Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
صفحات من سيرة المصطفى
لقد تميزت سيرة النبي ﷺ بخصائص ومزايا عظيمة، فهي صفحات تاريخية مشرقة وضاءة، يستضاء بها في الظلم، ويسترشد بها في الضلال، ويؤتسى بها في العمل بأنواعه، ومن صفحات التاريخ النبوي غزوة أحد، فقد تميزت هذه الغزوة بالدروس والعبر التي تقوّم اعوجاج المسالك، وتحيي الإيمان في القلوب، وتثبت الأقدام عند النزال في ساحات الوغى، وهذه الغزوة أظهرت شجاعة الرسول القائد ﷺ وصحابته، وأظهرت أهل النفاق وكشفت مساوئهم وما تنطوي عليه نفوسهم.
стр. 1717
مقدمات غزوة أحد وحال المسلمين معها
الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، له الحمد هو الكريم الوهاب، وهو الغفور التواب، نحمده حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! عود إلى صفحات من التاريخ، تميزت باختصاص عظيم، وجعلت قدوة وعبرة ونفعاً وفائدة للمسلمين، صفحات من سيرة المصطفى ﷺ ، تشدني إليها كلما جاء شهر شوال وهو الشهر الذي وقعت فيه غزوة أحد من العام الثالث للهجرة، وكلما قلبنا صفحات هذه الغزوة وجدنا أن فيها سفراً عظيماً للدروس والعبر التي تقوّم اعوجاج مسالكنا، وتحيي وتقوي ضعف إيماننا، وتثبت مواضع أقدامنا، وتكشف ما وراء المظاهر إلى حقائقها.
стр. 1718
رسالة العباس إلى النبي ﷺ بشأن قريش
نعم! لقد أعدوا عددهم وشغلوا وسائل إعلامهم وحشدوا جيوشهم، وقالوا مقالة سابقيهم: لتدركوا ثأركم ولتوقفوا مسيرة هذا الدين الذي غزاكم في عقر دياركم، ذلك كان حال قريش، فأي حال كان حال محمد ﷺ وصحابته؟ هل كانوا غارقين في شهواتهم، ملتهين بملاعبهم ومسارحهم وغير ذلك مما نعلمه اليوم؟! روى أهل السير: أن العباس عم النبي ﷺ أرسل إلى النبي ﷺ برسالة سرية مع رجل قطع المسافة في نصف المدة أو أقل يخبره بتجهز قريش، وكان مما جاء في رسالته: إن قريشاً قد أجمعت المسير إليك فما كنت صانعاً إذا حلوا بك فاصنعه الآن.
تهيأ قبل أن يأتوا إليك، واستعد قبل أن يطرقوا بابك، وتجهز قبل أن يكونوا في أرضك، وقد توجهوا إليك في ثلاثة آلاف، وقادوا مائتي فرس ومعهم سبعمائة دارع، وثلاثة آلاف من الإبل، وقد أوعبوا من السلاح، أي: قد جمعوا ما لديهم من السلاح كله، هل اكتفى النبي ﷺ بذلك؟ لقد أعطى الرسول ﷺ الرسالة لـ أبي بن كعب فقرأها عليه، فقال: اكتم الخبر، ثم مضى إلى سيد الأنصار وأخبره الخبر وقال: اكتم عني ذلك.
стр. 1719
الاستخبارات النبوية تأتي بأخبار قريش وجيشها
ثم لما تقارب الأمر وحل الجيش قام النبي ﷺ وبعث الحباب بن المنذر قبل الغزوة عندما وصلت قريش إليهم، وقال له ﵊: اذهب إليهم وائتني بخبرهم، ولا تخبرني بخبرهم بين أحد من المسلمين، قال: فدخل فيهم وحزر ونظر وجاس بينهم.
وهذا من شجاعته من جهة، ومن فرط ذكائه وحسن حيلته وتدبيره من جهة، ثم انظروا إلى التقرير الاستخباراتي الذي جاء به هذا الصحابي الجليل ﵁ (قال: يا رسول الله! والله لقد رأيت أعداداً حزرتهم ثلاثة آلاف يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ومعهم أفراس حزرتها مائتين من الخيل، ومعهم أدرع حزرتها سبعمائة، وإبل حزرتها ثلاثة آلاف، ثم سأله النبي ﷺ : أرأيت معهم الظعن -أي: النساء-؟ قال: نعم يا رسول الله! رأيتهم ومعهم الدفاف والأكبار -أي: الطبول والدفوف- فقال ﷺ : أردن أن يحركنهم وأن يذكرنهم قتلى بدر، هكذا جاءني خبرهم، ثم قال له: لا تذكر مما قلت شيئاً ولا حرفاً، ثم قال سيد الخلق ﷺ : حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك أصول).
إنه الاعتماد على الله، والتوكل عليه، والثقة به، والالتجاء إليه، إنه اليقين الذي لا يتزعزع معه قدم، ولا يطيش معه عقل، ولا يخالج النفس منه اضطراب، ولا يداخل القلب منه خوف، إنه علم لمعرفة الحقيقة لا ليكون أثرها الوهن والضعف والخذلان، بل ليكون أثرها من قوة الإيمان وعظمة اليقين، مع شدة وصدق الالتجاء إلى الله : (اللهم بك أجول وبك أصول) هذا كان شعار المصطفى ﷺ .
تلك مقدمات تبين لنا اليقظة والانتباه والرصد وجمع المعلومات، وتبين أن أعداء الحق لا يفترون ساعة ولا تتوقف مكائدهم لحظة، فلا ينبغي أن يكون المسلمون في غفلة، وأن يكونوا مسرفين في حسن الظن حتى بلغوا حد السفه والسذاجة، حتى وصفوا أعداءهم بأنهم شركاؤهم، وقالوا في حق من تربصوا بهم الدوائر وثبتت جرائمهم وتيقن عداؤهم: إنهم لا بأس أن يكونوا معه في صف واحد في مواجهة أمور انطلت حيلها وترددت كلماتها في وسائل الإعلام، حتى راجت وصارت هي حجة كل أحد في كل مسلك خاطئ، وفي كل اعوجاج مستمر، نسأل الله السلامة!
стр. 1720
تهيؤ قريش لغزو المدينة
ولست اليوم أتحدث عن أحداثها، غير أني أتحدث عن مقدماتها؛ لأنها مقدمات تكشف لنا عن حال المجتمع المسلم، ما الذي كان في القلوب والنفوس؟! ما الذي كان في الخواطر والعقول؟! كيف كان ذلك المجتمع ينتبه ويلتفت نظره إلى ما حوله؟! هل كان منكفئاً على نفسه غارقاً في ذاته؟! هل كان متعلقاً بأمنه وسلامته فحسب؟! هل كان يدرك ما حوله وينتبه له أم لا؟! وكيف كان التفاعل مع ذلك؟! لا شك أننا جميعاً نعلم كيف كان التهيؤ لهذه الغزوة من قبل قريش أعداء رسول الله ﷺ إذ ذاك.
بعد أن انجلى غبار بدر بما كان فيه من ظفر ونصر لأهل الإسلام والإيمان، وما كان فيه من هزيمة عظيمة لأهل الكفر والطغيان، سعى أرباب قريش كـ عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة، ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم؛ سعوا إلى أبي سفيان، وإلى من كان له مال في تلك القافلة التي نجت، وقالوا: يا معشر قريش! إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فما عليكم أن تعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا أن ندرك ثأرنا بمن أصاب منا.
ففعلوا، ودخل معهم أحابيشهم وهم الذين كانوا في حلف مع قريش، وانضوى معهم بعض قبائل كنانة وبعض أهل تهامة، بل ذكر الواقدي في مغازيه: أنه اجتمع معهم مائة نفر من ثقيف، واحتشد أولئك جميعهم في ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مائتا فرس وسبعمائة درع، وثلاثة آلاف بعير، وأوعبوا من السلاح ما أوعبوا.
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن قريشاً اليوم حاضرة كما هي بالأمس، وقد ألبت وأجلبت لثأرها من أمة الإسلام، ولئن جمعت قريش ثلاثة آلاف ومائتي فرس وثلاثة آلاف جمل أو نحو ذلك، فقد جاء القوم اليوم بمئات الآلاف من الجند والطائرات الخارقة وغير ذلك مما تعلمون، وأنفقوا لأجله الأموال، وجيشوا لأجله الجيوش، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
стр. 1721
موقف النبي ﷺ وأصحابه من الخروج إلى أحد لمقاتلة المشركين
ننتقل إلى صفحة أخرى قبل المعركة ولن نذكر من المعركة شيئاً مطلقاً.
стр. 1722
دعوة للاقتداء بالصحابة في النهوض للجهاد
تلك هي النفوس الأبية، ذلك هو المجتمع المسلم، فهل ترون في نفوسنا اليوم والأعداء قد حلوا بديارنا، وقد أخذوا مسرى نبينا ﷺ ؛ هل ترون نفوساً تتوق إلى الشهادة؟ أم أن مجرد ذكري ذلك يعد اليوم خطراً عظيماً وتهمة ثابتة، بل ربما لا يجرؤ أحد على قوله: لا لذلك؛ لأن القلوب قد امتلأت رعباً.
إن تلك الجيوش الضخمة لم يزالوا يعلنون عن كفاءتها وقدرتها، ثم إذا بها في وحل لا تستطيع أن ترد عن نفسها شيئاً، ولا تستطيع أن تحقق نصراً، ولا تستطيع أن تواجه فتية صغاراً بأحجار وأسلحة قليلة ضئيلة.
إن السنة ماضية، وإن آيات القرآن لا تتخلف مطلقاً فيما جاءت به من وعد الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
كان ذلك يقيناً في قلوب أصحاب النبي ﷺ ، وتلك عادة الله فينا كما ذكر أولئك الأصحاب، وقالوا: قد نصرك الله عليهم في يوم بدر على قلة عددنا.
كل هذا كان واضحاً في الأذهان، وكان حياً وساكناً في القلوب والنفوس، وكان الأمر كذلك من جهة أخرى، فهم قوم مستقيمون على أمر الله، قائمون بطاعة الله، سائرون على خُطا رسول الله ﷺ ، لم يكونوا يخشون أن يؤتوا من قبل تخلفهم عن أمر الله، ولا تنكبهم لهدي وسنة رسول الله ﷺ ، ولا معارضاتهم ومخالفاتهم المعلنة المشهرة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ألسنا اليوم في ظروف أشد وأصعب مما كان في يوم أحد؟ ماذا رأيت في صحف اليوم؟ صفحة كاملة، فيها إعلان لمسابقة ملكة جمال إحدى الدول العربية بين ثلاثين فتاة، يتم التنافس بينهن حتى تفوز إحداهن بعد معركة طويلة بعرش الجمال.
وكاتب يكتب أيضاً عن بلادنا وديارنا ليقول: إنه فرح جذل بأخبار عن وجود قاعات (السينما) وإنها قد بدأت بالأفلام المتحركة للأطفال، فإنه يرجو ويأمل أن تتطور حتى تعرض الأفلام المختلفة.
هذا هو واقع الحال، وتلك هي الصورة التي كانت في عهد نبينا ﷺ ، فهل إلى رجوع من سبيل؟ وهل إلى نظر وتأمل إلى حقيقة المجتمع المسلم وما كان عليه؟
стр. 1723
نفوس تواقة إلى الشهادة في سبيل الله
ثم قام خيثمة والد سعد بن خيثمة وقد ذكرت قصته مرة: جاء يوم بدر وكان خيثمة يريد أن يخرج وكذلك سعد ابنه يريد أن يخرج، وكان لابد لأحدهما أن يبقى، فلم يؤثر أحدهما الآخر حتى اقترعا، فجاءت القرعة لـ سعد على أبيه، فقال أبوه مستغلاً مقامه وقدره وحقه في البر: أو تؤثرني بها يا سعد؟ فجاء قول سعد: لو كان غير الجنة يا أبي، فمضى سعد ومضى شهيداً.
فلما كان يوم أحد قام خيثمة ﵁ وقال: (يا رسول الله! إن قريشاً جمعت الجموع، وتبعتها العرب من أهل البوادي ومن تبعها من الأحابيش، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا يحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرحلون وافرين لم يكلموا -أي: لم يجرحوا - فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا علينا الغارات، وعسى الله أن يظفرنا بهم، فتلك عادة الله لنا، أو تكون الأخرى وهي الشهادة، فقد أخطأتني يوم بدر، وقد كنت حريصاً عليها يا رسول الله).
وقام إياس بن أوس وقال: (نحن بني عبد الأشهل، نرجو يا رسول الله أن نَذبح في القوم وأن نُذبح؛ فنصير إلى الجنة ويصيروا إلى النار، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريشاً إلى قومها فيقولون: حصرنا محمداً وأصحابه في يثرب وآطامها، فيكون ذلك جرأة لقريش، وقد كنا يا رسول الله قبل أن تأتينا في جاهليتنا والعرب يأتون إلينا ولا يطمعون منا بشيء حتى نخرج إليهم بأسيافنا فنذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك وعرفنا مصيرنا أن نخرج إليهم يا رسول الله).
مقالات قوية تكشف عن نفوس أبية، تكشف عن حماسة متقدة، تفصح عن إيمان عميق وعن يقين راسخ، قد علموا ما علموا من عدة قريش وسلاحها، وقد عرفوا قوتها ومن جاء معها من أحلافها، كل ذلك كان معلوماً عندهم، لكنهم كانوا يريدون الجنة، ويريدون شهادة في الجهاد في سبيل الله في مواجهة أعداء الله ، وكانوا يريدون رفع راية الإسلام وإعزاز الدين، وإظهار العزة في أهل الإسلام، لا طأطأة للرءوس، ولا انحناء للأبدان، ولا تراجعا بالأقدام، ولا شيئاً من مظاهر الذل بحال من الأحوال.
