← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الجوانب الإصلاحية لنهضة الأمة ونصرتها الحمد لله أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، وأمرنا بالعدل والإحسان، ونهانا عن الظلم والطغيان، وجعل طاعته جل وعلا سبباً لنزول رحمته، وتحقق نصرته، وجعل معصيته سبباً لحصول النقم، ورفع النعم، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وأكمل به الشريعة والدين، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا موصول في واجباتنا العملية التي يلزم أن نتواصى بها، وأن تكون الأحداث التي تجري معيدة لنا إليها، ومذكرة لنا بها، ومعينة لنا على أدائها، وقد أسلفنا القول في أمرين اثنين: من كثرة الطاعات، وصدق الالتجاء ودوام الدعوات. واليوم نتحدث عن نصر المسلمين، ليس ذلك النصر الذي يختزله بعضنا فلا يراه إلا في ميدان قتال يعجز عنه الآن كثير من الناس، ولا تتيسر أسبابه ولا طرقه، بل ولم تتهيأ عند كثير من الناس أسبابه وإعداده المطلوب، ولكن نصر المسلمين بالإصلاح الداخلي الذي يكون متواكباً ومتزامناً، والذي يكون طريقاً مؤدياً إلى قوتهم وقدرتهم على مواجهة عدوهم. نداءات ثلاثة نحتاج إليها: أصلحوا أنفسكم، وربوا أبناءكم، وغيروا مجتمعاتكم، وإن الدائرة الأولى هي دائرة الانطلاق التي نواجه بها أنفسنا من غير مغالطة ولا مجاملة، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك، إلا أننا نوضح المفاتيح الأساسية المهمة التي نحتاج إليها، فإننا نحتاج أن نحارب جهل النفوس بالعلم، وأن نحارب ظلمها بالإنصاف والعدل.

стр. 1752

محو الجهل بالعلم أول هذه الجوانب الإصلاحية: من الجهل إلى العلم. كم نحن مدركون لحقيقة خطر نفوسنا التي بين جنبينا! قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣]، نحمل بين أضلعنا سبباً إن لم نفطن له ونحرص على تقويمه كان من أسباب ضعفنا وانحرافنا. قال ابن القيم ﵀ فيما ينبغي معرفته عن النفس الأمارة بالسوء: أن يعرف أنها جاهلة ظالمة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح. ويبين الواجب فيقول: إنه لا بد من بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها عن وصف الجهل، والعمل الصالح الذي يخرجها عن وصف الظلم. ولقد استعاذ الرسل والأنبياء من الجهل بمعناه الواسع، إذ ليس الجهل هو مجرد ترك العلم أو عدم العلم، بل ربما يكون مع العلم، وذلك بما يكون من إعراض، وعدم التزام واهتمام واقتداء، فيكون ذلك صرفاً للناس عن الحق، واتباعاً للنفس في الهوى والشهوة وغير ذلك، ومن هنا جاء على لسان موسى ﵇ كما في كتاب الله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، قال القرطبي ﵀: وفي هذا دليل على قبح الجهل، وأنه يفسد الدين. ومن هنا لا بد لنا أن ندرك هذه القضية الخطيرة، وأن نجعل لجهلنا علاجاً شافياً كما أخبر رسول الهدى ﷺ : (إنما شفاء العي السؤال)، وذلك أمر مهم لا مناص من الأخذ به؛ لأنه إن وجد ذلك الجهل بوصفه العام وجدت معه كثير من الصور السلبية من الإعراض والجحود، ومن فعل المنكرات، وارتكاب السيئات؛ لأن هذا هو الذي قاله الله جل وعلا، وبينه سبباً وعلة كما في قصة لوط ﵇: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:٥٥]، وكان سياق حديث الأنبياء لرسلهم يبين هذه العلة، كما قال هود ﵇: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣]. ولعلنا هنا نسائل أنفسنا: ما الذي نعرفه من ديننا الذي يعادينا الناس من أجله، وتتكالب الأمم علينا لوجوده في قلوبنا وفي نفوسنا وفي عقولنا وفي مجتمعاتنا؟ ألا نستحيي أن يكون علمنا بكتاب ربنا أن نقرأ منه آيات من عام لعام، وأن يكون فهمنا له أقل من القليل، وأن يكون تدبرنا في آياته نادراً عابراً غير أصيل ولا مكين في واقعنا وفي حياتنا؟! ومن هنا أقولها، ونحتاج أن نذكر بها، وقد أسلفنا فيها أحاديث وليس حديثاً واحداً: تعلموا القرآن تلاوة واستماعاً، تدبراً وانتفاعاً. عجباً! نحن عرب، لساننا لسان القرآن الكريم، ثم إذا بنا في قصار السور لا في كبارها لا نعرف مفردات ولا معاني للكلمات، ونقرأ بعضاً من هذه الآيات وكثيراً ما يغيب عنا جزء أصيل من معانيها، وتمر الأيام، وتتوالى الأعوام وكأن شيئاً لا ينقصنا، وكأن قضية خطيرة ليست حاضرة بيننا: أن نعرف كتاب ربنا الذي هو أساس عزنا، ودستور حياتنا، ونور بصائرنا، وهداية قلوبنا، كيف نزعم ذلك ونحن عنه بعيدون، ونحن به غير عالمين، ونحن في واقعنا إلى حد ما في كثير من الأحوال غير متبعين؟ إنها قضية مهمة! وأعجب من ذلك أننا لا نعرف هذا ولا نسعى إليه مع توفر الأسباب وكثرة الوسائل، فمن لا يحسن القراءة لن يعجز أن يصغي إلى حسن التلاوة، ومن لا يجد الوقت ليذهب إلى درس، فإنه يستطيع أن يحضر الدرس إليه، ويسمعه في شريط في بيته أو سيارته، ومن لا يستطيع هذا ولا ذاك يستطيع أن يقرأه في كتاب، ويستطيع أن يسمعه في مذياع، ويستطيع أن يراه في شاشة؛ لكنها الهمة التي قصرت، والغفلة التي عمت، لكنه صدأ القلوب الذي ران عليها، لكنه سهولة أن نوزع العلل والأخطاء على الآخرين، ولا ندرك قصورنا الذي نحتاج إلى علاجه. تعلموا السنة النبوية، سيرة المصطفى ﷺ ، أحاديثه التي لم تترك لنا شيئاً من أمور حياتنا إلا وجاءت لنا فيه بإرشاد ودليل وهدي منه ﵊، كم نحفظ من الأحاديث؟! كم نفقه من معانيها؟! كم قرأنا من شروحها؟! كم نعرف من سيرة النبي ﷺ ؟! إن الواقع محزن، ولا بد أن ندركه، ليس على مستوى عوام الناس، بل في طلبة الجامعة من تسأله وتتحدث معه إلى أمور أساسية كلية من سيرة النبي ﷺ ، بل والأحداث الكبرى فيها، فلا يرد جواباً، ولا يحوز علماً، ولا يعرف شيئاً، ثم بعد ذلك نقول: إننا نريد أن نفعل ونفعل، ونريد أن نواجه أعداءنا، ونحن لم نعرف الهدي الذي نسير عليه، والهدى والنور الذي نتبعه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. هل قرأت أخي كتاباً كاملاً في السيرة؟ هل قرأت كتاباً كاملاً في حديث وسنة النبي ﷺ في مهمات الأحوال والأعمال التي تحتاج إليها؟ إن لم تكن تستطيع ذلك فاعلم -والحجة قائمة عليك- أنها موجودة مسجلة، كل الكتب الكبرى والأساسية، وكذلك الأحاديث التي تبث وتذاع، وكذلك السيرة التي تدرس في الدروس كلها بين أيدينا، ولكنها -مرة أخرى- الهمم العاجزة، والدنيا المشغلة، والتراخي العظيم الذي نعجز به ونقصر فيه عن كثير من واجباتنا. ثم نقول: تعلموا الفرائض. وهذا من العجائب! بعض أهل الإسلام ليس في شرق الأرض ولا غربها، بل في هذه الديار، بل في هذه المساجد، بل في هذه المدارس التي تدرس علوم الدين؛ لا يعرفون أحكاماً من فرائض الإسلام وأركانه الخمسة، وفي ديار الإسلام الأخرى كذلك ما هو مثل هذا وأكثر! ولقد قلت مرة، ولمست شيئاً من ذلك منذ سنوات في زيارة لبعض بلاد الإسلام، قلت: إن سألت فيها مسلماً عن أركان الإسلام هل عددها ستة أو خمسة؟ فمن أجابك بإجابة صحيحة فعض عليه بالنواجذ؛ فإنه من خير القوم؛ لأن الجهل قد عم، والناس لا يسألون، وهذا عجب! تجد من الناس من يبلغ به العمر عتياً، وهو في الحكم الفقهي قد بطلت صلاته كلها؛ لأنه لا يعرف أحكام الطهارة، أو لا يأتي بها على وجهها، وغير ذلك كثير، وعندما تأتي الأسئلة في الأوقات والمناسبات تعرف أن الناس لا يفقهون من دينهم إلا اسماً عابراً، ورسماً ظاهراً إلا من رحم ربك. ثم نقول بعد ذلك مرة أخرى، وأعيدها ثانية وثالثة، إنه حديث إلي وإليك: كم نحن مفرطون في علمنا بديننا، وفوق الجهل العظيم الذي هو جهل العلم هنالك جهل الغفلة، وجهل الترك، وجهل المعارضة والمخالفة، وهو الذي أشرنا إليه، والأمر في هذا خطير وعظيم.

стр. 1753

تغيير الغفلة إلى الذكر ثانياً: غفلة وذكر: وهي تابعة لذلك العلم الذي يورث الذكر، ويمنع الغفلة، وصحوة وغفلة، كم نحن في حاجة إلى ذلك، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:١ - ٣] أليس هذا وصفاً يصدق في كثير منا معاشر المسلمين؟ ألسنا نمر بكثير من الأمور دون أن نتيقظ؟ أليس حال كثير منا نوم بلا يقظة، وتسويف بلا حزم، وابتلاء بلا اعتبار، قلوب عميت، وأنفس رتعت، وبصائر ضلت، وعقول في الغي سادرة، وألسن باللغو ناطقة، وآذان للفحش مصغية؟ أليست هذه الأحوال المهلكة هي سبب تسلط الأعداء علينا، وبها حلت بنا النكبات، ونزلت بنا المصائب؟ ألسنا في حاجة إلى أن نصحو من نومنا، وأن نتذكر من غفلتنا، أم أننا كما نقول في أمثالنا: (عادت حليمة إلى عادتها القديمة)؟ حادثة مرت، وسحابة صيف انقشعت، وعدنا إلى لغو القول، ولهو السمر، وغي الفعل والعقل، وكأن شيئاً لم يكن، ثم نقول من بعد: ما الذي جرى؟ ما الذي حصل؟ أين نصر الإسلام؟ أين نصر المؤمنين؟ ونحن في هذه القضية على هذا النحو من الغفلة، آيات تتلى، وأحاديث تروى، وعبر تتوالى، ومصائب تتعاظم، والقلوب ما زالت غافلة قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢]. احذر أخي المسلم! فإن القضية خطيرة، وإن الغفلة مهلكة، وإن سهو القلوب وغي النفوس عظيم في أثره الدنيوي من موات هذه القلوب وقسوتها، ومن ضلال تلك النفوس وظلمتها، ومن انحراف تلك العقول وغيها، وإنه من بعد ذلك في الآخرة -والعياذ بالله- سبب لاستحقاق عذاب الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فهل نريد أن يصدق فينا هذا الوصف وقلوبنا لا تعي، وأعيننا لا تبصر، وآذاننا لا تسمع -ليس السماع ولا البصر الحقيقي، وإنما ما وراءه من الانتفاع والاعتبار والتذكر واليقظة- أم نريد أن نكون من الغافلين، ثم يكون وصفنا القرآني أننا كالأنعام بل أضل، وأنه -والعياذ بالله- يكون حالنا أن نكون من حطب جهنم ومن حصاها وجثاها؟ أفلا قلوب تتذكر؟ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. أنرضى أن نكون على وصف أولئك الذين ضلوا وانحرفوا وزاغوا وغيروا وبدلوا؟ أنرضى أن نكون نحن أمة القرآن، أمة محمد ﷺ على خطا المنحرفين الضالين من اليهود والنصارى؟ أنرضى وقد حذرنا رسول الله ﷺ فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه)؟ ما بالنا؟! أين العقول؟! أين القلوب؟! أين الآذان والأبصار؟! قضية مهمة، وغفلة خطيرة حذر منها علماؤنا وأئمتنا، وبينوا خطورتها، ولا بد لنا أن نعي ذلك، وأن ننتبه له، يقول ابن تيمية ﵀: الغفلة عن الله والدار الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة، والشهوة تفتح باب الشر والسهو والخوف، فيبقى القلب مغموراً بما يهواه ويخشاه، غافلاً عن الله، رائداً غير الله، ساهياً عن ذكره، قد اشتغل بغير الله . ويقول: الغفلة والشهوة أصل الشر قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. والأمر خطير -أيها الإخوة الأحبة- والعلاج في الذكر واليقظة، وأقولها في كلمات ثلاث مرة أخرى: تذكروا الآخرة، تذكروا الموت وما بعده، الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، ورحم الله الحسن يوم قال عندما رئي الخوف في عينيه، وبادياً في اصفرار وجهه؛ قال: أفكر في ليلة صبحها يوم القيامة. نحن أمة الإسلام والقرآن كم نقرأ في الآيات ما تندك له الجبال، وتتصدع له الصخور الصماء! والله جل وعلا قد قال لنا ذلك، وبينه في كتابه حيث يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد:٣١] والتقدير: لكان هذا القرآن. قرآن يحيي موات القلوب فما بال قلوبنا لا تتذكر وتعتبر. ونقولها ثانية: أديموا المحاسبة، كيف تمضي الأيام، وتنصرم الأعوام، ونحن لا ننظر إلى الوراء، لا نحاسب أنفسنا، لا ننظر إلى سجلاتنا؟ ما بال التجار في كل عام؛ بل في كل شهر؛ بل في كل فترة يراجعون الحسابات ويبحثون عن سبب العجز، ويبحثون من المقصر فيه، ويحاسبون ويعاقبون؟ والليل يتبعه النهار، والنهار يتبعه الليل، واليوم يأتي به ما بعده، والأسبوع يخلفه غيره، ونحن بدون محاسبة (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم). وأخيراً في هذا الباب: اعتبروا بالأحداث، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، لا ينبغي أن يمر الأمر، والخطب الجلل، والمصيبة العظمى فنذرف عليها دمعة واحدة، ونتحدث عنها مرة واحدة، ثم لا يكون شيء وراء ذلك! والأمر -كما قلت- في غاية الخطورة.

