← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

استحضار الثواب في البر وأمر ثالث كذلك، وهو استحضار الثواب والفضل والأجر في البر، فقد رأينا أن طريق الجنة عبرهما، ورأينا أن استنزال رضاء الله برضاهما، ورأينا أن تكفير الذنوب بالإحسان إليهما، ورأينا أن تفريج الكروب بإكرامهما، فأي شيء نريد؟ وكل ما نريد نجد طريقه يمر عبرهما، فلمَ لا نفكر في ذلك ونتأمله؟! وانظر إلى الجانب الآخر المقابل، وهو التذكر للوعد والوعيد والعقوبة المنتظرة في الدنيا قبل الآخرة لكل من أساء ولو بكلمة؛ لأن الله قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فجاء بالأدنى، وجاء بما قد يكون الأعلى.

стр. 1822

التدبر في الكتاب والسنة أحسب أنه مهما أطلنا الحديث وأعدناه فإن الأمر يستحق، وإن المسألة تستدعي، وإن الواقع يدلنا على وجود خلل كبير في هذا الباب، فما الطريق إلى تقويمه؟ وما الطريق إلى رجوعه إلى جادة الصواب؟ هنا أمور كثيرة يضيق المقام عن حصرها، لكن أولها وأعظمها: التدبر في كتاب الله، والاغتراف من حديث رسول الله ﷺ ؛ لأن الحديث ليس حديث هذا الرجل أو ذاك، وليست موعظة ذلك الواعظ أو هذا، وليس استنباط ذلك العالم أو غيره، إنه كلام الله وهدي رسوله ﷺ ، فإن كنت مؤمناً ومسلماً فالمخاطب لك هو الله، والموجه لك هو رسوله ﵊.

стр. 1823

الوصايا الربانية [٣] الله أعلم بما يفسد الخلق وما يصلحهم، ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأمر بمحاسن الأخلاق والصفات ما ظهر منها وما بطن، فلا سعادة للبشرية جمعاء إلا باتباع أوامر ربها واجتناب نواهيه.

стр. 1824

تحريم الفواحش الظاهرة والباطنة الحمد لله الرحيم الرحمان، الكريم المنان، ذو الفضل والجود والإحسان، حبب إلينا الإيمان، وكره لنا الكفر والفسوق والعصيان، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فها نحن نواصل حديثنا في الوصايا الربانية التي جاءت في سورة الأنعام، وقد سلف لنا الحديث عن التوحيد والنهي عن الشرك، ومر بنا أمر بر الوالدين وأهميته وآثاره الدنيوية والأخروية، ووصية اليوم عظيمة مهمة، لها أثرها في النفوس والقلوب، ولها أثرها في الأمن والأمان، ولها أثرها في العرض والشرف والأنساب، قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١] والفواحش: كل ما فحش وزاد عن الحد بحيث يكون في غاية الذم والقبح. وذلك يتناول المعاصي والذنوب الكبيرة في جملتها، ما كان منها ظاهراً -أي: في الجوارح قولاً أو فعلاً كقذف أو زنا- وما كان منها باطناً بالقلب، سواءٌ أكان كفراً وشركاً، أم استكباراً، وغير ذلك من أدواء القلوب. وسياق الآيات فيما مضى يبين لنا أن النهي مختص بأمور بعينها، كما مر في الشرك وفي بر الوالدين، وكما يأتي في النهي عن أموال اليتامى وعن عدم الوفاء والقيام بالميزان والقسط، ومن هنا ذكر أهل التفسير أن من المعاني الظاهرة للفواحش اختصاصها بالزنا -أعاذنا الله وإياكم منه ومن القرب منه-؛ لأن السياق يحدد أموراً بعينها ومحرمات بذاتها، فغلب بعض أهل التفسير اختصاص هذه الفواحش في الآية بالزنا، وكل ما زاد عن حده فإنه داخل في عموم ذلك، وقد ذكر كثير من أهل التفسير عند هذه الآية ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (كانوا في الجاهلية لا يرون بأساً بالزنا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الزنا في السر والعلانية) وذلك فيه دلالة على هذا المعنى الذي غلبه بعض أهل التفسير. ووقفتنا الأولى في قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ [الأنعام:١٥١] والنهي عن القرب مبالغة في النهي عن الفعل؛ لأنه إذا قيل: لا تقترب من هذا المكان فلا شك أنه من باب الأولى أنك لا تصل إليه ولا تدخل فيه، ومعنى ذلك -كما هو معلوم- أن المعنى ترك كل ما يقرب من الزنا ويوصل إليه، ويهيج النفوس والشهوات إليه، ويبعث الفكر فيه، ويعلق النظر به، ويرعي السمع ويصغيه إليه؛ لأن كل الجوارح تتأثر وتفضي إلى القلب حتى ينعقد العزم وتتوجه الإرادة من بعد لفعل ما تأثر به ذلك القلب، فالعين تنظر، لكن الأثر يكون في القلب ميلاً وشهوة إلى ما رأت العين، والأذن تسمع، والقلب يميل ويهفو، وكذلك كل ما يتعلق بفعل الإنسان يعود أثره على قلبه ونفسه ميلاً وتوجهاً.

стр. 1825

سد الذرائع في الشريعة الإسلامية وهنا ننظر إلى التشريع الحكيم في ديننا العظيم، وفي هدي رسولنا الكريم ﷺ ، فكل جارحة من الجوارح وكل عمل من الأعمال يعلق القلب بهذه الفاحشة الكبيرة ورد النهي عنه، وجاء المنع به؛ لأن غير ذلك يعد غير قابل للتطبيق، فلو كنت قد فتحت الأبواب والنوافذ على مصراعيها فلابد أن تدخل إليك القاذورات من كل جانب، فإن أردت الحفظ والصيانة، وإن أردت الوقاية والحماية فلابد أن تغلق الأبواب، وذلك هو ما وردت به الآيات، كقوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وجاء الأمر كذلك للنساء في قوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، وورد الحديث كذلك في سنن الترمذي بسند حسن عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) وعندما سأل جرير بن عبد الله البجلي ﵁ رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة أو الفجاءة قال: (اصرف بصرك) رواه النسائي. وكذلك وردت أحاديث عن النبي ﷺ في شأن هذا النظر وما يؤدي به إلى أمور من العظائم والمحرمات، وأكبرها وأبشعها وأقبحها الوقوع في فاحشة الزنا. ونحن اليوم نرى واقعاً لا يتفق مع هذا من وجوه عدة، وأخطرها وأعظمها تحليل الحرام، فإن كثيرين من الناس اليوم لا يرون النظر إلى العورات محرماً، بل ويطلقون عبارات تدل على جواز مثل هذا وتهوينه في النفوس والقلوب، فمن قائل: العين بحر. أي: لا ساحل لها تنظر متى شاءت وكيفما شاءت، ومن قائل: النظر إلى الجمال عبادة، وهو معنىً قبيح من يقصدونه في النظر إلى العورات والمحرمات، وجعلوا تلك المحرمات عبادات، ومن جهة ثانية وجود وكشف العورات، حتى إن من يريد أن يغض بصره يجد عناءً ومشقة، حيث تفجؤك العورات المكشوفة في الطرقات والأسواق، بل وفي المعاهد والجامعات، وتفجأك العورات المكشوفة المثيرة على الشاشات، وعلى الصفحات؛ إذ لا تكاد ترى اليوم مجلة -وإن قالت: إنها علمية أو ثقافية- إلا وفي صدرها أو في صفحاتها الكبرى داخلية أو خارجية صوراً للنساء باديات الشعور أو النحور أو غير ذلك، وهذا من بعد يجعل قلب الإنسان إذا دخل في هذا الميدان يعلق، فإن النظرة إن لم تصرفها أثرت في القلب فصار يطلبها ويكررها، ويجيل النظر بحثاًَ عنها، كما قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر لأن الإنسان إذا فطم نفسه فطمت، وإذا علقها بما تحبه من الشهوات وما تميل إليه من الملذات تعلقت وأبت أن تفطم.

стр. 1826

خطر الإعلام الهابط على الأخلاق إننا لنرى أموراً في هذه الأيام عجيبة، فإن القنوات الفضائية العربية المنطلقة من البلاد الإسلامية والممولة من المسلمين ترى فيها عجباً، فلم يعد الأمر اليوم مقتصراً على امرأة تظهر بادية الوجه والشعر، بل ولا ظاهرة اليدين والذراعين، بل ولا مكشوفة كاملة إلا ما يغطي السوءتين؛ لأن ذلك اليوم قد صار من الأمور المعتادة، إذ اليوم تأتي هذه العورات مع اللقاءات والكلمات والقبلات والمعانقات، وغير ذلك من الأمور التي لم يعد باقياً منها إلا ممارسة الفواحش على هذه القنوات، أعني القنوات العربية المسلمة باعتبار ملاكها ومموليها، ولا أريد أن أذكر إحصاءات وأرقاماً، فإن الأمور مفزعة إلى أقصى ما يمكن تصوره، ولكن أذكر منها اثنتين: الأولى: في دراسة لخمسمائة فيلم من الأفلام التي تعرض كانت النسبة أن نحو اثنين وسبعين في المائة مما يعرض في هذه الأفلام مركز في مناظر وحوارات الحب والجنس والجريمة، أي: ثلاثة الأرباع. فأين ما يزعمونه من معالجة المشكلات؟ وأين هي الثقافة في تلك الأفلام والمسلسلات؟ وأين وأين مما يقال ويدعى؟ ونحن نعلم ذلك ونقرأ عنه، وربما ابتلينا به فشاهدناه كذلك. الثانية: وفي دراسة أخرى على مائة فيلم وجد أن فيها بنسبة ثمانية وتسعين في المائة لقطات أو كلمات مما يثير الغرائز الجنسية، ويهيج هذه المعاني الساقطة. ونحن عندما نقول ذلك ننتقل إلى وجوه أخرى كثيرة، ونحن نعلم ما يدور في مجتمعاتنا وديارنا الإسلامية اليوم، حتى الأذن المصغية قد جاء النهي عن إصغائها إلى ما يثير هذه الكوامن، فالله جل وعلا في سياق الأمر الوارد والتوجيه الوارد لأمهات المؤمنين من أزواج النبي ﷺ -وهن الطاهرات العفيفات المؤمنات القانتات العابدات- ورد الأمر إليهن بقوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] لا يقلن كلاماً متكسراً متأنثاً فيه الإغواء والإغراء، والتهييج والإثارة، حتى لا يؤدي ذلك إلى الفتنة وإثارة الشهوة.

стр. 1827

أثر الأغاني الماجنة في الدعوة إلى الفواحش والمحرمات نحن نعلم اليوم ما يبث من الأغاني الماجنة التي تدعو صراحة وبكل بجاحة ووقاحة إلى ارتكاب المحرمات والفواحش بشكل لا يحتاج إلى استنباط ولا تحليل، وكلها في جملتها لا تكاد تخرج عن الحب والغرام والعشق والهيام، وهي تدعو إلى اللقاء والعناق وإلى الانتقال والانقطاع عن الناس لأجل ذاك الحبيب أو تلك المعشوقة كما يقولون. ومن أراد التأكد فليطلع على الدراسات العلمية الإعلامية على تلك الأغنيات، وكم رصد فيها من الكلام والحركة التي كلها تصنف بالمقاييس العلمية لا الدينية، أي: لسنا نحن الذين نقول: وجه أو كفان أو شعر أو غير ذلك، وإنما قالوها بالمقاييس العلمية العادية التي لا تعتبر لأحكام الشريعة اعتباراً، وذكروا ما ذكروا في ذلك.