أرادوا أن يقولوا لرسول الله ﷺ ذلك، سيما وأن بدراً لم تكن مخصصة لقتال، ولكن لقافلة وغنيمة، فقد فات كثيراً من الصحابة تلك الغزوة فأرادوا أن يعوضوا، لا يعوضون بمال ولا يعوضون بزروع وثمار، بل يعوضون بمعارك فيها ضرب بالسيوف وطعن بالرماح، يعوضون بدماء تسيل وأنفس تزهق! لكنها أمنيات وآمال لا تكون إلا لأهل الإيمان، قالها أنس بن النضر في أثناء أحد بعد أن احتدم غبار المعركة: (واها لريح الجنة! والله إني لأجدها دون أحد)، وقال قبلها: (والله لئن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين الله ما أصنع).
стр. 1724
نفوس أبية وحماسة متقدة
فلننظر إلى المجتمع المسلم عندما تحل به الظروف العصيبة، عندما تحيط به الأخطار، عندما تأتي الأخبار بأن الأعداء على الأبواب، وبأن حرباً ضروساً يوشك غبارها أن يصل إليهم.
استمعوا إلى هذه المواقف التي هي في حقيقتها غنية عن كل تعليق: كان ممن تحدث حمزة عم النبي ﷺ أسد الله وأسد رسوله، ومعه سعد بن عبادة سيد من سادات الأنصار، والنعمان بن مالك، فكان مما قالوه لرسول الله ﷺ : (إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبناً عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت في بدر في ثلاثمائة رجل فأظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير قد كنا نتشوق لهذا اليوم وندعو به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا.
ورسول الله ﷺ لم يكن مائلاً لهذا الرأي، فقام مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسنيين: إما أن يظفرنا الله بهم، فهذا الذي نريد، فيذلهم الله لنا فتكون هذه وقعة كوقعة بدر، فلا يبقى منهم إلا الشريد، أو الأخرى يا رسول الله! فإنها والله الشهادة، والله يا رسول الله! ما أبالي أين كنا إن كانت الشهادة يا رسول الله! فسكت النبي ﷺ ولم يقل شيئاً) وكان حمزة ﵁ كما قال أهل السير صائماً في يوم الجمعة، وكذلك كان صائماً في يوم السبت يوم غزوة أحد نفسها، فقال: (والله يا رسول الله! والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاماً حتى أناجزهم بسيفي خارجاً من المدينة، ثم قام النعمان بن مالك فقال: (يا رسول الله! أنا أشهد أن البقر المذبح قتلى من أصحابك، فلم تحرمنا الجنة؟ فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلنها، فقال له رسول الله ﷺ : بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله، ولا أولي يوم الزحف، فقال رسول الله ﷺ : صدقت).
وكان النعمان من شهداء أحد.
ثم قام خيثمة والد سعد بن خيثمة وقد ذكرت قصته مرة: (جاء يوم بدر وكان خيثمة يريد أن يخرج وكذلك سعد ابنه يريد أن يخرج، وكان لابد لأحدهما أن يبقى، فلم يؤثر أحدهما الآخر حتى اقترعا، فجاءت القرعة لـ سعد على أبيه، فقال أبوه مستغلاً مقامه وقدره وحقه في البر: أو تؤثرني بها يا سعد؟ فجاء قول سعد: لو كان غير الجنة يا أبي، فمضى سعد ومضى شهيداً.
فلما كان يوم أحد قام خيثمة ﵁ وقال: يا رسول الله! إن قريشاً جمعت الجموع، وتبعتها من العرب من أهل البوادي ومن تبعها من الأحابيش، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا يحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرحلون وافرين لم يكلموا -أي: لم يجرحوا -، فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا علينا الغارات، وعسى الله أن يظفرنا بهم، فتلك عادة الله لنا، أو تكون الأخرى وهي الشهادة، فقد أخطأتني يوم بدر، وقد كنت حريصاً عليها يا رسول الله)، وقام إياس بن أوس وقال: (نحن بنو عبد الأشهل، نرجو يا رسول الله! أن نَذبح في القوم وأن نُذبح؛ فنصير إلى الجنة ويصيروا إلى النار، مع أني يا رسول الله! لا أحب أن ترجع قريشاً إلى قومها فيقولون: حصرنا محمداً وأصحابه في يثرب وآطامها، فيكون ذلك جرأة لقريش، وقد كنا يا رسول الله! قبل أن تأتينا في جاهليتنا والعرب يأتون إلينا ولا يطمعون منا بشيء حتى نخرج إليهم بأسيافنا فنذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك، وعرفنا مصيرنا أن نخرج إليهم يا رسول الله).
مقالات قوية تكشف عن نفوس أبية، تكشف عن حماسة متقدة، تفصح عن إيمان عميق وعن يقين راسخ، قد علموا ما علموا من عدة قريش وسلاحها، وقد عرفوا قوتها ومن جاء معها من أحلافها، كل ذلك كان معلوماً عندهم، لكنهم كانوا يريدون الجنة، ويريدون شهادة في الجهاد في سبيل الله في مواجهة أعداء الله ، وكانوا يريدون رفع راية الإسلام وإعزاز الدين، وإظهار العزة في أهل الإسلام، لا طأطأة للرءوس، ولا انحناء للأبدان، ولا تراجع بالأقدام، ولا شيئاً من مظاهر الذل بحال من الأحوال.
أرادوا أن يقولوا لرسول الله ﷺ ذلك، سيما وأن بدراً لم تكن مخصصة لقتال، ولكن لقافلة وغنيمة، فقد فات كثير من الصحابة تلك الغزوة فأرادوا أن يعوضوا، لا يعوضون بمال ولا يعوضون بزروع وثمار، بل يعوضون بمعارك فيها ضرب بالسيوف وطعن بالرماح، يعوضون بدماء تسيل وأنفس تزهق، لكنها أمنيات وآمال لا تكون إلا لأهل الإيمان، قالها أنس بن النضر في أثناء أحد بعد أن احتدم غبار المعركة: (واه لريح الجنة والله إني لأجدها دون أحد)، وقال قبلها: (والله لأن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين الله ما أصنع) تلك هي النفوس الأبية، ذلك هو المجتمع المسلم، فهل ترون في نفوسنا اليوم، والأعداء -لا أقول: قريبون منا- قد حلوا بديارنا، وقد أخذوا مسرى نبينا ﷺ ، وقد دخلوا إلى مواقع ديارنا إلا ما رحم الله، هل ترون نفوساً تتوق إلى الشهادة؟ أم أن مجرد ذكري ذلك يعد اليوم خطراً عظيماً وتهمة ثابتة، بل ربما لا يجرؤ أحد على قوله: لا لذلك؛ لأن القلوب قد امتلأت رعباً.
إن تلك الجيوش الضخمة التي ما يزال يعلن عن كفاءتها وقدرتها، ثم إذا بها في وحل لا تستطيع أن ترد عن نفسها شيئاً، ولا تستطيع أن تحقق نصراً، ولا تستطيع أن تواجه فتية صغاراً بأحجار وأسلحة قليلة ضئيلة.
إن السنة ماضية، وإن آيات القرآن لا تتخلف مطلقاً فيما جاءت به من وعد الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
كان ذلك يقيناً في قلوب أصحاب النبي ﷺ ، وتلك عادة الله فينا كما ذكر أولئك الأصحاب، وقالوا: قد نصرك الله عليهم في يوم بدر على قلة عددنا، كل هذا كان واضحاً في الأذهان، وكان حياً وساكناً في القلوب والنفوس، وكان الأمر كذلك من جهة أخرى فهم قوم مستقيمون على أمر الله، قائمون بطاعة الله، سائرون على خُطا رسول الله ﷺ ، لم يكونوا يخشون أن يؤتوا من قبل تخلفهم عن أمر الله، ولا تنكبهم لهدي وسنة رسول الله ﷺ ، ولا معارضاتهم ومخالفاتهم المعلنة المشهرة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ألسنا اليوم في ظروف أشد وأصعب مما كان في يوم أحد؟ ماذا رأيت في صحف اليوم؟ صفحة كاملة، إعلان لمسابقة ملكة جمال إحدى الدول العربية بين ثلاثين فتاة، يتم التنافس بينهن حتى تفوز إحداهن بعد معركة طويلة بعرش الجمال.
وكاتب يكتب أيضاً عن بلادنا وديارنا ليقول: إنه فرح جذل بأخبار عن وجود قاعات (السينما) وإنها قد بدأت بالأفلام المتحركة للأطفال، فإنه يرجو ويأمل أن تتطور حتى تعرض الأفلام المختلفة.
هذا هو واقع الحال، وتلك هي الصورة التي كانت في عهد نبينا ﷺ ، فهل إلى رجوع من سبيل؟ وهل إلى نظر وتأمل إلى حقيقة المجتمع المسلم وما كان عليه؟
стр. 1725
استشارة النبي ﷺ لأصحابه في البقاء أو الخروج
النبي ﷺ بعد أن بلغته الأخبار عن تجمع قريش ومن معها لمقاتلته وأصحابه، توجه إلى أصحابه يستشيرهم ويرى رأيهم في صورة هي أعظم صور المشورة وأعظم صور التلاحم بين القيادة والأمة، دعك من ديمقراطية زائفة، ودعك من انتخابات مزورة، ودعك من صور كثيرة مبهرجة، واخلص إلى جوهر الإسلام في سيرة المصطفى ﷺ .
رأى رؤياه ﵊ وقصها على أصحابه قال: (رأيت بقراً تذبح، ورأيت ثلمة في سيفي، ورأيت أني آوي إلى درع حصينة، وأولت البقر: نفراً من أصحابي يقتلون، وثلمة في سيفي: بعضاً من أهل بيتي يقتلون، والدرع الحصينة: المدينة، فلو رأيتم أن نبقى فيها، فإن أقاموا هم أقاموا بشر مقام، وإن أتوا إلينا قاتلناهم، فكان لنا عليهم النصر والظفر).
стр. 1726
صغار الصحابة يتسابقون للجهاد في سبيل الله
لننظر إلى صورة أخرى فيما بين يدي المعركة: عندما وصل النبي ﷺ إلى مكان قبل بلوغه أحد، بدأ بتفقد الجيش فوجد مع الجيش جمعاً من الصغار دون الخامسة عشرة، وجد منهم عبد الله بن عمر ﵁ وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد والنعمان بن بشير وغيرهم، فردهم النبي ﷺ ، هل خرجوا ليلعبوا في الملاهي كأطفالنا اليوم، بل كشبابنا الكبار اليوم؟! هل خرجوا ليأخذوا الحلوى أو ليأخذوا المسابقات؟! لا، بل خرجوا ليقاتلوا فردهم النبي ﷺ ، (وممن رد معهم سمرة بن جندب فقال له أحدهم: يا رسول الله! إنه رام، فأخذه النبي ﷺ ، فقام رافع بن خديج وقال لزوج أمه مري بن سنان الحارثي: إن رسول الله ﷺ أجاز سمرة وإني والله لأصرعه، فقام مري وقال: يا رسول الله! أجزت سمرة وأن ابني هذا يصرعه، فقال النبي: تصارعا، فصرع رافع سمرة فأجازهما النبي ﷺ .
شباب كان في ذلك السن يتوق إلى الجهاد، كان معداً إعداداً إيمانياً، كانت تربيته تربية معلقة بالسماء، معلقة بالله ، معلقة بالآخرة وثوابها، معلقة بنصر الدين وإعزازه، لا تلتفت إلى صغائر الأمور وسفسافها.
تلك هي الصورة لأولئك الصغار، فأين صغارنا اليوم ومن يكون في الخامسة عشرة؟! إنه في الصف الثالث المتوسط، ماذا نطلب منه؟ إننا لا نأمنه أن يذهب إلى المتجر فيشتري شيئاً؛ لأنه لا يستطيع أن يسير خطوات وحده، دون أن يكون معه أحد من أهله من شدة خوفه وتكريس هذه التربية في نفسه، ولعلي لو مضيت وفتشت لوجدت شيئاً كثيراً.
стр. 1727
موقف من مواقف الرسول ﵊ مع أصحابه في أحد
بين يدي المعركة أيضاً (رفع النبي ﷺ سيفه وقال: من يأخذ هذا بحقه؟ فقام إليه رجال فمنعهم منه، حتى قام أبو دجانة ﵁ وقال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تقاتل به حتى ينحني، فقال: أنا آخذه يا رسول الله، فأخذه ومشى مشية المتبختر بعصابة حمراء ربطها على رأسه، فقال بعض الصحابة: فلقد رأيت أبا دجانة يفري بسيف رسول الله ﷺ فرياً).
هل هناك من ينتدب لتلك المهام الصعبة؟ هل هناك في أمة الإسلام من يقول اليوم: أنا لها؟ إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد أما اليوم تدعو الدواعي وتأتي الأمور الملحة فلا تكاد تجد أحداً يتقدم لها، ولا ينتدب إليها، ولا يجدد القدوة بسيد الخلق ﷺ .
(ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، وهو على فرس لـ أبي طلحة عري ما عليه سرج...).
بأبي هو وأمي رسول الله ﷺ فقد كان المقدام في كل أمر: (كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله ﷺ كما قال ذلك الفارس المغوار علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
تقدم أبو دجانة ووفى بحق سيف رسول الله ﷺ ، وأدى دوره كما كان يريد رسول الله ﷺ ، وكما قلت لكم: إن حديثي ليس عن الغزوة بل عما سبقها.
стр. 1728
وقفة مع موقف المنافقين في غزوة أحد
هنا وقفة نقفها مع المنافقين قبل أحد، انخذل عبد الله بن أبي ابن سلول بمن معه من المنافقين ومن أجابه إلى دعوته، كان عبد الله بن أبي ممن يريدون البقاء في المدينة، فلما خرج الجيش خرج معهم وقبل الوصول إلى المواجهة قال: عصاني وأطاع الولدان والغلمان، فرجع ورجع معه من بين ألف رجل ثلاثمائة رجل.
