Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
عظمة الإنجاز والثمرة في حياة النبي ﷺ
стр. 1332
سمو الدعوة
عظمة الإنجاز في حياة النبي ﵊ أتناولها من وجهين: الوجه الأول: العظمة في سمو دعوة النبي ﵊، منذ أن نزل قوله جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] ثم تلا ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٣] إلى قوله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] قام النبي ﵊ فلم يجلس، وتحرك فلم يسكن، ونطق فلم يسكت، وجاهد فلم يداهن، كانت حياته من أولها إلى آخرها دعوة، وحمل أمانة الله، وبلغ رسالة الله، وأدى أداءً عظيماً هو أجلى ما يكون في صورة الآية القرآنية التي تأتي في الكلام على الرسل والأنبياء: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥].
ثم إذا رأينا سمو الدعوة في جانب آخر غير الجهد والجهاد والبذل والتضحية؛ فإن نوحاً ﵊ ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً؛ لكن كل الابتلاء الذي مر بالرسل والأنبياء، وكل الجهد الذي بذله الرسل والأنبياء كله موجود في سيرة ودعوة النبي ﷺ ، ففي سيرته ما هو جامع لكل ما تفرق من دعوة غيره من الأنبياء من إسرار وإعلان، ومن دعوة ملأ ودعوة خواص، ومن موافقين ومخالفين، ومن ابتلاء بالهجرة، أو ابتلاء بالقتال، أو ابتلاء بالكيد، أو ابتلاء بالاستهزاء، أو ابتلاء بالإغواء، أو ابتلاء بالإغراء، كل ما تفرق في سير الأنبياء جمع في سيرة النبي ﷺ ، وكان كما نعلم على ذلك القدر العظيم في دعوته ﵊.
ومن ذلك سموه في دعوته على حظوظ نفسه ﷺ ، وهذا الذي سبى قلوب الناس وخطف أبصارهم وأمال نفوسهم إلى رسول الله ﵊، والأحداث في سيرته كثيرة جداً أذكر منها على وجه السرعة: الرجل الذي جاء والنبي ﵊ نائم تحت ظل شجرة وأخذ السيف وقال: (ما يمنعك مني يا محمد؟ فقال ﵊: الله، فارتعد الرجل واضطرب قلبه وسقط السيف من يده فأخذه الرسول ﷺ وقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ) فعفا عنه الرسول ﷺ .
واتفق عمير بن وهب ﵁ قبل أن يسلم مع صفوان بعد بدر على قتل رسول الله ﷺ ، فجاء يدعي أنه يطلب أسيراً له، وهو يريد أن يغتال النبي ﵊، فلما جاء قام عمر يستأذن ويقول: دعني أضرب عنقه، ثم أخبره النبي ﷺ بما جاء به فأسلم، وقال: (خذوا أخاكم فعلموه دينه).
وثمامة بن أثال أسر، وتمكن النبي ﷺ منه، وهو سيد بني حنيفة، وربطه النبي ﷺ في سارية في المسجد، ثم قال: (مالك يا ثمامة؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تطلب الفداء يأتك المال، فالنبي ﷺ بعد ثلاثة أيام أطلقه، وجعل له كامل الحرية، وكانوا يكرمونه في أسره، فخرج فاغتسل ورجع وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم منع قريشاً أن تأتيهم حبة من الحنطة من بلاده حتى يأذن رسول الله ﷺ .
وانظر إلى مسائل أخرى في سمو دعوة النبي ﵊ في إيثاره للحق، وفي تأليفه للقلوب ﵊، والمواقف كثيرة يضيق المقام عن حصرها.
كذلك كيف كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل؟! كيف كان رد أهل الطائف عليه عندما ذهب النبي ﷺ إليهم؟! لقد ردوا عليه بأقبح رد، وأغروا به سفهاءهم وغلمانهم يرمونه بالأحجار حتى دميت أقدامه الشريفة ﵊.
وانظروا كيف كان شأنه يوم أحد لما دمي وجهه الشريف، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وكسرت رباعيته ﵊، وهو يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
ويوم أن جاءه ملك الجبال وقال: (أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله).
كانت الدعوة كل شيء في حياة النبي ﷺ ، كانت مع كل خفقة قلب ومع كل دفقة دم في عروقه، فدعوته ورسالته ودينه كان هو أوكد همه وأعظم شغله، لقد كان ذلك في كل حركة وسكنة، وفي كل لفظة وسكوت، كان كل همه كيف يغرس تلك الدعوة في القلوب! خذوا هذا الموقف الأخير: (دخل النبي ﷺ على جار له يهودي، وابنه غلام في مرض الموت فقال له: قل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله حتى تنجو من النار، فنظر الغلام إلى أبيه فقال له أبوه: أطع أبا القاسم -حتى الذين لم يؤمنوا كانوا يرون عظمته ﷺ قال: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فتركه النبي ﵊ وخرج ثم لم يلبث أن مات، فقال ﵊: الحمد الذي نجاه بي من النار) فرح ﵊، انظروا إلى فرحه يفرح بهداية الناس، نحن اليوم إذا رأينا مخطئاً دعونا عليه بالويل والثبور والعظائم، واكفهرت وجوهنا في وجهه، وأصبحنا عوناً للشيطان عليه، أما النبي ﵊ فكان يفتح صدره وقلبه للناس.
في مسند الإمام أحمد لما جاء ذلك الشاب يقول: (يا رسول الله! ائذن لي في الزنا)، أسلم ولكنه كان يمارس هذه الشهوة، وتعرفون قوتها وتمكنها من النفس، ما قال له النبي ﷺ : اغرب عن وجهي، لو جاءنا أحد اليوم وقال هذا الكلام لأحدنا لقال له على أقل تقدير: ألا تستحي؟! كيف تقول لي مثل هذا الكلام؟! لكنه ﵊ قال: (أترضاه لأمك؟! أترضاه لأختك؟! والناس كذلك لا يرضونه، ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له، قال الشاب: فما كان شيء أبغض إلي من الزنا).
انظر إلى هذا السمو العظيم في دعوة النبي ﷺ !
стр. 1333
سمو التربية
الوجه الثاني: العظمة في سمو التربية، انظروا إلى الرجال الذين أخرجهم محمد ﷺ ، هذا عمر ﵁ ماذا كان يعبد؟! قال: (كنا نعبد أصناماً أحياناً من تمر، يقول: فإذا جعنا أكلناها) ماذا كان أصحاب النبي ﷺ قبل بعثته يعبدون؟! من هو أبو بكر؟! من هو عمر؟! من هؤلاء الناس؟ عرب لا يعرف الناس عنهم ذكراً، عندهم من الخصال الذميمة، وعندهم من الأحوال البغيضة، وعندهم من الجاهلية المستحكمة ما هو عظيم جداً لا يكاد يتصور من بشاعته.
يقول عتبة بن غزوان ﵁ وقد ولي أمر مكة: (كنا مع الرسول ﷺ والله ما لنا طعام إلا ورق الشجر في أيام الحصار، يقول: وما منا اليوم إلا وهو أمير على مصر من الأمصار) خرجوا قادة عظاماً، خرج الحزم في قيادة أبي بكر، وخرجت عدالة عمر، وخرج حياء عثمان، وخرجت شجاعة علي، ومن أعظم وجوه عظمته ﷺ أنه كان يعرف الرجال؛ فلذلك قال لـ عمر: (لو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير فج عمر) وفي ذكر صفات الصحابة عند الترمذي يقول ﵊: (أشدهم حياءً عثمان، وأصدقهم لهجةً عمر، وأشجعهم علي، وأقرؤهم أبي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) كان يعرف خصائص كل رجل من أصحابه، كان يعرف كيف يدخل إلى القلوب، وكيف يغير العوائد، حتى أخرج لنا هذه الكوكبة العظيمة، التي لن يكون لها مثيل في جملتها في وقت واحد وزمن واحد أبداً في التاريخ، قد يكون آحاد من الناس له مراتب أو ربما مناقب أو ربما عبادات أو إيمانيات أو أعمال صالحة تقرب من بعض الصحابة، لكن لن يكون هناك جيل تجتمع فيه من الخصائص والصفات والخير والعمل مثل ما كان عليه الصحابة رضوان عليهم، نحن اليوم لو جاء أب وربى أبناءه وكانوا علماء وكانوا صالحين وكانوا ذوي أخلاق حسنة، ماذا يقول الناس عنهم؟ يقولون: فلان يكفيه هذا الابن من أبنائه، خلفه وجعله في هذا الوضع وهذا الحال، فكيف بهذا النبي ﷺ كما قال شوقي: يكفيه شعب من الأموات أحياه أي عظمة أفضل من عظمة تخريج الرجال وصناعة الرجال؟! وليس هناك أحد صنع مثل ما صنع رسول الله ﵊ في مثل هذا.
فمن أعظم وجوه العظمة: هو ما أخرجه النبي ﷺ إلى هذه البشرية من أعيان أصحابه رضوان الله عليهم، وما كانوا عليه من إيمان وتقىً وهدى وصلاح، وما كانوا عليه من قوة وحسن عمل حتى شرقوا في الأرض وغربوا، وفتحوا القلوب والبلاد وأصلحوا العباد، وكان خيرهم رضوان الله عليهم أساساً مازلنا إلى يومنا هذا نتفيأ ظلاله، وننتفع بما صنعوه خدمة لدينهم وتبليغاً لدعوتهم واتباعاً لرسولهم ﷺ ، وقبل ذلك استمساكاً بكتاب ربهم ، وهذا باب واسع، وهو حري وجدير أن يكون لافتاً للنظر، بل إن بعضاً من غير المسلمين، وخاصة من المعاصرين المستشرقين أكثر ما يذكرونه في وجوه عظمته ﷺ أنه استطاع أن يحول أمة عابثة لاهية قصارى ما عندها حروب فيما بينها، وليس عندها طموحات ولا آمال؛ إلى أمة ملكت ثلثي المعمورة التي كانت معروفة في ذلك الوقت، في زمن وجيز من عمر الزمان، حتى قام عقبة بن نافع يخاطب البحر ويقول: لو أني أعلم أن وراءك أرضاً وقوماً لخضتك في سبيل الله .
وحتى بر الأمير المسلم قتيبة بن مسلم بقسمه وجاءوا له بتراب من الصين ليطأ عليه بقدمه إبراراً لقسمه.
وحتى وقفت جيوش المسلمين على أبواب النمسا في القرون القريبة الماضية، ودخلوا في عهد عبد الرحمن الغافقي التابعي إلى جنوب فرنسا.
إن هؤلاء الرجال العظام الذين خرجتهم مدرسة محمد ﷺ وأنجبهم الصحابة رضوان الله عليهم هم أعظم ثروة وأعظم دليل على عظمة رسول الله ﵊.
стр. 1334
توجيهات ونصائح لتحقيق تعظيم النبي ﷺ
أنتقل بكم أيها الإخوة إلى بعض التوجيهات المباشرة لنا في كيفية تحقيق تعظيم رسول الله ﷺ .
стр. 1335
توجيهات قرآنية تحث على تعظيم النبي ﷺ
أولها: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، بعض الناس يقول: محمد بن عبد الله، وكأنه يتحدث عن محمد من أبنائه، أو صديق من أصدقائه، لا ينبغي ذلك، لا يذكر النبي ﵊ إلا بذكر نبوته ورسالته، لا يذكر إلا بذكر ما ينبغي له من التوقير والتعزير والتعظيم والتبجيل، لا يذكر إلا بذكر فضله ﵊.
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: هذا نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع وألا يقولوا: يا محمد؛ لأن بعض الأعراب أجلاف كانوا إذا جاءوا إلى النبي ﷺ دعوه وهو في حجراته في عز الظهيرة في وقت الراحة: يا محمد! يا محمد! اخرج إلينا، فنزلت الآيات: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
وأيضاً قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] لا ينبغي لك أن تسارع إلى الأشياء، وأن تبدي الآراء قبل أن تعرف ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
ومن الآيات الجامعة في التوجيهات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] فكلما يدخل في هذه الدائرة ممنوع منه.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧] قال ابن تيمية ﵀ في الاستدلال بهذه الآية: يستدل بها على وجوب قتل من آذى رسول الله ﷺ .
وابن تيمية ألف كتاباً مشهوراً اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ودلل فيه على أن من اعتدى على رسول الله ﵊ بالشتم والعياذ بالله فإنه مباح الدم؛ لأن هذا أمر عظيم وفيه دلالات كثيرة منها: أن الله قرن أذاه بأذاه.