стр. 1754

تحويل الكسل إلى عمل وثالث أحوالنا في إصلاح أنفسنا: أن نحول الكسل إلى عمل: نحن قد ركنا إلى الدنيا إلا من رحم الله، وانشغلنا بها عن كثير من الهمم العالية، والنفوس والعزائم الماضية التي لا ترضى بالدون، التي تطلب المعالي من الأمور، والتي تعرف المنافسة والمعيار الذي تتقدم به بين يدي الله قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، ليس ميدان القول، ليس ميدان الادعاء، ليس ميدان الأمنيات، وإنما هو ميدان العمل قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، ليس هناك مجال للتقصير بعد كل هذا الذي ذكرناه، فإذا المساجد خاوية، وإذا المصاحف على الرفوف باقية، وإذا دروس العلم لا يكاد يحضرها أحد، وإذا محاريب الليل ودعوات السحر لا تكاد تسمع أو ترى إلا قليلاً قليلاً لم ذلك ونحن نريد إصلاح نفوسنا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠]. أصلحوا أنفسكم بهذه المعاني المهمة من علم ينفي الجهل، ومن ذكر ينفي الغفلة، ومن عمل يرفض الكسل.

стр. 1755

تربية الأبناء وبعد ذلك: ربوا أبناءكم: إن الذي يفشل في ميدان إنشاء الجيل الصالح، والنبتة التي تثمر خيراً وظلالاً وارفاً، وثماراً يانعة للإسلام والمسلمين، فإنه فيما سوى ذلك يكون أكثر فشلاً. أبناؤنا بين أيدينا، مسئوليتهم في أعناقنا، أقواتهم بعد فضل الله من أيدينا، ثم بعد ذلك كله ماذا نصنع؟ وأي مهمة نقوم بها؟ أليس كثير من هذا الأمر المهم ضائعاً غير مرعي ولا ملتفت إليه؟ ما بالنا نشكو من انحراف الشباب؟ من هم أولئك الشباب أو الشابات؟ أليسوا هم أبناء لهذا وهذا؟ أليس لهم مسئولون من آباء وأمهات فرطوا في الأمانات، وضيعوا المسئوليات؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. قال ابن كثير ﵀: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله. وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وتقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه. وقال الضحاك: حقٌ على المسلم أن يعلم أهله وقرابته وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]. هذه مهمة عظيمة! وهذه قضية خطيرة! إن المرأة التي يخطط الأعداء لإفسادها نحن تركنا ميدان المرابطة، وجعلناهم يتسللون من خلف ظهورنا، وإلى عقر دورنا، ونحن غافلون، وتاركون للمرابطة والمهمة الجسيمة. وأقولها مرة أخرى: إن لم نرب أبناءنا وبناتنا فلا يحق لنا أن نشكو من سوء الأحوال في مجتمعاتنا، وهذه مهمة ليس لأحد فيها عذر، لن يأتي حاكم ليفسدك في بيتك، لن تمنع قوة في الأرض كلها أحداً أن يعلم أبناءه في قعر بيته. ولقد ذكرت مراراً أن الشيوعية الحمراء التي سقطت بعد سبعين عاماً ظهر من تحت الأرض في الأقبية شيوخ حنيت ظهورهم كانوا يقرئون أبناءهم وأحفادهم القرآن في منتصف الليل على ضوء الشمع، فتكشفت سبعون عاماً من الكفر عن جذوة إيمان متقدة في القلوب، وألسن عجمية ناطقة بآيات الله في تلاوة حسنة بديعة رائعة! فهل قال أولئك: إنهم معذورون، وإن المناهج التي تدرس لا تدرس الإسلام أو لا تدرس القرآن؟ ونحن مناهجنا تدرس ذلك، ومع ذلك لا نقوم بمجرد التذكير والتأكيد والتعليم لأبنائنا على هذه المعاني المهمة! ما بال أبنائنا وألسنتهم قد أصبحت من أشد الألسنة في الفحش والسباب والشتم واللعن حتى صارت تلعن الدين، وتسب الذات الإلهية والعياذ بالله! ما بال ألسنتهم قد صارت تنطق بألسنة القوم من الكافرين، الذين أصبح من أبنائنا من يتكلم بلسانهم، ومن يخفق قلبه بمشاعرهم، ومن يميل هواه إلى هواهم؛ وذلك لأننا فرطنا في بيوتنا ومدارسنا، وفي مجتمعاتنا ومنتدياتنا، وفي إعلامنا وفي منهاجنا في كثير من ذلك. وأقولها مرة أخرى في نداءات ثلاثة: اقتربوا منهم، وكونوا قدوة لهم، لا يصلح الفرع ما لم يصلح الأصل، كيف نريد أن نكون مربين لأبنائنا ونحن أسبق منهم إلى ما ننهاهم عنه؟! إنها كارثة عظيمة أن كثيراً من انحرافات الأبناء والبنات ناشئة من سلوك الآباء والأمهات، فكيف نرجو حينئذ أن تكون الأجواء صالحة والأجيال الناشئة أجيالاً خيرة؟! وهذه قضية مهمة أسلفنا فيها القول عندما نادينا بإصلاح الأنفس، فكونوا قدوة لأبنائكم، علموهم ورغبوهم في العمل. أيها المؤمن! أبناؤك أمانة في عنقك، علمهم دينهم، علمهم معاني الخير، علمهم سير الأصحاب، علمهم سيرة النبي ﷺ ، كن عاملاً من عوامل الخير والإرشاد لهم، ثم رغبهم في هذا العمل، وكن معهم قدوة حتى تتدرج الأحوال، ويصبح هذا النبت الصغير هو عدة المستقبل علماً وعملاً وتقوى وإصلاحاً، وذلك هو الأمر المهم، وهو السلاح الخطير الذي ما جاءت قوى الشر اليوم إلا عندما رأت بذرته في المساجد تحفظ القرآن الكريم، وفي مجالس العلم تتلقى سنة وسيرة النبي ﷺ . عندما وجدوا الأمهات وهن يحرصن على العفاف والحجاب والستر، ويردن أن يبقين على ذلك ولو فصلن من أعمالهن، ولو منعن من تعليمهن، ليس في بلاد الكفر فحسب؛ بل في البلاد الإسلامية، وليس في البلاد الإسلامية فحسب؛ بل في بلاد عربية إسلامية، يوم رأوا ذلك قالوا: هنا مكمن الخطر، لئن هزمنا هذا الجيل فإن أجيالاً قادمة ستهزمنا بقوة إيمانها وإسلامها، حولوا بينهم وبين تنشئة جيل جديد على الإسلام. فأنت مستهدف بهذا، وعندك السلاح بيدك، ثم لا تقاوم ولا تعمل شيئاً، وتفرط وتضيع في الأمانة. وأخيراً: تابعوهم، وقوموا مسيرتهم، قال ﷺ (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر). نسأل الله أن يصلح ذرياتنا، وأن يصلح نفوسنا وقلوبنا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1756

إصلاح المجتمع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وإن ما ذكرناه في نصر المسلمين بإصلاح أحوالنا وأبنائنا يتبعه أيضاً إصلاح وتغيير مجتمعاتنا، واعلم أن كل واحدة من هذه القضايا جديرة بأن يكون فيها حديث طويل، لكننا نريد المجمل المهم، نريد القاعدة الكلية، نريد العنوان وما وراء ذلك تعرفونه، وكلنا يعرف تقصيره، وكلنا يعرف تفريطه، وإنما نريد الذكر والتذكير، ثم بعد ذلك ينبعث القلب، ويلتمس الطريق، ويبحث عما ينقصه من أسباب النجاة. ولعلنا نواصل حديثنا بمشيئة الله تعالى في تغيير المجتمعات؛ فإن الإسلام لا يكتفي منك بأن تصلح نفسك وأهلك، ثم تقول: ما لي وما للناس؟ ولا أن تتبنى فهماً خاطئاً لقوله جل وعلا: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]. نسأل الله أن يقينا شرور أنفسنا، وأن يعيذنا من فساد قلوبنا، وأن يسلمنا من ضلال عقولنا، وأن يقينا انحراف جوارحنا. نسألك اللهم أن تردنا إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك يا رب العالمين! وأخرجنا من الظلمات إلى النور. اللهم إنا نسألك نقاء قلوبنا، وزكاة نفوسنا، ورشد عقولنا، وإخلاص نياتنا، وصواب أعمالنا، وحسن أقوالنا، ومضاعفة أجورنا، ورفعة درجاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم من علينا بالعفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ما مضى وما هو آت، وأن توفقنا للصالحات، وأن تجنبنا الشرور والسيئات، ارزقنا اللهم الإخلاص في القول والعمل، وجنبنا اللهم الفتنة والزلل يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بالصليبيين المعتدين، وعليك اللهم باليهود الغاصبين، اللهم عليك بهم أجمعين، اللهم عليك بحلفائهم ونصرائهم يا رب العالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، زلزل اللهم الأرض من تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين. اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم. اللهم فرق كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار؛ يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين. اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في أرض فلسطين وفي العراق وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وأمن روعتهم. اللهم إنا نسألك أن تلطف بهم فيما تجري به المقادير، اللهم صبرهم على البلاء، ورضهم بالقضاء، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم عجل فرجهم، وفرج كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين، سدد اللهم رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1757

الأم المربية [١] تشكل المرأة شريحة عريضة في المجتمع، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وقد اهتم الإسلام بالمرأة، وبدورها في المجتمع، ولذلك يجب الاعتناء بها تربية وتعليماً وأخلاقاً وسلوكاً.

