أشرقت الشمس لم يعد له أثر، فكذلك كل عظمة وكل قدر وكل مكانة لأحد من الخلق هي دون مقام وعظمة ومكانة رسول الهدى ﵊، ولا شك أنه شرف عظيم لنا جميعاً المتحدث والسامع أن نطرق مثل هذا الموضوع، نشنف به آذاننا، ونسعد به نفوسنا، ونشرح به صدورنا، فإن ذكر الله جل وعلا وذكر رسوله ﷺ ، ومعرفة حق ومقام وقدر ذات الله ، والوقوف على مكانة وقدر رسوله ﷺ مما يحيي القلوب، ويهذب النفوس، ويقوي العزائم، وقد أسلفنا حديثاً في مفتتح هذه السلسلة المباركة عن محبة رسول الله ﷺ ، وإن تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتوقيره شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة، بل منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة؛ وذلك لأن كل محب ليس معظماً، فأنت ترى الوالد يحب ولده ولكنه حب تكريم وليس حب تعظيم، وحب حنو ورحمة وليس حب إجلال وتقدير وتبجيل.
فلذلك إذا جمع العبد المؤمن تجاه رسوله ﷺ المحبة التي أسلفنا القول فيها ثم توجها وكملها أو أسسها وبناها على قاعدة التعظيم والتوقير للمصطفى ﷺ ؛ فإنه يكون قد نال حظاً عظيماً وشرفاً كبيراً، وأتى على أمر من الأمور التي هي من أصول إيمانه، وقواعد إسلامه، ومنطلقات التزامه، ولذلك ينبغي لنا أن نفرح وأن نسعد وأن نفخر بما وفقنا الله جل وعلا إليه من الحديث في مثل هذا الموضوع، والله جل وعلا قد نادانا وذكرنا في سياق آياته إلى أهمية تعظيم وتوقير وتعزير رسوله ﷺ فقال جل وعلا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فالمعظم لرسول الله ﷺ في زمرة المفلحين بإذن الله جل وعلا.
والتعزير كلمة معناها التعظيم والنصر، والتوقير كما جاء في معجم مقاييس اللغة: أصل يدل على ثقل في الشيء، فإذا قلت: إنك توقر فلاناً فمعنى ذلك أنه ذا ثقل وذا مكانة، ومنه الوقار: وهو الحلم والرزانة التي تدل على رزانة الإنسان وعدم خفته وطيشه، ووقرت الرجل إذا عظمته، ومنه قوله جل وعلا: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩] كما أسلفنا، والتوقير أيضاً بمعنى: التبجيل والتعظيم.
قال ابن جرير في تفسيره: فأما التوقير والتعظيم فهو الإجلال والتفخيم.
وقال ابن تيمية ﵀: التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه من كل ما يخرجه عن حد الوقار، ولذلك تأتي هذه الكلمات كلها بمعنىً مترادف.
أحبتي الكرام! إن الحديث عن عظمة قدر النبي ﷺ حديث لا تمكن الإحاطة به، كما لا يمكن أن يجمع ماء البحر في كأس؛ فإن جوانب عظمته، ووجوه رفعة قدره وصور علو مكانته أكثر وأعظم وأشهر وأوسع من أن يحيط بها حديث في مثل هذا المقام، بل قد صنف العلماء ودونوا وتوسعوا وجمعوا وأوعوا، وما جاء ما فعلوه كذلك على ما كان وما ينبغي أن يكون لرسول الله ﷺ .
ولذلك عندما طرقت هذا الموضوع وجدت أنه لا بد لنا أن نقتصر ونختصر منه ما لعله يفي بهذا المقام، ويتناسب مع هذا الوقت، ومن هنا أردت أولاً أن نبدأ بشيء يتعلق بالمعنى والدلالة، وبالفائدة والأثر فهذا الذي أوجزناه من المعنى مقصودنا به بيان الكلام الذي يأتي عن هذه العظمة ووجوهها، ثم إن عظمة رسول الله ﷺ من وجهين أساسين اثنين سنقسم الحديث عنهما لاحقاً: عظمة في ذاته الشريفة ﵊، وما كان له من الخصائص، وما عرف به من الشمائل، وما سجلته سيرته من المواقف، وما سمت به شخصيته في كل جوانب الحياة المختلفة.
وجانب آخر -وهو في تصوري أعظم وأكبر- وهو جانب عظمة الإنجاز والثمرة، قد يكون لي خصيصة، قد يكون لي شرف نسب، قد يكون لي كثير علم، قد يكون عندي بعض الذكاء والفطنة، لكن ذلك وإن كان من وجوه العظمة لا يغني شيئاً ما لم يثمر ذلك كله نتيجةً وإنجازاً.
وفعله ﵊ وأثره الباقي إلى قيام الساعة أعظم وجوه عظمته كما سيأتي.
стр. 1308
فوائد استشعار عظمة النبي ﷺ
أما فائدة هذه العظمة وحديثنا عنها فإني أقول: إنه يمكن لنا أن نذكر فائدتين اثنتين تكفينا لنجعل هذا الموضوع موضع اهتمامنا ورعايتنا: الفائدة الأولى: المحبة والإجلال، فإنك لن تعرف شخصاً وتدرك عظمته، وتعرف علمه، وتلم بجوانب سماحته وخلقه وفضله، إلا غرست في قلبك محبته ومالت نفسك إليه.