وأنه قرن طاعته بطاعته.
وأنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى بقية المؤمنين.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ورأيت في هذه الآية كلاماً نفيساً لبعض العلماء قالوا: ولا يجوز تبعاً لذلك رفع الصوت واللغط عند قبره ﷺ ، فإن حرمته ميتاً كحرمته حياً؛ ولذلك لما جاء اثنان من أهل الطائف إلى المدينة في عهد عمر، ورفعا أصواتهما عند قبر النبي ﷺ ، أمر بهما عمر فجيء بهما قال: (من أين أنتما؟ قالا: من الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً؛ ترفعان أصواتكما عند رسول الله ﷺ ؟! ألم تسمعا قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]؟).
وقد كان ثابت بن قيس خطيب النبي ﵊ جهوري الصوت، ولما نزلت هذه الآية اعتزل مجلس النبي ﵊، فسأله عن ذلك فقال: إني جهوري الصوت أخشى أن أتكلم فيعلو صوتي على صوتك فيحبط عملي فأهلك، فكانوا يراعون مقام وقدر وعظمة النبي ﷺ ، وذلك الذي ينبغي أن يكون في حياتنا.
стр. 1336
أهمية تعظيم القلب واللسان والجوارح للنبي ﷺ
التعظيم محله القلب، فأول تعظيم مطلوب منا هو التعظيم من القلب بالاعتقاد الجازم بنبوة النبي ﵊، وتقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين.
ومن تعظيم القلب استشعار هيبته ﵊، وجلالة قدره، وعظيم شأنه، واستحضار محاسنه ونحو ذلك.
ثم تعظيم النبي ﷺ باللسان، وذلك بحسن ذكره، وبدوام الصلاة عليه، والثناء عليه ﵊.
ثم تعظيم الجوارح، وأعظمه العمل بشريعته، واتباع سنته، والتزام أوامره ظاهراً وباطناً.
стр. 1337
مدى ارتباط تعظيم آله وأزواجه وأصحابه بتعظيمه ﵊
من تعظيم النبي ﷺ توقير وتعظيم أزواجه رضوان الله عليهن أمهات المؤمنين، وآل بيت النبي ﷺ ، فلهم حق على أمة محمد أن يوقروهم ويعظموهم، ما كانوا مستقيمين على أمر الله .
ومن ذلك توقير أصحابه رضوان الله عليهم، قال النووي: الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع؛ ولذلك من انتقص أحداً من أمهات المؤمنين، أو أحداً من الصحابة فإنه مغموز في دينه واعتقاده؛ لأنه طعن فيمن زكاهم الله ، وفيمن هم من ذوي قرابة النبي ﵊، وحسبك أن كون أزواج النبي ﷺ بقين في عصمته بعد أن مات ﵊، فلا يطعن في أمهات المؤمنين إلا من زاغ قلبه نسأل الله السلامة!
стр. 1338
ومضات مشرقة رائعة من صور تعظيم الصحابة لرسول الله ﵊
أخيراً أختم بهذه الومضات المشرقة الجميلة الرائعة من صور تعظيم الصحابة لرسول الله ﷺ ، (لما دخل النبي ﵊ إلى بيت أبي أيوب الأنصاري بعد أن وصل إلى المدينة قال: فكان النبي ﷺ في سفل وكنت وأم أيوب في علو -يعني: في الشرفة العليا- قال: فما طابت نفسي فقلت: يا رسول الله! كن أنت في علو ونكون نحن في السفل، فقال له الرسول ﵊: إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في السفل -يعني: حتى يأتي الناس والضيوف- فكان أبو أيوب يسير على حافة حجرته لا يسير في الوسط، يقول: حتى لا أطأ بقدمي فوق رسول الله ﷺ ، وقال: انكسر إناء ماء، فجئت بلحاف ليس لي ولا لـ أم أيوب غيره فجعلنا ننشف الماء حتى لا يقع شيء منه على رسول الله ﷺ ! وروى البيهقي في شعب الإيمان (أن الصحابة كانوا إذا كلموا الرسول ﷺ خفضوا أصواتهم، ومنهم أبو بكر حيث قال: لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله أي: كأنني أتكلم مع صديق بهدوء، وهذا فيه نوع من التوقير والتعظيم لمقام الرسول ﷺ .
كذلك في حديث البراء يقول: خرجنا مع الرسول ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير من السكون والهيبة والصمت؛ إجلالاً لرسول الله ﵊.
وعن بريدة بن الحصيب فيما رواه البيهقي قال: كنا إذا قعدنا عند الرسول ﷺ لم نرفع رءوسنا إليه إعظاماً له.
وهذا عمرو بن العاص يقول: لم أكن أستطع أن أنظر إليه ﵊ هيبة له.
وكانوا يقولون: ما كان أحد ينظر إليه ﷺ ويملي عينه من نظره إلا أبو بكر وعمر وقلة من الصحابة، أما الباقون فلا يصنعون ذلك من هيبته.
وهذا ابن عباس ﵄ وهو غلام صغير ينام عند خالته زوج النبي ﷺ ، فيقتدي بالنبي ﵊ في صلاة الليل، فجعله النبي ﷺ حذاءه، وإذا به يتأخر قليلاً، فقال له الرسول ﷺ : (ما لك أجعلك حذائي فتتأخر؟! قال ابن عباس: يا رسول الله! ما ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك يكون معك، لا بد أن يتأخر عنك -أي: كيف أكون أنا في نفس الصف الذي أنت فيه- فأعجب النبي ﷺ ذلك) رواه الإمام أحمد في مسنده.
وفي حديث أنس: (أن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير)، أما الآن فبعض الناس يأتيك، ويقرع عليك الباب بشدة، ويصيح عليك، ليس هناك أدب ولا توقير ولا احترام.
وروى مسلم من حديث أنس قال: (رأيت النبي ﷺ والحالق يحلقه ويطيف به، فما تقع شعرة إلا في يد رجل) أخذوا شعر النبي ﵊.
وكذلك لما احتجم ﵊ أخذ ابن الزبير الدم وشربه كما في الحديث المشهور.
وكان الصحابة في المدينة إذا رزقوا بالأولاد يذهبون بهم إلى النبي ﷺ ليحنكهم ويبرك عليهم ويدعو لهم بالبركة.
وكان النبي ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء؛ حتى يغمس النبي ﷺ فيها يده، ثم يرجعون به إلى ذويهم.
هذه وجوه من تعظيم الصحابة لنبيهم ﷺ .
نسأل الله أن يعظم مقام وقدر ومكانة رسول الله ﷺ في قلوبنا، وأن يجعلنا معظمين له في قولنا، وفي اتباعنا لسنته والتزامنا بهديه ﵊.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1339
الأسئلة
стр. 1340
معنى قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿النبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]؟
الجواب
كلمة (أولى) نعرفها جميعاً، أنا أولى بهذا الشيء يعني: أحق به، بمعنى: أن النبي ﵊ أحق بنا من أنفسنا، لو كان لنا مال فهو أحق به منا، وكذلك نفوسنا التي بين جنبينا هو أحق بها منا، وهذا ليس من قولنا، وإنما هو من قول الله : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وهذا أمر ظاهر.
стр. 1341
وجه تمني النبي ﵊ أن يكون امرأً من الأنصار
السؤال
ذكرت في حديث حنين قول النبي ﷺ : (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار) فهل يجوز مثل هذا التمني؟
الجواب
ما فعله النبي ﵊ جائز في حقه قطعاً، وهو دلالة لغوية بلاغية تربوية نفسية أراد النبي ﷺ أن يشعر الأنصار بمكانتهم وبقربهم منه وبمكانهم عنده؛ حتى يزيل ما خالط نفوسهم من ذلك الحزن، لما رأوا تقسيمه للغنائم في غيرهم، فلا ينبغي استشكال مثل هذه الأمور التي أحياناً ترد؛ لأننا ليس في قلوبنا ونفوسنا من التعظيم والتوقير، وليس في أذهاننا من الفهم والإدراك ما ينبغي أن نكون عليه على الوجه الصحيح.
стр. 1342
صيغة الصلاة على النبي ﵊ وأكملها
السؤال
ما صيغة الصلاة على النبي ﵊؟
الجواب
أبلغ الصيغ وأكملها وأتمها الصلاة الإبراهيمية، وهي التي وردت عن النبي ﵊ في الأحاديث الصحيحة بالروايات المختلفة، كرواية ابن مسعود وغيره ﵁، وأما ما وراء ذلك مما فيه تعظيم مطلق فلا بأس به على ألا تكون بصياغة معينة، بعض الناس يقول: هذه صلاة فلان، وهذه صلاة فلان، ويجعلونها على صيغة معينة ويقولون: لابد أن تقول: ﷺ بهذه الصيغة، لا، ما تعبدنا الله بذلك، ولا تعبدنا بذلك رسول الله ﵊، لكن لنا أن نقول: اللهم صل على رسول الله ﵊ ما تعاقب الليل والنهار، وما اختلف الملوان، وأمور تكثير الصلاة عليه ﷺ لا بأس بها إن شاء الله تعالى.
стр. 1343
حقيقة محبة وتعظيم النبي ﷺ
السؤال
من الناس من يحب النبي ﷺ ويعظمه في قلبه، ولكنه من الناحية العملية يستحي أن يطبق سنته، وذلك مثل: تقصير ثوبه، وإعفاء لحيته، وأحيانا يصل الأمر إلى أن يقصر في الواجبات؟
الجواب
لكل شعور تصديق من العمل.
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع هذا ضرب من الضعف في اليقين والإيمان، وضرب من الضعف في العزيمة والإرادة، ما دمنا عرفنا سنة رسول الله ﵊، وأنه يجب علينا تعظيمه، فما بالنا لا يقودنا ذلك التعظيم الذي في قلوبنا وفي ألسنتنا إلى أفعالنا وأحوالنا؟!
стр. 1344
التوفيق بين أخذ ابن عمرو للإسرائيليات مع نهي عمر عنها
السؤال
كيف نوفق بين أخذ عبد الله بن عمرو بن العاص للإسرائيليات وزجر النبي ﵊ لـ عمر بن الخطاب ﵁ لما كان في يده صحف من التوراة؟
الجواب
ليس هناك إشكال ولا تعارض، النبي ﷺ رأى عمر وفي يده صحف من التوراة، فضرب في صدره وغضب وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! والله! لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي) إنكاراً لذلك حتى لا يروج، لكن عبد الله بن عمرو بن العاص اختلط باليهود بعد موت النبي ﷺ ، وعرف كثيراً من كتبهم، فهو عالم بذلك.
стр. 1345
الراجح من الأقوال في آخر ما نزل من القرآن
السؤال
كيف يكون ترتيب آيات القرآن حيث أن آخر آية كما يقول العلماء: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]؟
الجواب
القول الراجح أن آخر آية أنزلت من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] وفي رواية عن ابن عباس: (أنها نزلت قبل وفاة النبي ﵊ بتسع ليال)، وأنا أعلم وجه السؤال، حيث إنني ذكرت قوله: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] إلى قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، ولم أقصد أنها آخر آية ولكن أقصد أن معنى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي: الموت، وهو إلى آخر نفس من أنفاسه ﵊، فكان مرتبطاً بدعوته وتبليغها للناس أجمعين، ولذلك في مرض موته وعند آخر لحظات حياته كان يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، لا تجعلوا قبري عيداً) إلى آخر ما هو معلوم مما كان من شأنه ﵊.
نسأل الله لنا ولكم الأجر والمثوبة والنفع والفائدة، وأن يعلمنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً ينفعنا، وأن يطهر قلوبنا، ويزكي نفوسنا، ويصلح أحوالنا، ويرشد عقولنا، ويهذب أخلاقنا، ويحسن أقوالنا، ويصلح أعمالنا، ويخلص نياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1346
قمم ورجال
تاريخنا تاريخ مجيد، صفحاته من ذهب، وكلماته من نور، يضيء الطريق، ويزيل الغشاوة عن القلب؛ فهو يحكي حياة قمم شامخة ساطعة رائعة لمن تدبرها، وأراد أن يسير على منوالها، ويحذو حذوها، ففي كل ناحية قمة لها نور يملأ الأفق الرحب، والسماء الواسعة.
стр. 1347
سبب ذكر قصص السلف الأوائل
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه؛ نحمده هو أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة.
ونصلي ونسلم على خير خلق الله، وخاتم رسل الله، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة.