هذا شأن المنافقين المثبطين، وما أكثرهم في ديار وبلاد ومجتمعات المسلمين، لم لم يقعد في المدينة من أول الأمر؟ أراد أن يثير البلبلة، وأن يشيع روح التثبيط والخذلان، وقد كادت قبيلتان من القبائل أن ترجع معه كما ذكر الله جل وعلا ذلك في القرآن: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢].
(لما رجع ابن أبي فلحق بهم عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁ وقال لهم: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حل عدوكم؟ فقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، ولكننا لا نرى أنكم تقاتلون)، وهذا تناقض مع القول الأول، وإرجاف ليس له معنى.
القوم على مشارف المدينة والمعركة ظاهر أنها قائمة، ولكنهم يقولون تلك المقالة، فقال عبد الله ﵁: (أبعدكم الله يا بعداء، وسيغني الله عنكم نبيه ﷺ ، وقال بعض الأنصار: يا رسول الله! ألا نستعين بحلفائنا من اليهود؟ فقال: إنا لا نستعين بمشرك).
تلك هي الصورة في الاستعداد لكل مواجهة عسكرية أو غير عسكرية، إنه إيمان قوي، إنها نفوس أبية، إنهم صغار يطمحون إلى مطامح الرجال، إنهم رجال ينتدبون إلى مهمات الأعمال، إنهم مجتمع لا يستمعون إلى الإرجاف، ولا يفت في عضدهم خور الخائرين ولا خذلان المخذلين، بل يبقون خلف رسولهم ووراء منهجهم ولنصرة دينهم ولإعلاء كلمة الله ، لا يأبهون لشيء مطلقاً، تلك هي صورة المجتمع المسلم.
ولنا وقفات أخرى سنرى فيها الوصية الجامعة التي نسأل الله أن ينفعنا بها.
أسأل الله أن يبصرنا بهدي وسنة وسيرة رسولنا ﷺ ، وأن يجعلنا بها مستمسكين إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1729
وقفة مع وصية النبي ﷺ لأصحابه قبل غزوة أحد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن.
وإليكم وقفة موجهة إلينا بين يدي كل ملمة تحيط بنا؛ إنها كلمات قالها رسول الله ﷺ لأصحابه بين يدي غزوة أحد قبل أن تلتحم الصفوف، خذوا هذه الوصية التي رواها الواقدي في مغازيه، قال فيها النبي ﷺ : (يا أيها الناس! أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطن نفسه على الصبر واليقين والجد والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كربه، قليل من يصبر عليه إلا من عزم له على رشده.
إن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه، فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به، فإني حريص على رشدكم.
إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف، وهو مما لا يحبه الله ولا يعطي عليه النصر ولا الظفر).
كلمات جامعة ينبغي أن تنزل من قلوبنا موقعها، قبل أن يكون في آذاننا مسمعها، كلمات يخبرنا فيها النبي ﷺ ، كيف ينبغي أن يكون حالنا عندما يتكالب علينا أعدائنا؟.
يقول ﵊: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل، فلينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
تلك الوصية الجامعة يخبرنا فيها النبي ﷺ بجماع الأمر، بالائتمار بما أمر الله والانتهاء عن محارمه، استقامة واستجابة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].
стр. 1730
خطر المعاصي والمنكرات على المجتمعات
إن الخلل إذا وقع والمعاصي إذا انتشرت والفسق إذا عم، تكون عاقبته وخيمة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
وفي حديث أم المؤمنين زينب ﵂ قال النبي ﷺ : (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج قدر هذا، وحلق بين السبابة والإبهام، فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)، وقد كثر -والله- الخبث وقل من ينكره، بل قل في الناس أحياناً من يدركه ويشعر به.
إن مأساتنا عظيمة، وإن الخطر بنا محدق؛ لأنه في أعماق نفوسنا وقلوبنا، والنبي ﷺ حذرنا فقال: (ولكن من رضي وتابع)، فكم من أمور منكرة قد رضينا بها أو ألفناها أو غضضنا عنها طرفنا، وصممنا عنها آذاننا، ولم ننطق بشيء يحذر منها أو ينبه عليها، بل إن قلوبنا في كثير من الأحوال لم تعد تنقبض ولم تعد تغتم بكثرة تلك المنكرات، وربما فشا ذلك في معظم مجتمعات المسلمين إلا ما رحم الله.
إن كثيراً من وسائل الإعلام مقروءة ومسموعة ومرئية تطالعنا صباح مساء بما يخالف هذه الوصية تماماً، فإنها لا تدعو إلى صبر ولا إلى يقين ولا إلى جد ولا إلى نشاط، كما قال النبي ﷺ في هذه الوصية: (فعليكم بالصبر واليقين والجد والنشاط) أين نحن من هذا الجد والنشاط ونحن نتابع موسماً رياضياً الأول يدخل عليه الثاني ويتبعه الثالث، وقنواتنا العربية اليوم لم تقصر، فهي لم تترك بقعة في العالم إلا نقلت ألعابها وترهاتها حتى لا يفوتنا شيء من ذلك، كأنه قد فرغت أوقاتنا وانتهت مهماتنا وصلحت أحوالنا وقويت أمتنا وانتصرت جيوشنا، فلم يعد لنا هم إلا أن نتابع هذا المسلسل أو تلك المباراة أو تلك المسابقة، أو اتصل على ذلك الرقم أو افعل كذا وكذا، في نوع من تتفيه العقول وتسفيهها، وشغل الأمة ورجالاتها فضلاً عن شبابها ونسائها بهذه الأمور السخيفة العارضة، حتى يصل الخور إلى القلوب والنفوس فتركن إلى عدوها وتهزم قبل أن تأتي المعارك.
ولذلك كم من هزيمة وقعت للنفوس والقلوب، بل نحن اليوم نرى من أبناء جلدتنا من يتكلمون بألسنتنا وهم يجوسون خلال ديارنا ويقولونا كلاماً هو أشد وقعاً وأظهر ضرراً مما يقوله أعداؤنا فيما يفت في عضدنا، وفيما يسكننا ويركعنا ويذلنا لأعدائنا، والمؤامرات اليوم لا تخفى على أحد، ولم يعد أحد يجهل اليوم المؤامرات الكبرى التي تحيط بأمتنا الإسلامية.
وكما قلت: قد غزيت ديارها واستبيحت دماؤها وانتهكت أعراضها وسلبت مقدساتها وفعل بها ما فعل، وهي ما تزال ترقص وتغني، وما تزال تقول أموراً عجيبة في شأن أعدائها، نسأل الله السلامة.
стр. 1731
الصدق في المواقف بين واقع الصحابة وواقعنا المعاصر
لقد كانت مواقف التصديق واضحة في أحد، بمعنى أن أقوال الصحابة صدقتها الأفعال: (ويوم انكشف المسلمون بعد أن تخلى الرماة عن مواقعهم وأراد بعض المشركين أن يتوجهوا إلى رسول الله ﷺ ليقتلوه، فأحاط به سبعة من الأنصار واثنان من قريش، فكانوا يدافعون عنه ويذودون عنه ويجعلون ظهورهم ونحورهم دروعاً له، حتى سقط السبعة شهداء بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة الأنصاري يذود عن رسول الله ويرمي، فإذا أشرف الرسول ﷺ قال: يا رسول الله! لا تشرف؛ حتى لا يصيبك سهم من القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! ثم إنه ﷺ رأى رجلاً ومعه بعض الأسهم فقال: انثرها لـ أبي طلحة، فنثرها فكان ينبل عن رسول الله ﷺ ، والشهداء يتساقطون فداء لرسول الله ﵊.
ويوم قال قائل: (أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه قد مات، قال الأنصاري: فعلام الحياة بعده؟! موتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ .
ويوم أن انجلى غبار المعركة: (أمر النبي ﷺ بتفقد سعد بن الربيع سيد من سادات الأنصار، فوجد وبه رمق في اللحظات الأخيرة من حياته، فقيل له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام، فقال: وعلى رسول الله السلام، أبلغ قومي أنه ليس فيكم خير قط إن خلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف، دافعوا عن دينكم وعن رسولكم إلى آخر نفس من أنفاسكم).
تلك هي وصية الثبات، وذلك هو مجتمع الإسلام، وهذا هو واقعنا، وتلك عظة وعبرة؛ كل منا مطالب وقد قامت عليه الحجة بمعرفة سيرة المصطفى ﷺ أن يتدبر بعقله، وأن يتأمل بفكره، وأن يحيي هذه المعاني في قلبه، وأن يشيعها في أهله، وأن يدعو إليها صحبه ومجتمعه، وأن نحرك أمتنا لتجديد مسيرة وسيرة رسولنا ﷺ .
إنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تحني رءوسها ولا أن تذل نفسها لأعدائها، ولا أن تتراجع عن ثباتها على منهجها وسيرها على إسلامها واستمساكها بدينها ورفعها لراية الجهاد في سبيل الله، سيما وهي اليوم معتدى عليها بلا أدنى شك، حتى لو قلنا: إن الجهاد جهاد مدافعة عند العدوان، فقد وقع العدوان وما زال يقع فأين الدفاع؟! وأين الجهاد؟! نسأل الله أن يذب عن ديننا، وأن يذب عن أمتنا، وأن يحفظ للمسلمين أرواحهم وديارهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يوحد بين صفوفهم، وأن يردهم إليه رداً جميلاً، وأن يجعلهم مجتمعين على التقى والهدى.
اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيها أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأرد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم رد كيدهم في نحرهم واشغلهم بأنفسهم واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم وحد كلمتهم وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم ذكراً ذوي القدر الجلي والمقام العلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1732
خطوات عملية في أوقات المحن [١]
تعيش الأمة الإسلامية في هذا العصر في فتن ومحن، وبلايا ورزايا لا تخفى على ذي بصيرة، ولابد لها من البحث عن مخرج من ذلك، وبين يدينا خطوات ونقاط ينبغي الأخذ بها في معالجة الأوضاع، وتصحيح المسيرة.
стр. 1733
رسالة المنبر
الحمد لله منه المبتدى وإليه المنتهى، وهو في كل خير يرتجى، ومن كل شر وضر إليه الملتجأ، نحمده ، هو المحمود على كل حال وفي كل آن، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، بعثه الله إلى الناس أجمعين، وأرسله رحمة للعالمين، وهدى به من الضلالة، وبصر به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وكان أبعدنا عنه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! (خطوات عملية في أوقات المحن) ذلك ما يسأل عنه الناس، ويريدون معرفته، ويعزمون على الأخذ به، وهو موضوع حديثنا اليوم؛ لأننا في هذا المقام ينبغي أن نذكر أنفسنا ونذكر إخواننا بأن مقام الخطبة مقام عظيم، لابد فيه من أن تتوفر كثير من الصفات، ولكننا نشير إلى أهمها.
أولاً: المقصد الأعظم؛ فإن هذا المنبر ليس لمناظرة سياسية، ولا لمظاهرة إعلامية، إنما هدفه الأعظم ومقصده الأكبر: الإخلاص لله ، وابتغاء رضوانه وإن سخط الناس، وقصد وجهه دون الالتفات إلى الناس.
وثانياً: الهدي الأقوم، والاقتداء بسيد الخلق ﷺ ، كيف كان في خطابته وفي تأثيره وفي وضوحه وفي صراحته، وكيف كان في علاجه لأمراض الأمة، وتناول شئونها العامة والخاصة، وكيف كان ذلك دائماً ناشئاً عنده ﷺ من معايشته لأصحابه وأمته، ومن معرفته العظيمة الواضحة الجلية لحاجتها.
وأمر ثالث: مراعاة المصالح والمفاسد، والأخذ بالحكمة والبصيرة.
أما والناس يريدون -كما يقولون- كذا وكذا، فليس هذا مثل وسائل الإعلام يقدم ما يطلبه الجمهور، فنسأل الله أن يجعل لهذه المنابر إخلاصاً لله كاملاً، ومتابعة لرسوله ﷺ تامة، وحكمة فيها بالغة.
стр. 1734
جوانب فكرية في معالجة الفتن والمحن
هذه الخطوات نذكرها حتى نفهم ونفقه، وربما نؤكد ونكرر ونزيد ونعيد لأهمية مثل هذه المعاني، ولست أطيل؛ وإنما أؤكد وأركز على المهم من هذه المعاني التي لابد لنا منها.
стр. 1735
وضوح الرؤية وقوة العصمة
أولاً: وضوح الرؤية، وقوة العصمة: لابد أن نكون على بصيرة واعية، ووضوح تام، وبينة فاصلة من أمر ديننا، وكتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ ، لسنا في شك من أي قضية وحقيقة قرآنية أو نبوية، لسنا نبحث هنا وهناك، لسنا نقبل ما يروج من الشائعات، وما يكون له صدى واسع ودوي كبير من الأخبار أو الأقوال أو المقالات؛ لأننا كما قال الحق في خطابه لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]، بينة من الله واضحة، آيات أنوارها ساطعة، أحكام أدلتها باهرة، لابد أن تكون معرفتنا بذلك ووضوح رؤيتنا فيه حتى في سنن الله الماضية، وفي حكمته البالغة التي نقرؤها في آيات كتابه، ونرى تطبيقها في واقع الحياة؛ كل ذلك له أهميته.
ومن ذلك لا يمكن حينئذ أن يكون شك ولا ارتياب، ولا حيرة ولا اضطراب، إذ هذه هي البينة الواضحة، والرؤية التي ليس فيها غبش مطلقاً، قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس:١٠٥].
قال الله جل وعلا في خطابه لرسوله ليخاطب البشرية كلها والناس أجمعين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٤ - ١٠٦].
ثم من بعد آيات قليلة يعود الخطاب إلى رسول الله ﷺ ؛ ليصرح بها أمام الناس كلهم والخليقة جمعاء قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس:١٠٨ - ١٠٩].