الفائدة الثانية وهي مهمة أيضاً: التأثر والاقتداء، فالنفوس بطبيعتها مجبولة بالاقتداء والتأسي بالعظماء، ألا ترى الكثرة من البشر، لكنك في كل جيل، وفي كل أمة، وفي كل بلد ربما لا تجد إلا أعداداً قليلة هي التي تذكر في الناس وتشتهر بينهم، ويدور حديث الناس عنهم، أولئك الذين يتصدرون الناس لما لهم من وجوه العظمة، ولما لهم من بصمات وآثار الإنجاز والتأثير والفائدة والنفع، فحينئذ يكونون رواداً قواداً والناس على آثارهم مقتدون: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
стр. 1309
وجوه العظمة الذاتية للنبي ﷺ
لقد اقتصرت في كل جانب من هذه الجوانب على عشرة وجوه فحسب، والعشرة وراءها عشرات أخر، ولها من النصوص والشواهد القرآنية والنبوية من الأدلة ما هي عشرات وعشرات أخرى.
стр. 1310
أخذ العهد والميثاق من الأنبياء والرسل للإيمان به ونصرته
الوجه الأول: أخذ العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل فالله يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] روى أهل التفسير عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس في تفسير هذه الآية قولهما: (ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره -أي: أمر الله ذلك النبي- أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعث فيهم محمد ﵊ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه) وهذا فيه رفعة للنبي ﷺ وبيان لعظيم مكانته بين الأنبياء، وتعريف وتشريف بين البشرية جمعاء، إذ إن الله جل وعلا يعلم أن النبي ﷺ لن يكون إلا في آخر الزمان، وأنه خاتم الأنبياء، فعلام جعل الميثاق على كل نبي بعث أنه يقر إن بعث محمد وهو حي أو بعث في أمته بعد وفاته أن يأخذ العهد والميثاق على الإيمان بمحمد ﷺ وعلى نصرته واتباعه؟ أفلا ترون ذلك عظمة بين العظماء وهم الرسل والأنبياء؟! أفلا ترونه يدل على النبي ﷺ ورسالته ودينه وكتابه؟! والأعظم الأكمل أن جعل الله حكمته مستوفية لكل ما أراده من الهداية التامة والكمال في هذه الرسالة، فجعل كل رسل الله وأنبيائه عليهم العهد، وأمروا أن يأخذوا على أتباعهم وعلى أممهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وأن ينصروه، ولا شك أن هذا وجه ظاهر واضح بين في تعظيم النبي ﷺ .
стр. 1311
إعلام أهل الكتاب بصفته
الوجه الثاني: إعلام أهل الكتاب بصفته ﷺ والتعريف به، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى على وجه الخصوص، وفي رسالة موسى ﵇ وما أنزله الله عليه من التوراة، وفي رسالة عيسى ﵇ وما أنزله الله عليه من الإنجيل ذكر مفصل، ووصف دقيق، وسمات معنوية وأخرى حسية لرسول الله ﷺ ؛ لأن هذا النبي الذي سيبعثه الله من بعد هو نبي عظيم، ومكانته عالية، وقدره رفيع، ومن هنا ذكرت هذه الأوصاف، قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] ما معنى (كما يعرفون أبناءهم؟) أي: كما لا يشك الرجل أن هذا الابن من صلبه لعلمه بحاله وحال زوجه، بل قد أحياناً لا يكون عنده من الجزم بهذا مثل ما عنده من الجزم بصدق نبوة محمد ﷺ ؛ بما ذكر من أوصافه الدقيقة في هذه الكتب، والله جل وعلا قد قال أيضاً: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] التوراة ليست كتاب النبي ﷺ ولم ينزل الإنجيل على محمد ﷺ ، لكن ذكره فيهما مشع، وصفته فيهما ظاهرة، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص الحديث الذي يرويه البخاري حين سئل عن وصف رسول الله ﷺ ، وهو من أكثر الصحابة علماً بكتب أهل الكتاب، فقال: (أجل، والله! إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفض ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً، وآذناً صماً، وقلوباً غلفا).
ووصف رسول الله ﷺ هذا في الكتب السابقة، لا شك أن فيه تنويهاً وإشادة به، وتشريفاً وتكريماً له ﷺ .
стр. 1312
ختم النبوات بنبوته
الوجه الثالث: ختم النبوات بنبوة محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ودائماً نقول في حديثنا المعتاد: ختامه مسك، أليس آخر عمل تعمله يكون أكثر إتقاناً وأوضح كمالاً؟! قد تكون صاحب تجربة أو حرفة كنجار، ففي أول أمرك تصنع لكن بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة آخر عمل تقوم به يكون مستوفياً لوجوه الكمال والعظمة، ويكون على أحسن وأتم شيء؛ لأنك قد أتقنت وجربت وخبرت وعرفت.
قال ابن القيم ﵀ في خلق آدم: فجعل الله خلق آدم وهو أبو البشر متأخراً عن خلق كثير من المخلوقات من الملائكة والجن وغيرهم، ولا يكون المؤخر إلا معظماً، ثم ذكر وجوه العظمة في خلق آدم.
والرسل والأنبياء صفوة الخلق قال : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ومع ذلك هذه الصفوة لا شك أن خاتمها هو صفوة الصفوة ﵊، فلما جعله الله خاتم الأنبياء فمعلوم أن الخاتم هو الأفضل والأكمل، فكانت نبوته وكانت شخصيته وكانت عظمته أتم وأكمل شيء في سلسلة ذهبية مشعة مضيئة من رسل الله وأنبيائه عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، وإن كان سيدنا رسول الله ﵊ بتواضعه يقول: (لا تفضلوني على الأنبياء)، وقال: (لا تفضلوني على يونس بن متى) لكنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: (إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة)، هذا بناء ناقص، وبقي شيء يكمله ويجمله، قال ﵊: (فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) وهذا من وجوه العظمة.