أما بعد: فنسأل الله جل وعلا أن يكتب لنا ولكم الأجر والثواب، وأن يوفقنا للحق والصواب، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يملأ قلوبنا بحبه وحب نبيه، وحب كل من يقربنا إلى حبه، وأن يلهمنا طاعته، وأن يقينا ويسلمنا من معاصيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونحمد الله جل وعلا على تجدد هذا اللقاء، وموعدنا فيه مع الدرس الخامس والثلاثين بعد المائة الأولى، وعنوان هذا الدرس: قمم ورجال.
ونحن في هذه الأعصر قد ضعف في الغالب إيماننا، ووهت في الأكثر عزائمنا، وتخلخلت عند الكثيرين العزائم، وصار الناس -إلا من رحم الله- يرضون بالأقل الأدنى، ويتركون الأكثر الأعلى؛ لأنهم إما قد شغلوا بسفاسف الأمور وتوافهها، وإما أنهم لم يجدوا على الطريق قدوات تشعل في قلوبهم الحماسة، وتذكي في نفوسهم الغيرة للمبادرة إلى ميادين الخير والسباق إلى قمم العلاء والرفعة، وذرى المجد والعز التي تسنمها أسلافنا رحمة الله عليهم أجمعين.
وفي هذا المقام نطوف في صفحات التاريخ، وفي تراجم الرجال لنقف على بعض سير القوم الذين بلغوا الذرى في معالي الأمور ومهماتها، ونالوا قصب السبق في ميادين الخير وطرقاتها من أولئك الأسلاف الذين سجل التاريخ وقائع حياتهم وكلماتهم بمداد من ذهب على صفحات من نور، ذلك أنهم أثمر إيمانهم، وأزهر إسلامهم، وجاءت في سيرتهم تلك المعاني العظيمة والمواقف الكريمة التي ارتقوا بها قمماً كثيرةً في الإيمان والإخلاص والصبر والجهاد والإنفاق وحفظ الأوقات والثبات، ونحو ذلك من من الأمور الكثيرة.
فلعلنا أن نعرج على بعض هذه القمم، ونقف مع بعض رجالها؛ لننظر في هذه القيم والسير ما لعله يحيي قلوبنا، ويهيج إلى مثل هذه المعالي نفوسنا، ولعلها أيضاً قصص وسير تحسن في نفوسنا، وتبقى وتخلد في عقولنا، فنثيرها في مجالسنا، ونذكرها لأحبابنا، ونعلمها ونلقنها لأبنائنا بدلاً من أن تكون القمم اليوم هي القمم التافهة الدنية الرخيصة، والتي نستمع ونقرأ في أحايين كثيرة عنها، فإذا بقمة للفن، وقمة لكذا، وقمة لكذا، وتنصرف الأذهان إلى من شغل هذه القمة، ومن الذي سيخلف صاحب هذه القمة في قمته، وكلها ليس لها من القمم أصل ولا وصل ولا سبب ولا نسب، وإنما هي الموازين التي انعكست، والقيم التي ارتكست، والأهواء التي استحكمت في الناس وشاعت في مجتمعات كثير من المسلمين، نسأل الله السلامة منها.
وكنت تصفحت كثيراً في كتب مختلفة من كتب التراجم، بعضها عام وبعضها خاص في مواضيع بعينيها، وكلما قرأت وجدت أن البحر ممتد، وأن الأمواج المتلاطمة كثيرة، وأن مثل هذه السير كبحر لا ساحل له ولا قعر، وأن من أراد أن يعيش في سير السابقين لينظر إلى تراثهم وأمجادهم فإنه ينقضي عمره دون أن يحيط بشيء يسير مما سطروه وخلدوه من المآثر العظيمة؛ ولذا سنمضي مع هذه السير والقمم والرجال على غير نسق ولا نوع من الضبط أو التركيز فيها، وإنما نمضي مع بعض قمم وبعض رجالاتها، ثم نخلص إلى غيرها؛ حتى ننتفع، وليس فيما سأذكره مجال كبير للتعليق، فإن مثل هذه القصص فيها من العظة والعبرة ما يغني عن كثرة التعليق عليها.
стр. 1348
قمة الإخلاص والتجرد لله تعالى
أول قمة نشرف عليها: قمة الإخلاص والتجرد لله ؛ التي هي من أزكى ثمار الإيمان، ومن أدل دلائل صدق التوحيد لله ، ومن أرجى أعمال العباد في الدنيا وفي الآخرة عند الله سبحانه تعالى؛ فكم كان أولئك القوم يسرون بأعمالهم، ويتجردون فيها لوجه الله الكريم، ولا يسمحون أن تخالط نفوسهم شيء من العزمات أو الهمم أو المقاصد التي تصرفهم عن وجه الله ، ولا يدعون إلى العجب بأعمالهم إلى نفوسهم طريقاً، وكما قلت: يضيق المقام عن ذكر مآثر أولئك القوم.
стр. 1349
قمم أخلصت لله طلب العلم
ذكر بعض أهل العلم: أن هشاماً الدستوائي -وهو من العلماء- قال: والله ما أستطيع أن أقول: إني ذهبت يوماً قط لأطلب الحديث أريد به وجه الله .
من شدة إخلاصهم كانوا ينكرون على أنفسهم، فعلق الذهبي على هذا تعليقاً ذكر فيه كثيراً من أصناف الناس الذين يخوضون ميدان العلم وليس لهم في الإخلاص حظ ولا نصيب، فقال الذهبي: والله ولا أنا، أي: ولا أنا أستطيع أن أقول: إني أخلص لله في هذا.
وقد كانوا مخلصين، لكنهم من شدة إخلاصهم لم يكونوا يجزمون بإخلاصهم، فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولاً لا لله، وحصلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، وكما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد، وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، وهذا أيضاً حسن.
ثم نشروا العلم بنية صالحة، ثم قال الذهبي في أصناف من خلفهم ومن جاء بعدهم ممن لم يطلب العلم لله: ونرى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله، وقوم نالوا العلم وولوا به المناصب، فظلموا وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش؛ فتباً لهم فما هؤلاء بعلماء، وبعضهم لم يتق الله بعلمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار، وبعضهم اجترأ فوضع الأحاديث، فهتكه الله، وذهب علمه وصار زاده إلى النار، وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئاً كبيراً، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخاً يقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رعاعاً؛ غاية المدرس منهم أن يحصل كتباً مثمنةً يخزنها وينظر فيها يوماً ما، فيصحف ما يريده ولا يقرره، فنسأل الله النجاة والعفو.
كما قال بعضهم: ما أنا بعالم ولا رأيت عالماً، وكان الذهبي يقول هذا وهو في منتصف القرن الثامن الهجري تقريباً، فكيف بمن جاء بعده في أعصرنا هذه؟! نسأل الله السلامة.
وكما قلت فإن الأبواب كثيرة في مثل هذا الباب، ومما يؤيد هذا مقالات الأئمة، كما قال بعض السلف لما سئل: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن كلامنا لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق.
وهكذا تجد أن الإنسان يتأمل في سير أولئك فيرى مثل هذه المواقف العظيمة الجليلة التي تدل على مثل هذا الباب العظيم من أبواب الخير.
стр. 1350
قمم أخلصت لله العبادة
فهذا جعفر بن البرقان يقول: بلغني عن يونس بن عبيد فضل وصلاح، وتقوى وورع، فكتبت إليه قائلاً: يا أخي! بلغني عنك فضل وصلاح، فأحببت أن أكتب إليك، فاكتب إلي بما أنت عليه.
يعني: اكتب لي عن حالك وأعمالك حتى أنتفع بها.
فكتب له يونس: أتاني كتابك تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه، وأخبرك أني عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها، وتكره لهم ما تكره لها فإذا هي من ذلك بعيد.
ثم عرضت عليها مرةً أخرى ترك ذكرهم إلا من خير، فوجدت أن الصوم في اليوم الشديد الحر بالهواجر أيسر عليها من ترك ذكرهم.
فهذا أمري يا أخي، والسلام.
فهو يبين له أنه ما زال في مجاهدة نفسه في ترك الأمور التي يخرج بها عن طاعة الله .
وهذا علي بن الحسين كان يتخفى في ظلمات الليالي، ويخرج حاملاً على ظهره بعض الأقوات والأرزاق، فيتفقد بها فقراء المدينة؛ فيطرق عليهم أبوابهم بالليل، فيضع عندهم ما يتيسر من صدقته، ثم يختفي لئلا يعلم بشأنه أحد، فلما مات وانقطع هذا العمل الذي كان يتحدث الناس به عرفوا أنه من صنيعه ﵀ ورضي الله عنه، وهكذا كانوا يفعلون الأعمال الصالحة التي لا يقدر عليها إلا النادر من الناس، ثم هم مع ذلك يتخفون بها، ويسدونها.
وهذا ابن المبارك إمام عظيم من أئمة التابعين، كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وينفق على طلبة العلم الأموال الطائلة.
قال محمد بن المثنى: حدثنا عبد الله سنان، قال: كنت مع ابن المبارك ومعتمر بن سليمان بطرطوس، فصاح الناس: النفير! أي جاء وقت الجهاد، فخرج ابن المبارك والناس، فلما اصطف الجمعان خرج رومي فطلب البراز، فخرج إليه رجل من المؤمنين فقتله، ثم طلب البراز، فخرج إليه ثان ثم ثالث حتى قتل ستةً من المسلمين، فالتفت إلي ابن المبارك فقال: يا فلان! إن قتلت، فافعل كذا وكذا -أي: أنه يوصيه- ثم حرك دابته بعد أن تخفى وبرز للعلج فقاتله ساعةً ثم قتله، ثم طلب المبارزة، فخرج له علج آخر من الروم فقتله حتى قتل ستةً منهم، ثم طلب البراز فخافوا منه، فضرب دابته وغاب بين الصفين، ثم غاب فلم نشعر بشيء، ثم إذا به يقول لي -في الذي كان-: يا عبد الله! لئن حدثت بهذا أحد وأنا حي، فذكر كلمةً - أي: من الوعيد الشديد- لأنه كان قد اضطر أن يشير إليه إشارةً إن قتلت فافعل كذا وكذا.
وهذا محمد بن كعب القرظي يروي لنا رواية عجيبةً فريدة عن رجل أغفل التاريخ ذكر اسمه؛ لأنه كان من الأتقياء الأخفياء، قال: أصاب الناس في المدينة قحط، فخرجوا يستسقون فلم يسقوا، قال: فكنت متوسداً -متكئاً- على ساريتي في مسجد رسول الله ﷺ فجاء رجل من الناس متزراً بإزار وعلى كتفه آخر، فطرح رداءه، ثم جعل يدعو فاستمعت إليه، فقال: يا رب! إن أهل مسجد نبيك ﷺ استسقوك فلم تسقهم، فأقسمت عليك يا رب إلا سقيتهم، فقال- أي: محمد بن كعب -: مجنون هذا الذي يقسم على الله ، قال: فما لبثت أن سمعت صوت الرعد، ثم غشي الناس المطر، ثم إذا بالرجل يحمد الله ، ويقول: من أنا حتى تجب دعوتي، قال: ثم انتصب إلى ساريته، فقام يصلي، فلما خشي الصبح ركع وأوتر، ثم دخل في غمار الناس فصلى الصبح، فخرجت وراءه، فإذا به يرفع ثوبه -من كثرة الماء في الطرقات من المطر الذي أكرم الله به العباد- فرفعت ثوبي وتبعته، ثم خفي عليَّ فلم أعرف موضعه.
قال: فلما كانت الليلة الثانية كنت متوسداً ساريتي في المسجد، فجاء الرجل فعرفته، فقام فصلى، فبقي حتى إذا خشي الصبح ركع وأوتر، ثم دخل في غمار الناس فصلى الصبح فتبعته حتى دخل داراً من دور المدينة فعرفتها وعلمتها، ثم جئت في صباح اليوم فإذا بالرجل إسكافي-يصنع الأحذية ويصلحها- فجئت فسلمت عليه فعرفني، فقال: هل لك من نعل فأصلحها، فنظرت إليه، فقلت: ألست صاحبي البارحة والتي قبلها، فغضب علي، وقال: إليك عني، ثم مضى ودخل داره، فذهبت عنه، فانتظرته الثالثة- أي: الليلة الثالثة- فلم يحضر، فذهبت إليه في اليوم الرابع، فما وجدت له أثراً في بيته، فقال لي بعض من حوله: ما صنعت بالرجل؟ قلت: أي شيء كان منه؟ قال: ما لبث بعد أن كلمته حتى دخل فجعل ما عنده من جلد ومتاع، فخرج فلم نعلم به، ولم نر له أثراً.