стр. 1828

نهي الشرع عن خروج المرأة متعطرة ثم نزيد الأمر ونأتي بأمور أخرى؛ فإن التشريع الحكيم قد أوردها وذكرها، فنهى عن الرائحة التي تكون مثيرة أيضاً، وقد جاء ذلك عن سيد الخلق ﷺ ؛ لأن من الناس من إذا ذكرت ذلك له قال: ما هذا التشدد، وما هذا التضييق؟! ولمَ أنتم تفكرون بالتفكير والهوس الجنسي كما يقولون؟ فليستمعوا إلى حديث النبي ﷺ ، وليجترئوا إن كانوا قد خلت قلوبهم من الإيمان بأن يوجهوا مثل هذه التهم -والعياذ بالله- إلى سيد الخلق ﷺ ؛ لأنه هو الذي قال ولسنا نحن، ولأنه هو الذي حذر ونبه ولسنا نحن، وهو يبلغ عن رب العزة والجلال، فأين يمضي أولئك الذين يقولون تلك الأقاويل ويطلقون تلك التهم على عوارمها ولا يدرون أنهم يجترئون على الله جل وعلا وتشريعه وعلى رسول الله ﷺ وهديه؟! قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) لماذا؟ لأن تلك الرائحة منها قد تلفت النظر إليها، وقد تعلق القلوب بها، وقد تكون سبباً للفتنة. وفي الحديث الآخر الذي رواه النسائي في سننه والإمام أحمد في مسنده من رواية أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أيما امرأة استعطرت فخرجت على قوم ليجدوا ريحها فإنها زانية) والمقصود بذلك ليس حكم الزنا المعروف، فإنه لا يثبت بذلك، ولكن إشارة النبي ﷺ تفهم من وجوه، وهي أن الزنا المعروف هو زنا الفرج، لكن ثمة زناً للنظر وللعين وللأذن، حتى للرائحة، أو إشارة إلى أن مثل هذا اليسير قد يدعو إلى غيره حتى يصل الأمر إلى الوقوع في الفاحشة.

стр. 1829

الأموال التي تنفق على العطور وأدوات التجميل في دول الخليج هناك إحصائية تجارية علمية تقول لنا: إن عاماً واحداً قبل بضع سنوات كانت الأموال التي صرفت على العطور عموماً نسائية ورجالية في عام واحد في دول الخليج بلغت سبعمائة وتسعة وتسعين مليون دولار، أي: ما يعادل ثلاثة مليار من الريالات السعودية. ونحن لا نقول: إن العطور محرمة. لكن ذلك يمثل نوعاً من الإسراف، ويمثل أيضاً في الاستخدام نوعاً من التجاوزات لدى بعض الناس، وهو كذلك نمط استهلاكي لا يبلغ أن يصل إلى مثل هذا الحد المخيف من الأموال المنفقة. وإذا جئنا إلى تكملة تلك الاحصاءات في هذا الشأن لنرى كيف تصب في خانة في جملتها تدعو أو تروج أو تقرب إلى الوقوع في المعاصي فإننا نكملها لنرى أن هذه الاحصائية تقول لنا: إن الإنفاق في ذلك العام كان على صبغات الشعر بنحو أربعة ملايين دولار. أي: خمسة عشر مليون ريال، وكلها تنفق لصبغات شعر ليصبح مرة أشقر ومرة أغبر ومرة أحمر، ولست أدري كيف يكون ذلك أيضاً يبلغ مثل هذا الحد! ويضاف إلى ذلك أن المستهلك في ذلك العام بلغ ستمائة طن من أحمر الشفاة، وتأمل كم يكون الطن؛ لأن أحمر الشفاة خفيف، فكم الذي استهلك منه؟! أليس ذلك يدعونا إلى النظر والتأمل؟! وكيف تنفق هذه الأموال بهذه الأقدار ونحن نعلم أن جزءاً منها على أقل تقدير ينشأ عنه الممارسة المحرمة الخاطئة؟! وكم نحن اليوم في مشكلة كبرى في هذه القضية الخطيرة؟! ألسنا اليوم نشكو ونعلم يقيناً زيادة نسبة الانحرافات الخلقية، والفواحش، والخلوات التي يضبط فيها الشباب والشابات؟! ألسنا نعلم اليوم ونقرأ أحداثاً عن كون هروب الفتيات متزايداً في كل عام؟! ألسنا نسمع ونعلم ما قيل وذكر ونشر عن اعتداء الشباب على الفتيات، والصور التي نقلت عبر الأجهزة والآلات؟! إلى أين يبلغ الحد والمدى؟! لا يعلم ذلك إلا الله؛ لأنه بقدر الاخلال والنقض لما حرم الله وعدم الالتزام بما شرع الله بقدر ما يكون من الآثار الوخيمة الوبيلة.

стр. 1830

دراسة تبين خطر القنوات الفضائية على الفتيات أقف وقفة مع دراسة أرجو أن تضع بعدها يديك على قلبك، وربما على رأسك، وأن تنتبه لما وراءك في بيتك، إنها دراسة لها أيضاً بضع سنوات، أجريت على مجموعة من الطالبات والفتيات بلغ عددهن خمسة آلاف، ورصدت هذه الدراسة أحوالهن قبل دخول الفضائيات وبعدها، وإليك هذه الأرقام المخيفة المفزعة التي تحتاج منا -كما قلت- إلى التدبر الخطير. هناك أولاً نسبة كانت تبلغ تسعة وثمانين في المائة قبل دخول الفضائيات لديهن حرص على العلم والتعليم والتفوق في المجال الدراسي، وست وسبعون في المائة كان رأيهن الحذر والمنع من الاختلاط، وكانت لدى هذه الشريحة نسبة خمسة في المائة من أمراض الأعراض النسائية واضطراب الدورة الشهرية وغير ذلك، ثم ماذا بعد تلك القنوات؟ زادت الأمراض تلك إلى أن وصلت إلى نحو ثلاثة وعشرين في المائة من أفراد العينة، واسمح لي أن أذكر بعض الألفاظ مما لا أذكره ولا أستحسن ذكره في مثل هذا المقال، فإن سبع عشرة في المائة من تلك العينة من الفتيات أفدن أنهن أصبحن يمارسن العادة السرية بعد مشاهدة الفضائيات، وأن خمساً وثمانين في المائة من مشاهداتهن تتعلق بالمشاهد الجنسية والأفلام الجنسية، وأن ستاً في المائة فقط أفدن بمتابعة البرامج الثقافية والترفيهية، ولم يرد إلا صفر لمتابعة البرامج العلمية! لست أنا ولا أنت من يقول ذلك، بل يقوله الدارسون والباحثون بالاحصاءات والاستبيانات الميدانية، وبعد ذلك يقولون لنا: إنكم تبالغون، وإنكم تهولون، وإنكم منغلقون، لماذا لا تفتحون الأجواء لتعلم الثقافة والفكر والانفتاح؟ ولست أدري أين هي الثقافة في العورات المكشوفة، والأرداف المهتزة، والكلمات المحمومة وغير ذلك؟! فأين هي الثقافة في العري والرقص والمجون والفنون المزعومة؟! إن هذه الثقافة بالفعل في جملتها تدور حول ذلك، وما هو متضمن فيها أو منفرد عنها مما يدخل في تثقيف أو علم قليل في كثير، تذهب فائدته ويُلغى أثره، ولا يبقى إلا أثر ذلك الفساد المحموم والإثارة المغرية التي وصلت في بلادنا هذه إلى ما رأيناه وقرأنا عنه في الاعتداء وسط الطرقات، وفتح أبواب السيارات، ونزع وجذب الفتيات أمام الناس في الطرقات، هل كنا نصدق أن ذلك يبلغ إليه أمرنا؟!!

стр. 1831

أسباب انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة هناك ما يسمى باليوم العالمي لمكافحة الإيدز، ذلك المرض الذي نقول -وسنظل نقول-: إنه عقوبة ربانية لكل من شذ عن الفطرة السوية، وتنكب وارتكب المحرمات الشرعية. تقول الاحصاءات: إن خمسة وأربعين مليوناً من البشر مصابون بالمرض أو حاملون له، وإن عشرين مليوناً من البشر قد ماتوا بسببه من قبل، وإن الأعوام الماضية تسجل زيادة يبلغ معدلها في العام ما بين ثلاثة مليون ونصف إلى أربعة مليون، وإن خمساً وتسعين في المائة من الحالات في البلدان النامية وضعوا تحتها خطوطاً حمراء، وأن كل يوم يسجل نحو ستة آلاف حالة جديدة، وقد رصدت الحالات أيضاً في بلادنا وديارنا. أما الأسباب فإنها مباشرة في الدراسة العلمية: الرقم الأول: الممارسات الجنسية التي يسمونها غير الآمنة، ونحن نسميها الآثمة المحرمة، وبعد ذلك يقولون: نحتاج إلى التثقيف والتوعية، ونحتاج إلى أخذ الاحتياطات الصحية! بدلاً من أن يقولوا: أوقفوا هذا الفساد والعهر والمجون، أوقفوا هذا الشذوذ الذي بلغ إلى ممارسة الفاحشة مع الحيوانات والبهائم. وهذا واقع معلن عنه، وله جمعيات ونوادٍ وعضويات وبطاقات، وهذا هو الأمر الذي نستيقنه؛ لأننا نوقن بقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه:١٢٤]. إننا لم نبلغ ذلك، ونسأل الله أن لا نبلغه ولا قريباً منه، لكنني أقول: ما بلغناه اليوم كنا قبل أعوام لا نتصور أن نبلغه، فالخرق يتسع على الراقعين، بل الراقعون يحجبون عن قول كلمة الحق أو التحذير، ونحن اليوم نرى ذلك في كل ما يهيج ويدعو إلى هذا، وكأن صدى هذه الآية غائب، فأين هذه الآية: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]؟ ليتها تكتب في كل سوق، وفي كل متجر، وفي كل معهد؛ لأننا نحتاج إلى أن نعود إلى الأخلاق، وأن نعود إلى العفة، وأن نعود إلى الطهارة، وأن نعود إلى البصر الذي يغض والأذن التي تمسك عن سماع الحرام، وغير ذلك مما هو معلوم.