نبقى على ثوابتنا، ونعرف عاقبتنا وخاتمتنا؛ لأن الله جل وعلا قد قال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]، ونوقن أيضاً في وضوح رؤيتنا أن الدائرة على الكافرين، كما كسر الكياسرة، وقصر القياصرة، وأغرق فرعون، فإن ظلمة اليوم من الغزاة المعتدين أمريكان أو بريطانيين عاقبتهم ولو بعد حين إلى ذل وهوان، فلا ينبغي أن تكون هناك عجلة، ولا ينبغي أن تكون هناك حيرة، قد تكون لهم جولة، وقد يكون لهم نصر في دائرة أو ميدان، فهل يعني ذلك أن يدب اليأس إلى النفوس؟ وهل يعني ذلك أن الكفر ظهر على الإيمان؟ وهل يعني ذلك أن نتشكك في حقائق القرآن؟ وهل يعني ذلك أن تضطرب الآراء وتحتار؟! لقد رأى رسول الله ﷺ ذلك ببصيرته النافذة، وكان قد أعلن عن نتائج كثير من معاركه وغزواته قبل بدئها، ألم يكن في يوم بدر قد قال: (والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم: هذا مصرع أبي جهل، هذا مصرع عقبة بن أبي معيط، هذا مصرع أمية بن خلف) لماذا؟ لأن يقينه بالله كان عظيماً؛ ولأنه يعرف أن سنة الله ماضية في نصرة من نصر الله، إن تخلف وعد فلم يكن تخلفه لذات الوعد؛ وإنما لتخلف شروط تحقق الوعد، فلا ينبغي أن نسرف في عواطفنا، وأن نجاري هذه الموجات الإعلامية التي تتلاعب بعواطف الناس، ثم لا يكون لهم من بصيرتهم ورؤيتهم ويقينهم ومعرفتهم القرآنية والإسلامية ما يكشفون به ذلك.
ولقد كانت كسرة في يوم أحد لرسول الله ﷺ ومن معه، فأي شيء صنع ﵊؟ هل استسلم لليأس؟ وهل شك أصحاب محمد في نبوته؟ وهل ظنوا أن الإسلام قد ذهبت ريحه وانقضت أيامه وزالت دولته؟ لم يكن من ذلك شيء، بل خرج بهم رسول الله ﷺ في اليوم الذي يليه ليلاقوا عدوهم؛ ليثبتوا أن الهزيمة لم تصل إلى القلوب، وأنها لم تبلغ النفوس، وأنها لم تخالط العقول، وأنها لم تغير الشعور، ذلك هو الذي كان يقصده رسول الله ﷺ ، لم يكن يقصد مجرد المواجهة المادية بقدر ما كان يريد تثبيت الروح والقوة والفهم المعنوي لأصحابه رضوان الله عليهم.
وهكذا كان في كل واقعة ﵊، يوم بدأت حنين بما بدأت به من ارتداد بعض الأصحاب في أول الأمر، واختلاط الرؤية، وتضارب جيش المسلمين، ونزول السهام والنبال عليهم كوقع المطر؛ ثبت ﵊، وأي شيء كان يقول؟ بعض الذين كانوا من مسلمة الفتح لم يثبت الإيمان في قلوبهم، قال بعضهم: بطل اليوم سحر محمد.
لم يكن عندهم وضوح رؤية، لم يكن عندهم صدق إيمان بعد، فهل نقول مثل ذلك إن وقعت واقعة أو حلت كارثة؟ كلا؛ ينبغي ألا يكون ذلك، لقد قالها ﵊: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، رفع بها صوته، ثبت في موقعه، تقدم في مواجهة عدوه، ثابت العقول إلى رشدها، ورجعت العزائم إلى قوتها، انعطفت الجيوش إلى مقدمتها، فعادت الجولة لأهل الإسلام والإيمان.
ويوم كسر المسلمون في بغداد في محرم من عام (٦٥٦هـ)، وكان ما كان من قتل ثمانمائة ألف وألف ألف كما ذكر ابن كثير، واستحر القتل أربعين يوماً، وسالت الميازيب من دماء المسلمين، وبلغ نتن جيفهم إلى بلاد الشام؛ قامت الأمة من كبوتها، ونهضت من وهدتها، واستعادت عزيمتها؛ لأن كتابها بين يديها؛ لأن سنة نبيها ﷺ أمامها؛ لأن القوة المولدة موجودة، بقي أن نوصلها بنا، وأن نرجع إليها لنشحن أنفسنا بها.
وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر رمضان في يوم الجمعة عام ثمانية وخمسين وستمائة من الهجرة، أي: بعد أقل من ثلاثة أعوام؛ نهض المسلمون، وواجهوا التتار، وكسروهم، وهزموهم، وتتبعوهم حتى لم يبق منهم أحد.
وذلك ما ينبغي أن نعرفه، فليست مواجهتنا لأهل الكفر والعدوان في ميدان واحد، ولا في جولة واحدة، ولا في دولة واحدة، فإن رأينا ذلك كذلك، وخسرنا الجولة، أو ذهبت الدولة كأنما نسينا كل شيء! كلا ينبغي أن ندرك أننا نواجه أعداءنا على مدى طويل من الزمان كما فعلوا وكما يفعلون، وأننا نواجههم في كل الميادين قتالية وفكرية وخلقية وعقدية كما يفعلون: قطفوا الزهرة قالت من ورائي برعم سوف يثور قطعوا البرعم قالت غيره ينبني في رحم الجذور قلعوا الجذر من التربة قالت إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور كامن ثأري بأعماق الثرى وغداً سوف يرى كل الورى كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور وذلك ينبغي أن نستحضره في رؤيتنا: أن يبقى ولاؤنا لله، ولعباد الله، ولدين الله، وأن يبقى بغضنا لأعداء الله، وتربصنا بهم الدوائر، وشحذ هممنا للقائهم، وتغذية أبنائنا ورضاع ذلك مع لبانهم؛ فإنها ليست جولة واحدة إن اغتصاب الأرض لا يخفينا فالريش قد يسقط عن أجنحة النسور والعطش الطويل لا يخفينا فالماء يبقى دائماً في باطن الصخور هزمتم الجيش إلا أنكم لم تهزموا الشعور قطعتم الأشجار من رءوسها وظلت الجذور أبقوا الجذور للإيمان في قلوبكم فسوف تبسق شجرته، وتينع ثمرته، ويعظم ظله ويشمخ بإذن الله رغم أنف كل قوى الأرض قاطبة وإن عظمت، وإن تضخمت، وإن هول الناس هولها وعظموا أمرها!
стр. 1736
معرفة الخلل وطريق العمل
ثانياً: معرفة الخلل، وطريق العمل: لا ينبغي أن نخادع أنفسنا، ما الذي آل بنا إلى هذا الأمر؟ ما الذي جعل عجزنا واضحاً فاضحاً؟ ما الذي جعل ذلنا ظاهراً بيناً؟ ما الذي جعل خلافنا مؤسفاً محزناً؟ ما الذي حل بنا؟ نعم! ذلك كيد من أعدائنا، وهل يتصور من الأعداء إلا ذلك؟ لكننا نريد أن نكاشف أنفسنا أن نضع النقاط على الحروف أن نقرأ آيات القرآن الكريم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١].
انتبه إلى هذه المعاني! ولقد جاءت صريحة واضحة، ليس فيها مداراة ولا مجاملة، خوطب بها سيد الخلق ﷺ ، وصفوة البشر من أصحابه رضوان الله عليهم في حادثة واحدة، في معصية ومخالفة واحدة، في يوم أحد جاء الخطاب الرباني: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥]؟! كيف وقع هذا؟! كيف حل بنا هذا؟! كيف وبيننا رسول الله ﷺ ؟! كيف ونحن ننصر دين الله؟! لقد كان ذلك والرسول معهم والصحب هم الصفوة المختارة، فهل تجاوزتهم سنة الله؟ وهل لم يمض عليهم قدر الله؟ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] كلام واضح، ومحاورة صريحة نفتقدها، ونداري أنفسنا، ونغالطها، ونرمي بالتبعة على الحكام، أو نلبسها على العلماء، أو ندفع بها نحو الأعداء، وكأننا من كل ذلك برآء، وكأننا مطهرون ليس فينا نقص ولا عيب، وكأننا لسنا سبباً من أسباب هذا البلاء، وكأننا لسنا طريقاً من طرق تسلط الأعداء! ولقد تنزلت الآيات في يوم أحد والجراح ما زالت نازفة، والحزن ما زال في القلوب يعصرها، وفي النفوس يفريها ويؤلمها، ومع ذلك جاء الوضوح القرآني والمنهج الرباني، فهل نحن قادرون على أن نقول: نحن أصحاب الأخطاء، ونحن جزء من البلاء، ونحن الذين ركنا في بلادنا وديارنا وأوضاعنا وأحوالنا إلى الأعداء؟! هل نقولها؟ ينبغي أن نقولها، وينبغي ألا نلتفت يمنة ويسرة، أن ننظر إلى ذوات أنفسنا، أن ننظر في المرآة إلى أحوالنا، أن نكشف خللنا، فإذا عرفنا مصدر الخلل يمكن أن نعرف مصدر الإصلاح والعمل، وذلك أمره بين.
إذا شكا أصحاب النبي ﷺ من أمر يسير ومخالفة واحدة، فكيف نحن نسأل اليوم: لم يجري ذلك؟! ولم يحل بنا ذلك؟! ألسنا نرى معاصي تبلغ إلى درجة الكفر بنبذ دين الله، والاستهزاء بكتاب الله، والتعدي على شخص رسول الله ﷺ تقع في ديار المسلمين وبلسان عربي مبين؟ ألسنا نرى فسقاً وفجوراً مما تعلمون؟! وهذه مرة أخرى في وصف أحد: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران:١٥٢] أي: تقتلونهم قتلاً قوياً سريعاً، وذلك في أول المعركة، ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
لـ ابن القيم كلمات كثيرة، انتخبت منها واحدة يقول فيها: من آثار المعاصي والذنوب، قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء، وطول الهم والغم، وظنك العيش، وكسف البال.
كل ذلك يتولد عن المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء.
لم لا نبحث في ذلك كما كان يعرفه ويتشربه سلفنا الصالح؟ روى ابن مسعود -يروى عنه موقوفاً ومرفوعاً-: (إن العبد ليحرم العلم بالذنب يصيبه).
كانوا يرون أن خفاء المسألة أو نسيان النص إنما هو بسبب الذنب.
ومن مقالات السلف: كان أحدنا يجد أثر الذنب في خلق زوجه ودابته.
إذا رأى من زوجته خلقاً سيئاً اتهم نفسه أنه قد قصر أو أساء، فابتلاه الله بذلك، ففي أدق الدقائق وأبسط الأمور كانوا يعرفون ويوقنون أنها من الأسباب، فيبدءون أولاً بعلاج أنفسهم.
لله در أبي هريرة ﵁ حيث يقول لنا: ما بالك تبصر القذاة في عين أخيك ولا تبصر الجذع في عين نفسك!.
نحن بصيرون بالبحث والتنقيب والاستخراج لعيوب الناس، ونحن أعمى الناس عن عيوبنا، وأغفل الناس عن تقصيرنا، إن كنا نريد في هذه المحن والفتن أن نخرج منها بخير فليكن معرفة تقصيرنا وتفريطنا أول ما نبدأ به، ونحن نعلم أن طريق العمل كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
نسأل الله أن يقوي قلوبنا، وأن يعز نفوسنا، وأن يربطنا به، وألا يجعل لنا إلى سواه حاجة.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1737
جوانب نفسية في معالجة الفتن
الجانب النفسي: وهو مهم جداً، ونذكر فيه أمرين:
стр. 1738
المشاركة الشعورية للأمة الإسلامية
المشاركة الشعورية العميقة الصادقة، أين أخوة الإيمان؟ أين نصرة الإسلام؟ أين الصورة المثالية العظيمة الفريدة، والمثل الحي الكامل الذي ضربه سيد الخلق ﷺ بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
لقد كنت أحدث نفسي وحدث بذلك بعض الناس، قلت: إني أنكر من نفسي أن حزنها ما زال قليلاً لا يكافئ المصاب والخطب العظيم، وإن ألم القلب ما زال دون المطلوب بكثير، وإننا ما زلنا نستطيع أن نضحك وأن نفرح، وأن نلهو وأن ننام، وأن نطعم وأن نشرب، وكأن خنجراً لم يطعن في قلوبنا، أو لم ينفذ إلى ظهورنا، وكأننا لسنا مصابين بذلك المصاب الضخم الهائل، كأننا لن يكون لنا هذا الأثر النفسي حتى يكون المصاب في أنفسنا وفي أعراضنا، وفي بيوتنا وحرماتنا.
لقد كان صلاح الدين لا يضحك ولا يتبسم، فلما قيل له في ذلك قال: كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى؟ ذلك كان همهم وحزنهم قد خالط شغاف قلوبهم، وجرى مع دمائهم في عروقهم، لم يملكوا معه أن يناموا وأن يهجعوا، ولا أن يلهوا ولا أن يضحكوا، لابد أن نعمق هذا الشعور، وأن نجعله عظيماً في قلوبنا لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان لابد أن نستشعر هذه المعاني، وأن نعمقها في نفوسنا ونفوس أبنائنا، ألا يتبلد الإحساس ونحن نشاهد المناظر أمامنا؟ كم طفلاً رأيناه مشوه الوجه قد قتلت براءته! كم أماً رأيناها تبكي على رضيعها وصغيرها! كم رأينا ممن فقدوا دورهم وأموالهم! ليس اليوم ليس في العراق فحسب؛ بل في فلسطين على مدى خمسين عاماً، وفي كشمير مثلها، وفي غيرها وفي غيرها، وما زال الحزن في نفوسنا قليلاً! ولقد قلت هذا لأنني أعني به نفسي، وأرى أننا إن لم يكن لنا حرقة نشعر بها تقض مضاجعنا، وتؤرق نومنا، وتجعلنا لا نهنأ بعيشنا؛ فلنتهم أخوتنا، ولنتهم صدق مودتنا، ولنتهم تلاحمنا كالجسد الواحد الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ .
قلب يفيض أسىً وعين تدمع والجسم من فرط الضنى متضعضع نار تمور بها الحشى وتألم يفري نياط القلب فهي تقطع حر يسام أذىً ويهتك عرضه قهراً فيالله كم ذا مفزع! وفتاة طهر بالحجاب تلفعت عنها حجاب الطهر قهراً ينزع وبيوتهم فوق الرءوس تهدمت والطفل مات وأمه تتوجع أفليس في قلوبنا رحمة إنسانية، وأخوة إيمانية، وعاطفة إسلامية؟! ما لم نبكها، ما لم نحركها، ما لم نبتغ بذلك أن نقويها فلن تكون لنا تلك الحركة الإيجابية التي نرجوها ونأملها.
стр. 1739
القوة والعزة والاستعلاء بالإيمان
ثانياً: القوة والعزة: فلسنا نريد لهذه الأحزان أن تنال من عزيمتنا، ولا أن توهن من قوتنا، ولا أن تضعف من عزتنا، كلا، نريدها وقوداً يتفجر قوة، ويتطاير عزة، نريد أن نؤكد في كل الظروف والأحوال، بل في ظروف المحن والفتن على وجه الخصوص أننا نستعلي بإيماننا، وأننا نتشرف ونفخر بإسلامنا، وأننا نرفع رءوسنا، وأننا سادة الدنيا، وأننا معلمو البشرية، وأننا قادة الإنسانية، وأننا دعاة الحرية.
نحن أمة محمد ﷺ ، نحن الأمة التي اختارها الله لتكون الأمة الباقية إلى قيام الساعة، ولتكون الأمة الشاهدة على الأمم يوم القيامة قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
ما بالنا نفوسنا فيها حزن، وقلوبنا فيها ذل، وأحوالنا في تقهقر؟ إذا دام الأمر كذلك فإنه لا يرجى أن يتولد لنا عمل، ولا أن تكون لنا حركة، لابد أن نستحضر قول الحق جل وعلا: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، أقدامنا فوق كل الرءوس وإن علت وشمخت بقوتها المادية؛ فإن قوتنا الإيمانية أعظم، وإن جولتنا أوسع وأشمل، وإن نصرنا عليهم مؤزر مؤكد، ليس في ذلك أدنى شك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ينبغي أن ندرك ذلك، وأن نستحضر موقف ربعي بن عامر، وكلكم يعرفه، وقد قلناه وكررناه؛ لأنه موقف يدل على ما ينبغي أن يعمر قلوبنا ونفوسنا، يوم دخل على أبهة الملك عند رستم، وكان قائداً عظيماً من قادة الفرس في بهرج الدنيا، وزخرف الحضارة، وقوة الجند، وهيبة الملك، فهل لفت نظره شيء من ذلك؟ هل أضعف شيء من ذلك قوته وعزيمته؟ هل نال من فخره وعزته؟ دخل يخرق الطنافس برمحه، ويسير إلى أن يجلس على سرير ملكه، ثم يخاطبه عندما سأله ذلك
السؤال
ما الذي جاء بكم؟ فقال بعزة المؤمن: (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)! لله درك من نموذج للعزة ووضوح الرؤية نفتقده ونفتقر إليه، فكن مسلماً قوياً عزيزا.
فإنك لا تلين لهم جنابا وإنك لا تقيم لهم حساباً ولا تبدي لهم قربىً وزلفى ولا تهدي لشيبهم خضابا وغيرك ينسج الألفاظ عهراً يدغدغ في عهارتها الرغابا وغيرك لا يجيد الرقص إلا على أوتارهم ولها استجابا ورأسك يا أمير القوم قاس ومن قبل المشيب أراه شابا لأنك مسلم ستظل حرباً على الأشرار ترهقهم عذاباً تذكروا وصيحوا دائماً لأن الإيمان أعلى وأجل، ويوم قام أبو سفيان بعد غزوة أحد، وقد رأى شيئاً من نشوة انتصار عابر، يصيح وينادي: أين محمد؟ أين أبو بكر؟ أين عمر؟ ويقول الرسول: لا تجيبوه.
حكمة وحيطة، فلما قال: اعل هبل.
أراد أن يفتخر بعقيدته ويعلي جاهليته، فقال الرسول ﷺ : أجيبوه.
فانتدب الفاروق عمر، فلما قال أبو سفيان: اعل هبل.
قال: الله أعلى وأجل.
فقال: يوم بيوم بدر.
قال: لا سواء، قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة.
يبقى راشد العقل، قوي العزم، رابط الجأش، لا تنال الأحداث من قوته وعزته، نسأل الله أن يقوي قلوبنا، وأن يعز نفوسنا، وأن يربطنا به، وأن يجعلنا أوثق بما عنده مما في أيدينا، وألا يجعل لنا إلى سواه حاجة.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: لابد لنا أن نستحضر هذه المعاني، وأن نتواصى بها، ولقد كنت أريد أيضاً أن أضيف إلى حديثي هذا الجانب العملي، وهو جانب فيه كثير من الخطوات، وكثير من الميادين، ولكن المقام يقصر عنه، وبعض إخواننا قد يرى أن طول الحديث يتعبه أو يرهقه، مع أني لست ممن يريد طول الحديث شهوة في الكلام، وأيضاً: نحن نقضي من الأوقات في كثير من الأمور التافهة ما الله به عليم، ثم لا يكون لنا اجتهاد ولا صبر أن نتذاكر وأن نتحدث، وأن تطول مراجعتنا وأخذنا وردنا في حالنا وبلائنا، وفيما نستعين الله به في مواجهة أعدائنا.
لعلنا -أيها الإخوة الأحبة- أن نكثر من التجائنا إلى الله ، ودعائنا إليه ، وسأجعل حديث الجانب العملي في لقائنا وجمعتنا القادمة إن مد الله في الأعمار.
نسأل الله أن يرد كيد الكائدين، وأن يدفع شرور المعتدين.
اللهم سلط على الغزاة المعتدين من الصليبين الحاقدين، واليهود الغاصبين رجزك وغضبك وبأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد؛ فصب اللهم عليهم سوط عذاب، وكن لهم يا ربنا بالمرصاد، اللهم لا تبلغهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية.
اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، ولا تجعل من المؤمنين للكافرين ولياً ولا ظهيراً، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم إنهم قد طغوا وبغوا، وتجبروا وتكبروا، وحاربوا الإسلام والمسلمين، واستحلوا الحرمات، وسفكوا الدم الحرام؛ اللهم فانتقم منهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم سلط عليهم جند السماء، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أعطب أسلحتهم، وأسقط طائراتهم، وأغرق بارجاتهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
يا ذا الجلال والإكرام! يا من أمره بين الكاف والنون! سدت الأبواب إلا بابك، وانقطعت الأسباب إلا أسبابك، وليس لها من دونك كاشفة، اكشف اللهم البلاء عن الأمة، وارفع الغمة، والطف بنا فيما يجري به القضاء يا رب الأرض والسماء! اللهم إنك على كل شيء قدير، وأنت بكل شيء عليم، إليك الملتجأ، وأنت المرتجى، نسألك اللهم أن تقضي لأمة الإسلام والمسلمين خيراً، وأن تجعل لهم من وراء هذه المصائب والرزايا والبلايا خيراً، وأن تكتب لهم فيها نصراً وعزاً يا ذا الجلال والإكرام! اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والصبية اليتامى، والنسوة الثكالى.
اللهم ارحم إخواننا في العراق وفي فلسطين، وفي كشمير وفي الشيشان، وفي أفغانستان وفي كل مكان.
اللهم انصر المستضعفين، اللهم انتصر للمظلومين، اللهم إنا نسألك أن تمسح عبرتهم، وأن تسكن لوعتهم، وأن تؤمن روعتهم، وأن تقيل عثرتهم، وأن تفرج همهم، وأن تنفس كربهم، وأن تعجل فرجهم، وأن تفك حصارهم، وأن تقهر عدوهم، وأن تزيد إيمانهم، وأن تعظم يقينهم، وأن تجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا على بصيرة وبينة من أمرنا، اللهم لا تفتنا ولا تفتن بنا، وإذا قضيت فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين.
اللهم ثبت المجاهدين، اللهم أمدهم بقوتك وحولك ونصرك وعزك وتأييدك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا في هذه الأيام المباركة عملاً صالحاً ترضى به عنا، وترفع به البلاء عنا، وتنصر به إخواننا، نسألك اللهم أن تسخرنا في نصرة دينك، وأن تستخدمنا في طاعتك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن توفق ولي أمرنا لهداك، وأن تجعل عمله في رضاك.
اللهم الطف بنا فيما تجري به المقادير يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1740
خطوات عملية في أوقات المحن [٢]
إن المحن والمصائب قد توالت وتتابعت على أمة الإسلام بسبب ما تمادت فيه من ارتكاب للذنوب والمعاصي والسيئات، وإن من أعظم ما يثبت المؤمن وينهض بالأمة عند المحن هو التزود من الطاعات والعبادات لله ، وكذلك دعاء الله سبحانه والتضرع بين يديه، لعل الله أن ينظر إلى هذه الأمة الضعيفة بعين الرحمة، فيفرج عنها ما هي فيه.
стр. 1741
أهمية الخطوات العلمية لنهضة الأمة عند حلول المحن
الحمد لله أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبد الله جل وعلا ورسوله الكريم، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! قد يكبر الجرح، ويكثر النزف، وتعظم البلية، وتتضاعف الرزية، ولكننا ينبغي أن نعي أن البكاء لا يشفي، وأن الدمع وحده لا يروي، وأن الحزن وإن عظم لا يغني، وأنه لابد من أن نعود إلى نفوسنا لنشحذها همة وعزيمة، وإلى قلوبنا لنملأها إيماناً ويقيناً، وإلى عقولنا لنحشوها رشداً وبصيرة وهداية، وإلى أحوالنا لنشيع فيها إصلاحاً وإحساناً واستقامة.
لابد ألا نكون متأثرين بردود الأفعال، ولا يكون كل حدث يمر، وكل مصيبة تحل سحابة صيف تنقشع فتعود العقول إلى غيها، والألسنة إلى لغوها، وتعود النفوس إلى لهوها، والأوضاع إلى حالها، لا يتغير من ذلك شيء، فلا يحصل من أثر الخير الذي نرجوه ما نؤمله من رحمة الله، وما ننتظره من نصر الله، وما نتوق إليه وندعو به من هزيمة أعداء الله؛ لأن سنن الله جل وعلا ماضية؛ ولأن قدره غالب .
خطوات عملية لنهضة الأمة الإسلامية، أسلفنا الحديث فيها عن الجانب الفكري في أمور أساسية مهمة: من وضوح الرؤية، وقوة العصمة، ومن معرفة الخلل، وطريق العمل، وجوانب نفسية: من المشاركة الشعورية الإسلامية، ومن روح العزة الإيمانية.
واليوم نقف مع الجانب العملي، ولئن طال حديثنا فيه فإنه جدير بذلك، ولئن قال بعض من قد يسمع حديثنا هذا: ما لك ترجع إلى البدايات الأولى؟! ما لك تذكر بالمعلوم المعروف من ديننا كأنما نحن لا نعرف ذلك؟! فأقول: إن مشكلتنا الكبرى أننا نغالط أنفسنا ولا نصارحها، ونجاملها ولا ننصحها، وأننا كثيراً ما نبحث عن الأخطاء، ونعلق المسئوليات على هذا وذاك، ونرمي أعداءنا بفاحش القول وعظائم التهم، ولا ننظر إلى أنفسنا لنرى قصورنا، ولنعرف الوهن الذي يأتي من قبلنا، ولننظر إلى الثغرات التي يجوس الأعداء من خلالها عبرنا.
نحن نريد -كما أسلفت مرات وكرات- أن يكون ما يمر بنا من قدر الله محركاً لنا نحو ما يريده الله جل وعلا منا، وقد ذكرنا ما يتعلق بالفكر والنفس؛ لأنه أساس المنطلق؛ ولأنه قاعدة الارتكاز؛ ولأنه نور المستقبل الذي يبصرنا بالطريق الهادي والموصل إلى مرضاة الله .
стр. 1742
من الخطوات العملية عند حلول المحن كثرة الطاعات
وأما الخطوات العملية في نهضة الأمة فكثيرة؛ ولكنني أوجز المهم منها في هذه القواعد التي أحسب أننا نحتاج إلى مزيد من الحديث عنها.
أولاً: كثرة الطاعات.
ونحن نعرف أن الخير إنما يستجلب من الله بالتقرب إليه، وأن من أراد رحمته تعرض لها بطاعته، وأن من أراد مغفرته سعى إليها بمناجاته، وأنه لا يمكن أن ننال رحمة الله ولا نصره ولا عزه ما لم ننصر الله جل وعلا، ما لم نقبل عليه، ما لم نحسن صلتنا به، ما لم نعلق حبالنا به، ما لم نجعل توكلنا عليه، ما لم نفض بحوائجنا وذلنا وتضرعنا بين يديه؛ ما لم يكن أمرنا كذلك فستظل قلوبنا مشرقة ومغربة، وستظل آمالنا مخيبة ومضيعة، مرة نعلقها بمجرمين يتحدثون بألسنتنا، وفسقة يتصدرون في ديارنا، ومرة نعلقها بأعدائنا من اليهود أو النصارى، ومرة قد نظن أن في أنفسنا قوة، وأن بين أيدينا أسباباً تغنينا عن صلة الله ، فحينئذ نؤتى كما أتينا هنا وهناك، ليست بغداد ولا أفغانستان، وليس ما قبلها وما بعدها، وإنما هو هذا الأمر الذي ينبغي أن نحرص عليه.
وأقولها في البدهيات وفي الأصول والأساسيات؛ لأنها التي جاء بها محمد ﷺ ؛ لا يقل أحد: إن هذا أمر نعرفه؛ فإن تقصيرنا فيه ظاهر، وأقولها من بدايتها ومن أولها، ومن ألفها وبائها حتى ننتهي إلى يائها: حافظ على أداء الفرائض من الصلوات، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، هذه العبادة والشعيرة والركن والفريضة، هي صلة العبد بربه كما أخبرنا النبي ﷺ ، كما روى مسلم في صحيحه من حديث المصطفى ﷺ : (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله).