فكذلك كان أولئك القوم في شدة إخلاصهم لله وتوقيهم وطلبهم لأن يكون عملهم لوجه الله جل وعلا؛ ولذلك كانت لهم في هذا سير عجيبة عظيمة.
ومن ذلك: أن مسلمة بن عبد الملك جاء وسأل عن حسن أهل البصرة- الحسن البصري - خالد بن صفوان، فقال له خالد في وصف الحسن: أصلحك الله، أخبرك عنه بعلم، أنا جاره إلى جنبه، وجليسه في مجلسه، وأعلم من قبلي به، يعني: أنا أعرف الناس به، فأي شيء وصف به خالد الحسن ﵀؟ قال: أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبههم قولاً بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنياً عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه.
فقال له مسلمة: حسبك، كيف يضل قوم هذا فيهم؟ ومن عبر هذه المقالة: أن مما أصابنا قلة القدوات الذين يتأسى بهم الناس، ويكونون في القوم كالقلوب النابضة الحية تبث الحياة في الناس، وتعيد إليهم ما سلف من قوة إيمانهم، وصدق يقينهم، وثبات أقدامهم، ولجوئهم إلى ربهم، وافتقارهم إلى بارئهم .
стр. 1351
قمة الخشية والخوف من الله
إذا تأملت قمة أخرى وباباً آخر من الأبواب العظيمة التي افتقدناها وغابت عن حياتنا -إلا من رحم الله- وهي أمر الخشية لله ، والخوف منه الذي أقض مضاجع أسلافنا، وأجرى مدامعهم، حتى خدت على وجوههم أخاديد، واسودت منها وجوههم، وكانوا على خوف دائم، وتذكر مستمر لله وللآخرة، حتى إن المرء ليعجب مما كانوا عليه من الخوف والخشية رغم ما كانوا عليه من العلم والإيمان، وهكذا لا يزيد الإيمان المرء إلا خشيةً لله ، ولا تزيده الغفلة إلا بعداً عن الخشية وركوناً إلى قسوة القلب، عياذاً بالله .
هذا أبو هريرة صاحب رسول الله ﷺ وراوية أحاديثه الشهير؛ لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟ قال: بعد المفازة، وقلة الزاد، وعقبة كئود، المهبط منها إلى الجنة أو النار.
وهذا الإمام أحمد، قيل له: كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟ فحينئذ لابد أن ينزعج القلب، وأن يكون أقرب إلى الخوف والخشية من الله إذا استحضر ذلك وتأمله، وكان ذاكراً له متأملاً فيه.
وهذه قصة فيها نموذج وقمة من قمم الخشية والبكاء من خشية الله ، وفيها بيان التأثير الذي يكون لأولئك الذين ملئت قلوبهم خوفاً وخشيةً، وذرفت عيونهم دمعاً ثخيناً من خشية الله : هذا مخول يقول: جاءني بهيم العجلي يوماً فقال لي: أتعلم لي رجلاً من جيرانك أو إخوانك يريد الحج ترضاه يرافقني- يريد مرافقاً له ليكون معه في رحلة الحج، وقد كان السفر في تلك الأيام طويلاً-؟ قال: نعم، فذهبت إلى رجل من الحي له صلاح ودين فجمعت بينهما، واتفقا على المرافقة، ثم إنه رجع وقال: كيف لي أن أرافق هذا؟ قلت: وما له؟ قال: حدثت أنه طويل البكاء لا يكاد يفتر، فهذا ينغص علينا سفرنا كله، قال: قلت: ويحك! إنما يكون البكاء أحياناً عند التذكر؛ يرق قلب الرجل فيبكي، أو ما تبكي أنت أحياناً؟ قال: بلى، ولكنه قد بلغني عنه أمر عظيم جداً من كثرة بكائه، قال: قلت: اصحبه فلعلك أن تنتفع به، قلت: أستخير الله، فلما كان اليوم الذي أرادا أن يخرجا فيه وتهيئا، جلس بهيم في ظل حائط، فوضع يده تحت لحيته وجعلت دموعه تسيل على خديه، ثم على لحيته، ثم على صدره، حتى والله رأيت دموعه على الأرض، قال: فقال لي صاحبي: يا مخول قد ابتدأ صاحبك، ليس هذا لي برفيق، قال: قلت: ارفق لعله تذكر عياله ومفارقته إياهم، ولما سمعه قال: والله ما هو بذاك، وما هو إلا أني ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة، وعلا صوته بالنحيب، قال: يقول صاحبي: يا أخي! والله ما هي بأول عداوتك لي وبغضك إياي، ما لي ولهذا إنما كان ينبغي أن ترافق بينه وبين داود الطائي وسلام أبي الأحوص حتى يبكي بعضهم إلى بعض حتى يشتفوا أو يموتوا جميعاً، قال: فلم أزل أرفق به، وأقول: ويحك! لعلها خير سفرة تسافرها، قال: وكان كثير الحج، رجلاً صالحاً إلا أنه كان رجلاً تاجراً إلى آخره.
فلما رجعا من الحج جئت أسلم على جاري الذي رافق العجلي، فقال: جزاك الله يا أخي عني خير الجزاء، ما ظننت أن في هذا الخلق مثل أبي بكر العجلي، كان والله يتفضل عليَّ في النفقة وهو معدم وأنا موسر، ويتفضل علي في الخدمة وأنا شاب قوي وهو شيخ ضعيف، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم، قال: فقلت: فكيف كان أمرك معه في الذين كنت تكره من طويل بكائه؟ قال: ألفت والله ذلك البكاء، وسر قلبي حتى كنت أساعده عليه، حتى تأذى بنا أهل الرفقة- الذين كانوا معهم في القافلة- قال: ثم والله ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا، وجعل بعضهم يقول لبعض: ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منا والمصير واحد؟ قال: فجعلوا والله يبكون ونبكي.
فكان هذا من آثار أولئك القوم، وما كانوا عليه في مثل هذه السير العظيمة الجليلة التي كانوا فيها، والأمر في هذا كما أسلفنا يطول، وقد كان أسلافنا من الأئمة والعلماء والعباد والزهاد عندهم من الأمر ما يضيق ذكره في مثل هذه العجالة.
стр. 1352
قمة الحفاظ على الوقت
ثم نطوف أيضاً بباب آخر من الأبواب الجليلة في حياة أسلافنا، وفي القمم التي ارتقوا عليها، ومن هذا: الحفاظ على الوقت: والوقت أشرف ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع عندما ننظر إلى سير أسلافنا ﵏ نجد أن الأمر في هذا عجيب غاية العجب، ونرى في سيرهم ما لعل بعض الناس ينكره ويعده من المستحيل، أو من الغرائب التي لا تصدق، أو مما يذكر على سبيل المبالغة، ولم يكن من ذلك شيء، ولكن القوم كانوا أهل جد وعمل، كما كانوا أهل إخلاص وورع وخشية، ومن ثم كانوا يشمرون عن ساعد الجد في حفظ الوقت، وطلب العلم، والأخذ بأسباب العبادة والطاعة لله ، حتى جعلوا أوقاتهم كلها مشغولةً بالخير والطاعة، ويجد المرء في ذلك عجباً في سير أولئك القوم.
من ذلك: ما روي عن بقية بن مخلد القرطبي صاحب المسند الشهير، وكان من أصحاب الإمام أحمد وأخذ عنه الحديث، يقول عنه حفيده في ترتيب يومه وعمله وعبادته واستثمار وقته: كان جدي قد قسم أيامه على أعمال البر، وكان إذا صلى الصبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف سدس القرآن، وكان يختم القرآن في الصلاة في كل يوم وليلة، ويخرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده فيختم قرب انصداع الفجر، وكان يصلي بعد حزبه من المصحف صلاةً طويلةً جداً، ثم ينقلب إلى داره -أي: بعد ورد الصباح الطويل- وقد اجتمع في مسجده الطلبة، فيجدد الوضوء ويخرج إليهم -ليعلمهم ويحدثهم- فإذا انقضت الدروس صار إلى صومعة المسجد فيصلي إلى الظهر، ثم يكون هو المبتدئ بالأذان، ثم يهبط، ثم يسمع إلى العصر -يعني: يحدث الطلبة إلى العصر- ويصلي ويسمع إلى ما بعد صلاة العصر، وربما خرج في بقية النهار فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر، فإذا غربت الشمس أتى مسجده ثم يصلي ويرجع إلى بيته فيفطر، وكان يسرد الصوم إلا يوم الجمعة، ويخرج إلى المسجد فيخرج إليه جيرانه فيتكلمون معه في دينهم ودنياهم، ثم يصلي العشاء ويدخل بيته فيحدث أهله، ثم ينام نومةً قد أخذتها نفسه، ثم يقوم.
هذا دأبه إلى أن توفي، وكان جلداً قوياً على المشي، قد مشى مع ضعيف في مظلمة إلى إشبيلية، ومشى مع آخر إلى إلبيريا، ومشى مع امرأة ضعيفة إلى جيان، وهو من أهالي قرطبة.
فهذا يوم عملي من أيام أسلافنا رحمة الله عليهم.
وهذا مثل آخر للإمام عبد الغني المقدسي في شأن أوقاته، قال الذهبي في ترجمته: كان لا يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث تلقيناً، ثم يقوم ويتوضأ ويصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر، وينام نومةً ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع أو النسخ -أي: كتابة العلم- إلى المغرب، فإن كان صائماً أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنساناً يوقظه، ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، وربما توضأ سبع مرات أو ثمانية في الليل، وكان يقول: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبةً، ثم ينام نومةً يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه.
وقال عنه ابن أخته: كان الحافظ جامعاً للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا وطلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم، ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر.
وهذا ابن عساكر أحد كبار أئمة المسلمين في التصنيف، وقد صنف من الكتب ما يعجز كثير منا عن أن يقرأها في حياته كلها، فله تاريخ دمشق الذي تم طبعه بالطباعة الحديثة التي معنا، فإنه يبلغ نحواً من ستين مجلداً أو أكثر، وقد صنف من الكتب العظيمة الكبيرة ما الله به عليم، وهذا الحافظ الجليل يدلنا عمله على ما كان عنده من اغتنام للأوقات، وما كان له من استثمار لها.
ومثله أيضاً ابن عقيل الحنبلي الشهير صاحب كتاب الفنون الذي يعد من أكبر كتب أهل الإسلام، كان يقول عن نفسه: إني لا يحل لي أن أضيع ساعةً من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عقد الثمانين -يعني: بعد الثمانين- أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة، وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى أختار سف الكعك -الكعك يجعله دقيقاً- وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ توفراً على المطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه، وإن أجل تحصيل عند العقلاء بإجماع العلماء هو الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص، فالتكاليف كثيرة والأوقات خاطفة.
وابن الجوزي ﵀ أيضاً هو من كبار المصنفين في تاريخ الإسلام، كان يروي عن ابن عقيل أنه كان دائم الاشتغال بالعلم، وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغوامض والدقائق، وهكذا نجد أن الباب في هذا يتسع، والمقام فيه يطول، والأخبار فيه كثيرة جداً.
стр. 1353
قمة الإنفاق في أبواب الخير
ننتقل إلى باب آخر من الأبواب الجليلة العظيمة التي تتصل بالإنفاق في أبواب الخير المختلفة التي كان أسلافنا رحمهم الله تعالى يحرصون عليها ويرون أنها من الأمور المهمة التي يحتاجون إلى تذكرها، والتواصي والعمل بها.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ الصحابي الجليل الشهير يختبر بعض أصحابه يقول مالك الدار مولى عمر: أمرني عمر وأعطاني أربعمائة دينار، وقال: اذهب بها إلى أبي عبيدة، ثم امكث ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع بها، فذهب بها الغلام، فقال: يقول لك أمير المؤمنين خذ هذه، فقال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان.
حتى أنفذها -أي: حتى فنيت كلها- فرجع الغلام إلى عمر وأخبره، فوجده قد أعد مثلها -أربعمائة أخرى- لـ معاذ بن جبل فأرسله بها إليه، فقال معاذ: وصله الله، يا جارية! اذهبي إلى بيت فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا بها إليها، ورجع الغلام فأخبر عمر فسر بذلك، وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
وهكذا نجد أن السيرة تتوالى في هذا، وتكثر وتعظم عند الصحابة ومن جاء بعدهم، ومثل ذلك ما ورد في سيرة طلحة عندما جاءه مال من حضرموت فجعل يقسمه، وجاءه مال آخر في آخر وقت النهار، فجعل يريد أن ينام حتى يصبح، فقال لزوجته: أي شيء يصنع إنسان معه مثل هذا المال؟ فقالت له: إذا أصبحت فاقسمه، فقال: إنك خيرة بنت خير، أو إنك فاضلة بنت فاضل، وكانت زوجته أم كلثوم بنت أبي بكر، فلما أصبح قسم حتى نسي نفسه وأهله.