стр. 1832

المرأة والعمل وإذا مضينا فإننا نرى صوراً كثيرة، فعمل المرأة لا أحد من أهل العلم والعقل والبصيرة وفهم هذا الدين يقول: إنه محرم في كل وجه وفي كل صورة. وإن ذلك يمثل -كما يقولون- ضيقاً في الفكر وتحجراً في الرأي، وتشدداً في التعامل، كلا، لكننا نقول: أتجعلون أصل حياة المرأة مبنياً على العمل؟ وتقولون: إن المرأة التي لا تعمل -أي: خارج المنزل- معطلة، وأكثر من نصف المجتمع معطل؟ خذوا -أيها القوم- ما يقوله من تتغنون بهم في الغرب، فهذه دراسة أمريكية على المرأة ربة الأسرة القابعة في بيتها التي تزعمون أنها مقيدة ومكبوتة وأنها معطلة، هذه الدراسة تقول: إنها بالتحليل العلمي تقوم بسبع عشرة وظيفة، فهي طاهية، وهناك من تعمل طاهية، وهي ممرضة؛ لأنها تمرض أبناءها، وهناك مهنة ممرضة، وهي خادمة لأنها تخدم، وهي مدبرة منزل، وتلك وظيفة، وهي كذا وكذا، حيث عدوا سبع عشرة وظيفة، وقالوا: إن عدد الساعات التي تعملها قد تصل في اليوم إلى تسع عشرة ساعة، فأعطوني امرأة تعمل في دوام تسع عشرة ساعة! وعندما قدروا المبالغ المالية قالوا: إن جملة أجرها في العام ينبغي بموجب هذا التحليل أن يصل إلى خمسمائة ألف دولار (نصف مليون دولار). فكل واحد يقرر لزوجته هذا المبلغ الآن؛ لأنها تقوم بهذه الوظائف. ثم انظر إلى العمل التي تقوله الدراسات في بلادنا العربية، فنحو ألفين وخمسمائة امرأة عاملة في بلد عربي كبير أجريت عليهن دراسة، فقالت هذه الدراسة: إن نحو سبعين في المائة يتعرضن للمضايقات في الأعمال بسبب الاختلاط بالرجال، وإن من هذه المضايقات أربعاً وخمسين في المائة منها تأخذ أشكالاً جنسية، وسبع عشرة في المائة هي عبارة عن تحرش جنسي! وأما في بعض الدول الخليجية فأجريت دراسة عن سبب عمل المرأة، فوجد أن خمساً وثلاثين في المائة من العينة كان سبب عملها إرادتها لتحقيق الذات؛ إذ ليس ثمة حاجة، ولكن تريد أن تقول: إني امرأة عاملة. وتريد أن لا يقال لها: إنك في البيت معطلة. أو: إنك زيادة عدد لا قيمة لك ولا فائدة، وأربع وثلاثون في المائة قلن: إنهن يعملن لشغل أوقات الفراغ، وأربع وعشرون في المائة قلن: إنهن يعملن لأجل الكسب والإعانة على مصاعب الحياة. وعندما نأتي إلى التحليل نجد دراسات أخرى تقول لنا: إن نحو أربعين في المائة مما تحصله المرأة من أجرها ينفق على ملابسها وزينتها عند خروجها لعملها، فنحو الثلث أو أكثر قد ذهب منها في غير فائدة، وكثير من الدراسات التي أجريت على العاملات في الخليج قالت: إن نسبة أكثر من خمسة وسبعين في المائة من أولئك النساء لدى كل واحدة منهن خادمة في البيت أو أكثر لاحتياجها، فستنفق أيضاً راتباً عليها. وقالت دراسة في اليابان: إن إجمالي ما يعود من اقتصاد المرأة على الاقتصاد العام لا يزيد عن عشرة في المائة؛ لأن المال الذي تحصله المرأة تنفقه كثيراً على أمور تخصها مباشرة، ولا يوظف فيما قد يكون من تنمية اقتصادية عامة. وبعد ذلك لا نقول هذا، وإن كان يقوله أهل العلم والاقتصاد والتحليل والخبرة، ولا نقول: إن كل امرأة يجب أن تكون في بيتها ولا يجوز خروج امرأة للعمل، ولكنا نقول: تعمل في ميدان يناسبها، وبضوابط شرعية تحفظها، ولمدة بحسب الحاجة، حتى تعود إلى مملكتها، فهل تريدون أن تبقى المرأة عاملة حتى تبلغ الستين لتتقاعد كما يتقاعد الرجل؟! اتقوا الله. وقد جاءت الاحصاءات بأن أكثر من ثمانين في المائة يقلن: إن العمل يشكل لهن جهداً مضاعفاً؛ لأنها ستعود إلى بيتها، وسيكون لها عمل مع أبنائها ومع أسرتها ومع شئون منزلها، ولا يكون ذلك كذلك حتى في بلاد أخرى. تقول الاحصاءات: إن اليابانيين الرجال لا يقضون إلا عشرة في المائة من الوقت في مجال خدمات المنزل، وأما تسعون في المائة منه فهو للنساء، فلعل اليابانيين يلحقون بنا ركب المتخلفين؛ لأنهم جعلوا مهمة التربية ومهمة رعاية الأسرة للمرأة، فنحن تخلفنا لذلك، ولعلهم يلحقون بنا ويصيرون متخلفين عند أولئك الذين يقولون هذه المقالات.

стр. 1833

وجوب الغيرة على الأعراض أيها المؤمنون! أيها المسلمون! أيها الغيورون! إن الخطر داهم، وإن المشكلة عظيمة، وإن الخرق الذي يتسع يوشك أن لا يمكن رقعه أو رتقه، وهذا حديث ابن مسعود في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا أحد أغير من الله تعالى، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) وفي حديث الشيخين أيضاً أن سعداً ﵁ قال -ولعل بعض الناس ممن ذكرت وصفهم يعترضون على سعد، ويتهمونه بتهم مما أسلفت القول فيها-: (لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح) فمالك يا سعد؟! هل أنت من المتعصبين؟ وهل أنت من غير المنفتحين؟ وهل أنت من الذين لا يقدرون حرية المرأة؟ ولا أريد أن أسلسل القول، فإن الصحابة وسيدنا رسول الله ﷺ أعظم وأجل من أن يوصف أحد منهم بمنقصة ولو كانت صغيرة، فلما بلغ ذلك المصطفى ﷺ قال: (أتعجبون من غيرة سعد؟! والله إني لأغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) وهذا حديث يدلنا على أن المعنى أن نكون غيورين على أعراضنا، قائمين بأمر الله في حفظها وسترها وصونها، ولا أريد أن أتوسع وإن كان الأمر يحتاج، فإن تلك المشكلات أدت إلى تأخر في الزواج، وإلى كثرة العوانس، وجاء من بعد ذلك كثرة الطلاق، وأصبحت الأحوال الاجتماعية متوترة توتراً عجيباً، حتى إنه صار من المعلوم المنتشر في وسائل الإعلام أن نسب الطلاق قد بدأت تتجاوز ثلاثين في المائة من نسب الزواج، أي: كل ثلاث حالات زواج ربما تنتهي واحدة منها بالطلاق، ومعنى ذلك ما معناه مما نعرفه من الآثار الوخيمة. ومن هنا كذلك نجد الأحاديث في مثل هذا المعنى عظيمة وكثيرة، والحديث يطول، والآية ظاهرة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]. نسأل الله أن يسلم قلوبنا وأعيننا وأبصارنا من الفواحش وما يدعو إليها، وأن يطهرنا ويطهر مجتمعاتنا رجالاً ونساءً شيباً وشباناً مما يدعو إلى تلك الفواحش ويقرب إليها.

стр. 1834

حماية الأعراض مسئولية الجميع إنني أوصي جميع إخواني المسلمين بتقوى الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وإن من أعظم التقوى كف الجوارح عما حرم الله، نظراً وسمعاً ولمساً وخلوة وغير ذلك مما هو معلوم لا يكاد أحد يجهل حكمه، بل كثيرون من الناس يعرفون دليله وحجته، وهنا صرخة مدوية لكل منا، فما منا إلا وهو زوج لامرأة، أو أب لبنت أو بنات، أو أخ لأخت أو أخوات، فقم بدورك حفظاً للعورات، ولكل ما نحتاج أن نحافظ عليه من الشرف والعرض، لا بالإكراه والإجبار، وإنما بالتربية الإيمانية، والتوعية الإسلامية، وذكر مساوئ مخالفة ما حرم الله، وذكر الشواهد والوقائع في مجتمعنا، فإنك إن التفت يميناً أو يساراً لم تعدم جاراً أو شخصاً تعرفه أو قريباً من الأقارب قد انزلقت قدمه فوصلت إلى الهاوية بسبب ترخص يسير في أول الأمر، ونحن نعلم ما هو معلوم في طبائع النفوس البشرية وتدرجها في أمور المحرمات، نظرة فابتسامة فسلام فكلام، ويأتي بعده ما بعده، وقد أصبحنا نشعر بذلك ونلمسه، فالله الله في أنفسنا وأعراضنا وأزواجنا وبناتنا وشبابنا وشاباتنا، فإن النار تزداد اشتعالاً، ويوشك أن لا يسلم منها أحد، سلمنا الله وإياك من كل سوء ومكروه. اللهم! إنا نسألك أن تصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن تصرف عنا المحن والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم! إنا نسألك أن تطهر قلوبنا، وأن تزكي نفوسنا، وأن تغض عن المحرمات أبصارنا، وأن تصم عن الآثام أسماعنا، وأن تجعلنا من عبادك المؤمنين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم! إنا نسألك أن تمكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، وأن تقمع أهل الزيغ والفساد، وأن تنشر رحمتك على العباد، وأن ترفع في الأمة علم الجهاد. اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم! احسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا -اللهم- من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم! استرنا ولا تفضحنا، اللهم! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد، نسألك -اللهم- أن ترزقنا إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وعلماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراًًًًًً، وطرفاً دامعاًًً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك، ويذل فيها أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، رد -اللهم- كيدهم في نحورهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، وأنزل -اللهم- بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم! رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين، امسح -اللهم- عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل -اللهم- لنا ولهم من كل هم فرجاًَ، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتها وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ -اللهم- لها أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها يا رب العالمين. اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم! صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1835

الإيمان مفهوماً وتأثيراً ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل، فلا يقبل الإيمان القولي مجرداً عن العمل، ولا يقبل الإيمان العملي مجرداً عن التصديق والإقرار بالقلب؛ ولذا جمع أصحاب محمد ﷺ بين هذين الأمرين، فكانوا سادة الأمة وقادتها، وفتحوا البلاد والأمصار بالإيمان الذي حملوه في صدورهم، وتحقق في أقوالهم وأفعالهم، وأثبتوا رسوخه في قلوبهم، وظهرت آثاره في سلوكهم ومعاملاتهم.