стр. 1313
عموم رسالته
الوجه الرابع: عموم رسالته ﷺ ، عندما يكون هناك إنسان له قدرات معينة كأن يكون مدرساً متخصصاً في علوم التاريخ، ماذا يدرس؟ إنه سيدرس مادة التاريخ أليس كذلك؟ لكن لو قيل لك: إن مدرساً معيناً جعلوه يدرس في التاريخ والجغرافيا والفيزياء والكيمياء ونحو ذلك ماذا ستقول عنه؟ ستقول عنه: إنه رجل عظيم؛ لأنه استطاع أن يفعل هذا كله أو استطاع أن يقوم بمهمات عديدة لا يقوم بها إلا أشخاص كثر.
إذاً: الرسول ﷺ الله جل وعلا يقول الله في نبوته ورسالته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] بعثه الله إلى الثقلين من الإنس والجن، كل البشر منذ بعثته وإلى قيام الساعة هم من أهل أمة الدعوة التي توجه إليها دعوة النبي ﷺ ، ويدعون إلى الإسلام وإلى القرآن وإلى سنة المصطفى ﷺ ، ففي حديث جابر بن عبد الله المشهور قال ﵊: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم) إلى آخر الحديث.
إذاً: لن تكون هذه المهمة الواسعة لكل الناس، ليس هو نبياً ولا رسولاً لقوم معينين، ولا لرقعة معينة، بل للعالمين.
إذاً: هذه عظمة تتناسب مع هذه المهمة الكبيرة التي لا تحدها الجغرافيا، ولا يقطعها الزمن، ولا تتعلق ببيئة ولا بلغة ولا بثقافة، بل رسالة شاملة عامة أنيطت بخير الخلق ﷺ ، وهو لها أهل، ولعظمتها كان هو كذلك عظيماً كعظمة ما أسنده الله إليه، وما كلفه به، وما ابتعثه لأجله في هذه البشرية.
стр. 1314
إقسام الله بحياته وببعض الأمور المتعلقة به
الوجه الخامس: الأقسام الربانية المتعلقة بالمصطفى ﷺ ، وهذه وجوه عظمة لم تكن لأحد من الخلق إلا له ﵊: لقد أقسم الله بحياته فقال جل وعلا: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] قال ابن عباس ﵄: (ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ ثم ذكر هذه الآية، رواه البيهقي وابن أبي شيبة.
ونحن نعلم وندرس في التفسير: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:١ - ٢] نقول: هذا قسم، والله له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، ولا شك أن هذا القسم للفت النظر إلى تعظيم هذه المخلوقات التي أقسم الله بها، فكيف وهو يقسم بحياة محمد ﷺ ؟! إن في ذلك دلالة على تعظيم الله لهذه الحياة ولصاحبها ﵊.
وأقسم الله ببلده فقال : ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١ - ٢].
وأقسم الله بالأمور المتعلقة به كما في قوله: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣] القسم هذا كان لنفي القطيعة التي زُعمت عندما فتر الوحي قليلاً في أول ما نزل على رسول الله ﵊.
ومن القسم بالأمور المتعلقة به أيضاً قوله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢] هذا القسم متعلق برسول الله ﷺ ، وهذه عظمة لا تخفى ولا تحتاج إلى تعليق.
стр. 1315
رفع ذكره وتقديم اسمه على غيره
الوجه السادس: رفع ذكره وتقديم اسمه ﷺ ، والله جل وعلا قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] ذكر القاضي عياض في كتاب (الشفاء في حقوق المصطفى) كلاماً نفيساً جميلاً يقول فيه: قوله: (ورفعنا لك ذكرك) أي: رفعنا لك ذكرك فلا يذكر الله جل وعلا إلا وتذكر معه.
فنحن إذا جئنا لندخل في الإسلام أو لنذكر الشهادة قلنا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وإذا ذكرنا توحيد الله وإخلاص العبادة ذكرنا نبوة ورسالة النبي ﷺ .
إذا جئنا في الصلاة نصلي فإننا نذكر الله ثم نصلي بالصلاة الإبراهيمية التي فيها ذكر رسول الله ﷺ ، ولا تكاد تجد ذكراً إلا وفيه ذكر لرسول الله ﵊، ولا يمر بك أيها المسلم يوم إلا وأنت تذكر رسول الله ﵊، في الأذان تذكره، في الصلاة تذكره، في كثير من الأذكار تذكره، كلما ذكر اسمه ﷺ صليت عليه مع من يصلي عليه، فذكره مما لا يكاد ينقطع منه المسلم بحال من الأحوال، وهذا من عظمة ما أكرم الله به رسوله ﷺ .
ومن تعظيمه تقديمه لاسمه إذا ذكر الأنبياء في القرآن كما في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ [النساء:١٦٣] إلى آخر الآية وكذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب:٧] وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل، وقد ذكر رسول الله ﷺ في مقدمتهم.
стр. 1316
حفظ الله له وللوحيين الكتاب والسنة
الوجه السابع: التكفل الرباني بالحفظ المتعلق به، وقد جاء الحفظ له وجاء الحفظ لكتابه ولسنته ﷺ .
أما حفظه ﵊ فقد قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] كان النبي ﵊ في أول الأمر يحرس، كان الصحابة يتناوبون حراسته ليلاً ونهاراً؛ خوفاً عليه من الأعداء، فلما نزلت هذه الآية رفع الحرس.