ومن ذلك أيضاً ما كان يصنعه السلف في الإنفاق على طلب العلم، فإنهم لم يكونوا يدخرون المال للأثاث والرياش، ولا للطعام والشراب وإنما كانوا ينفقونه في سبيل الله ولطلب العلم وتحصيله، كما في سيرة عبد الرحمن بن أبي ربيعة الذي نعلم من سيرته أنه كان إماماً من أئمة أهل العلم بالمدينة، وكان شيخاً للإمام مالك، فقد خرج أبوه إلى الغزو والجهاد وخلف عند أمه ثلاثين ألفاً وقال لها: أنفقي بها على نفسك وعلى ولدك، ثم لما رجع من الغزو والجهاد بعد فترة من الزمن سألها عن المال، فقالت: يكون خيراً إن شاء الله، امض إلى الصلاة ثم عد، فلما ذهب إلى مسجد رسول الله ﷺ وجد حلقة من حلق العلم وفيها رجل يحدث والناس حوله يأخذون عنه ويتلقون منه، فسر بهذا المنظر وأعجب بهذا العالم، ثم مضى إلى زوجه ويسأل مرةً أخرى عن المال؟ فقالت له: ماذا رأيت في المسجد؟ قال: رأيت كذا وكذا، قالت: أيسرك أن يكون عندك ثلاثون ألفاً أو يكون لك ابن مثل هذا؟ قال: بل مثله عندي أعظم من أمثالها، فقالت: فإني أنفقتها كلها في تعليم ابنك، فهذا هو ابنك عبد الرحمن بن أبي ربيعة! وهكذا كانوا ينفقون في هذا الباب؛ حتى إن جل ما كان عندهم من تحصيل الأموال لا يؤخرونه إذا كان في سبيل تحصيل العلم وطلبه، فهذا علي بن عاصم كما في ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي، وهو علي بن عاصم الواسطي مسند العراق الإمام الحافظ الكبير كان يقول: دفع إليّ أبي مائة ألف درهم، وقال: اذهب فلا أرى وجهك إلا بمائة ألف حديث.
وهذا لا شك أنه من أعظم الأبواب المهمة التي تميز بها أسلافنا عما هو في واقعنا.
وهذه أيضاً سيرة أخرى للإمام هشام بن عبيد الله الرازي كما ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ، قال موسى بن نصر: سمعته يقول: لقيت ألفاً وسبعمائة شيخ، خرج مني في طلب العلم سبعمائة ألف درهم، أي: في تحصيل العلم وطلبه.
فتجد أن هذه الثروات الطائلة كانوا ينفقونها في طلب العلم؛ لما له من عظيم الأثر وعظيم الاهتمام والعناية عندهم، وربما تجد الناس اليوم ينفقون على أمور من الكماليات والتوافه التي ينبغي أن يترفعوا عنها ما هو أضعاف أضعاف مثل هذا، فإذا جاء الأمر للإنفاق في سبيل الله أو تحصيل العلم أو شراء الكتب أو نحو ذلك استعظموا هذا الذي ينفقونه.
وقد كان من عجائب السلف أنهم ربما أرملوا وبلغوا الشدة العظيمة من الحاجة والفاقة، ولم يكونوا يفرطون في شيء من العلم إلا في أشد الظروف وأحلكها.
هذا موقف فيه عظة وعبرة يبين لنا عظمة ما كانوا يحرصون عليه من العلم، وينفقون فيه من المال موقف من سيرة أبي الحسن الفالي المحدث الأديب الشاعر الذي كانت وفاته سنة ثمان وأربعين وأربعمائة للهجرة، تقول الرواية عنه: كانت عنده نسخة من كتاب الجمهرة لـ ابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم بستين ديناراً، وتصفحها فوجد بها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي المذكور، وهذه الأبيات تقول: أنست بها: يعني بهذا الكتاب.
أنست بها عشرين حولاً وبعتها فيا طول وجدي بعدها وحنيني وما كان ظني أنني سأبيعها ولو خلدتني في السجون ديوني ولكن لضعف وافتقار وصبية صغار عليهم تستهل شئوني فقلت ولم أملك سوابق عبرتي مقالة مكوي الفؤاد حزين وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من رب بهن ضنين كأنما يكون فقد أحد أبنائه، فلما رأى الشريف هذه الأبيات مكتوبةً عليها رد عليه نسخته وترك له دنانيره.
وهكذا نجد هذا الباب من الأبواب في الإنفاق في طلب العلم قمة من القمم التي رقى إليها كثير من الرجال من أسلافنا رحمة الله عليهم.
стр. 1354
قمة في طلب العلم
هذه قمة أخرى تتعلق بالعلم وطلبه، والتعلق به، والتفرغ له، وإنفاق الأوقات في تحصيله حتى بلغوا العجب العجاب في مثل هذه الميادين، وحتى حفظ العلماء منهم ليس العشرات ولا المئات ولا الآلاف، بل مئات الآلاف من الأحاديث والروايات عن رسول الله ﷺ ، وحتى بلغوا الغاية في دقة الحفظ وتجويده، والتفرغ للعلم والتعلق به، ولسنا بصدد ذكر ما يتعلق بالحفظ والعلوم وإن كان هذا باباً واسعاً، حتى إن الإمام أحمد ﵀ سئل عن الحافظ هل يسمى حافظاً إذا حفظ مائة ألف؟ قال: لا، قالوا: مائتي ألف؟ قال: لا، حتى بلغوا أربعمائة ألف؟ قال، لا، قالوا: خمسمائة ألف؟ قال: لعله.
أي: لعله أن يكون حافظاً أو يسمى حافظاً.
وكان عند الإمام أحمد مائتا جراب كلها فيها نسخ من الأحاديث عن سفيان بن عيينة وليس فيها رواية، فكانوا يخرجونها له، فكان يعرف كل حديث منها، ويقول: هذا حدثني به فلان عن سفيان، وكلها عن سفيان، لكنه يحفظ إسناده لها عن سفيان ويميز بينها مع كثرتها، وكانوا يحفظون من العلوم والأحاديث واللغة - كما قلنا- ما لا تبلغه عقولنا تصوراً؛ لقلة هممنا وضعف عزائمنا في مثل هذه الأبواب، ولكني أذكر شيئاً مما يتعلق بتعلقهم بالعلم، وعظيم ارتباطهم به في صور وأحوال شتى، فهذا أبو علي الفارسي الحسن بن أحمد الفسوي الذي كانت وفاته سنة سبع وسبعين وثلاثمائة للهجرة: وقع حريق ببغداد، فذهب به جميع علم البصريين، واحترقت كثير من كتبهم، قال هذا: وكنت كتبت ذلك كله بخطي، وقرأته على أصحابنا، فلم أجد من الصندوق الذي احترق شيئاً البتة، إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن، قال: سألته عن سلوته وعزائه.
يعني: ما الذي حصل له عندما احترقت كتبه؟ واليوم ربما نجد بعض الطلاب بعد الاختبارات يمزقون الكتب بأنفسهم، أو يرمونها في الطرقات، وكأنها لا قيمة لها عندهم، بل هي في الحقيقة لا قيمة لها عندهم، قال: سألته عن سلوته وعزائه في هذا، فنظر إلي عجباً، فقال: بقيت شهرين لا أكلم أحداً حزناً وهماً، وانحدرت إلى البصرة لغلبة الفكر علي، وأقمت فيها مدةً ذاهلاً متحيراً.
من شدة حزنه كأنما فقد ابناً من أبنائه، وكما قال القائل: وفقد الكتاب كفقد الصواب فيا هول من قد أضاع الكتب وهذا لعل فيه تذكرة لطلبة العلم أن يحافظوا على كتبهم.
وهذا ابن جرير إمام من أئمة العلماء المشهورين، وصاحب التفسير والتاريخ، وصاحب الكتب العظيمة كتهذيب الآثار وغيره؛ الذي نعلم من علمه أنه قال: تنهضون لكتابة التاريخ؟ قالوا: كم يكون؟ قال: يكون ثلاثين ألف صفحة، قالوا: إن ذلك أمر تفنى فيه الأعمار، وتعجز عن مناظرته الأبصار، فلما رأى ضعف همتهم، اختصره في ثلاثة آلاف، وهذه الثلاثة آلاف هي تاريخ الطبري الذي بين أيدينا مطبوعة في نحو ستة أو سبعة مجلدات، هذا المختصر الذي اختصره لهم؛ لأنهم كانت همتهم ضعيفة في زمنه، هذا ابن جرير يروي عن نفسه ما قلت.
سنذكر بعض ما يتعلق بطلب العلم من القصص، وتعلقهم به، يقول ابن جرير: مضيت يوماً إلى النخاسين الذين يبيعون الإماء والرقيق في طريقي، ورأيت جارية تعرض للبيع، حسنة الصورة كاملة الوصف، قال: فوقعت في قلبي، ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي بالله، فقال لي: أين كنت الساعة؟ فعرفته- بالخبر- فأمر بعض أسبابه-أي: غلمانه- فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلي، فجئت فوجدتها، فعلمت الأمر كيف جرى، فقلت لها: كوني فوق- حتى يتبين براءة رحمها من الحمل -قال: وكنت أطلب مسألةً من العلم، فإذا بها قد اختلت علي- تشوش فكره- فاشتغل قلبي عن علمي، فقلت للخادم: خذها وامض بها إلى النخاسين، فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي، فأخذها فقالت له: دعني أكلمه بحرفين، فقالت: أنت رجل لك محل وعقل، وإذا أخرجتني ولم تبين ذنبي لم آمن أن يظن الناس بي ظناً قبيحاً، فعرفني ذنبي قبل أن تخرجني، فقال لها: ما لك عندي عيب غير أنك شغلتيني عن علمي، فقالت: هذا أسهل عندي.
بالنسبة لها هذا أمر سهل؛ لأنها ليست تعرف مثل هذه الأمور ولا مثل هذه المسائل.
ومن لطيف ما يذكر من تعلقهم بالعلم وحرصهم عليه: أن أبا عبيد القاسم بن سلام الإمام الشهير كان يفكر في مسألة؛ فأقضت مضجعه طوال ليله فلم ينم، فكلما اضطجع قام، حتى إذا فتح له فيها قام يقفز ويصيح فرحاً بها، وما زال كذلك حتى أصبح.
من شدة فرحهم بمسألة من مسائل العلم تفتح عليهم، أو أمر يتصل بهم في مثل هذا، وكانوا يعرفون للعلم قدره ومنزلته، وأنا كما ذكرت سأشير إلى ما يتعلق بالعلم من جوانب ليست هي من صلب العلم؛ لأن صلب العلم لو تحدثنا عنه لكان الأمر يطول بنا وهو أمر قد سلمنا فيه بعجزنا، ولكن أذكر بعض الملح التي تبين ما هو أعظم من مجرد الحفظ والعلم، وشدة تعلقهم به وكونه هو مدار حياتهم.
فهذا الحافظ ابن عساكر يروي هذه الرواية يقول: سمعت ابن الأكفاني يحكي عن بعض مشايخه أن أبا الحسن بن داود كان إمام داريا- منطقة قريبة من دمشق- فمات إمام جامع دمشق، فخرج أهل البلد إلى داريا ليأتوا به- أي ليكون إماماً بعد الإمام الذي مات، فماذا صنع أهل داريا؟ - قال: فلبس أهل داريا السلاح، وقالوا: لا نمكنكم من أخذ إمامنا، فقال أبو محمد عبد الرحمن بن نصر وكان رجلاً حكيماً: يا أهل داريا، ألا ترضون أن يسمع في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إلى إمامكم، هذا فخر عظيم أن أهل دمشق جاءوا يطلبون إمامكم، وافتقروا إليه، فقالوا: قد رضينا، وهذه صورة من صور المجتمع الذي كان يعيش فيه أولئك القوم في سير وأماكن وتواريخ مختلفة.
