← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

تأخير النصر قد يكون للتمحيص وإننا لندرك حين نكون على هذا الإيمان واليقين سنة الابتلاء: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]. غيب الله فيه حكم، وفيه ابتلاء، عندما نكون موقنين ندرك أن هذه من صفحات الابتلاء تنقلب، ويأتي بعدها النصر والرخاء: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. وكذلك يقول الحق : ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، أفهذه القوى عجولة أن تهزمها قوة الله جل وعلا؟ كلا. إن رعباً في القلوب إن خلفاً في الصفوف إن ريحاً تهب إن أرضاً تتزلزل إن بحراً ينشق إن أدنى شيء مما أراده الله يدمر كل تلك القوى، ولكنها حكم الله ينبغي أن نتأملها في الآيات والأحاديث والسنن. ويأتينا من بعد ذلك الثبات وعدم التراجع: وهو أمر مهم، فلا يثبت إلا مستيقن، ولا يمضي في طريقه شامخ الرأس إلا مؤمن معتز بإيمانه، ولذلك لا تستغربوا عندما ترون المواقف المخزية؛ لأنها ليس لها رصيد من إيمان ولا أساس من يقين، كيف نرتقب لمن خلت قلوبهم من الإيمان ونفوسهم من اليقين أن يقفوا مواقف عزة؟! أو أن تكون لهم في المواجهة قوة؟! ذلك تفسير واضح بدهي من خلال الفقه الإيماني في آيات الله . الأمر الثالث: الرجوع والالتجاء إلى الله: إن من عرف الخلل أدرك أنه لا بد من الإصلاح بالرجوع إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]. كل شيء تخافه تفر منه إلا الله، فإنك إن خفته فررت منه إليه، لا ملجأ ولا منجى لنا منك إلا إليك، وعجباً يرى المرء هذه الأحوال العصيبة وما زال الفن رافعاً راياته، والرقص ضارباً دفوفه، وما زالت الأمة كأنما هي نائمة نوماً لا تستفيق منه. فمتى سيستيقظ أولئك الغافلون؟ هل يستيقظون إذا طرقت أبوابهم ووقعت السقوف فوق رءوسهم؟! أم إذا أصابتهم البلية في أنفسهم وأزواجهم وأموالهم؟! هل بعد هذا كله ليس هناك مدكر ولا معتبر، ولا منزجر ولا راجع إلى الله ؟ ومن بعد ذلك الثقة والقوة: ثقة بالله، وقوة بقوة الله ، فإنه لا حول ولا قوة إلا به .

стр. 1367

أهمية الإصلاح والاستقامة في مواجهة الملمات الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ومعز الموحدين، وجاعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، له الحمد وعد بنصر عباده المؤمنين، وجعل لهم في الأرض الاستخلاف والتمكين، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاد، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد:

стр. 1368

ضعف الاستقامة سبب لتأخير النصر الأمر الثاني: الإصلاح والاستقامة: وهو أمر بدهي ونتيجة تلقائية للإيمان واليقين، ألم نقل: إنه يجعلنا نعي وندرك؟ ألم نقل: إنه يجعلنا نرجع ونلتجئ؟ ألم نقل: إنه يجعلنا نثق ونتقوى بالله؟ إذاً: أصلح حالك وحال أهلك، وحال مجتمعك، أصلح قلبك ونفسك، أصلح فكرك وعقلك، أصلح منطقك وقولك، أصلح حالك وعملك، يصلح الله كل شيء من حولك، وقد جعلها الله أسباباً منوطة بأخرى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] أين نصر دين الله في واقع حياتنا نحن الأفراد؟ لا تنظروا إلى الأمم، لا تنظروا إلى الحكومات، انظروا إلى ذوات أنفسكم، هل أقمتم الإسلام في نفوسكم؟ هل جعلتموه سمة ظاهرة في بيوتكم؟ من هي تلك المرأة المتبرجة؟ من هو ذلك الشاب الضائع؟ ما هي تلك المنكرات الظاهرة؟ ما هي تلك الكلمات الفاجرة؟ من أين تصدر في مجتمعاتنا وأممنا؟ إنها مني ومنك ومن هذا ومن ذاك، ونحن نعلم أن المعاصي حاجبة لرحمة الله، مانعة لتنزل نصر الله، ما يدريك أن تبرج تلك المرأة وأن تسكع الشباب من أسباب تأخر النصر، ومن أسباب تسلط الأعداء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، بما كسبت أيدي الناس؛ فكل كلمة نابية مخالفة لشرع الله، وكل منكر مرتكب مخالف لما حرم الله، كل واجب متروك منقطع فيه عن الاستجابة لأمر الله؛ هو من أسباب هذا التأخير للنصر، ومن أسباب هذا الوهن في الأمة، ومن أسباب تضييع النصر، وتأخر التمكين، وتسلط الأعداء.

стр. 1369

كل فرد مسئول عن صلاح نفسه ومن تحت يده قد يقول القائل: وماذا عساي أن أفعل؟ ولئن قال كل كذلك فنقول له: خذ آيات القرآن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]. ونقول له: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، ونقول له: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. هل هذه تنوب عنك فيها الحكومات، أم يحملها عنك العلماء، أم يخفف وطأتها في حسابك الدعاة؟ إنك مسئول بين يدي الله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة). ، وقد قال ﷺ لفلذة كبده: (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئاً). فاعلم أنك مسئول! وهذه قضية مهمة، وهي مبدأ الطريق، ومفتاح الإصلاح والاستقامة، لا يكن أحدكم إمعة، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم، لم نلغو مع اللاغين ونخوض مع الخائضين؟! ولا يكون لنا ممانعة نسلم بها أنفسنا، ونقوم فيها بواجبنا تجاه أبنائنا؟ إن شخصيتك إن كانت قرآناً يتلى، وإن زوجتك إن كانت نموذجاً أمثل، وإن ابنك إن كان مربى تربية إسلامية صحيحة، فهذا كله يصب في خدمتك لأمتك، ويصب في قيادتك لهذه الأمة، ونحن نرى أحوالاً كثيرة، فكم هناك من خلل بين الأزواج والزوجات؟ كم من ظلم وبغي وتسلط بغير حق من الأزواج على الزوجات؟ وكم من تفريط وتقصير من الزوجات في حق الأزواج؟ كم من عقوق من الأبناء للآباء؟ وكم من تفريط وتضييع من الآباء للأبناء؟ وكم من معاملات زائغة وكم من انحرافات فاجرة وكم وكم وكم؟ ثم بعد ذلك نسأل: أين نصر الله؟ ونسأل: لم يتسلط علينا أعداء الله؟! وهذا مما ينبغي لنا أن نتأمله وأن نتدبر فيه، وهذا هو الأمر المهم الذي نحتاجه ولا بد لنا منه، وكما قلنا: لا تكن إمعة، ولا نريدك أن تكون تابعاً، بل نريدك أن تكون قائداً وزعيماً في الخير والحق والدعوة إلى إصلاح القلوب، وقوة العزائم. أرشد العقول ببيان وتعليم، حرك الهمم والعزائم بأمثلة مضروبة، لم لا يكون أحدنا كما قال الله في دعاء عباده: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]؟ كل منا لو كان قائداً في الحق ورائداً في الخير وسابقاً إلى المعالي، لوجدنا هذه الروح وهي تلتهب، والمنافسة وهي تشتعل، والهمم وهي تعلو نحو التشبث بمرضاة الله وإصلاح أحوالنا، وكل منا مسئول، فنسأل الله أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1370

أهمية العمل والإعداد لمواجهة الأعداء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

стр. 1371

أمر الله للمؤمنين بإعداد القوة ثالث الأمور التي نتحدث عنها العمل والإعداد: فإن الصلاح والاستقامة في ميادين العمل الذي يصلح به المرء نفسه في عبادته وطاعته، وأما العمل والإعداد فعلى مستوى الأمة، وقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] قال ابن كثير: والمقصود بذل أقصى الطاقة والقوة في كل ما أمكن، والقوة المقصود بها كل ما يتقوى به على العدو. (ترهبون به عدو الله) قال الطبري: تخزون به عدو الله، وقال ابن كثير: تخوفون به عدو الله. وقال غيرهم: الخوف مع الاضطراب هو حقيقة ذلك الإرهاب، (وآخرين من دونهم) كل أعداء الإسلام. وقد قيل لـ عنترة: بم نلت هذه الشجاعة حتى صار ذكر اسمك يرعب القلوب؟! قال: كنت أعمد إلى الرجل الرعديد الجبان فأضربه ضربة قوية ينخلع لها قلب القوي الشجاع، فهناك يكون الاعتبار بالأول لمن وراءه.

стр. 1372

فوائد إرهاب العدو ذكر الرازي ﵀ في هذا الإرهاب الإسلامي المطلوب وجوهاً من الفوائد والمنافع أولها: أن لا يجترئ الأعداء على ديار الإسلام، ومتى كان لهم في ذلك حلم لو كان هناك أهل إيمان وإحسان، وأهل قوة وهيبة. ولذلك نقول كما قال الرازي ﵀ أيضاً: إنه ربما يقودهم الخوف إلى الإذعان من غير قتال، ودفع الجزية مهادنة ومصالحة. الأمر الثالث: أن هذه القوة والإرهاب قد تكون داعيةً لهم إلى الإيمان؛ لأنهم يرون أصحاب الإيمان وهم أهل قوة، وأهل بسط، وأهل هيمنة، وأهل عزة، فيرون أن ذلك ما يكون إلا لخير في هذا الدين فيؤمنون به. كذلك من الفوائد: أنهم لا يعينون غيرهم من الكفار، إن كانوا قد امتنعوا بأنفسهم فإن الرهبة من أهل الإيمان تمنعهم أن يكونوا سنداً لغيرهم، وقد كان ذلك كذلك في عصور الإسلام الزاهية. ومن ذلك أيضاً: العزة في أهل الإسلام كما قال الرازي: أن يثبت الإيمان في القلوب وأن يعتز المسلمون بإسلامهم. والأحوال اليوم منقلبة، والقوة ضائعة، والرهبة لا وجود لها، ترى كثيراً من المؤمنين وهم مطأطئون برءوسهم، وهم يشعرون بشيء من الاحتقار والذلة لعدم يقينهم وإيمانهم الصحيح، ولعدم فهمهم ووعيهم التام؛ لكن ذلك واقع في حقيقة الأمر.

