← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

القرب والملابسة وأخيراً: القرب والملابسة: من الأقرب إلى الأبناء؟ بل من الأقرب إلى الأزواج؟ من الأعرف بطبائعهم؟ من الأقدر على اكتشاف أسرارهم؟ أليست الأم هي التي تعرف ماذا يحب هذا وماذا يحب ذاك من الطعام والشراب؟! أليست هي التي تغسل الملابس وتعرف ما قد يكون فيها؟ أليس الأبناء أحياناً وإن كبروا يسرون بأسرارهم ومشكلاتهم إلى أمهاتهم؟ لماذا؟ لأن هذه طبيعة حانية، ولأنه استقرار في كل وقت يجده، يبحث عن أبيه فمرة في شرق، ومرة في غرب، وإذا كلمه وجد صرامة الوجه، وتقطب الجبين، والشدة التي يعرفها لا تناسب ذلك، لا يعني ذلك أنه ليس للأب من دور في التربية، ولكننا نذكر الدور الأساس في المراحل الأولى، وتبقى للأم أدوار مستمرة، فكل رجل مهما بلغ من الكبر فهو طفل عند أمه، لا يكبر الإنسان على أمه أبداً. هذه التربية! هذه الأم! هذا الدور لا بد أن نعني به وأن نحرص عليه؛ لنؤمن بيوتنا، ولنعد أجيالنا. نسأل الله أن يحفظ نساءنا وزوجاتنا وأمهاتنا ومجتمعنا من كل الشرور والمفاسد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1787

الخصائص النفسية أولها: الخصائص النفسية: فإن المرأة مجبولة على العاطفة الفياضة، والحنان المتدفق، ألا ترون ذلك فيما صورته أحاديث النبي ﷺ وهو يريد أن يبين هذه العاطفة، وذلك حين قال النبي ﷺ لأصحابه يوماً وقد كان يمر ببعض الأسرى وامرأة تأخذ وليدها فتضمه إلى صدرها فيقول: (أرأيتم هذه طارحة ولدها في النار؟! قالوا: يا رسول الله! هي أرحم به من ذلك، فقال النبي ﷺ : لله أرحم بكم من هذه بولدها) لكنه أراد أن يبين أن الرحمة الإنسانية في أعلى صورها إنما هي عند المرأة الأم. وذكر لنا النبي ﷺ الحديث الذي كان من أقضية سليمان ﵇، وهو أن امرأتين تنازعتا في طفل، كل واحدة تدعي أنها أمه -فبأي شيء حكم؟ - قال: أحكم بأن يشق نصفين، فتعطى كل واحدة نصفه، ولم يكن يريد أن يكون هذا حكماً منفذاً؛ لكنه عندما قاله قالت إحداهما: لا تفعل، هو لها وهي أمه، فهل أقرت بهذا على أن تلك أمه؟ كلا، بل حكم لها بأن تأخذ هذا الابن؛ لأنه أثبت أن رحمتها به آثرت حياته ولو كان بعيداً عنها، فأيقن أنها أمه، هذه الصورة من الرحمة والعطف والحنان كيف ينشأ الأطفال إذا حرموا منها؟! لماذا تشكو المجتمعات الغربية اليوم ممن يسمونهم (التن إيجرس) الذين هم أبناء ما فوق العاشرة والعشرين؟! لماذا ترون هناك أبناء الخامسة عشرة وهم ينفذون جرائم قتل كاملة؟! إنهم لم يجدوا حناناً ولا عطفاً من الأم، عاشوا في بيئة صحراوية من المشاعر والعواطف، عاشوا في بيئة ليست مستقرة في ظلال الأسرة الوارفة، فخرجوا إلى المجتمع أشراراً لا يبغون فيه إلا فساداً. وانظروا إلى الصبر والاحتمال، وهو من الطبيعة النفسية عند المرأة على الصغار كما قلت من قبل، هذه أم طفل ترضعه، وآخر يحبو تنتبه له، وثالث يدرج توجهه، وتعيش في هذه المملكة ما لو عاشه الرجل كما قلت ساعة واحدة لكاد أن يساق إلى مستشفى المجانين، كيف ذلك؟! لأن الله جعل لها صدراً رحباً، واحتمالاً عظيماً في هذا الباب ليس له نظير.

стр. 1788

طبيعة الاستقرار في المرأة الأمر الثاني وهو مهم كذلك: طبيعة الاستقرار في المرأة: والقرآن العظيم والمنهج الإسلامي القويم يتطابق مع أصل الخلقة والفطرة: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢١] الرحم قرار يستقر فيه كل واحد منا، فقد استقر فيه تسعة أشهر، هل لأحد منكم أن يدعي: أنه لم تكن له أم حملته ووضعته وأرضعته وغذته ورعته وربته؟! هذا الاستقرار هو من طبيعة المرأة، ولذلك حتى المرأة العاملة هل تبقى في البيت وقتاً أطول من زوجها أو لا؟ نعم. لماذا؟ لأن في طبيعتها الاستقرار، ومن هنا جاء التوجيه الرباني: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ليس ذلك تحريماً للخروج أو العمل في صورته الشرعية، ولكنه ذكر للطبيعة المناسبة للمرأة تغليباً، ولذلك انظروا إلى الرجال ألا ترونهم في أيام العطل والإجازات إذا بقي أحدهم في بيته لم يستطع أن يبقى إلا جزءاً من الوقت ثم يخرج؛ لأنه ليس من طبيعته الاستقرار، بل هو متنقل مرتحل عامل متغير، هذه طبيعة الكد والكدح والسير في هذه الحياة: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]، وهذا ضرب آخر يتناسب مع الرجل، فإذاً: طبيعة القرار والاستقرار جعلها الله لتكمل بها هذه الحياة.

стр. 1789

دور الأم الفلسطينية البطولي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من الأمور المهمة: العناية بدور الأم وتربيتها لأبنائها، ولعلي أشير هنا إشارات لا بد من ذكرها والتنبيه عليها، وهي لفت نظر إلى الأمهات العظيمات المربيات في أرض فلسطين، ما الذي أخرج لنا هذا الجيل من الشباب الصغار في مقتبل العمر يكشفون صدورهم للرصاص ومدافع الدبابات وقصف الصواريخ، وهم يبتسمون ويجددون قول أسلافنا: الله أكبر فزت ورب الكعبة؟! ثم نرى من بعد الأم وهي تقول: لا تعزوني ولكن هنئوني بشرف استشهاد أبنائي، ألم نر ذلك؟! ألم نعرف أن هذه القوة التي تواجه اليوم ألد أعدائنا وأحقرهم وأذلهم من اليهود عليهم لعائن الله إنما كان الدور العظيم بعد فضل الله وأدوار أخرى لأولئك الأمهات؟ ألسنا نعرف أن قوة الإنجاب وكثرته في أرض فلسطين أحد الأسلحة العظيمة التي تقلق أعداء الله ، ثم يقال لنا: قللوا نسلكم، وأخرجوا نساءكم، وضيعوا أجيالكم، ومن بعد سوف تضيع كلمتكم وتذهب ريحكم. أمثلة عظيمة نراها وتؤكد لنا هذا المعنى، ونحن وإن كنا نألم ونحزن لما يجري في أرض العراق وفي فلسطين ونتفاعل معه في الخطب، لكننا كذلك نحتاج إلى أن نقف وقفات عملية لنؤدي دورنا ونقوم بواجبنا، أحد الكتاب يقول مقالة قوية معبرة: إن دور الأم في التربية أعظم من دور الثورة، نحن نريد ثورة على الظلم لإقرار العدل، وعلى الذل للتحلي بالعز، نحن نريد ثورة نغير بها الواقع في حياتنا، وإن من أعظم أسباب هذه الثورة دون أن تكون ثورة حمراء، ودون أن تكون ثورة في مبتدئها ثورة دماء، ودون أن تكون رعونة رعناء؛ هو دور التربية، ومفتاح التغيير، ومصدر القوة، وإن أسلحة التربية في الأجيال المؤمنة أعظم وأفتك من الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل التي يكذبون على الناس بوجودها، ويعرفون أن حقيقة قوتنا في إيماننا وإسلامنا، وتربية أجيالنا، فيحاربوننا في مكمن قوتنا، ودعك من غير ذلك من الأضاليل والأكاذيب، وإلا فلماذا هذه الدعوات من الديمقراطيات والإصلاحات وغيرها من المغالطات التي يروجونها وفق المنظور الغربي والحضارة الغربية. وأقول: أيها الإخوة! إن هذا المعنى مهم جداً، ونحن عندما نقول ونتحدث في هذا فلسنا نتحدث بعيداً عن واقعنا، ولسنا لا نعي ما يجري حولنا، ولكننا نريد أن نكون أصحاب عمل، وقد قلنا من قبل في حديث مستفيض عن خطة الإصلاح ومنهجه في القرآن ومبدئه من قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] وهذا الذي نتحدث عنه حديثاً مهماً مكملاً لهذا الدور العظيم الذي عبر عنه شاعر العراق الرصافي بقوله: ولم أر للخلائق من محل يهذبها كحضن الأمهات فحضن الأم مدرسة تسامت بتربية البنين أو البنات وأخلاق الوليد تقاس حسناً بأخلاق النساء الوالدات وليس ربيب عالية المزايا كمثل ربيب سافلة الصفات وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في فلاة فاعلم أن هذا الابن والشاب إذا كان صالحاً فإن وراءه في الغالب أماً مربية صالحة، ولقد كان القاسم وإبراهيم يدخلان على عائشة ﵄ من التابعين، وكان أحدهما في لسانه لكنة يلحن في العربية فقالت: (قد علمت من أين فصاحة هذا وعجمة هذا، هذا ربته أمه، وذاك ربته أمه) وكانت أمه أعجمية ليست عربية فبقي أثر تربيتها إلى أن صار رجلاً عظيماً عالماً إلا أن بعض الأثر ما زال ظاهراً، ولذلك مقولة عظيمة تقول: إذا علمت رجلاً فقد علمت فرداً، وإذا علمت امرأة فقد علمت جيلاً. نسأل الله أن يحفظ بيوتنا وأبناءنا وبناتنا من كل الشرور والمفاسد، وأن يعطينا الزوجات الراعيات، والأمهات المربيات، والبنات الحانيات. نسأله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا بكتاب الله مستمسكين، وبسنة نبيه ﷺ معتصمين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم طهر قلوبنا وزك نفوسنا، وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، واجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، ولا تبلغهم اللهم غاية، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، يا قوي يا عزيز يا متين؛ يا منتقم يا جبار يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك لطفك ورحمتك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، ووفر أقواتهم، وأدم عزهم، ووفر أمنهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم إنا نسألك أن تثبت أقدامهم، وأن توحد صفوفهم، وأن تقوي شوكتهم، وأن تسدد رميتهم، وأن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العلمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله، استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون!