стр. 1743
من أسباب ضعفنا هجر الصلوات
ولعلي أقولها صريحة: من أعظم أسباب ضعفنا وذلنا أنه قد كثر فيما بيننا هجر الصلوات، وعدم أدائها بالكلية، فضلاً عن التفريط والتقصير والتأخير، وغياب القلب، وذهاب العقل في أثناء أدائها، فإذا كانت هذه الركيزة وتلك الفريضة التي أخبر النبي ﷺ أنها من آخر ما يحل من عرى الدين، فكيف بنا بعد ذلك نسأل: أين نصر الله الغائب المرتقب؟! أين العز والتمكين الذي تتوق إليه النفوس؟! إنه أمر واضح وبين.
احرص على شهود الجماعات، أين هذه الجموع الغفيرة في الصلوات؟ ومع النداء والأذان؟ وفي الصفوف الأولى؟ كيف نريد أن نتقدم لمواجهة أعدائنا ونحن لا نبادر ونتقدم لطاعة ربنا؟ كيف نتنافس في ميادين الجهاد في قتال عدونا ونحن لا نتنافس في السبق إلى مرضاة ربنا، وأداء فرائضه ؟! إنه لابد لنا أن نعي وعياً عميقاً أن هذا مرتبط بذاك، وأنه مقدمة له، وأنه سبب معين عليه، وأنه الذي يكون بإذنه بداية لما يأتي بعده من الخير: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣١]، والله جل وعلا قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النور:٥٦]، ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ [الحج:٣٥]، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٦٢]، بصيغة الجمع والجماعات التي بترت إلا من رحم الله، حتى قال ابن مسعود مقالته في عهده وزمانه، محذراً ومنبهاً ومذكراً بالعهد الأول الذي بناه وعلمنا إياه رسول الله ﷺ ، فماذا يقول ابن مسعود؟ (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله تعالى جعل لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم تصلون في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف).
كيف نواجه أعداءنا ونستنزل نصر ربنا وفينا نفاق؟! أخبر ابن مسعود بأنه كان أمراً واضحاً جلياً معلوماً عند جيل الصحابة (وما يتخلف عنها إلا رجل معلوم النفاق)، ويخبرنا أنها من سنن الهدى، وأن تركها ترك لسنن الهدى، وأن ترك سنن الهدى مقدمة للضلال والغي والانحراف الذي تلفعت به أمتنا ردحاً من الزمن، وما يزال فئام من أبناء الإسلام يعيشون في ظلامه وغياهبه، ويدرجون في ضلالاته ومتاهاته، بعيداً عن هدى الله، بعيداً عن الصلة بالله، بعيداً عن طاعة الله، بعيداً عن بيوت الله، بعيداً عن الأخوة في الله، بعيداً عن استماع آيات الله.
كيف نرشد؟ كيف نصلح؟ كيف نستطيع أن نقوى ونعز؟ كيف نستطيع أن نجابه ونقاوم وفينا مثل هذا الخلل الأعظم الكبير؟! إنه خطاب قد قاله الله جل وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ في سنته، وتواصى ويتواصى بذلك كل أهل الإسلام في كل زمان ومكان، ولعلي أعيد ما قلته: قد يقول القائل: ما لنا نتحدث في هذه الأصول، وتلك البدهيات المعروفة؟ وأقول: هل أغنى عرفانها والعلم بها عن التحقق والالتزام بها؟ أين نحن من ذلك ونحن لا نرى إلا خللاً وضعفاً وتقصيراً وتفريطاً وابتعاداً عن كل هذه الأمور الأساسية المهمة؟!
стр. 1744
أهمية جهاد النفس على إقامة الصلوات
ولعلي أشير إشارة قد أكثرت من الحديث فيها من قبل: لئن لم يقو أحدنا أن يغالب راحته، وأن يجاهد نفسه، ويخرج في غلس الليل ليشهد صلاة الفجر، مبكراً إليها، مقدماً بين يديها سنتها التي هي خير من الدنيا وما فيها، فكيف نزعم أننا نستطيع أن نجاهد أعداءنا، وأن نصنع كذا وكذا! ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، تشهده الملائكة، وينام عنه مئات الآلاف، بل أحسب أنهم ملايين من المسلمين، يصب الأذان سمعه في ضوء الفجر، ولا يصب في آذان كثيرة قد بال فيها الشيطان كما أخبر رسول الهدى ﷺ عندما أخبر عن ذاك الذي لا يصلي حتى يوقظه حر الشمس، قال: (ذاك رجل قد بال الشيطان في أذنيه)، أخبر أهل العلم في شرح هذا الحديث بأن المراد: أنه تمكن منه تمكناً حتى جعله موضعاً لقاذوراته ونفاياته.
أفلسنا -أنا وأنت- قد نكون من هذا الصنف في بعض الأحوال؟ وأن بعضاً من المسلمين لم يعد في قائمة حياته وبرنامجه اليومي أن يصلي صلاة الفجر في وقتها، فضلاً عن أن يؤديها في جماعة، وأن وقت الدوام والعمل أو السفر والارتحال أعظم عند كثير من الناس من طاعة الله، وعبادة الله، وأداء فريضة الله، ثم نشكو من بعد ذلك، ولا نطلب الشفاعة التي نلتمسها في طاعة الله ، ولا نطلب الوقاية والحماية التي أخبر بها رسول الهدى ﷺ في حديث جندب بن عبد الله عن رسول الله ﵊: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) رواه مسلم.
стр. 1745
الصوم قوة معنوية وتربوية في مواجهة الصعاب
وهذا باب واسع، زد من الصيام؛ فإنه عبادة وتربية، وطهارة وتزكية، إنه قوة إيمانية، إنه قدرة على مواجهة صعوبات الحياة، وتهذيب شهوات النفس، إنه ضرب من ضروب القوة المعنوية المهمة، والاستعلاء الإيماني الفريد، والقدرة على حزم الأمر، وإمضاء الإرادة، وشحذ الهمة، ونحن نحتاج إلى ذلك حاجة عظيمة؛ لأن الصيام جنة كما أخبر النبي ﷺ ؛ ولأنه شفيع لأصحابه يوم القيامة مع القرآن؛ ولأنه كما أخبر النبي ﵊: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً) لم لا نجعل هذا ديدناً لنا؟ لم لا نجعل من هذه الأحداث رداً لنا إلى مزيد من الطاعات؟ أليس قد أخبر النبي ﷺ بهذا، وقام به، وعمله، وانتدب إليه، واتبعه عليه أصحابه فكان كثيرون منهم يدمنون ويديمون ويواصلون الصوم في كثير من الأيام وخاصة فضائلها، فكانوا حينئذ خفافاً لينطلقوا إلى طاعة الله، وليلحقوا بالصفوف في الجهاد في سبيل الله؟ ونحن إذا جاء هذا النداء، وقد ملئت بطوننا، وثقلت أجسامنا، وعظمت شهواتنا، وشغلت بهذه الملذات أفكارنا، فلا نكاد ننطلق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨].
ينبغي أن ندرك أن ضعفنا من قلة عبادتنا، والصوم عبادة فيه الخفة والقوة المحلقة نحو مرضاة الله ، جاء في حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال، قال: وصيام حسن صيام ثلاثة أيام من الشهر) رواه ابن خزيمة في صحيحه.
فلا أقل من أن نحرص على هذا فيكون لنا منه زاد.
стр. 1746
إنفاق الأموال في نصرة المسلمين
والثالث ما نذكره في كثرة الطاعات: الإنفاق في مصارف المسلمين ونصرتهم.
ولئن كان هذا الإنفاق سبباً من أسباب المادة فإنه قبل ذلك سبب من الأسباب المعنوية الإيمانية التي يُمحص بها الإيمان، والتي تبتلى بها النفوس، حتى قال النبي ﷺ كما روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة: (شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع)، وأخبر النبي ﷺ أنه لا يجتمع في قلب عبد: الإيمان والشح.
وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
إنها النفوس المرتبطة بالأموال، المتعلقة بالملذات، كيف نستطيع تهذيبها؟ كيف نستطيع أن نجعل فيها تعظيم أمر الله، ونصرة دين الله، وإعانة عباد الله قبل أن تكون مسخرة لشهوات البطون والفروج والملذات والترف والنعيم؟ ما بالنا ننفق أموالنا في شهواتنا، ولا يكاد أحدنا تجود نفسه إلا بأقل القليل على مضض وتردد إذا دعي للإنفاق في سبيل الله، ويقول: أريد الجهاد في سبيل الله، ولا يجاهد بماله ليكون ضرباً من ضروب الجهاد كما روى أبو داود والنسائي في سننهما من حديث رسول الله ﷺ : (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)؟ ونعلم كثيراً من الآيات التي تقدم الأموال على الأنفس، فهل جاهدنا بأموالنا؟ وهل جعلنا ما هو فرض علينا أولاً، وما هو زائد على الفرض لننصر ديننا، ونعلي راية ديننا، أم أننا ما زلنا نبخل بذلك؟ ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
ليس أحد بأعز على الله من أن يمضي فيه أمره، وأن تجري عليه سنته: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، والرسول ﵊ أخبرنا -كما في الصحيح- بأنه: (من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) ألست تكفل يتيماً قد مات والده مجاهداً مستشهداً في سبيل الله؟ ألست تعين حينئذ على مواجهة أعداء الله؟ ما بالنا ننفق أموالنا لنقوي أعداء الله، ولنجعل الأموال في أيديهم ليستعينوا بها على حرب الإسلام وأهله؟ نداء نقوله بالعقل والقلب، وقبل ذلك بالدين والشرع: المدخنون كم ينفقون من الأموال؟ هذا ينفق قليلاً وهذا ينفق قليلاً، وإذا بنا نقول وتقول الأرقام: إن عشرات البلايين من الريالات تنفق في بلدنا هذا على هذا الدخان! أفهذا عقل عند من يرون أنهم مستهدفون من أعدائهم؟! أفهذا تصرف حكيم عند من يقولون: إنهم يريدون أن يطوروا أحوالهم وينصروا أمتهم؟! وانظر إلى ما وراء ذلك من السرف والترف في الزواج وفي غيره! وانظر إلى الإنفاق في البذخ وفي غير هذه الأبواب المعروفة التي يشعر المرء كأن شيئاً منها لم يتغير، وكأن ما جرى وما قد يجري لا يخصنا، ولا يغير من واقعنا شيئاً.
هل غيرنا بعض ما نصرفه على كماليات لا فائدة منها ولا حاجة إليها، فضلاً عن محرمات ومكروهات وموبقات نصرف فيها الأموال، لندفعها إلى أيدي الأعداء، ولنشتري منهم، ولنأخذ منهم هذه المهلكات والمدمرات؟ ثم نقول بعد ذلك: إننا أمة مستهدفة، ونريد أن نواجه أو نقاوم! ذلك أمر عجيب! بخل في الطاعات، وسرف في المحرمات، ولسنا نريد أن نقول: كونوا كما كان أسلافنا، لسنا نريد أن نذكر بـ عثمان يوم جهز جيش العسرة، وسخر كل ما بيده في خدمة دينه، ونصرة أمته، وإعلاء إسلامه، ومواجهة أعدائه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، مجرد التقدم في هذا الباب يجعل هناك فرقاً في المراتب، واختلافاً في الدرجات، وينبغي لنا أن ندرك هذا وأن نعرفه.
ولعلي هنا أختم بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂، وهو يجمل لنا هذه الجوانب التي ذكرتها؛ قال ﵊: (ثلاث أحلف عليهن: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كما لا سهم له، وإن أسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة) هذه الأسهم أين حظنا منها؟ وأين نصيبنا؟ أول هذه الخطوات العملية: كثرة الطاعات؛ فإنها بداية التصحيح.
стр. 1747
من الخطوات العملية عند حلول المحن استدامة الدعوات
ثانياً: استدامة الدعوات: وليس الدعاء إذا حلت المصائب، ولا إذا نزلت النكبات، بل كما ورد في حديث النبي ﷺ الذي رواه أبو هريرة عنه ﵊ أنه قال: (من سره أن يستجيب الله له عند الكرب والشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وصححه.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢] إنه الله الذي قال لنا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] أين نحن من دعائنا قبل الصلوات، وفي أثناء الصلوات، وبعد الصلوات؟ أين دعاؤنا في المجتمعات والمنتديات التي ينبغي أن تفتتح بالدعوات وأن تختم بالدعوات؟ أين نحن من دعائنا في السكون والخلوات، في جوف الليل، وقبيل الفجر، وفي الساعات الأخيرة من هزيع الليل الأخير، يوم ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: (هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، وذلك الدهر كله)؟ ليس في يوم النكبة، ولا في زمن المحنة، بل في كل يوم.
стр. 1748
صور من إجابة الدعاء
نريد أن نرى كيف كان اليقين بهذا الدعاء يوم كان الإيمان في القلوب راسخاً، ويوم كان الصلاح والاستقامة في الأحوال الباطنة والظاهرة بيناً، فكان أحدهم يدعو جازماً بإجابة الله للدعاء، حتى اشتهر من بين الصحابة رضوان الله عليهم من كان مجاب الدعوة كما في شأن سعد بن أبي وقاص، الذي خاطبه المصطفى ﷺ فقال: (أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة)، فسمع سعد رجلاً ينال من علي وطلحة، فنهاه وزجره فلم ينزجر، فقال: اللهم سلط عليه.
فجاء جمل هائج يسير بين الناس، حتى وقع على الرجل بعينه فدكه، ثم داسه بأقدامه حتى قتله.
وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، ادعت عليه امرأة زوراً وبهتاناً أنه أخذ شيئاً من أرضها، فلما خوطب بذلك قال: كيف هذا وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اقتطع قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبعين أرضين)؟ ثم قال: (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها)، فعمي بصرها، وسقطت في دارها فماتت.