стр. 1373

فوائد القوة إذا كانت في جانب المسلمين ينبغي لنا أن ننتبه إلى هذا الإعداد والقوة التي تؤمن المختارين لهذا الإسلام، فلها فوائد عديدة: أولها: أن أهل الإسلام والإيمان بحاجة إلى من يحمي بيضتهم من يذب عن أعراضهم من يمنع تدنيس مقدساتهم من يحفظ أرواحهم وأموالهم. الأمر الثاني: إرهاب أعداء الله . الأمر الثالث: أنها إقعاد عن مواجهة دعوة الإسلام، فإذا عرف الناس قوة الإسلام تركوا له الطريق يمضي، وإذا به يغزو القلوب بالحق واليقين والبرهان، لا بالقوة والعنف كما يزعمون، وإذا بنا أيضاً نجعل القوة في آخر الأمر تحطيماً للقوى الباغية الظالمة الجائرة التي تصد عن دين الله، وتتسلط على خلق الله، وتظلم عباد الله. وحق لأهل الإسلام أن يتولوا وأن يكونوا أهله، فذلك هو شأنهم، وذلك هو فرضهم وواجبهم، ولقد قالها ربعي بن عامر في كلماته التي تحفظونها يوم خاطب القوى العظمى في زمانه: (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة). واليوم نعرف أنه عالم القوة، فأي شيء يتحدث اليوم؟ هل هو العدل: كلا. هل هو المنطق؟ كلا. هل هو القوانين؟ كلا. هل هي الإنسانية؟ كلا. إن الناطق اليوم هو القوة، فلا قول ولا كلمة إلا لصاحب قوة.

стр. 1374

سنة الله في الأخذ بالأسباب ينبغي لنا أن نبذل هذه الأسباب، والأسباب من سنن الله ينبغي الأخذ بها معنوياً ومادياً قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، أمرت مريم وهي امرأة ضعيفة في وقت المخاض أن تهز جذع نخلة، وما عسى أن تهز فيه! لكنها أخذت بالسبب، وجاءت النتيجة من الله . والنبي ﷺ قال: (اعقلها وتوكل)، وقد ضرب ﵊ المثل في هجرته، فأخذ للأمر عدته وأهبته وتخطيطه الكامل التام، ثم جاءت بعد ذلك عناية الله لتجبر كل نقص في تدبير المسلم، وكل خلل فيما أعده من الأسباب، وذلك هو الذي نرتقبه ونأمله. أما بلا إيمان ويقين، وبلا صلاح واستقامة، وبلا عمل ولا إعداد، فإن سنن الله ماضية لا تحابي أحداً، وإن رسول الله ﷺ كان أولى خلق الله بأن تنكسر أو تتخلف سنن الله في حياته، ولكن لما خالف بعض أصحابه يوم أحد دارت الدائرة، وشج وجهه، وسال الدم على جبهته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه ﵊، فلئن كان ذلك كذلك مع سيد الخلق ﷺ فكيف بمن دونه ممن هو بعده؟ نسأل الله أن يرد الأمة إلى دينه رداً جميلاً، ونسأله أن يصرف عنها الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إن قضيت فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداةً مهديين، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيهما، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وارفع درجاتنا، وضاعف حسناتنا، برحمتك يا رب العالمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك، ويذل فيها أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك يا رب العالمين! وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أنزل في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، اللهم وحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطئمناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1375

غنائم العابدين وخسائر الغافلين إن لله مواسم ونفحات، يغتنمها أهل الطاعات، ويضيعها أهل المعاصي والشهوات في اللهو والملذات، ومن أعظم تلك المواسم: شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، وخير ما في هذا الشهر العشر الأواخر، تلك الليالي المباركات، التي فيها ليلة هي خير من ألف شهر، وإن الناظر في أحوال سيد الخلق ﵊ وأصحابه في العشر الأواخر ليرى البون الشاسع والفرق الواسع بيننا وبينهم، وربما كان أكثرنا على العكس تماماً من نهجهم والسير على خطى دربهم، فينبغي الاهتمام والجد لاغتنام المواسم الكريمة، والأوقات الشريفة، فيما يقرب العبد من ربه ومولاه.

стр. 1376

فضائل رمضان وحال النبي ﵊ في العشر الأواخر الحمد لله، الحمد لله على ما أفاض من الخيرات، وما وهب من الرحمات، وما كتب من مغفرة السيئات، وما تمنن به وتفضل من مضاعفة الحسنات؛ له الحمد رب الأرض والسماوات، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، له الحمد دائماً أبداً ما دامت السماوات والأرض. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله؛ علم الهدى ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ونور الرعاية الإلهية؛ أشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد:

стр. 1377

استحضار فضل الله وشرف الزمان أيها الإخوة! غنائم العابدين وخسائر الغافلين في هذه الأيام الشريفة والليالي المباركة، ولم يبق من شهرنا إلا سبعة أيام، وهانحن إذا تأملنا واعتبرنا وجدنا أمرين لابد لنا من استحضار معانيهما، ومن تذكرهما: أولهما: فضل الله بما جعل من فضل الزمان، وما أكرمنا به من شرف المكان، وما وعدنا عليه من مضاعفة الأعمال والأجور، وما جعله في هذا الموسم من محو الخطايا والآثام. والثاني: هو عقل العاقلين، وفطنة المؤمنين، وتلهف العابدين، كي لا تضيع بقية الأيام، ولا تذهب سائر الليالي التي هي أشرف أيام وليالي شهر في العام، وأفضل عشر في الشهر وفيها ليلة القدر، حتى تكون القلوب موصولة معلقة بالله راغبة في ثوابه، مقبلة على طاعته كلما فتر عزمها أو ضعف جدها وسيرها جاءها من نداء الإيمان ومن فضل الرحمن ما يشد العزم، ويضاعف العمل. ونحن في هذه الأيام المباركة والليالي الفاضلة حري بنا أن نعيد التذكر لفضل الله، ونعيد الحساب لتقصيرنا في طاعة الله، وننتبه إلى أن الأيام والليالي إذا انقضت لا تعود، وأن مواسم الخير يوشك إذا تقوضت خيامها أن يرجع الناس فائزين رابحين، أو خاسرين محرومين، وكل مؤمن وعاقل يختار لنفسه الأمثل. وإذا كانت الأيام والليالي فيها من شأن الدنيا والآخرة، وراحة النفس، ولهو القلب مع جد العمل في الطاعة والذكر؛ فإن هذه الأيام والليالي لا تنبغي فيها الشركة، ولا يحسن فيها الاختلاط، بل لابد أن تكون ممحصة خالصة للطاعة والعبادة، وأن تكون ذات انقطاع عن الدنيا وتعلق بالآخرة، وهجر للغفلة وانغماس في الذكر، وقطع للخلائق واتصال بالخالق، وحياة للقلوب والأرواح، وهجر لحياة الجسوم والأشباح؛ فإننا في سائر أيامنا وليالينا يكاد يكون حظ الطاعة ونصيب العبادة قليلاً إلا من رحم الله.