стр. 1790

الوصايا الربانية [١] في سورة الأنعام ثلاث آيات توصي بأصول الفضائل، وتحذر من أصول المحرمات والرذائل، وأول ذلك الأمر بالتوحيد والتحذير من الشرك بالله ، وذلك رأس الوصايا؛ لأنه لا فلاح إلاّ بعد تحقيق التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله.

стр. 1791

أهمية الوصايا الربانية الحمد لله جعل في الإيمان أمناً وأمانة، وفي الإسلام سلماً وسلامة، وفي القرآن رحمة وهداية، وفي الشرائع حكمة ووقاية، له الحمد لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من استعطاه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! معاشر المسلمين! وقفات ستتوالى -بإذن الله مع وصايا في غاية الأهمية، أبدؤها بلفت النظر إلى أهميتها، فقد روى عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الهدى ﷺ قال: (من يبايعني على هذه الآيات وتلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١] إلى آخر الثلاث الآيات، ثم قال ﷺ : فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص شيئاً أدركه الله به -أي: في الدنيا- كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة كان أمره إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وجاء عن ابن مسعود ﵁ مقالة عظيمة، تكشف عن أهمية ما نقف معه من هذه الوصايا القرآنية حيث قال: (من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١])، إنها وصية مختومة ممهورة بختم ومهر رسول الله ﷺ . وذكر القرطبي هذه الرواية عن غير ابن مسعود وقال فيها: (وعليها خاتمه الذي لم ينفك). فهذه الوصية التي وجهها الحق جل وعلا لرسوله ﷺ ، وجعلت خطاباً وتوجيهاً لأمته، هي التي رأى الصحابة أنها خلاصة تلك الوصية، وخلاصة تلك الديانة العظيمة والشريعة الكاملة التي بعث بها رسول الله ﷺ .

стр. 1792

أهمية آيات الوصايا العشر في سورة الأنعام

стр. 1793

قطع للعذر وإقامة للحجة وعن ابن عباس ﵄ قال: (في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب). وذكر ذلك القرطبي نقلاً عن ابن عباس بقوله: (الآيات المحكمات التي ذكرها الله جل وعلا في آل عمران أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ في ملة قط)، أفليس مثل هذه الوصايا حري بنا أن نعنى بها؟ وهي آيات تتلى في كتاب الله ، وهداية وجهت لخير الخلق ﵊، ولذا فإننا نقف معها هذه الوقفات المتتاليات، نسأل الله أن يفتح علينا في معانيها، وأن يوفقنا لحسن قبولها والعمل بها. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١] الخطاب لرسول الله ﷺ ، وكما ذكر القرطبي: أمر النبي ﷺ أن يبين للناس ما حرم الله عليهم، قال: وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم وما أحل، لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]، فما نقوله اليوم يكون حجة لنا أو علينا، فإن امتثلنا وعملنا، وإن بلغنا ودعونا وذكرنا كان ذلك نوراً على نور، وهدىً على هدىً، وتقىً على تقىً، وإن كانت الأخرى فقد قامت الحجة، وانقطع العذر، وصار الأمر إما إلى عقوبة معجلة أو مؤجلة، أو إلى رحمة من الله واسعة، نسأل الله من فضله.

стр. 1794

خطاب للمسلمين غير المسلمين وثمة أمر آخر: وهو الخطاب الذي يوجهه النبي ﷺ ، ويوجهه من بعده من حملة رسالته وأتباع سنته، فقوله: (قُلْ تَعَالَوْا) هذا النداء للخلق جميعاً، ويخص المسلمين وغير المسلمين معاً، فإن هذا النداء هو نداء هذه الشريعة الخاتمة، والرسالة التي بعث بها محمد ﷺ . وما سبق من هذه الآيات يبين لنا حكمة وضع هذه الآيات في هذا السياق؛ وذلك أن الآيات السابقة كانت تخاطبنا عن المشركين من أهل الجاهلية، وعن أفعالهم الشنيعة التي أحلوا فيها ما حرم الله، وحرموا فيها ما أحل الله؛ اتباعاً لأهوائهم، وتقريراً لأعرافهم، وتثبيتاً لجاهليتهم، ومن هنا جاء الخطاب الرباني في مواجهتهم قبل هذه الآيات والوصايا بقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٠]، فأولئك حرفوا وبدلوا وغيروا، فجاء النداء لتصحيح المسار، فإنه لا حلال إلا ما أحل الله، ولا حرام إلا ما حرم الله، ولا شرع إلا ما جاء عن الله أو بلغه رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فليس هناك اختيارات، وليس هناك أنواع من الأهواء التي تقدم شيئاً أو تؤخره، وإلا كان ذلك ضرباً من مناقضة أصل الإيمان، ومخالفة صفاء التوحيد، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] أي: يقبلوا قبولاً تاماً من أعماق قلوبهم ونفوسهم دون أدنى شك، ولا أقل حرج، ولا أيسر معارضة، ولا شيء مما فيه ضرب من الاعتراض بحال من الأحوال. ولذلك جاء هذا الخطاب وهذه الوصية التي أمر بها المصطفى ﵊؛ لتبين لنا جملة الأمور المهمة، كما روي عن ابن عباس: أن هذه الوصايا قد أجمعت عليها الشرائع كلها، ولم ينسخ منها شيء قط، وأنها خلاصة هذا الدين وجوهره، وأن بها العصمة من كل زلل، ومن كل فتنة، ومن استمسك بها فقد أدى ما عليه، وقد وفّى لله جل وعلا بما أمره به ونهاه عنه، وبعد ذلك فمن قصر أو فرط فحسابه على الله .

стр. 1795

بيان لأصول المحرمات وأصول الفضائل ومن هنا فإن هذه الآيات والوصايا تشتمل على أصول المحرمات في الأقوال والأفعال، وأصول الفضائل وأنواع البر، فهي تجمع ما نهي عنه وما أمر به من الكليات التي تستقيم بها الحياة، ابتداءً من اعتقاد القلب ويقين النفس، وانتهاءً بفعل الجوارح والسلوك، ومروراً بألفاظ اللسان وأقواله، وتعريجاً على العلاقات والصلات والمعاملات والأحكام والتشريعات، فهي شاملة لذلك كله، ففيها قوام الدين كله؛ لأنها تشتمل على جوهر هذا الدين العظيم. أما المتبعون لأهوائهم الذين يقدمون الظنون على الحقائق، والذين يحللون ويحرمون بحسب أهوائهم، فقل لهم: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، فإن الذي يحل ويحرم إنما هو ما ثبت في الوحي وجاء به الشرع الكريم، ونطق به الرسول العظيم ﷺ .