ومن لطائف ما ذكر من محبة وتعظيم الصحابة للنبي ﷺ (أنه لما قفل النبي ﷺ من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب بنت زعيم اليهود الذي كان من ألد أعداء الإسلام وقتل، فلما بنى النبي ﵊ بهذه الزوجة من أمهات المؤمنين كان في طريق عودته إلى المدينة، وعُملت له قبة ودخل عليها، فلما أصبح نظر النبي ﷺ فإذا عند قبته أبو أيوب الأنصاري وهو قائم بسيفه، فقال: مالك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله! خشيت عليك من هذه المرأة، قد قتلت -يعني: في المعركة- أباها وزوجها وأخاها وعمها وقومها فخشيتها عليك يا رسول الله) يعني: أن الصحابة كانت قلوبهم معلقة به ﵊، فخاف عليه من ذلك، لكن نزلت هذه الآيات تبين عصمة الله لرسوله ﵊.
كذلك قال الله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٩٤ - ٩٦].
أما حفظ الله جل وعلا لكتابه ففي قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، أما حفظ السنة التي بينت القرآن فهي تبع لذلك، وهذا لم يكن إلا لرسولنا ﷺ ، أهل الكتاب قال الله عنهم: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤] معنى ذلك أن الأحبار أوكل إليهم حفظ كتاب الله، فما الذي جرى؟ قال الله عنهم: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]، أما كتاب الله الذي أنزله الله على رسوله ﵊ وهو القرآن فقال عنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
стр. 1317
ربط الإيمان به وطاعته بالإيمان بالله
الوجه الثامن: ربط الإيمان برسول الله ﷺ وطاعته ومبايعته بالله رب العالمين، فإذا ذكر الإيمان بالله ذكر معه الإيمان برسوله ﷺ ، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال في الطاعة: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال في المبايعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠].
стр. 1318
التوقير الرباني له في مخاطبته وندائه
الوجه التاسع: التوقير الرباني في ندائه ومخاطبته له ﷺ .
الرسل والأنبياء في القرآن ذكروا بالنداء بأسمائهم: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ﴾ [هود:٤٨] ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، ولا تجد في القرآن: يا محمد! أبداً إنما يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٢٨] خطاب الله جل وعلا لرسوله فيه دلالة على عظمة قدر رسول الله ﵊، فإذا كان الخطاب الرباني كلام رب العالمين يظهر فيه هذا التعظيم، فأي تعظيم أعظم من تعظيم الله ؟! وأي مكان ومنزلة يمكن أن تستنبط بأكثر مما تستنبط من الآيات القرآنية التي تنزلت في شأن رسول الله ﷺ ، أو في ندائه ومخاطبته؟!
стр. 1319
إجابة الله عنه ودفاعه عنه
الوجه العاشر والأخير في هذه الطائفة من وجوه العظمة: الإجابة والدفاع الرباني عنه ﵊، إذا قرأتم الآيات في شأن الرسل والأنبياء تجدون أقوال خصومهم والذين عارضوهم والملأ الذين خالفوهم، ثم يأتي الرد على لسان النبي نفسه، على سبيل المثال: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٦٠ - ٦١]، ولو قرأتم في سورة هود وفي سورة الأعراف قصص الأنبياء لرأيتم أقوال الكافرين والجاحدين المناوئين وردود الرسل والأنبياء عليهم.
لكن النبي ﷺ عندما ذكرت الأقوال عنه فإن الرد لم يأت منه، وإنما الرد من الله فهو الذي رد عنه، وأجاب عنه، وهو الذي دافع عنه ، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٢ - ٢٨].
وكذلك في سورة الحاقة تقرءون الآيات وفيها الرد والإجابة الربانية، وفي هذا إشارة إلى رفعة ومكانة وقدر وعظمة رسول الله ﵊.
стр. 1320
عظمته ﷺ المتعلقة بأمته وغيرها من الأمم
نحن تكلمنا في طائفة متعلقة بذاته مباشرة ﵊، أما الآن فالحديث عن عظمته المرتبطة بأمته والأمم الأخرى.
стр. 1321
كونه أولى بالأنبياء من أممهم
الوجه الأول: كونه ﷺ أولى بالأنبياء من أممهم، الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨] أي: أن محمداً ﷺ أولى بإبراهيم من قومه حتى الذين آمنوا به؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو الذي أراد الله أن يختم به هذه الرسالات، وهو الذي جاءت رسالته بالإيمان بكل الرسل والأنبياء؛ ولذلك يقول ﵊ كما في الحديث الصحيح المتفق عليه: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة)، وكذلك عندما هاجر النبي ﵊ إلى المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سأل عن ذلك؟ قالوا: يوم نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون فنحن نصومه لذلك، فقال ﵊: (نحن أحق بموسى منهم، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) أو كما قال ﵊، والمؤمنون من أمته هم أولى بالرسل والأنبياء من أتباعهم الذين حرفوا وبدلوا؛ لأننا نؤمن بكل رسل الله ولا نفرق بين أحد منهم، والرسول ﷺ كان يعظم رسل الله وأنبياءه ويقول: (لا تفضلوني على الأنبياء)؛ إجلالاً لهم، واعترافاً بفضلهم، ولأن سلسلة النبوة كلها سلسة التوحيد وسلسلة الإسلام التي بعث الله بها الرسل جميعاً.