ومن ذلك أيضاً: الضنك والعناء الذي لقيه بعضهم في تحصيل العلم، وهذا باب واسع عظيم قد أفرده بعض المعاصرين بالتصنيف، فأفرد فيه كتاباً هو من نفائس الكتب المعاصرة التي ينبغي لطالب العلم أن يقرأ فيها، وأن يحرص على اقتنائها، وهو صفحات من صبر العلماء على تحصيل العلم وشدائده للشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله، من ذلك قصة المحمدين الثلاثة، وقد أوردها الذهبي في السير، وهم: محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، وهؤلاء كل واحد منهم إمام كبير من أعظم وأشهر الأئمة والعلماء، هؤلاء الثلاثة توافقوا في طلب العلم، حتى أرملوا وافتقروا، ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضر بهم الجوع حتى كادوا أن يهلكوا، فماذا صنعوا؟ اجتمعوا ليلةً في المنزل الذي كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم أن يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل الناس لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الاستخارة، وبينما هو في أثناء الصلاة إذا بالشموع ورجل من قبل والي مصر أحمد بن طولون يدق عليهم الباب، ففتحوا، فنزل عن دابته، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقالوا: هو ذا.
وأشاروا إليه، فأخرج صرةً فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ قالوا: هذا.
فأخرج صرةً فيها خمسون دينار وأعطاها إياه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق؟ قال: هو ذا يصلي، فلما فرغ من صلاته دفع إليه صرةً فيها خمسون دينار، ثم قال: أيكم محمد بن هارون؟ وكان رابعاً لهم أيضاً، فقيل: هو ذا، فدفع إليه مثلها، ثم قال: إن الأمير كان قائلاً بالأمس -نائم في وقت الظهر- فرأى في المنام قائلاً يقول: إن المحامد -أي المحمدين هؤلاء- طووا كشحاً جياعاً فأنفذ إليهم هذه الصرر، وهو يقسم عليكم إذا نفذت أن تبعثوا إليه ليزيدكم، فهذا أيضاً مشهد أو صورة من هذه الصور الكثيرة.
стр. 1355
قمة في الثبات عند الشدائد
ننتقل إلى باب آخر من الأبواب؛ وفي كل باب من هذه الأبواب قصص كثيرة، ولعلنا نقف عند باب من الأبواب العظيمة المهمة، وهو: باب الثبات والصبر عند الفتن والشدائد، ورب رجل صبر في الضراء، ولكنه عند السراء صار عكس ذلك، ورب رجل كانت له مواقف في الثبات عند الشدائد، ولكنه عند الإغواء والإغراء لا يثبت، ولكنا نقف هذه الوقفات لنرى بعض الصور التي في سير أولئك القوم مما يدلنا على أنهم بلغوا فيها الذروة والغاية في الثبات.
ومن أول ما نبدأ به: قصة عبد الله بن حذافة السهمي ﵀ ورضي الله عنه، وهو الصحابي الجليل المشهور الذي نعلم من قصته ما كان من أسره، ثم إن ملك النصارى عرض عليه أن يتنصر وأن يعطيه نصف ملكه، فقال: لو كان ملكك ومثله معه وملك العرب ما رجعت عن ديني، فقال: اقتلوه، ثم أمرهم أن يصلبوه ثم يضربوا عن يمينه وشماله، فما تحرك عن موقفه وهو يعرض عليه، ثم أتى بأسيرين من أسارى المسلمين فغمسهما في قدر فيها زيت يغلي فيدخلان لحماً ويخرجان عظماً، فبكى ﵁ ودمعت عينه، فقال: إلي به- لعله أن يكون قد رجع عن موقفه- فقال: كلا، وإنما هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعر رأسي أنفس تلقى كلها في سبيل الله ، فلما عجز عنه الطاغية قال له: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، قال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبل رأسه وقدم بالأسارى على عمر فأخبره خبرهم، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، فقبل رأسه، ﵃ أجمعين، فثبت في مثل هذه المحنة العصيبة الشديدة.
وكذلك كان ثباتهم في مثل هذه المواقف العظيمة واضحاً وجلياً كما في قولة أخرى يذكرها لنا شريح القاضي الذي كان من أئمة التابعين ومن المشاهير المعروفين من السلف الصالح رضوان الله عليهم، ونجد أيضاً قصصاً كثيرة في هذا، ومن ذلك الثبات عند فتنة الإغراء، وخاصةً فتنة الإغراء بالمال.
هذه الرواية يرويها عبد الرزاق، عن النعمان بن زبير الصنعاني: أن محمد بن يوسف بن يحيى بعث إلى طاوس بسبعمائة دينار أو خمسمائة دينار، وقيل للرسول: إن أخذها الشيخ منك فإن الأمير سيحسن إليك ويكسوك، يعني أن يقبل هدية الأمير، فقدم بها على طاوس، فأراده على أخذه فأبى، فغافله ثم رمى بها في كوة البيت؛ لأن الرسول يريد أن يقول: قد أخذها منه حتى ينال مكافئة الأمير، فرجع وقال لهم: قد أخذها، ثم بلغهم عن طاوس شيء يكرهونه من مخالفة أو قول، فقال: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه الرسول، فقال: أين المال الذي بعث به الأمير إليك؟ قال: ما قبضت منه شيئاً، فرجع الرسول، وعرفوا أنه صادق، فبعثوا إلى الرجل الأول وبعثوه إلى طاوس، قال: أين المال الذي جئتك به؟ قال: هل قبضت منك شيئاً؟ قال: لا، فنظر حيث وضعه فوجده، فإذا بالصرة قد بنى العنكبوت عليها، فذهب بها إليه، أي: ما نظر إليها ولا التفت، ولا رأى منها شيئاً.
وهكذا نجد أيضاً في هذا الباب قصصاً كثيرة لكثير من أعلام السلف رضوان الله عليهم.
ومن صور الثبات أيضاً عند مثل هذه الفتن: أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة إبان ولاية عمر بن عبد العزيز عليها، فصلى سليمان بالناس الظهر، ثم فتح باب المقصورة واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم، فقال لـ عمر: من هذا، ما رأيت أحسن سمتاً منه؟ فقال له عمر: هذا صفوان، قال سليمان: يا غلام كيس فيه خمسمائة دينار، فأتاه به، فقال لخادمه: اذهب به إلى ذلك القائم، يعني: عند المسجد أمامه، فأتى حتى جلس إلى صفوان وهو يصلي، ثم سلم فأقبل عليه، فقال: ما حاجتك؟ قال: يقول أمير المؤمنين: استعن بهذه على زمانك وعيالك، قال صفوان: لست الذي أرسلت إليه، فقال له: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى، قال: فإليك أرسلت، قال: اذهب فاستثبت، فولى الغلام، وأخذ صفوان نعليه وخرج، فلم ير بها حتى خرج سليمان من المدينة؛ حتى لا يتعرض لمثل هذا الموقف.
كما أن هناك جوانب أخرى من الثبات عند فتنة النساء على وجه الخصوص، فإن هذه فتن عظيمة كان فيها لأسلافنا من العباد وأهل الصلاح مواقف.
قال محمد بن إسحاق: نزل السري بن دينار في درب بمصر، وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها، فعلمت به المرأة، فقالت: لأفتننه، فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها، فقال: ما لك؟ فقالت: هل لك في فراش وطي، وعيش رخي، فأقبل عليها وهو يقول: وكم ذي معاص نال منهن لذة ومات فخلاها وذاق الدواهيا تصرم لذات المعاصي وتنقضي وتبقى تباعات المعاصي كما هيا فيا سوأتا والله راء وسامع لعبد بعين الله يغشى المعاصيا وأعجب من هذا قصة يذكرها أبو الفرج: أن امرأةً جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج، فقالت: هل يرى أحد وجهي وجمالي ولا يفتن بي، كانت تفرح بذلك، فقال لها: نعم.
عبيد بن عمير، فقالت: أتأذن لي في فتنته، فأذن لها، فأتت لـ عبيد بن عمير كالمستفتية في ناحية من المسجد الحرام، فكشفت عن وجهها، فقال: استتري، فقالت: إني قد فتنت بك، فقال لها: إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك، قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك، فقال: أخبريني: لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك، أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت، قال: فلو دخلت القبر وأجلست للمسائلة أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت، قال: فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين تأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك، أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: لا، قال: صدقت، قال: فلو أردت المرور على الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: لا، قال: صدقت، قال: فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت، قال: فلو وقفت بين يدي الله للمسائلة، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت، قال: اتقي الله فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك، قال: فرجعت إلى زوجها، فقال: ما صنعت؟ قالت: أنت بطال ونحن بطالون -البطال: الذي ليس عنده عمل- فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة، وكان زوجها يقول: ما لي ولـ عبيد بن عمير أفسد علي امرأتي، كانت في كل ليلة عروساً، فصيرها راهبة.
стр. 1356
قمة في الجهاد
لعلنا أن نقف وقفةً يسيرةً فيما يتصل بالجهاد وأسلافنا وما كانوا عليه فيه، وهو أمر عظيم، وبابه واسع، ولكن نذكر بعض ذلك.
قال ثابت في شأن صلة -وهو من التابعين-: إن صلة كان في الغزو ومعه ابنه، فقال: أي بني! تقدم فقاتل حتى أحتسبك.
يقدم ولده للموت وللشهادة حتى ينالها، وحتى يصبر هو فيحتسب أجره، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صلة فقتل، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة، فقالت: مرحباً إن كنتن جئتن لتهنئنني، وإن كنت جئتن لغير ذلك فارجعن.
فكانت تطلب التهنئة على شهادة زوجها وابنها.
وخالد بن الوليد علم المجاهدين القواد من أصحاب رسول الله ﵊، كان يقول: ما ليلة يهدى إليَّ فيها عروس أنا لها محب؛ أحب إليّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أصبح فيها العدو.
فكان هذا دأب تعلقهم ومحبتهم ورغبتهم في الجهاد في سبيل الله.
وقصة الخنساء وأبنائها الأربعة مشهورة في ذلك، لما قالت لهم: يا بني! إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم، والله ما نبت بكم الدار، ولا أقحمتكم السنة، ولا أرداكم الطمع، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا غيرت نسبكم، ولا أوطأت حريمكم، ولا أبحت حماكم، فإذا كان غداً إن شاء الله فاغدوا لقتال عدوكم مستنصرين بالله.
فانصرفوا بعد وصية أمهم، وشدوا على العدو، وكان كل واحد منهم عندما يشد يقول أبياتاً من الشعر، فقال قائلهم: يا إخوتا إن العجوز الناصحه قد أشربتنا إذ دعتنا البارحه نصيحةً ذات بيان واضحه فباكروا الحرب الضروس الكالحه فإنما تلقون عند الصائحه من آل شاسان كلاباً نابحه قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة فأنتم بين حياة صالحه أو ميتة تورث غنماً رابحه ثم شد الذي يليه وهو يقول: والله لا نعصي العجوز حرفا قد أمرتنا حدباً وعطفا منها وبراً صادقاً ولطفاً فباكروا الحرب الضروس زحفا حتى تكفوا آل كسرى كفا وتكشفوهم عن حماكم كشفا إنا نرى التقصير عنهم ضعفا والقتل فيهم نجدةً وعرفا ثم شد الذي يليه وهو يقول: لست للخنسا ولا للأخرم ولا لعمرو ذي الثناء الأقدم إن لم تزر في آل جمع الأعجم جمع بني شاسان جمع رستم بكل محمود لقاء ضيغم ماض على الهول خضم خضرم إما لقهر عابر أو مغنم أو لحياة في السبيل الأكرم تفوز فيها بالنصيب الأعظم ثم شد الذي يليه وهو يقول: إن العجوز ذات حزم وجلد والنظر الأوفق والرأي السدد قد أمرتنا بالصواب والرشد نصيحةً منها وبراً بالولد فباكروا الحرب نماءً في العدد إما لقهر واحتياز للبلد حتى قضوا جميعاً شهداء، فحمدت الله على استشهادهم، وسألت الله أن يلحقها بهم على الخير والثبات في الأمر.
والباب في هذا واسع، والمواقف كثيرة جداً، ويضيق المقام عن ذكرها وحسبنا أن طوفنا ببعض منها، والأبواب والتراجم في ذلك كثيرة، والفضائل لأسلافنا عظيمة، سواء منها ما كان في إيمانهم أو عبادتهم أو إخلاصهم أو خشيتهم أو إنفاقهم، أو انشغالهم بمعالي الأمور دون سفاسفها، أو اتباعهم للحق وانصياعهم له وارتباطهم به، وإيثارهم له، وكذلك الجهاد في سبيل الله إلى آخر المواقف العظيمة والميادين الفسيحة التي كان لهم فيها سبق عظيم.