стр. 1796

أحوال السلف في تلقي الوصايا الربانية ولقد كانت استجابة الأصحاب في زمن المصطفى ﵊ للشرع استجابة فريدة نادرة، ذلك أنه قال لهم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، فكانت استجابتهم ليست مقتصرة على مجرد امتثال الأمر واجتناب النهي، بل المبادرة إلى ذلك كانت بالفعل سبقاً وحرصاً ومبالغةً عند بعض الناس في بعض الأحوال، كما كان ابن عمر ﵄ يحرص على اقتفاء السنة واتباع أثر النبي ﷺ ، حتى كان ينيخ ناقته حيث أناخ النبي ﷺ ناقته، وحتى يستظل في سفره بالشجرة التي استظل النبي تحتها، فكان لا يدع شاردة ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا حرص أن يترسم فيها خطى رسول الله ﷺ ، ولما قال ما قال، وجاءه بعض الناس بأقوال أبي بكر وعمر ﵄ قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!) ليبين أن المعقد إنما هو في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن الأقوال إنما تفهم في ضوئهما، وترجع إليهما، وتنطلق منهما، وما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما فربما كان اجتهاداً وقع فيه خطأ. وهكذا نرى من جهة أخرى جانب الانتهاء عندهم عن التحريم، فلقد كان الصحابة رضوان الله عليهم كما وصفهم الحسن ﵁ بقوله: كانوا يدعون بينهم وبين الحرام سبعين باباً من الحلال. أي: كانوا يتقون الشبهات، ويبتعدون عن المحرمات بعداً عظيماً؛ لما سيأتي ذكره في هذه الآيات والوصايا، كما في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ [الأنعام:١٥١]، أي: اجعلوا بينكم وبينها مسافة؛ ولأن المصطفى ﷺ قد قال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه). وكم هي أقوالنا اليوم: هذا لا بأس به، وهذا ليس فيه شيء، وهذا من المكروهات، فما زلنا نفعل هذا، ونغض الطرف عن هذا، ونقع في هذا، حتى وقعنا في جملة أحوالنا في كثير من المحرمات إلا من رحم الله . روى البخاري في صحيحه: (أن النبي ﷺ تحدث إلى أصحابه يوماً وفي يده حرير وذهب، وقال: هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها، وكان في القوم رجل في يده خاتم من ذهب، فنزعه من فوره فوضعه، فلما انتهى المجلس قالوا له: لو أخذت خاتمك فانتفعت به، فقال: ما كنت لآخذه وقد طرحته لله ولرسوله)، أي: مع حل ذلك، لكنهم كانوا يريدون ألا يكون بينهم وبين شيء من النهي صلة ولا تعلق. ولما نزل قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] لم تبق لحظة واحدة ولا دقيقة واحدة قبل التنفيذ، بل كانت المبادرة التي شقت فيها دنان الخمر، وسكبت الكئوس من الأيدي، ومجت تلك القطرات من الأفواه؛ لأن القلوب مسلمة لأمر الله؛ ولأن الإيمان مستكن ومستقر فيها، ولسان حالها كما قال جل وعلا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]. هذه الآيات موجهة لهذه الحقيقة الكبرى وفي ظلالها، وبعدها الآيات التي فصلت فيما كان عليه أهل الشرك والجاهلية في زمان مضى، وهي كذلك في جاهلية اليوم وأزمنة العصر الحاضر تختلف صورها، وتختلف مظاهرها، لكن تتحد حقائقها، وتتفق أصولها في مناقضتها ومخالفتها لأمر الله وهدي رسوله ﷺ . وجملة هذه الوصايا فيها قيام الحياة كلها؛ ففيها قيام حياة القلوب بالتوحيد والإيمان، وقوام حياة الأسرة بالبر والإحسان، وقوام حياة المجتمع بالعفة والطهارة، وقوام حياة الإنسانية بالعدل والوفاء، فالإسلام العظيم يربي الفرد، ويقيم الأسرة، ويطهر المجتمع، ويظل الإنسانية بعدالته؛ لأنه دين كامل، وتشريع عظيم. هذه الوصايا موجزة في ثلاث آيات فحسب، اشتملت على جملة من المأمورات والمحظورات التي بها تستقيم حياة الناس جميعاً مسلمهم وغير مسلمهم؛ فإن الإسلام جاء بالعدل والإنصاف، والوفاء بالحقوق، وإعطاء الناس ما لهم، ومطالبتهم بما عليهم.

стр. 1797

من الشرك تحكيم القوانين الوضعية وحقيقة الشرك بالله كما يقول السعدي في تفسيره: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظمه كما يعظم الله، أو يصرف له شيئاً من خصائص الألوهية والربوبية، وهكذا الذين يعظمون غير الله تعظيماً يشابه تعظيمهم لله، فيخضعون لهم، ويوافقونهم، ويتابعونهم، ويقرون لهم بما يخالفون به شرع الله ، فإنه يصدق فيهم قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]. ثم نبين بعد ذلك أمراً مهماً، وهو ما يتعلق بصور كثيرة من معارضات هذا التوحيد التي -وللأسف الشديد- فشت وانتشرت في ديار الإسلام إلا ما رحم الله، ولعل أبرزها ما قلنا إنه متصل بهذه الآيات في معناها، وهو تحكيم غير شرع الله، والرضا بحكم غير حكم الله، أو النظر إلى حكم الله وتشريع رسوله ﷺ أنه لا يصلح لهذا الزمان، ولا يتناسب مع هذا العصر، وأنه ينبغي لنا أن نغير ونبدل ونحسن؛ حتى نظهر أمام المجتمعات الدولية بمظهر حضاري كما يقال. ولست أريد أن أتحدث من تلقاء نفسي، فكلام علماء الإسلام في القديم كثير، أكتفي منه بنزر يسير، وأنقل لكم بعض أقوال علماء العصر في هذا الزمان، سواء من مات منهم أو من بقي؛ لنرى أن القضية ليست قضية تشدد أو تطرف كما يقال، بل هي قضية دين حق: آيات تتلى، وأحاديث تروى، ومفاهيم واضحة، ومعاقد عقدية فاصلة ينبغي أن تكون واضحة. قال الجصاص ﵀ في هذا المعنى: من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله ﷺ فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة. ويقول ابن تيمية ﵀: الإنسان متى أحل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء. إذاً: فخطئوا فقهاء الإسلام كلهم، وخطئوا إجماع الأمة كلها؛ لتقولوا لنا: إن مثل هذا القول يدخل في هذا الباب أو ذاك الباب، أو هذا التصنيف أو ذاك التصنيف. ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقاً: إن من الكفر الأكبر المستبين: تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ؛ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، ثم ذكر القوانين الوضعية فرنسية وبريطانية مما يحكّم أو يحكم به في بعض ديار الإسلام. وقال ابن باز ﵀ المفتي السابق: قد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو أن غير هدي رسول الله ﷺ أحسن من هدي الرسول ﵊ فهو كافر. كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج على شريعة محمد أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال، وكم نسمع اليوم من يأتينا بأمثلة قد ذكرها أيضاً علماء العصر! فقد ذكر الشنقيطي هذا الحكم، فقال: الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على لسان أوليائه، مخالفة لما شرعه الله على ألسنة رسله، لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. ثم ضرب لنا أمثلة فقال: كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، بل يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوها أعمال وحشية لا يسوغ فيها بالإنسان، ونحو ذلك. وأظننا جميعاً نعلم أن مثل هذه المقالات تقال، وتكتب في الصحف، وتسمع في الإذاعات، وترى في المقابلات على الشاشات، ويتحدث بعض الناس فيها على أنها سجال ورأي وحرية فكر! ولا يفرقون بين حرية فكر وحرية كفر تنقض الدين من أصوله، وتأتي على مناقضة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وأختم بقول لشيخ الأزهر سابقاً محمد الخضر حسين يقول فيه: أما أن تفعل البلاد الإسلامية ما فعلته البلاد الغربية من تجريد السياسة من الدين، فهو رأي لا يصدر إلا عمن يُكِن في صدره أن ليس في الدين من سلطان على السياسة، وهذا ما يبثه فئة يريدون أن ينقضوا حقيقة الإسلام من أطرافها؛ حتى تكون بمقدار غيرها من الديانات الروحانية التي فصلها أهلها عن السياسة، ثم صبغوا هذا المقدار بأي صبغة أرادوا، فيذهب الإسلام، فلا القرآن نزل، ولا محمد ﷺ بُعث، ولا الخلفاء الراشدون جاهدوا في الله حق جهاده، ولا الراسخون في العلم سهروا في تعرف الأصول من مواردها، وانتزاع الأحكام من أصولها. هذه أقوالهم تقول: إن من يقول ذلك ينقض عرى الإسلام، ويخلخل قاعدة التوحيد والإيمان، نسأل الله السلامة، ونسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يجعل توحيدنا خالصاً لوجهه الكريم، سالماً من كل شرك وشبهة ورياء، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1798

وجوب الإيمان بالله وتوحيده قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١]. فأول الأمر وبدايته: الإيمان بالله خالصاً له ، والتوحيد له نقياً من كل شائبة، ولعلنا هنا نقف وقفات عديدة؛ لأن الناس يتصورون الشرك في تلك الأصنام التي كانت حول الكعبة في مكة، ويتصورونه فيمن يسجد لتلك الأصنام أو يذبح لها، ويقتصر فهمهم على مناقضة التوحيد أو خالطه بغير ما هو منه. ولذلك ينبغي أن ننتبه إلى أن القرآن في هذه الوصايا بدأ بأكبر المحرمات وأفضعها وأشدها إفساداً للعقل والفطرة، وهو الشرك بالله تعالى، سواء كان الشرك باتخاذ الأنداد له جل وعلا، أو باتخاذ شركاء يُرى أنهم يشاركونه في تصريفه للأمور وتدبيره لها، أو اتخاذ شفعاء يكونون عنده وسطاء، أو اتخاذ تشريع وحكم غير تشريعه وحكمه الذي أنزله في كتابه وبلغه رسوله ﷺ . فكل شيء وكل ضرب من ضروب الشرك ينبغي أن يكون في قائمة أعظم المحرمات المنهي عنها؛ إذ التوحيد قاعدة بناء الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]؛ لأنه عمل على غير إيمان، ولأنه عمل من غير توحيد، قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. إن أمر توحيد الله عظيم؛ ففيه الاعتراف بربوبية الله جل وعلا خلقاً وتدبيراً، والاعتراف بألوهيته خضوعاً وتعبداً، والاعتراف بأسمائه وصفاته تعظيماً وإجلالاً، إنه يشتمل على كل مشاعر القلب التي تخرج منه كل تعلق بغير الله، وكل رجاء في غير الله، وكل خوف من غير الله، وكل ذل لغير الله ؛ ليبقى موحداً قوياً في صلته بربه ، وليبقى حينئذ مقراً بخلق الله وتدبيره ورزقه وإحيائه وإماتته وتصريفه لكل أمر، وليبقى عالماً بأن الذي أنعم ينبغي أن يعبد، وإذا عبد ينبغي ألا يشرك معه غيره، وإذا كانت له أسماء وصفات فليس له معها ولا بها ولا فيها أحد يشابهه، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. إن امتلاء القلب بهذه الحقيقة هو أساس هذا الدين كله، وهو الذي طهر محمد ﷺ منه قلوب وعقول الكافرين والجاهليين، فأصبحوا من خلص أصحابه رضوان الله عليهم، وأصبح عندهم صفاء في توحيدهم، وقوة في يقينهم، ورسوخ في إيمانهم، وتجرد في إخلاصهم، وعظمة في تقواهم، وصدق في توكلهم، وقوة في ثقتهم بالله ، وعظمة في حبهم له، وشدة في خوفهم منه ، وذلك هو جوهر الإيمان والتوحيد، وليس مجرد كلمات تقال فحسب، وليس مجرد اتباع للأوامر فحسب، بل هو ذلك الشعور الذي يستقر في سويداء القلب، وفي أغوار النفس، فيملك على الإنسان كل مشاعره، وكل خواطره، وكل أقواله، وكل أفعاله، وكل أحواله، فيكون في كل حركة وسكنة وكلمة وسكتة يعبر عن صلته بالله وتوحيده له .