стр. 1378

حال النبي ﷺ في العشر لعلنا في أول وقفاتنا نرى الصورة المثلى والقدوة العظمى ﷺ ، أعظم الخلق عبادة لربه، وأشدهم خشية منه، وأكثرهم ذكراً له، وأعظمهم تعلقاً به، وأكثرهم وسعياً إلى رضوانه، فأي شيء كان حاله، وكانت عبادته ﷺ ؟ ليس في رمضان ولا في عشره الأواخر بل في سائر الأيام والليالي. ومع ذلك فلنا أن نتصور ونتدبر في حاله الذي وصف به في هذه الأيام والليالي الفاضلة، لعلنا ونحن نقف هذه الوقفات -التي نكاد نحفظها- ندرك تماماً أنه ﷺ يعلمنا ويلقننا درساً عظيماً ينبغي ألا ننساه أبداً، وألا ننساه في هذه الأيام خصوصاً؛ فمن حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: (أن رسول الله ﷺ كان إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)، وفي صحيح مسلم رواية أخرى تحتاج إلى مزيد تأمل: (كان ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره). ونحن نعلم ما كان اجتهاده في غيره: كان يقوم حتى تتفطر قدماه، ولا يدع قيام الليل في سفر ولا حضر، ويذكر الله في كل أحواله، ويستغفر الله في يومه وليلته مائة مرة، وكان ﷺ أعظم عباد الله عبادة له. فكيف نتصور أنه كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره، أي اجتهاد فوق هذا الاجتهاد؟ وأي عبادة تزيد على هذه العبادة! إنها دروس عظيمة من سيد الخلق ﷺ ، إنه يقول لنا: لابد من الزيادة، لأجل فضيلة هذا الشهر، وإدراك ختامه في هذه الليالي العشر، والتعرض لموافاة وموافقة ليلة القدر، ونيل عظيم الأجر بما هو أعظم من ألف شهر، أنريد ذلك ونحن نائمون غافلون وفي الأسواق لاهون وسائرون؟! أنريد ذلك ونحن ما نزال نتحدث بلغو القول وباطله؟! أنريد ذلك ونحن ما يزال ليلنا مع القنوات والأحجيات والألغاز؟! أنريد ذلك ونحن لا نزيد عما مضى في شهرنا بل ننقص منه؟! أنريد ذلك ونحن في كل طاعتنا وعبادتنا لا نبلغ عشر معشار ما كان عليه رسولنا ﷺ ؟! لعلي أترك لكم فرصة أن تتفكروا وتتدبروا كيف كان اجتهاده في هذه الأيام؟ وأي شيء يزيده على ما هو عليه من طاعة الله وعبادته؟ وهذا حديث الترمذي من رواية أم سلمة قالت: (لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه). وفي رواية الطبراني من حديث علي ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة). وفي رواية أنس في وصف حاله في العشر: (إذا دخلت طوى فراشه، واعتزل النساء)، إنه إعلان أنها أيام غير الأيام، وليالي ليست كالليالي، وزمان يخرج عن زمان الدنيا إلى الآخرة، ووقت يستقطع من لهو الحياة وغفلتها إلى ذكر الآخرة والتعلق بها، ووقت لا تنبغي فيه الشركة ولا يحسن فيه الاختلاط بحال من الأحوال، فما بالنا نزيد من الاختلاط والتخليط حتى تقل العبادة، وتعظم الغفلة، ويندر الذكر، ويعظم اللهو، نسأل الله السلامة.

стр. 1379

غنائم العابدين في رمضان هذه امرأة من الصالحات تقول لزوجها في وصف أحوال المؤمنين: قد ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن بقينا. تأمل هذا، وتأمل بعد رسول الهدى ﷺ سير الأصحاب، واذكر بكاء المتهجدين، وتأمل أحوال العابدين، وانظر إلى سير القائمين الركع السجود من أصحاب رسول الله ﷺ ومن جاء بعدهم من الصالحين، وقل مثلما قالت هذه العابدة: يا نائم الليل كم ترقد قم يا حبيبي قد دنى الموعد وخذ من الليل وأوقاته ورداً إذا ما هجع الرقد من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يجهد قل لذوي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعد متى يكون حظنا من الذكر والقيام إن كنا في هذه الأيام من أهل الغفلة والنيام؟!

стр. 1380

التعرض لرحمة الله تعالى ومغفرته في أواخر رمضان وإذا تأملنا وجدنا أن حالنا تحتاج إلى نوع من العزم والحزم والجد والشدة التي لا تسمح بقليل من التفريط فضلاً عن كثيره، ولا تسمح بشيء من الانشغال فضلاً عن سعته، وذلك ما ينبغي أن نتذكره ونحن ندرك تقصيرنا، ونعرف تفريطنا، ونستحضر عظمة وكثرة ذنوبنا، ونعلم كم هي غفلتنا ولهونا. إذا ما أوجعتك الذنوب فداوها برفع يد بالليل والليل مظلم ولا تقنطن من رحمة الله إنما قنوطك منها من ذنوبك أعظم فرحمته للمحسنين كرامة ورحمته للمذنبين تكرم من هذا المحروم الذي لا يتعرض للرحمة؟ من هذا الشقي الذي يعرض عن موسم المغفرة؟ من هذا الذي يغفل وينشغل بالأسواق في موسم يمكن أن نقول: إنه أعظم المواسم؟ عندما نتأمل أبواب السماء مفتحة، وأبواب الجنة متزينة، والموسم قائم، والرب قد وعد عباده بليلة القدر، فكيف لا تجري للمؤمن على فراق هذا الشهر الدموع؟ كيف لا ننتبه لذلك ونحن قد لا يكون لنا إليه رجوع؟ لابد أن ننتبه وندرك أن هذا الموسم وهذه الأيام جديرة أن نتأمل ما ذكر فيها من فضل الله، ومن ضرورة التعبد والتفرغ لطاعة الله.

стр. 1381

استدراك ما فات واغتنام رمضان قبل الفوات إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، ومن كان قد أحسن فعليه بالتمام، ومن كان قد فرط، فليتدارك في حسن الختام، وإنما العبرة بالختام. سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى وزمان سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمان لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفاني حري بنا أن نبكي على أنفسنا دماً لا دموعاً إذا فرطنا في هذه الأيام، قد نقول بعد أسبوع أو بعد مضي الشهر: ليتنا فعلنا، ليتنا لم نفعل! قلها الآن وأنت ما زلت في هذه الأيام، وما زال بينك وبين الشهر سبعة أيام، قل ذلك قبل أن تقوله بعد فوات الأوان، وقبل أن تقوله بعد ألا يكون رمضان، أو بعد ألا تكون عشر ولا ليلة قدر، ولا عتق من النيران اختص به هذا الشهر لمزيد فضل وزيادة أجر وعظيم مضاعفة للثواب. فهذه نعمة الله، وإننا أحياناً نصنع صنيع الحمقى والمغفلين، فنترك ما بأيدينا ونتحسر عليه من بعد، ونفرط فيما ساقه الله من رحمته وفضله إلينا، ثم نعض أصابع الندم عليه، وليس ذلك مرة واحدة بل مرات، وليس موسماً واحداً بل مواسم، وليس عاماً واحداً بل أعوام، ونجدد القول مرة أخرى ونقول: سنجتهد في عام قادم. ويأتي رمضان القادم، فلا أقول إنه يكون شراً من الذي قبله، لكن التغير والتغيير يكاد يكون غير ملموس، فهل عميت القلوب؟ هل ماتت النفوس؟ هل ضلت العقول؟ هل لم يعد لنا في حالنا وتذكرنا واتعاظنا ومواسم الخير التي يسوقها إلينا ربنا فرصة لنغير؟! ومتى يتذكر الغافل إن لم يتذكر في هذه الأيام؟ ومتى يقوم النائم إن لم يقم في هذه الليالي؟ ومتى يدع المذنب الذنب إن لم يدعه في هذا الموسم؟ ومتى يبكي الواحد منا على حاله وذنبه إن لم يبك في هذه الأيام والليالي؟ جدير بنا أن نتنبه حتى لا نندم بعد فوات الفرصة العظيمة من بين أيدينا: أتترك من تحب وأنت جار وتطلبهم وقد بعد المزار وتبكي بعد نعيهم اشتياقاً وتسأل في المنازل أين ساروا تركت سؤالهم وهم حضور وترجو أن تخبرك الديار فنفسك لُم ولا تلم المطايا ومت كمداً فليس لك اعتذار سنعض أصابع الندم عضاً شديداً إن نحن فرطنا في هذه الأيام التي نحن فيها، والليالي التي نحن نتفيأ ظلالها، ونستنير بأنوارها، ونترقب فيها ليلة القدر العظيمة. كان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، وكان ذلك -كما قال العلماء- قطعاً لانشغاله، وتفريغاً لباله، وتخلياً لمناجاة ربه، وذكره ودعائه، وكان ﷺ يحتجز حصيراً يتخلى فيه عن الناس فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم. ومعنى الاعتكاف كما قال أهل الإيمان: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق.

стр. 1382

دعوة إلى عقد العزم على الاجتهاد والتعرض للرحمات يا ليلة القدر وهذه أيامها يا موسم المغفرة وهذه لياليه إننا نعقد العزم في هذه اللحظات ألا نضيع الأوقات، وألا ننشغل بالشهوات والملذات، وألا ننصرف إلى الأسواق والمشغلات، وألا نعمي قلوبنا بمشاهدة المسلسلات في الفضائيات. اعزموا الآن على أن نجعل عشرنا خيراً مما مضى من شهرنا، وأن نجعل ما بقي من أيامنا ليس فيها حظ إلا لطاعة ربنا بقدر طاقتنا وجهدنا. ولذلك ينبغي لنا أن نجتهد حتى نتعرض لرحمة الله، ونوافي فضل الله، ونشعر بأننا قد بذلنا من جهدنا وطاقتنا ما نتعرض به لرحمة الله . يا ليلة القدر للعابدين اشهدي يا أقدام القانتين اركعي واسجدي يا ألسنة السائلين جدي واجتهدي يا رجال جدوا رب داع لا يرد لا يقوم الليل إلا من له عز وجد ليلة القدر ليلة الأنس بالطاعة والقرب، والمؤمنون يقبلون عليها، والغافلون يفرون منها بالغفلة واللهو والبعد؛ فاختر لنفسك يا أخي ما تحبه في أخراك، واختر لنفسك ما تظن أنه لا يكون وقد بقي من عمرك وأجلك لحظات، فاعلم أنها هذه هي اللحظات، فإن كنت ستفعل شيئاً، أو تستغفر من ذنب، أو تجد في عمل؛ فدونك هذه الأيام وهذه الليالي، واعلم بأنها موسم كل خير. إن أردت سؤالاً أو حاجة أو تفريج كربة أو شيئاً من كل حاجات أخراك ودنياك، فاعلم أن هذه هي الأيام والليالي التي يخلص فيها الدعاء الذي أمرنا الله به: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. ادعوا ربكم تضرعاً وخفية دعاء ينبغي ألا ينقطع في هذه الأيام والليالي، وألا يتوقف في قنوت وسجود وخلوة واعتكاف حتى لا نكون من المفرطين في هذا الموسم العظيم، ولعلنا نتذكر أيضاً ونعتبر بأن هذا الموسم هو موسم المسارعة إلى الخيرات، وموسم عظيم في كل ما نحتاج إليه من الخير والذكر والاعتبار والادكار. نسأل الله أن يعيننا على الاجتهاد في هذه العشر ما لم نجتهد في سائر الشهر، ونسأل الله أن ينيلنا برحمته ليلة القدر، وأن يكفر فيها عنا الوزر، ويضاعف الأجر، ويمنّ علينا بالعتق في ختام الشهر. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1383