стр. 1758

أهمية التربية ودأب الصالحين في ذلك الحمد لله خلق الخلائق، وأبدع الصنائع، وأحكم الشرائع، وأظهر الحقائق، وبين الطرائق، وهدى إلى النجدين، فإما شاكراً وإما كفوراً، أحمده ، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، من اتبع شرائعه غنم، ومن خالفها وتنكبها غرم، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال، وفي كل آن حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع آذاناً صماً. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد:

стр. 1759

الأم الصالحة صمام أمان في المجتمع أيها الإخوة المؤمنون! الأم المربية في المجتمع المسلم صمام أمان، ومصدر قوة، ومصنع جيل، ومعمل تربية، كان لنا حديث عن هذه الأم المربية ببيان مكانة الأم في هذا الدين العظيم، ومنزلتها العالية التي تجعلها في مكانة تؤدي دورها، وتقدم رسالتها في إجلال وتعظيم، واحترام وتكريم، يعترف بفضلها، ويقر ببرها، ويسعى ويجتهد في الوفاء بحقها. ومن هنا: فإن هذه الأم المربية إذا غابت من واقع حياتنا، أو ضعف دورها في بيوتنا، فإن خطراً عظيماً يتهددنا، وإن تفككاً في مجتمعاتنا ينتظرنا، وإن ضعفاً في أجيالنا سوف يكون له أثره الذي لا نحبه ولا نرضاه. الطريق إلى الأم المربية كيف نحرص ونبذل الأسباب لوجودها؟ ذلكم مطلب مهم، وقضية كان من المفترض أن تعتني بها وسائل الإعلام، ومناهج التربية على أعلى المستويات، نبدأ ذلك بتربية البنات، إن أم اليوم كانت بنتاً من قبل، فكيف تربى البنات؟ وكيف تعد البنت لمستقبل الحياة؟ هل تعد وتربى وتعلم لتكون زوجة راعية، وأماً مربية؟ هل تعرف دورها وتعلم رسالتها؟ هل تهتم بما تحتاج إليه من العلم والمعرفة ومن الخبرة والتجربة لتؤدي دورها، أم أن مسار التربية الخاصة والتوجيه العام في وسائل الإعلام أو مناهج التعليم ينحو بها منحىً آخر، ويريد منها مطالب أخرى غير هذه المهمة الشريفة، غير هذه المنزلة العظيمة، غير هذه المكانة الخطيرة في واقع المجتمع والأمة؟

стр. 1760

الاهتمام بالتربية وصلاح الذرية إن قضية التربية بعمومها، وقضية تربية البنات بخصوصها مسألة تحتاج إلى أن تحظى من المسلمين جميعهم بأعلى درجات الاهتمام، وأن يوفروا لها كل أسباب النجاح، والمعني بهذا هم أنتم أولاً، وبالدرجة الأولى معاشر الرجال والأولياء، أرباب الأسر، القوامين على النساء، إنها ليست مهمات تشريف، ولكنها مهمات تكليف، إنها ليست مجرد فخر أو اعتزاز، وإنما هي مسئوليات وتبعات، إنها واجبات مناطة بالأعناق، وديون محفوظة على الذمم، وواجبات شرعية مسئول عنها بين يدي الله . انظروا إلى رسل الله وأنبيائه كيف كانت هممهم، وكيف كان تفكيرهم منصباً ومتوجهاً إلى ذريتهم، وما ينبغي أن يغرسوه في قلبها من الإيمان، وفي نفسها من التزكية، وفي أخلاقها من الفضائل، وفي سلوكياتها من المحامد، وفي أفكارها من الرشد، وفي قلوبها من الحب والفيض بما ينبغي أن يكون من المعاملات والصلات بين الناس، يقول الله في قصة إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل، وهما يقيمان البيت ويعليان بنيانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]. كانوا يدركون أن هذه مهمتهم، فعندما كانوا يسألون الله لم تقتصر مسألتهم على أنفسهم، بل كانوا يشملون من جعل الله مسئوليتهم في رقابهم، وكان هذا موضع الاهتمام في القلوب والأفكار والنصوص، وينعكس حينئذ في الاهتمام العملي، والتوجيه والإرشاد التربوي، والرعاية الفائقة، والعناية العظيمة التي ينبغي أن يوليها الآباء والأمهات لأبنائهم.

стр. 1761

اهتمام الناس بدنيا الأبناء ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] ما هي وصايا الآباء والأمهات لأبنائهم؟ ما الذي يقولونه لهم؟ ما الذي يحبذونه منهم؟ ما الذي يرغبونهم فيه؟ ما الذي يحثونهم عليه؟ ما الذي يدور في البيوت؟ ما الذي يقال فيها؟ ألسنا ونحن اليوم على أعتاب الاختبارات نرى أن كثيراً من الاهتمام يكاد يستولي على أذهان الآباء والأمهات في سائر الأوقات بسبب الدراسة والعلم والنتيجة، دون أن يكون وراء ذلك أو معه أو فيه ما يلفت النظر إلى حقائق الإيمان، وأخلاق الإسلام، ولزوم وجوب التربية، والصلة بالله، ونحو ذلك من الأمور العظيمة والمهمة؟! والله يبين لنا أيضاً في قصة يعقوب ﵇: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣] في آخر لحظات الحياة أي شيء كانت وصيته؟ أي أمر كان منصباً عليه اهتمامه؟ هل هو البيوت والدور والتركات والمواريث؟ هل هو العناية بالأمور الدنيوية والشكلية؟ إن قلبه الذي كان معموراً بالإيمان، والذي كان مسكوناً بالتقوى، وفكره الذي كان موصولاً بالله ؛ جعل أهميته وتركيزه في آخر لحظات حياته على قضية الإيمان، والإسلام، والتربية، والاستقامة على منهج الله ، إن من يذكر هذا في مثل تلك اللحظات الحرجة التي يفارق فيها دنياه، ويودع الحياة بما فيها، ومن فيها لا شك أنه كان ذاكراً لهذه المهمة، ومعتنياً بها في كل أوقاته، وذلك ما ينبغي أن يلفت أنظارنا إلى هذه السير، وفي هذه الآيات. وليس هذا حديثاً إلى الرجال فحسب، بل هو كذلك حديث إلى النساء إلى الأمهات المربيات اللائي ننظر إليهن وإلى دورهن على أنه محوري وأساسي وجوهري، فيما نريد لأمتنا من الصلاح وفيما ننشده من تغيير أحوالنا إلى الأفضل والأمثل بإذن الله ، وكما قلت: إن دور تربية الأم في البيت هو أشد تأثيراً، وأقوى نفعاً من كثير من الوسائل المادية، والأسلحة العسكرية وغيرها.

стр. 1762

الخطاب الرباني في وجوب التربية ثم الالتفات إليكم معاشر المؤمنين بالخطاب الرباني بآيات الله ، وكلامه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] إن المسئولية ليست منوطة بك وحدك، ولست مسئولاً عن نفسك فحسب، بل إن الأهل من الزوجة والذرية أبناء وبنات لهم حق عليك، وأمانة في عنقك، والأمر في هذا عام، والنداء لأهل الإيمان للرجال والنساء والآباء والأمهات معاً، كلهم يجب عليهم أن يعملوا وأن يؤدوا الواجبات، وأن يحرصوا في تربية أبنائهم على ما يقيهم من الوقوع في سخط الله ، واستحقاق عذابه، نسأل الله السلامة، فهل استشعر كل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وأب وأم هذه المسئولية؟! واستمعوا إلى عباد الرحمن الذين ذكر الله صفاتهم على أنهم قدوة لنا ومثال يحتذى ماذا كان في قولهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] قال ابن جرير في تفسيره: أي يعبدونك، ويحسنون عبادتك، ولا يجرون علينا الجرائر. كيف يكون الأبناء قرة أعين إذا لم تعلمهم القرآن؟ كيف تكون البنات قرة أعين إذا لم نلقنهن السنة؟ كيف تكون الذرية صالحة بارة وفية تقدم الخير للآباء والأمهات ما لم تسلك بها سبيل الصالحين والصالحات؟! إننا اليوم نشكو ونعلم أن هذه الشكوى تتعاظم من عقوق الأبناء أو انحرافهم، ونقول كما قال العرب: يداك أوكتا، وفوك نفخ، إن مرد ذلك في غالب الأحوال إليك أيها الأب، إليك أيتها الأم حيث لم تحرصوا على التربية، ولم تنشئوا التنشئة الصالحة، ولم تعلموا القرآن والسنة، ولم تحدثوا بالسيرة وتراجم الأصحاب، ولم تبثوا روح العزة، لما لم تحرصوا على أن يخرج من تحت أيديكم من هو خير منكم، وأكثر علماً وفضلاً، وأعظم إلى الخير سبقاً، ثم تشكون من بعد وأنتم ما بذلتم جهداً، ولا أعطيتم وقتاً، ولا حرصتم على تربية، ولا قدمتم علماً، ولا بذلتم توجيهاً وإرشاداً، مسألة مهمة والدعاء موصول بالله ، ولكن العمل مطلوب: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].

стр. 1763

من وسائل التربية تجاه البنات إن مسألة التربية وآثارها في المجتمع مهمة جداً ليس في الحياة الدنيا فحسب بل في الحياة الأخرى، إن كل مؤمن يفكر في أخراه، ويريد النجاة في آخرته، ويريد السعادة فيما يئول إليه أمره ومصيره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دون ذلك لتقر بهم عينه. هل تريد أن تنعم بإذن الله بأبنائك وزوجك يوم القيامة، أم تريد أن يحال بينك وبينهم؟

стр. 1764

تربية البنات على الإيمان وهدى الإسلام إن التنشئة والتربية الصالحة، والسير على طريق الإيمان وهدى الإسلام، وسنة المصطفى ﷺ كفيلة بأن تلحقهم بك، وأن تنتفع منهم بإذن الله ، كما ثبت في الصحيح: (أو ولد صالح يدعو له). إنها مسألة مهمة، وقضية خطيرة، تتضح خطورتها في الجانب السلبي الآخر لمن فرط لمن ضيع لمن لم يؤد الأمانة لمن لم يقم بالمسئولية لمن فرط في أولئك الذرية: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] قال أهل التفسير في معناها: يفرق بينهم فلا يجتمعون، إما بأن يكون بعضهم في الجنة والآخرون في النار، وإما -والعياذ بالله- أن يكونوا جميعاً في النار ولا يجمعون، فيجتمع عليهم عذاب وحزن لا سرور فيه، نسأل الله السلامة. كيف تربى البنات؟ قضية مهمة في مسألة الأم المربية، ألسنا اليوم نرى بنات لا هم لهن إلا موضات اللباس، وألوان مكياج الزينة، لا تفكر إلا في جوانب محدودة معدودة من الأمور الدنيوية البهرجية؟ وربما تعني كثيراً في جانب التعليم بفروع من العلم لا تعود عليها بكثير من النفع والفائدة. وربما كان في هذا الجانب فائدة، لكن المهمة الأولى من هو هذا الطفل؟ ما نفسيته؟ ما معنى التربية؟ ما وسائلها؟ ما مناهجها الإسلامية؟ من يعلم هذا للبنات؟ من يعدهن ليكن المربيات؟ مسألة أساسية مهمة، وواجب خطير، تؤكد ذلك علينا سنة النبي ﷺ ، وتبينه سيرته العطرة ﵊: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، ألا وكلكم راع ومسئول عن رعيته) أين هذه الرعية؟ ألسنا اليوم نرى الشعوب وهي تطالب حكامها والمسئولين عنها بأن يوفروا العدالة، وأن يوفروا الأرزاق، وأن يوفروا ويوفروا، فأين مطالبات الرعية في بيوتنا؟ وأين حقوقها المهضومة؟ أين هذا الأب وتلك الأم من الحقوق في العدالة والتربية والتعليم والتزكية؟ أين هذه المهام الضائعة التي ليس لها من يطالب بها، وننشغل بالمطالبة بما يوصف في بعض الأحوال بأنه من حقوق المرأة وهو بعيد عن حقيقتها وطبيعتها وحقوقها ومكانتها كما أرادها الله ؟ من الذي يطالب؟ هل رأيتم في المحاضرات والندوات أو في وسائل الإعلام من يجعل هذه قضية لا بد أن نعنى بها، وأن نطالب بها، وأن نوفر الأسباب لحصولها؟ ثم انظر إلى التركيز الخاص الذي يجعله النبي ﷺ لتربية البنات على وجه الخصوص، وذلك لما لتربيتهن من أثر محمود على الأجيال المستقبلية، وقد أسلفت قول القائل: (إذا علمت رجلاً فقد علمت فرداً، وإن علمت امرأة فقد علمت جيلاً أو أمة) لذلك يأتينا حديث النبي ﷺ في البخاري ومسلم وغيرهما: (إن من بلي بهذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار) لماذا؟ لأنه يعد زوجة صالحة، وأماً مربية، لأنه يعد للأمة من يخرج أجيالاً مؤمنة متوضئة. مسألة مهمة يؤكدها ويعضدها حديثه ﷺ عند الشيخين أيضاً: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين) وذكر منهم النبي ﷺ : (الرجل تكون عنده الأمة، فيعلمها ويحسن تعليمها، ويؤدبها ويحسن أدبها، ثم يعتقها فيتزوجها) لم خصها بالذكر؟ لأن هذه التربية وذلك الأدب سيكون له عظيم الأثر.

стр. 1765

الاهتمام بمناهج التعليم والتخصصات الشرعية الوسيلة الثانية: مناهج التعليم للفتيات وللبنات: هل تعطي هذه المهمة حقها ونصيبها؟ هل يدرس في المناهج تخصص اسمه: تربية الأبناء؟ قليلة هي التخصصات التربوية، وقليل في التخصصات التربوية ما يختص بتربية الأبناء بالتفصيل، كأن هذه قضية ليست مهمة، وكأنه تخصص يقدم عليه غيره، نعم لا ننكر وجود تخصصات نافعة للمرأة، هناك الاقتصاد المنزلي تدرس فيه الفتاة الطبخ والخياطة، وتنظيم المنزل والديكور، وكل ذلك لمن؟ إنه لبني آدم فهل نحسن هذه الأمور المادية أو نعلمها كيف تحسن تنظيم هذه الأمور وليست من مهماتها الأساسية، ولا نعلمها ما يهمها في الأساس من فكر ونفسية أبنائها؟ كيف نعلمها كيف تغذيهم بالطعام والشراب ولا تغذيهم بالإيمان والإحسان؟ كيف نعلمها كيف تحسن تفصيل الملابس ولا تحسن تفصيل الأخلاق والسلوكيات. ينبغي أن يكون ذلك مهماً، وبدراسة الإحصائية: فإن النسب التي لها تخصصات مباشرة في هذه قليلة لا تتجاوز خمسة بالمائة من إجمالي ما تتخصص فيه الفتيات والطالبات في جوانب المعرفة المختلفة كلها، وهل نحن نريد منها أن تكون في ذلك الجانب أو هذا؟ قد يكون لنا حاجة لها كطبيبة، وحاجة لها كمدرسة، وحاجة لها ككيميائية، لست أنازع في هذا الآن، لكن أولئك كلهن نحن في حاجة إليهن كزوجات ومربيات، وإن كن طبيبات أو معلمات أو غير ذلك من المهمات. فإذاً لا بد في كل تخصص أن يدرس النساء ذلك؛ فضلاً عن أن يكون تخصصاً تنتدب له من تشاء من النساء والفتيات، ليكن مربيات ومعلمات لأخواتهن من بعد، أين مناهج التعليم من هذا وهي في عصرنا الحاضر وفي الدعوات الملحة وعصر العولمة، ما تزال تنحو إلى بعيد وبعيد عن هذا المجال، وتتشعب في أمور من التخصصات التي لا تقدم ولا تؤخر في أمر بناء الأمة وحسن تربيتها؟!