فنسأل الله أن يجعل مثل هذه السير باعثة لنا على الخير، ورائدة لنا في ميادين الخير والطاعة والسبق إلى رضوان الله ، وأن نسعى لنقتفي آثار أولئك الرجال، وأن نشمر عن ساعد الجد والعمل؛ لنرقى إلى تلك القمم العالية الشامخة، عَلَّ الله أن يرزقنا الأجر والثواب، وأن يجدد بنا بعض ما سلف من تاريخ أئمتنا وعلمائنا وقوادنا الصالحين العابدين المؤمنين المخلصين لله رب العالمين، ونسأله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله جل وعلا أن يلحقنا بهم على خير، وأن يجعلنا ممن يتأسون بهم، ويأخذون من سيرهم، ويهتدون بهديهم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصَلَّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1357
الأسئلة
стр. 1358
التدرج في بعث الهمم
السؤال
لا يخفى ما عليه بعض الناس أو أكثرهم من ضعف الهمم وخور النفوس في هذه الأعصر عن أن تصل إلى هذه القمم -إلا من رحم الله- فهل من تدرج مناسب نحث به نفوسنا الضعيفة شيئاً فشيئاً حتى تبقى على الطريق القويم؟
الجواب
لا شك أن المنهج في هذا مهم، وإن كان حديثنا لم يتعرض له؛ لأننا أردنا فقط أن نقف هذه المواقف ونستجلي هذه السير، ونخوض في هذه الميادين؛ حتى نهيج النفوس؛ ونبعث العزم -بإذن الله وإلا فإن الإنسان بالفعل يحتاج إلى شيء من التدرج، ويستعين ببعض الأمور، منها: أولاً: صدق الإخلاص لله ، وحسن الصلة به جل وعلا.
وثانياً: لزوم الطاعات والبعد عن المعاصي والمنكرات؛ لأنها ظلمة للقلب، وحاجب عن التوفيق، ومانع من المضي في طريق مرضاة الله .
وثالثاً: استشارة الخبراء والعلماء وأهل الإيمان والتقوى والورع، وطلب الموعظة منهم، وطلب الرأي السديد منهم.
ورابعاً: مجالسة الصالحين والأخيار والعلماء ومن يتداولون هذه السير؛ حتى يسمع الإنسان منهم دائماً ما يحرك عزمه ويقوي همته في طاعة الله .
وخامساً: الحزم لحفظ الوقت وعدم تضييعه، وترك المجاملات التي تضيع الأوقات قدر الاستطاعة، وهذا لابد فيه من نوع من الجد والصرامة والتحفظ والاحتياط والاحتراز؛ لأن مراعاة الناس ومجاملاتهم تذهب الأوقات وتضيع كثيراً من الأعمال والمنجزات، فينبغي للإنسان أن يحرص على هذا.
وسادساً: أن يكثر الإنسان من قراءة سير العلماء والأئمة، من مثل هذه السير التي عرجنا على بعض منها، وهي نزر يسير من بحر كثير، متلاطم الأمواج كما أشرنا، فلو قرأ في سير أعلام النبلاء، أو تهذيبه، أو صفة الصفوة، ونحو ذلك من الكتب التي فيها تراجم للصحابة والتابعين وبعض العلماء والأئمة، وقرأ في صفحات التاريخ فإن هذا مما يقوي العزم، ويشد الهمة بإذن الله .
وسابعاً: أن يكثر من الدعاء لله في أن يثبته ويعينه على مثل هذه الأمور، ولا شك أيضاً أن التدرج مطلوب سواءً في الناحية العلمية أو العملية، أي في ناحية تفصيل العلوم وحفظها، وفي ناحية العبادات والأخذ بها؛ حتى يكون الإنسان في الوسط بإذن الله .
ومما أحببت أن أشير إليه مما يضيع الأوقات ويضعف الهمم، والقضية التي يضيع فيها وقت كثير من الناس في متابعات صحفية أو إذاعية، في أمور ليست من الأمور التي تعود على الإنسان بالنفع والفائدة في علمه أو إيمانه أو معرفة واقعه، وإنما هي في اللهو أو الترف أو نحو ذلك، فينبغي للإنسان أن ينتبه لمثل هذه الأمور التي تضيع وقته.
وهنا بالنسبة لحفظ القرآن وطلب العلم ليس هذا مقامه، وموضوعنا الذي طرقناه إنما هو للتذكرة والعظة، وليس هو موضوعاً علمياً، إنما أحببنا فيه أن نجول هذه الجولة في هذه الرياض النضرة، والأجواء العطرة لعلنا أن نقتبس ونأخذ منها ما ينفعنا -إن شاء الله ويقوي عزائمنا، ومن علم فالعلم حجة عليه، ومن علم كان حجة على من لم يعلم أن يبلغه وأن ينشر ذلك بنفسه، وفي إخوانه وأبنائه وخاصةً صغار السن متى تلقوا في مقتبل عمرهم هذه السير وتهيأت لهم الظروف المناسبة؛ لكي يقرءوا ويحفظوا ويجدوا ويعملوا ويتربوا على الطاعة والعبادة، فإنه يرجى أن يكون عندهم ما ليس عند آبائهم الذين قد فاتهم من الوقت، وفاتهم من الظروف المناسبة ما أقعدهم عن مثل هذه القمم، فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم للهدى والتقى والخير والصلاح، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب.
стр. 1359
الأمة في مواجهة الغمة
إن ما نشاهده اليوم من تسلط الأعداء على المسلمين، والهيمنة الكاملة للكافرين، يجعل اليأس يدب إلى قلب المسلم، ويجعله يستسلم للواقع المرير، إلا أن ديننا علّمنا ألاّ نيأس، وأن نتحصن بالإيمان، ونتحلى بالصبر، ونقوي اليقين في قلوبنا، وأن النصر للإسلام وإن تأخر، وإلى جانب ذلك علمنا أنه لابد من الاهتمام بصلاح القلوب والنفوس، وتقوية الإيمان واليقين وغيرها من أسباب النصر، وأنه لابد من الإعداد التام لمواجهة الباطل وحزبه، حتى يندحر شرُّه، وتنكسر شكوته.
стр. 1360
نزول الملمات بالأمة وكيف تواجه
الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ومعز الموحدين، وجاعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، له الحمد وعد بنصر عباده المؤمنين، وجعل لهم في الأرض الاستخلاف والتمكين، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاد، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
стр. 1361
وهن الأمة وضعف عزائمها
أيها الإخوة المؤمنون! أحوال عصيبة، وظروف رهيبة، تحيط بأمتنا في هذه الأيام، ونحن نقف هذه الوقفة مع الأمة في مواجهة الغمة، ولعلنا نرى صوراً مخجلة إذ نجد أن الأمة في مجموعها كأنها لا تملك من الأمر شيئاً، وكأن الحال كما قال القائل: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود ونرى أن الآراء ما زالت متباعدة، وأن الأفكار ما زالت متباينة، وأن الوحدة ما زالت بعيدة.
من جهة ثالثة: نرى صوراً من زيغ الفكر، وضعف اليقين، وانحراف السلوك، بل نرى حقيقة النفاق والممالأة والمصانعة التي تزيد الأمة ضعفاً ووهناً، والتي تزيد أعداءها تسلطاً وتمكناً.
إننا لا نشك أن كل أحد منا عليه واجب، وفي عنقه مسئولية، وليست المهمة قاصرة على دولة أو أخرى أو حاكم أو آخر أو عالم أو مؤسسة، بل كل واحد في عنقه أمانة، وعلى كاهله مهمة.
ومن ثم فإننا ينبغي أن نعيد القول ونكرره، وأن نعاود المدارسة والمذاكرة في أحوال أمتنا التي هي في حقيقة أمرها مجموع أحوالنا، وإذا أردنا أن نؤكد هذه المعاني فينبغي لنا أن نكون صرحاء لا نستخدم التعمية الإعلامية، ولا الألاعيب السياسية، ولا المداهنات والمنافقات التي نجدها ليس في حياة الأمة على مستوى الدول والحكومات، بل على مستوى الأفراد والتجمعات، فلا بد أن نكاشف أنفسنا من خلال أنوار اليقين في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، لا بد أن نكتشف خللنا وعيوبنا من خلال النظر في سنن الله الماضية التي نقرؤها في صفحات التاريخ الغابرة، ونشاهدها ونراها في الوقائع المعاصرة.
وعندما نكون كذلك ربما يكون هذا أول طريق للإصلاح وتغيير هذه الأحوال، ولكن لا يمكن أن نتصور أن يكون طريقاً قصيراً ينتهي في غمضة عين وانتباهتها، أو في أيام قلائل أو أعوام يسيرة، ولا يمكن كذلك أن نعتقده طريقاً سهلاً مذللاً مفروشاً بالورود، بل فيه عقبات عظيمة، وهوائل جسيمة، وفيه ابتلاءات ومحن وفتن لا يصبر لها ولا يجتازها إلا الخلص من المؤمنين الصادقين، والمسلمين المستسلمين لرب العالمين.
стр. 1362
أهمية الإيمان واليقين لجمع الكلمة وتحقيق النصر
وهذه وقفات كلية جامعة في الأمور المهمة لمواجهة هذه الملمة.
أولاً: الإيمان واليقين: وقد نكرر القول ونزيده، وليس في ذلك من ترف ولا سرف، ولا شيء ممل، بل هو عين اليقين؛ لأن ثوابتنا لا تتغير، ولأن أسس ومناهج الحل والتغيير لا تتبدل، ولأن بين أيدينا كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وسنة هي وحي يوحى من رب العالمين.
ونحن قد قلنا في حديثنا عن القرآن -ولعل هذا الحديث يعد موصولاً به- إن واجبنا نحوه حسن فهمه، وقوة اليقين به؛ أن نحسن التدبر والتأمل والتفكر والمعرفة، والعلم والتعليم في كتاب الله ، وأن نرسخ الإيمان واليقين بكل حقائقه وبكل وعوده، وبكل سننه، وبكل أوامره وبكل نواهيه، لا بشيء دون شيء: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]، تلك صفة أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا، الذين كان إيمانهم زائغاً، بل لم يكن إيماناً حقيقياً ألبتة.
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، هل من يقين بهذا؟ وهل له أثر في الواقع، أم أنه يمر على أطراف الألسنة وتكاد تنكره العقول، أو تعافه النفوس، والله جل وعلا يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]؛ القائل رب الأرباب وملك الملوك الذي بيده ملكوت كل شيء من إليه يرجع الأمر كله.
وبيده الأمر كله، ويقول جل وعلا متفضلاً ممتناً وهو المستغني عن العباد: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، فهل يكون الحق الذي أوجبه على نفسه باطلاً؟ حاشا لله جل وعلا، ومن كان في نفسه ذرة شك في ذلك فليراجع إيمانه ويقينه، وليتفقد إسلامه وحقيقة دينه، فإن الأمر عظيم، والخطب جليل! وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
مادام النصر لا تخفق راياته مادام جند الإسلام لا يظهر علوهم ولا تبدو غلبتهم، هل فيما جاء في كتاب الله شك، أم أن هناك ضعفاً في اليقين ومخالفة لشروط ذلك النصر؟!
стр. 1363
وعد الله بالعاقبة للمتقين
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩].
العاقبة هي نهاية الأمر، ولا بد أن تكون لأهل الإيمان والتقوى، رضي بذلك من رضي، وشك فيه من شك، لكن أهل الإيمان يوقنون به ويرونه رأي العين، ويؤكدون أنه قادم لا محالة.
نعم، قد يتأخر يومه، وقد يعظم البلاء قبله، لكنه قادم لا محالة، كما أخبر الله ، وكما قص علينا، وبين لنا فيما جرى على رسله وأنبيائه صفوة خلقه عليهم الصلاة والسلام، حين قال أتباعهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
ماذا يرى الناس اليوم؟ وما الذي يتسرب إلى قلوبهم مما يرون؟ أليسوا يرون أصحاب الباطل والكفر أصحاب سيطرة وهيمنة أصحاب قوة وهيبة؟ أليست لهم الكلمة العليا في المشهد السياسي؟ أليست لهم القوة العظمى في الواقع العسكري؟ أليست لهم الهيمنة القوية في الميدان الاقتصادي؟ يتسرب اليأس إلى النفوس، ويدب الشك إلى القلوب، أين هذا من هذه الآيات؟ أين هذا الواقع الذي لا يرى فيه لأهل الإيمان شوكة قوية، ولا راية مرتفعة، ويرى الناس ويسمعون ويشاهدون القول في الأحداث التي تتعلق بأهل الإسلام وبلاد الإسلام، ويرون التفاعلات في الشعوب فما يكادون يسمعون لساناً عربياً مبيناً، ولا وجهاً مسلماً مشرقاً، يرون المتخاذلين في أمور الأمة وأحوالها كفرة فجرة من شرق وغرب.