خسائر الغافلين عن رمضان ولياليه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد:

стр. 1384

من لم يزك نفسه في عشر رمضان فاته التوفيق أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإنه لحري بنا أن نتأمل في حالنا، وأن ننتهز هذه الفرصة العظيمة، وهذه الأيام والليالي الفاضلة، إنها أيام القلوب والأرواح لا أيام الجسوم والأشباح، اعتكاف ننقطع به عن دنيانا، وصيام وقيام ننقطع به عن طعام وشراب إلا في أقل قليل مما يقيم الأود ويعين على الطاعة. إنها أيام من لم يجد فيها الفرصة ليزكي نفسه، ويطهر قلبه، ويمحو ذنبه، ويجدد عهده، ويؤكد توبته؛ أن يكون قد ضيع تضييعاً عظيماً وفرط تفريطاً كبيراً يخشى ألا يكون له بعده استدراك، لأنه مضى في غفلته، واستسلم لشهوته، وقعد مع كسله وعجزه وركونه إلى دنياه. إن ما نحتاج إلى التدبر فيه هو: أن نجعل هذه الأيام خالصة لله ، وفرصة لعلاج أدواء القلوب وأمراض النفوس، تلك القلوب التي قد اسودت من كثرة المعاصي والآثام، وأظلمت بكثرة ما قارفت من السيئات والمحرمات، تلك الأحوال التي تكاد أن تغرقنا في دنيانا فلا نرى مساحة تذكرنا بأخرانا، تلك الأيام والأعوام المتعاقبة التي ليلنا فيها نوم دائم أو سهر عابث، أفلا نجعل لنا حظاً من ليل ذاكر خاشع متبتل يكون لنا فيه حظاً من تعرضنا لرحمة الله ؟

стр. 1385

التحذير من الانشغال عن العبادة بالأسواق إن الأسواق التي تفتح أبوابها، والناس الذين يرتادونها، والشراء الذي يشغل الناس، واللهو الذي يعصف بكثير من إخواننا المسلمين جدير بنا أن نتعاون على منعه ودرئه وتغييره، ولو كان عند الناس معرفة حقيقية لرأوا أن أعظم شيء يحتاج إلى الإغلاق والقطيعة التامة في هذه الأيام هي الأسواق، انظروا ما كان يفعل أسلافنا، أتعرفون عن أي شيء كانوا ينقطعون عنه في هذه الأيام؟ إنهم ينقطعون عن دروس العلم، وعن السؤال والفتوى، وأعمال من البر كثيرة، لماذا؟ لأنهم يرون أن هذه الأيام والليالي ينبغي أن تكون خالصة، ليس فيها انشغال حتى بطلب العلم وتعليمه على ما فيه من الفضل، فإذا أغلقت الدروس وأغلقت الكتب لأجل القيام والذكر والتلاوة والدعاء، فما بال الأسواق مشرعة؟ وما بال الملهيات والمشغلات تتضاعف وتزداد؟ ونسعى إلى مزيد من الشراء والصفق في الأسواق، ونشتري ما نسميه حلوى العيد، ولباس العيد وغير ذلك. نجمل ظواهرنا ولا نعنى ببواطننا، نجمل هذه الأجساد ولا نزين القلوب ولا الأرواح، كم هي هذه المآسي محزنة ومؤلمة؟ وكم هي وللأسف عظيمة وكثيرة، ومتكررة ودائمة؟ وكم تسمعون ذلك وربما تقولونه، فأي حال هذا الحال الذي لا يتغير فيه الخطأ الذي يجمع الناس على خطئه، والأمر الذي يوقن الجميع بأن غيره على أقل تقدير أولى منه؟ قد تقولون: لا نملك من الأمر شيئاً، فأسأل نفسي وإياكم: هل تملكون أمر نفوسكم؟ وهل تملكون أمر بيوتكم؟ وهل تملكون أمر نسائكم وأبنائكم وبناتكم؟ أم أنكم تفرطون فيما تملكون وتلقون باللوم على غيركم فيما لا تملكون، وأنفسكم تغرون، وبمثل هذه الترهات تنشغلون ولا تستيقظون. كلنا ذاك الرجل الذي يحتاج إلى وقفة لابد أن تكون قوية وحازمة وشديدة ومؤكدة، وفي كل عام نقول ذلك، وسنظل نقول ذلك، وينبغي أن نقول ذلك، وينبغي أن نتواصى بذلك، حتى نغير في واقع أنفسنا، ونغير في داخل بيوتنا، ومن بعد نغير في دائرتنا ومجتمعنا، حتى تعود أمتنا إلى سالف عهدها. في مثل هذه الأيام ليس هناك شعار ولا عمل ولا شيء يذكر إلا الطاعة والعبادة والاعتكاف، والختم والدعاء والتضرع. نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يصرف عنا الغفلة واللهو، وأن يجعلنا من عباده الذاكرين، وأن يكتبنا في الصائمين القائمين، وأن يمن علينا بأن نكون من أهل ليلة القدر المغفورة ذنوبهم والمرحومين. اللهم إنا نسألك أن توفقنا للطاعات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر لنا ما مضى وما هو آت، اللهم أحي قلوبنا بمعرفتك، وزك نفوسنا بعبادتك، اللهم أصح أبداننا بطاعتك، اللهم إنا نسألك أن تطهر قلوبنا، وتزكي نفوسنا، وتخلص نياتنا، وتحسن أقوالنا، وتصلح أعمالنا، وتضاعف أجورنا، وترفع درجاتنا، وتمحو سيئاتنا، وتريننا برحمتك ورضوانك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك في هذه العشر المباركة والأيام والليالي الباقية أن توفقنا لمزيد الصيام والقيام والذكر والتلاوة والدعاء والتضرع والابتهال، اللهم اجعلها أيام دعاء ومناجاة، واجعلها اللهم أيام قبول ومغفرة، واجعلها اللهم أيام تصحيح وتغيير لأنفسنا إلى ما تحب وترضى يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وميتة السوء يا رب العالمين، اللهم أعذنا من الغفلة وجنبنا المحرمات يا رب الأرض والسماوات. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء، اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم تولَّ أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. اللهم اختم لنا شهر رمضان برضوانك، وبالعتق من نيرانك، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، اللهم اجعل هذه العشر عليهم عشر تفريج هم وتنفيس كرب، اللهم يا رب العالمين، اجعلها غياثاً لقلوبهم ونفوسهم وأرواحهم، وتثبيتاً لأقدامهم يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم اجعل ما بقي من هذا الشهر أيام عز ونصر وتمكين لهم يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وأولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1386

القنوات الجنائية الغناء يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية الزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكراً منه وغروراً، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجوراً، فهو ينبت النفاق في القلب، ويسلب الحياء أشد السلب، وهذا حال الغناء من حيث هو، فكيف إذا انضم إلى ذلك الاختلاط المقيت، والتعري المميت، ويبث ذلك على المسلمين ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وتوضع له عشرات القنوات؟! إن هذا لهو البلاء المبين.

стр. 1387

القنوات الغنائية وأضرارها الحمد لله الكبير المتعال، ذي العزة والجلال، الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن كل نقص وإخلال، منه المبتدأ وإليه المرجع والمآل، أحمده جعل الإيمان والإسلام طهارة للقلوب، وزكاة للنفوس، وعفة للجوارح، واستقامة للمسالك، له الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السموات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن موضوع حديثنا هو: (القنوات الجنائية) وليس في ذلك خطأ، فإنها معروفة عند الناس بأنها القنوات الغنائية المختصة بالغناء والأنغام، ولكنها في حقيقة الأمر ومآله جنائية لا غنائية، ففيها جناية على الدين وعلى الخلق، وجناية على الصحة والمال، وجناية على الفرد والأسرة والمجتمع، جناية بالكلمات الماجنة، وجناية بالرقصات المثيرة، وجناية بالرسائل الفاتنة، فجناياتها متنوعة بعضها فوق بعض.