стр. 1799

الوصية بالتوحيد والتحذير من الشرك وقوله : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] الآيات، فيها أوامر، وليست كلها محرمات، ولذا قال المفسرون: إن ذكر أصول المحرمات يدل على ما يقابلها من المباحات، وإن الله نوّع بين نهي عن محرم وأمر ببر وواجب؛ ليشتمل ذلك على هذا وذاك كل بحسبه في بلاغة القرآن المعجزة، فبماذا كانت البداية؟

стр. 1800

التحذير من بعض مظاهر الشرك الموجودة في واقع الأمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجرين إلى جنات النعيم نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أوصيكم أحبتي الكرام! بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولنعلم أن هذه الوصية أول ما بدأت بالتحذير من الشرك بالله ؛ وذلك لأنها مفتاح لما يريد الله من الخير لأهل الإيمان والتوحيد؛ لأن الإيمان والتوحيد هو أساس الأمر ومبدؤه ومنتهاه، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وفي الصحيحين من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة). ولو أردنا أن ننتبه إلى الصور الكثيرة التي يعج بها واقع أمة الإسلام اليوم لوجدنا مخاطر كثيرة ينبغي الحذر منها، وأكتفي بالإشارة إلى اثنين منها:

стр. 1801

من المخاطر تمييع الولاء والبراء وثانيهما هو: مما عد اليوم من المحظورات التي ينبغي أن نكف ألسنتنا عنها، وأن نمنع أقلامنا من الكتابة فيها، وأن نعطلها من التدريس والتعليم، أتعلمون ما هو هذا الأمر؟ إنه أمر تنزلت به آيات من عند الله ، ولا يمكن لأحد من الخلق مهما كان أن يمحوها ويلغيها، بل لا يستطيع أن يغير حرفاً واحداً منها مهما كان شأنه. إنها الحقيقة التي أريد أن أكشفها لكم بالآيات، وبما جاء في كتاب الله ، قال : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، ويقول الحق جل وعلا: ﴿لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨]، ويقول كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١]، إنه أمر الولاء والبراء، المحبة لله، والبغض في الله، إنه أمر يصورونه على أنه مناقضة للعدالة، أو مخالفة للسماحة. وليس فيه شيء من ذلك، فقد كان النبي ﷺ أعدل الخلق، وأسمح الناس، وأرأفهم بالخلق جميعاً، ودعا وبصر وهدى غير المؤمنين، لكنه علم وعلّم أن بغض الكفر في ذاته وبغض الفحش والفاحشة في ذاتها أصل مرتكز من عقيدة المؤمن، وبين أن أهل الكفر إن ناصبوا العداء، وإن كادوا واستخدموا أساليبهم في المكر والدهاء، فإنه لا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله ورسوله إلا أن يُكِن بغضهم، وأن يعتقد عداءهم، وأن يسعى إلى مواجهتهم، وذلك هو ما فعله رسول الله ﷺ . ويوم جاءت المواقف الفاصلة بين إيمان وكفر مضى بعض الأنصار مع حلفائهم من اليهود في المدينة ينشدونهم النصر، ويطالبونهم الوفاء بالعهد مع رسول الله ﷺ ، فنكلوا وتخاذلوا وأحجموا، فأي شيء قال ذاك الصحابي؟ قال: (اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء وحلفهم، وأكون مع الله ومع رسوله ﷺ ، وفي هذه الحادثة تنزل قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]. وكثيرة هي الصور التي نراها مخالفة لحقيقة التوحيد وهي ليست سجوداً لصنم, ولا بقاء عند قبر، وإن كان ذلك كله من المعارضات والمناقضات التي تجرح التوحيد، وقد تنقض أصله، وتدخل صاحبها في دائرة الشرك أو الكفر، أصغر أو أكبر كل بحسبه وبحسب حكمه. إذاً: أحبتنا الكرام! أول ما حرم الله علينا هو: ألا نشرك به شيئاً، فإن التحريم لهذا تحريم قاطع؛ لأنه أساس كل ما يأتي من المحرمات والمأمورات. فنسأل الله أن يبرئ قلوبنا من الشرك به، وأن يطهر نفوسنا من الشرك به، وأن يطهر عقولنا من الشرك به، وأن يجعلنا أعظم اعتماداً عليه، وأصدق توكلاً عليه، وأشد إخلاصاً له، وأعظم خوفاً منه، وأصدق ثقة به، وألا يجعل في قلوبنا خوفاً ولا رهبة ولا رجاءً ولا تعلقاً إلا به . اللهم إنا نبرأ إليك من الشرك والكفر وأهله، اللهم إنا نسألك أن تحبب إلينا عبادك المؤمنين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا. اللهم أصلح أحوالنا، واختم بالصالحات أعمالنا وآجالنا. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، واحفظ اللهم عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها، ورغد عيشها يا رب العالمين. اللهم احفظ ديار المسلمين من كل سوء ومكروه. اللهم رد كيد الكائدين، وادفع شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم وأموالهم يا رب العالمين! اللهم رد كيد الأعداء في نحورهم، واشغلهم في أنفسهم، واجعل الدائرة عليهم، لا ترفع اللهم لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم اللهم لمن خلفهم آية، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم صلَّ وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1802

من المخاطر تقديم العقل على النقل الأول هو: تقديم العقل على النقل, وكم نرى اليوم من ينظر إلى الأحكام والتشريعات فيقول: هذه لا تتفق مع العقل، وكيف يمكن أن نطبق هذا؟ وكيف نستطيع أن نفعل هذا؟ إن هذه الأحكام لا تتطابق مع مقتضى العقل وحقيقة المصلحة! وكم سمعنا ذلك حتى في أحكام قد يرونها يسيرة، فكم تسمع من امرأة أو رجل يجادلك في تشريع الله في حجاب المرأة المسلمة، ويناظر في ذلك بأمور يزعم أن من العقل، وحقيقتها أنها من الهوى، ويزعم أنها عليها دلائل من الحقائق، وهي ضلالات من الأوهام! وكم نرى صوراً من ذلك في واقع الحياة!

стр. 1803

الوصايا الربانية [٢] بر الوالدين من أعظم أبواب الطاعات، ولذا أمر الله به وحث عليه، بل إن الله قرن بر الوالدين بعبادته سبحانه في غير ما موضع من كتابه الكريم، وما ذاك إلا لما للوالدين من المنزلة والمكانة والقدر، فيجب على كل مسلم أن يكون باراً بوالديه، مطيعاً لهما.

стр. 1804

وصية الله بالوالدين الحمد لله الذي شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، وجعل لنا في الطاعة خيراً وسعادة، وكتب لنا في الاستقامة عطاءً وزيادة، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداًَ نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثّر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فها نحن نمضي مع الوصايا الربانية التي عرفنا قدرها ومقامها، ووقفنا على أهميتها وخطورتها، وأدركنا من قبل أنها سر النجاة، وسبب السعادة، والمخرج -بإذن الله- من كل فتنة، والعصمة من كل محنة؛ لأنها هدى الله ، وأوامره ووصاياه التي بدأها بقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١]. ووصية هذا الموضوع هي الوصية التي أقرتها الفطر البشرية السوية، واتفقت عليها جميع الشرائع السماوية، وأقرتها وتواطأت عليها جميع المجتمعات الإنسانية، وهي التي تدل على الخلق المرضي، والعقل المهدي، والنهج السوي، وهي التي تكشف عن أصالة المعدن، وحسن الوفاء، وكريم المعاملة، إن هذه الوصية التي نتحدث عنها اليوم تكررت في كتاب الله كثيراً، وتنوع الأمر بها والحرص عليها ودوام التذكير بها في سنة وهدي النبي ﷺ مراراً وتكرارً، إنها قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الأنعام:١٥١]. إنها الوصية بالوالدين، بر الوالدين، فالإحسان إلى الوالدين جاء في القرآن كثيراً متنوعاً، وها هو تقديم الجار والمجرور في ذكر الوالدين وتأخير الإحسان لإظهار الاختصاص والقصر، وإطلاق لفظ الإحسان منكراً ومنوناً ليكون عاماً شاملاً، ليكون إحساناً في القول والفعل، وقسمات الوجه، ونظرات العين، ولمسات اليدين، وكل حركة وسكنة، وفي كل وقت وآنٍ، وفي كل ظرف وحال؛ لأنه إحسان مطلق، وإحسان يكون في كل أحوالهما، وفي كل أحوال أولادهما كذلك. والفيروزآبادي في تعريفه لبر الوالدين ذكر كلاماً نفيساً فقال: هو الإحسان إلى الوالدين، والتعطف عليهما، والرفق بهما، والرعاية لأحوالهما، وعدم الإساءة إليهما، وإكرام صديقهما. غير أن كلامه وكلامي وكلام كل الخلق ليس بشيء مع كلام الله ومع أحاديث المصطفى ﷺ ، وعندما كنت أبحث وأقلب رأيت أن أمسك لساني إلا من ذكر الآيات ورواية الأحاديث؛ لندرك أن القضية دين وتشريع رباني، وأنها سنة وتشريع وهدي جاء به رسول الله ﷺ ، ومهما قال القائلون أو عبر أهل العلم فإن ما جاء في الكتاب والسنة أبلغ وأعظم، ولذا آثرت أن نقف مع هذه الوصية ومكانة الوالدين وبرهما مع الآيات القرآنية العظيمة.