ويدب إلى النفوس يأس، ويسري إليها شك، وينبغي أن يكون أول العلاج هو دفعه ونفيه ورفضه ومنعه بكل الأحوال؛ لأنه لا مجال له عند أهل الإيمان واليقين، بل يكون يقيناً مقابلاً.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، إنها نظريات ثابتة قاطعة جازمة، إنها بالتأكيد التي تصدر أن: ﴿اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، والنصر ثابت مطرد، و (يصلح) صيغة مضارع مستمرة، والإفساد واحد في كل مذهب وملة ونحلة، فينقلب السحر على الساحر ويرد السلاح إلى نحر راميه، لا بد أن يوجد يقين بذلك ومن بعده عمل نتحدث عنه.
стр. 1364
مواقف من انتصار الرسول ﷺ باليقين
يقول الله جل وعلا: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
لقد قاله سيد الخلق ﷺ قبل بدر عندما خرج غير معد ولا مستعد، ثم واجه جيشاً يبلغ ثلاثة أضعاف عدده وعدته، فقال رسول الله ﷺ : (والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم؛ هذا مصرع أبي جهل! هذا مصرع أمية! هذا مصرع عقبة بن أبي معيط!) فلم يخطئ واحد منهم المكان الذي عينه له ﷺ .
إنه اليقين بنصر الله! قاله أبو بكر يوم رأى محمداً ﷺ يرفع يديه ويلح في الدعاء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه، ثم يقول: (حسبك يا رسول الله! إن الله منجز لك ما وعد).
أفليس هذا اليقين الذي نفتقده؟! أوليس هذا الإيمان الذي إذا غاب من قلوبنا لم يكن لنا بعد ذلك قيمة ولا وزن، ولا كلمة ولا هيبة ولا عزة؟ ينبغي أن ندرك حقائق الأمور.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]، أي شيء كانوا بنو إسرائيل وأي قوة كانت مع موسى ﵇؟! ألم يكن فرعون هو فرعون القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؟ ألم يكن فرعون هو صاحب القوة والبطش والجبروت؟ لكن لما قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] نطق لسان الإيمان واليقين، فقال موسى ﵇: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] فانفلق البحر، فنجا موسى وغرق فرعون، وذهبت قوته بجند من جنود الله .
أولم يقل أبو بكر ﵁ يوم الغار: (لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فقال ﷺ : إن الله معنا)، لقد كان يقينه عظيماً ﵊ يوم كانت حباله بالله موصولة، يوم كان قلبه بالله متعلقاً، يوم كان توكله على الله صادقاً، يوم كانت تقواه لله خالصة، يوم كانت إنابته إليه دائمة، عندما يكون ذلك كذلك تتحقق الأمور.
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] أفليس لنا يقين بذلك؟ أفنظن أنه سيصيبنا أمر إذا أرادت أمريكا أو روسيا أو غيرها؟ كلا والله، لا يبلغ أولئك القوم شيئاً إلا بإرادة الله وقدره الذي يشاؤه، لحكمة يعلمها جل وعلا.
стр. 1365
نماذج من انتصار المسلمين باليقين
ثم انظر إلى وقائع هذا اليقين في النخبة والصفوة الذين رباهم ﵊ في يوم الأحزاب يوم الشدة، وقد كررنا المثل؛ لأننا نمر بهذه الحالة، ولأننا نراهم يتداعون علينا، ولأن الجيوش والجنود تحيط من كل جانب، ولأن الأحزاب تتحزب وتتألب، ماذا قال أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] ويوم قال لهم القوم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] قال الله في وصفهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
ولم يكن ذلك في عهد الأصحاب فحسب، بل تاريخنا ينطق بذلك وقد أسلفنا القول فيه، ألم يقل ابن تيمية في معركة (شقحب) عام (٧٠٢هـ) أي بعد سبعة قرون من حياة النبي ﷺ ، وهو يبشر الناس ويثبتهم: إنكم لمنصورون والله إنكم لمنصورون! فيقولون: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، جزماً لما يرى من اليقين، وما يظهر من الإيمان، وما يبدو من شمس الصلاح والاستقامة.
ننتبه إلى هذا، فإنه هو الذي يثبتنا بإذن الله ، إن هذا الإيمان واليقين يثبتنا ويعطينا عدة أمور مهمة أولها: الإدراك والوعي والفهم الذي ندرك به الحقائق، لئن كانت للباطل جولة بل وألف جولة فإن جولة الحق آخرها، وإنها جولة إلى قيام الساعة.
стр. 1366
تأخير النصر قد يكون للتمحيص
وإننا لندرك حين نكون على هذا الإيمان واليقين سنة الابتلاء: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩].
غيب الله فيه حكم، وفيه ابتلاء، عندما نكون موقنين ندرك أن هذه من صفحات الابتلاء تنقلب، ويأتي بعدها النصر والرخاء: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦].
وكذلك يقول الحق : ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، أفهذه القوى عجولة أن تهزمها قوة الله جل وعلا؟ كلا.
إن رعباً في القلوب إن خلفاً في الصفوف إن ريحاً تهب إن أرضاً تتزلزل إن بحراً ينشق إن أدنى شيء مما أراده الله يدمر كل تلك القوى، ولكنها حكم الله ينبغي أن نتأملها في الآيات والأحاديث والسنن.
ويأتينا من بعد ذلك الثبات وعدم التراجع: وهو أمر مهم، فلا يثبت إلا مستيقن، ولا يمضي في طريقه شامخ الرأس إلا مؤمن معتز بإيمانه، ولذلك لا تستغربوا عندما ترون المواقف المخزية؛ لأنها ليس لها رصيد من إيمان ولا أساس من يقين، كيف نرتقب لمن خلت قلوبهم من الإيمان ونفوسهم من اليقين أن يقفوا مواقف عزة؟! أو أن تكون لهم في المواجهة قوة؟! ذلك تفسير واضح بدهي من خلال الفقه الإيماني في آيات الله .
الأمر الثالث: الرجوع والالتجاء إلى الله: إن من عرف الخلل أدرك أنه لا بد من الإصلاح بالرجوع إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].
كل شيء تخافه تفر منه إلا الله، فإنك إن خفته فررت منه إليه، لا ملجأ ولا منجى لنا منك إلا إليك، وعجباً يرى المرء هذه الأحوال العصيبة وما زال الفن رافعاً راياته، والرقص ضارباً دفوفه، وما زالت الأمة كأنما هي نائمة نوماً لا تستفيق منه.
فمتى سيستيقظ أولئك الغافلون؟ هل يستيقظون إذا طرقت أبوابهم ووقعت السقوف فوق رءوسهم؟! أم إذا أصابتهم البلية في أنفسهم وأزواجهم وأموالهم؟! هل بعد هذا كله ليس هناك مدكر ولا معتبر، ولا منزجر ولا راجع إلى الله ؟ ومن بعد ذلك الثقة والقوة: ثقة بالله، وقوة بقوة الله ، فإنه لا حول ولا قوة إلا به .
стр. 1367
أهمية الإصلاح والاستقامة في مواجهة الملمات
الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ومعز الموحدين، وجاعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، له الحمد وعد بنصر عباده المؤمنين، وجعل لهم في الأرض الاستخلاف والتمكين، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاد، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
стр. 1368
ضعف الاستقامة سبب لتأخير النصر
الأمر الثاني: الإصلاح والاستقامة: وهو أمر بدهي ونتيجة تلقائية للإيمان واليقين، ألم نقل: إنه يجعلنا نعي وندرك؟ ألم نقل: إنه يجعلنا نرجع ونلتجئ؟ ألم نقل: إنه يجعلنا نثق ونتقوى بالله؟ إذاً: أصلح حالك وحال أهلك، وحال مجتمعك، أصلح قلبك ونفسك، أصلح فكرك وعقلك، أصلح منطقك وقولك، أصلح حالك وعملك، يصلح الله كل شيء من حولك، وقد جعلها الله أسباباً منوطة بأخرى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] أين نصر دين الله في واقع حياتنا نحن الأفراد؟ لا تنظروا إلى الأمم، لا تنظروا إلى الحكومات، انظروا إلى ذوات أنفسكم، هل أقمتم الإسلام في نفوسكم؟ هل جعلتموه سمة ظاهرة في بيوتكم؟ من هي تلك المرأة المتبرجة؟ من هو ذلك الشاب الضائع؟ ما هي تلك المنكرات الظاهرة؟ ما هي تلك الكلمات الفاجرة؟ من أين تصدر في مجتمعاتنا وأممنا؟ إنها مني ومنك ومن هذا ومن ذاك، ونحن نعلم أن المعاصي حاجبة لرحمة الله، مانعة لتنزل نصر الله، ما يدريك أن تبرج تلك المرأة وأن تسكع الشباب من أسباب تأخر النصر، ومن أسباب تسلط الأعداء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، بما كسبت أيدي الناس؛ فكل كلمة نابية مخالفة لشرع الله، وكل منكر مرتكب مخالف لما حرم الله، كل واجب متروك منقطع فيه عن الاستجابة لأمر الله؛ هو من أسباب هذا التأخير للنصر، ومن أسباب هذا الوهن في الأمة، ومن أسباب تضييع النصر، وتأخر التمكين، وتسلط الأعداء.
стр. 1369
كل فرد مسئول عن صلاح نفسه ومن تحت يده
قد يقول القائل: وماذا عساي أن أفعل؟ ولئن قال كل كذلك فنقول له: خذ آيات القرآن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨].
ونقول له: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، ونقول له: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
هل هذه تنوب عنك فيها الحكومات، أم يحملها عنك العلماء، أم يخفف وطأتها في حسابك الدعاة؟ إنك مسئول بين يدي الله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
، وقد قال ﷺ لفلذة كبده: (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئاً).
فاعلم أنك مسئول! وهذه قضية مهمة، وهي مبدأ الطريق، ومفتاح الإصلاح والاستقامة، لا يكن أحدكم إمعة، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم، لم نلغو مع اللاغين ونخوض مع الخائضين؟! ولا يكون لنا ممانعة نسلم بها أنفسنا، ونقوم فيها بواجبنا تجاه أبنائنا؟ إن شخصيتك إن كانت قرآناً يتلى، وإن زوجتك إن كانت نموذجاً أمثل، وإن ابنك إن كان مربى تربية إسلامية صحيحة، فهذا كله يصب في خدمتك لأمتك، ويصب في قيادتك لهذه الأمة، ونحن نرى أحوالاً كثيرة، فكم هناك من خلل بين الأزواج والزوجات؟ كم من ظلم وبغي وتسلط بغير حق من الأزواج على الزوجات؟ وكم من تفريط وتقصير من الزوجات في حق الأزواج؟ كم من عقوق من الأبناء للآباء؟ وكم من تفريط وتضييع من الآباء للأبناء؟ وكم من معاملات زائغة وكم من انحرافات فاجرة وكم وكم وكم؟ ثم بعد ذلك نسأل: أين نصر الله؟ ونسأل: لم يتسلط علينا أعداء الله؟! وهذا مما ينبغي لنا أن نتأمله وأن نتدبر فيه، وهذا هو الأمر المهم الذي نحتاجه ولا بد لنا منه، وكما قلنا: لا تكن إمعة، ولا نريدك أن تكون تابعاً، بل نريدك أن تكون قائداً وزعيماً في الخير والحق والدعوة إلى إصلاح القلوب، وقوة العزائم.
أرشد العقول ببيان وتعليم، حرك الهمم والعزائم بأمثلة مضروبة، لم لا يكون أحدنا كما قال الله في دعاء عباده: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]؟ كل منا لو كان قائداً في الحق ورائداً في الخير وسابقاً إلى المعالي، لوجدنا هذه الروح وهي تلتهب، والمنافسة وهي تشتعل، والهمم وهي تعلو نحو التشبث بمرضاة الله وإصلاح أحوالنا، وكل منا مسئول، فنسأل الله أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1370
أهمية العمل والإعداد لمواجهة الأعداء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.
следующие страницы →