стр. 1766

الإعلام ثم الثالثة وما أدراك ما الثالثة! يصدق فيها أنها ثالثة الأثافي: وسائل الإعلام: هل ترون أنها تخرج لنا امرأة صالحة مصلحة، وزوجة راعية مؤدبة، وأماً مربية مسئولة؟! ما هي صورة المرأة في وسائل الإعلام؟ لا أقول أنا هذا وأنا قد أكون شيخاً أو داعية ولا تقولوه أنتم وأنتم ربما من أهل الخير والصلاح في جملتنا نسأل الله أن نكون كذلك، لكن يقول هذا أهل الإعلام أنفسهم في دراساتهم؛ يقولون: إن الإعلام يقدم المرأة نموذجاً رجولياً، كأنما هي تريد أن تكون نسخة من الرجل ولكنها وللأسف مشوهة، تقدم المرأة وهي تمارس العنف، وهي تمارس أدوار الإغراء والفتنة والإلهاء، ما رأيناها في أكثر الأدوار وهي تؤدي دور التربية، وحسن التعليم، والتنشئة، والقيام بالواجبات المهمة والرسائل العظيمة في حياة الأمة. هذه قضية مهمة! نرى الندوات، ونرى البرامج التلفزيونية، فما نرى إلا حديثاً عن التجميل والجمال، وما نرى في غالب الأحوال إلا حديثاً عن الطب والأمراض، وما نرى بعد ذلك إلا حديثاً عن الطبخ، كل قنوات التلفاز لا تخلو من برامج إعداد الأطعمة، قد تفتح هذه القناة وتنتقل إلى الثانية وترجع إلى الثالثة في الصباح فلا ترى إلا أواني الطبخ من هذه إلى تلك، ومن مطبخ إلى آخر، أين ما وراء ذلك مما هو أعظم أهمية؟! ونجد بعد ذلك الإعلام وهو يناقش حرية المرأة بمفاهيم غربية، وهو يناقش استقلالية المرأة بمفاهيم غير إسلامية، بل قد كتبت بعض الكاتبات من بلادنا تنقل عن امرأة غربية أنه لم تعد المرأة اليوم تحتاج إلى الرجل، ليس لأنها تعمل وتكسب، فهذا قد عفا زمانه، وقد تقرر في كثير من المجتمعات، بل تقول: إنها اليوم تستطيع أن تأخذ بموجب التقنيات الحديثة من البنوك التي تعرفون عنها، وتستطيع أن تنجب دون رجل، فإذاً تستطيع أن تعيش حياتها دون رجل، وتستطيع أن تكون منفصلة عن دنيا الرجل، ويكون ذلك كأنما هناك مجتمعان منفصلان وأمتان مختلفتان، رجال لا صلة لهم بنساء، ونساء لا صلة لهن برجال، وتذكر هذا ولا تقول إنها تدعو إليه، لكنها تقول: إن هذه القضايا ينبغي أن ننتبه لها والعالم من حولنا يتغير، فسبحان الله! إن تغير الناس من إيمان إلى كفر فهل يعني ذلك أن نتبعهم؟! وإن تحولوا من صلاح إلى فساد، ومن انضباط إلى انحلال كما هو حال كثير من أصقاع العالم اليوم، بل حتى أصقاع العالم الإسلامي، فهل نسير وراء القوم حيث ساروا، ونمضي إلى حتفنا كما رأينا حتفهم رأي العين بأعيننا؟ يقول النبي ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) أي: فمن غيرهم، وهذا في وسائل الإعلام لا نرى اليوم إلا المرأة الممسوخة في فطرتها، التي تقدم كما يقولون ويزعمون ثقافة المرأة وعقلها وفكرها، فننظر ونريد أن نصدقهم فلا نرى شيئاً يصدق ذلك، لأنهم لا يعرضون لنا المرأة إلا بشعرها ونحرها ونهدها وغير ذلك مما تعلمونه وتسمعون عنه، وتشاهدونه.

стр. 1767

محاضن الدعوة الأمر الرابع: وهو محاضن الدعوة: أعني الدعوة للنساء، نحن نرى جهوداً كثيرةً تبذل للدعوة في المحاضرات والكتب وغير ذلك، لكن كثيراً منها والقسم الأوفى منها للرجال دون النساء، ما العناية بالمرأة في محاضن الدعوة؟ ثم ما الموضوعات التي تلقى وتعرض على المرأة؟ أكثر الموضوعات تحدثها عن الحجاب والاختلاط! والاختلاط والحجاب! والحجاب والاختلاط! نعم هذه مسائل مهمة، لكن لماذا نقتصر عليها؟ أين دور المرأة في التربية؟ أين توعيتها بالواقع المعاصر؟ أين تعريفها بما يحاك للمرأة عموماً والمرأة المسلمة خصوصاً في مؤتمرات الأمم المتحدة وما تدعو إليه من الفساد والانحلال وغير ذلك؟ أين هي مما نعلمها إياه في شأن الداعيات المسلمات؟ أين هي من تذكيرها بـ أم شريك الأسدية ﵂ التي ذكر ابن حجر في ترجمتها أنها كانت تخالف رجال قريش إلى بيوتهم، يخرجون فيصدون عن الإسلام، ويؤذون محمداً ﷺ ويواجهون المسلمين، ثم تخالفهم إلى بيوتهم فتدعو نساءهم حتى فشا الإسلام في بيوت قريش، فنذروا بها، أي: بدءوا يبحثون من الذي يجوس خلال الديار؟ من الذي غير أفكار النساء؟ فوجدوا أم شريك فأخذوها واعتقلوها إلى آخر ما هو معلوم من قصتها. ولها في قصة أم سليم ﵂، وأم حرام بنت ملحان وغيرهن من النساء قدوة، لماذا لا نكثف جهود الدعوة النسائية؟ بل أين الداعيات من النساء ليتحدثن إلى بنات جنسهن؟ قلة قليلة! ولذلك ستأتي المنافسات الغير محمودة، وسيخاطب المرأة غير أهل العلم والصلاح والتقى، لأنها لم تعد تصغي إليهم إما لأن حديثهم إليها قليل وهو مصروف إلى الرجال، وإما أن حديثهم إليها مقصور على جانب أو جانبين قد عرفتهما وحفظتهما، وتريد غيرهما، وإما لأن طرائق هذه الدعوة وعرضها ليست مرغبة ولا مشجعة. ومسألة مهمة في هذا الباب: أن يركز هذا الحديث كذلك في ميادين الأم المربية، ومؤسسات المرأة الاجتماعية، وهذه الجمعيات المختلفة للمرأة أين دورها في هذا؟ نعلم أن كثيراً من الجمعيات تقوم بدورات في الحاسب الآلي، وفي اللغة الإنجليزية، وفي الطبخ، وفي الخياطة، وكل ذلك لا اعتراض عليه، لكن أين حجم الدورات في التربية؟ في معرفة نفسية الأطفال؟ في معرفة علاج مشكلات الأطفال؟ في معرفة علاج القضايا التربوية؟ وجوانب التربية ووسائل التربية وغير ذلك ثقافة محصورة محدودة تعطينا ثماراً فجة في نساء وفتيات لا نجد أنهن نماذج جيدة ليكن زوجات صالحات، وأمهات مربيات، فهذه قضية مهمة، والحديث فيها يطول كثيراً.

стр. 1768

وصايا للمرأة المسلمة ولذلك لا بد أن نوجه هذا الحديث إليكم معاشر الرجال، وإلى النساء من قبلكم إلى هذه المرأة التي نريد منها أن تكون أماً مربية، نقول: أولاً: استشعار الأهمية: لا بد أن تستشعر المرأة المسلمة أهمية دورها في التربية، وعظمة رسالتها في التنشئة، وأن تدرك أن هذا أمر مهم، وأن تحمل همه لا أن تحمل هماً في ماذا تلبس من الملابس، وماذا تتزين من الزينة فحسب، هذه مهمات ثانوية للأسف أنها بدأت تكون هي التي تشغل الاهتمام والتفكير، وهي التي لأجلها توفر الأموال، وتبذل الأوقات دون أن يكون حمل الهم في القضية المهمة الأساسية. ثانياً: معرفة القيمة الحقيقية لهذه المهمة العظيمة: اليوم عندنا مشكلة وهي: أنه إذا قالت المرأة إنها ربة بيت كأنها تستحي بذلك، وتغض طرفها كأنها في منزلة دونية، وفي مرتبة سفلية، لماذا؟ لأنها ليست موظفة، وليست مدرسة، وكأن هذه المهمة مهمة تافهة، وكأن وجودها في البيت يعطل نصف المجتمع، كأن المرأة في بيتها لا تعمل شيئاً، ولا تؤدي دوراً، وليس لها قيمة، ولا لفعلها ولا لدورها مكانة، فهذه قضية خطيرة يبثها اليوم عن قصد أو غير قصد الإعلام، وتشيعها كذلك البيئة الاجتماعية، حتى غدت المرأة اليوم ترى أن دورها في التربية دوراً ثانوياً ينبغي أن تحرص على تركه، أو على أن تجمع معه شيئاً آخر ليجعل لها مكانة، وهذه قضية مهمة وخطيرة. لا بد أن تعرف المرأة أن مكانة الأم المربية هي المكانة السامية، وهي مكانة صمام الأمان الذي يحول بين أعداء الأمة وبين أجيالها، وهي لذلك في أسمى مكانة وفي أخطر موقع من مواقع المواجهة مع أعداء الله ، وفي أخطر موقع من مواقع البناء، وصناعة الأجيال، ومواجهة المستقبل بإذن الله . ثالثاً: تحصيل العلوم الشرعية: لا بد للمرأة أن تحرص على أن تتعلم من الأحكام الشرعية، ومن القرآن والسنة والسيرة ما يكون نفعاً لها، وغذاءً لأبنائها، اليوم نحتاج من الأم أن تربي صغارها على قصص الصحابة والتابعين، وأجيال الأمة من الصالحين والصالحات، اليوم نريد من الأم أن تحفظ أبناءها الصغار قبل أن يذهبوا إلى المساجد والمدارس آيات من القرآن، وأذكاراً يقولونها في سائر جوانب حياتهم، عند منامهم واستيقاظهم، ودخولهم وخروجهم إلى غير ذلك، كيف سيكون ذلك والأم جاهلة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، ولم تعلم شيئاً من أمور دينها؟! إن تعليم المرأة كما رأينا في حديث النبي ﷺ ، وحسن تأديبها يعطى الأجر مرتين؛ لأن في حسن التأديب أجراً خاصاً فعلى كل رجل وأب أن يتيح الفرصة لبناته ولزوجته أن يتعلمن؛ لأن ذلك سيكون له أثره. ثم كذلك معرفة المتطلبات التربوية، فلا يكفي أن تتعلم العلوم الشرعية، بل تربطها بالعلوم التربوية الإسلامية لتعرف التنشئة ومشكلاتها، والتربية ووسائلها وغير ذلك مما له أثر محمود ومعروف. ثم كذلك ممارسة الدعوة الإسلامية في صفوف النساء لمعرفة هذه الحقائق كلها، فنسأل الله أن يجعل نساءنا زوجات صالحات، وأمهات مربيات، وبنات حانيات، ونسأله أن يحفظ أسرنا وذرياتنا من كل سوء ومكروه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1769

مهمة الأم المربية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله تقواه في الذرية والأبناء قياماً بمسئوليتهم، وعناية بتربيتهم، وحرصاً على تعليمهم، وبذلاً لكل الجهد لصلاحهم وإصلاحهم، ومن وراء هذا الموضوع تشريعات كثيرة، لكنني أختم هذا المقام ببيان قضية أساسية موجزة وهي: أن مهمة الأم المربية ربما ترتكز على ثلاث جوانب رئيسة أولها: المحافظة على الفطرة (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) الدور الأكبر للأم في ذلك. ثم جانب التعليم والتربية بكل آفاق التعليم والعلوم والمعارف الإسلامية وغيرها. ثم بكل آفاق التربية أخلاقية وإيمانية وسلوكية، وإبداعية وفكرية وغير ذلك. ثم الجانب الثالث وهو التحفيز والتنمية وإعلاء الهمم، ورفع شعار العزة، وحماسة العمل، والدفع بالقوة الإيجابية في هذه الحياة ذلك ما نسأل الله أن يبصر به زوجاتنا وأمهاتنا حتى يكون لهن الدور الأعظم في تنشئة أجيالنا، ولنا حديث فيما بعد عما يقطع على هذه المهمة طريقها نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يسلك بنا سبيل الصالحين، وأن يلبسنا ثياب المتقين، وأن يحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين، اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك، واصرف عنا اللهم الشرور والسيئات، ووفقنا اللهم للصالحات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت برحمتك يا رب الأرض والسماوات! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وارفع درجاتنا يا رب العالمين، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم ارفع كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1770

الأم المربية [٢] إن الأم المربية الحانية على أولادها، الساعية إلى تنشئتهم تنشئة صالحة هي مصدر القوة والإعزاز لهذه الأمة، وهي صمام الأمان، فلابد أن تعرف المرأة دورها الحقيقي وواجبها إذا أرادت أن تنشئ جيلاً صالحاً يحمل هم هذه الأمة. ولقد خاض الغرب غمار الحرب على المرأة فأخرجوها من بيتها، وأشركوها مع أخيها الرجل، وفي نهاية المطاف اعترفوا بعظم الخطأ والذنب الذي ارتكبوه في حق المرأة، وعلموا أنها لا يصلح لها إلا البيت، فلنأخذ العبرة من غيرنا، ولنتبع كتاب ربنا.