стр. 1805

وجوه تعظيم حق الوالدين وبرهما الحمد لله الذي شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، وجعل لنا في الطاعة خيراً وسعادة، وكتب لنا في الاستقامة عطاءً وزيادة، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداًَ نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثّر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فها نحن نمضي مع الوصايا الربانية التي عرفنا قدرها ومقامها، ووقفنا على أهميتها وخطورتها، وأدركنا من قبل أنها سر النجاة، وسبب السعادة، والمخرج -بإذن الله- من كل فتنة، والعصمة من كل محنة؛ لأنها هدى الله ، وأوامره ووصاياه التي بدأها بقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١]. ووصية هذا الموضوع هي الوصية التي أقرتها الفطر البشرية السوية، واتفقت عليها جميع الشرائع السماوية، وأقرتها وتواطأت عليها جميع المجتمعات الإنسانية، وهي التي تدل على الخلق المرضي، والعقل المهدي، والنهج السوي، وهي التي تكشف عن أصالة المعدن، وحسن الوفاء، وكريم المعاملة، إن هذه الوصية التي نتحدث عنها اليوم تكررت في كتاب الله كثيراً، وتنوع الأمر بها والحرص عليها ودوام التذكير بها في سنة وهدي النبي ﷺ مراراً وتكرارً، إنها قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الأنعام:١٥١]. إنها الوصية بالوالدين، بر الوالدين، فالإحسان إلى الوالدين جاء في القرآن كثيراً متنوعاً، وها هو تقديم الجار والمجرور في ذكر الوالدين وتأخير الإحسان لإظهار الاختصاص والقصر، وإطلاق لفظ الإحسان منكراً ومنوناً ليكون عاماً شاملاً، ليكون إحساناً في القول والفعل، وقسمات الوجه، ونظرات العين، ولمسات اليدين، وكل حركة وسكنة، وفي كل وقت وآنٍ، وفي كل ظرف وحال؛ لأنه إحسان مطلق، وإحسان يكون في كل أحوالهما، وفي كل أحوال أولادهما كذلك. والفيروزآبادي في تعريفه لبر الوالدين ذكر كلاماً نفيساً فقال: هو الإحسان إلى الوالدين، والتعطف عليهما، والرفق بهما، والرعاية لأحوالهما، وعدم الإساءة إليهما، وإكرام صديقهما. غير أن كلامه وكلامي وكلام كل الخلق ليس بشيء مع كلام الله ومع أحاديث المصطفى ﷺ ، وعندما كنت أبحث وأقلب رأيت أن أمسك لساني إلا من ذكر الآيات ورواية الأحاديث؛ لندرك أن القضية دين وتشريع رباني، وأنها سنة وتشريع وهدي جاء به رسول الله ﷺ ، ومهما قال القائلون أو عبر أهل العلم فإن ما جاء في الكتاب والسنة أبلغ وأعظم، ولذا آثرت أن نقف مع هذه الوصية ومكانة الوالدين وبرهما مع الآيات القرآنية العظيمة.

стр. 1806

أثر دعاء الوالدين على الأبناء أو لهم وثمة أمر مهم في غاية الأهمية، وهو أن دعاء الوالدين له خصوصية في القبول في شأن أولادهما، وإن كان الدعاء على الأبناء، أي: ليس لهما، وقد صح في الحديث قصة جريج العابد، وأن أمه دعت عليه فقالت: اللهم! لا تمته حتى يرى وجوه المومسات. فتحققت هذه الدعوة، كما وردت في الأحاديث الصحيحة. وثمة حديث أيضاً يوضح ذلك، وهو قول المصطفى ﷺ : (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم) رواه أحمد في مسنده، وقال الذهبي: سنده قوي.

стр. 1807

استمرار بر الوالدين بعد وفاتهما ومن أدل الدلائل كذلك على الأهمية أنه ما من أمر ولا من شرع ولا من حكم إلا وينتهي بانتهاء الحياة، إلا هذه الشعيرة العظيمة وهذه الوصية المهمة، فإن بر الوالدين لا ينتهي بوفاتهما، وكثير منا يعلم ذلك الحديث الذي رواه أبو أسيد الساعدي في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يسأله فيقول: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ وهذا دليل على حرص الصحابة، قد قضى حظه وقدرته وما يسر الله له من البر في حياة والديه، ثم جاء يسأل من بعد: هل بقي شيء حتى أصلهما؟ وهل ثمة ما يعمل حتى أستمر فيه؟ فقال له النبي ﷺ : (نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) فهل هناك دين أعظم من هذا الدين في الوصية بالوالدين حتى بعد الوفاة؟ ففتش عن أصدقائهما، وأكرم أصدقاءهما لأجلهما، وابحث عن أقاربهما ومعارفهما فاجعل ذلك استمراراً لبرهما حتى بعد موتها، وهذا من عظيم ما في ديننا هذا، وقد طبق الصحابة ذلك، فهذا ابن عمر يلقى أعرابياً وهو في طريق السفر قرب مكة، فيُركِبه حماره، وينزع عمامته ويضعها على رأسه، ويسلم عليه ويكرمه، حتى إذا انصرف قال أحد أصحابه: إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير! يعني: لمَ صنعت ذلك كله؟ ولمَ هذه الحفاوة وذلك الإكرام؟ فقال ابن عمر ﵁: (إن والد هذا كان من أهل ود عمر، وإن رسول الله ﷺ قال: (إن من أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) رواه مسلم في صحيحه.

стр. 1808

أثر بر الوالدين في تفريج الكربات وهناك كذلك أمر آخر، وهو أثر البر في تفريج الكربات، وأكثرنا يعرف الحديث في قصة الثلاثة الذين آواهم الغار فسقطت عليهم صخرة فسدت مخرجهم، فقالوا: لا نجاة إلا أن نتوسل إلى الله بأخلص الأعمال التي عملناها. فكان مما قاله أحد الثلاثة أنه كان لا يسقي أبناءه وزوجه إلا بعد أن يسقي والديه، فجاء مرة بغبوق -أي: باللبن- فإذا هما نائمان، فلم يشأ أن يقدم عليهما غيرهما، ولم يستطع أن يزعجهما فيوقظهما، فظل واقفاً حتى انبثق ضوء الفجر، فقال: اللهم! إن كنت عملت هذا لوجهك وابتغاء مرضاتك ففرج عنا. فتزحزحت الصخرة، فدل ذلك على أن من أسباب التفريج الحرص على هذا البر.

стр. 1809

بر الوالدين سبب في سعة الرزق وحسن الخاتمة وبركة العمر وهكذا سعة الرزق، وحسن الخاتمة، وبركة العمر، كل ذلك مربوط بالبر، كما صح من حديث أنس ﵁: (من أحب أن ينسأ له في أثره ويبارك في رزقه فليصل رحمه)، ومن أعظم الرحم وأولاها وأولها بر الوالدين. ومن هنا كذلك جاءت الرواية الأخرى في هذا الحديث بلفظ آخر من حديث علي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، وتدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه).

стр. 1810

بر الوالدين من أسباب مغفرة الذنوب وثمة أمر آخر، وهو أن بر الوالدين من أسباب مغفرة الذنوب، فكم نصلي! وكم نستغفر! وكم ننفق نبغي مغفرة الذنب! وكل عمل صالح فيه مغفرة للذنب، غير أن ذلك ورد له اختصاص، فقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني أصبت ذنباً كبيراً فهل لي من توبة؟ فقال له ﵊: هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها) رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح، ولعل هذا التوجيه موضع عجب، وأحسب أن كثيراً منا ربما لم يسمع هذا الحديث من قبل، فهو يقول: (أصبت ذنباً كبيراً) يريد طريقاًَ لتكفير الذنب، فيسأله النبي ﷺ عن أمه فيقول: إنها ليست حية. فيقول: (هل لك من خالة) والخالة بمثابة الأم، فقال: نعم. فيقول: (فبرها) أي: فسيكون برها طريقاً إلى تكفير ذنبك ومغفرة ما أصابك من أثره. وهذا ولا شك من أعظم الأمور.