стр. 1322
كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم
الوجه الثاني: كونه ﷺ : ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] وهذه منزلة عظيمة، أنت الآن قد تدعي أحياناً أنك أولى بابنك من نفسه، فتقول لابنك: أنا أولى بك من نفسك؛ لأني كنت السبب في وجودك؛ ولأنني أرعاك، ولأنني أعرف أموراً أكثر منك، ولأنني أسعى في الدفاع عنك، فأنا قد فعلت لك ما يكون حقي عليك أكثر من حقك على نفسك، قد يتصور الناس هذا، وإن كان لا أحد يقر بأن أحداً أولى بغيره من نفسه، لكن القرآن يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، يقول ﵊: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) متفق عليه، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: (ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) [الأحزاب:٦]) فهو أولى بنا من أنفسنا، من أين لنا الهداية؟! من أين لنا معرفة الحق؟! من أين لنا النور الذي نسير به في ظلمات هذه الحياة؟! أين حياة قلوبنا؟! أين زكاة نفوسنا؟! أين رشاد عقولنا؟! أين استقامة أعمالنا؟! أين صلاح أحوالنا؟ إن مرجعه إلى ما أكرمنا الله به من الهداية التي بعث بها محمداً ﷺ ، وهو أولى بنا من أنفسنا، وقد ذكرنا في حديثنا عن المحبة: أنه يجب علينا ويلزم أن نحب رسول الله ﷺ أكثر من حبنا لأنفسنا التي بين جنبينا.
стр. 1323
امتنان الله على عباده ببعثته
الوجه الثالث: منة الله جل وعلا ببعثته على العباد والخلائق؛ لأنه قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] أي: أن الله منّ على البشرية ببعثة هذا الرسول الكريم؛ ليستنقذها من الضلال إلى الهدى، وليخرجها من الظلمات إلى النور.
ومنّ الله بهذه البعثة عليهم لما فيه نجاح أمرهم في دنياهم وفلاح أمرهم في أخراهم بإذنه ، والله جل وعلا يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢] واستطراداً أقول: انظروا إلى الآيات التي جاءت في سياق القول الرباني، ففيها تقديم التزكية على التعليم، والآيات التي جاءت في سياق القول البشري في قصة إبراهيم ﵇ قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]؛ لأن التزكية في المنهج الرباني هي أولى من العلم، وهي الثمرة التي ينبغي أن يركز عليها أهل العلم؛ لأن العلم إذا لم يثمر طهارة قلب وزكاة نفس فليس بعلم نافع للإنسان، بل قد يكون حجة عليه نسأل الله السلامة.
أذكر أيضاً هنا حديثاً لـ عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ حيث يقول: (لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين، قسم الأموال في المؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح، وأعطاهم حتى يتألف قلوبهم ولم يعط الأنصار كما كان يعطيهم، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم شيئاً، لماذا أعطى الرسول هؤلاء ولم يعطنا؟ كأنهم رأوا أنه أعطاهم لقرابتهم منه؛ ولأنهم من قريش أو نحو ذلك، وعلم النبي ﵊ بذلك، فجاء إلى الأنصار وقال لهم: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم وموجدة وجدتموها علي؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟! وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟! وعالة فأغناكم الله بي؟ وكانوا كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنُّ، ثم قال ﵊ متأدباً ومعطياً الحق من نفسه لهم: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله؟! أجيبوني! قالوا: ما نقول يا رسول الله؟! قال: أما إنكم لو شئتم لقلتم: ألم تأتنا فقيراً فأغنيناك؟ وطريداً فآويناك؟ أما إنكم لو قلتم لصدقتم، ثم قال ﵊: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً وسلكت الأنصار وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الناس دثار، والأنصار شعار، ففرح الأنصار وبكوا حتى اخضلت لحاهم من الدموع) وذلك من تأثرهم، وهذا من بيان وجه منة الله على الخلق ببعثة النبي ﷺ ، فكيف كانت منته ظاهرة في قوله لأصحابه رضوان الله عليهم، ومنته أعظم على من جاء بعد أصحاب رسول الله ﵊.
стр. 1324
كونه أكثر الأنبياء أتباعاً
الوجه الرابع: كونه ﵊ أكثر الأنبياء أتباعاً من الأمم والخلق، وهذا ظاهر في أحاديث كثيرة عن رسول الله ﵊ منها: حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم، قال ﵊: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، وفي حديث أنس أيضاً عن النبي ﵊ قال: (أنا أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة) رواه مسلم، وفي حديث آخر لـ أنس أيضاً قال: (لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبياً ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد) رواه مسلم، وهذا لا شك أنه من وجوه العظمة والإكرام لرسول الله ﷺ ، والحديث أيضاً مشهور من رواية ابن عباس: (عرضت علي الأمم فجعل النبي يمر ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم فقلت: هذه أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق فإذا سواد يمد الأفق، ثم قيل لي: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء فإذا سواد عظيم قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بغير حساب) متفق عليه.
стр. 1325
كونه رحمة للعالمين
الوجه الخامس: كونه رحمة للعالمين ليس للإنس فقط بل وللجن، وليس للبشر والجن وإنما للبهائم كما قال ﵊ في شأن واحد: (إن الحيتان في جوف البحر لتستغفر لمعلم الناس الخير)؛ لأن أثر العلم ينتفع به كل الخلائق، ولا أريد أن أستطرد، لكن اليوم يقولون لك مثلاً: الحفاظ على البيئة، وتلوث الهواء، وغير ذلك من الأمور التي يراعون فيها الحقوق والمصالح التي تتعلق بحياة البشر وليس بالبشر أنفسهم، بينما لو رجعت إلى سنة النبي ﷺ ، وإلى هديه، وإلى أقواله، وإلى أفعاله لوجدت ذلك ظاهراً فيها بما هو أعظم وبما هو أسبق من كل ما يقال.
الله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] والرسول ﵊ يقول فيما رواه الحاكم في المستدرك وصححه، والطبراني والبزار من حديث أبي هريرة: (يا أيها الناس! إنما أنا رحمة مهداة) وفي حديث أبي موسى قال: (إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها).