стр. 1771

دور الأم في تربية الأبناء الحمد لله لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من استعطاه، له الحمد ﷻ ، وتقدست أسماؤه، وعظم عطاؤه، وعم نواله، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، الذي بعثه الله جل وعلا إلى الناس أجمعين، وأرسله رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفا. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الأم المربية مصدر قوة، وصمام أمان في المجتمع، حديث بدأناه نصل القول فيه حتى يستوفي هذا الأمر حقه لما له من أهمية وفائدة، ولعلنا نقرر في بداية هذا الحديث الدور العظيم للأم في تربية الأبناء، وتنشئة الأجيال، وندرك ذلك من خلال أمرين: أن هذا الدور للأم مرتبط بالأطفال، والطفل هو الأمة كلها، هو مع غيره وبقية الأطفال يكونون جيل المستقبل القريب قبل البعيد، ومن هنا فإن الدور الإصلاحي والتربوي الذي يوجه إلى هؤلاء الأطفال منذ ولادتهم ومنذ نعومة أظفارهم إنما يقوم به يد الأم المربية، وصدرها الحاني، وفكرها وعلمها النير، وسلوكها وخلقها الفاضل، وحينئذ ندرك أننا أمام مفتاح التغيير كما أشرنا. الجانب الثاني: أن الطفل والنفس البشرية بعمومها عظيمة في غرابتها وفي تقلباتها، والطفل عالم من المجهول، لا يكاد يعرف مسالكه ودروبه الخفية إلا تلك الأم، إنها تكاد تقرأ في نظراته حاجته، وتعرف من قسمات وجهه مشاعره، إنها التي تستطيع أن تكتشف ما لا يكتشفه الرجل بحال من الأحوال، وإذا كان الأمر كذلك فإننا لا بد أن نعطي هذه المهمة لمن يعرف خفاياها، ويبصر دقائقها، وذلك من الأهمية بمكان.

стр. 1772

التربية مسئولية مشتركة بين الوالدين وهنا وقفة لا بد منها: فإن التربية مسئولية مشتركة بين الوالدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وفي حديث المصطفى ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وفيه ذكر النبي ﷺ : (والرجل راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها). فلا بد من تكامل وتعاون، لكننا ندرك أن الدور الأكبر في مثل هذا للمرأة سيما في سن الطفولة الأولى، لماذا؟ لأن عند الرجل مشكلتين طبيعيتين من واقع طبيعته وخلقته ودوره وعمله في هذه الحياة، ومن حيث الكم فإن الوقت الذي يقضيه مع أبنائه أقل بكثير مما تقضيه الأم معهم، وذلك بطبيعة عمله وحاجته إلى الكسب والكدح في هذه الحياة الدنيا، وارتباطه بالمشكلات في هذه الحياة. ومن حيث الكيف فإن الأب غالباً ما يعود إلى بيته مرهقاً متعباً جسدياً بسبب العمل والبذل والجهد، ومنشغلاً فكرياً بسبب المشكلات والتخطيط والترتيب. فهو أقل استعداداً للعطاء النفسي والعاطفي والفكري من هذه الأم، التي يدور محور رحى حياتها حول أبنائها، فقلبها لا يخفق إلا بالمحبة لهم، ونفسها لا تضيق إلا في الحزن أو الأسى على أحوالهم، وفكرها لا ينشغل إلا بتدبير أمورهم، فهي قد خلقت وجبلت لتكون كذلك، ومن هنا ندرك أهمية هذا الدور، وندرك أنه إذا اختفى أو غاب أو تقلص إلى حد كبير، فإن أحداً لا يمكن أن يعوضه، ولا يستطيع أن يتقنه، ولا يمكن أن يستمر فيه على المدى الطويل.

стр. 1773

مهمة المرأة المربية كمهمة الدولة الحاكمة ومن هنا أنتقل إلى تصوير هذه المهمة: إن مهمة المرأة المربية كمهمة الدولة الحاكمة، أليست الدولة الحاكمة لها رعايا تحتاج إلى تدبير شئونهم الاقتصادية، ورعاية أمورهم السياسية، ومعرفة أحوالهم القضائية وغير ذلك من الأمور؟ والأم كذلك تقوم بدور مجلس الوزراء كله، فهي تقوم بمهمة تربية وتعليم، وثقافة وإعلام، وإدارة واقتصاد، ومهمة صحة جسدية ونفسية، وقس على ذلك غيره من الأحوال المختلفة، فإنك ستجد أن القول الذي يطلق وهو: أن المرأة ملكة في بيتها ليس مجرد تصوير تشريفي أو لبيان المكانة، بل هو كذلك لبيان الدور والرسالة، فهي تقوم بهذه الأدوار كلها، وتقوم بتلك المهمات جميعها، وتسوس تلك الدولة المصغرة في عش الزوجية والأسرة الآمنة، فهل ترون هذا الدور بعد هذا التصوير دوراً هامشياً تافهاً، أو دوراً يحتقر وينتقص، أو دوراً يرى أنه ليست له فائدة ولا أثر؟! وقفة مع النظرة التي تغيرت وتبدلت نحو السوء وللأسف في واقع مجتمعاتنا إلى الأم المربية إلى ربة المنزل إلى الزوجة الحانية، إلى التي تهدهد بيدها سرير رضيعها؛ وهي بذلك تهدهد أوضاع الحياة من حولها: هذه المرأة المربية عندما نفقدها في المجتمع تحصل لنا مشكلات كثيرة، اليوم تجد بعض النساء تستحيي أن تقول: إنها ربة منزل، اليوم تجد وسائل الإعلام في غالب أحوالها تقول: إن نصف المجتمع مشلول معطل إذا كانت المرأة في بيتها، فكأنها في بيتها ساهية لاهية عابثة لا تقوم بدور، ولا تؤدي مهمة ولا تقدم نفعاً، ولا تقرب فائدة بحال من الأحوال، ثم كذلك فوق هذا أصبحت المنافسات لهذه المهمة كثيرة، وهي متعددة ومتنوعة، صرفتها شواغل من الإعلام الذي صرف عقول النساء، واستلب أوقاتهن، وغير أفكارهن، وأوجد الخلل في مشاعرهن. وجانب آخر في صور اجتماعية فارغة كثيرة، أصبحت المرأة حاملة حقيبتها، ماضية في هذه المناسبة أو تلك، وفي هذه الزيارة أو تلك، وبعد ذلك كأنما ليس وراءها مهمة، وليس عندها حصن تقوم عليه وترعاه وتحرسه، وبعد ذلك العمل الذي تشعبت نواحيه، والذي أصبحنا اليوم نسمع ضرورته وأهميته، وأنه يجب ألا تبقى امرأة إلا وقد عملت في كل ميدان، وفي أي وقت، وفي سائر الأنحاء، وكأنها ليست هناك مهمة. وليس هذا منعاً لعمل المرأة في كل جوانب الحياة التي يشرع فيها العمل، وفي قدره وبحاجته، ولكننا ندرك أننا سنجني ثماراً مرة كلما وسعنا هذه الدائرة وأطلقناها، ورغبنا فيها على حساب معرفة المهمة الكبرى للمرأة.

стр. 1774

تجربة الغرب في خروج المرأة إلى الميدان للعمل واستمعوا إن شئتم إلى تجارب الأمم الأخرى والتي ينظر إليها البعض على أنها مجتمعات وحضارات يراد أن نقتدي بها، لا أريد أن أشير إشارات مطلقة، فإن الإشارات المطلقة معروفة، ومجتمع الغرب اليوم وحضارة العصر اليوم لا أقول: إنها تجني ثماراً مرة، ولكنها تعيش حياة الضنك والضيق التي وصفها الله بقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] ليست بالآلاف ولا بعشرات الآلاف، ولا الملايين، بل بعشرات الملايين من الأطفال الذين يعتبرون لا أسر لهم من الآباء والأمهات، اللائي ينشأ عندهن أو يأتيها هذا الطفل وهي لاهية ساهية منشغلة بعملها، منطلقة في حياتها، إضافة إلى أمور أخرى. ولكني أنقل لكم تجربة واحدة في مقالة محددة لشخص معروف، وهو الزعيم السوفيتي السابق غورباتشوف الذي يقال: إنه صاحب الإصلاح الأكبر في تلك البلاد، يخبرنا عن التجربة التي خاضها هو ومن معه، ويخبرنا عن الدور الرائد الذي قاموا به في مساواة المرأة، وفتح الأبواب أمامها، وغير ذلك من النجاحات، ثم يقف ويستدرك ويقول: ولكن طوال سنوات تاريخنا البطولي والشاق عجزنا عن أن نولي اهتماماً لحقوق المرأة الخاصة، واحتياجاتنا الناشئة عن دورها كأم وربة منزل ووظيفتها التعليمية التي لا غنى عنها للأطفال. إن المرأة استعملت في مجال البحث العلمي، وفي مجال الإنتاج، والخدمات، وشاركت في النشاط الإبداعي، ولم يعد لها وقت للقيام بواجباتها في المنزل وتربية الأطفال وإقامة جو أسري طيب، لقد اكتشفنا أن كثيراً من مشاكلنا في سلوك الأطفال والشواب، وفي معنوياتنا وثقافتنا في الإنتاج تعود جزئياً إلى تدهور العلاقات الأسرية، ولهذا السبب فإننا نجري مناقشات جادة بخصوص مسألة ما يجب أن نفعله لنسهل على المرأة العودة إلى رسالتها النسائية البحتة. إنهم في ذلك الوقت منشغلون بهذا الأمر؛ لأنهم وجدوا آثاره الوخيمة، وأضرارها العظيمة في شتى مجالات الحياة. إن غياب دور الأم المربية يعني أطفالاً مشوهين نفسياً؛ لأنهم فقدوا عطف وحنان الأمومة؛ أثبتت الدراسات العلمية أنه تبقى آثاره غائرة في قلوب ونفوس هؤلاء الأطفال، وينشئون وعندهم من الاضطراب النفسي، والحرمان العاطفي، ما يكونون به غير أسوياء، وغياب دور المرأة ومعها كذلك غياب دور الأب هو الذي أوجد في مجتمعاتنا اليوم انحرافات فكرية وسلوكية، حتى رأينا ما لم نكن نرى من قبل، وسمعنا ما لم نكن نسمع من قبل، ورأينا كيف أثرت هذه الأوضاع في حياة شبابنا على واقع مجتمعاتنا.