стр. 1811

بر الوالدين طريق من طرق الجنة وإذا قلنا: ما أعظم شيء نأمله ونرجوه؟ وما أعظم أمنية نفكر بها ونتعلق بها؟ فإن الجواب عند كل مؤمن ومسلم واحد، وهو دخول الجنة، ونيل رضوان الله ، فإليك طريقاً ممهداً سالكاً موصلاً إلى تلك الغايات العظيمة، وهو بر الوالدين. وأخبر النبي ﷺ أنه دخل الجنة فقال: (دخلت الجنة فسمعت قراءة، فسألت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان، قال النبي ﷺ : نعم البر، نعم البر. وكان حارثة من أبر الناس بأمه) فهذا الربط بين إخبار النبي عن كونه في الجنة وبره بأمه ظاهر الدلالة في أن هذا العمل بظهوره في حياته وعنايته به وحرصه عليه واستمراره فيه جعل له هذا المقام العالي وتلك الرتبة الرفيعة. وكذلك جاء الحديث العظيم الذي رواه أبو هريرة وفيه يثلث النبي ﷺ القول فيقول: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه. قالوا: من يا رسول الله؟! قال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة) أي: لم يقم ببرهما بما يدخله الجنة؛ لأنه فرط وقصر، أو عق وجحد، والعياذ بالله. وإذا تأملنا ذلك فإننا واجدون الصراحة والوضوح في تلك النصوص، ومن ذلك ما رواه الترمذي وابن حبان وصححه عن أبي الدرداء قال: قال ﵊: (الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه). قال بعض الشراح: (أوسط أبواب الجنة) أي: خيرها. والمقصود بالوالد الوالدان معاً الأم والأب، فهما اللذان يكون من خلالهما باب هو خير الأبواب إلى الجنة، وهو باب برهما والإحسان إليهما. ولو مضينا لوجدنا ذلك أكثر وأظهر، فإن معاوية بن جاهمة السلمي قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله! إني كنت أردت الجهاد معك ابتغي وجه الله والدار الآخرة. فقال له رسول الله ﷺ : ويحك! أحية أمك؟ فقال: نعم. قال: ارجع فبرها. قال معاوية: فأتيته من الجانب الأيمن فقلت: يا رسول الله! إني أردت الجهاد -وكرر القول- فقال له: ويحك! أحية أمك؟ قال: نعم. قال: ارجع فبرها. قال: فأتيته من أمامه فأعاد القول، فقال له رسول ﷺ : ويحك! الزم رجلها فثمَّ الجنة) رواه النسائي وابن ماجة والإمام أحمد والحاكم بسند صحيح، فهل ثمة ما هو أوضح وأظهر في الدلالة على عظمة هذا البر وهو يكرر الأمر ثلاثاً ويريد الجهاد مصراً والنبي يرده إلى ذلك الباب والمسلك والطريق ليمهد له به عملاً له أجره في الآخرة وله نفعه في الدنيا بإذن الله ؟! وهكذا نرى الأمر واضحاً -كما قلنا- في رضا الله ، فقد ورد الحديث صريحاً بذلك في قوله ﷺ : (رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد) كما رواه أهل الحديث بسند حسن.

стр. 1812

بر الوالدين من الجهاد في سبيل الله ووجه آخر من العظمة أن برهما معدود من الجهاد في سبيل الله، والجهاد من أعظم الأعمال وأشرفها، وأجلها من حيث كونه بذلاً للروح وإزهاقاً لها في سبيل الله ، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال له ﵊: (أحي والداك؟! فقال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو. وروى أنس أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه. فقال له ﷺ : هل بقي من والديك أحد؟ فقال: أمي. قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد) رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه بسند جيد، وصححه العراقي. ففي هذا أنه قال: (أريد الجهاد ولا أقدر عليه) فدله على عمل ﷺ يكون به من المجاهدين؛ لأنه قال في الحديث السابق: (ففيهما فجاهد). وعن ابن مسعود أنه سأل النبي ﷺ -وهذا الحديث عظيم في تقديم بر الوالدين على الأمور العظيمة والأعمال الجليلة- فقال: (أي العمل أفضل؟ فقال النبي ﷺ : عبادة الله. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فقدم بر الوالدين على الجهاد.

стр. 1813

اقتران حقهما بحق الله جل وعلا أول هذه الوجوه: اقتران حقهما بحق الله ، وكم هي الآيات التي جاءت بالأمر بالتوحيد وثنت بالإحسان إلى الوالدين! كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] واقترن كذلك في قوله جل وعلا: ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] فأي حق أعظم من حق يأتي تالياً مباشرة لحق الله ؟! قال ابن عباس: (ثلاث لازمات لثلاث، وقرن بينهما فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢] فلا تتم طاعة الله إلا بطاعة الرسول ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فلا تتم إقامة الصلاة إلا بإيتاء الزكاة، وقال في شأن الله : ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] فلا يتم شكر الله إلا بشكر الوالدين. وفي حديث النبي ﷺ ما يشير إلى ذلك ويبينه ويوضحه؛ لأن المكانة عظيمة، كما في حديث أسماء ﵂ في بيان الوجه الثاني، وهو الصحبة والإحسان ولو مع الكفر؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فهل رأيت قدراً أعظم ومكانة أرفع من أن يكون إنسان على غير الإيمان والتوحيد ثم يأتي أمر الله متنزلاً بالآيات بحسن صحبته؟ فقد جاءت أسماء إلى النبي ﷺ وقالت: (جاءت إليّ أمي وهي راغبة) قال بعض الشراح: أي: فيما عندي. تريد وصلاً من إحسان دنيوي، قالت: (فاستفيت رسول الله ﷺ فلم يكن أحد يصنع شيئاً إلا بعد أن يعرف حكمه ومكانه في دين الله، فقالت: (يا رسول الله! إن أمي قدمت إليّ راغبة، أفأصل أمي؟ فقال ﷺ : نعم صلي أمك) وهذا مقام عظيم.

стр. 1814

بر أبي هريرة بأمه ولعلنا نقف مع هذه القصة لـ أبي هريرة لنرى صورة حية من المشاعر الفطرية التي تبين لنا عظمة وسماحة ديننا، وأنه يريد الخير لعموم الناس فكيف بخصوصهم؟ ألسنا نريد للكافر أن يؤمن؟ ألسنا نريد للضال أن يهتدي؟ ألسنا نريد للمنحرف أن يستقيم؟ إن لم نكن نريد ذلك فنحن في خطأ وعلى انحراف، فإن أردناه فليكن لأقرب المقربين إلينا وأحب الناس إلينا وأعظمهم فضلاً علينا وهم الوالدان، فهذا أبو هريرة يخبر ويقول: (كانت أمي مشركة، فكنت أدعوها إلى الإسلام فلا تستجيب. قال: فدعوتها يوماً فنالت من رسول الله ﷺ -أي: تكلمت عليه بما لا يليق- قال: فذهبت إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! إن أم أبي هريرة قد نالت منك، وإني أدعوها). فماذا طلب أبو هريرة من الرسول بعد أن سمع الذي أغاظه في حبيبه ورسوله عليه الصلاة السلام؟ قال: يا رسول الله! فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : (اللهم! اهد أم أبي هريرة) يقول: فرجعت مسرعاً مستبشراً بدعوة رسول الله ﷺ ، وإذا بالباب مجافىً -يعني: مفتوحاً قليلاً- فأردت أن أدخل، فقالت: مكانك يا أبا هريرة. قال: وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، ثم خرجت وقالت: يا أبا هريرة! إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي من الفرح -وكانوا يحبون الخير- قال: فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين. فقال النبي ﷺ : (اللهم! حبب أبا هريرة وأم أبي هريرة للمؤمنين)، قال أبو هريرة: فما رأيت أحداً من أهل الإيمان إلا وهو يحبني. إنها صورة لعظمة هذا الدين، وعظمة التربية الإيمانية، فانظر كيف كان حرص أبي هريرة! فقد كان يكرر الدعوة، وانظر كيف كظم غيظه عندما نالت من سيد الخلق ﷺ ! لأنه كان يرجو لها الخير، ويؤمل لها الهداية، وإنما حزن وغضب وبكى، ولكنه سأل النبي ﷺ أن يدعو لها بالهداية، فلما هداها الله لم يطق من فرحته إلا أن بكى فرحاً بعد أن بكى حزناً، ثم جاءت هذه الصورة المشرقة لندرك في الحقيقة كيف كان فهم أصحاب النبي ﷺ للإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] عجباً لهذا السلوك! وعجباً لهذا الدين العظيم الذي يعلمنا ذلك!