стр. 1326
كونه أماناً لأمته
الوجه السادس: كونه أماناً وأمنة لأمته، وذلك ظاهر في قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] رسل وأنبياء أهلك الله أقوامهم في وجودهم وفيهم ذوو قرابتهم، وفيهم من لهم به صلة، لكن الرسول ﷺ أبعد الله عن أمته المحق الكامل أو العذاب العام؛ وذلك بسبب وجوده ﵊، ففي الحديث يقول ﵊: (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) رواه مسلم أي: ما يكون من فتنة ومحنة وبعد عن دين الله، وابتلاء يقدره الله لحكمته.
стр. 1327
ادخاره دعوته لأمته يوم القيامة
الوجه السابع: ادخار دعوته ﷺ لأمته يوم القيامة، وهذا معروف في الحديث المشهور من رواية أنس: (لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيبت، وجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) فهذه خصيصة لرسول الله ﵊ لها أثرها على أمته.
стр. 1328
شهادته على الأمم والأنبياء يوم القيامة
الوجه الثامن: شهادته على الأمم والأنبياء يوم القيامة، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] وقال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [النحل:٨٩] والآيات معلومة في هذا، ثم شهادة الأمة كما قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] مقام عظيم أن يشهد الرسول ﷺ على البشرية كلها على اتباعهم لأنبيائهم أو مخالفتهم لهم.
стр. 1329
شفاعته للأمم عامة وأمته خاصة
الوجه التاسع: شفاعته للأمم كلها عامة ولأمته خاصة، وذلك حين يكون الفزع إلى محمد ﷺ فيأتي ويسجد بين يدي الله ، قال ﵊: (ويفتح علي بمحامد لم يفتحها علي من قبل، فيقال له: ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط) فيشفع النبي ﷺ في الخلائق فيقضي الله بينهم، كل الخليقة والبشرية من أولها إلى آخرها يشفع لها محمد ﷺ في يوم الهول الأعظم والكرب الأضخم يوم القيامة؛ ليقضي الله بين الخلائق.
وأعطي أيضاً ﵊ أنواعاً كثيرة من وجوه الشفاعة لأمته ﷺ في أحاديث الشفاعة الطويلة، ولا يسمح المقام بذكر ذلك، وقد قال ﵊ في حديث أبي هريرة عند مسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع) ﷺ .
стр. 1330
خيرية صحابته وأمته
الوجه العاشر: خيرية أمته وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين، فمن أثر هذا التعظيم لرسول الله انعكس الأثر على أمته: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال النبي ﵊: (بعثت من خير قرن من بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت فيه)، وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
هذه وجوه أخرى من وجوه العظمة، وهناك وجوه خاصة بعظمة رسول الله ﷺ في يوم القيامة، فمن عظمته في يوم القيامة حمل لواء الحمد، وأنه أول من يفتح له باب الجنة، وأول من يدخل الجنة ﵊، وهي نصوص كثيرة لعلكم ترجعون إليها وتطالعونها.
стр. 1331
عظمة الإنجاز والثمرة في حياة النبي ﷺ
стр. 1332
سمو الدعوة
عظمة الإنجاز في حياة النبي ﵊ أتناولها من وجهين: الوجه الأول: العظمة في سمو دعوة النبي ﵊، منذ أن نزل قوله جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] ثم تلا ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٣] إلى قوله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] قام النبي ﵊ فلم يجلس، وتحرك فلم يسكن، ونطق فلم يسكت، وجاهد فلم يداهن، كانت حياته من أولها إلى آخرها دعوة، وحمل أمانة الله، وبلغ رسالة الله، وأدى أداءً عظيماً هو أجلى ما يكون في صورة الآية القرآنية التي تأتي في الكلام على الرسل والأنبياء: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥].
ثم إذا رأينا سمو الدعوة في جانب آخر غير الجهد والجهاد والبذل والتضحية؛ فإن نوحاً ﵊ ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً؛ لكن كل الابتلاء الذي مر بالرسل والأنبياء، وكل الجهد الذي بذله الرسل والأنبياء كله موجود في سيرة ودعوة النبي ﷺ ، ففي سيرته ما هو جامع لكل ما تفرق من دعوة غيره من الأنبياء من إسرار وإعلان، ومن دعوة ملأ ودعوة خواص، ومن موافقين ومخالفين، ومن ابتلاء بالهجرة، أو ابتلاء بالقتال، أو ابتلاء بالكيد، أو ابتلاء بالاستهزاء، أو ابتلاء بالإغواء، أو ابتلاء بالإغراء، كل ما تفرق في سير الأنبياء جمع في سيرة النبي ﷺ ، وكان كما نعلم على ذلك القدر العظيم في دعوته ﵊.
ومن ذلك سموه في دعوته على حظوظ نفسه ﷺ ، وهذا الذي سبى قلوب الناس وخطف أبصارهم وأمال نفوسهم إلى رسول الله ﵊، والأحداث في سيرته كثيرة جداً أذكر منها على وجه السرعة: الرجل الذي جاء والنبي ﵊ نائم تحت ظل شجرة وأخذ السيف وقال: (ما يمنعك مني يا محمد؟ فقال ﵊: الله، فارتعد الرجل واضطرب قلبه وسقط السيف من يده فأخذه الرسول ﷺ وقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ) فعفا عنه الرسول ﷺ .
واتفق عمير بن وهب ﵁ قبل أن يسلم مع صفوان بعد بدر على قتل رسول الله ﷺ ، فجاء يدعي أنه يطلب أسيراً له، وهو يريد أن يغتال النبي ﵊، فلما جاء قام عمر يستأذن ويقول: دعني أضرب عنقه، ثم أخبره النبي ﷺ بما جاء به فأسلم، وقال: (خذوا أخاكم فعلموه دينه).