стр. 1388

إقامة الحجة والبرهان على خطر القنوات من الواقع ومن أقلام المختصين في ذلك قبل أن نسترسل في الحديث أنبه أن حديثي سيكون بغير اللغة المعتادة من ذكر للأدلة من الكتاب والسنة؛ لأننا في هذا العصر نجد أن قول الخطباء، وأحاديث الدعاة، بل وربما فتاوى العلماء عند كثير من المتصدرين في وسائل الإعلام ليست مقبولة، بل هي ضرب من التشنج والتوتر، ولون من التشدد والتطرف، وصورة من صور الكبت والانغلاق، وقول يشتمل على الأوهام والاختلاق، ولذلك أعتذر عن مواصلة حديثي؛ لأنه قد يجرم عند أولئك القوم الذين تدثروا اليوم بدثار، وتكلموا بلسان لم نعد نفرق بينه وبين ما يقوله أعداؤنا الذين نعرف عداوتهم صريحة جلية واضحة. ولذلك أرجو أن أُعذَر، فإني سأنتقل إلى موجة إعلامية، وإلى لغة تخصصية، وإلى أرقام إحصائية، وإلى حوادث واقعية، وهذه المذكورات لن تنطق لنا بالآيات القرآنية، ولن تروي لنا الأحاديث النبوية، ولن تنقل لنا الأقوال والنصوص العلمية، مع أن مثل هذا يكون للمكابرين والمغالطين، بل ولمروجي الفسق والمفسدين قولاً تقوم به الحجة عندهم إذا لم تقم -عياذاً بالله- بآيات القرآن وأحاديث المصطفى العدنان ﷺ ، ولعلها تكون ذات مصداقية في ثبوتها وقوتها أبلغ وأكثر مما لا يعترفون به من مصداقيات ما ذكرته الآيات في دلالات الواقع والمستقبل، وما بينته أحاديث المصطفى ﷺ من أحوال وأخبار آخر الزمان. سأترك حديثي ليتكلم الإعلاميون المتخصصون الأكاديميون، الذين هم أصحاب قول فصيح في مثل هذه المسألة، وليتحدث المتخصصون في مجالات العلوم الاجتماعية والنفسية، فإنهم بهذا أخبر منا معاشر المشايخ، أو الدعاة، أو طلبة العلم، وإن قولهم في مثل هذا لا يُرجس عليه بمثل ما يرجس على أقوال أمثالنا. لقد عقد مؤتمر في عاصمة عربية كبرى، وفي جامعة إن لم تكن أعرق الجامعات العربية فهي من أعرقها، وفي كلية إعلامها على وجه الخصوص، تحت عنوان: (الإعلام المعاصر والهوية الوطنية)، وأصحاب هذا المؤتمر لا يتحدثون عن إسلام وإيمان حتى نتهمهم بالتطرف والإرهاب وغير ذلك كما هي التهمة الجاهزة على طرف الألسنة وأسنة الأقلام اليوم، إنهم قوم لم يذكروا لنا شيئاً مما نسمعه في الخطب والمواعظ، فسأنتقل إليهم لأستعرض شيئاً يسيراً من خلاصات هذه البحوث، وهي دراسة تطبيقية ميدانية قدمت في أحد هذه البحوث، وقد أجريت على مائة أغنية شبابية. تقول هذه الإحصائية: إن مجموع اللقطات في هذه الأغنيات -وهي الأغنيات التي يحتشد فيها الراقصون والراقصات، والفتيات المغريات كما هو معلوم مما يشاهد، أو يقرأ عن هذه الأغاني- سبعة آلاف وخمسمائة وثلاثة وسبعون لقطة تصويرية، هكذا عددها عند علماء الإعلام والمحللين فيما هو مرصود إعلامياً، حتى لا يقال: إن الخطيب الذي يخطب يتكلم بما لا يعرف؛ لأنه لا يشاهد هذا فأنى له أن يصفه؟! وتقول هذه الدراسة -أيضاً-: إن هناك من بين هذه اللقطات ستة وخمسين وألفي مشهد راقص، وألفاً وأربعمائة وتسع لقطات لمناطق مثيرة، واجعل تحت هذه الأرقام خطوطاً، وافهم منها ما شئت، ثم إن أربعمائة وألفي لقطة قريبة من مناطق مثيرة، وستاً وأربعين ومائة لقطة تلامس، وستاً وعشرين ومائة لقطة عناق، ولست أدري أين مكان الغناء في الإعراب من هذه الحشود المتكاثرة والآلاف المتتابعة من اللقطات؟! وهناك دراسة أخرى لباحث إعلامي متخصص يقول: إنه قام بتحليل أربع وستين وثلاثمائة أغنية، أي أنه سمعها وشاهدها، وليس هو مثلنا في عدم سماع هذه الأمور ومشاهدتها، فبماذا خرج؟ قال: بلغت نسبة اللقطات المثيرة سبعاً وسبعين في المائة، ثم فصلها؛ لأنه باحث علمي، وليس داعية درويشاً كما يقول بعضهم، يقول في هذا التحليل: إن الرقص والحركات كانت نسبتها واحداً وخمسين في المائة، وإن الملابس -أي: جانب الإثارة فيها- كانت نسبتها اثنين وعشرين في المائة، والألفاظ عشرة في المائة، وفكرة الأغنية خمسة في المائة فقط، ليس هذا قولاً نرجم به نحن أو غيرنا ممن قد يتهمون في مقالاتهم. وهناك عينة أخرى درسها الباحث ليرى عن أي بيئة تعبر، وأي سلوك تنقله إلينا، فأفادنا أن هذه الأغنيات تعكس البيئة الغربية بنسبة سبعين في المائة، والبيئة العربية بنسبة ثلاثين في المائة، والمراد بالعربية هنا غير الإسلامية، فهي عند بعض أولئك الباحثين لا تدخل في الاختلاط، ولا تدخل فيما هو معلوم أنه محرم ونصت عليه النصوص الشرعية.

стр. 1389

ضياع الغيرة والرجولة والجدية بسبب القنوات أنتقل إلى موطن جناية أخرى، وهو الرسائل التي تمر عبر الأشرطة في هذه القنوات الغنائية، لقد كنا إذا جاءت بعض المعاكسات على هواتف المنازل فإن الشخص يتقدم إلى الجهة المختصة شاكياً، ويوضع هاتفه تحت المراقبة حتى يكتشف ذلك الذي يؤذيه، وكانت المسألة كبيرة وخطيرة، وأما اليوم فهذا كله على تلك الشاشات، مخاطبات، ومغازلات، ومعاكسات، وكلمات بذيئة، وأساليب نابية، تقول دراسة عن هذه الرسائل: إن ستا وسبعين في المائة منها رسائل متبادلة بين الجنسين، أي: بين الشباب والشابات، وعشرين في المائة هي الرسائل في التهنئات الأسرية، أنّ نسبتها قليلة في هذا الجانب. وتنتقل دراسة أخرى إلى بحث القِيَم في هذه الأغاني من حيث كلماتها ومشاهدها هل تعلمنا الصدق والنزاهة؟! وهل تعلمنا العفة والحياء؟! وهل تشيع فينا روح الجدية والرجولة؟! وهل تُذكي فينا مشاعر الحماسة والفتوة؟! نسكت نحن ليتكلم الباحثون المختصون، فتقول هذه الدراسة: إن نسبة القِيَم السلبية ثمانية وخمسون في المائة، والإيجابية اثنان وعشرون في المائة، ولن ننازع فيها ولن نبحث في تفاصيلها. وأما نسبة الثمانية والخمسين في المائة فتقسميها مخيف مرعب فثلاثة وثلاثون في المائة منها لقيم الخيانة، وخمسة وعشرون في المائة منها لتعليم قيم الغدر، واثنان وعشرون في المائة منها للتجاهل وعدم التقدير، وخمسة في المائة منها للكراهية. ومن باب الإنصاف فإن القيم الإيجابية كان تقسيمها كالتالي: واحد وثلاثون في المائة للحب، وعشرون في المائة للوفاء، وثلاثة عشر في المائة لإخلاص المحب، وثلاثة عشر في المائة للانتماء.

стр. 1390

والحق ما شهدت به الأعداء قبل أن أغادر مقام أولئك القوم أقف وقفة لباحثة من بنات حواء اللائي يعرضن في هذه الأغنيات كما كانت تعرض الجواري في عصر الرقيق والنخاسة، ويقول مدعو تحرير المرأة اليوم: إنّها باحثة مختصة في مجال علم النفس التربوي، تقول: إن الفن الحقيقي هو الذي يخاطب العاطفة، ويرقى بالمشاعر، فيؤثر هذا الرقي على السلوك والتعاملات بين البشر، وينعكس على المجتمع، فتعمه حالة من الأمن والسكينة، والبعد عن الجرائم، هذه رسالة الفن، أما الذي يحدث الآن فما هو إلا إفلاس فني، فلم يعد هناك من يقدر على كتابة كلمة تحمل قيماً نبيلة، أو رسالة فنية، ثم أشارت إلى أن الفنانين يعدون قدوة للشباب، ولكن للأسف فقد أصبحوا ضيوفاً على صفحات الحوادث بتهم مختلفة من دعارة، أو آداب، أو تهرب ضريبي، أو غير ذلك. ومرة أخرى أقول: لسنا نحن الذين نقول مثل هذا، وإنما هي إحصائيات المختصين في تلك الجوانب، فهل نعدّ بعد هذا متجنين إذا سمينا هذه القنوات الغنائية بأنها جنائية؟! إن المسألة -معاشر الإخوة المؤمنين- في غاية الأهمية، خصوصاً إذا أدركنا أن مثل هذه القنوات ليست واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثاً، بل قد أصبحت تعد بالعشرات، ثم تجد هذه القنوات تصدح بالغناء منذ انبثاق الفجر وإلى غسق الليل، وتمتلئ بالرقص، وتسمع منها الآهات، وترى فيها المعانقات، إلى غير ذلك من الأمور الفظيعة الخليعة المعلومة، والله يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، بينما إذا قدّر لأحدنا أن يفتح قناة عند قرآن الفجر فلن يسمع إلا ما نعلم، ولن يرى إلا ما نعلم، وكذلك في كل لحظة وفي كل ثانية، وكل هذه القيم السلبية وكل هذه البيئة الغربية وكل هذه الإثارة الجنسية وكل هذه الرسائل الغرامية تبث على مدى أربع وعشرين ساعة، وفي قنوات متكاثرة، فلو قدِّر أنْ جاءنا غزو أو حرب -لا قدرٌ الله- في أي بلد من بلاد الإسلام لوجدنا أن الأمر جد خطير وأن الشر محدق بنا، فما بال كل هذه السهام والدبابات والصواريخ التي تقصف معاقل الإيمان، وتدك حصون الأخلاق، وتهدم بنيان المجتمع، وتفتك بكل المعاني النبيلة والقيم الفاضلة ونحن لا نستشعر خطراً، ولا نلمس ضرراً، ولا نتوجس من أثر؟! إن هذا الذي ذكرناه ما هو إلا غيض من فيض، وهذه دراسات على عينات، وهذه أرقام وتحليلات لإحصائيات، وهي من حيث كمها، ومن حيث عددها، ومن حيث تناميها، ومن حيث مكاسبها تستدعي وقفات، وهذه الوقفات ينبغي أن تكون من قبل جهات مختلفة كثيرة، فوزارات التربية والتعليم ينبغي أن يكون لها موقف، ووزارات الإعلام ينبغي أن يكون لها موقف، والغرف التجارية والروابط التجارية ينبغي أن يكون لها موقف، وكل أب وأم ينبغي أن يكون لهما موقف، فكيف بالمنبر الذي هو منبر الجمعة ومنبر القرآن والسنة ومنبر الإيمان والخلق ومنبر الفضيلة والقيم يسكت ولا يتكلم؟! وكيف يقال له إذا تكلم: إنه يدخل في غير اختصاصه أو يتكلم في غير فنه؟! ولذا فإني استعرت في حديثي إليك حديث الآخرين.