стр. 1775

رد شبهة الزاعمين أن مكوث المرأة في البيت يؤثر على الجانب الاقتصادي وإذا مضينا حتى إلى الجانب الاقتصادي الذي يكثر الحديث فيه والجدل حوله ويقال: إن المرأة معطلة فنصف المجتمع مشلول، الاقتصاد يحتاج إلى تحريك، التنمية الاقتصادية في أمس الحاجة إلى المشاركة الكاملة للمرأة. ونحن نقول: إن عمل المرأة مطلوب في المجالات التي يحتاج إليها، أو إذا هي احتاجت إليها بالضوابط الشرعية، ولكننا نقول قبل ذلك ومعه وبعده: ينبغي أن نوفر الأسباب الكاملة لأداء المهمة الأولى بأحسن صورة ممكنة. ومرة أخرى نقول: إنه من تضليل الرأي العام، ومن خداع الناس أن نردد مثل هذه المقالات، وإذا خرجت المرأة للعمل فهل ذلك يعود بالضرورة على الأسرة أو على المجتمع بنفع اقتصادي كما يصور في ضخامته وفي عظمته؟! إن وراء ذلك خادمة يؤتى بها، وحاضنة أو مربية يؤتى بها، وحضانة أو مكان يدفع إليه بالأبناء لتعويض غياب المرأة، وكل ذلك إنفاق لم يكن له وجود بحضور المرأة في بيتها. ثم انظر كذلك ما قد يضاف من السائق والخدمات الأخرى الملازمة والمصاحبة لذلك، فإن الأمة المنشغلة بالأعمال بذلك الرحابة الواسعة كثيراً ما يحتاج مع وجودها وانشغالها في عملها إلى شراء الأطعمة من الخارج، وأنتم اليوم ترون كم هي المطاعم منتشرة؟! وكم هي النيران في البيوت مطفئة؟! لأنه لا أحد عنده وقت ليقوم بهذه المهمة، ولأن المرأة إذا أدخل في ذهنها أنها أعلى وأسمى من أن تطبخ أو أن تؤدي دوراً تغذي فيه أبناءها أو ترعى زوجها؛ فإن وراء ذلك من الإنفاق الاقتصادي ما وراءه، بل قد أثبتت الدراسات الاقتصادية أن المرأة إذا عملت أنفقت على نفسها أكثر، فهي تحتاج إلى نوع من الملابس أكثر، وإلى نوع من الزينة أكثر، وتحتاج أيضاً من المتطلبات للعمل أكثر، وإلى مناسبات أخرى ترتبط بالعمل اجتماعياً أكثر، وهذا كله إنفاق، ويكون حينئذ الأثر الاقتصادي مربوطاً بالمصلحة المتعينة في الحاجة التي تحتاجها المرأة، أو فيما يكون في جملته حاجة المجتمع دون حاجة إلى مثل هذا التهويل والتعظيم. وقد قال النبي ﷺ في إشارة مهمة إلى الدور الاقتصادي للمرأة في داخل منزلها: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد، وأرعاه على زوج في ذات يده)، إن المرأة المسلمة العاقلة هي مدبرة اقتصادية في منزلها تحسن الإنفاق، وتزيد التوفير، وتجعل نوعاً من الاقتصاد الذي يقي الأسرة أو يؤمنها أو يعينها في أوقات المحن. ثم إن المرأة في بيتها عندما تستشعر ذلك الجهد الذي يبذله زوجها، والمال الذي يحصله، تعرف أنها معنية بمثل هذه السياسة الاقتصادية، أما إذا كانت لا تأخذ إلا المال وتصرفه، وتخرج وليس وراءها مسئولية إنفاق وتدبير، فإنها حينئذ لا تكون على ذلك النحو.

стр. 1776

الدور الحقيقي للأم في مملكتها ووقفتنا الأخيرة: الحديث عن الدور الحقيقي لهذه الأم في تلك المملكة التي تحدثنا عنها، وهنا أقسم الحديث إلى قسمين: الأول دورها العام بشكل مجمل في البيت والأسرة. الثاني: الدور التربوي المفصل الذي يتناول تربية الأطفال في المجالات المختلفة. أما دورها الأول فهو دور السكن للجميع، هذه المرأة ليس دورها لأطفالها فحسب، بل دورها أوسع لزوجها ولأطفالها، ولجو الأسرة كله، اليوم نرى التشنج والتوتر، نرى الصراخ والنزاع والشقاق، نرى الأبناء وهم يعيشون في أجواء من الخصومات الزوجية لأن المرأة لم تع دورها، ولم تقم برسالتها، يقول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] ويقول الحق : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] تهيئة الأجواء العامة، أجواء الهدوء والسكينة، أجواء المحبة والمودة، أجواء التعاون والتكامل، أجواء الروح التي تسري من قلب هذه الأم إلى زوجها، فتشيع فيه المحبة والعطف والقرب والتلاحم، وإلى أبنائها فتشيع فيهم الحنان والعطف والرعاية الكبيرة العظيمة، وإذا بهذه الأسرة جنة من جنان الله في الأرض لا تكاد ترى فيها نزاعاً ولا شقاقاً، تلك البيئة تصلح حينئذ أن تكون بيئة تربية، وتصلح حينئذ أن تكون بيئة من اللبنات القوية في بنيان المجتمع مهما وجهت لها من سهام الأعداء غزواً فكرياً أو انحلالاً خلقياً، أو ضغطاً أو نحو ذلك، فإنها تكون بإذن الله كالصخرة الصلبة التي تتكسر عليها السهام والنصال. الجانب الثاني: الإدارة الناجحة، المرأة هي الحاكمة في بيتها بحسن تدبيرها ورعايتها، وذلك في وجوه كثيرة من أهمها: تنظيم الأوقات والأغراض، بعض النساء وخاصة من تخرج من بيتها كثيراً لغير فائدة فإنك تجد أن الوقت عندها مضيع، والأغراض مبعثرة، وأنه ليس هناك دقة في أوقات الطعام، ولا في أوقات المنام للأطفال وغير الأطفال، فتجد حينئذ جواً من الفوضى والاضطراب يسود ذلك المنزل. ومن جهة أخرى: استغلال الفرص والأحداث، هذه الأم الحكيمة المربية، وتلك الزوجة العاقلة الراعية تحسن عند كل حدث من الأحداث -اجتماعية كانت أو اقتصادية خاصة أو عامة- أن تدبر، وأن ترتب، فإذا ضاقت ذات يد الزوج أحسنت استغلال الفرص، وأحسنت تربية الأبناء وتذكيرهم بالنعم، وتذكيرهم بحال غيرهم ونحو ذلك، وإذا جاءت حالة أخرى لبست لها لبوسها، وإذا جاء حادث وفاة ذكرت، وإذا جاء حادث فرح بينت ونحو ذلك، فيكون لها الدور الكامل في مثل هذا. وأخيراً تؤدي دور التكامل والتعاون مع الرجل في نوع من الوفاق والملاءمة الكاملة، ونحن إنما نشير بذلك إشارات، والأمثلة في تاريخ أمتنا كثيرة. ثم إذا نحن نظرنا إلى التفصيل فذلك موضوع يحتاج إلى بيان أكثر، وهو تفصيل تربية الأبناء إيمانياً وعبادياً وخلقياً وفكرياً ونفسياً، وذلك ما نجعل له حديثاً مستقلاً، نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يلهمنا كتاب ربنا، وأن يربطنا بسنة نبينا ﷺ ، وأن يجعل أزواجنا أمهات مربيات، وزوجات صالحات، وبنات بارات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1777

الدورات الصيفية للشباب من عوامل التربية الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فنسأل الله أن يعمر قلوبنا بالتقوى. وإن مما ينبغي لفت النظر إليه ونحن اليوم نستقبل أول أيام الإجازة الصيفية أن ننبه الآباء والأمهات على مسئوليتهم التربوية تجاه أبنائهم في هذه الإجازة الممتدة أشهراً متعاقبة، وأوقاتاً متطاولة، أن يعنوا بإعطائهم من الوقت والجهد والتوجيه ما هم في أمس الحاجة إليه، وهنا أشير إشارات متنوعة: هناك برامج كثيرة في بلادنا تشغل الأوقات، وتعمر القلوب بالتقوى، وترطب الألسنة بالذكر، وتوجه العقول إلى الخير، وتقوم السلوك والأخلاق على النهج القويم، حلقات ودورات صيفية للقرآن الكريم، حفظاً وتلاوةً وتجويداً وتفسيراً وتعليماً، تمتلئ بها مساجد هذه البلاد الطيبة، يتلقى فيها الأبناء في هذا الوقت جرعة عظيمة مكثفة، من كتاب الله بحسب فراغ الوقت، وامتداد الصيف، فإذا بهذه القلوب تتشرب آيات الله ، والصدور تحفظ عن ظهر قلب كلام الله ، وإذا بها تشيع فيها أحكام وآداب وأخلاق القرآن الكريم التي تهدي إلى ما هو أقوم كما أخبر الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]. كذلك الدورات العلمية الشرعية التي تمتلئ بها كثير من المساجد الكبيرة، وأقربها إلينا ما نذكر به دائماً مسجد الملك سعود الذي فيه الدورة الصيفية الشرعية المستمرة لسنوات طويلة، دروس في الفقه، وأخرى في السيرة، وثالثة في علوم القرآن، ورابعة في غيره، وفي هذا يوجد في وقت يسير ومتاح ومتعاقب في الأيام والأسابيع المتوالية معنا في هذه الدورات من مسابقات علمية تحث على معرفة كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والاطلاع على كتب الأئمة والعلماء، ومعالجة أوضاع واقعنا المعاصر لشبابنا وشاباتنا على وجه الخصوص. فأي خير أعظم وأنفع لأبنائنا وبناتنا من مثل هذه الدورات! وهي متاحة للذكور والإناث بحمد الله ، ومن وراء ذلك المخيمات الدعوية بما فيها من البرامج الترفيهية المباحة، وفرص للأطفال في اللهو واللعب والتوجيه والإرشاد، معنا في ذلك أيضاً من البرامج المختلفة المتنوعة من الأمسيات والندوات الشعرية، وفوق ذلك وقبله المحاضرات التوعوية الإرشادية النافعة، وحسبنا أن نشير إلى أن المخيم القريب منا في أرض المطار القديم، قد زاره ووفد إليه في العام الماضي نحو نصف مليون من الرجال والنساء، وبعد ذلك ومعه كذلك المراكز الصيفية المتنوعة المختلفة، بما فيها من برامج الرياضة والفكاهة والترفيه، ومع ما فيها من الدورات التأهيلية والتدريبية، ومع ما فيها أيضاً من الدروس والمحاضرات والبرامج المتنوعة. فأي خير أعظم من هذا! ونحن نرى ذلك ونرى أن استمراره وزيادته إنما يشكل بؤرة لاحتواء الشباب، واستغلال أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة، وكذلك للأبناء الكبار فرص من العمل في بعض الوظائف يتعودون فيها على الجد، ويحرصون فيها على الكسب، ويكتسبون خبرات الحياة، والآفاق في ذلك واسعة، فما على الآباء والأمهات إلا أن يولوا العناية والاهتمام، لا أن يصيحوا ويقولوا: ماذا نفعل؟! وليس عندنا وقت، إن لم يكن عندك وقت فليكن لك وقت أن تجلس معهم، وأن تتجاذب معهم أطراف الحديث، وأن تتشاور معهم في الالتحاق ببعض هذه البرامج، فإذا دخلوا فيها شغلوا أوقاتهم بالنافع المفيد، وأصبح دورك في المشاركة معهم في بعض البرامج متمماً ومكملاً وكافياً بإذن الله . فهذه فرص عظيمة، وهذه مزايا قل أن يوجد مثلها في غير هذه البلاد، فلا ينبغي لنا إلا أن نحرص على الانتفاع منها، والتشجيع عليها، والطلب من الاستزادة منها، والتنويه والذكر لدورها وفائدتها وأثرها، وذلك ما أحببت أن أشير إليه كرابط لدور التربية للآباء والأمهات. نسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يصلح شبابنا وشاباتنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، ومن ورثة جنة النعيم، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وأخلص نياتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغ فيما يرضيك آمالنا. اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، رد اللهم كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، وخالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، أرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، أنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنهم طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا، وأذلوا عبادك المؤمنين، وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم فاكفناهم بما شئت يا رب العالمين، واشف اللهم فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين، والمعذبين والمشردين المبعدين، والأسرى والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل اللهم لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه وشر وضر يا رب العالمين! اللهم يسر لنا أمنها وأمانها وسلمها وسلامها، ورزقها ورغد عيشها، وردها وجميع المسلمين إلى دينك رداً جميلاً يا رب العالمين. اللهم اجعلنا بالحق مستمسكين، ولكتابك متبعين، ولسنة نبيك ﷺ مقتفين، ولآثار السلف الصالح متابعين، اللهم يا رب العالمين لا تضلنا بعد الهدى، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين. اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض العراق وفي أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم وحد كلمتهم وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1778

الأم المربية [٣] لقد جعل الله في المرأة من المؤهلات الخلقية والفطرية ما يكون لائقاً بمكانتها ودورها في المجتمع الإسلامي من تربية للأطفال، والقيام بحقوق الزوج، والرعاية الكاملة لكل أفراد الأسرة، فواجب الأم هو تربية هذا النشء ليكون حافظاً لهذا الدين، متربصاً بأعدائه الذين يريدون أن ينالوا منه ويقضوا عليه.