стр. 1836

أهمية الحديث عن الإيمان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، ونصلي ونسلم على خير خلق الله، وخاتم رسل الله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين والدعاة، ونحمد الله جل وعلا أن هيأ لنا هذا اللقاء الطيب المبارك الذي نصل فيه ما سلف من هذه الدروس والمواعظ العامة، وأسأله جل وعلا أن يكتب لنا بها أجراً، وأن يرزقنا من ورائها نفعاً، وأن يجعل لنا فيها خيراً، وكما جمعنا في هذا البيت من بيوته أن يجمعنا في مستقر رحمته، ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونسأله جل وعلا مزيد التوفيق والتسديد، والهداية والإلهام إلى الطاعة، هو جل وعلا الهادي والموفق . وبعد: أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وهذا هو درسنا الخامس بعد المائة الأولى ليوم الجمعة، الثاني من شهر جمادى الأولى عام (١٤١٥هـ). وعنوان هذا المجلس: الإيمان مفهوماً وتأثيراً. ولعلنا نتفق جميعاً على أن أهم شيء في هذه الحياة كلها، وأهم شيء في هذا الوجود كله، والأمر الذي قامت لأجله السماوات والأرض، وخلقت لأجله الجنة والنار، والثواب والعقاب، هو أمر الإيمان، وحقيقة التوحيد، ومضمون شهادة أن لا إله إلا الله، إذ إن الله جل وعلا إنما خلق الخلق لعبادته وتوحيده ، وإنما جعل هذه الحياة كلها ابتلاءً واختباراً، لتعقبها بعد ذلك حياة أخرى فيها حساب، وبعد ذلك إما ثواب وإما عقاب، وكل ذلك أساسه ومداره على الإيمان. ولعلنا أيضاً نتساءل: ما الداعي إلى أن نتحدث في مثل هذا الموضوع؟ وربما قال كثير منا: إنه أمر متفق عليه ولا خلاف فيه، والعلم به حاصل، إلا أنني أقول: إن أمر الإيمان لما كانت له هذه الأهمية العظمى وجب أن يكون هو الأمر الذي لا يفتر الذاكر عن ذكره، ولا يغفل المعلم عن تعليمه، ولا يتناسى الناس أمره، ولا يجعلون مجلساً من مجالسهم يمر دون تذكرة به أو دعاء إليه أو تعريف به؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم -وهم أعلم الأمة، وأزكاها نفوساً، وأطهرها قلوباً، وأعظمها إيماناً، وأكثرها عبادة- كان أحدهم ينادي صاحبه ويقول له: تعال بنا نؤمن ساعة. وإن القلوب تغشاها الغفلة، ويضرب عليها الران، وتتكاثر عليها ظلمات المعاصي، فتحتاج دائماً وأبداً في كل ظرف وحال، وفي كل بلد ومكان، وفي كل عصر وأوان، وفي كل حالة من حالات الإنسان؛ إلى أن يتذكر حقيقة الإيمان التي تجلو صدأ قلبه، والتي تربطه في هذه الحياة الدنيا بالحياة الأخرى، والتي تشد حبل صلته بخالقه ومولاه . ولذلك جاء مثل هذا الحديث التذكيري الذي أسأل الله جل وعلا أن يجعله حياة لقلوبنا، وأن يجعله تقوية لإيماننا، وزاداً لنا في حياتنا، وقد جعلت الموضوع متعلقاً بمفهوم الإيمان وتأثيره؛ لأن الفهم أساس العمل، ولأن التأثير ثمرة العمل، وعمل بلا فهم كبناء بلا أساس، وعمل بلا أثر كشجر بلا ثمر، إذ عندما يعمل العامل من غير حسن فهم، وكمال تصور، ودقة في العلم، وشمول فيه يخبط خبط عشواء، ويقع في الضلال والانحراف، وتتلقفه الشبهات، ويأخذ في سبل الشياطين إلا من رحم الله، ولأنه إذا فهم ثم لم يعمل العمل الذي يترك بصماته وآثاره في حياته وسلوكه، وفي أقواله وأفعاله، فكأنه إنما أتى بظاهر من القول وظاهر من العمل لم تخلص حقيقته إلى قلبه وسلوكه.

стр. 1837

حقيقة الإيمان وأثره على حياة المؤمن

стр. 1838

لا يقتصر الإيمان على القول باللسان ولا العمل ولا التصديق ونبدأ بأمر الفهم وهو المقدم في هذا المقام، ونتساءل سؤالاً بدهياً ربما يتبادر إلى أذهان كثير منا أنه من الوضوح بمكان، بحيث لا يسأل عن مثله، ولكن ما سأذكره من خلال الآيات القرآنية يجعل لهذا السؤال بعداً أعظم وأوسع مما قد يخطر ببال بعضنا: ما هو الإيمان؟ هل الإيمان مجرد القول الذي ينطق به اللسان؟ وهل هو دعوى يمكن لكل أحد أن يدعيها؟ إذاً: كما قيل: (لو كانت الأمور بالدعاوى لقال من شاء ما شاء) إن الإيمان ليس مجرد القول، بل قد أثبت الله النطق بالإيمان مع نفي حقيقته، فقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] أولئك قوم نطقوا بألسنتهم، ورفعوا بالإيمان رايتهم، وصدعوا به في كل مجلس، ونطقوا به في كل محفل، ومع ذلك قال الله : ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فنفى عنهم حقيقة الإيمان مع أنهم أظهروها ونطقوا بها باللسان؛ فإذاً: ليس الإيمان مجرد القول، فهل الإيمان هو العمل والالتزام بالمقتضيات والقيام بأداء الصلاة والزكاة، وسائر الأركان؟ لو كان الأمر كذلك لكان بعض أهل النفاق أحظى بوصف الإيمان، وأحظى بالرتب العليا فيه من كثير من الناس، إذ المنافقون يظهرون من الأعمال والمنافسة في الخيرات ما قد يظهر به عند كثير من الناس أنهم قد بلغوا الرتب العليا من الإيمان. ونأتي مرة أخرى إلى الآيات القرآنية فنجدها تصف أقواماً قاموا بالأعمال الإيمانية، ولكن نفى الله عنهم الإيمان، فجاء في وصف أهل النفاق: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، وفي سورة التوبة: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] أولئك قوم جاءوا بالشعائر الإيمانية الواضحة البارزة، فالصلاة قد أطلق عليها في القرآن مسمى الإيمان كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، لكنهم قوم نفى الله عنهم الإيمان، بل قد قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]. فإذا لم يكن الإيمان هو مجرد القول، ولا مجرد العمل، فهل الإيمان هو حقيقة التصديق والإدراك والعلم والمعرفة؟ والجواب القرآني ينفي ذلك أيضاً، فالله يقول في حال الكافرين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] جحدوا بها: أي أنكروها بعد أن عرفوها، واستيقنتها أنفسهم: أي بلغت معرفتهم بها درجة أعظم من درجة العلم، وهي درجة اليقين الذي يعرف به كل الأمور المتعلقة بهذه الحقيقة، فقد عرفوا الحق وأيقنوا بدلالة الإيمان ومع ذلك ما آمنوا، بل صرفهم الظلم والعلو عن ذلك. ويبين الله أيضاً هذه الحقيقة في قوله جل وعلا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] فهم لا يكذبون محمداً ﷺ ، وكان كفار قريش يسمونه الصادق الأمين فقد رأوا من الأدلة البرهانية والمعجزات النبوية ما كان حجة واضحة داحضة لكل شك، فقد انفلق القمر فلقتين حتى كان فوق كل جبل منهما فلقة، ورأوا ذلك عياناً، ثم أصبحوا بالرسول ﷺ مكذبين، وبالله كافرين، نسأل الله تعالى السلامة. وأبو جهل يمثل صورة من صور نفي الإيمان مع تحقق المعرفة، يقول: كنا وبنو هاشم نتنافس الشرف، فإذا كانت لهم السقاية كانت لنا الرفادة، وإذا كانت لهم كذا كان لنا كذا حتى إذا تساوينا وتجاثينا على الركب قالوا: منا نبي، فمن أين لنا بنبي؟ فوالله لا نصدقه الدهر كله. إذاً: ليست القضية أنهم كان ينقصهم الدليل حتى يعرفوا الحق، كلا، فقد عرفوا الدليل، وأقيمت الحجة، وانقطع الشك، لكن القلوب المظلمة المعرضة لم تؤمن بالله . وقال قوم مسيلمة الكذاب: (كاذب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر) أي: مادام هذا صاحبنا فنصدقه وإن كنا نعلم حقيقة كذبه، وذلك نكذبه وإن كنا نعلم حقيقة صدقه.

стр. 1839

أمثلة في بيان حقيقة الإيمان وأثره على الحياة إذاً: فالإيمان ليس قولاً، وليس عملاً، وليس معرفة، فأي شيء هو هذا الإيمان؟ قد نقول: إنه جماع هذه كلها، ولكني أريد أن أعمق هذا المعنى تعميقاً يجعل له حقيقته الواجب معرفتها. وأضرب لذلك مثلاً بعيداً، ثم آتي بمثل آخر أقرب حتى ندرك أن قضية الإيمان وأن مفهومه أعمق وأوسع وأكثر شمولاً مما قد نتصوره في بعض الأحيان: لو أن إنساناً جاء إلى أرض صحراوية جرداء لا شجر فيها ولا ماء، وليس فيها من معالم الحياة شيء يذكر، ثم غاب عنها فترة من الزمن وجاء إليها فإذا هي جنان خضراء، وأشجار وثمار، وظلال وارفة، وأزهار زاهية، وثمار يانعة، فإنه لا شك سيعجب عجباً شديداً، بل قد يحكم أو يجزم أو يتصور أن هذه الأرض ليست هي التي رآها من قبل، بل هي أرض جديدة مختلفة، وسيكون عنده يقين جازم أنه قد حصلت أمور أوجبت مثل هذا التغيير، وهذه الأمور بالنسبة له في مثل هذا المثل أمور مادية محسوسة، لابد أن يكون قد جاء إلى هذه الأرض أقوام فحرسوها وزرعوها وحفروها وأخرجوا منها الماء، وفعلوا بها وفعلوا واجتهدوا فيها وجدوا حتى حصل مثل هذا الأمر. ونحن حينئذٍ كأننا نمثل بين شيئين مختلفين، كأننا نذكر صورة من صور الموت والجفاف والجفاء، وصورة أخرى من صور الحياة والحيوية والرواء، وبينهما بعد شاسع وفرق كبير، حتى كأن الأمر لا يرتبط أوله بآخره، أو لا ترتبط هذه بتلك. وأنتقل إلى المثل الحسي الواقعي بعد هذا المثل التجريبي النظري: جاء النبي ﷺ إلى هذه الجزيرة وقد كانت صحراء جرداء من المبادئ، وكان فيها الكفر ضارباً أطنابه، والظلام مرخياً أستاره، والناس يتخبطون في الجهل والعمى، ويتخبطون في أنواع من الشرك والكفر، وبينهم شحناء وبغضاء، وبينهم حروب مشتعلة وعداوات وحزازات، وعندهم تفاهات في الأفكار. ثم هؤلاء الناس بعد بعثة النبي ﷺ وجدنا فيهم تغيراً كاملاً شاملاً مستوعباً، فإذا أهل الظلمات هم أهل النور والضياء، وإذا الفرق المتناحرة أمة واحدة، وإذا أصحاب الأفكار التافهة هم أصحاب الغايات العظيمة، وإذا بأولئك القوم الذين كان فيهم كثير وكثير من أوصاف الرذيلة قد صاروا معلمي البشرية وقادتها في المبادئ والأخلاق والفضائل والأفكار والأعمال. فكأن المثل ينطبق مرة أخرى! كأن هؤلاء ليسوا هم الذين كانوا من قبل! ليس هؤلاء القوم هم الذين رأيناهم في تلك الحالة! وسنبحث حينئذ كما بحث صاحبنا في المثل الأول عن السبب.