وثمامة بن أثال أسر، وتمكن النبي ﷺ منه، وهو سيد بني حنيفة، وربطه النبي ﷺ في سارية في المسجد، ثم قال: (مالك يا ثمامة؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تطلب الفداء يأتك المال، فالنبي ﷺ بعد ثلاثة أيام أطلقه، وجعل له كامل الحرية، وكانوا يكرمونه في أسره، فخرج فاغتسل ورجع وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم منع قريشاً أن تأتيهم حبة من الحنطة من بلاده حتى يأذن رسول الله ﷺ .
وانظر إلى مسائل أخرى في سمو دعوة النبي ﵊ في إيثاره للحق، وفي تأليفه للقلوب ﵊، والمواقف كثيرة يضيق المقام عن حصرها.
كذلك كيف كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل؟! كيف كان رد أهل الطائف عليه عندما ذهب النبي ﷺ إليهم؟! لقد ردوا عليه بأقبح رد، وأغروا به سفهاءهم وغلمانهم يرمونه بالأحجار حتى دميت أقدامه الشريفة ﵊.
وانظروا كيف كان شأنه يوم أحد لما دمي وجهه الشريف، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وكسرت رباعيته ﵊، وهو يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
ويوم أن جاءه ملك الجبال وقال: (أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله).
كانت الدعوة كل شيء في حياة النبي ﷺ ، كانت مع كل خفقة قلب ومع كل دفقة دم في عروقه، فدعوته ورسالته ودينه كان هو أوكد همه وأعظم شغله، لقد كان ذلك في كل حركة وسكنة، وفي كل لفظة وسكوت، كان كل همه كيف يغرس تلك الدعوة في القلوب! خذوا هذا الموقف الأخير: (دخل النبي ﷺ على جار له يهودي، وابنه غلام في مرض الموت فقال له: قل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله حتى تنجو من النار، فنظر الغلام إلى أبيه فقال له أبوه: أطع أبا القاسم -حتى الذين لم يؤمنوا كانوا يرون عظمته ﷺ قال: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فتركه النبي ﵊ وخرج ثم لم يلبث أن مات، فقال ﵊: الحمد الذي نجاه بي من النار) فرح ﵊، انظروا إلى فرحه يفرح بهداية الناس، نحن اليوم إذا رأينا مخطئاً دعونا عليه بالويل والثبور والعظائم، واكفهرت وجوهنا في وجهه، وأصبحنا عوناً للشيطان عليه، أما النبي ﵊ فكان يفتح صدره وقلبه للناس.
في مسند الإمام أحمد لما جاء ذلك الشاب يقول: (يا رسول الله! ائذن لي في الزنا)، أسلم ولكنه كان يمارس هذه الشهوة، وتعرفون قوتها وتمكنها من النفس، ما قال له النبي ﷺ : اغرب عن وجهي، لو جاءنا أحد اليوم وقال هذا الكلام لأحدنا لقال له على أقل تقدير: ألا تستحي؟! كيف تقول لي مثل هذا الكلام؟! لكنه ﵊ قال: (أترضاه لأمك؟! أترضاه لأختك؟! والناس كذلك لا يرضونه، ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له، قال الشاب: فما كان شيء أبغض إلي من الزنا).
انظر إلى هذا السمو العظيم في دعوة النبي ﷺ !
стр. 1333
سمو التربية
الوجه الثاني: العظمة في سمو التربية، انظروا إلى الرجال الذين أخرجهم محمد ﷺ ، هذا عمر ﵁ ماذا كان يعبد؟! قال: (كنا نعبد أصناماً أحياناً من تمر، يقول: فإذا جعنا أكلناها) ماذا كان أصحاب النبي ﷺ قبل بعثته يعبدون؟! من هو أبو بكر؟! من هو عمر؟! من هؤلاء الناس؟ عرب لا يعرف الناس عنهم ذكراً، عندهم من الخصال الذميمة، وعندهم من الأحوال البغيضة، وعندهم من الجاهلية المستحكمة ما هو عظيم جداً لا يكاد يتصور من بشاعته.
يقول عتبة بن غزوان ﵁ وقد ولي أمر مكة: (كنا مع الرسول ﷺ والله ما لنا طعام إلا ورق الشجر في أيام الحصار، يقول: وما منا اليوم إلا وهو أمير على مصر من الأمصار) خرجوا قادة عظاماً، خرج الحزم في قيادة أبي بكر، وخرجت عدالة عمر، وخرج حياء عثمان، وخرجت شجاعة علي، ومن أعظم وجوه عظمته ﷺ أنه كان يعرف الرجال؛ فلذلك قال لـ عمر: (لو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير فج عمر) وفي ذكر صفات الصحابة عند الترمذي يقول ﵊: (أشدهم حياءً عثمان، وأصدقهم لهجةً عمر، وأشجعهم علي، وأقرؤهم أبي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) كان يعرف خصائص كل رجل من أصحابه، كان يعرف كيف يدخل إلى القلوب، وكيف يغير العوائد، حتى أخرج لنا هذه الكوكبة العظيمة، التي لن يكون لها مثيل في جملتها في وقت واحد وزمن واحد أبداً في التاريخ، قد يكون آحاد من الناس له مراتب أو ربما مناقب أو ربما عبادات أو إيمانيات أو أعمال صالحة تقرب من بعض الصحابة، لكن لن يكون هناك جيل تجتمع فيه من الخصائص والصفات والخير والعمل مثل ما كان عليه الصحابة رضوان عليهم، نحن اليوم لو جاء أب وربى أبناءه وكانوا علماء وكانوا صالحين وكانوا ذوي أخلاق حسنة، ماذا يقول الناس عنهم؟ يقولون: فلان يكفيه هذا الابن من أبنائه، خلفه وجعله في هذا الوضع وهذا الحال، فكيف بهذا النبي ﷺ كما قال شوقي: يكفيه شعب من الأموات أحياه أي عظمة أفضل من عظمة تخريج الرجال وصناعة الرجال؟! وليس هناك أحد صنع مثل ما صنع رسول الله ﵊ في مثل هذا.