стр. 1391

جنايات القنوات

стр. 1392

جناية القنوات على الدين أعود ثانية لأقف وقفة قصيرة مختصرة موجزة لأسرد بعض هذه الجنايات، وأسوقها في لقطات وومضات، جناية القنوات الغنائية على الدين، وكيف تجني هذه القنوات على الدين؟ إن هذه القنوات من أسباب ضعف الإيمان واليقين، وهي كذلك من أسباب اختلاط المفاهيم، والتباس الحلال بالحرام، فعندما تأتي بعض المسائل التي قد يكون فيها لبعض أهل العلم مقال فإنهم يتتبعون فيها الرخص، ولا يبحثون عن الحكم الشرعي، وهذا هو الحاصل في مسألتنا هذه، فيقال: إن هناك من المتقدمين أو المتأخرين من أباح الغناء، فإذن هذا مباح. ولعمر الله لا أعلم أحداً من المتقدمين ولا المتأخرين مطلقاً يقول بأن هذا الذي وصفناه حلال إلا إذا قلنا: إن الكفر بالله هو الإيمان، وإلا إذا أصبحت التوراة المحرفة هي القرآن، وإلا إذا أصبحنا نمشي على السماء والأرض تظللنا من فوقنا، وإلا فأعيدوا إلينا عقولنا فقد أصبحنا بغير عقول، لكن هذا الإرجاف والتلبيس يؤثر في الناس، وفي الشباب خاصة؛ لأنهم ليس لديهم من العلم بالأحكام والنصوص ما ينجيهم من هذه الشبهات. ومن جهة أخرى فهم أصحاب المشاعر الملتهبة، والغرائز المتقدة، وفي زمن أصبحت الغريزة تخاطب كل شيء، فقد كان الغناء يسمع فصار اليوم يرى ويسمع، ويلمس من خلال هذه القنوات وما فيها من المباشرة وغير ذلك؛ لأن بعض القنوات اليوم طورت الرسائل، فيمكن أن يرسل الشاب أو الشابة صورته مشفوعة برسالته إلى من يبعثها إليه، فأي شيء بعد ذلك؟! ونحن نعلم ونقرأ أن بعض الأغنيات العربية لا الغربية تعرض صور المغنيات وهن على أسرة النوم، بل قرأت نصاً صريحاً واضحاً تفصيلياً أن أغنية صورت فيها المغنية وهي في الحمام، أكرمني الله وإياك! فهل هذه القنوات لا تجني على الدين والإيمان؟! ولا تسبب تعلق القلب بغير الله ؟! ولا تضعف أثر سماع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟! إن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، فما بال هذه القلوب لا تخشع ولا تخشى مما تندك له الجبال من كلمات الرحمن ؟! إنها قد فتنت وعميت وأصيبت في مقتل من مثل هذه الجنايات الغنائية الفضائية. وأما جنايتها على الأخلاق فإنا نجني منها ميوعة الشباب، ونجني منها انشغالهم بالشهوات وانصرافهم عن الأمور العظيمة والمهمات الجسيمة، ونجني منها قلة حياء الفتيات، واندفاعهن مع الإغراءات والشهوات. ألسنا اليوم نرى شباباً نكاد أحياناً لا نميزه هل هو من جنس الذكور أو الإناث؟! ألسنا نرى اليوم في واقع مجتمعاتنا الإسلامية والعربية ظهوراً لما عرف عند غيرنا بالجنس الشاذ أو الجنس الثالث؟! من أين جاءنا ذلك؟! هل نبت من الأرض أو سقط من السماء؟! إنها أسباب تتعاظم وتتكاثر، وأبوابها العظمى ونوافذها الكبرى هذه القنوات، وإذا أصبنا في الأخلاق فالأمر كما قال الشاعر: فأقم عليهم مأتماً وعويلاً. إنك لتعجب عندما يأتون إلينا بمثل هذه المرأة التي تتبرج، وتكشف المناطق المثيرة، وتتلوى في رقصاتها، ثم تأتينا في مقابلة لتحدث شبابنا وشاباتنا عن جهودها في خدمة الفن، وعن دورها في مسيرة الأمة، وعن إسهاماتها في تطور المجتمع وغير ذلك! وصدق النبي ﷺ حيث قال: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فنقدم الفسق والفجور على أنه نموذج يحتذى، وأسوة تقتدى، ونقدم الخنا والانحراف على أنه سمة من سمات الأداء والعطاء والنماء وغير ذلك، فالأمر كما قال المصطفى ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، إنها مسألة عجيبة!

стр. 1393

جناية القنوات على العلم هل لهذه القنوات جنايات على العلم؟ الجواب نعم. وأولها الانصراف عن العلم بالنسبة للشباب والشابات؛ لأن المجد والشهرة والغنى والثروة طريقه طويل إذا أردنا أن نشقه عبر العلم، وقد يثمر وقد لا يثمر، أما من أرادها بطريقة مختصرة فما عليه إلا شيء من صوت وقلة حياء وإذا به على الشاشات، وعلى الصفحات، وفي العقود والتعاقدات، وكثير من الأسفار والرحلات وغيرها، حتى رأينا اليوم فنانين وهم دون العشرين من العمر، بل وجدنا أكثر من ذلك، وجدنا المسابقات والبرامج التي تقدم المواهب من سن السادسة والسابعة من العمر حتى ينشئوا نشأة غنائية جنائية مبكرة. ولعل بعض الإخوة المسلمين يتساءل: لماذا تقول لنا هذا ونحن مصلون في المسجد؟! فأقول: لا يسلم أحد منا من مثل هذا، حتى الذي ليس في بيته قنوات، فإن الشر يعم ولا يخص، وإن البلاء إن سلمت منه فلا تدري هل سلم منه ابنك أو ابنتك، أم أنهم يشاهدون ما لا تعلم إما في أماكن أخرى، وإما عبر ما يتعاطوه الشباب والشابات من هذه المواد المسموعة والمرئية بكل الأحوال العجيبة والعظيمة، ومع ذلك فأنا أعلم أن من معاشر المصلين الخيرين من قد أصيبوا في مقاتل من هذه القنوات، فهم يدمنون مشاهدتها، ويتعلقون بها بعد أن سلبت قلوبهم وتعلقت بها شهواتهم، وهم مع ذلك يعودون إلى صلاتهم، ويشهدون بعض مجامع الخير، ولكن الأثر غير الأثر، واللغة غير اللغة، ويوشك من بعد أن ترى بعضهم وقد صار إلى ذلك القبيل، وانتهى إلى ذلك الفصيل، ولم يعد بعد أن كان من أهل المساجد من أهلها، ولم يعد بعد أن كان يتغنى بالقرآن يتغنى به، وذلك أمر معلوم، فالأوائل تؤدي إلى الأواخر، والمقدمات تقود إلى النتائج، نسأل الله السلامة. ومن جنايتها على العلم -أيضاً- سهر الطلاب على هذه القنوات، فيأتون إلى الدروس والمحاضرات وليس في عقولهم شيء من العلم ولا من الفهم، ولا في أبدانهم من القوة وحضور الأذهان ما يؤهلهم لأن يتلقوا العلم، لذا فإنا نرى انحدار المستويات العلمية.

стр. 1394

جناية القنوات على الأسرة الجناية على الأسرة أمره خطير جداً، ولن أتكلم عن الأبناء، ولا عن الأطفال، بل أتكلم عن الرجال والنساء، والأزواج والزوجات، والآباء والأمهات، بل ولا أبالغ إن قلت: وعن الأجداد والجدات. إن هذه الصور الفاتنة خلبت أنظار بعض الرجال فزهدوا في أزواجهم، ورأوا أنهن نساء ليس لهن حظ من جمال ولا نظر في ذوق، فتعلقوا بالحرام وتركوا الحلال. ونساء فتن بما يرين من صور أولئك الرجال، فزهدن في الأزواج، ووجدت المشكلة، وقد ثبت في بعض الدراسات أن هناك حالات من الطلاق نشأت من خلال هذه القنوات، وإذا كنا نعلم مشكلات أسرنا فكيف نزيد الطين بلةً؟!