стр. 1840

الإيمان هو الذي غير حياة الصحابة وليس الماديات وينطلق كثير من الناس إلى نظرات مادية فيقول: لعل هؤلاء القوم تغيرت أحوالهم الاقتصادية فأصبح عندهم ارتفاع في مستوى المعيشة، وبالتالي تغيرت أنماط حياتهم أو سلوكياتهم أو طريقة كلامهم ومعاملاتهم ونحو ذلك، وقائل قد يقول: لعله قد تغيرت أنماط من حياتهم الاجتماعية بأن وفد إليهم أقوام آخرون، أو بأن سافروا واغتربوا ورحلوا إلى بلاد أخرى ونحو ذلك. وإذا جئنا إلى هذه الحقيقة التي ضربنا بها المثل في بعثة النبي ﷺ ، فإن قريشاً هي كما هي ما تغير اقتصادها، ولا أمور حياتها الاجتماعية، هي كما هي في رحلة شتائها وصيفها في كبريائها وغطرستها في أحرارها وساداتها وفي عبيدها وهي كما هي في شرب خمرها وفي لهوها وعبثها ما تغير فيها شيء في أحوالها المادية. فما الذي إذاً غير هؤلاء الناس؟ ما الذي غير العقول؟ ما الذي غير النفوس؟ ما الذي غير الكلمات؟ ما الذي غير الأعمال؟ ما الذي صاغ الأفكار؟ ما الذي غير كل هذا التغيير الجذري الشامل وبنى هذا البناء العظيم المتكامل؟ سنجيب بكلمة باردة ربما لا ندرك شأوها وعظمتها، سنقول: إنه الإيمان إنها بعثة النبي ﷺ ولكنا نريد أن نعمق ذلك من خلال الآيات القرآنية أيضاً، فقد وصف الله جل وعلا بعثة النبي ﷺ ، ووصف الرسالة التي جاء بها، وما حقيقتها، وما الذي جاءت به إلى البشرية: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢].

стр. 1841

الإنسان بلا إيمان كالجسد بلا روح انظر إلى هذه الآية وتأمل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] هذا الإيمان هو الروح، ولا قيمة لجسد بلا روح، ما الفرق بين الإنسان الحي والذي يموت، ويكون تواً قد مات قبل لحظات؟ إنك لا تنكر من أمر هذا الميت شيئاً، جسمه طري، وكل شيء فيه كامل تام، ماذا يقول الناس؟ كلمة واحدة باردة: فلان مات! ما معنى مات؟ خرجت روحه. لكن ما حقيقة هذا المعنى؟ إنه ألغي من الوجود كله، لم يعد له حركة ولا أثر، ولا فكر ولا كلام ولا عمل، وكذلك الإنسان في حقيقة أمره بلا إيمان لا قيمة له لا وجود له لا قيمة لعمله لا أثر لقوله، هو تماماً كجسد بلا روح، ولو أننا رأينا يوماً مريضاً قد أنهكه المرض وأعياه حتى اصفر لونه، وخارت قواه، وغارت عيناه، وأصبح الناس ينتظرون موته بين لحظة وأخرى، ثم أراد الله له أن يحيا وأن يبقى، فإذا بهذه القوى الخائرة تعود مرة أخرى فينشط، وإذا بتلك الصفرة التي كانت من أثر المرض تعود قوة وحيوية، إذا بالناس يقولون: سبحان الله! سبحان المحيي! لأنه قد بلغ مبلغاً كأنه قد مات! ثم بعد ذلك قد عادت إليه الحياة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢].

стр. 1842

الإيمان هو النور الذي يضيء طريق الحياة فإذا جاء الروح في الجسد، وتحرك الجسد ومضى لينطلق في هذه الحياة، فأي شيء يحتاج إليه؟ إنه يحتاج إلى النور؛ لأن هذه الحركة قد تكون وبالاً عليه قد تجره إلى أن يمشي في الظلمات، فإذا به يقع في الهاوية إثر الهاوية، وإذا بالحفرة تسلمه إلى أختها، وإذا به كحال الإنسان الذي يمشي في ظلام دامس، يمشي فيخبط في رأسه مرة يمشي فينقلب من أثر قدمه مرة يمشي فإذا به يصاب هنا ويصاب هناك، ولا يصل إلى غايته، ولا يصل إلى مبتغاه، ولا يمكن أن يحقق هدفاً، ولا أن يجني ثمرة، وكذلك الإنسان بلا إيمان يفقد النور الذي يسير به في هذه الحياة. والله قد ضرب لنا أمثلة كثيرة بشأن الإيمان وتمثيله بالنور الذي هو أهم شيء للإنسان في سيره في هذه الحياة، فحقيقة الإيمان إذاً: هي الروح المغيرة المحركة، وهو النور الذي يبصر به الإنسان حقائق الدنيا حقائق الآخرة حقائق الناس حقائق الأفكار حقائق الأحوال حقائق الأعمال نور يهدي به الله من يشاء من عباده.

стр. 1843

الإيمان تغيير جذري يتناول جميع جوانب الإنسان قضية الإيمان -أيها الإخوة الأحبة- قضية تغيير جذري شامل، وبناء متكامل، ومعنى ذلك أن الإيمان يتناول كل شيء في حياتك، يتناول خاطرة عقلك، ولفظة لسانك، وعمل جوارحك، وآمالك وطموحاتك، وأهدافك وغاياتك، كل شيء ينبغي أن يكون منضبطاً بهذا الإيمان، حتى خفقة القلب والمحبة والميل يجب أن تكون مضبوطة بالإيمان بالله ؛ ولذا قال النبي ﷺ : (إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). ولا شك أن من الجرح في الإيمان: أن تحب أعداء الله، وأن تبغض أولياء الله ، الإيمان ينبغي أن يكون مستولياً على كل شيء، فالكلمة إن نطقت فبمقتضى الإيمان، والعمل إن عمل فعلى منهج الإيمان، والأمل إن وجد فإنه أمل منبثق من حقيقة الإيمان، والغاية إن سعى إليها فإنما هي غاية من غايات الإيمان، وهذا كله معناه أن تتغير الحياة كلها في صغير الأمور وكبيرها، وفي سائر الأحوال والأعصار، لتتغير تغيراً جذرياً شاملاً وفق حقيقة الإيمان، ووفق حقيقة لا إله إلا الله. ولقد أدرك الكفار هذه الحقيقة، وكان النبي ﷺ يقول لهم: (قولوا لا إله إلا الله كلمة تملكون بها العرب والعجم)، فما كان أسهل أن يقولوها! لكنهم كانوا يدركون أن النبي ﷺ يقصد بها معنىً عظيماً يكون فيه الحكم لله ، والعلاقة مبنية على مقتضى الإيمان بالله ، والمحبة والبغض مرتبطة بالإيمان بالله ، وأن تغير الحياة كلها وفق هذا المعنى العظيم وهذه الحقيقة الشمولية الكبيرة التي لا تحدها حدود، وهي حقيقة الكون كله، وحقيقة الحياة الدنيا، وحقيقة الحياة الآخرة. ولذلك فالإيمان تغيير جذري يتناول ميل النفس، ومشاعر القلب، وخواطر العقل، وكلمات اللسان، وعمل الجوارح، ويتناول كل شيء، ويكون مع الإنسان كالدم الذي يجري في عروقه، وكالنفس الذي يتردد في صدره، وأسألكم: هل يمكن للإنسان أن يستغني عن النفس؟ الجواب لا؛ لأنه إن منع عنه النفس انقطعت عنه الحياة، والأمر كذلك بالنسبة للإيمان، فإن رفعت عنه حقيقة الإيمان أو لم تتغلغل حقيقة الإيمان؛ فكأنه قد قطعت عنه أسباب الحياة، وأصبح ميتاً وإن كان يدب بين الأحياء. وأمثل أيضاً بهذا المثل في صورة أخرى: لو أن إنساناً جاء ليكتم نفسك، هل تبتسم في وجهه؟! وإذا صبرت على ذلك وقتاً من الزمن ثم بدأت تختنق ماذا تصنع؟ إنك تستنفر كل قواك وإن كان هذا الذي يكتم أنفاسك قوياً أو جباراً أو تخشاه، لكن المسألة هنا مسألة موت أو حياة، فيدك ستنطلق، ورجلك ستتحرك، وبدنك سيتغير كله؛ لأنك تدافع عن حياتك ووجودك كله. فكذلك ينبغي إن حوربت في إيمانك، أو شككت في إيمانك، أو جاء من يمنعك من إيمانك ومقتضيات إيمانك؛ فإن الأمر كأنما يريد أن يسلبك حياتك، وأن يقتل فيك وجودك وحيويتك، فكما لا تستطيع أن تملك صبراً على ذلك الذي يكتم نفسك، فينبغي ألا تملك صبراً على كل ما يخالف مقتضى حقيقة إيمانك.

стр. 1844

صور من تغيير الإيمان الجذرية هذه صور من مفاهيم هذا الإيمان، وأضرب مثلاً قرآنياً من سيرة الأنبياء السابقين، ثم أضرب أمثلة من سيرة صحب محمد ﷺ ؛ لندرك حقيقة التغيير الكامل الذي يتناول كل شيء، حتى ندرك هل نحن متحققون بالإيمان تحققاً كاملاً، أم أن في إيماننا ضعفاً، وفي إيماننا دخناً، وفي إيماننا بعض التصورات الخاطئة؟

стр. 1845

أثر الإيمان على سحرة فرعون سحرة فرعون لما دعاهم فرعون وأقبلوا عليه كان أول قولهم: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤١]. أول شيء سألوا عنه وهم في ظلمات الكفر، وهم بعيدون عن الإيمان: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) أرادوا مصلحتهم الذاتية على حساب المصالح الأخرى، وأرادوا حظهم الدنيوي دون اعتبار لحظ الآخرة، وانظروا إليهم وهم يقولون: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)، لم يسألوا: هذه القضية حق أم باطل صدق أم كذب ظلم أم عدل؟ ما سألوا عن شيء من ذلك؛ لأنهم لا إيمان لهم، وبالتالي لا مبادئ عندهم لا قيم عندهم لا أخلاقيات عندهم ليس عندهم مقومات الحياة الإنسانية ولا مؤشرات الفطرة البشرية. وأجابهم فرعون بنفس المنطق المادي الدنيوي الذي ليس له من الإيمان حظ ولا نصيب: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٤] أي: سيكون لكم أجر مادي، وستكونون من المقربين من فرعون وخاصته وحاشيته، وكان ذلك عندهم مما تهواه قلوبهم، ويخطف أبصارهم، وربما يبذلون كل ما يستطيعون لينالوا حظوة عند فرعون. ثم مضت القصة كما نعلم، وألقى موسى ﵇ عصاه: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧] فماذا حدث؟ آمن السحرة برب هارون وموسى. ما الذي استغرقه هذا؟ جزء يسير من الزمن، كانوا قبل لحظة رمي العصا كافرين، وبعدها مؤمنين، فانظروا إلى التغيير الذي وقع فيه في كلامه في أفكاره في آماله في مقالبه لنرى أن هذه اللحظة كانت ومضة واحدة سريعة لكنها شملت تغييراً فكرياً نفسياً عاطفياً قوياً عملياً في كل شيء، هؤلاء السحرة الذين قالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤١] وكانوا يريدون إبطال الحق ومعاداته، ماذا قالوا بعد أن آمنوا؟ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] وذكروا هارون مقدماً على موسى في سورة طه، ومؤخراً عنه في الشعراء، وهارون ما ألقى عصا ولا جابه سحرهم، إنما أرادوا بهذا أن يقولوا: آمنا بالإيمان الحقيقي، آمنا برب هارون الذي لم يعمل لنا شيئاً، ولم يواجهنا بعصا، كما آمنا برب موسى، فنحن لم نؤمن بالعصا لم نؤمن بهذه القوة الظاهرية، وإنما عرفنا أنها تعبر عن صدق في الرسالة، وحقيقة الإيمان الذي بعث به موسى ﵇. وجاء فرعون بالمنطق الدنيوي الذي بقي عليه: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] هؤلاء الذين كانوا ينتظرون من فرعون نظرة، وينتظرون منه عطاء، انظروا إلى قولهم وموقفهم! قالوا له وقد تغيرت أفكارهم وآمالهم ومشاعرهم وطموحاتهم: مسكين أنت يا فرعون! ما زلت في ظلمات الكفر! ما زال عقلك بليداً! ما زالت أفكارك تافهة! ما زال حيزك محدوداً ضيقاً! أما نحن فقد تغيرنا فقالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. افعل ما تشاء فإن ما تفعل كله في ميدان الحياة الدنيا، ونحن عندنا أمر آخر وحياة أخرى، فإن أردت أن تقتل فلتقتل فإن وراء الموت حياة أخرى، وإن أردت أن تحرم فافعل فإن وراء الحرمان نعيماً، وهذه لحظة إيمان واحدة. ثم لما جابههم وجادلهم قالوا: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١] في السابق كانوا يريدون الأموال والعطاء، والآن يريدون المغفرة والرضوان من الله ، هكذا غيرهم الإيمان في موقف واحد، كانوا قد دخلوا على فرعون راكعين خاضعين معظمين له، كانوا يريدون من فرعون العطاء والنوال، ويرجون عنده المنزلة والجاه، ثم إذا بهم يعرضون عن ذلك كله، ولا يلتفتون إليه، ولا يرهبون قوة فرعون ولا سلطانه ولا جبروته، كل ذلك يعبر لنا عن أمر -كما قلت في الكلمات هو أمر بارد- قد لا يظهر له ذلك التأثير نقول: السبب أنهم آمنوا، لكن انظر إلى حقيقة هذا الإيمان وفهمه الشامل الذي غير كل شيء في هؤلاء القوم.