стр. 1779

مكانة المرأة ودورها الرائد في التربية الحمد لله الكبير المتعال، ذي العزة والجلال، الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن كل نقص وإخلال، منه المبتدأ وإليه المرجع والمآل، له الحمد كما يحب ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الأم المربية مصدر قوة مؤثرة، ومكمن تغيير عظيم، ومصنع تربية للأجيال. الأم المربية في واقع أمتنا الإسلامية اليوم قضية مهمة، وجودها على الصورة المنشودة والمنهج المطلوب يعد مفتاح التغيير الإيجابي المنشود، إن أهمية الأم المربية لا تقل بل ربما تزيد عن أهمية الجيوش العسكرية المدججة بالسلاح، وأهمية إصلاح مناهج التعليم، وتهذيب وسائل الإعلام؛ لأن قوتها التأثيرية تستطيع أن تواجه كل ذلك، وتستطيع بإذن الله أن تنتصر على كل ذلك إن كان مناوئاً لدينها وإسلامها. وديننا العظيم، ومنهجنا الإسلامي القويم أعطى لهذه المهمة أولوية عظمى، ووفر لها جميع الأسباب التي تعين على حسن أدائها واستمرار رسالتها، ودوام عطائها، لتكون المجتمعات مجتمعات إيمان وإسلام من قعر البيوت من ثدي الأمهات من رحم المنجبات، ليخرج حينئذ الجيل المؤمن في قلبه ويقينه، ولتخرج الأيدي المتوضئة، والجباه الساجدة، تواجه كل فساد وانحراف يمكن أن تعج به المجتمعات.

стр. 1780

الأم المربية أنشأت العلماء ولذلك أي شيء يمكن أن يلفت النظر إذا رأيت ذلك الشاب التقي النقي الورع، أو حتى رأيت ذلك الرجل العالم الداعي المصلح، إن كثيراً من الناس يفكرون في جهده وتعليمه وشيوخه وينسون أن الأصل الأول، وأن البصمة الأولى، وأن البداية والانطلاقة إنما كانت من أم مربية! خذوا كل من تشاءون من أمثلة الأئمة والعلماء في التاريخ، نقبوا في صفحات حياتهم، ارجعوا إلى أيام طفولتهم، سترون وراءهم أماً عظيمة مربية، فهذا سفيان الثوري إمام التابعين، وعلم المحدثين، ورمز الزاهدين، ربته أمه وقالت له: يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي، كان أبوه ميتاً فجعلت عملها لكي تفرغه لطلب العلم، كانت تعلم ما الخير وما الأفضل والأمثل، ما الذي ينبغي أن تنشئ عليه صغيرها، ما الطريق الذي ترسم له مساره فيه، وتدرج به في خطواته الأولى عليه، وقد كانت تتخوله دائماً بالوعظ والتوجيه وهو في نعومة أظفاره، فكانت تقول له: يا بني! إذا كتبت عشر طرق -أي من الحديث- فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم يزد ذلك فاعلم أنه لا يضرك ولا ينفعك. تريد أن تلقنه أن العلم إنما يكون للعمل، وأن أثر العلم ينبغي أن يستقر إيماناً وتقى في القلب والنفس، وأنه ما لم يكن ذلك كذلك فلا نفع ولا جدوى، بل ربما يكون ضرراً وإثماً لا قدر الله، أليست هذه الأم كانت أياديها التربوية ومنهجيتها التعليمية هي البداية لذلك الإمام الجليل، والعالم العظيم؟ انظروا إلى الصحابيات من الأمهات المربيات وكيف كان الأثر التربوي يغرس منذ نعومة الأظفار بذرة إيمان في سويداء القلوب، وسمات أخلاق في أعماق النفوس، فهذه الربيع بنت معوذ ﵂ تقول: (أرسل رسول الله ﷺ يوم عاشوراء فقال: من كان صائماً فليتم صومه، ومن لم يصم فليمسك -أي: عندما بدأ بأمره أو توجيهه ﵊ لصيامه- قالت: فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوم أبناءنا -أي: الصغار- قالت: فكنا نصومهم ونأخذهم إلى المسجد، ونأخذ معنا لهم اللعبة من العهن، فإن بكى أحدهم لهيناه بها حتى يتم صومه ويؤذن المغرب) تلك هي التنشئة، وتلك هي ملامح ومعالم التربية، أخرجت جيل الأتقياء الأصفياء، جيل الأعزاء المجاهدين، أخرجت جيل العلم والعلماء، ويوم افتقدنا هذه الأم المربية، ويوم خرجت إلى الأسواق لاهية عابثة، ويوم شغلت بالأعمال وخلفت وراءها أبناء وبنات ليس لهم من يرعاهم ولا يربيهم أخرجت لنا أجيالاً لم يعد لها حظ من سمت الإيمان، وصفة الإسلام، واستغربت في فكرها، وامتهنت في شكلها وهيئتها، وذلت في عزتها، وضعفت في إيمانها.

стр. 1781

أقوال الغربيين تشهد لمنهج الإسلام في وظيفة المرأة ولعلي أمضي بكم إلى ساحة أخرى أريد منها أن أؤكد أن هذا المعنى مهم ومعترف به حتى عند غير المسلمين من العقلاء والحكماء؛ لأن بعضاً من أبناء جلدتنا قد التوت أعناقهم فلا يرون إلا جهة الغرب، ولا يرون إلا المجتمعات المتحضرة كما يقولون، وربما لا تكاد آذانهم تصغي أو تسمع إلا لقول أولئك ولا ترى النموذج والقدوة إلا في أفعالهم وأحوالهم. أما وقد أصبح ذلك حال بعضهم فلا حرج أن ننقل لهم أقوال القوم وأحوالهم، لنريهم بعض ما يعيدهم إلى رشدهم وصوابهم، هذه كلمات ومواقف ينبغي أن نلتفت إليها، وسأذكر من بعد منهجاً عظيماً نحتاج إليه وإلى التذكير به. أول ذلك ما ذكرته زوجة لأحد رواد الفضاء الأمريكيين السابقين وقد كانت ربة منزل، ليست موظفة ولا عاملة، وإنما مهنتها كما نكتب في مهن بعض أزواجنا ربة بيت، وبعض نسائنا اليوم تطأطئ رأسها خجلاً إن سئلت ما هو عملك؟ وكأن هذه المهمة أصبحت شيئاً يستحيا منه، أو مرتبة لا تريد المرأة أن تكون فيها، مع أنها أسمى المراتب وأعلاها، وأعظم الوظائف وأكثرها أهمية وجدوى، حتى من الناحية الاقتصادية تقول هذه المرأة الغربية: أنا مسرورة جداً ببقائي في البيت إلى جانب زوجي وأطفالي، حتى في الأيام العصيبة التي كنا فيها في حاجة إلى المال لم يطلب مني زوجي أن أعمل، وكانت فلسفته أننا نستطيع أن نوفر حاجاتنا الضرورية إن قل المال، لا تأكل هذا النوع وكل هذا، ولا تركب هذه السيارة واركب هذه، يمكن تدبير الأمور قالت: ولكننا لا نستطيع أن نربي أبناءنا إذا أفلت الزمام من يدنا. إن لم يكن في بيتك أم مربية فما هو البديل؟ خادمة! هي لم تحمل هذا الطفل في رحمها، ولم تعانِ في ولادته، ولم تكن يوماً مرضعته، ولا يهمها شأنه، ولا يعنيها مستقبله، ولا تنتمي إلى مجتمعه، بل ربما لا تنتمي إلى دينه ومعتقده. أو ما هو الحل الآخر؟ أن يسرح الأبناء إلى مؤسسات هنا أو هناك كما هي في مجتمعات الغرب، تكون كما يقول الرافعي ﵀ للعشرين منهم أم واحدة، هذه موظفة ليست أماً، فلا تعطيهم شيئاً من معاني الأمومة فضلاً عن أن تمنحهم شيئاً من معالم التربية. البدائل قضية مهمة، فقد نستطيع أن نسد ثغرات هنا أو هناك، الأعمال والوظائف فيها رجال ونساء، إن تخلينا أو اضطررنا إلى التخلي عن امرأة في مكان ما فلسنا عاجزين عن أن نأتي بغيرها من الرجال أو النساء بحسب الحال، لكنك إن لم تجد في بيتك أماً مربية هل يمكن أن تكون أنت أيها الرجل أماً مربية، خاصة في سن الصغر؟ هل يستطيع رجل واحد أن يحتمل البقاء مع طفل في الثانية أو الثالثة من عمره أكثر من ساعة أو ساعتين دون أن يدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور ويصيح ويضيق، فإنه لم يخلق لذلك، ولم يكن في نفسه وفكره وطبيعته لذلك، بينما هو يستطيع أن يحتمل الصعاب، وأن يرابط الأوقات الطويلة في عمله دون كلل أو ملل؛ لأن الله جل وعلا قد ركبه وخلقه على هيئة تصلح لذلك. ومن هنا أيضاً نقول من مقالات بعض القوم: المرأة التي تشتغل خارج بيتها تؤدي عمل عامل بسيط، ولكنها لا تؤدي عمل امرأة، فإن الفطرة التي فطر الله الناس عليها قد جعلها في هذه المرأة مناسبة لهذه المهمة، أولاً في الأصل الخلقي الطبعي هل رأيتم في حياتكم رجلاً يحمل ويلد؟ وإن كنا نقرأ أحياناً من الطرائف والعجائب والغرائب ما يكتب في بعض الصحف مثل هذا، ولست واقفاً عنده، لكنني أقول: كل الناس حتى الذين يرتقون إلى أعلى الدرجات في المطالبة بالمساواة لم نسمع عن أحد منهم أنه طالب أن يساوى الرجل بالمرأة في الحمل والوضع والولادة، لماذا؟ لو كان من الناحية النظرية لدعوا إلى ذلك وطالبوا به، لكن هذا محال لطبيعة الخلقة، فإذا سلموا في هذا فلماذا لا يسلمون في طبيعة الفطرة والخلقة فيما وراء ذلك؟! يقول أحد الغربيين أيضاً: إن الرجل يبحث عن المرأة تعمر البيت بوجودها وحركتها وعملها، وليست المرأة التي تملأ المعامل والمصانع والمكاتب والشوارع، وتخلف وراءها بيتاً يفترسه الضياع والفساد بوسائله المباشرة وغير المباشرة.

стр. 1782

بر الأم من الجهاد ومن أظهر ذلك وأبلغه ما رواه أنس ﵁: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! إني لأشتهي الجهاد ولا أقدر عليه -أي: ربما كان من أهل الأعذار- فقال له النبي ﷺ : هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج، ومعتمر، ومجاهد، فإن رضيت عنك فاتق وبرها) ذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط والصغير ورجالهما رجال الصحيح، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب، وقال: إسنادهما جيد. ومثل ذلك وأظهر منه حديث معاوية السلمي ﵁، قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو منطلق فقلت: يا رسول الله! إني أريد المسير معك للجهاد ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، فقال له رسول الله ﷺ وهو يعلم أن له أماً تحتاج إليه: ارجع إلى أمك فالزمها، قال: فجئته من قبل وجه آخر، فقلت: يا رسول الله! إني أريد المسير معك للجهاد ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، فقال: الزم أمك، فقلت له ثالثة، فقال: ويحك الزم رجلها فثم الجنة) رواه النسائي وابن ماجة في سننهما بسند صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ذلكم أن الجنة تحت أقدام الأمهات. وفي حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أخبر فقال في سياق حديث طويل: (ودخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: قراءة من هذه؟ فقيل لي: قراءة الحارث بن النعمان فقال: كذلكم البر! كذلكم البر! وكان الحارث من أبر الناس بأمه) رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. ومن هنا ندرك أن هذا المقام الجليل، والمكانة الرفيعة، والوجوب الشرعي لبر الأم إنما هو تقدير لدورها العظيم ورسالتها السامية، واعتراف بأثرها البليغ في قوة الأمة، ومكانة أجيالها، وصنع أسباب المناعة والحماية والوقاية من الآثار السيئة، ومن الشرور والأضرار الوخيمة.

стр. 1783

تقديم حق الأم على حق الأب ووقفتنا الأولى: ومضة سريعة في المكانة والأهمية التي جعلها إسلامنا للأم، ولدورها الرائد في التربية. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] قال ابن عطية في تفسيره: ذكر الله الأم في هذه الآية في أربع مراتب، والأب في مرتبة واحدة، وجمعهما الذكر في قوله تعالى: (بوالديه) ثم ذكر الحمل للأم ثم الوضع لها، ثم الرضاع الذي عبر عنه بالفصال، وهذا يناسب ما قاله رسول الله ﷺ ، حين جعل للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب الربع، وذلك حين جاءه الرجل فقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أبوك). وهذا أمر بين واضح ودور فطري خلقي أراده الله لكمال البشرية، ولحسن انتظام الحياة في هذه الدنيا، وروى الترمذي: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال له: يا رسول الله! إني أصبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ فقال له رسول الله ﵊: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم قال: فبرها) أي: ذلك طريق توبة وتكفير ذنب.