стр. 1395

جناية القنوات على المجتمع أنتقل إلى جناياتها على المجتمع، فتلك جناية على الأفراد والأسر، وهذه جناية على المجتمع، هناك آثار كثيرة من جناية هذه القنوات على المجتمع نلمسها ونراها، ونحذر منها ونخشاها، فنرى التبرج والسفور والترخص في الاختلاط يتسع بعد كل هذه الموجات، ويصبح شبه مقبول أو معروف، بل المنكر له مستغرب فعله، والناظر إليه بتعجب ينظر إليه على أنه لا يعيش العصر، ولا يفقه الواقع، ثم رأينا صوراً أخرى أشد، وهي الجرأة في المعاكسات والمغازلات، والوقاحة فيها، بل والوصول إلى الاعتداء الفعلي، وقد مرت بنا -حتى في مجتمعنا- حوادث نشرتها الصحف، وتكلم عنها الناس، وهي ثمراتُ مثل هذه الإثارات.

стр. 1396

جناية القنوات على المال وأخيراً أقف أمام جناياتها على المال، وقد يعجب المرء من ذلك، لكنني أقول: إنّ ما يصرف على هذه القنوات، وما يبذله الذين يرسلون الرسائل يقدّر بأموال كثيرة، ولا عبرة بقول بعضهم: إنني لا أدفع إلا القليل خمسة أو عشرة ريالات لا تضرني شيئاً. فإنهم لا يعلمون أنها تتحول إلى الملايين وعشرات الملايين، بل قد قرأت في بعض الدراسات أن العائد على بعض القنوات من هذه الرسائل قد تجاوز مئات الملايين. فأقول: إننا نحتاج إلى معالجة لأوضاعنا الاجتماعية، فكم يوجد من الأسر الفقيرة، وكم في البيوت من مرضى وعجزة، وينبغي أن تعلم أن ما يهدر في التدخين هو أضعاف أضعاف ما يصرف على التعليم العالي والبحث العلمي في البلاد العربية والإسلامية، فأي إهدار هذا؟! وأي جناية أعظم من هذه في حق أمم تحتاج إلى تقدم علمي وإلى علاج اجتماعي، وإلى غير ذلك؟! نسأل الله أن يصرف عنا الشرور والفتن، وأن يبعد عنا الشبهات والمحرمات، وأن يحفظ قلوبنا ونفوسنا من آثارها وأضرارها؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1397

محاربة هذه القنوات ومقاطعتها إنما كان حديثي عن هذه الأشياء لأننا أولياء أمور، وعندنا أبناء وبنات وبيوت، ولنا أقارب وجيران، فنخشى على أنفسنا وأبنائنا وبيوتنا من ذلك، فلم لا نجعلها حملة قوية حضارية راقية سامية في محاربتها؟! ولنقل: أيها المؤمنون! قاطعوها، وإلى بيوتكم لا تدخلوها، وحذروا من أخطارها وأوضارها، واملئوا أوقات الشباب والشابات بغير ذلك من الأمور النافعة والمفيدة، وحذروا من حرمتها التي ليس فيها أدنى شك على قول كل مذهب وعلى رأي كل عالم.

стр. 1398

الاقتناع بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ في إثبات الأحكام إن ما استعرته من أقوال هؤلاء القوم ليس هو المنهج الصحيح، فلسنا في حاجة إلى كل هذا لنقتنع، نحن قوم مصدر إيماننا، وقوة يقيننا تجعلنا ندرك الحقائق من الآيات، ونعرف النتائج من الأحاديث، نحن قوم نعلم أن الله خالقنا قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقد بينت لنا آياته أحكام النظر، وأحكام السمع، وأحكام غير ذلك، ويقول رسول الله ﷺ -كما روى البخاري من حديث أبي هريرة:- (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) وعند الترمذي: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وفي حديث أبي هريرة المشهور: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فالعينان تزنيان وزناهما النظر) إلى آخر الحديث، فعندما يقول: (العينان تزنيان) فنحن نؤمن بهذا، ولا ننتظر هذه الإحصاءات ولا هذه الأرقام، فأنبه على هذا؛ لئلا نقول في كل مسألة: هل أثبتت العلوم أو أثبتت الوقائع ضررها؟ فيكفينا أن ذلك ثبت في النص الشرعي، وإلا فإذا استسلمنا لهذا فكأننا لا نسلم بما ورد في القرآن والسنة، وكأننا لا نعظم ولا نقدر ما قاله المفسرون والمحدثون والفقهاء والعلماء في مثل هذه الأمور كلها في سالف الأزمان وحاضرها. أقول هذا لأنه ينبغي لنا أن ندرك أن توجيه عقولنا وأن طمأنينة نفوسنا إنما هي في قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ والربط بالواقع لا بأس به، والاستنباط منهما لتنزيل ذلك على الواقع هو المطلوب والمنشود، ولكننا قلنا هذا القول؛ ليكون حجة على الذين فقدوا هذه البوصلة الموجهة، وهذا النهج الذي تربى عليه أصحاب محمد ﷺ ، فكانوا بمجرد الأمر يمتثلون قبل معرفة الحكمة، أو السؤال عن الغاية، بل لزموا المبادرة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، وقد أمر الله بذلك فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فلا يصح أن يكون في الأمر حكم لله تعالى وحكم لرسوله ﷺ ، ثم نأتي في مقابله ونسأل: ما رأيك في هذا؟! وكأن دين الله ليس له وجود وليست له قيمة. إن هذه القضية خطيرة، وهي أعظم من هذه الانحرافات الخلقية والسلوكية التي أشرت إليها، وإن تهوين أمر الدين في النفوس وانتقاص عظمة النصوص من القلوب لهو أخطر من هذا الذي ذكرناه. فلابد من أن ندرك هذا، وكل ما يضاف إليه إنما هو تأكيد لصحته، وإنما هو فرع عن ذلك الأصل.

стр. 1399

نماذج من مسارعة الصحابة ﵃ في الاستجابة لهذا الدين روى أنس -كما في الصحيح- أنه عندما نزلت آية تحريم الخمر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] فمن كان من الصحابة في يديه كأس رمى به، ومن كان في فمه شيء من خمر مجه، وشقت الجفان، وأتلفت الخمر في لحظات، وانتهى الأمر كله. وعندما نزل الحجاب لم يسأل النساء هل هو كذا أو كذا، وهل يمتثل من هذا الوقت أو ذاك، وإنما كان الأمر كما قالت عائشة: (ما جاء الفجر إلا وعلى رءوسهن كأمثال الغربان مما أسدلن من الحجاب)، فينبغي أن نؤكد هذا ونبينه، وأن لا نرى فيه مبالغات. وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان في مجلس بين أصحابه، فذكر لهم حرمة الذهب والحرير على الرجال، وفي القوم رجل في أصبعه خاتم من ذهب، فنزعه مباشرة وطرحه، فلما انتهى المجلس قام، فقالوا له: خذ خاتمك فانتفع به، قال: ما كنت لآخذه وقد طرحته لله تعالى ولرسوله ﷺ . هذا هو الامتثال، واليوم قد يجادلك ويقول: هذا لأجل العقد، وهذا لأجل الخطبة ونحو ذلك. وتحتاج إلى أن تتدرج معه، ولا بأس في ذلك، لكنني أقول: انظر إلى الفرق. وورد في بعض المصنفات: أن حذيفة ﵁ كان قادماً إلى مسجد النبي ﷺ ، والرسول ﷺ في المسجد ومعه بعض نفر من أصحابه، وكان بعضهم وقوفاً، فقال لهم: (اجلسوا، اجلسوا)، فسمع حذيفة ذلك فجلس وهو خارج المسجد! استجابة لأمر الرسول ﷺ ، مع أن أمره كان لمن في المسجد. إنها الاستجابة للأوامر، وليس هذا من الصحابة انغلاقاً، بل هو إيمان، وليس هو تحجراً أو ضيق أفق كما قد يظن بعض أولئك الذين فتنوا، كلا. وهذا علي بن أبي طالب وجهه النبي ﷺ ليفتح خيبر وليقتحم بابها وحصنها، فقال له: (امض ولا تلتفت)، فأراد أن يسأل النبي ﷺ ، فوقف على دابته ولم يلتفت إلى الرسول، بل خاطبه دون أن يلتفت إليه، وقال: يا رسول الله! علام أقاتل الناس؟ لأن رسول قال له: (امض ولا تلتفت)، فالكلمة عندهم لها ميزانها ودلالتها، ويوم يعظم إيماننا نكون كذلك، ويوم نفقه ديننا نكون كذلك. نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يعظمه في قلوبنا، وأن يظهره في واقع استجابتنا في حياتنا، نسألك -اللهم- أن تجعلنا بكتابك معتصمين، وبهدي نبيك ﷺ مستمسكين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، ونسألك -اللهم- أن تصرف عنا الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين. اللهم! طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأرشد عقولنا، وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب العالمين. اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم! تولَّ أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا يا أرحم الراحمين. اللهم! وفقنا للصالحات، واصرف -اللهم- عنا الشرور والسيئات، وابعدنا -اللهم- عن المحرمات والشبهات، واغفر -اللهم- لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسموات. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك. اللهم! من اعتدى على أهل الإسلام وأمة الإسلام فاشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم! لطفك ورحمتك بإخواننا المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين. اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج كربتهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل -اللهم- لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، يا سميع الدعاء. اللهم! انصر جندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! وحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم! إنا نسألك أن تحفظ ولي أمرنا، وأن توفقه لطاعتك ورضاك، وأن ترزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1400

رمضان والأمة بين عامين من مزايا وخصائص شهر رمضان أن الأمة الإسلامية كلها تتحد فيه على أنواع من العبادات والطاعات، وهذا أمر يبعث الفرح والسرور في النفس، إلا أن أكثر الأمة يتركون ذلك بعد رمضان، ويعودون إلى غفلتهم ونسيانهم، فيجب على جميع الأمة أن تكون أحوالها مستقيمة طوال العام، وأن يتوحد صفها وتتكاتف فيما بينها.

стр. 1401

أهمية الاجتهاد في الطاعات في رمضان الحمد لله، الحمد لله فتح أبواب الرحمة، وبسط أسباب المغفرة، ووعد بمنته بالعتق من النيران في شهر رمضان، له الحمد على ما أفاض من الخيرات، وما أنزل من الرحمات، وما ضاعف من الحسنات، وما محا من السيئات، نحمده جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء الأرض والسماوات، نحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً يوافي فضله وإنعامه، ويولي لنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه؛ فله الحمد في الأولى، وله الحمد في الآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اكتمل القمر، وانتصف الشهر، واقتربت العشر، وكل بداية تمضي إلى منتهاها، وتصل إلى غايتها، والعاقل المتدبر من يفكر في العواقب، ومن يستعد للخواتم، ومن لا ينقطع في أثناء السير، وكل مشمر له عزم ونية خالصة يوشك -بإذن الله جل وعلا- أن يتحقق له وعد ربه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. ولا شك -أيها الإخوة الأحبة- أننا ننتظر في مثل هذا المقام أن يكون مختصاً بالحديث عن مزيد الطاعة والعبادة، والأجر والفضيلة فيما بقي من هذا الشهر العظيم، وفي عشره الأواخر على وجه الخصوص، وهو أمر مطلوب ومرغوب، وجدير أن نتحدث عنه، ولكنني أعلم أن كثيراً مما يذكر في هذا الموضوع يكاد يكون محفوظاً. لقد كان المصطفى ﷺ إذا دخلت العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر. وكان ﵊ يعتكف في كل عشر أخيرة من شهر رمضان. وكان يخلي بينه وبين الخلائق؛ ليتفرغ لصلته بربه، ولما بينه وبين الخالق . وكلنا يعرف ويستطيع ويجيد أن يتحدث عن ليلة القدر وفضيلتها، وما ورد من أنها في أوتار الشهر، وذلك أمر نحتاج أن نتواصى به، وأن نتذكره، سيما وأن صوراً من الواقع -وللأسف الشديد- تعارضه وتناقضه وتخالفه، فمع عشر الذكر والتذكر والاعتبار نرى عشر اللهو والتسوق والانشغال، ومع عشر الليل الذي يُحيا بالتلاوة والدعاء والركوع والسجود نرى العشر التي تُشغل بشراء الأحذية، والبحث عن الأكسية، والاستعداد بالأطعمة إلى غير ذلك مما هو معلوم. ومع كل هذه المقدمة التي أحدثكم بها فإنني لم أتحدث عن العشر، ولا عن فضلها، ولا عن ليلة القدر وأجرها؛ لما ذكرته من المعرفة؛ ولأنكم ستسمعون ذلك خلال الأيام القادمات في كل الكلمات والمواعظ، غير أن وقفتنا اليوم هي عن: (رمضان والأمة بين عامين). أليس جديراً بنا أن نتفكر في دور رمضان، وأثر فريضة الصيام في أمة الإسلام، ليس في الأفراد لما يكثرون من تلاوة القرآن، وما يزيدون من صلاة الليل، وما يسعون إليه من أمور الخير هنا أو هناك؛ لكن في تغير أحوال الأمة كلها؟! أليس جديراً بنا -ونحن نمضي، وتمر بنا الأيام، وتتوالى الأعوام- أن ننظر إلى مسيرتنا، ونقوم ما اعوج منها، ونكمل ما نقص منها، ونستدرك ما فات منها؟ هذه نظرات عامة، ووقائع حاضرة، ومن بين صور الواقع المؤلم تبزغ أنوار وبشريات لمستقبل مشرق بإذن الله جل وعلا.

стр. 1402

أثر رمضان في وحدة المسلمين رمضان والوحدة: في رمضان وحدة في العبادات، فالأمة كلها تصوم شهراً في وقت واحد، وعلى صفة وهيئة واحدة، ووفق متابعة لرسول الهدى ﷺ واحدة، إنها أمة تصوم وتصلي، وتزكي وتعتمر، وتتلو القرآن، وتكثر الذكر، وتعظم الدعاء، وتجتهد في الابتهال، وتتواصل في التضرع. إنها أمة يقول لها الله في رمضان ما جاء في القرآن: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢]. إنها الأمة التي يذكرها رمضان بأن لها إلهاً واحداً لا تخضع إلا له، ولا تخشى إلا منه، ولا ترجو إلا إياه، ولا تعتمد إلا عليه، ليس في قلوبها رهبة من الخلق وإن عظمت قوتهم، وليس في نفوسها ذل للمخلوقين وإن عظمت أعطياتهم، إنها أمة العبادة؛ أمة واحدة، يجمعها التعبد لله .

стр. 1403

وحدة مشاعر المسلمين في رمضان رمضان ووحدة المشاعر: كلنا نردد هذا القول؛ فنقول: إننا في رمضان نشعر بشيء من ألم الحرمان، ونتذكر الفقير والمسكين، ولكننا كذلك في وحدة مشاعرنا تشدنا هذه المشاعر إلى أن نرتبط بكل مسلم على ظهر الأرض من أقصى الصين شرقاً إلى أقصى المغرب غرباً، ونذكر كل دمعة تذرفها أم فلسطينية، وكل دم يُراق على أرض العراق، وكل بيت يُهدم فوق رءوس ساكنيه، وكل جريمة تُرتكب في حق أمتنا هنا أو هناك. إن لم يكن رمضان هو الذي يوحد مشاعرنا، ويربط قلوبنا، ويجدد وحدتنا، ويقوي آصرتنا، ويذكرنا بتاريخنا، ويلزمنا باستعادة ترتيب صفوفنا، فإن رمضان يمر علينا، وحينئذ لا نخرج منه إلا بآيات تُتلى، وأذكار تردد، وركعات تُصلى، وربما تكون القلوب ليست فيها حاضرة، والنفوس ليست بها متأثرة، فهل نرضى لأنفسنا ولأمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس أن يكون حظها من فريضة من الفرائض وركن من الأركان هو هذا الزاد الضئيل، والتأثير الخافت الذي لا يكاد يبين؟! لننظر بين عام مضى وعام أتى ما الذي في أمتنا جرى، ولنتنبه إلى صور أخرى في رمضان.

стр. 1404

أثر رمضان في تكافل المسلمين فيما بينهم رمضان والتكافل: ألسنا اليوم في مجتمعاتنا المحدودة نرى المال يُبذل للفقير، والمواساة تُبذل للحزين، وصور من التكامل والتكافل تجدد وتحرك المعاني المؤثرة المعبرة فيما وصف ومثل به رسول الله ﷺ لأمة الإسلام بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فأين تكافلنا خارج نطاق حينا، وخارج نطاق مسجدنا ومدينتنا وبلدنا؟ إنه تكافل أمة الإسلام كلها، فهل نسينا ما كنا نذكره من قبل، ونتحدث عنه بكل قوة وجرأة وحرقة عن فلسطين؟ واليوم تجددت لنا أحداث العراق، ولم تكن من قبل، وغداً وبعد غد، لكن الأصوات خفتت، والألسن خرست، والأقلام أُغلقت، ولا يكاد المرء يسمع شيئاً من ذلك، وإن سمع فعلى ندرة، وربما بتخوف، وكأن الأمور تحتاج منا إلى تأمل أكبر.

стр. 1405

انتصارات المسلمين في رمضان رمضان والانتصار: إنها حقيقة مهمة لابد أن نقف عندها وقفات كثيرة: ففي رمضان يحصل انتصار على الشهوات والملذات، وانتصار على علل النفس والنزغات، وانتصار على الضغائن والخصومات، تلك هي حقيقة هذا الشهر في أمة الإسلام إذا وعت وأدركت المقاصد العظيمة والحكم الجليلة في مثل هذه الفريضة. إنه انتصار لهذا الشهر على سلطان شهوة الجسد، وعلى الكبر والغرور في النفس، وعلى العادات والتقاليد المخالفة في المجتمع، وعلى السمعة والرياء في الأعمال، وعلى القوة والأذى من الأعداء. إن رمضان الذي يحقق انتصار المؤمن في نفسه، وانتصاره على ضعفه، وانتصاره على شيطانه يحقق في حقيقة الأمر انتصار الأمة على ضعفها وذلها وخذلانها واستسلامها لأعدائها؛ وذلك الذي تجدد في يوم بدر؛ اليوم الذي سماه الله يوم الفرقان. وهكذا فتح مكة الذي كان نهاية لصورة الجاهلية والظلم والطغيان، وما جرى بعد ذلك من فتوح وانتصارات في رمضان، نعم قد يكون اتفاقاً في التاريخ، لكنه قطعاً تجدد في معاني الانتصار الحقيقية في أوصال الأمة، بدءاً من قوة إيمانها، ومروراً بقوة وحدتها، وانتهاءً بقوتها المادية العملية. واليوم نتساءل: هل هذه المعاني موجودة في حياة أمتنا؟ وما هو الواقع بين عام مضى وعام أتى؟
следующие страницы →