فمن أعظم وجوه العظمة: هو ما أخرجه النبي ﷺ إلى هذه البشرية من أعيان أصحابه رضوان الله عليهم، وما كانوا عليه من إيمان وتقىً وهدى وصلاح، وما كانوا عليه من قوة وحسن عمل حتى شرقوا في الأرض وغربوا، وفتحوا القلوب والبلاد وأصلحوا العباد، وكان خيرهم رضوان الله عليهم أساساً مازلنا إلى يومنا هذا نتفيأ ظلاله، وننتفع بما صنعوه خدمة لدينهم وتبليغاً لدعوتهم واتباعاً لرسولهم ﷺ ، وقبل ذلك استمساكاً بكتاب ربهم ، وهذا باب واسع، وهو حري وجدير أن يكون لافتاً للنظر، بل إن بعضاً من غير المسلمين، وخاصة من المعاصرين المستشرقين أكثر ما يذكرونه في وجوه عظمته ﷺ أنه استطاع أن يحول أمة عابثة لاهية قصارى ما عندها حروب فيما بينها، وليس عندها طموحات ولا آمال؛ إلى أمة ملكت ثلثي المعمورة التي كانت معروفة في ذلك الوقت، في زمن وجيز من عمر الزمان، حتى قام عقبة بن نافع يخاطب البحر ويقول: لو أني أعلم أن وراءك أرضاً وقوماً لخضتك في سبيل الله .
وحتى بر الأمير المسلم قتيبة بن مسلم بقسمه وجاءوا له بتراب من الصين ليطأ عليه بقدمه إبراراً لقسمه.
وحتى وقفت جيوش المسلمين على أبواب النمسا في القرون القريبة الماضية، ودخلوا في عهد عبد الرحمن الغافقي التابعي إلى جنوب فرنسا.
إن هؤلاء الرجال العظام الذين خرجتهم مدرسة محمد ﷺ وأنجبهم الصحابة رضوان الله عليهم هم أعظم ثروة وأعظم دليل على عظمة رسول الله ﵊.
стр. 1334
توجيهات ونصائح لتحقيق تعظيم النبي ﷺ
أنتقل بكم أيها الإخوة إلى بعض التوجيهات المباشرة لنا في كيفية تحقيق تعظيم رسول الله ﷺ .
стр. 1335
توجيهات قرآنية تحث على تعظيم النبي ﷺ
أولها: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، بعض الناس يقول: محمد بن عبد الله، وكأنه يتحدث عن محمد من أبنائه، أو صديق من أصدقائه، لا ينبغي ذلك، لا يذكر النبي ﵊ إلا بذكر نبوته ورسالته، لا يذكر إلا بذكر ما ينبغي له من التوقير والتعزير والتعظيم والتبجيل، لا يذكر إلا بذكر فضله ﵊.
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: هذا نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع وألا يقولوا: يا محمد؛ لأن بعض الأعراب أجلاف كانوا إذا جاءوا إلى النبي ﷺ دعوه وهو في حجراته في عز الظهيرة في وقت الراحة: يا محمد! يا محمد! اخرج إلينا، فنزلت الآيات: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
وأيضاً قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] لا ينبغي لك أن تسارع إلى الأشياء، وأن تبدي الآراء قبل أن تعرف ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
ومن الآيات الجامعة في التوجيهات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] فكلما يدخل في هذه الدائرة ممنوع منه.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧] قال ابن تيمية ﵀ في الاستدلال بهذه الآية: يستدل بها على وجوب قتل من آذى رسول الله ﷺ .
وابن تيمية ألف كتاباً مشهوراً اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ودلل فيه على أن من اعتدى على رسول الله ﵊ بالشتم والعياذ بالله فإنه مباح الدم؛ لأن هذا أمر عظيم وفيه دلالات كثيرة منها: أن الله قرن أذاه بأذاه.
وأنه قرن طاعته بطاعته.
وأنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى بقية المؤمنين.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ورأيت في هذه الآية كلاماً نفيساً لبعض العلماء قالوا: ولا يجوز تبعاً لذلك رفع الصوت واللغط عند قبره ﷺ ، فإن حرمته ميتاً كحرمته حياً؛ ولذلك لما جاء اثنان من أهل الطائف إلى المدينة في عهد عمر، ورفعا أصواتهما عند قبر النبي ﷺ ، أمر بهما عمر فجيء بهما قال: (من أين أنتما؟ قالا: من الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً؛ ترفعان أصواتكما عند رسول الله ﷺ ؟! ألم تسمعا قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]؟).
وقد كان ثابت بن قيس خطيب النبي ﵊ جهوري الصوت، ولما نزلت هذه الآية اعتزل مجلس النبي ﵊، فسأله عن ذلك فقال: إني جهوري الصوت أخشى أن أتكلم فيعلو صوتي على صوتك فيحبط عملي فأهلك، فكانوا يراعون مقام وقدر وعظمة النبي ﷺ ، وذلك الذي ينبغي أن يكون في حياتنا.
следующие страницы →