стр. 1784

الهجوم الغربي على الأسرة الإسلامية وأكمل لكم الثالثة في بيان الأهمية والخطورة، فإن هذا الدور إذا اختل ليس مجرد مناقض للفطرة، وليس مجرد أمر لم نستطع أن نجد له بديلاً، ولكنهم كذلك وضعوا هنا خطوطاً حمراء هي أحد المقاتل الخطيرة التي تضعضع كيان مجتمعاتنا الإسلامية، ويوشك أن يعيث من خلالها الفساد في ديارنا، ومن هنا فإن النقطة الثالثة هي الهجوم العظيم المتنامي على الأسرة عموماً وعلى المرأة خصوصاً، وعلى دور الأم المربية بشكل أخص، البروتوكولات المنسوبة إلى اليهود يقولون فيها: سوف ندمر الحياة الأسرية بين الأميين -أي: غير اليهود- ونفسد أهميتها التربوية. ولما علم أولئك القوم أن سراً من أسرار قوتنا وترابطنا، واستعصاء أجيالنا على مخططات التدجين والتهويد إنما هو إلى أولئك الأمهات العظيمات المربيات قالوا: لا بد أن نلغي دور هذه الأم المربية، والزوجة الراعية، والبنت الحانية، وأن نصدع هذه اللبنة القوية المتماسكة. وأنتم تعلمون كم تعقد الأمم المتحدة من المؤتمرات التي تحشد لها الأمم من شرق الأرض وغربها، وأي شيء تريد منها! عناوين كذابة، وشعارات براقة، ومضامين فاسدة ومفسدة للصحة الإنجابية أي: كيف تمارس المرأة كل أنواع الفسق والفجور والزنا والخنا، ثم تكون هناك بعض التعليمات والتوجيهات للوقاية من الأمراض، وماذا يقولون؟ كثير من الكلام تعلمونه. لماذا كل هذا الجهد المبذول والتخطيط المتتابع منذ عقود والأموال المصروفة المبذولة؟ واليوم الدعوات التي نسمعها لإصلاح المجتمعات العربية والإسلامية، وفي مقدمة هذا الإصلاح وضع المرأة كما يقولون ويروجونه وفق تصوراتهم، ومناهجهم، وآرائهم وأحوالهم.

стр. 1785

المؤهلات الخلقية والفطرية للمرأة في التربية هذه قضية مهمة لعلي أقف وقفة لا بد لنا أن نعيها نحن معاشر المسلمين: المؤهلات الخلقية والفطرية للمرأة في التربية:

стр. 1786

القرب والملابسة وأخيراً: القرب والملابسة: من الأقرب إلى الأبناء؟ بل من الأقرب إلى الأزواج؟ من الأعرف بطبائعهم؟ من الأقدر على اكتشاف أسرارهم؟ أليست الأم هي التي تعرف ماذا يحب هذا وماذا يحب ذاك من الطعام والشراب؟! أليست هي التي تغسل الملابس وتعرف ما قد يكون فيها؟ أليس الأبناء أحياناً وإن كبروا يسرون بأسرارهم ومشكلاتهم إلى أمهاتهم؟ لماذا؟ لأن هذه طبيعة حانية، ولأنه استقرار في كل وقت يجده، يبحث عن أبيه فمرة في شرق، ومرة في غرب، وإذا كلمه وجد صرامة الوجه، وتقطب الجبين، والشدة التي يعرفها لا تناسب ذلك، لا يعني ذلك أنه ليس للأب من دور في التربية، ولكننا نذكر الدور الأساس في المراحل الأولى، وتبقى للأم أدوار مستمرة، فكل رجل مهما بلغ من الكبر فهو طفل عند أمه، لا يكبر الإنسان على أمه أبداً. هذه التربية! هذه الأم! هذا الدور لا بد أن نعني به وأن نحرص عليه؛ لنؤمن بيوتنا، ولنعد أجيالنا. نسأل الله أن يحفظ نساءنا وزوجاتنا وأمهاتنا ومجتمعنا من كل الشرور والمفاسد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1787

الخصائص النفسية أولها: الخصائص النفسية: فإن المرأة مجبولة على العاطفة الفياضة، والحنان المتدفق، ألا ترون ذلك فيما صورته أحاديث النبي ﷺ وهو يريد أن يبين هذه العاطفة، وذلك حين قال النبي ﷺ لأصحابه يوماً وقد كان يمر ببعض الأسرى وامرأة تأخذ وليدها فتضمه إلى صدرها فيقول: (أرأيتم هذه طارحة ولدها في النار؟! قالوا: يا رسول الله! هي أرحم به من ذلك، فقال النبي ﷺ : لله أرحم بكم من هذه بولدها) لكنه أراد أن يبين أن الرحمة الإنسانية في أعلى صورها إنما هي عند المرأة الأم. وذكر لنا النبي ﷺ الحديث الذي كان من أقضية سليمان ﵇، وهو أن امرأتين تنازعتا في طفل، كل واحدة تدعي أنها أمه -فبأي شيء حكم؟ - قال: أحكم بأن يشق نصفين، فتعطى كل واحدة نصفه، ولم يكن يريد أن يكون هذا حكماً منفذاً؛ لكنه عندما قاله قالت إحداهما: لا تفعل، هو لها وهي أمه، فهل أقرت بهذا على أن تلك أمه؟ كلا، بل حكم لها بأن تأخذ هذا الابن؛ لأنه أثبت أن رحمتها به آثرت حياته ولو كان بعيداً عنها، فأيقن أنها أمه، هذه الصورة من الرحمة والعطف والحنان كيف ينشأ الأطفال إذا حرموا منها؟! لماذا تشكو المجتمعات الغربية اليوم ممن يسمونهم (التن إيجرس) الذين هم أبناء ما فوق العاشرة والعشرين؟! لماذا ترون هناك أبناء الخامسة عشرة وهم ينفذون جرائم قتل كاملة؟! إنهم لم يجدوا حناناً ولا عطفاً من الأم، عاشوا في بيئة صحراوية من المشاعر والعواطف، عاشوا في بيئة ليست مستقرة في ظلال الأسرة الوارفة، فخرجوا إلى المجتمع أشراراً لا يبغون فيه إلا فساداً. وانظروا إلى الصبر والاحتمال، وهو من الطبيعة النفسية عند المرأة على الصغار كما قلت من قبل، هذه أم طفل ترضعه، وآخر يحبو تنتبه له، وثالث يدرج توجهه، وتعيش في هذه المملكة ما لو عاشه الرجل كما قلت ساعة واحدة لكاد أن يساق إلى مستشفى المجانين، كيف ذلك؟! لأن الله جعل لها صدراً رحباً، واحتمالاً عظيماً في هذا الباب ليس له نظير.

стр. 1788

طبيعة الاستقرار في المرأة الأمر الثاني وهو مهم كذلك: طبيعة الاستقرار في المرأة: والقرآن العظيم والمنهج الإسلامي القويم يتطابق مع أصل الخلقة والفطرة: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢١] الرحم قرار يستقر فيه كل واحد منا، فقد استقر فيه تسعة أشهر، هل لأحد منكم أن يدعي: أنه لم تكن له أم حملته ووضعته وأرضعته وغذته ورعته وربته؟! هذا الاستقرار هو من طبيعة المرأة، ولذلك حتى المرأة العاملة هل تبقى في البيت وقتاً أطول من زوجها أو لا؟ نعم. لماذا؟ لأن في طبيعتها الاستقرار، ومن هنا جاء التوجيه الرباني: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ليس ذلك تحريماً للخروج أو العمل في صورته الشرعية، ولكنه ذكر للطبيعة المناسبة للمرأة تغليباً، ولذلك انظروا إلى الرجال ألا ترونهم في أيام العطل والإجازات إذا بقي أحدهم في بيته لم يستطع أن يبقى إلا جزءاً من الوقت ثم يخرج؛ لأنه ليس من طبيعته الاستقرار، بل هو متنقل مرتحل عامل متغير، هذه طبيعة الكد والكدح والسير في هذه الحياة: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]، وهذا ضرب آخر يتناسب مع الرجل، فإذاً: طبيعة القرار والاستقرار جعلها الله لتكمل بها هذه الحياة.

стр. 1789

دور الأم الفلسطينية البطولي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من الأمور المهمة: العناية بدور الأم وتربيتها لأبنائها، ولعلي أشير هنا إشارات لا بد من ذكرها والتنبيه عليها، وهي لفت نظر إلى الأمهات العظيمات المربيات في أرض فلسطين، ما الذي أخرج لنا هذا الجيل من الشباب الصغار في مقتبل العمر يكشفون صدورهم للرصاص ومدافع الدبابات وقصف الصواريخ، وهم يبتسمون ويجددون قول أسلافنا: الله أكبر فزت ورب الكعبة؟! ثم نرى من بعد الأم وهي تقول: لا تعزوني ولكن هنئوني بشرف استشهاد أبنائي، ألم نر ذلك؟! ألم نعرف أن هذه القوة التي تواجه اليوم ألد أعدائنا وأحقرهم وأذلهم من اليهود عليهم لعائن الله إنما كان الدور العظيم بعد فضل الله وأدوار أخرى لأولئك الأمهات؟ ألسنا نعرف أن قوة الإنجاب وكثرته في أرض فلسطين أحد الأسلحة العظيمة التي تقلق أعداء الله ، ثم يقال لنا: قللوا نسلكم، وأخرجوا نساءكم، وضيعوا أجيالكم، ومن بعد سوف تضيع كلمتكم وتذهب ريحكم. أمثلة عظيمة نراها وتؤكد لنا هذا المعنى، ونحن وإن كنا نألم ونحزن لما يجري في أرض العراق وفي فلسطين ونتفاعل معه في الخطب، لكننا كذلك نحتاج إلى أن نقف وقفات عملية لنؤدي دورنا ونقوم بواجبنا، أحد الكتاب يقول مقالة قوية معبرة: إن دور الأم في التربية أعظم من دور الثورة، نحن نريد ثورة على الظلم لإقرار العدل، وعلى الذل للتحلي بالعز، نحن نريد ثورة نغير بها الواقع في حياتنا، وإن من أعظم أسباب هذه الثورة دون أن تكون ثورة حمراء، ودون أن تكون ثورة في مبتدئها ثورة دماء، ودون أن تكون رعونة رعناء؛ هو دور التربية، ومفتاح التغيير، ومصدر القوة، وإن أسلحة التربية في الأجيال المؤمنة أعظم وأفتك من الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل التي يكذبون على الناس بوجودها، ويعرفون أن حقيقة قوتنا في إيماننا وإسلامنا، وتربية أجيالنا، فيحاربوننا في مكمن قوتنا، ودعك من غير ذلك من الأضاليل والأكاذيب، وإلا فلماذا هذه الدعوات من الديمقراطيات والإصلاحات وغيرها من المغالطات التي يروجونها وفق المنظور الغربي والحضارة الغربية. وأقول: أيها الإخوة! إن هذا المعنى مهم جداً، ونحن عندما نقول ونتحدث في هذا فلسنا نتحدث بعيداً عن واقعنا، ولسنا لا نعي ما يجري حولنا، ولكننا نريد أن نكون أصحاب عمل، وقد قلنا من قبل في حديث مستفيض عن خطة الإصلاح ومنهجه في القرآن ومبدئه من قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] وهذا الذي نتحدث عنه حديثاً مهماً مكملاً لهذا الدور العظيم الذي عبر عنه شاعر العراق الرصافي بقوله: ولم أر للخلائق من محل يهذبها كحضن الأمهات فحضن الأم مدرسة تسامت بتربية البنين أو البنات وأخلاق الوليد تقاس حسناً بأخلاق النساء الوالدات وليس ربيب عالية المزايا كمثل ربيب سافلة الصفات وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في فلاة فاعلم أن هذا الابن والشاب إذا كان صالحاً فإن وراءه في الغالب أماً مربية صالحة، ولقد كان القاسم وإبراهيم يدخلان على عائشة ﵄ من التابعين، وكان أحدهما في لسانه لكنة يلحن في العربية فقالت: (قد علمت من أين فصاحة هذا وعجمة هذا، هذا ربته أمه، وذاك ربته أمه) وكانت أمه أعجمية ليست عربية فبقي أثر تربيتها إلى أن صار رجلاً عظيماً عالماً إلا أن بعض الأثر ما زال ظاهراً، ولذلك مقولة عظيمة تقول: إذا علمت رجلاً فقد علمت فرداً، وإذا علمت امرأة فقد علمت جيلاً. نسأل الله أن يحفظ بيوتنا وأبناءنا وبناتنا من كل الشرور والمفاسد، وأن يعطينا الزوجات الراعيات، والأمهات المربيات، والبنات الحانيات. نسأله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا بكتاب الله مستمسكين، وبسنة نبيه ﷺ معتصمين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم طهر قلوبنا وزك نفوسنا، وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، واجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، ولا تبلغهم اللهم غاية، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، يا قوي يا عزيز يا متين؛ يا منتقم يا جبار يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك لطفك ورحمتك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، ووفر أقواتهم، وأدم عزهم، ووفر أمنهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم إنا نسألك أن تثبت أقدامهم، وأن توحد صفوفهم، وأن تقوي شوكتهم، وأن تسدد رميتهم، وأن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العلمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله، استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون!

стр. 1790

الوصايا الربانية [١] في سورة الأنعام ثلاث آيات توصي بأصول الفضائل، وتحذر من أصول المحرمات والرذائل، وأول ذلك الأمر بالتوحيد والتحذير من الشرك بالله ، وذلك رأس الوصايا؛ لأنه لا فلاح إلاّ بعد تحقيق التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله.
следующие страницы →