стр. 1846

تغيير الإيمان في حياة الطفيل بن عمرو الدوسي وكذلك مواقف من صحب النبي ﷺ تبين لنا أن الإيمان جذري شامل يغير كل شيء وفق حقيقة التوحيد والإيمان. فهذا الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ جاء إلى النبي ﷺ في مكة قبل الهجرة، وآمن بالنبي ﵊، ودخل في دين الإسلام، والإسلام مازال في أول أمره، وآيات القرآن لم ينزل منها كثير، والأحكام لم يأت فيها بعد تفصيل. ثم مضى الطفيل إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام فلما قدم عليهم لقي زوجته فقال: إليك عني فلست منك ولست مني، مفاصلة اقتضاها إيمانه الذي استولى على قلبه، فلم يطغ عليه حب الزوجة كما لم يطغ عليه تقدير الأب، فلما لقي والده قال: إليك عني فلست منك ولست مني! أي شيء اعتراك يا طفيل؟ قال: إني آمنت بمحمد ﷺ ، ودخلت في الإسلام، فانقلبت حياته كلها، وتغيرت مشاعره، وغير علاقاته وصلاته وفق هذه الحقيقة الإيمانية.

стр. 1847

أبو ذر خامس خمسة في الإسلام وأبو ذر ﵁ هو خامس خمسة في الإسلام، بعد أن أسلم مضى إلى قبيلته ودياره، ولم يقدم على النبي ﷺ إلا في العام السابع للهجرة، فما صنع أبو ذر وقد ملأ الإيمان جوانح نفسه، وقد دخل إلى سويداء قلبه، وخالط شغاف قلبه، وجرى مع دمائه في عروقه؟ لقد فاض إيمان أبي ذر واستولى عليه هذا الإيمان حتى جهر به في كل مكان، وصبه في كل الآذان، وخاطب به كل القلوب، وإذا به عندما قدم على رسول الله ﷺ قدم ومعه قبيلتان هما: قبيلة أسلم وقبيلة غفار، كانتا من قبائل الكفر والشرك وقطع الطريق والسطو والسلب والنهب، أتى بهما أبو ذر وحده ﵁ وقد نور الله قلوبهم بالإيمان على يده.

стр. 1848

ربعي بن عامر واعتزازه بإيمانه فهذه بعض نماذج لهذا التغيير، حتى إن الأهداف والطموحات تتغير، فقد كان الأعرابي في الجزيرة العربية قبل الإسلام لا تتجاوز طموحاته الشاة والبعير والرعي، ولم يكن عندهم طموح، وكانت أهدافهم حتى على المستوى المادي محدودة، فكانوا ينظرون إلى ملك كسرى، وإلى ملك قيصر، وإلى من وراءهم من الغساسنة والمناذرة أنهم شيء عظيم لا يمكن أن يرتقوا إليه، ولا أن يتطاولوا معه، ولا أن ينافسوه، لكن لما جاء الإسلام والإيمان تغيرت الأهداف والغايات. وجاء ربعي بن عامر ﵁، وهو بملابس رثة، ودخل إلى أبهة الملك ومعه حربته يخرق بها الطنافس، ويرقى إلى أعلى مكان عند العظيم الذي يعظمونه، فيسأل: أي شيء جاء بكم وقد كنتم لا يجرؤ أحدكم أن ينظر إلينا؟! قال: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. لقد أصبحوا أصحاب رسالة وغاية، أصبحوا معلمين وأساتذة وقادة بهذا الإيمان. ومن خلال هذا الإيمان تغيرت الطموحات، فإذا شاب صغير كـ ربيعة بن كعب ﵁ وهو في الرابعة عشرة من عمره يسأله النبي ﷺ : (سلني ما شئت؟ فيقول: أسألك مرافقتك في الجنة)، تغيرت الآمال والأفكار والطموحات، كل ذلك هو مفهوم الإيمان وحقيقته، ولذلك ينبغي ألا نظن أن الإيمان هو القول، أو نضم إليه العمل فحسب دون أن يكون هناك اليقين الراسخ، دون أن يكون هذا التغيير الشامل، دون أن يكون هذا التحول الجذري الذي يتناول جميع مظاهر الحياة، ينبغي أن نأخذ هذا الإيمان من هذا المفهوم العظيم.

стр. 1849

مؤمن آل فرعون وصدعه بالحق وانظر إلى مثل قرآني أيضاً: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]. قال هذا القول في وسط بيئة الكفر الفرعونية، قاله كما جاء في القرآن الكريم بعد قول فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]. وهذا الضعيف المغمور في بيئة فرعون كان يكتم إيمانه، فلما جد الجد، وحق الحق، نطق لسانه، وتحركت عاطفته، وأظهر الوضوح التام والمنهج الصائب الذي لا خطأ فيه.

стр. 1850

امرأة فرعون مثل عظيم في الإيمان بل انظر إلى مثل قد ضربه الله لأهل الإيمان جميعاً في سائر الأعصار والأزمان كما قال جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]. امرأة فرعون الكافر المدعي للربوبية مؤمنة في وسط هذه البيئة الكفرية، ثم هي تقول: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)، وهي بالنسبة لأهل الدنيا في أعظم وأرقى درجات الثراء والغنى في القصور والرياش والمال والجاه، لكن ما رأت ذلك شيئاً، بل احتقرته وازدرته، وكان عندها استعلاء على كل ذلك، استعلاء على الجبروت والطغيان الذي كان يمثله فرعون، استعلاء على الجاه والمال والحياة الدنيا التي كانت تمثلها دنيا فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].

стр. 1851

ظاهرة ضعف آثار الإيمان في حياة الناس أيها الأحبة الكرام! ومما أود الإشارة إليه أن مفهوم الإيمان هو الحقيقة المستقرة في القلب، المنطوق بها على اللسان، الظاهرة على الأعمال والجوارح وسائر الأركان، المغيرة لكل شيء في حياة الإنسان وفق حقيقة الإيمان. فهو أمر عظيم جداً، ولذلك كل تغيير في حقيقة الأمر ينبغي أن ندرك أنه يرتبط بأمرين اثنين: مبدأ يعتقد أو شهوة تتبع. انظر إلى أحوال الناس وإلى أعمالهم فإنما يفعل أحدهم الفعل بسبب شهوة دفعته إليه، وإذا لم يكن محباً لهذا فقد يفعله بسبب مبدأ ومعتقد ربطه به، أفلا ترى أهل الإيمان يتركون الدنيا ونفوسهم بها متعلقة، وقلوبهم فيها بحكم الفطرة البشرية راغبة، لكنهم يعرضون عنها؛ لأن عندهم اعتقاداً ومبدأً وإيماناً. وأحياناً إذا ضعف إيمانهم قادتهم الشهوة إلى مخالفة الإيمان، فما من عمل عند الإنسان إلا وله دافع نفسي، وإما أن يكون الدافع مبدئياً إيمانياً، وإما أن يكون شهوانياً غريزياً، فإذا استحكم الدافع الإيماني فإنه يضبط الشهوة فيجعلها محكومة بحكم الإيمان، وإذا استعلى الجانب الغريزي الشهواني انطلقت هذه الشهوة في ميادين تتعارض مع الإيمان، وتطمس نوره في القلب، وتظلم بها النفس، ويحصل ذلك في حياة كثير من المسلمين وكثير منا إلا من رحم الله ، فإذا كان هذا هو مفهوم الإيمان فما بعض تأثيراته وآثاره التي نحتاج أيضاً إلى نتأملها تأملاً عظيماً؟

стр. 1852

لا تكفي العبادة لإثبات قوة الإيمان دون التضحية بالدنيا إن القضية التي تتبادر إلى ذهن كثير من الناس في كثير من الأحوال أن أثر الإيمان الأعظم والأظهر هو أمر العبادة والخشية والخشوع هو أمر الدموع التي تذرف من خشية الله هو أمر العبادة التي يتقرب بها الإنسان لله جل وعلا، وهذا لا شك أنه من أعظم آثار الإيمان، ولكن مثل هذا الأثر قد لا يكون ممحصاً ومميزاً، فإنك تجد كثيراً من الناس يؤمن بالله ، ويعبد، ويزهد، ويدعو ويتقرب إلى الله بما شاء الله له أن يتقرب، لكنه لا يثبت إيمانه، ولا يظهر أثر إيمانه في مواقف أخرى، وإذا بك ترى انفصاماً في حياة بعض الناس، فهو في المسجد ساجد عابد، وهو خارجه لاه عابث أو منشغل بالدنيا، أو هو قد جعل له غايات أخرى أو نحو ذلك. وقد نبه بعض الصحابة تنبيهات إلى أن هذا الأثر مهم، لكنه ليس هو الأصل الأول والأخير، لكنه ليس هو الأثر الوحيد، فإن من الناس من يتصنع البكاء، ومن الناس من يستطيع أن يكون في زحام مع أهل العبادة وأهل الزهد في صورة من الصور، لكن هناك أمور أخرى سأذكر بعضاً منها هي أكثر وضوحاً وتمحيصاً وتمييزاً لآثار الإيمان.

стр. 1853

الحرص على الحياة والخوف من الموت محك اختبار لقوة الإيمان أقول: قد أشار بعض الصحابة إلى ذلك، فرأى ابن مسعود رجلاً مطأطأً رقبته فقال: (يا صاحب الرقبة! ارفع رقبتك فإن الخشوع خشوع القلب). ليست القضية هي هذه المظاهر التي في صدقها خير كثير بإذن الله ، لكنها في بعض الأحوال تكون من مداخل الشيطان. ورأت عائشة ﵂ فتية يمشون مشية ضعيفة وقد انحنت رءوسهم، فقالت: (من هؤلاء؟ قالوا: قوم عباد نساك، قالت: رحم الله عمر كان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وكان هو والله الناسك حقاً). وأذكر ثلاثة آثار أراها من أعظم الآثار ذات التمييز والتمحيص، والتي يظهر أثرها فيمن يشهدها، ويكون لها فعلها في الناس: نحن نعلم أن أعظم شيء تنخلع له القلوب، وترتعد له الفرائص، وترتجف منه الأوصال، وتقشعر منه الجلود؛ هو الموت والخوف على الحياة، هذا أكثر ما يجعل الإنسان مضطرباً خائفاً حائراً زائغاً، فإذا جاء الإيمان الحق فإن من أعظم آثاره التحرر من الخوف على الحياة. كم تحول الناس عن مقتضيات إيمانهم، وتحولوا عن مستلزمات إسلامهم، وغيروا مبادئهم، وباعوا دينهم خوفاً على هذه الرقبة أن تنفصل عن الجسد، وخوفاً على الحياة وتشبثاً بها، ولذلك قد ذم الله اليهود بهذا الذم القبيح في وصفهم المستحقين له، قال في حقهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]. يحرصون على الحياة وإن باعوا المبادئ، وإن داسوا على الإيمان، وإن تخلوا عن المعتقد، المهم أن يحيا وأن يعيش. أما المؤمن فمن أعظم آثار إيمانه أنه إذا وضعت حياته في كفة وإيمانه في كفة ضحى بالحياة في سبيل الله، ورأى أنه ينبغي أن يستبقي إيمانه بالله وإن ذهبت في سبيله الحياة، فهذا يمحص الناس ويفرق بينهم، قد نتزاحم في المساجد وقت الرخاء قد نفعل ما نفعل من أعمال البر والخير؛ لأنها ميسورة، أما إذا جاء الأمر متعلقاً بالروح والموت، والاستشهاد في سبيل الله، أو تقديم الروح افتداء لدين الله ؛ فهنا يتردد المترددون، وينكث الناكثون، ويتخاذل الضعفاء.

стр. 1854

الصحابة يثبتون إيمانهم وعدم حرصهم على الحياة هنا يتميز الناس، وهنا تميز أصحاب محمد رسول الله ﷺ ، فإذا بأحدهم عندما يندق السهم في صدره وينفذ إلى قلبه يضحك ويتبسم ويقول: فزت ورب الكعبة؛ كان أحدهم يقبل على الموت ويذهب إليه ويرمي بنفسه إليه دون أن يختلج له طرف، أو أن يضطرب له قلب، أو أن يخالطه خوف. هذا أنس بن النضر ﵁ في أحد لما فاتته بدر قال: (لئن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين ما أصنع)، فلما جاء يوم أحد وحصل ما حصل من تحول موازين المعركة قال أنس بن النضر: (واهاً لريح الجنة! والله إني لأجد ريحها دون أحد) ثم انطلق ومضى، مضى إلى أي شيء؟ لم يمض ليلقي بموعظة في المسجد أو ليزور أخاً في الله، مضى إلى سيوف تبرق، وإلى دماء تسيل مضى إلى الموت وهو يراه أمام عينيه، فجعل يضرب في صفوف المشركين، ويلقي بنفسه عليهم، لا يعبأ بالموت ولا ينظر إليه، ولا يخشى منه، حتى استشهد وفي جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة، وفي صحيح البخاري عن بعض الصحابة أنه قال: (ليس منها شيء في ظهره). هؤلاء قوم تحققوا من إيمانهم، أما أن يكون الإيمان أقوالاً وادعاء، وبعض الأعمال التي فيها خير فإن ذلك مرتبة، ومرتبة أعلى منها هي مثل هذه المرتبة عندما مثل بها علي ﵁ فقال: أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أو يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر عندما يهدد الإنسان بالموت أو يرهب بأن تسلب منه الحياة، هنا تظهر آثار الإيمان القوية: هذا عبد الله بن حذافة السهمي لما كان في أسر أهل الكفر قال له عظيمهم وملكهم: تدخل في ديني وأعطيك شطر ملكي. ينظر منظار المادة، قال: لو أعطيتني ملكك وملك غيرك ما تركت ديني، فجيء ببعض أسرى المسلمين يغمس أحدهم في زيت مغلي يدخل لحماً ويخرج عظماً، ثم الثاني والثالث، ليؤثروا على عبد الله بن حذافة ويقولون: اعلم أن مصيرك كمصيرهم إن لم تجب إلى ما أردنا. يريدون أن يزعزعوا ثقته، أن يملئوا نفسه رعباً وقلبه خوفاً، لكنه كان في واد آخر غير واديهم، فدمعت عينه دمعة، فأخبر الملك بذلك، فأوقف الأمر وقال: لعله قد لان، ثم سأل: ما يبكيك؟ قال: قد ذكرت أن لي نفساً واحدة تغمس في هذا القدر فتزهق في سبيل الله، ولقد وددت لو أن لي بعدد شعر رأسي أنفس تزهق في سبيل الله ! بكى أن عنده نفساً واحدة تزهق في سبيل الله، وكان يتمنى أن تكون عنده أنفس كثيرة ليحقق إيمانه، ويبذل حياته في سبيل هذا الإيمان، يريدون منه أن يتزعزع بهذه السيوف التي تبرق بهذا الجبروت الذي يسيطر، لكن إيمانه كان أعلى وأقوى وأسمى من كل ذلك. وهكذا نجد هذا الأثر واضحاً جلياً في مثل هذه الأمثلة، وليس مقصودنا الاستطراد والاستيعاب.

стр. 1855

الحرص على متاع الحياة الدنيا محك اختبار لقوة الإيمان وأثر آخر: هو أيضاً من أعظم الآثار الإيمانية التي نرى ضعفها في واقع حياة كثير منا إلا من رحم الله، وهو أمر المال والحرص على متاع الحياة وعلى لقمة العيش: كثير من الناس يقول لك: مالك تلقي بنفسك إلى التهلكة؟ دعنا نأكل لقمة عيش، ولعله كما في ذهني أن يكون لنا حديث في درس قادم إن شاء الله عن هذا المعنى وحده، فكم أذل الحرص أعناق الرجال! وكم ذهب الذهب بكثير من الأبصار! وكم مال المال بكثير من الرجال! فهذه الحياة الدنيا إذا جاءت المساومة عليها والضغط فيها هنا يظهر الإيمان قوياً، وتتجلى آثار الإيمان العميق، فيبقى الثبات قوياً، وتبقى الدنيا كلها لا قيمة لها في مقابل الإيمان والدين، أما ما يحصل في حياة كثير من الناس بأن يغيروا فيما نهوا، وأن يتلونوا كالحرباء، وأن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، فأولئك لا شك في ضعف إيمانهم، وفي تزعزع يقينهم، وفي غلبة الأهواء على نفوسهم وقلوبهم، نسأل الله السلامة. فهذا التحرر من الخوف على الرزق تظهر له أمثلة كثيرة جداً في حياة الصحابة، بل وفي حياة من جاء بعدهم من أهل الإيمان، فـ عثمان ﵁ كان إنفاقه في سبيل الله كثيراً حتى إنه جهز جيش العسرة فقال النبي ﷺ : (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، وقصة أبي بكر وعمر شاهدة لهذا، لما دعا النبي ﷺ المسلمين إلى التبرع بتجهيز جيش العسرة كما في سنن الترمذي قال عمر ﵁: اليوم أسبق أبا بكر، فأخذ عمر ﵁ نصف رأس المال كله بما فيه -كما يقول أهل الأموال- الأصول الثابتة والأموال السائلة، وذهب متبرعاً إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (ما أبقيت لأهلك يا عمر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله وشطر مالي، قال: فما هو إلا أن وافى أبو بكر فوضع ما جاء به بين يدي رسول الله ﷺ ، قال: ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله) يعني: تصدق بكل ماله، رأس المال والأرباح، وكل شيء جعله في سبيل الله . ماذا يقال لمثل هذا الصنيع بالمقياس المادي؟ يقال لمثل هذا أو لفاعل هذا من الناس: إنه رجل أحمق وأخرق، وإنه رجل لا يعرف كيف يدبر أمور حياته، ولا يعرف كيف يؤمن مستقبله، ولا يعرف كيف يختزن القرش الأبيض لليوم الأسود كما يقولون، أما الصحابة وأهل الإيمان فكانوا ينفقون ولا يخشون الفقر؛ لأن الدنيا كلها في كفة، ونصرة إيمانهم ودينهم في كفة أخرى، وإذا سوموا على الإيمان بهذه الدنيا والأموال فلا أثر ولا قيمة للدنيا مطلقاً، وقد رأينا قصة عبد الله بن حذافة السهمي. وذكر عن بعض أهل العلم أنه جيء به في فتنة خلق القرآن ودعي إليها، وكان ممن ينفق عليه من بيت مال المسلمين؛ لأنه يعلم في المساجد، فأبى أن يجيب إلى ذلك فقيل له: إذاً نقطع عنك جرايتك أي: نقطع عنك مصدر الرزق، فماذا قال هذا المؤمن الواثق بالله الذي ظهر أثر إيمانه جلياً واضحاً؟ تقول الرواية: فأخذ بزر قميصه فخلعه، ثم قال به في وجه من أمامه قائلاً: ما دنياكم التي عليها تحرصون إلا كمثل زري هذا، هذه الدنيا لا قيمة لها عندنا، نخلعها وقت ما نشاء مثل الثوب أخلعه وقت ما أشاء، وألبسه وقت ما أشاء، ويبقى الجسم والجسد هو الأساس. وهكذا نجد الأمثلة في ذلك كثيرة، والإمام أحمد قد ضرب في ذلك مثلاً، فإنه ما خشي الموت، ولا مالت به الدنيا حتى جاءه من يهون عليه فيقول له: إن لك أبناء، وإن لك نساء، وإن لك كذا وكذا فقال لمحدثه: يا أبا سعيد إن كان هذا عقلك فاسترح. أي: هذه عقول تفكر بالتفكير الدنيء بالتفكير الذي لا يرتقي إلى مستوى الإيمان العظيم.

стр. 1856

مراقبة الله محك اختبار لقوة الإيمان ثالث هذه الآثار: وهو الذي نختم به حديثنا، هو الأمر العظيم في يقظة الضمير ومراقبة الله : فالمراقبة هي التي تجعل الإنسان في مشهده ومغيبه في ظاهره وباطنه في سره وعلانيته، على مقتضى ما يحب الله ، هذه اليقظة الإيمانية هي التي حكمت قلوب المؤمنين فعرف كل منهم الحق الذي له فلم يتجاوزه، وعرف كل منهم الواجب الذي عليه فلم يقصر فيه، فما وجد اعتداء، ولا وجدت خيانة، ولا وجدت مراوغات، ولا وجدت صور أخرى من صور فساد الحياة؛ لأن الناس كانوا يراقبون الله ، فيصدقون إذا صدقوا لأجل الله، ويحرصون على الإتقان في أعمالهم لوجه الله، وكل حياتهم فيها استشعار لمراقبة الله ، بل ربما كان بعضهم إذا كان خالياً بنفسه منفرداً لوحده أكثر احتياطاً وشدة مع نفسه، وتربية لها وتذليلاً لها بين يدي الله منه أمام الناس، وكان كل منهم يستيقن بذلك يقيناً ظاهراً واضحاً بيناً يملك عليه نفسه، والأمثلة أيضاً في ذلك كثيرة؛ وكما قال القائل في هذا الشأن: ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكذلك سئل بعض السلف عن غض البصر، كيف الطريق إليه؟ فقال: علمك بأن نظر الله إليك أسبق منك من نظرك إلى ما حرم عليك، يعني: أن تعلم وأن توقن أن الله مطلع عليك، وناظر إليك قبل أن تنظر إلى ما حرم الله عليك. وهكذا كان هذا الإيمان مملكة كاملة تحكم ضمير المؤمن فلا يتجاوز حداً من حدود الله، ولا يرتكب شيئاً من معاصي الله إلا غفلة أو سنة ثم يعود، وهذا من طبيعة الفطرة الإنسانية البشرية، لكن هذه اليقظة الإيمانية هي التي أوجدت الأمثلة الرائعة الرائدة في حياة الأمة الإسلامية، كما ورد في بعض كتب السير والتراجم: أن أبا بكر ﵁ اتخذ عمر قاضياً يقضي بين الناس إذا اختلفوا، فما أتاه أحد، ولا اختلف عنده أحد، ولا احتكم إليه أحد، وقال عمر: (ما حاجتي إلى قوم عرف كل منهم الذي عليه فأداه، وعرف الذي له فلم يتجاوزه). وهكذا نعلم قصة المسلم من جيش القادسية، رجل من غبراء الناس لم يذكر له اسم، ولا عرف بميزة، أرسله سعد ليبشر عمر بفتح القادسية، وأرسل معه ما أخذ من إيوان كسرى ملك الفرس، وماذا كان فيه؟ كان فيه التاج والذهب واللؤلؤ والجوهر، وأشياء مما لم تكن تخطر على بال أولئك المسلمين الذين عاشوا حياة شظف وبادية ليس فيها شيء من هذا الترف. فجاء هذا المسلم البسيط من أقصى شمال الجزيرة إلى المدينة وعنده هذه الثروة العظيمة! لم تحص عليه، ولم تدرج عليه، ولم يوقع باستلامها، ولم يدخل في بوابات لتفتش جيوبه، وإنما سلمت له هكذا، ومضى بها في هذا الطريق الطويل، وقدم بها على عمر ﵁ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! إن سعداً يبلغك السلام، ويبشرك بنصر الإسلام والمسلمين، وهذا ما في إيوان كسرى. فنظر عمر إلى هذا فاستعظمه واستكثره، ثم بكى وقال: (إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقيل: لقد عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا). هذا رجل من عامة الناس ليس مشهوراً، ليس مذكوراً، ليس معروفاً، فهذا نموذج لمن كان الإيمان يحكم حياته ويقوم مراقبته في كل شأن من شئون الحياة، وهكذا تجد أمثلة كثيرة ليس هذا هو مقام ذكرها، وإنما أردت أن أبين أن هذه الآثار الثلاثة من أعظم الآثار التي تميز إيمان المؤمن، وتمحصه وتبين حقيقة موقفه.

стр. 1857

تذكرة وعبرة وإذاً: عندما نتحدث مثل هذا الحديث -أيها الإخوة الأحبة- إنما نجعله تذكرة لأنفسنا، ومراجعة لحساباتنا، هل استولى الإيمان على قلوبنا؟ هل حكم مشاعرنا في محبتنا ومودتنا وبغضنا وكرهنا؟ هل ضبط ألفاظ ألسنتنا وكلماتنا؟ هل حكم سلوكنا؟ هل ظهرت الآثار فآثرنا الأخرى على الدنيا؟ هل تحققنا بأثر الإيمان فراقبنا الله في السر والعلانية؟ هل انقلبت حياتنا انقلاباً صحيحاً كاملاً لا حظ فيها ولا شركة لغير الإيمان بالله؟ هل تجردنا لهذه الحقيقة؟ هل وقفنا المواقف الإيمانية التي نعمق فيها حقائق الإيمان لتثبت وتصد كل شيء يعتورها أو يجابهها أو يصادمها من أمور القوة أو الغطرسة أو الجبروت أو الطغيان أو الفتنة أو الشهوة أو المال أو الجاه أو غير ذلك؟ أظن كل واحد منا لو سأل نفسه لوجد في الإجابة تقصيراً كثيراً، ولوجد هناك ما يستدعي أن يلوم نفسه، وأن يعاتبها، وأن يحاسبها، وأن يشدد عليها، وأن يحيي معاني الإيمان في قلبه، وأن يتطلب المواطن والمواضع والأعمال والأحوال التي تعيد الحياة إلى قلبه، والنور إلى نفسه، أن يعيد الارتباط بالنبي ﷺ ، وصحابته الكرام، وأهل الإيمان الذين ضربوا لنا الأمثلة الرائعة التي أشرنا إلى بعض منها. نحن -أيها الأحبة- في حاجة إلى إحياء إيماننا إلى تقويته إلى إزالة الشركة التي دخلت مع إيماننا فصارت لنا أهواء غير مقتضيات الإيمان، وصارت رغبات غير رغبات الإيمان، وصارت لنا أهداف وغايات ومطامح وأمور، بل ربما سلوكيات وأعمال لا تتفق معها سلوكيات الإيمان، ولذلك كان أمر الإيمان فاصلاً ومفاصلاً، ومقتضياته واضحة وجلية، وممحصة مميزة. فالله أسأل أن يجعلنا من أهل الإيمان والتقوى، وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله أسأل أن يحفظنا، وأن يعصمنا بالإيمان والتقوى، وبالصلاح والاستقامة والهداية، ونسأله جل وعلا لنا ولكم المزيد من التوفيق والسداد، والثبات على الحق، والجهاد في سبيل الله ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1858

الأسئلة

стр. 1859

الوسائل المعينة على زيادة الإيمان السؤال ما هي الوسائل المعينة على زيادة الإيمان وارتقاء الروح؟ الجواب أحب -أيها الإخوة- أن نكون صرحاء مع أنفسنا، ولذلك أسأل سؤالاً أوجهه إلى نفسي وإليكم: هل نحن نجهل الوسائل التي تزيد الإيمان أم أننا لا نعمل بها؟ في تصوري أن الجواب يتعلق بالشق الثاني لا بالشق الأول، أيجهل أحدنا أن من أسباب زيادة الإيمان الإكثار من الطاعات والنوافل والصلوات في جوف الليل؟ أيجهل أحدنا أن من وسائل زيادة الإيمان دوام الاستغفار وكثرة الأذكار وتلاوة القرآن، وترطيب اللسان بذكر الله ؟ أيجهل أحدنا أن من زيادة الإيمان دوام الدعاء والتذلل لله ؟! أيجهل أحدنا أن من وسائل زيادة الإيمان تذكر الآخرة واستحضار الموت واستعظام الوقوف بين يدي الله ؟ أيجهل أحدنا أن من أسباب تقوية الإيمان زيارة المقابر وتذكر الآخرة؟ أيجهل أحدنا أن المواعظ التي تذكر بالآخرة والآيات التي تذكر بها هي مما يزيد الإيمان؟ أيجهل أحدنا أن الإنفاق وأن الجهاد من زيادة الإيمان وأسباب زيادته؟ أيجهل أحدنا أن من أسباب ضعف الإيمان غفلتنا عن هذه المعاني وارتكابنا للمعاصي؟ أقول: إن أكثرنا إن لم يكن كلنا لا يجهل شيئاً من ذلك، نحن لا نفتقر إلى العلم، بل نفتقر أكثر ما نفتقر إلى العمل، وليس إلى العمل فقط، وإنما إلى استمرار العمل، وليس استمرار العمل فقط، وإنما إلى حقيقة كمال وتأثير العمل، نحن نصلي وقلوب أكثرنا إلا من رحم الله غافلة لاهية، نحن ندعو وأبصارنا تطوف هنا وهناك، وعقولنا تمضي في أودية الدنيا ومشكلاتها ومشاغلها، نحن نقرأ القرآن لكن التدبر قليل لكن التأمل نادر لكن التأثر محدود. فإذاً: ينبغي أيها الإخوة! أن يواجه كل منا نفسه: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]، وانظر أخي إلى مواطن تعلم من نفسك فيها تأثراً إيمانياً، وصفاء روحانياً، فانظر إليها أين تكون، والزمها حتى لا تفوتك، ألست في بعض الأحوال تسمع من يذكرك بالآخرة ويشتد عليك ويذكر الآيات فتتأثر ويلين قلبك، وتدمع عينك؟ إذاً: فقد عرفت فالزم، ألست ترى في بعض الأحوال كما يكون أحياناً في رمضان، ومع جمع الناس، ومع كثرة الصلاة والتلاوة أنك سريع العبرة، كثير التذكر، حاضر القلب؟ قد رأيت ذلك، وقد لمسته، وقد عرفته وذقته، فما بالك تتخلى عنه؟ إنه ضعف العزيمة، إنه الانشغال بالدنيا، إنه عدم وجود المذكرات والمرغبات والملزمات التي نتواصى بها فيما بيننا، فنحن كما قلت: لا نجهل، ولكننا لا نعمل، والله أسأل أن يبرئنا من هذه العيوب وأن يحيي قلوبنا ويزيد إيماننا.

стр. 1860

كلمة توجيهية لمن يقعون في الذنوب والمعاصي السؤال نريد توجيه الناس إلى ما يفعلونه تجاه ما يحصل لهم من الفتن والظلم والبلاء والوباء والغلاء والفواحش في كلمة جامعة، فجل الناس يشكون من هذا؟ الجواب هذا كلام حق، فقد كثرت الفتن، وأطلت برءوسها، وتعددت الشبهات، وتغيرت أسماؤها وألوانها، وقد كثرت صور الفساد والفواحش في كثير من البلاد والعباد، ولا شك أن هذا يستلزم مزيداً من التوقي والتحصن ومزيداً من العمل والاجتهاد. فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم والرسول ﵊ بين أظهرهم والقرآن يتنزل عليه، والبيئة نقية طاهرة نظيفة ليس فيها لغط من القول، ولا فاحش من الفعل، ولا منكر من الأحوال، ولا ظهور بالآثام، ومع ذلك كان الواحد منهم يخشى الذنب والغفلة، كأنما هو محاط بها وغارق فيها، وموجهة إليه سهامها، إذا كان هذا حالهم فما ينبغي أن يكون حالنا! الحق أننا نحتاج أولاً إلى الوقاية من الواردات التي ترد على الأسماع والأبصار، وترد على الأفكار، لأنها تخلص إلى القلب، فتضعف الإيمان، وتزرع الشك، وتبذر بذور الشهوة الآثمة المحرمة، فاصرف بصرك عما حرم الله، وصم أذنك عما حرم الله، وامنع فكرك أن يفكر في غير ما أحل الله حتى تحفظ نفسك أولاً، ومن جميل كلام ابن القيم أنه قال: دافع الخطرة، أي: خاطر السوء الآثم من البداية، فحاول أن تجعل الحواجز وأسباب الوقاية، فإن لم تفعل صارت فكرة تعشعش في رأسك وفي عقلك، فدافعها، فإن لم تفعل صارت شهوة، أي: نزلت إلى قلبك وتمكن حبها منه، فحاربها؛ لأن المسألة تحتاج إلى مدافعة، فإن لم تفعل صارت همة وعزيمة، فحاربها وامنعها، فإن لم تفعل وقعت في الذنب، فتداركه بضده، أي: التوبة والاستغفار، فإن لم تفعل صار عادة يصعب عليك الانتقال عنها. فينبغي أن نأخذ بأسباب الاحتياط، فلا تجعل سمعك وبصرك وفكرك مفتوحاً لهذه الأمور، ثم تشكو بعد ذلك: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
следующие страницы →