وأبو معاوية الأسود في مواجهة مع الروم خرج علج من علوجهم، فكان من أشدهم أذىً على المسلمين، فجاء إليه بعض المسلمين وقالوا: هذا فعل كذا وكذا، فادع الله عليه.
فأخذ حربته ودعا وقال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، ثم قال: أين تريدون؟ قالوا: المذاكير.
فرمى بها فما أخطأ موضعهم الذي قالوه، فقتل الله عدوه .
ونحن نقول هذا لأن بعض الناس ما زالوا يقولون: وما نفع الدعاء؟ دعونا فلم يجب الله دعاءنا! وما علموا أنهم ما استوفوا شروط إجابة الدعاء، وأنهم قد سدوا طريق الدعاء والقبول بكثير من ضعف اليقين، إضافة إلى الإعراض عن الطاعات، والوقوع في المعاصي والسيئات.
ونحن نقول ذلك حتى نعظم هذا الإيمان في قلوبنا ثقة بالله ، وإفضاءً إليه بمكنون نفوسنا، وضعف حالنا كما كان رسول الله ﷺ يفعل عند كل مواجهة لعدوه، وعند كل خطب يحل به.
نسأل الله أن يرفع عنا البلاء، وأن يكشف الضراء، وأن يلطف بنا فيما يجري به القضاء، ونسأله أن يرزقنا دوام وإخلاص الدعاء؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1749
لزوم الأخذ بالأعمال الصالحة حسب الأولوية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله كثرة الطاعات، واستدامة الدعوات، والحرص على الاستقامة في الأحوال.
ولعلي -أيها الإخوة الأحبة- أؤكد أننا نحتاج إلى مثل هذه المعاني والأصول والقواعد والأركان والفرائض، وأن نكون صرحاء مع أنفسنا، فلسنا في غنى عن التذكير بهذا والتواصي به، بل نحن في حاجة إلى التقريع عليه والتوبيخ على التقصير فيه، وفي حاجة إلى أن نحزم الأمر ولو بشيء من الشدة والغلظة؛ حتى نؤدي هذه الواجبات، ونقوم بتلك الأركان.
وليس هذا هو الأمر العملي الذي نتحدث عنه فحسب، فإن الذي ذكرناه الآن إنما هو الدائرة الأولى في ذات نفسك، ولنا دوائر من بعد: دائرة الدعوة والتربية والإصلاح لعموم الأمة، ودائرة رابعة مهمة، وهي: دائرة الوقاية والمقاومة لأعداء الله.
وينبغي أن نأخذ الأمور أولاً فأول، فإذا عجزنا عن الأصول فنحن في الفروع أعجز، وإذا تركنا الواجبات فنحن للتطوعات أترك وهكذا، ولئن كنا نريد لأنفسنا الخير فلنكن على أهبة الاستعداد لنصارح أنفسنا بواقعنا؛ حتى لا يقال: إنه قد كان منا ما كان، ونحن نطلب النهايات ولم نأت بالبدايات، ونرجو النتائج ولم نعمل بالمقدمات، ونريد المسببات ولم نأخذ بالأسباب، فلعل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى.
اللهم اهدنا، واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين.
اللهم لا تفتنا، ولا تفتن بنا، وإن قضيت فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين.
اللهم إنا نسألك أن ترينا الحق حقاً وأن ترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلاً وأن ترزقنا اجتنابه، وأن تهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأن تخرجنا من الظلمات إلى النور.
اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا عباداً لك مخلصين، وجنداً في سبيلك مجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك إخلاصاً في القول والعمل، وأن تجنبنا الفتنة والزلل، وأن تغفر لنا ما مضى وما هو آت، وأن توفقنا للطاعات، وأن تجنبنا المعاصي والسيئات.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بالصليبيين المعتدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك بهم وبحلفائهم أجمعين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم رد كيدهم في نحورهم، وقنا اللهم من شرورهم.
اللهم اجعل الدائرة عليهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، اللهم لا تبلغهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، أنزل اللهم عليهم سخطك، وأحل بهم نقمتك، واشدد عليهم وطأتك، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار.
اللهم إنهم قد أفسدوا في البلاد، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، اللهم فسلط عليهم سوط عذاب، وكن لهم يا ربنا بالمرصاد، اللهم شردهم كل مشرد، ومزقهم كل ممزق، واجعلهم لمن خلفهم آية وعبرة يا رب العالمين.
اللهم لا تجعل لهم في ديار الإسلام قراراً، اللهم لا تجعل لهم فيها أمناً ولا استقراراً، اللهم لا تجعل لهم فيها نصراً ولا عزاً ولا استكباراً، اللهم اجعلها عليهم ذلاً وعاراً، وأشعلها عليهم ناراً يا ذا الجلال والإكرام يا رب العالمين.
اللهم الطف بعبادك المؤمنين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم آمن روعاتهم، وسكن لوعاتهم، وأقل عثراتهم، وامسح عبراتهم، وفرج همومهم، ونفس كروبهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم اجعلنا أوثق خلقك بك، واجعلنا أفقر الفقراء إليك، وأغنى الأغنياء بك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة.
اللهم إنه لا حول ولا قوة لنا إلا بك، اللهم فأمدنا بحولك وقوتك وعزتك ونصرك وتأييدك يا رب العالمين.
اللهم أفرغ في قلوبنا الصبر واليقين، وثبت أقدامنا في مواجهة المعتدين.
اللهم وحد صفوفنا، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا.
اللهم اجمعنا دائماً على الحق والهدى والتقى يا رب العالمين.
اللهم اجعل هذا البلد مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم وحد كلمتهم، وثبت خطواتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على أعداء الإسلام والمسلمين يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1750
خطوات عملية في أوقات المحن [٣]
لا مخرج لهذه الأمة من الفتن والمحن التي ابتليت بها إلا بأمرين مهمين: الأول: النظر في حال الأمة وتقصي جميع العيوب والنقص الموجود.
الثاني: إصلاح ومعالجة هذا النقص وهذا الزلل بدءاً بالأسرة الصغيرة وانتهاءً بالأمة والشعوب، وإذا لم نكن كذلك فإننا سنبقى على حالنا، وربما نرجع إلى الأسوأ والعياذ بالله، وحينها يحل علينا غضب الله سبحانه.
стр. 1751
الجوانب الإصلاحية لنهضة الأمة ونصرتها
الحمد لله أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، وأمرنا بالعدل والإحسان، ونهانا عن الظلم والطغيان، وجعل طاعته جل وعلا سبباً لنزول رحمته، وتحقق نصرته، وجعل معصيته سبباً لحصول النقم، ورفع النعم، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وأكمل به الشريعة والدين، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا موصول في واجباتنا العملية التي يلزم أن نتواصى بها، وأن تكون الأحداث التي تجري معيدة لنا إليها، ومذكرة لنا بها، ومعينة لنا على أدائها، وقد أسلفنا القول في أمرين اثنين: من كثرة الطاعات، وصدق الالتجاء ودوام الدعوات.
واليوم نتحدث عن نصر المسلمين، ليس ذلك النصر الذي يختزله بعضنا فلا يراه إلا في ميدان قتال يعجز عنه الآن كثير من الناس، ولا تتيسر أسبابه ولا طرقه، بل ولم تتهيأ عند كثير من الناس أسبابه وإعداده المطلوب، ولكن نصر المسلمين بالإصلاح الداخلي الذي يكون متواكباً ومتزامناً، والذي يكون طريقاً مؤدياً إلى قوتهم وقدرتهم على مواجهة عدوهم.
نداءات ثلاثة نحتاج إليها: أصلحوا أنفسكم، وربوا أبناءكم، وغيروا مجتمعاتكم، وإن الدائرة الأولى هي دائرة الانطلاق التي نواجه بها أنفسنا من غير مغالطة ولا مجاملة، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك، إلا أننا نوضح المفاتيح الأساسية المهمة التي نحتاج إليها، فإننا نحتاج أن نحارب جهل النفوس بالعلم، وأن نحارب ظلمها بالإنصاف والعدل.
стр. 1752
محو الجهل بالعلم
أول هذه الجوانب الإصلاحية: من الجهل إلى العلم.
كم نحن مدركون لحقيقة خطر نفوسنا التي بين جنبينا! قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣]، نحمل بين أضلعنا سبباً إن لم نفطن له ونحرص على تقويمه كان من أسباب ضعفنا وانحرافنا.
قال ابن القيم ﵀ فيما ينبغي معرفته عن النفس الأمارة بالسوء: أن يعرف أنها جاهلة ظالمة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح.
ويبين الواجب فيقول: إنه لا بد من بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها عن وصف الجهل، والعمل الصالح الذي يخرجها عن وصف الظلم.
ولقد استعاذ الرسل والأنبياء من الجهل بمعناه الواسع، إذ ليس الجهل هو مجرد ترك العلم أو عدم العلم، بل ربما يكون مع العلم، وذلك بما يكون من إعراض، وعدم التزام واهتمام واقتداء، فيكون ذلك صرفاً للناس عن الحق، واتباعاً للنفس في الهوى والشهوة وغير ذلك، ومن هنا جاء على لسان موسى ﵇ كما في كتاب الله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، قال القرطبي ﵀: وفي هذا دليل على قبح الجهل، وأنه يفسد الدين.
ومن هنا لا بد لنا أن ندرك هذه القضية الخطيرة، وأن نجعل لجهلنا علاجاً شافياً كما أخبر رسول الهدى ﷺ : (إنما شفاء العي السؤال)، وذلك أمر مهم لا مناص من الأخذ به؛ لأنه إن وجد ذلك الجهل بوصفه العام وجدت معه كثير من الصور السلبية من الإعراض والجحود، ومن فعل المنكرات، وارتكاب السيئات؛ لأن هذا هو الذي قاله الله جل وعلا، وبينه سبباً وعلة كما في قصة لوط ﵇: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:٥٥]، وكان سياق حديث الأنبياء لرسلهم يبين هذه العلة، كما قال هود ﵇: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣].
ولعلنا هنا نسائل أنفسنا: ما الذي نعرفه من ديننا الذي يعادينا الناس من أجله، وتتكالب الأمم علينا لوجوده في قلوبنا وفي نفوسنا وفي عقولنا وفي مجتمعاتنا؟ ألا نستحيي أن يكون علمنا بكتاب ربنا أن نقرأ منه آيات من عام لعام، وأن يكون فهمنا له أقل من القليل، وأن يكون تدبرنا في آياته نادراً عابراً غير أصيل ولا مكين في واقعنا وفي حياتنا؟! ومن هنا أقولها، ونحتاج أن نذكر بها، وقد أسلفنا فيها أحاديث وليس حديثاً واحداً: تعلموا القرآن تلاوة واستماعاً، تدبراً وانتفاعاً.
عجباً! نحن عرب، لساننا لسان القرآن الكريم، ثم إذا بنا في قصار السور لا في كبارها لا نعرف مفردات ولا معاني للكلمات، ونقرأ بعضاً من هذه الآيات وكثيراً ما يغيب عنا جزء أصيل من معانيها، وتمر الأيام، وتتوالى الأعوام وكأن شيئاً لا ينقصنا، وكأن قضية خطيرة ليست حاضرة بيننا: أن نعرف كتاب ربنا الذي هو أساس عزنا، ودستور حياتنا، ونور بصائرنا، وهداية قلوبنا، كيف نزعم ذلك ونحن عنه بعيدون، ونحن به غير عالمين، ونحن في واقعنا إلى حد ما في كثير من الأحوال غير متبعين؟ إنها قضية مهمة! وأعجب من ذلك أننا لا نعرف هذا ولا نسعى إليه مع توفر الأسباب وكثرة الوسائل، فمن لا يحسن القراءة لن يعجز أن يصغي إلى حسن التلاوة، ومن لا يجد الوقت ليذهب إلى درس، فإنه يستطيع أن يحضر الدرس إليه، ويسمعه في شريط في بيته أو سيارته، ومن لا يستطيع هذا ولا ذاك يستطيع أن يقرأه في كتاب، ويستطيع أن يسمعه في مذياع، ويستطيع أن يراه في شاشة؛ لكنها الهمة التي قصرت، والغفلة التي عمت، لكنه صدأ القلوب الذي ران عليها، لكنه سهولة أن نوزع العلل والأخطاء على الآخرين، ولا ندرك قصورنا الذي نحتاج إلى علاجه.
تعلموا السنة النبوية، سيرة المصطفى ﷺ ، أحاديثه التي لم تترك لنا شيئاً من أمور حياتنا إلا وجاءت لنا فيه بإرشاد ودليل وهدي منه ﵊، كم نحفظ من الأحاديث؟! كم نفقه من معانيها؟! كم قرأنا من شروحها؟! كم نعرف من سيرة النبي ﷺ ؟! إن الواقع محزن، ولا بد أن ندركه، ليس على مستوى عوام الناس، بل في طلبة الجامعة من تسأله وتتحدث معه إلى أمور أساسية كلية من سيرة النبي ﷺ ، بل والأحداث الكبرى فيها، فلا يرد جواباً، ولا يحوز علماً، ولا يعرف شيئاً، ثم بعد ذلك نقول: إننا نريد أن نفعل ونفعل، ونريد أن نواجه أعداءنا، ونحن لم نعرف الهدي الذي نسير عليه، والهدى والنور الذي نتبعه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
هل قرأت أخي كتاباً كاملاً في السيرة؟ هل قرأت كتاباً كاملاً في حديث وسنة النبي ﷺ في مهمات الأحوال والأعمال التي تحتاج إليها؟ إن لم تكن تستطيع ذلك فاعلم -والحجة قائمة عليك- أنها موجودة مسجلة، كل الكتب الكبرى والأساسية، وكذلك الأحاديث التي تبث وتذاع، وكذلك السيرة التي تدرس في الدروس كلها بين أيدينا، ولكنها -مرة أخرى- الهمم العاجزة، والدنيا المشغلة، والتراخي العظيم الذي نعجز به ونقصر فيه عن كثير من واجباتنا.