стр. 1815

عظم عقوق الوالدين وعقوبة العاق ولعلي هنا أقف وقفة أحسب أن الجميع سيكون ملتفتاً إليها، فهل بعد هذه الوجوه وبعد هذه الآيات الواضحات والأحاديث الصحيحة والصور المشرقة العملية التي كانت في حياة أصحاب محمد ﷺ هل يتصور أحد أنه يخطر في البال عقوق للوالدين؟ وهل يمكن بعد هذا كله أن يكون في النفس متسع أو في القلب مجال لقسوة أو غلظة؟ وهل يمكن بعد هذا كله أن يلفظ اللسان بما لا يليق؟ إن العقوق بعد هذا كله يظهر تماماً على أنه الأَمُ وأشد وأسوأ ما يمكن أن يصدر عن الإنسان، إنه يكشف حينئذ عن انحراف في الفطرة، وضعف واختلال في الإيمان، ونقص في حقيقة التمثل والالتزام بالإسلام، إنه يدل على انفصام بين كليات هذا الدين وحقائقه الكبرى وهداياته العظمى التي تنزلت بها الآيات وجاءت بها الأحاديث، ولذلك قال بعض أهل التفسير في هذا الموطن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] قالوا: جاء بالأمر وليس بالنهي عن العقوق. قال القرطبي: لأنه لا يتصور العقوق في حق الوالدين. كيف يمكن أن يتصور عقوقك لامرأة حملتك في بطنها تسعة أشهر، وأرضعتك عامين، وظلت تغذوك بحنانها وعطفها، فتسهر ليلها، وتمرض في تمريضك، ويشغل بالها أمرك أكثر مما يعنيها أو يشقيها أو يتعبها شيء يتصل بها؟! إن الإنسان الذي يجحد بعد ذلك أو يعق يمثل الصورة الشوهاء للانحراف السيء في غاية السوء، ومن هنا جاء الأمر بالإحسان، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وكذلك ذكر الآيات الكثيرة كقوله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [الأحقاف:١٥] وذكر ذلك على التفصيل كما هو في الآيات، وكما جاء في الحديث: (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) فقال أهل العلم: لبر الأم ثلاثة أرباع وربع للأب. وقالوا: لأنها حملت وولدت وأرضعت، وهذه كلها لا يشاركها فيها الأب، وإن كان حق الوالدين جميعاً عظيماً. لذلك كان من المتوقع ومن البدهي أنَّ من يخرج عن هذه الأوامر الربانية وهذه السنن النبوية أنه قد خالف الدين مخالفة عظيمة تستوجب له وعيداً خطيراً، ومن هنا وجدنا أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر مقترناً بأعظم ذنب في الوجود كله، والحديث في هذا معلوم، وهو قول النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس فقال: وشهادة الزور، وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) فأكبر الكبائر وأعظم الذنوب على الإطلاق ثانياً وتالياً بعد الشرك بالله هو عقوق الوالدين. وما الذي تخشاه؟ وما الذي تخاف منه في هذه الدنيا؟ أليس حرمان رضوان الله؟ أليس الخوف من عذاب الله؟ إن الذي يخوض في هذا المضمار يستوجب الوعيد الشديد، فقد روي عن النبي صلى الله عيه وسلم في حديث ابن عمر أنه قال ﵊: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بعطائه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة) والديوث هو الذي يرضى السوء في أهله، والرجلة هي المرأة المتشبهة بالرجال. رواه الحاكم وصححه، ورواه البزار بإسناد جيد. بل إن الأمر يرى رأي العين، فإنه ما من ذنب إلا وقد يؤجل عذابه أو يقدم إلا ذنبين اثنين لابد أن يكون لهما عقوبة معجلة وإن بقيت لهما عقوبة مؤجلة، قال النبي ﷺ فيما رواه عنه أنس ﵁: (بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق) رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وفي رواية أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) وترجم البخاري في الأدب المفرد لهذا الحديث بقوله: (باب عقوبة عقوق الوالدين). وعقوق الوالدين أعظم القطيعة للرحم، فأي شيء بعد هذا يمكن أن يقال؟ وأي قول بعد قول الله وبعد قول رسوله ﷺ ؟ وما هو واقعنا اليوم؟ فكم نسمع من قصص مبكية محزنة مؤلمة! وكم نرى من صور عجيبة غريبة شاذة!

стр. 1816

واقع الناس في بر الوالدين روي في كتب الأدب عن الأصمعي أنه قال: عزمت أن أبحث عن أعق الناس وأبرهم. فظل يبحث ويسير في حياته وهو يبحث عن هذا الأمر، قال: حتى رأيت مرة شاباً ومعه شيخ كبير مربوط بحبل ينزع دلو ماء، وهذا يشتد عليه ويغلظ له، ويعرض له بالضرب أحياناً، قال: فقلت له: ويحك! ألا تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟! فقال: ثم هو مع ذلك أبي! قال الأصمعي: فرأيت أنه أعق الناس. قال: ثم نظرت -أي: في حياته مرة أخرى- فرأيت شاباً يحمل شيخاً في زنبيل كبير، ثم يزق له كما يزق الطير لفرخه -يعني: كل لحظة يأتي فيطعمه، ويأتي فيسقيه، ويأتي فيحمله- فقال: هذا أبي. قال: فقلت: هذا أبر الناس. فلاحظ الصور المتباينة، لاحظ الواقع الذي بلغ أن سمعنا في مجتمعاتنا ليس عن أبناء رموا بآبائهم أو بأمهاتهم في دور العجزة أو في المستشفيات وتركوهم، بل رأينا ما وصل فيه الأمر إلى حد القتل وغيره، فما الذي جرى؟! وهل هذه الوصايا لا تتلى؟! ألم نختم القرآن في رمضان؟! ألا تقرأ هذه الآيات في الصلوات؟! ألا يعرف الناس هذه الأحاديث؟! ألم يروا كيف كانت سيرة الأصحاب؟! ألا يجدون في كل شيء من ديننا ما يدل على عظمة هذا الأمر ورفعة هذه الصفة وأهمية هذه الخلة في حياة المسلم، وأن ضدها من العقوق هو أشنع شيء وأبشعه؟! إن الصورة تحتاج إلى مراجعة. نسأل الله أن يجعلنا ممن يبرون آباءهم ويبرهم أبناؤهم، ونسأله أن يوفقنا لكل ما يرضي آباءنا وأمهاتنا، وأن يسخرنا لرضاهما، وأن يجعل طريقنا إلى رضاء الله من رضاهما، ونسأله أن يحسن ختام من بقي لهم من آباؤهم وأمهاتهم، ونسأله أن يبعدنا ويجنبنا عن كل ما يسخطهما أو يسيء إليهما؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1817

كيفية الطريق إلى بر الوالدين

стр. 1818

ذكر سيرة البارين بوالديهم ومما يعين كذلك ذكر سير أهل البر بآبائهم وأمهاتهم، فقصة أبي هريرة نموذج من نماذج عدة ليست في حياة الصحابة فقط، بل في حياة الصحابة والتابعين وصلحاء المؤمنين إلى يوم الناس هذا، فانظر كيف يكون التوفيق حليفهم! وانظر كيف تكون السعادة مالئة قلوبهم! وانظر كيف يكون الأثر في أبنائهم! لأن النبي ﷺ قال: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) والأمر في هذا ظاهر الدلالة، والحساب فيه والقصاص بيّن للعيان، فكم رأينا من مسيء لوالده -والعياذ بالله- ووالده كان مسيئاً بوالده، والعكس كذلك، فمن عق والده فإنه يجد العقوق من أبنائه، وذلك ظاهر.

стр. 1819

قيام الوالدين بدورهما وواجبهما ثم هناك أمر مهم، وهو أداء الوالدين لدورهما، وقيامهما بواجبهما، هو أيضاً من أعظم أسباب البر، فهل علمت ابنك كتاب الله وسنة رسوله؟ وهل وجهته إلى الخير؟ وهل كنت قريباً منه؟ وهل حرصت على تربيته؟ وهل أحسنت في اختيار أصدقائه؟ ذلك هو الطريق الذي يعود عليه بالخير استقامة في سلوكه، وبراً بأبيه وأمه، أما إن أسلمته للضياع، وألحقته برفقاء السوء، وغبت عنه ولا تدري ما يصنع ولا ما يقول، ثم تعض أصابع الندم وتقول: عقني فما عقك إلا من تفريطك وتقصيرك. والأمر يطول، والحديث يتكرر في مثل هذا، ويلحق به ما هو في هذه الآيات كذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] وليس المقصود ما كان عند أهل الشرك من أنهم يقتلون أولادهم كما كان في بعض أحوال الجاهلية، فبعض الناس يقتل ابنه يوم لا يرشده ولا يعلمه ولا يربيه، ويوم يبعثه إلى بلاد الكفر أو إلى بلاد الفساد والانحراف العقدي والخلقي، فكأنما هو يقتله؛ لأنه يقتل إيمانه، ويقتل خلقه، ويقتل فضيلته، ويقتل شرفه وخيره ونحو ذلك. إذاً هذا باب آخر من الأبواب، وثمة أبواب أخرى كثيرة، ومنها التذكير الدائم بهذه المسألة، والحديث يطول، والمقام يقصر، نسأل الله أن يحفظنا، وأن يحفظ لنا آباءنا وأمهاتنا، وأن يشيع البر في أبنائنا وبناتنا، وحسن التربية والرعاية في آبائنا وأمهاتنا. اللهم! إنا نسألك أن تؤلف بين القلوب، وأن توحد بين الصفوف. اللهم! إنا نسألك أن نبر آباءنا، وأن نسعى إلى رضاهما، وأن نجتهد في طاعتهما في المعروف، وأن نبذل غاية ما نستطيع في الإحسان إليهما وإدخال السرور عليهما، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! وفقنا لطاعتك ومرضاتك، واسلك بنا سبيل الصالحين، واجعلنا من عبادك المخلصين، واكتبنا في ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، وأحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ -اللهم- لها أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها يا رب العالمين. اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1820

استحضار فضل الوالدين والأمر الثاني الذي يعين على ذلك استحضار فضل الوالدين، كما دلت على ذلك الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤]، فتذكر نفسك وحالك وأنت طفل لا تملك من دنياك ولا من أمرك ولا من حالك، ولا من تدبير شئونك شيئاً، وتذكر كل تلك الفضائل التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تقدر قدرها فضلاً عن أن توفي حقها، ولو أن كل عاق أو كل مخطئ في حق والديه إذا أراد أن يلفظ الكلمة، أو إذا أعرض، أو إذا صنع شيئاً من ذلك تذكر الحليب الذي أرضعته إياه أمه، والمال الذي أنفقه عليه أبوه، والحماية التي كان يتعرض فيها للمصاعب والمخاطر لكي يحميه، لو تذكر -كما يقول بعض أهل العلم- ولو قبضة أو انقباضة من انقباضات وقت الولادة ومخاضها لشعر أنه قد أجحف في حق نفسه، وأنه ينبغي له أن يطأطئ رأسه خجلاً من تصرفه، وأنه قد أتى بما لا يليق بحال من الأحوال، حتى إن البهائم -وهي بهائم- تعطف الأمهات على أبنائها، ونرى الأبناء كيف ترتبط بأمهاتها، وهذه سنة فطرية في الخلائق، فكيف بالإنسان الذي أعطاه الله العقل وأنزل عليه التشريع وضرب له الأمثلة من رسل الله وأنبيائه وصالح الأمة وعلمائها وأفاضلها؟!

стр. 1821

استحضار الثواب في البر وأمر ثالث كذلك، وهو استحضار الثواب والفضل والأجر في البر، فقد رأينا أن طريق الجنة عبرهما، ورأينا أن استنزال رضاء الله برضاهما، ورأينا أن تكفير الذنوب بالإحسان إليهما، ورأينا أن تفريج الكروب بإكرامهما، فأي شيء نريد؟ وكل ما نريد نجد طريقه يمر عبرهما، فلمَ لا نفكر في ذلك ونتأمله؟! وانظر إلى الجانب الآخر المقابل، وهو التذكر للوعد والوعيد والعقوبة المنتظرة في الدنيا قبل الآخرة لكل من أساء ولو بكلمة؛ لأن الله قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فجاء بالأدنى، وجاء بما قد يكون الأعلى.

стр. 1822

التدبر في الكتاب والسنة أحسب أنه مهما أطلنا الحديث وأعدناه فإن الأمر يستحق، وإن المسألة تستدعي، وإن الواقع يدلنا على وجود خلل كبير في هذا الباب، فما الطريق إلى تقويمه؟ وما الطريق إلى رجوعه إلى جادة الصواب؟ هنا أمور كثيرة يضيق المقام عن حصرها، لكن أولها وأعظمها: التدبر في كتاب الله، والاغتراف من حديث رسول الله ﷺ ؛ لأن الحديث ليس حديث هذا الرجل أو ذاك، وليست موعظة ذلك الواعظ أو هذا، وليس استنباط ذلك العالم أو غيره، إنه كلام الله وهدي رسوله ﷺ ، فإن كنت مؤمناً ومسلماً فالمخاطب لك هو الله، والموجه لك هو رسوله ﵊.

стр. 1823

الوصايا الربانية [٣] الله أعلم بما يفسد الخلق وما يصلحهم، ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأمر بمحاسن الأخلاق والصفات ما ظهر منها وما بطن، فلا سعادة للبشرية جمعاء إلا باتباع أوامر ربها واجتناب نواهيه.

стр. 1824

تحريم الفواحش الظاهرة والباطنة الحمد لله الرحيم الرحمان، الكريم المنان، ذو الفضل والجود والإحسان، حبب إلينا الإيمان، وكره لنا الكفر والفسوق والعصيان، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فها نحن نواصل حديثنا في الوصايا الربانية التي جاءت في سورة الأنعام، وقد سلف لنا الحديث عن التوحيد والنهي عن الشرك، ومر بنا أمر بر الوالدين وأهميته وآثاره الدنيوية والأخروية، ووصية اليوم عظيمة مهمة، لها أثرها في النفوس والقلوب، ولها أثرها في الأمن والأمان، ولها أثرها في العرض والشرف والأنساب، قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١] والفواحش: كل ما فحش وزاد عن الحد بحيث يكون في غاية الذم والقبح. وذلك يتناول المعاصي والذنوب الكبيرة في جملتها، ما كان منها ظاهراً -أي: في الجوارح قولاً أو فعلاً كقذف أو زنا- وما كان منها باطناً بالقلب، سواءٌ أكان كفراً وشركاً، أم استكباراً، وغير ذلك من أدواء القلوب. وسياق الآيات فيما مضى يبين لنا أن النهي مختص بأمور بعينها، كما مر في الشرك وفي بر الوالدين، وكما يأتي في النهي عن أموال اليتامى وعن عدم الوفاء والقيام بالميزان والقسط، ومن هنا ذكر أهل التفسير أن من المعاني الظاهرة للفواحش اختصاصها بالزنا -أعاذنا الله وإياكم منه ومن القرب منه-؛ لأن السياق يحدد أموراً بعينها ومحرمات بذاتها، فغلب بعض أهل التفسير اختصاص هذه الفواحش في الآية بالزنا، وكل ما زاد عن حده فإنه داخل في عموم ذلك، وقد ذكر كثير من أهل التفسير عند هذه الآية ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (كانوا في الجاهلية لا يرون بأساً بالزنا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الزنا في السر والعلانية) وذلك فيه دلالة على هذا المعنى الذي غلبه بعض أهل التفسير. ووقفتنا الأولى في قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ [الأنعام:١٥١] والنهي عن القرب مبالغة في النهي عن الفعل؛ لأنه إذا قيل: لا تقترب من هذا المكان فلا شك أنه من باب الأولى أنك لا تصل إليه ولا تدخل فيه، ومعنى ذلك -كما هو معلوم- أن المعنى ترك كل ما يقرب من الزنا ويوصل إليه، ويهيج النفوس والشهوات إليه، ويبعث الفكر فيه، ويعلق النظر به، ويرعي السمع ويصغيه إليه؛ لأن كل الجوارح تتأثر وتفضي إلى القلب حتى ينعقد العزم وتتوجه الإرادة من بعد لفعل ما تأثر به ذلك القلب، فالعين تنظر، لكن الأثر يكون في القلب ميلاً وشهوة إلى ما رأت العين، والأذن تسمع، والقلب يميل ويهفو، وكذلك كل ما يتعلق بفعل الإنسان يعود أثره على قلبه ونفسه ميلاً وتوجهاً.

стр. 1825

سد الذرائع في الشريعة الإسلامية وهنا ننظر إلى التشريع الحكيم في ديننا العظيم، وفي هدي رسولنا الكريم ﷺ ، فكل جارحة من الجوارح وكل عمل من الأعمال يعلق القلب بهذه الفاحشة الكبيرة ورد النهي عنه، وجاء المنع به؛ لأن غير ذلك يعد غير قابل للتطبيق، فلو كنت قد فتحت الأبواب والنوافذ على مصراعيها فلابد أن تدخل إليك القاذورات من كل جانب، فإن أردت الحفظ والصيانة، وإن أردت الوقاية والحماية فلابد أن تغلق الأبواب، وذلك هو ما وردت به الآيات، كقوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وجاء الأمر كذلك للنساء في قوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، وورد الحديث كذلك في سنن الترمذي بسند حسن عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) وعندما سأل جرير بن عبد الله البجلي ﵁ رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة أو الفجاءة قال: (اصرف بصرك) رواه النسائي. وكذلك وردت أحاديث عن النبي ﷺ في شأن هذا النظر وما يؤدي به إلى أمور من العظائم والمحرمات، وأكبرها وأبشعها وأقبحها الوقوع في فاحشة الزنا. ونحن اليوم نرى واقعاً لا يتفق مع هذا من وجوه عدة، وأخطرها وأعظمها تحليل الحرام، فإن كثيرين من الناس اليوم لا يرون النظر إلى العورات محرماً، بل ويطلقون عبارات تدل على جواز مثل هذا وتهوينه في النفوس والقلوب، فمن قائل: العين بحر. أي: لا ساحل لها تنظر متى شاءت وكيفما شاءت، ومن قائل: النظر إلى الجمال عبادة، وهو معنىً قبيح من يقصدونه في النظر إلى العورات والمحرمات، وجعلوا تلك المحرمات عبادات، ومن جهة ثانية وجود وكشف العورات، حتى إن من يريد أن يغض بصره يجد عناءً ومشقة، حيث تفجؤك العورات المكشوفة في الطرقات والأسواق، بل وفي المعاهد والجامعات، وتفجأك العورات المكشوفة المثيرة على الشاشات، وعلى الصفحات؛ إذ لا تكاد ترى اليوم مجلة -وإن قالت: إنها علمية أو ثقافية- إلا وفي صدرها أو في صفحاتها الكبرى داخلية أو خارجية صوراً للنساء باديات الشعور أو النحور أو غير ذلك، وهذا من بعد يجعل قلب الإنسان إذا دخل في هذا الميدان يعلق، فإن النظرة إن لم تصرفها أثرت في القلب فصار يطلبها ويكررها، ويجيل النظر بحثاًَ عنها، كما قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر لأن الإنسان إذا فطم نفسه فطمت، وإذا علقها بما تحبه من الشهوات وما تميل إليه من الملذات تعلقت وأبت أن تفطم.
следующие страницы →