ثم نقول: تعلموا الفرائض.
وهذا من العجائب! بعض أهل الإسلام ليس في شرق الأرض ولا غربها، بل في هذه الديار، بل في هذه المساجد، بل في هذه المدارس التي تدرس علوم الدين؛ لا يعرفون أحكاماً من فرائض الإسلام وأركانه الخمسة، وفي ديار الإسلام الأخرى كذلك ما هو مثل هذا وأكثر! ولقد قلت مرة، ولمست شيئاً من ذلك منذ سنوات في زيارة لبعض بلاد الإسلام، قلت: إن سألت فيها مسلماً عن أركان الإسلام هل عددها ستة أو خمسة؟ فمن أجابك بإجابة صحيحة فعض عليه بالنواجذ؛ فإنه من خير القوم؛ لأن الجهل قد عم، والناس لا يسألون، وهذا عجب! تجد من الناس من يبلغ به العمر عتياً، وهو في الحكم الفقهي قد بطلت صلاته كلها؛ لأنه لا يعرف أحكام الطهارة، أو لا يأتي بها على وجهها، وغير ذلك كثير، وعندما تأتي الأسئلة في الأوقات والمناسبات تعرف أن الناس لا يفقهون من دينهم إلا اسماً عابراً، ورسماً ظاهراً إلا من رحم ربك.
ثم نقول بعد ذلك مرة أخرى، وأعيدها ثانية وثالثة، إنه حديث إلي وإليك: كم نحن مفرطون في علمنا بديننا، وفوق الجهل العظيم الذي هو جهل العلم هنالك جهل الغفلة، وجهل الترك، وجهل المعارضة والمخالفة، وهو الذي أشرنا إليه، والأمر في هذا خطير وعظيم.
стр. 1753
تغيير الغفلة إلى الذكر
ثانياً: غفلة وذكر: وهي تابعة لذلك العلم الذي يورث الذكر، ويمنع الغفلة، وصحوة وغفلة، كم نحن في حاجة إلى ذلك، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:١ - ٣] أليس هذا وصفاً يصدق في كثير منا معاشر المسلمين؟ ألسنا نمر بكثير من الأمور دون أن نتيقظ؟ أليس حال كثير منا نوم بلا يقظة، وتسويف بلا حزم، وابتلاء بلا اعتبار، قلوب عميت، وأنفس رتعت، وبصائر ضلت، وعقول في الغي سادرة، وألسن باللغو ناطقة، وآذان للفحش مصغية؟ أليست هذه الأحوال المهلكة هي سبب تسلط الأعداء علينا، وبها حلت بنا النكبات، ونزلت بنا المصائب؟ ألسنا في حاجة إلى أن نصحو من نومنا، وأن نتذكر من غفلتنا، أم أننا كما نقول في أمثالنا: (عادت حليمة إلى عادتها القديمة)؟ حادثة مرت، وسحابة صيف انقشعت، وعدنا إلى لغو القول، ولهو السمر، وغي الفعل والعقل، وكأن شيئاً لم يكن، ثم نقول من بعد: ما الذي جرى؟ ما الذي حصل؟ أين نصر الإسلام؟ أين نصر المؤمنين؟ ونحن في هذه القضية على هذا النحو من الغفلة، آيات تتلى، وأحاديث تروى، وعبر تتوالى، ومصائب تتعاظم، والقلوب ما زالت غافلة قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢].
احذر أخي المسلم! فإن القضية خطيرة، وإن الغفلة مهلكة، وإن سهو القلوب وغي النفوس عظيم في أثره الدنيوي من موات هذه القلوب وقسوتها، ومن ضلال تلك النفوس وظلمتها، ومن انحراف تلك العقول وغيها، وإنه من بعد ذلك في الآخرة -والعياذ بالله- سبب لاستحقاق عذاب الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فهل نريد أن يصدق فينا هذا الوصف وقلوبنا لا تعي، وأعيننا لا تبصر، وآذاننا لا تسمع -ليس السماع ولا البصر الحقيقي، وإنما ما وراءه من الانتفاع والاعتبار والتذكر واليقظة- أم نريد أن نكون من الغافلين، ثم يكون وصفنا القرآني أننا كالأنعام بل أضل، وأنه -والعياذ بالله- يكون حالنا أن نكون من حطب جهنم ومن حصاها وجثاها؟ أفلا قلوب تتذكر؟ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
أنرضى أن نكون على وصف أولئك الذين ضلوا وانحرفوا وزاغوا وغيروا وبدلوا؟ أنرضى أن نكون نحن أمة القرآن، أمة محمد ﷺ على خطا المنحرفين الضالين من اليهود والنصارى؟ أنرضى وقد حذرنا رسول الله ﷺ فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه)؟ ما بالنا؟! أين العقول؟! أين القلوب؟! أين الآذان والأبصار؟! قضية مهمة، وغفلة خطيرة حذر منها علماؤنا وأئمتنا، وبينوا خطورتها، ولا بد لنا أن نعي ذلك، وأن ننتبه له، يقول ابن تيمية ﵀: الغفلة عن الله والدار الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة، والشهوة تفتح باب الشر والسهو والخوف، فيبقى القلب مغموراً بما يهواه ويخشاه، غافلاً عن الله، رائداً غير الله، ساهياً عن ذكره، قد اشتغل بغير الله .
ويقول: الغفلة والشهوة أصل الشر قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
والأمر خطير -أيها الإخوة الأحبة- والعلاج في الذكر واليقظة، وأقولها في كلمات ثلاث مرة أخرى: تذكروا الآخرة، تذكروا الموت وما بعده، الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، ورحم الله الحسن يوم قال عندما رئي الخوف في عينيه، وبادياً في اصفرار وجهه؛ قال: أفكر في ليلة صبحها يوم القيامة.
نحن أمة الإسلام والقرآن كم نقرأ في الآيات ما تندك له الجبال، وتتصدع له الصخور الصماء! والله جل وعلا قد قال لنا ذلك، وبينه في كتابه حيث يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد:٣١] والتقدير: لكان هذا القرآن.
قرآن يحيي موات القلوب فما بال قلوبنا لا تتذكر وتعتبر.
ونقولها ثانية: أديموا المحاسبة، كيف تمضي الأيام، وتنصرم الأعوام، ونحن لا ننظر إلى الوراء، لا نحاسب أنفسنا، لا ننظر إلى سجلاتنا؟ ما بال التجار في كل عام؛ بل في كل شهر؛ بل في كل فترة يراجعون الحسابات ويبحثون عن سبب العجز، ويبحثون من المقصر فيه، ويحاسبون ويعاقبون؟ والليل يتبعه النهار، والنهار يتبعه الليل، واليوم يأتي به ما بعده، والأسبوع يخلفه غيره، ونحن بدون محاسبة (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم).
وأخيراً في هذا الباب: اعتبروا بالأحداث، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، لا ينبغي أن يمر الأمر، والخطب الجلل، والمصيبة العظمى فنذرف عليها دمعة واحدة، ونتحدث عنها مرة واحدة، ثم لا يكون شيء وراء ذلك! والأمر -كما قلت- في غاية الخطورة.
стр. 1754
تحويل الكسل إلى عمل
وثالث أحوالنا في إصلاح أنفسنا: أن نحول الكسل إلى عمل: نحن قد ركنا إلى الدنيا إلا من رحم الله، وانشغلنا بها عن كثير من الهمم العالية، والنفوس والعزائم الماضية التي لا ترضى بالدون، التي تطلب المعالي من الأمور، والتي تعرف المنافسة والمعيار الذي تتقدم به بين يدي الله قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، ليس ميدان القول، ليس ميدان الادعاء، ليس ميدان الأمنيات، وإنما هو ميدان العمل قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، ليس هناك مجال للتقصير بعد كل هذا الذي ذكرناه، فإذا المساجد خاوية، وإذا المصاحف على الرفوف باقية، وإذا دروس العلم لا يكاد يحضرها أحد، وإذا محاريب الليل ودعوات السحر لا تكاد تسمع أو ترى إلا قليلاً قليلاً لم ذلك ونحن نريد إصلاح نفوسنا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠].
أصلحوا أنفسكم بهذه المعاني المهمة من علم ينفي الجهل، ومن ذكر ينفي الغفلة، ومن عمل يرفض الكسل.
стр. 1755
تربية الأبناء
وبعد ذلك: ربوا أبناءكم: إن الذي يفشل في ميدان إنشاء الجيل الصالح، والنبتة التي تثمر خيراً وظلالاً وارفاً، وثماراً يانعة للإسلام والمسلمين، فإنه فيما سوى ذلك يكون أكثر فشلاً.
أبناؤنا بين أيدينا، مسئوليتهم في أعناقنا، أقواتهم بعد فضل الله من أيدينا، ثم بعد ذلك كله ماذا نصنع؟ وأي مهمة نقوم بها؟ أليس كثير من هذا الأمر المهم ضائعاً غير مرعي ولا ملتفت إليه؟ ما بالنا نشكو من انحراف الشباب؟ من هم أولئك الشباب أو الشابات؟ أليسوا هم أبناء لهذا وهذا؟ أليس لهم مسئولون من آباء وأمهات فرطوا في الأمانات، وضيعوا المسئوليات؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
قال ابن كثير ﵀: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله.
وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وتقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه.
وقال الضحاك: حقٌ على المسلم أن يعلم أهله وقرابته وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤].
هذه مهمة عظيمة! وهذه قضية خطيرة! إن المرأة التي يخطط الأعداء لإفسادها نحن تركنا ميدان المرابطة، وجعلناهم يتسللون من خلف ظهورنا، وإلى عقر دورنا، ونحن غافلون، وتاركون للمرابطة والمهمة الجسيمة.
وأقولها مرة أخرى: إن لم نرب أبناءنا وبناتنا فلا يحق لنا أن نشكو من سوء الأحوال في مجتمعاتنا، وهذه مهمة ليس لأحد فيها عذر، لن يأتي حاكم ليفسدك في بيتك، لن تمنع قوة في الأرض كلها أحداً أن يعلم أبناءه في قعر بيته.
ولقد ذكرت مراراً أن الشيوعية الحمراء التي سقطت بعد سبعين عاماً ظهر من تحت الأرض في الأقبية شيوخ حنيت ظهورهم كانوا يقرئون أبناءهم وأحفادهم القرآن في منتصف الليل على ضوء الشمع، فتكشفت سبعون عاماً من الكفر عن جذوة إيمان متقدة في القلوب، وألسن عجمية ناطقة بآيات الله في تلاوة حسنة بديعة رائعة! فهل قال أولئك: إنهم معذورون، وإن المناهج التي تدرس لا تدرس الإسلام أو لا تدرس القرآن؟ ونحن مناهجنا تدرس ذلك، ومع ذلك لا نقوم بمجرد التذكير والتأكيد والتعليم لأبنائنا على هذه المعاني المهمة! ما بال أبنائنا وألسنتهم قد أصبحت من أشد الألسنة في الفحش والسباب والشتم واللعن حتى صارت تلعن الدين، وتسب الذات الإلهية والعياذ بالله! ما بال ألسنتهم قد صارت تنطق بألسنة القوم من الكافرين، الذين أصبح من أبنائنا من يتكلم بلسانهم، ومن يخفق قلبه بمشاعرهم، ومن يميل هواه إلى هواهم؛ وذلك لأننا فرطنا في بيوتنا ومدارسنا، وفي مجتمعاتنا ومنتدياتنا، وفي إعلامنا وفي منهاجنا في كثير من ذلك.
وأقولها مرة أخرى في نداءات ثلاثة: اقتربوا منهم، وكونوا قدوة لهم، لا يصلح الفرع ما لم يصلح الأصل، كيف نريد أن نكون مربين لأبنائنا ونحن أسبق منهم إلى ما ننهاهم عنه؟! إنها كارثة عظيمة أن كثيراً من انحرافات الأبناء والبنات ناشئة من سلوك الآباء والأمهات، فكيف نرجو حينئذ أن تكون الأجواء صالحة والأجيال الناشئة أجيالاً خيرة؟! وهذه قضية مهمة أسلفنا فيها القول عندما نادينا بإصلاح الأنفس، فكونوا قدوة لأبنائكم، علموهم ورغبوهم في العمل.
أيها المؤمن! أبناؤك أمانة في عنقك، علمهم دينهم، علمهم معاني الخير، علمهم سير الأصحاب، علمهم سيرة النبي ﷺ ، كن عاملاً من عوامل الخير والإرشاد لهم، ثم رغبهم في هذا العمل، وكن معهم قدوة حتى تتدرج الأحوال، ويصبح هذا النبت الصغير هو عدة المستقبل علماً وعملاً وتقوى وإصلاحاً، وذلك هو الأمر المهم، وهو السلاح الخطير الذي ما جاءت قوى الشر اليوم إلا عندما رأت بذرته في المساجد تحفظ القرآن الكريم، وفي مجالس العلم تتلقى سنة وسيرة النبي ﷺ .
عندما وجدوا الأمهات وهن يحرصن على العفاف والحجاب والستر، ويردن أن يبقين على ذلك ولو فصلن من أعمالهن، ولو منعن من تعليمهن، ليس في بلاد الكفر فحسب؛ بل في البلاد الإسلامية، وليس في البلاد الإسلامية فحسب؛ بل في بلاد عربية إسلامية، يوم رأوا ذلك قالوا: هنا مكمن الخطر، لئن هزمنا هذا الجيل فإن أجيالاً قادمة ستهزمنا بقوة إيمانها وإسلامها، حولوا بينهم وبين تنشئة جيل جديد على الإسلام.
فأنت مستهدف بهذا، وعندك السلاح بيدك، ثم لا تقاوم ولا تعمل شيئاً، وتفرط وتضيع في الأمانة.
وأخيراً: تابعوهم، وقوموا مسيرتهم، قال ﷺ (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر).
نسأل الله أن يصلح ذرياتنا، وأن يصلح نفوسنا وقلوبنا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →