← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

مراقبة الله محك اختبار لقوة الإيمان ثالث هذه الآثار: وهو الذي نختم به حديثنا، هو الأمر العظيم في يقظة الضمير ومراقبة الله : فالمراقبة هي التي تجعل الإنسان في مشهده ومغيبه في ظاهره وباطنه في سره وعلانيته، على مقتضى ما يحب الله ، هذه اليقظة الإيمانية هي التي حكمت قلوب المؤمنين فعرف كل منهم الحق الذي له فلم يتجاوزه، وعرف كل منهم الواجب الذي عليه فلم يقصر فيه، فما وجد اعتداء، ولا وجدت خيانة، ولا وجدت مراوغات، ولا وجدت صور أخرى من صور فساد الحياة؛ لأن الناس كانوا يراقبون الله ، فيصدقون إذا صدقوا لأجل الله، ويحرصون على الإتقان في أعمالهم لوجه الله، وكل حياتهم فيها استشعار لمراقبة الله ، بل ربما كان بعضهم إذا كان خالياً بنفسه منفرداً لوحده أكثر احتياطاً وشدة مع نفسه، وتربية لها وتذليلاً لها بين يدي الله منه أمام الناس، وكان كل منهم يستيقن بذلك يقيناً ظاهراً واضحاً بيناً يملك عليه نفسه، والأمثلة أيضاً في ذلك كثيرة؛ وكما قال القائل في هذا الشأن: ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكذلك سئل بعض السلف عن غض البصر، كيف الطريق إليه؟ فقال: علمك بأن نظر الله إليك أسبق منك من نظرك إلى ما حرم عليك، يعني: أن تعلم وأن توقن أن الله مطلع عليك، وناظر إليك قبل أن تنظر إلى ما حرم الله عليك. وهكذا كان هذا الإيمان مملكة كاملة تحكم ضمير المؤمن فلا يتجاوز حداً من حدود الله، ولا يرتكب شيئاً من معاصي الله إلا غفلة أو سنة ثم يعود، وهذا من طبيعة الفطرة الإنسانية البشرية، لكن هذه اليقظة الإيمانية هي التي أوجدت الأمثلة الرائعة الرائدة في حياة الأمة الإسلامية، كما ورد في بعض كتب السير والتراجم: أن أبا بكر ﵁ اتخذ عمر قاضياً يقضي بين الناس إذا اختلفوا، فما أتاه أحد، ولا اختلف عنده أحد، ولا احتكم إليه أحد، وقال عمر: (ما حاجتي إلى قوم عرف كل منهم الذي عليه فأداه، وعرف الذي له فلم يتجاوزه). وهكذا نعلم قصة المسلم من جيش القادسية، رجل من غبراء الناس لم يذكر له اسم، ولا عرف بميزة، أرسله سعد ليبشر عمر بفتح القادسية، وأرسل معه ما أخذ من إيوان كسرى ملك الفرس، وماذا كان فيه؟ كان فيه التاج والذهب واللؤلؤ والجوهر، وأشياء مما لم تكن تخطر على بال أولئك المسلمين الذين عاشوا حياة شظف وبادية ليس فيها شيء من هذا الترف. فجاء هذا المسلم البسيط من أقصى شمال الجزيرة إلى المدينة وعنده هذه الثروة العظيمة! لم تحص عليه، ولم تدرج عليه، ولم يوقع باستلامها، ولم يدخل في بوابات لتفتش جيوبه، وإنما سلمت له هكذا، ومضى بها في هذا الطريق الطويل، وقدم بها على عمر ﵁ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! إن سعداً يبلغك السلام، ويبشرك بنصر الإسلام والمسلمين، وهذا ما في إيوان كسرى. فنظر عمر إلى هذا فاستعظمه واستكثره، ثم بكى وقال: (إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقيل: لقد عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا). هذا رجل من عامة الناس ليس مشهوراً، ليس مذكوراً، ليس معروفاً، فهذا نموذج لمن كان الإيمان يحكم حياته ويقوم مراقبته في كل شأن من شئون الحياة، وهكذا تجد أمثلة كثيرة ليس هذا هو مقام ذكرها، وإنما أردت أن أبين أن هذه الآثار الثلاثة من أعظم الآثار التي تميز إيمان المؤمن، وتمحصه وتبين حقيقة موقفه.

стр. 1857

تذكرة وعبرة وإذاً: عندما نتحدث مثل هذا الحديث -أيها الإخوة الأحبة- إنما نجعله تذكرة لأنفسنا، ومراجعة لحساباتنا، هل استولى الإيمان على قلوبنا؟ هل حكم مشاعرنا في محبتنا ومودتنا وبغضنا وكرهنا؟ هل ضبط ألفاظ ألسنتنا وكلماتنا؟ هل حكم سلوكنا؟ هل ظهرت الآثار فآثرنا الأخرى على الدنيا؟ هل تحققنا بأثر الإيمان فراقبنا الله في السر والعلانية؟ هل انقلبت حياتنا انقلاباً صحيحاً كاملاً لا حظ فيها ولا شركة لغير الإيمان بالله؟ هل تجردنا لهذه الحقيقة؟ هل وقفنا المواقف الإيمانية التي نعمق فيها حقائق الإيمان لتثبت وتصد كل شيء يعتورها أو يجابهها أو يصادمها من أمور القوة أو الغطرسة أو الجبروت أو الطغيان أو الفتنة أو الشهوة أو المال أو الجاه أو غير ذلك؟ أظن كل واحد منا لو سأل نفسه لوجد في الإجابة تقصيراً كثيراً، ولوجد هناك ما يستدعي أن يلوم نفسه، وأن يعاتبها، وأن يحاسبها، وأن يشدد عليها، وأن يحيي معاني الإيمان في قلبه، وأن يتطلب المواطن والمواضع والأعمال والأحوال التي تعيد الحياة إلى قلبه، والنور إلى نفسه، أن يعيد الارتباط بالنبي ﷺ ، وصحابته الكرام، وأهل الإيمان الذين ضربوا لنا الأمثلة الرائعة التي أشرنا إلى بعض منها. نحن -أيها الأحبة- في حاجة إلى إحياء إيماننا إلى تقويته إلى إزالة الشركة التي دخلت مع إيماننا فصارت لنا أهواء غير مقتضيات الإيمان، وصارت رغبات غير رغبات الإيمان، وصارت لنا أهداف وغايات ومطامح وأمور، بل ربما سلوكيات وأعمال لا تتفق معها سلوكيات الإيمان، ولذلك كان أمر الإيمان فاصلاً ومفاصلاً، ومقتضياته واضحة وجلية، وممحصة مميزة. فالله أسأل أن يجعلنا من أهل الإيمان والتقوى، وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله أسأل أن يحفظنا، وأن يعصمنا بالإيمان والتقوى، وبالصلاح والاستقامة والهداية، ونسأله جل وعلا لنا ولكم المزيد من التوفيق والسداد، والثبات على الحق، والجهاد في سبيل الله ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1858

الأسئلة

стр. 1859

الوسائل المعينة على زيادة الإيمان السؤال ما هي الوسائل المعينة على زيادة الإيمان وارتقاء الروح؟ الجواب أحب -أيها الإخوة- أن نكون صرحاء مع أنفسنا، ولذلك أسأل سؤالاً أوجهه إلى نفسي وإليكم: هل نحن نجهل الوسائل التي تزيد الإيمان أم أننا لا نعمل بها؟ في تصوري أن الجواب يتعلق بالشق الثاني لا بالشق الأول، أيجهل أحدنا أن من أسباب زيادة الإيمان الإكثار من الطاعات والنوافل والصلوات في جوف الليل؟ أيجهل أحدنا أن من وسائل زيادة الإيمان دوام الاستغفار وكثرة الأذكار وتلاوة القرآن، وترطيب اللسان بذكر الله ؟ أيجهل أحدنا أن من زيادة الإيمان دوام الدعاء والتذلل لله ؟! أيجهل أحدنا أن من وسائل زيادة الإيمان تذكر الآخرة واستحضار الموت واستعظام الوقوف بين يدي الله ؟ أيجهل أحدنا أن من أسباب تقوية الإيمان زيارة المقابر وتذكر الآخرة؟ أيجهل أحدنا أن المواعظ التي تذكر بالآخرة والآيات التي تذكر بها هي مما يزيد الإيمان؟ أيجهل أحدنا أن الإنفاق وأن الجهاد من زيادة الإيمان وأسباب زيادته؟ أيجهل أحدنا أن من أسباب ضعف الإيمان غفلتنا عن هذه المعاني وارتكابنا للمعاصي؟ أقول: إن أكثرنا إن لم يكن كلنا لا يجهل شيئاً من ذلك، نحن لا نفتقر إلى العلم، بل نفتقر أكثر ما نفتقر إلى العمل، وليس إلى العمل فقط، وإنما إلى استمرار العمل، وليس استمرار العمل فقط، وإنما إلى حقيقة كمال وتأثير العمل، نحن نصلي وقلوب أكثرنا إلا من رحم الله غافلة لاهية، نحن ندعو وأبصارنا تطوف هنا وهناك، وعقولنا تمضي في أودية الدنيا ومشكلاتها ومشاغلها، نحن نقرأ القرآن لكن التدبر قليل لكن التأمل نادر لكن التأثر محدود. فإذاً: ينبغي أيها الإخوة! أن يواجه كل منا نفسه: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]، وانظر أخي إلى مواطن تعلم من نفسك فيها تأثراً إيمانياً، وصفاء روحانياً، فانظر إليها أين تكون، والزمها حتى لا تفوتك، ألست في بعض الأحوال تسمع من يذكرك بالآخرة ويشتد عليك ويذكر الآيات فتتأثر ويلين قلبك، وتدمع عينك؟ إذاً: فقد عرفت فالزم، ألست ترى في بعض الأحوال كما يكون أحياناً في رمضان، ومع جمع الناس، ومع كثرة الصلاة والتلاوة أنك سريع العبرة، كثير التذكر، حاضر القلب؟ قد رأيت ذلك، وقد لمسته، وقد عرفته وذقته، فما بالك تتخلى عنه؟ إنه ضعف العزيمة، إنه الانشغال بالدنيا، إنه عدم وجود المذكرات والمرغبات والملزمات التي نتواصى بها فيما بيننا، فنحن كما قلت: لا نجهل، ولكننا لا نعمل، والله أسأل أن يبرئنا من هذه العيوب وأن يحيي قلوبنا ويزيد إيماننا.

стр. 1860

كلمة توجيهية لمن يقعون في الذنوب والمعاصي السؤال نريد توجيه الناس إلى ما يفعلونه تجاه ما يحصل لهم من الفتن والظلم والبلاء والوباء والغلاء والفواحش في كلمة جامعة، فجل الناس يشكون من هذا؟ الجواب هذا كلام حق، فقد كثرت الفتن، وأطلت برءوسها، وتعددت الشبهات، وتغيرت أسماؤها وألوانها، وقد كثرت صور الفساد والفواحش في كثير من البلاد والعباد، ولا شك أن هذا يستلزم مزيداً من التوقي والتحصن ومزيداً من العمل والاجتهاد. فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم والرسول ﵊ بين أظهرهم والقرآن يتنزل عليه، والبيئة نقية طاهرة نظيفة ليس فيها لغط من القول، ولا فاحش من الفعل، ولا منكر من الأحوال، ولا ظهور بالآثام، ومع ذلك كان الواحد منهم يخشى الذنب والغفلة، كأنما هو محاط بها وغارق فيها، وموجهة إليه سهامها، إذا كان هذا حالهم فما ينبغي أن يكون حالنا! الحق أننا نحتاج أولاً إلى الوقاية من الواردات التي ترد على الأسماع والأبصار، وترد على الأفكار، لأنها تخلص إلى القلب، فتضعف الإيمان، وتزرع الشك، وتبذر بذور الشهوة الآثمة المحرمة، فاصرف بصرك عما حرم الله، وصم أذنك عما حرم الله، وامنع فكرك أن يفكر في غير ما أحل الله حتى تحفظ نفسك أولاً، ومن جميل كلام ابن القيم أنه قال: دافع الخطرة، أي: خاطر السوء الآثم من البداية، فحاول أن تجعل الحواجز وأسباب الوقاية، فإن لم تفعل صارت فكرة تعشعش في رأسك وفي عقلك، فدافعها، فإن لم تفعل صارت شهوة، أي: نزلت إلى قلبك وتمكن حبها منه، فحاربها؛ لأن المسألة تحتاج إلى مدافعة، فإن لم تفعل صارت همة وعزيمة، فحاربها وامنعها، فإن لم تفعل وقعت في الذنب، فتداركه بضده، أي: التوبة والاستغفار، فإن لم تفعل صار عادة يصعب عليك الانتقال عنها. فينبغي أن نأخذ بأسباب الاحتياط، فلا تجعل سمعك وبصرك وفكرك مفتوحاً لهذه الأمور، ثم تشكو بعد ذلك: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس

стр. 1861

بيان مرتبة إنكار المنكر بالقلب السؤال قول النبي ﷺ : (فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فهل الإنكار بالقلب دليل على ضعف الإيمان؟ الجواب هو دليل أولاً على وجود الإيمان، وهو كذلك دليل على رتبة في الإيمان أدنى من غيرها؛ لأن هذه مسألة مهمة يرى بعض الناس أو يظن أو يتوهم أن إنكار القلب لا شيء، وهذا خطأ مخالف لحديث النبي ﷺ ، فالنبي قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره) فكل ما ذكر في الحديث من أسباب التغيير: يغيره بيده بلسانه بقلبه فإذاً: الإنكار بالقلب نوع من التغيير، قد يقول قائل: وكيف يكون نوعاً من التغيير ولم تنطق به لسان، ولم تتحرك به يد؟ أقول: أولاً لا بد أن نوقن بحديث النبي ﷺ ونؤمن به، ولسنا في شك من هذا، فهو قد أثبت الإيمان للمنكر بقلبه، وأثبت وجود التغيير وحقيقة الإنكار للمنكر بالقلب، وإن كان الإنكار باللسان أو باليد بحسب الإمكان أقوى وأعظم، كيف يكون الإنكار بالقلب مؤثراً؟ أولاً: أعظم أثر له أنه يحفظ الإيمان في قلبك؛ لأن النبي ﷺ قال: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) إذا لم يتغير قلبك وينكر فقد برئ منك الإيمان إلا أن يشاء الله شيئاً، ولذلك قال النبي ﷺ : (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)، وفي بعض الأحاديث الأخرى: (ولكن من رضي وتابع) أي: من وافق وأحب، وهذا فرقان ما بين أهل الإيمان وأهل النفاق، قد يسكت اثنان عن أمر فلا ينكرانه بلسان، ولا يغيرانه بيد، لكن أحدهم في قلبه حزن وألم وضيق وتبرم لهذا المنكر، وذاك فرح به سعيد، يتمنى لو ارتكب المنكر بنفسه، فهذا فرق عظيم غير ظاهر للناس، ولكنه معلوم عند الله . وأمر آخر: أن القلب إذا تغير فأنكر انقبض عن صاحبه المنكر، فكان هناك نوع مجافاة أو اعتزال، فيرى صاحب المنكر أن القلوب منه نافرة، وأن النفوس عنه منقبضة، وأن الوجوه في وجهه مكشرة، فيجعله ذلك محاصراً حصاراً نفسياً يدفعه إلى أن يترك المنكر ليكون مع الناس.

стр. 1862

علاقة الهموم والغموم بضعف الإيمان السؤال كثيراً ما تتنازع الإنسان الهموم والغموم، فهل هذا من ضعف الإيمان؟ الجواب ليس على إطلاقه، فإذا كان همك بالإسلام، وغمك على أحوال المسلمين، وضيق صدرك لأنك لا تستطيع أن تؤدي الواجبات كما فرضت عليك، ولأنك تريد أن تعمل بالدعوة والجهاد ولكنك لا تستطيع، فهذا همٌّ جيد وحسن، وهو همّ مطلوب يذكي حرارة الإيمان في القلب ويشعل جذوتها في النفس، وهذا أمر مطلوب، ولقد كان النبي ﷺ أعظم الناس حملاً لهم الدعوة والإسلام، حتى قال الله في شأنه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] أي: لعلك مهلك نفسك وراءهم تريد إيمانهم، وترغب في إسلامهم، وتحزن لضلالهم. وقد كان كذلك النبي ﷺ ، وكان في نفسه وقلبه من الرأفة والرحمة والشفقة على الناس ما يريد به الخير لهم كلهم، وقد قال عن نفسه ﵊: (مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعل الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم من النار) وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن. أما إذا كان مهموماً لأنه لم ينل الترقية، أو مهموماً لأنه نقص راتبه أو لكذا فهذا لا شك أنه هم دنيوي دنيء ينبغي أن يستعلي المسلم بإيمانه عن هذا. ولا شك -أيها الإخوة- أن هناك أموراً فطرية بشرية؛ الإنسان قد يفقد عزيزاً يموت فيحزن ويغتم، وهذا شيء لا شيء فيه، فقد قال النبي ﷺ : (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)، وإن الإنسان قد تقع به المصيبة أو تمر به الضائقة فينشغل بها فكره، ويقع في قلبه بعض الهم، فلا شيء في ذلك في أمر الحياة وفي الناحية البشرية الفطرية، لكن أن يكون كل همه دنياه ومشاغله، وأمواله وتجاراته، وكل حزنه على ما يفوته من هذه الدنيا، فلا شك أن ذلك من صور ضعف الإيمان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1863

السيرة العمرية [١] عمر ﵁ هو ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وشهيد المحراب، وقرين النبي ﷺ وأبي بكر في الحياة وبعد الممات؛ كان إسلامه عزة للإسلام والمسلمين، ومناقبه وفضائله كثيرة مشهورة، فيجب علينا إحياء سيرته ﵁؛ لتتجدد في هذا الجيل المعاني التي كانت في سيرته ﵁.

стр. 1864

أحوال المسلمين في هذا الزمان الحمد لله، الحمد لله الكريم المنان، دعا إلى الطاعة والإيمان، وأمر بالعدل والإحسان، جعل لكل شيء قدراً، وكتب لكل حي أجلاً، أحمده هو أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بعثه كافة للناس أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! لا شك أن أوضاع المسلمين وأحوال مجتمعاتهم تنبئ عن وجود مفارقات ومخالفات، ويظهر من خلالها ذلك البعد عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ويتفاوت ذلك من بلد إلى بلد ومن فرد إلى فرد، وبقدر هذا التفاوت وبمقدار ذلك البعد يكون العناء والشقاء، وتكون الذلة، ويقع الصغار، وبقدر ما تعود الأمة إلى كتاب ربها، وتسعى إلى تتبع هدي نبيها ﷺ ، بقدر ما ترجع إليها عزتها المفقودة، وهيبتها الضائعة، وقوتها المبددة. ونحن في هذا الزمن الذي فشا فيه الظلم في كثير من البلاد، وجثم على صدور معظم العباد، تتلهف النفوس إلى العدل الذي يطمئنها، ويدخل عليها السرور. ونحن في هذا الزمن الذي رق فيه الدين، وضعف فيه اليقين عند كثير من المسلمين، تتلهف قلوبنا إلى نماذج من اليقين الراسخ والإيمان الصادق. ونحن في هذا الزمن الذي سرى فيه الضعف، وفشا فيه الكسل، ودب بين كثير من أبناء الأمة الخور، نتلفت لنرى صور القوة الإيمانية، ونبحث عن صور العزة الإسلامية. ونحن في هذا الزمن الذي كثرت فيه المداهنة، وانتشر النفاق، نبحث عن صورة الحزم والعزم والجد والمفاصلة في دين الله . ونحن في هذا الزمن الذي ضُيعت فيه الأمانة، وغابت فيه المسئولية؛ حتى غدت المسئوليات أموراً ملهيات وأموراً مغريات، وأصبحت تعتمد على المجاملات، نبحث عن صورة المسئولية في نموذجها الإيماني الذي يراقب الله ، ويحرص على مصلحة الأمة. ونحن في ظل هذه الصور من التخلف والمخالفة لأمر الله نحتاج إلى النماذج التي تذكرنا بمنهج الإسلام، وتذكرنا بتربية محمد ﷺ ، وتذكرنا بالتاريخ العريق الذي ضرب فيه المسلمون أروع الأمثلة على شمول هذا الدين وكماله، وعلى تنظيمه لشئون الدنيا ورعايته لأمور الآخرة في المجتمع الإسلامي الذي يرفع شعاراً إسلامياً في كل أمر من أمور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، نحن نريد نماذج من مدرسة النبوة.

стр. 1865

ذكر بعض فضائل عمر بن الخطاب ﵁ عندما كنت أتصفح بعض هذه النماذج رأيت نموذجاً أرى أنه النموذج الذي يعد قمة شامخةً من قمم الإسلام السامقة، تحنو أمامه كل الهامات التي ترتفع غروراً، وكل العظمة التي تنتفخ وليس لها أصل ولا فصل، وعندما نتأمل في هذه السيرة وفي تلك الشخصية نجد كثيراً من الحنين والشوق إليها؛ لما ضاع من معانيها ومعالمها في حياتنا. إنها معالم السيرة العمرية؛ سيرة الفاروق ﵁، ثاني خلفاء هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ ، نتحدث دائماً ويتردد في آذاننا نبأ العدل العمري، وقصص الحزم العمري، وفصل القول العمري، ونعرف قصة الدرة العمرية، ونعرف العسس بالليل في سيرة عمر، وهكذا أموراً وأموراً كثيرة أخرى، فعندما طالعت بعض هذه المواقف رأيت أنني أنشد إليها شداً، وأنجذب إليها جذباً؛ لأنه بقدر ما يكون فيك من فراغ وضعف بقدر ما تنجذب إلى القوي، ونحن اليوم تغيب عنا كثير من معالم السيرة العمرية في العدل والحزم والجد والمسئولية والورع والتواضع والقوة في الدين؛ فأحببت أن يكون لنا من السيرة العمرية ذكرى نحيي بها ما مات من هذه المعالم والمعاني في عقولنا وقلوبنا، ونتذكرها لتكون واقعاً حياً في حياتنا، وعندما نقول: عمر ﵁، وعندما نذكر الفاروق ﵁ فليس لنا أن نتحدث عنه بألسنتنا، وليس عندنا من قدرة مهما رأينا من عظمته ومهما رأينا من سبقه وقوته ونصرته لدين الله ليس في أساليبنا ولا في بلاغتنا ولا في إمكاننا أن نصف عمر بمثل ما وصفه به رسول الله ﷺ ، وبمثل ما نطق به الصديق أبو بكر ﵁، وبمثل ما قال عثمان وعلي وصحابة رسول الله ﷺ ، إننا في الحقيقة عندما نتحدث عن عمر بألسنتنا نجهل قدر عمر، ونغض من مكانته، وإذا أردنا أن نعرفه أو أن نهيئ القلوب لتلقي سيرته أو أن نحيي في نفوسنا ما مات من هذه المعاني العزيزة، فلنستمع إلى قول الرسول ﷺ في عمر المبشر بالجنة، ففي الحديث الصحيح عند البخاري أنه ﵊ قال: (بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقيل: لـ عمر بن الخطاب ﵁ فأسرعت بعيداً منه، وتذكرت غيرتك يا عمر! فبكى عمر ﵁، وقال: أمنك أغار يا رسول الله؟!)، إنها صورة تمثل لنا تلك الشخصية في وصف النبي ﷺ ، وهو يعبر عن هيبته من غيرة عمر ومن حياء عمر ومن قوة عمر، وذلك في المنام في رؤيا يرى فيها قصراً لـ عمر في الجنة تتوضأ إلى جانبه امرأة. وقد روي أن النبي ﷺ كان عنده في يوم من الأيام نساء من قريش -ذكر بعض أهل الحديث أنهن من أزواجه- وكن يتحدثن إليه، وتعلو أصواتهن بين يديه، فدخل عمر ﵁، فانقمعن، وابتدرن إلى حجبهن فقال: يا عدوات أنفسكن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: نعم؛ فإنك فظ غليظ، ورسول الله ﷺ ليس كذلك -وما كانت فيه فظاظة، ولكنه حزم، وما كانت فيه غلظة، ولكنها قوة وهيبة- فلما رأى ذلك النبي الكريم ﷺ تبسم وضحك ﵊، وقال: (إيهٍ يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده! ما لقيك الشيطان قد سلكت فجاً قط إلا سلك فجاً غيره). عجباً لهذه القوة، ولتلك الهيبة، ولذلك الإيمان، ولتلك العظمة التي فرق منها إبليس الذي أقسم بأن يغوي بني آدم، وأن يقعد لهم بكل صراط، وأن يقف لهم على كل ناصية، وأن يكون مقدماً لهم في كل ميدان من ميادين الشر، فإذا به ينقمع عن عمر، وإذا به يخشى الفاروق، وإذا به يفرق من الفاروق ﵁، هكذا قال الرسول ﷺ . وجاء أن عمر قال: من يحدثنا حديث الفتن؟ فقال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين! فقال: إنك والله! لجريء، قال حذيفة: (سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة الرجل في أهله وماله وأنها يكفرها الصلاة، قال: لست عن هذا أنشدك، وإنما أسألك عن الفتن التي تموج كموج البحر، فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها باباً -أي: ليست في زمانك ولا في عهدك، ولا يمكن أن ترفع رأسها وبيدك سيفك ودرتك، ولا يمكن أن يظهر صوتها وصوتك بالحق جاهر- فقال عمر ﵁: أيفتح أم يكسر يا حذيفة؟ قال: بل يكسر يا أمير المؤمنين! قال: فإذاً لا يغلق، فقيل لـ حذيفة: أكان عمر يعلم ما الباب؟ فقال: نعم، فهبنا أن نسأله، حتى سأله بعض منا خفية، فقال: الباب عمر. ﵁ وأرضاه). لقد كان يفر منه الشيطان، وتفر منه الفتنة، وينخنس الظلم، ويتوارى الضعف، فكان ﵁ وأرضاه مجمعاً لخصال من الخير عظيمة. وهذا أنس ﵁ -كما في مسند الإمام أحمد - يروي عن النبي ﷺ أنه قال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ﵁، وأشدهم في دين الله عمر). عمر ذاك الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، ذاك الذي لا تعرف المداهنة والنفاق إليه سبيلاً، ذاك الذي لا تعرف الشفاعة بغير الحق إليه طريقاً، فهل عرفنا من هو عمر بهذه الأقوال اليسيرة من بعض مناقبه الكثيرة ﵁؟ إننا عندما نتحدث عن عمر نتحدث عن قول علي ﵁ في مفهوم حديث الفتنة الذي ذكرته، فإنه قال: (إن موت عمر ثلمة في الإسلام لا تُسد إلى يوم القيامة)، ولقد كان علي ﵁ صادقاً مصدقاً في لهجته ﵁ وأرضاه. وهاهو علي ﵁ -كما في مسند الإمام أحمد - يقول على ملأ من أصحابه، في الزمن الذي ظهرت فيه الفتن، وغلا في علي ﵁ من غلا، فأراد أن يرد الناس إلى الجادة، وأن يعلمهم الصواب، وأن يعرفهم مقادير الرجال، فصاح في صحبه: (ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ؟ قالوا: بلى، قال: أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. ثم صاح مرة أخرى: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر ﵁؟ قالوا: بلى، قال: عمر بن الخطاب ﵁، فليمت بغيظه كل شانئ لـ عمر ﵁. وفي بعض الروايات: (أن النبي ﷺ خرج يوماً وعن يمنيه أبو بكر وعن يساره عمر، ثم قال: هكذا نبعث يوم القيامة). ويوم اهتز أحد قال: (اسكن أحد؛ فما فوقك إلا نبي وشهيد وصديق)، هكذا كان عمر ﵁. وهذه بعض الملامح والمعالم التي تهيئنا بأن نطيل الحديث في سيرة عمر، وأن نستخرج المخبوء من الكنوز المشعة المضيئة والمعاني العظيمة والدروس الكثيرة في سيرة عمر ﵁.

стр. 1866

ذكر بعض وصايا عمر ﵁ نحن اليوم نرى الناس في عصرنا قد مالوا إلى الدنيا، وشغلت بها عقولهم، وانخطفت من بريقها أبصارهم، وتعلقت بحبها قلوبهم، يوم نرى ذلك نسمع قول عمر يدوي في سمع الزمان، ويصب في قلب كل مسلم ذي إيمان، وهو يقول: (إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم؛ فإن كل محب يخوض فيما أحب). وعندما نرى ذلك التميع والترخص والخور والضعف والتكاسل والتماوت الذي سرى في كثير من أبناء الأمة الإسلامية، بل في المتصدرين من قوادها وزعمائها، نستمع إلى قول عمر في حكمة موجزة، وكلمات بليغة معبرة سطرها في تاريخه الكريم، في تاريخه الوضيء وهو يقول: (إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف، والقوي في غير عنف). لقد أرسلها حكمة، وطبقها واقعاً، فساس الأمة أعظم سياسة، وكان لها في عهده عظمة لا منتهى لها، حينما دك عروش كسرى وعروش قيصر، وحينما ذهبت جيوش الإسلام تفتح الأمصار، ثم يمضي الخليفة ﵁ وأرضاه يمشي برجليه، ويركب على جمله؛ يتناوب مع غلام له، خرج من مدينة رسول الله ﷺ يشق الصحراء إلى شمال الجزيرة؛ ليأخذ بيده مفاتيح بيت المقدس، ويفتحها باسم الله، ويرفع فيها ذكر الله . هكذا كان عمر ﵁، وهذا بعض ما يهيئنا إلى سيرته، وعندما نرى في واقعنا كثرة الجدل وقلة العمل نسمع عمر ﵁ وهو يدعو قائلاً: (رحم الله امرأً أمسك فضل القول، وقدم فضل العمل)، فنحن أمة قوالة؛ تجيد كثيراً فن الخطب وتكثر كثيراً من الكلام مكتوباً ومقروءاً، مسجوعاً ومنثوراً ومنظوماً، ثم ليس لها في ميدان العمل إلا النزر القليل الذي لا يقدم متأخراً ولا يحرك ساكناً، إلا ما رحم الله، أما عمر فكان قليل الكلام كثير العمل ﵁ وأرضاه. وعندما نرى الأمانة التي ضُيعت والمسئولية التي غيبت نسمع عمر يخشى أن يُسأل عن بغلة تعثر في أرض العراق: لِمَ لم يسو لها الطريق؟ ونحن نعلم عمر وهو يعس في الليل؛ لينظر هل من شاكٍ أو من باكٍ أو محزون، ونذكر واقع الأمة اليوم ونسمع عمر وهو ينادي في سمع الزمان: (من استعمل رجلاً لمودة أو قرابة لا يحمله على استعماله إلا ذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ومن استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله)، وعندما يكثر اللغط واللغو، وتمتلئ المجالس بذكر السوءات وتلمس العثرات تأتينا مقالة عمر وهي نصيحة أثمن من الذهب والألماس وكل ما يغلو ويعز في هذه الدنيا وهو يقول لنا: (إياكم والحديث عن الناس! فإنه داء، واشغلوا أنفسكم بذكر الله؛ فإنه دواء).

стр. 1867

فائدة معرفة سيرة عمر ﵁ أيها الأحبة! بمثل هذه المقالات اليسيرة أشوقكم لأشتاق معكم ونمضي لنتلمس كل مَعْلَم من معالم سيرة عمر على حدة؛ حتى نجدد مثل هذه المعاني والمعالم؛ لأن أمتنا اليوم قد تغيرت أحوالها كثيراًَ؛ فتحتاج إلى مثل هذه السيرة، وقد حل بها ما حل مما يصفه الواصفون، ويطنب فيه المطنبون، ويفيض فيه الشعراء والأدباء، حتى قال قائلهم في وصف أبناء هذه الأمة وما حل بها من نكبات وما شغلوا به مع ذلك كله من الترهات: ديست كرامتهم واحتل موطنهم وأنفهم راغم في الوحل ممدود وهم إلى اللهو سباقون غايتهم هز الخواصر والأوتار والعود هذا فتىً تائه والعشق ديدنه وذاك صب أسير القلب معمود وثالث طيف ليلاه يؤرقه وتستبد به أجفانها السود وهؤلاء أضاعوا العمر في سفه وآخرون سكارى أو عرابيد أولئك الذين ضلوا من أبناء أمتنا أولئك الذين ضاعوا وغفلوا كيف لنا أن نعيدهم؟! وأن نذكرهم؟! وأن نسعى نحن وهم؟! وأن نتلمس خطا عمر الذي كان واحداً من مدرسة النبوة على منهج الإسلام وبتربية محمد ﷺ ؟! نريد أن نذكر أنفسنا ونذكر مجتمعاتنا وأمتنا حتى تتجدد في الجيل الجديد هذه المعاني والمعالم، كما قال الشاعر: فمن يذكر أبناء العروبة والإسـ ـلام بالعز والإكرام والغلب ومن يقص عليهم ماضياً عطراً ومن يذكرهم بالفتية النجب ومن يعلمهم أن البطولة في إجادة الطعن لا في جودة الخطب وأن دينهم الغلاب منذ أتى لم يقبل العيش بين اللهو والطرب وأن آباءهم سادوا الورى زمناً بالكد والجد لا بالنوم واللعب هذا الذي أرت أن أحييه في نفسي وفي نفوسكم، وأن أذكر به نفسي وإياكم، فالله أسال أن يجدد لنا سيرة الخلفاء الراشدين، وصحب محمد ومن كان معهم من التابعين. والله أسأل أن يلزمنا هدي نبيه ﷺ ، وأن يلزمنا كتابه. والله أسال أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1868

قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى العمل والاجتهاد في نصرة دين الله ، وتتبع آثار السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. أيها الإخوة الكرام! إنما أردت في هذا المقام أن أهيج القلوب والنفوس إلى سيرة رجل من رجال الإسلام، عاش ثلاثين عاماً في الجاهلية في ظلماتها، فكان نسياً منسياً، وكان ظلماً وظلاماً، ثم أشرق قلبه بالإيمان، فدخل تاريخ البشرية كله، ورفع راية العدل في ربوع الأرض، ونشر نور الإسلام، وأدخله في قلوب ونفوس كثير من الناس بإذن الله . كان عمر في الجاهلية نسياً منسياً، فعاد بعد الإسلام ذكراً مجيداً عاطراً. كان عمر ﵁ في الجاهلية من أشد الناس وأغلظهم وأفظهم، ثم إذا هو في شأن الإيمان والخشية والتقوى من أرقهم في دين الله ، وكان ذا قوة وشكيمة، فإذا به يجعلها قوة في دين الله، وحراسة لدين الله، وحماية لعباد الله، هكذا كان عمر في جاهليته، لم يكن فيه من الصفات والمزايا غير أن خيراً كان يستقر في نفسه، وكانت فيه خلال تتوارى في ظلمات الجاهلية، فاستخرجها الإسلام، وفتح لها الآفاق، ورباها محمد ﷺ حتى عظمت كأعظم ما تكون الجبال. فهذه أم عبد الله بنت حنتمة -وهي من المسلمات المهاجرات- كانت تعد عدتها من أجل الهجرة إلى الحبشة، يوم أن كان عمر ما يزال يرسف في أغلال الجاهلية، وكان من أشد كفار قريش على أهل الإسلام، فأتى عمر ﵁ ودارت في ذهنه أول خاطرة من الخواطر المهيئة لإسلامه: كيف يخرج هؤلاء الناس من أرضهم؟ وكيف يتركون أهلهم وقرابتهم؟ وكيف يخلفون أموالهم وديارهم؟ أي شيء سرى في أولئك القوم فغيرهم؟ وأي أمر خالط عقولهم وقلوبهم فنورهم؟ تروي لنا هذه الصحابية قصتها فتقول: لما أردنا أن نرتحل مهاجرين إلى الحبشة أقبل عمر ووقف علي، وكنا نلقى منه البلاء والأذى والغلظة علينا، فقال لي: الانطلاق يا أم عبد الله؟ الرحيل؟ الوداع؟ الفراق؟ الهجرة؟ ترك الأهل والديار والأموال؟ الانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: نعم، والله! لنخرجن في أرض الله؛ لقد آذيتمونا وقهرتمونا؛ حتى يجعل الله لنا فرجاً! إنها كلمات ما سمع بها عمر من قبل، ومبادئ ما رآها متجسدة في الواقع من قبل، فإذا بـ عمر ﵁ يرق، وتفجأه هذه القوة في موقف الحق، وهو يعرف القوة في أسمى معانيها، فيقول ﵁: صحبكم الله! تقول أم عبد الله: فرأيت منه رقة لم أرها من قبل، فلما جاء عامر بن ربيعة قلت له خبر عمر، فالتفت إلي وقال: لعلك طمعت في إسلام عمر؟ فقلت: نعم، قال: والله! لا يسلم؛ حتى يسلم حمار الخطاب! قالها مستبعداً إسلام عمر، مستنكراً أن يكون هذا الشديد على المسلمين الغليظ عليهم ممن سيكون يوماً ناصراً ومعزاًَ لهم بإذن الله، فانظر إلى أقدار الله كيف تسوق المرء إلى رضوان الله ، فكانت هذه أول ومضة. ثم يذكر عمر ﵁ كيف ساقته الأقدار مرة أخرى إلى إشراقة أقوى، فيروي لنا قوله: إنه مضى خلف رسول الله ﷺ يتعرض له، خرج ليتعرض للرسول الكريم ﵊، قال: فإذا هو قد سبقني إلى المسجد. أي: إلى بيت الله الحرام، قال: فقمت وراءه، فكان يقرأ من سورة الحاقة، قال عمر: ما رأيت مثل هذا الكلام، ثم قلت لنفسي: إنه شاعر، فتلا قول الله في هذه السورة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤١]، قال: فقلت في نفسي: فإنه كاهن، فتلا قوله : ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٢]، ثم تلا الآيات، قال عمر ﵁: فوقع الإسلام في قلبي، ولكن بقايا الجاهلية وظلماتها ما تزال تصارعني، وتأتي دعوة رسول الله مع قدر الله، وتنطلق الدعوة النبوية الكريمة: (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين)، أي: إما بـ أبي جهل. الذي هو عمرو بن هشام، أو بـ عمر بن الخطاب ﵁؛ لأنهما كانا أشد الناس على المسلمين، فدعا النبي ﷺ أن تكون إحدى هاتين القوتين للمسلمين على الأقل، فأصابت الدعوة عمر ﵁. فتلك ومضة، ثم إشراقة، ثم دعوة، ثم يأتي القدر، ليروي لنا أهل السيرة قصة إسلام عمر ﵁: اجتمعت قريش لتنظر في شأن قتل محمد ﷺ بعد أن بدأت هجرة أصحابه إلى الحبشة؛ تريد أن تتدارك الأمر، فقالوا: من يقتل محمداً؟ فقال عمر: أنا لها! كان صاحب قوة ومواقف، ولو كانت غير حق، فقالوا: أنت لها يا ابن الخطاب! فتوشح سيفه، وخرج يتيمم موقع محمد ﷺ ، وقد سمع أنه هو وأصحابه يجتمعون في مكان ما في الصفا، فلقيه رجل -اختُلف في اسمه أو في إسلامه- فجرى بينه وبينه حوار ساقته إليه الأقدار الإلهية، فإذا بهذا الرجل يعترض عمر، وهو قد خرج متوشحاً سيفه ليقتل به رسول الله ﷺ ، ولكن الله أراد أن يتوشح سيفه ليقف منافحاً عن رسول الله ﵊، فقال له الرجل: أين تريد يا ابن الخطاب؟! قال: أريد محمداً الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب آلهتها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله، هكذا كان عمر في ذلك الموقف، وهو يعيب محمداً ﷺ ، ثم انقلب إلى أنه لو سمع شطر كلمة في حق رسول الله ﷺ لما رأى لها دواءً إلا قطع لسان صاحبها، أو فصل ما بين رقبته وجسده، هكذا صار عمر ﵁، فانطلق، فقال له الرجل: لبئس الممشى مشيت يا عمر! وكان رجلاً ذكياًَ حصيفاً، فقال له: والله! لقد غرتك نفسك؛ ففرطت، وأردت هلكة بني عدي؛ أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي في الأرض وقد قتلت محمداً؟! أراد أن يصرف عمر بمثل هذه المقالة المخيفة، لكن عمر لا تثنيه هذه الكلمات العارضة وهذه التهديدات؛ فإنه من علو همته قد قال: أنا لها، فأراد أن يكون لها، وأراد الله أن يكون لها بطريقة أخرى، فلم ينثن عمر عن هذا، فلما رأى الرجل عزمه قال: أوغير ذلك يا ابن الخطاب؟! قال: وما ذاك؟ قال: أختك وختنك قد سبقوا إلى دين محمد وصبئوا. أراد أن يحرف الطريق، فرأى عمر -وقد كان ذلك ديدنه بعد ذلك في خلافته- أن يبدأ بأهله أولاً، فتوجه صوب بيت أخته وختنه؛ حتى يقوم ما اعوج في نظره، ثم ينصرف بعد ذلك إلى الغاية الأخرى، وأراد الله به الخير، فجاء وهم مع خباب بن الأرت يتدارسون القرآن خفية في ذلك الزمن في العهد المكي، فسمع هينمة القرآن، ثم دخل عمر بقوته، وبشدته، وبهيبته، دخل وقد اختبأ خباب ﵁ حينذاك، ودخل عمر يسأل: ما هذه الهينمة التي تُسمع؟ قالوا: لا شيء؛ كنا نتحدث، كانت القلوب ترتعد من عمر خوفاً، لكن قلوب المؤمنين لا تأبه بالطغاة والجبارين، فلما رأى عمر هذه المقالة، قال: والله! لقد سمعت نبأً، وبدأ يرعد ويتوعد، فأراد ختنه سعيد بن زيد ﵁ أن يواجه عمر بالحق، وأن يجهر في وجهه بالدعوة، وأن يظهر علو الإيمان وقوة الإسلام، فقال: يا عمر! أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ فماذا قال عمر؟ لم يكن قوله كلاماً وإنما كان ضرباً ولكماً، فوثب عمر على ختنه يضربه ويصارعه، فجاءت المرأة الضعيفة بجسمها، القوية بإيمانها، العزيزة بإسلامها، جاءت تذوده عن زوجها، وتضربه بيدها، فنفحها نفحة أزاحها عنه، وأدمى وجهها، فتحركت قوة الإيمان في قلبها ﵂، وقالت: يا عدو الله! أتضربني على أن أوحد الله؟ قال عمر في غيظته وشدته: نعم، فقالت له: ما كنت فاعلاً فافعل؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله! فأدركت عمر رقة، وجاءته دعوة الرسول الكريم ﷺ ، فقال: أعطوني صحيفتكم أقرأ فيها، وما كان هناك ذلك الخوف ولا التميع، فقالت: إنك امرؤ كافر نجس؛ وإنه لا يمسه إلا المطهرون، قم فاغتسل يا ابن الخطاب! فصارت تأمر عمر وتوجهه، فاستكان بداية لسكينة الإيمان، واغتسل عمر، وجاء يقرأ، والروايات في ذلك فيها أقوال كثيرة، ومنها: أنه قرأ أول طه: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:١ - ٦]، قرأها عمر ﵁ فانخلع لها قلبه، ورأى فيها عظمة؛ حتى قال: من كان هذا وصفه لا يصح أن يعبد معه غيره، ثم قال: دلوني على محمد، فدلوه على المكان بعينه، وهو دار الأرقم بن أبي الأرقم في أسفل ا

стр. 1869

السيرة العمرية [٢] كان عمر بن الخطاب ﵁ قوياً شديداً في الحق؛ ولهذا لقب بالفاروق؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، ومواقفه في نصرة الحق كثيرة جداً، سواء في زمن النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ أو في زمن خلافته، وهذه الشدة والقوة لم تكن تخرجه عن طور الحق والمشروع، وإنما هي في نصرة الحق وتأييده.

стр. 1870

مشاهد من قوة عمر ﵁ وشدته في الحق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! القوة العمرية معلم من معالم السيرة العمرية، نجعله موضوع حديثا هذا اليوم، ونحن نستجني سيرة عمر ﵁، ونعيش معها، وننظر إلى جوانب العظمة فيها، ونستلهم الدروس منها. وكما أشرت فيما مضى فإن الجوانب العظيمة في الشخصية العمرية، وإن المواقف العظيمة في السيرة العمرية تستحق منا كثيراً من الوقفات، وعديداً من مواقف التأمل والتدبر، وهذا أحدها، وهذا موقف من مواقفها. فلقد كان عمر مشهوراً بقوته، ومعروفاً بحميته، ولكن لننظر إلى هذه القوة في أي مجال كانت، وفي أي ميدان صالت، ولنرى حدودها ومواقفها، ولنرى منافعها ومآثرها؛ حتى ندرك جوانب النقص في حياتنا، وأسباب الضعف والخور في نفوسنا، وما يُرى في بيئاتنا وكثير من مجتمعاتنا من صور الكسل والخور والخمول مما لا يليق بالمسلم ولا يليق بمجتمع المسلمين، وقد كانت قوة عمر في الحذر من الكافرين؛ فقد كان لا يأمنهم على دينه، وكان لا يأمنهم على رسوله ﷺ ، وكان لا يأمنهم على أمة الإسلام، وكانت قوته متجسدة في عمق إيمانه، وفي رسوخ يقينه، وفي همة نفسه، وفي علو إيمانه واستعلائه به عند الله ، فنفسه تأبى عليه إلا أن يكون قوياً في حيطته، شديداً في حذره من أولئك القوم، وقد تجسد ذلك في أوائل حياته في الإسلام، وفي أوائل سيرته مع ركب المؤمنين من صحب محمد ﷺ .

стр. 1871

قوة عمر ﵁ وشدة حذره من الكفار لما أراد عمر الهجرة هو وبعض الصحابة قص علينا خبره؛ فقال: اتعدت -أي: تواعدت- أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي عند أضاة بني غفار، وكان موعدهم أن من أتى منهم مضى، ومن حُبس تُرك، قال: فجاءني عياش وحبس عنا هشام، ثم مضى هو وعياش بن أبي ربيعة مهاجرين إلى المدينة النبوية قبل هجرة رسول الله ﷺ ، وبلغا قباء، ونزلا في بني عوف، فجاء أبو جهل وأخوه الحارث، وقد كان أبو جهل أخاً لـ عياش من أمه، وأدركا عمر وعياشاً وهما في قباء، فجاء أبو جهل وقد كان يمثل موقف القوة وصورتها في صف الكافرين، كما كان عمر يجسد صورة من صور القوة في صف المسلمين، فجاء أبو جهل إلى أخيه عياش وهو يريد أن يثنيه عن عزمه، ويريد أن يثبطه عن هجرته، فجاء إليه وهو يقول: إن أمك قد نذرت ألا يظلها سقف، وألا يمس رأسها دهن حتى تراك. وهذا أسلوب من أساليب الضغط النفسي، وأسلوب من أساليب التأثير العاطفي، وفي بعض الروايات: فما زال أبو جهل يفتل في الذروة والغارب، أي: ما زال يدور ويحور ويناقش ويعارض حتى كأن عياشاً لان له، فالتفت عياش إلى رفيق هجرته عمر يريد رأيه ومشورته، فانظر إلى قوة عمر في شدة حيطته وحذره، فإذا بـ عمر يقول لـ عياش ﵁: والله ما أرادا إلا دينك. أي: أي شيء يريدون؟ أهم أحن عليك من أمك؟ أهم ينظرون إلى هذه المعاني الإنسانية؟ أهم يلتفتون إلى هذه الأمور العاطفية؟ وقد كان عمر أبعد في نظره وأعمق في فكره وأقوى في قوته من عياش ﵁، فهتف بها واضحة قوية: والله ما أرادا إلا دينك! ثم قال: فاحذرهما، ولا تذهب معهما، فوالله لو آذى أمك القمل لادهنت وامتشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت. أي: دع عنك مثل هذه الأقاويل المثبطة، ودع عنك مثل هذه الخدعة الهامشية التافهة، إذ كان عمر أعلى وأقوى من هذا كله؛ فقال هذه المقالة لـ عياش، ولكن عياشاً قد تأثر بذلك ﵁، فقال: ولي مال في مكة آخذه فأعين به المسلمين، لكن عمر ما يزال في موقفه من الحيطة والحذر وقوته في حماية الدين والحياطة له، فقال: إنك تعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فخذ شطر مالي ولا تذهب معهما، فرأى إلا أن يذهب، فقال عمر: أما وقد عزمت أن تذهب فخذ ناقتي هذه؛ فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها. انظر إلى هذه القوة التي تستمر في هذه المواقف ولا تخور، ولا تنثني، ولا تتغير، بل كان يستمر في الحيطة إلى آخر الأمر، وقد كان من الأمر ما قال عمر، فلما كانوا في بعض الطريق قال أبو جهل: قد استوحشت واستصعبت جملي، فهلا أركبتني ناقتك يا عياش؟! فأناخ عياش، وما عنده حيطة عمر وقوته وشدته، فلما أناخ واستبدل الناقة قيداه وكتفاه، ثم ذهبا به إلى مكة أسيراً يضربانه، وفي بعض الروايات: أنه جلده كل واحد منهما مائة جلدة، وكان أبو جهل يقول: هكذا افعلوا بسفهائكم كما نفعل بسفهائنا. فـ عمر ﵁ كانت قوته واضحة في الحيطة والحذر من الكافرين؛ لا يأمنهم، ولا يغتر بقولهم، ولا ينخدع بمعسول كلامهم.

стр. 1872

موقف عمر مع عمير بن وهب وهكذا كان له موقف آخر: يوم جاء عمير بن وهب بعد بدر، وكان قد خلا بـ صفوان بن أمية يندبان ما كان من قتلى قريش في بدر، ويتحرقان شوقاً لقتل محمد ﷺ ، فأعطى صفوان عميراً مالاً وجهزه ليمضي إلى قتل رسول الله ﷺ ، فأخذ سيفه وذهب إلى المدينة، بحجة أنه يريد أن يفدي ابناً له عند المسلمين من أسارى بدر، فلما رآه عمر وقد أناخ ناقته عند مسجد رسول الله ﷺ ورأى سيفه معلقاً برقبته مضى إلى رسول الله ﷺ ، ليسبقه إليه، فقال: يا رسول الله! هذا عمير بن وهب عدو الله مرني لأضرب عنقه، فقال الرسول ﵊: (أدخله علي يا عمر)، فجاء به عمر وهو ممسك بتلابيبه -شد عليه ملابسه- حتى دخل به على رسول الله ﷺ ترتعد فرائصه فرقاً وخوفاً من عمر، فقال النبي الكريم ﵊: (أرسله يا عمر!)، فاستجاب عمر أمر النبي ﵊، فماذا صنع؟ أكان يترك النبي مع عدو من أعداء الله؟ الجواب لا، وإنما خرج عمر وقال لبعض الأنصار: ادخلوا فكونوا مع رسول الله ﷺ فلا يخلصن إليه عدو الله، وإنما خرج لأن نفسه لم تتحمل أن ترى هذا الكافر بين يدي رسول الله ﷺ ، فهذه قوته في الحذر من الكافرين. وكانت قوته أيضاً في إذلال الكافرين، فقد كان دائماً يحقق معنى العلو والاستعلاء بالإيمان المأمور به في قوله : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فكان يرى كل مؤمن مهما كان فقيراً ضعيفاً هو أقوى وأعز من كل كافر مهما كان غنياً قوياً فتياً. وهكذا كان عمر دائماً في كل المواقف تظهر قوته ليذل أهل الكفر والكافرين.

стр. 1873

قوة عمر ﵁ عند هجرته إلى المدينة في يوم هجرته يروي علي ﵁ فيقول: ما هاجر أحد من المهاجرين إلا مستخفياً إلا عمر بن الخطاب ﵁، فإنه لما أزمع الهجرة توشح سيفه، وتنكب قوسه، وأخذ أسهمه بيده، ثم أتى البيت فطاف متمكناً، ثم صلى خلف المقام، ثم مر على حلق قريش حلقة حلقة وهو يقول: شاهت الوجوه، والله لا يغضب الله إلا هذه المعاصي، ثم نادى فيهم بقوة: من أراد أن تثكله أمه، من أراد أن ييتم ولده، من أراد أن يرمل زوجه فليلحق بي إلى بطن هذا الوادي! فهل لحق به أحد من المشركين؟ لم يجرؤ أحد منهم -وفيهم من فيهم من الصناديد والعظماء- أن يفكر في مجرد اللحاق بـ عمر ﵁، لقد أذلهم بهذه المقالات الإيمانية وبهذا الاستعلاء الإيماني وهو يطوف بهم في مجالسهم، ويسفههم بلسانه، ويتحداهم بفعله؛ حتى يظهر عزة الإيمان وعزة الإسلام.

стр. 1874

اعتزاز المسلمين بإسلام عمر ﵁ وكانت قوة عمر أيضاً في الاعتزاز بالدين وإعزاز المسلمين، فهذا ابن مسعود -كما يروي الإمام البخاري ﵁ يقول: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ﵁، لقد كان في قلبه فيض من القوة، وفي نفسه بحر متلاطم من العزة يأبى إلا أن يعز به هذا الدين، وأن ينصر به إخوانه المؤمنين، فلما أسلم عمر جاء إلى النبي ﷺ ، وكان النبي قد رأى في الإسلام انتشاراً، وقد رأى في صحبه كثرة تناسب الظهور، فقال عمر: ما ينبغي لنا أن نختفي بديننا، فاستجاب له النبي الكريم ﷺ ، فخرج المسلمون في صفين في أحدهما عمر بن الخطاب فاروق الأمة، وفي الآخر: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ﷺ ، فلما رآهم المشركون -ورأوا على وجه الخصوص عمر وحمزة - علتهم الكآبة ودخلهم الهم والغم وما استطاع أحد منهم أن ينطق ببنت شفة، وما تكلم أحد منهم بكلمة؛ لهذه القوة والهيبة التي كان عمر يعز بها دين الله، وينصر بها عباد الله.

стр. 1875

عزة عمر يوم أحد ولما كان يوم بدر وانتصر المسلمون، وجاء بعده يوم أحد وحل ما حل بالمسلمين، وجاء أبو سفيان بعد المعركة واندلاع غبارها يسأل: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ فصاح به عمر: قد أبقى الله لك ما يخزيك يا أبا سفيان! ثم قال أبو سفيان: اعل هبل، قال عمر: الله أعلى وأجل. فقال: الحرب سجال يوم بيوم بدر، فقال عمر ﵁: لا سوى؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. وكلما جاء بكلمة رد عليه عمر ﵁، حتى قال: اعل هبل، فقال عمر ﵁: الله مولانا ولا مولى لكم، هكذا كان عمر لا يرضى الدنية في دينه، ولا يرضى الضيم على المسلمين ولا الذلة على أمة الإسلام، حتى كان يتحرق ويتحرك بين يدي رسول الله ﷺ بذلك.

стр. 1876

موقف عمر في صلح الحديبية ونعلم موقفه الشهير في صلح الحديبية، فبعد أن قُضيت وانتهت بدر وأحد والخندق، وبعد أن أعز الله المسلمين، وجاءوا إلى بيت الله معتمرين، ثم صدوا عنه من قبل المشركين، وجاء بالمفاوضة، وأراد النبي ﷺ الرجوع والقبول بالصلح، جاء عمر وقد تحركت غيرته الإيمانية، وحميته الإسلامية فقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟)، إنها كلمة ما زال عمر يشقها في آذان المسلمين إلى اليوم، هذا هو ظاهر الموقف، أما النبي الكريم ﷺ فقد كان مسدداً بالوحي، فقال: (إني رسول الله؛ وإنه لن يضيعني أبداً)، لكن عمر هكذا كان لا يحب أن يرى موقفاً فيه إهانة للإسلام، أو إذلال للمسلمين بأي حال من الأحوال، وهكذا كان عمر في مواجهة الكافرين. وأيضاً فإن قوته كما ظهرت في نصرة المسلمين، وفي إعزاز الدين، فقد ظهرت في مواجهة الكافرين، فكان في قلبه وفي نفسه شدة وغلظة عليهم، هدفها هو: إعلاء راية الله ، وإخضاع كل قوي وجبار ومتكبر لنهج الله ولشرع الله ولهدي رسول الله ﷺ .

стр. 1877

موقف عمر ﵁ من أسارى بدر ويوم انجلى غبار المعركة في بدر، وكان بين يدي المسلمين سبعون أسيراً من صناديد قريش، استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر ﵁: (يا نبي الله! بنو العم والعشيرة والإخوان؛ فإني أرى أن تأخذ منهم فدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة، عسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضداً). هذه رقة أبي بكر، وهذا لينه، فانظر إلى شدة عمر، وإلى حزمه وقوته ﵁، لما التفت له الرسول فسأله: (ما ترى يا عمر؟!)، فقال: والله! ما أرى رأي أبي بكر، قد كان صريحاًَ في الحق، قد كان مخلصاً في النطق، قد كان جريئاً فيما يظنه مصلحة للمسلمين، قال: (والله! ما أرى رأي أبي بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه، وأن تمكن حمزة من فلان -أخ له- فيضرب عنقه، وأن تمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه؛ حتى يعلم أن ليس في قلوبنا هوادة للكفار)، وهؤلاء كانوا صناديدهم وقادتهم وأئمتهم، ثم تنزل الوحي من فوق سبع سموات يشير إلى أن رأي عمر ﵁ كان رأياً وجيهاً حكيماً: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧]، هكذا كان عمر ﵁ في مواجهة الكفر والكافرين.

стр. 1878

موقف عمر ﵁ من أبي سفيان في صلح الحديبية وانظر إلى موقف آخر من المواقف الطريفة والعجيبة التي تتجلى فيها قوة عمر بأظهر ما تكون في شدته على الكافرين: يوم نقضت قريش عهدها في صلح الحديبية مع رسول الله ﷺ ، واعتدت على حلفائه، ورأت أنها بذلك قد ارتكبت خطأً فادحاً، ويوشك النبي ﷺ أن يحرك جيوش الإيمان وجند الإسلام فيسطو على خضراء قريش وبيدائها، فأرسلوا أبا سفيان حكيمهم ومفاوضهم عله أن يهدئ من روع النبي الكريم ﷺ ، وقالوا له: شد العقد، وزد في المدة. فجاء أبو سفيان إلى بيت بنته أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ، وكان منها ما كان؛ إذ طوت عنه فراش النبي ﷺ ، فاستغرب، وقال: (أرغبت به عني أم رغبت بي عنه؟!) فقالت: (إنه فراش رسول الله ﷺ ، وإنك امرؤ نجس)، ثم مضى إلى أبي بكر يريد أن يكون شفيعاً له عند رسول الله ﷺ ، فأبى أبو بكر، ثم مضى إلى علي وقال: أنت أقرب الناس إلى محمد فكلمه، فقال: (قد والله رأى رسول الله ﷺ رأياً، ولا يكلمه فيه أحد)، ثم أخطأ أبو سفيان خطأً فادحاً فذهب إلى عمر ليكون شفيعاً عند رسول الله ﷺ لقريش وكفارها وصناديدها، فأي شيء قال عمر ﵁؟ قال: (أنا أشفع لكم عند رسول الله ﷺ ؟! والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به)، أين عقلك يا أبا سفيان! أو عمر يشفع في أعداء الله؟ ولو لم يجد من قوة إلا الذر والنمل لقاتل به الكفار؛ من شدته عليهم، وحنقه منهم، وتأديبه لهم، هكذا كان عمر في قوته في مواجهة الكافرين، وهكذا كانت صورته التي جعلته مؤهلاً بعد ذلك لقيادة المؤمنين.

стр. 1879

قوة عمر ﵁ وصراحته في الحق وموقفه في ذلك يوم الحديبية ومع هذه القوة في هذه الجوانب كانت لـ عمر قوة في جانب من أهم الجوانب، ذلك أنه كان قوياً في الصراحة في الحق، وقوياً مع ذلك في الالتزام والسمع والطاعة لرسول الله ﷺ ، ففي موقف الحديبية لما قال له النبي ما قال، سكت عمر، وسكن غضبه، وهدأت حميته، وعلم ما كان من نهج رسول الله ﷺ ، وقال -كما في بعض الروايات-: (فلم أزل أكفر وأستغفر من الذي قلت بين يدي رسول الله ﷺ يوم الحديبية). ثم انظر أيضاً إلى صراحته التي قد يظهر لأول الأمر أنها لا تتفق مع قوته، فيوم جاء النبي ﷺ في عمرة الحديبية، وأرادت قريش أن ترده، أراد أن يبعث إلى قريش مبعوثاً ليخبرها أن النبي وصحبه لم يأتوا إلا معتمرين، وللبيت معظمين، وما جاءوا محاربين مقاتلين، فدعا الرسول ﵊ عمر ليبعثه إلى قريش، وهو المؤمن العظيم في إيمانه، القوي الشديد في قوته، لكنه كان أيضاً قوياً في الصراحة، وقوياً في رعاية المصلحة الإسلامية، ولم تكن قوته تهوراً، ولم تكن حميته طيشاً واندفاعاً، فقال للنبي الكريم ﷺ : يا رسول الله! إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب -أي: قومه- أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان ﵁، فأخذ النبي ﷺ بمشورة عمر ﵁، وما كان في ذلك الموقف جبن ولا خوف، بل كان فيه قوة وشجاعة في الحق، ونظر إلى رعاية المصلحة الإسلامية، ولو كان النبي ﷺ أمره لامتثل؛ فإنه كان وقافاً عند حدود الله، قوياً في التزام أمر الله . وفي يوم الحديبية أيضاً بعد أن وقف عمر موقفه، والتزم أمر نبيه ﷺ ، جاء أبو جندل وهو من المستضعفين المسلمين المحبوسين في مكة، جاء وهو يرسف في قيوده، وأبوه هو الذي أمضى العقد ممثلاً لقريش، جاء يريد أن يلتحق بالمسلمين، وتصوروا هذا الموقف: هذا مسلم مستضعف يعذب لأجل دينه، جاء راكباً مقيداً بقيوده، وهو يرى رسول الله ﷺ وإخوانه المسلمين رأي العين، يريد أن ينضم إليهم، وأن يلحق بهم، وأن يكون معهم، ولكن العهد والميثاق قد أُبرم، والمسلمون عند شروطهم، ولا أحد أوفى بعهوده منهم، فماذا فعل عمر ﵁؟ لم يخرق الالتزام، ولم تأخذه شدته وقوته، ولكن كانت قوته فيها التزام، وكانت شدته تظهر على أعداء الإسلام، فقال عمر ﵁: (فماشيت أبا جندل، وكنت أقول له: اصبر يا أبا جندل! اصبر يا أبا جندل!) هذا جانب الالتزام وقوته فيه، ثم قال له: (إنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم مثل دم الكلب)، وجعل يدني قائم السيف منه، ماذا يريد عمر؟ قال: (وكنت أريد أن يأخذ السيف فيضرب به عنق أبيه)، أي: بدون أن يكون هناك إخلال بالعهد؛ لأن أبا جندل لم يكن ممن أبرم العهد ودخل فيه، قال: (فما زلت أقول له: إنهم المشركون، وإن دم أحدهم مثل دم الكلب، وأدني منه قائم السيف لعله أن يضرب به عنق أبيه، فضن الرجل بأبيه)، ومضت القضية، وهكذا كان موقف عمر ﵁ مع قوته، فهو قوي في التزام أمر الله وفي التزام أمر رسول الله ﷺ ، وما كانت قوته طيشاً ولا تهوراً ﵁ وأرضاه، وهكذا ينبغي أن تكون لنا القوة في هذه الجوانب. فأسأل الله أن يرزقنا القوة في دين الله، والقوة على أعداء الله، والقوة في نصرة عباد الله.

стр. 1880

شدة عمر ﵁ في دين الله أيها الإخوة المؤمنون! عندما نقف هذه الوقفات مع قوة عمر قد يقول القائل: فأين السماحة؟ وأين اللين؟ فأقول: قد أسرف الناس اليوم في أمر السماحة واللين وما يتصل بهما؛ حتى انقلب الأمر إلى مجاملات، ثم إلى مداهنات، ثم إلى منافقات، ثم إلى تنازلات، ثم إلى إعطاء الدنية في الدين، ثم إلى بيع الدين بالدنيا. نسأل الله العافية. وكأني بـ عمر لو شهد مثل مواقفنا ومجتمعاتنا وأقوالنا لتفجر غيظاً من هذا التميع والتساهل والترخص بحجة إظهار سماحة الإسلام، والإسلام كله سماحة، وكله لين، وكله رفق، لكن فيه شدة، كما قال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، هذا وصف النبي الكريم ووصف صحبه رضوان الله عليهم، أفلا نرضى أن نأخذ بهذا الوصف؟ أفلا نجرؤ أن نقتفي آثار القوم، وقد كان عمر كذلك، وقد بين لنا حقيقة موقفه في شدته، ولم يدع لقائل مقالاً، ولم يدع لشبهة بقاءً، فإذا هو يخطب الناس عندما ولي أمره، فهو يعلم ما في قلوبهم من هيبته وشدته وقوته، وقد كان الناس في عهد أبي بكر يدنون منه؛ حتى إذا مشى في الطريق جاء صبيان المسلمين إلى أبي بكر يلاعبونه، فيمسح رءوسهم، وهكذا كانت سجيته: لين هين، أما عمر فكان الرجال يفرقون منه، ويتفرقون عنه، ويخافون عندما يرونه، وكانت هذه هيبته وشدته، لكنه جعل لكل شيء موضعاً، فقد رقى المنبر يشرح منهجه في القوة، وقال للناس مقالة عظيمة شرح لهم فيها موقفه مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر من بعده فقال: (بلغني أن الناس هابوا شدتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟!) إنه يتحدث بما يجول في خواطرهم، وبما يهجس في نفوسهم، فإنهم يقولون: عمر كان شديداً بين يدي الرسول ﷺ ، وغليظاً بين يدي أبي بكر، فكيف وقد صارت الأمور إليه، والأمر رهن إشارته؟! فإذا به يقول: (ومن قال ذلك فقد صدق، كنت مع رسول الله ﷺ ؛ فكنت عبده وخادمه، وكان لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة، وكان كما قال الله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فكنت مع رسول الله ﷺ بين يديه سيفاً مسلولاً حتى يغمدني أو يدعني فأمضي). لقد كان ﵁ رهن الإشارة وطوع الأمر، فإن دعته قوته إلى أمر وأجيز مضى، وإن منع وقف. قال: (وكنت مع أبي بكر، وكان من لا تنفد دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدته بلينه، وأكون سيفاً مسلولاً حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، ورغم أني وليت أموركم أيها الناس! واعلموا أن تلك الشدة قد أُضعفت -أي: تضاعف، فتصوروا ماذا خالط قلوب القوم وهم يسمعون عمر يقول هذا؟ - ولكن إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، أما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يتعدى عليه؛ حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق -هذه هي القوة فانظر إلى اللين- وإني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف ولأهل الكفاف). وقد كان عمر ﵁ كما قال، فكان منهجاً في القوة فريداً، وكان يضع كل شيء في موضعه وضعاً عجيباً.

стр. 1881

هيبة الناس من عمر ﵁ لشدته وحزمه وانظر أيضاً إلى موقف آخر يوضح فيه عمر هذا الأمر توضيحاً عجيباً فريداً: اجتمع بعض الصحابة ورأوا من عمر في شدته ما يدعوهم إلى أن يكلموه في ذلك، فانتدبوا عبد الرحمن بن عوف، وكان أجرأهم على عمر، فجاء إلى عمر وقال: (يا أمير المؤمنين! لن للناس، فإنه يقدم القادم -أي: من بلاد المسلمين- فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك، قد خاف الناس أن يكلموك بحوائجهم)، فماذا قال عمر ﵁؟ قال: (أنشدك الله، أقال لك هذا فلان وفلان؟) أي: هذا ليس قولك وحدك، بل هو قول جمع من الصحابة، فقد كان عمر يعرف ذلك منهم، ويعرف هيبتهم له، وجرأة عبد الرحمن عليه، فقال: (نعم، فقال عمر: يا عبد الرحمن! لقد لنت للناس حتى خشيت الله في ديني، ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في شدتي، وايم الله! لأنا أشد منهم فرقاً -أي: خوفاً من الله- منهم مني)، أي: أنا أشد خوفاً من الله من خوفهم مني، فأين المخرج؟ فماذا يقصد عمر؟ قال: (إني ألين ولا أترك اللين إلا عندما أرى أنه ضعف في الدين، وأشتد ولا أطلق الشدة إلا أن أرى أنها غلظة ليست في موضعها، وأجتهد في ذلك رعاية المسلمين ومراقبة لله، فوالله! إني لأشد منهم فرقاً منهم مني)، ثم جر رداءه وخرج يبكي ﵁ وأرضاه، فالتفت عبد الرحمن بن عوف وهو يقول: (أف لهم من بعدك يا عمر! أف لهم من بعدك يا عمر!). وهكذا نجد هذه الفلسفة وهذا الشرح والبيان في موقف عمر في قوته ﵁، فقد كان كما قال الشاعر: في الجاهلية والإسلام هيبته تثني الخطوب فلا تعدو عواديها في طي شدته أسرار مرحمة للعالمين ولكن ليس يحكيها وبين جنبيه في أوفى صرامته فؤاد والدة ترعى جراريها أغنت عن الصارم المسلول درته فكم أخافت غوي النفس عاديها قد كانت شدة عمر نصرة للحق، وكان لينه تقريباً لأهل الحق، وهكذا كان عمر ﵁ لا تأخذه في الله لومة لائم، وهكذا كان يجسد ما أنبأنا الله به في شأن وصف أهل الإيمان الذين يحبهم الله ويحبونه، فقد جاء في وصفهم قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، وقد كان عمر كذلك، فقد كان يعس ويرعى شأن العجائز والأطفال والصغار، بل كان يبكي ويرق لهم، بل كان يخدمهم بنفسه ﵁، وهكذا جسد المعنى الذي ذكره النبي الكريم في قوله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، وكان عمر ﵁ يريد بقوته أن يعز الإسلام، وأن يظهر قوته، ويريد بلينه أن يدعو إلى الإسلام وأن يظهر سماحته، فكان في كل موقف داعياً لله ، وكان في كل موقف ملتزماً أمر الله ، وكان مجسداً لصورة الإسلام الحق في أبهى وأجلى وأنصع صوره، وما أحرانا أن نتلمس مثل هذه القوة بمثل هذا المنهج في سيرة عمر ﵁. فالله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، والله أسأل أن يجعلنا آخذين بالقوة في الدين، والشدة على أعداء الدين، واللين للمسلمين.

стр. 1882

السيرة العمرية [٣] اشتهر عمر ﵁ بالعدل؛ فقد كان عادلاً حتى على نفسه وأقرب المقربين إليه وأحب الناس إليه، وكان حريصاً في هذا الباب على متابعة ومراقبة ومحاسبة عماله، حتى لا يحصل منهم حيف أو ظلم على الرعية، وبهذا انتشر العدل في زمنه، وزادت الفتوحات، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، فرضي الله تعالى عن عمر وأرضاه.

стр. 1883

تولية أبي بكر ﵁ عمر من بعده الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! المسئولية العمرية معلم بارز من معالم السيرة العمرية النورانية، وقد وقفنا من قبل مع قوة عمر الفاروق ﵁ وأرضاه، فلننظر إليه اليوم وهو يتحمل أمانة الله ، وهو يتكلف مسئولية الأمة كلها، فكيف تأهل عمر لهذا المنصب الرفيع، إنه لم يتقدم إليه بنفع من قرابة، ولا بدفع من وساطة، وإنما كان إيمانه في قلبه، ويقينه في فؤاده، وبلاؤه في نصرة دين الله ، وحفاظه على الأمة، وغيرته على الدين، وشدته على الأعداء، إلى غير ذلك من المواصفات العظيمة التي كانت مؤهلاً لأن يتسلم هذا المنصب الرفيع في أمة الإسلام، وأن يكون خلفاً لـ أبي بكر الذي كان خليفة لرسول الله ﷺ . لما اشتد المرض على أبي بكر ﵁ دعا بعض الصحابة من المهاجرين والأنصار، وقال: (اختاروا لكم أميراً من بعدي؛ فإنكم في حل من عقدي وبيعتي، وأوشك أن أنتقل إلى ربي)، فلم يجتمع أمرهم على أحد، وقالوا: (قد فوضنا الأمر إليك يا أبا بكر، فنظر أبو بكر فيمن صحب محمداً ﷺ فوجدهم كلهم أصحاب فضل وسبق، وكلهم أصحاب جهاد وبلاء، وكلهم أصحاب بذل وعطاء؛ فإذا به يقلب الأسماء اسماً اسماً، وإذا به يتصفح الوجوه وجهاً وجهاً، وإذا به يستنطق التاريخ حدثاً حدثاً ويوماً يوماً، وإذا به يستقر رأيه على عمر ﵁، ثم ينطلق مستشيراً أصحاب النبي ﵊، وقد كانت الشورى منهجاً نزل في القرآن وطبقه الرسول ﷺ وهو المسدد بالوحي من الرحمن، وسار على إثره من بعده صحابته رضوان الله عليهم، فأي شيء قيل عن عمر؟ دعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف ليسأله عن عمر؟ فقال عبد الرحمن ﵁: (ما تسألني عن أمر وأنت أعلم به مني؟) أي: لا يوجد رجل أخبر بـ عمر من أبي بكر، لكن أبا بكر أراد أن يستفرغ جهده في النصح للأمة وتحمل المسئولية في أمر هو من أعظم أمورها وأخطر قضاياها، فقال: (وإن يا عبد الرحمن؟!) أي: وإن كنت به خبيراً فإني أقضي في توليته مستشيراً، فأجاب عبد الرحمن بكلمات موجزات، وقال: (هو والله! أفضل من رأيك فيه)، ولعمري إنها لكلمات عظيمة؛ فأي رأي لـ أبي بكر في عمر؟ إنه رأي التقدير والتعظيم لرجل قد ذكر الرسول ﵊ في شأنه على وجه الخصوص ما ذكر، ثم دعا أبو بكر ﵁ عثمان بن عفان ﵁ واستشاره، فقال عثمان: (علمي به: أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله)، ثم دعا أسيداً وبعض الأنصار، فقال أسيد: (اللهم أعلمه الخيرة بعدك)، ثم قال عن عمر: (يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن)، ثم قال مقالة واضحة جلية في أهلية عمر: (ولن يلي الأمر أحد أقوى عليه منه)، وكان الأمر كما قال، فاستقر رأي أبي بكر على عمر، فتكلم بعض الناس في أمر عمر وشدته وقالوا: أتولي بعدك عمر؟! أما تخاف الله يا أبا بكر؟! فأمر أبو بكر أن يجلس، وكان قد أقعده المرض، وقال: أبالله تخوفونني؟! والله لئن سئلت لأقولن: وليت على أمة الإسلام خيرهم)، وكان يرى ذلك أبو بكر والصحابة رضوان الله عليهم، واستقبل عمر ﵁ الخلافة في صبيحة الثلاثاء بعد دفن أبي بكر وانتقاله إلى الدار الآخرة ليلقى ربه ومولاه.

стр. 1884

مباشرة عمر ﵁ للمسئولية بنفسه بدأت ملامح القيادة العمرية والتصوير الدقيق لعظمة وأهمية ودقة المسئولية في صورة عملية تكررت في كل لحظة من اللحظات، وفي كل ليلة من الليالي، وفي كل يوم من الأيام عبر عشر سنوات طوال امتدت فيها خلافة عمر ﵁، ولم يكن الأمر كلاماً وثناءً، ولم يكن قولاً وادعاءً، وإنما كان ممارسة وتطبيقاً تنظر إليه الأمة كلها في شرق الأرض وغربها، عبر مرور الزمان، وعبر تغير المكان، فالكل رأى هذه الصورة المشرقة الوضيئة لمسئولية عمر، ولقيادة عمر، ولنموذج الحاكم المسلم الذي ضرب أمثلة رائعة في شتى المجالات يقصر حديثنا دونها، وتضيق مقاماتنا عن استيعابها، وتقل طموحاتنا وخيالاتنا في هذا العصر الذي تخلفت فيه أمتنا عن أن ندركها أو نتصورها. فكان أول أمر عمر هو أول أمر ينبغي أن يبدأ به كل مسلم في كل عمل وكل مسئولية صغيرة كانت أو كبيرة، إنه أمر الاستعانة بالله ، إن المرء ضعيف بنفسه، قليلة حيلته، ذاهبة خبرته ما لم يسدد من الله ، ولقد كان عمر من أعظم الناس اتصالاً بالله، وأعظمهم ارتباطاً وخشية وخوفاً من مولاه، فلما تلقى الأمر ولما تحمل المسئولية كان أول ما قال دعاءً يستعين الله فيه على أن يعينه، فقال: (اللهم إني ضعيف فقوني، اللهم إني غليظ فليني، اللهم إني بخيل فسخني)، فكان عمر يرى في أمر نفسه شدة، وكان يريد لنفسه في أمر أمته أمراً يحبه الله ويرضاه، ثم قال عمر: (لو علمت أن أحداً أقوى على هذا الأمر مني لكان ضرب العنق أحب إليَّ من أن ألي هذه الولاية)، أي: لم تكن فرصة أو غنيمة اكتسبها، ولم يكن شرفاً كان يسعى إليه، ولم يكن أمراً من الفخر كان يتطلع إليه، بل كانت مسئولية عظيمة ناء بها ظهره، وأشغلت ليله ونهاره. ولذلك بدأ عمر يرسم ملامح المسئولية، وأولها: المباشرة والمشاركة، فلم يتخذ عمر أبواباً، ولم يتخذ حجاباً، ولم يجعل بينه وبين الناس باباً، ولذلك كان أول مجلس جلسه في بداية سياسته أنه بين للناس ما ينبغي أن يؤدى من الرعية للراعي، ومن الراعي للرعية في فقه إيماني عمري، قال فيه عمر ﵁: (الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى إلى الله ، فإذا ركع ركعوا)، بين في هذا أن أمر الصلاح متعلق بصلاحه؛ لأنه القائد والحاكم والآمر والناهي، فإن أدى حق الله وإن خاف الله انعكس ذلك في رعيته، ثم قال للناس: (والله! لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني شيء من أمركم فآلوا فيه عن أهل الصدق والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم، ما يكون من أمر بين يدي إلا وأكون أنا الذي أتولاه، وأنا الذي أباشره، وأنا الذي أشارك فيه، لا أكون بعيداً عنكم، ولا مترفعاً عنكم، ولا مبتعداً عن أموركم)، أي: أنه سوف يباشر ذلك بنفسه ﵁ وأرضاه. ولقد طبق ذلك؛ فكان عمر بنفسه يطعم ويسقي، ويسأل ويفصل، ويقضي ويحكم، ويعس ويستقضي، وكان يذهب كل مذهب، حتى قال فيه الصحابة: لقد أتعبت من بعدك يا عمر! ثم إنه لم يخلد إلى الراحة، ولم يسكن إلى الاستراحة، وإنما كان الأمر عنده مسئولية عظيمة، فهذا معاوية بن خديج يأتي من مصر في زمن عمر يبشره بالفتح ودخول الإسكندرية، فوافى المدينة في وقت الظهيرة، فأتى إلى بيت عمر ناحية مسجد رسول الله ﷺ فلم يجده فيه، فدخل إلى المسجد، فلما قدم عمر قالوا: رجل من مصر يسأل عنك، فذهب إلى المسجد فدعاه إلى بيته، ثم قال له: (ما قلت يا معاوية! إذ لم تجدني؟) يعني: أي ظن دار في خاطرك؟ فقال معاوية: (قلت: إن أمير المؤمنين قائل)، أي: نائم في وقت القيلولة، فقال عمر وقد ضرب على صدره: (بئس ما ظننت؛ والله لئن نمت النهار لأضيعن رعيتي، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي!) قالوا: وكان عمر لا ينام إلا غراراً من ليل أو نهار. أي: خفقات يخفقها، لا يطمئن فيها قلبه، ولا يغمض جفنه؛ لأنه يرى أنه تحمل مسئولية الصغير والكبير، وشرق الأرض وغربها، والجنود والرعية كلها، فكان لا يرى هذه الراحة ولا يأنس بها؛ لأن في قلبه هماً عظيماً يشارك فيه الأمة في كل مأساة من مآسيها، وفي كل مصيبة من مصائبها، وفي كل حاجة من حاجاتها.

стр. 1885

موقف عمر ﵁ مع رعيته عام الرمادة ولما جاء عام الرمادة -وهو عام المجاعة الذي أصاب المدينة وبعض بلاد نجد، وبلغ الأمر مبلغاً- كان عمر أول المشاركين في تحمل هذه المعاناة، وأول المبالغين في الشدة على نفسه رحمة الله عليه ورضي الله عنه، وكان من شأنه -كما ذكر كُتَّاب السيرة- ما روى أسلم -وكان من مواليه والعاملين معه- فقال: (كنا نقول: لو لم يرفع الله المجاعة عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هماً بأمر المسلمين)، أي: أنهم كانوا يخشون عليه الموت من شدة همه وغمة لحال الأمة في ذلك الوقت. وقد روى الواقدي عن بعض أزواج عمر ونسائه: (أن عمر ما قرب امرأة من أهله في عام الرمادة؛ هماً بأمر المسلمين) أي: من شدة همه وتحمل مسئوليته، حيث إنه كان يتذكر حديث النبي ﷺ في الإمارة: (إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة)، فكان عمر يحمل الأمانة كما ينبغي أن تحمل، وكان يخشى الخزي والندامة خشية لا يتصورها كثير من الناس، وهكذا كان عمر في مباشرته وفي مشاركته لرعيته أنه بين أول صورة من صور المسئولية.

стр. 1886

توجيه عمر ﵁ وإرشاده للأمة ثم قام بأمر ثانٍ وهو: أمر التوجيه والإرشاد، وهو أمر من مهمات المسئولية، فأي شيء كان يوصي عمر به رعيته؟ لقد قال لهم في أول أمره وفي بداية خلافته: (اقرءوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية. اتقوا الله عباد الله! وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإخباري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم)، هذا هو توجيهه لكي يحصل التكامل والتعاون بين الراعي والرعية، حيث قال: (أعينوني على أنفسكم بكفها عني، فلا تشغفوا، ولا تخالفوا، ولا تعتدوا، ولا تظلموا، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخباري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم).

стр. 1887

حب عمر ﵁ لنقد الناس ونصيحتهم له كان عمر ﵁ يطلب من الناس أن ينقدوه وينصحوه، ويوجهوه ويأمروه وينهوه ما دام ذلك بأمر الله وبأمر رسول الله ﷺ ؛ فهو وهم خاضعون لأمر الله ولهدي رسول الله ﷺ . وكان يقول ﵁: (أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي)، ولم يكن ذلك أيضاً إعلاناً سياسياً، ولا قولاً ادعائياً، وإنما كان صورة حية عملية، وكان عمر يأتيه الآتي من الناس ويقول: اتق الله يا عمر! ويهز عمر بقوته وهيبته، فيطأطئ عمر رأسه، وينسكب دمعه من عينه خشية لله ، وكان يسمع للصغير والكبير، وللقاصي والداني؛ حتى إنه كان يبحث عمن يستشيره ومن يسأله بحثاً عجيباً.

стр. 1888

مسئولية عمر المالية ومنهجه في ذلك ثم هناك أمر ثالث في مسئولية عمر المالية، وما أدراك ما ارتباط المسئولية بالنواحي المالية، كان عمر يرسم في ذلك على نفسه ثم على ولاته صورة من أعظم الصور التي يضمن بها ضبط الحقوق ووضعها في مواضعها، فقال للناس من أول يوم وفي بداية أمره: (لكم علي ألا أجتبي من خراجكم ولا من فيئكم شيئاً إلا من وجهه -أي: الشرعي- ولكم علي إذا وقع في يدي ألا يخرج إلا في حقه، ثم قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وان افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت، أما أموالكم وخراجكم وبيت مال المسلمين فلا حق له فيه إلا كحق ولي اليتيم، إن افتقر أكل بالمعروف بقدر ما يحتاج مقابل عمله، وإن أيسر استغنى، قال: (وإن استغنيت استعففت)، أي: أنه استغنى من أن يأخذ شيئاً، وإن أخذ أخذ بالمعروف، ثم إن أيسر قضى إلى بيت مال المسلمين. وهكذا كان عمر في صورته العملية، فقد كان يعمل في بعض الأحوال بالتجارة؛ ليكسب قوته وقوت عياله، فأرسل مرة إلى رجل من الصحابة من يستقرض له أربعة آلاف درهم يريد أن يستعين بها في أمر تجارة من الشام، فرد الصحابي رسول عمر، وقال له: قل له: يأخذها من بيت المال، فإذا غنم فليردها. فغضب عمر وأسرها في نفسه، وشق ذلك عليه، فلما لقي ذلك الصحابي قال له: (أنت القائل: فليأخذها من بيت المال ثم ليردها؟ قال: نعم، قال: ولعلي إن فعلت ذلك فمت قلتم: أخذها أمير المؤمنين دعوها له، وأؤخذ بها يوم القيامة، لا والله! لا أقدر، ولكن أردت أن آخذها من رجل صحيح شحيح مثلك، حتى إذا مت أخذها من ورثتي)، وهكذا كانت عفة عمر عن الأموال العامة وسياسته ومسئوليته فيها، وقد جاء إليه مرة حفص بن أبي العاص، ودخل إلى بيت أمير المؤمنين، وخليفة رسول الله ﷺ بعد أبي بكر، وصاحب أعظم منصب في الأمة التي ورثت ملك كسرى وقيصر، فدخل على عمر، فقدم له عمر طعاماً، فأمسك الرجل يده، فقال: (مالك لا تصيب من طعامنا؟!) إنه طعام الخليفة في دار الخليفة في وقت خلافته وعظمته، فقال الرجل: إن طعامك جشب غليظ، وإني راجع إلى طعام لين قد صنع لي فأصيب منه. فقال عمر: (أو أعجز أن آمر بشاة أو بعناق فتذبح، ثم يسلخ عنها جلدها، ثم آمر بدقيق فيعجن، ثم آمر بهما فيضرم عليهما النار؟) فوصف الطعام حتى عجب الرجل، وقال: والله! إنك لعالم بالطعام يا عمر! فقال عمر ﵁: (والذي نفسي بيده! لولا أن تنتقص حسناتي لشاركتكم لين عيشكم؛ فإني سمعت الله يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠]). لقد كان عمر يعف ويتوقأ ويزهد؛ لأنه تلقى ذلك من مدرسة النبوة؛ فقد دخل يوماً على رسول الله ﷺ وقد نام على حصير أثر في جنبه، فحزن عمر، وجرت دمعته في عينه، وطأطأ رأسه، فقال النبي ﷺ : (ما لك يا عمر؟! قال عمر: كسرى وقيصر في العيش الرغيد الهنيء ورسول الله ﷺ لا يجد بينه وبين الحصير وقاءً يقي جنباً؟! فقال النبي ﷺ : أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم)، هكذا تربى عمر ﵁، فلم يكن في قلبه تعلق بالمال، ولم يكن في نفسه شغف بالثروة، وإنما كان عنها معرضاً، وفيها زاهداً، ولمصلحة المسلمين مسخراً، ولذلك كان عمر في هذا سريع التجاوب، لقيه مرة أبو الدرداء ﵁ وهو علم من أعلام الزهد في مدرسة النبوة من صحب محمد ﷺ ، فقال لـ عمر يعظه ويذكره ويذكر نفسه: (أتذكر حديثاً حدثناه رسول الله ﷺ ؟ قال: وما هو يا أبا الدرداء؟! قال: حديث النبي ﷺ : (ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب)، فقال عمر: نعم، فقال أبو الدرداء: فما صنعنا بعده؟ فجعلا يتذاكران ويبكيان ﵄ وأرضاهما). فإذاً: لم تكن المسئولية عند عمر مغنماً، ولم يكن ذلك في شأنه، وكان يطبق هذا على ولاته أيضاً، كما سنذكر. وهناك معلم رابع من معالم مسئولية عمر وهو: الدقة والشمولية، والدقة في هذه المسئولية وشمولها لا يخرج عنها صغير ولا كبير، ولا قوي ولا ضعيف، وليس فيها محاباة لأحد، ولذلك كان عمر ﵁ من دقته أنه كان ينظر في إبل الصدقة أمراضها، وكان ينظر إلى البعير من إبل الصدقة قد أصابه المرض، ويقول: (إني لخائف أن أسأل عنك يوم القيامة). وهكذا قال في الرواية المشهورة التي ذكرها ابن سعد في طبقاته وغيره: (والله! لو أن جملاً مات بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه)، فكان دقيقاً في مسئوليته غاية الدقة، حتى إن علياً ﵁ رآه مرة وهو يمشي ويستبكي، فقال: (مالك يا أمير المؤمنين؟! قال: إبل من إبل الصدقة ند فأنا في أثره حتى أرجعه! فقال علي: لقد أتعبت من بعدك)، وهكذا كان عمر ﵁. ثم إنه كان إذا أمر بأمر أو نهى عن نهي جمع أهل بيته وذوي قرابته، ثم قال لهم: (فإني قد أمرت بكذا وكذا، أو نهيت عن كذا وكذا، وإن الناس ناظرون إليكم لمكانكم مني -أي: لأنكم أقرباء الخليفة، أو أصهار أمير المؤمنين- فإذا وقعتم وقعوا، وإذا هبتم هابوا، والله! لا أرين أحداً منكم أتى ما نهيت عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء منكم فليتقدم، ومن شاء منكم فليتأخر). وكان عمر ﵁ يتنبه لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]، وكان يخشى مما ذكر الله من وصف اليهود وكبرائهم، وأنهم كانوا يأمرون الناس بما يخالفونه، فكان يطبق ذلك على نفسه وعلى خاصة أهله.

стр. 1889

بغض عمر ﵁ للمداهنة والمجاملة كان أيضاً لا يدع مجالاً للنفاق والادعاء والكذب، بل كان دائماً يضع حداً فاصلاً بين الحق والباطل، ولا يقبل مداهنة ولا مجاملة، وكان مرة في مجلسه، فتذاكر بعض الناس مآثر عمر، وهو جالس معهم، فقال بعضهم: (والله! ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط ولا أقول بالحق، ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين! فأنت خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، فقال: عوف بن مالك -وكان يعلم من عمر عدم حبه للنفاق والمراءاة والمداهنة-: (كذبتم؛ إني قد رأيت بعد رسول الله ﷺ خيراً من عمر أبا بكر ﵁، فماذا قال عمر في مثل هذا الموقف، وهو أمير المؤمنين يمدح، ثم يأتي من يقوِّم المدح ويرد ما كان فيه من باطل؟ قال: (صدق عوف، وكذبتم، والله! لـ أبو بكر أطيب من ريح المسك وإني أضل من بعير أهلي)، أي: يوم كان قد أسلم كنت لا زلت بعد في الجاهلية، فهذه بعض معالم المسئولية في سيرة عمر ﵁. نسأل الله أن يجعلنا ممن يتحملون الأمانة حق التحمل، ويقومون بكل ما استرعانا الله فيه من المسئولية؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1890

منهج عمر ﵁ في تولية القضاة ومحاسبتهم إن من أعظم معالم المسئولية العمرية منهج عمر في تولية الولاة ومحاسبتهم؛ فإنه كان يشرف بنفسه على ما تحته أو ما عنده من الأمور، وكان يولي على الآفاق والأمصار، وعلى الجند والجيوش، فأي الرجال كان يولي عمر؟ لقد كان يعرضهم عوداً عوداً، ويخبرهم واحداً واحداً، ويسأل عنهم، ثم بعد ذلك لا يطمئن حتى يتابع أعمالهم، فكان عمر ﵁ يقول: (إني لأستحيي أن أستعمل رجلاً وأنا أجد أقوى منه)، أي: ولو كان هذا الرجل صالحاً لهذه المسئولية، ولكن هناك من هو أصلح منه، فإن عمر كان لا يرى جعله على هذه الولاية وهذا الشأن، وهكذا كان عمر ﵁ على نهج الرسول ﷺ الذي حذر من مغبة آخر الزمان، وذكر من أوصافه: (أنه يوسد الأمر إلى غير أهله، وتضيع الأمانة)، أما في عهد عمر فقد كان معلم النبوة بارزاً ظاهراً، ولذلك كان كثيراً ما يستشير أصحابه ويقول: دلوني على رجل لأمر كذا وكذا، فذكروا له فلاناً من الناس، فقال: لا حاجة لي فيه، قالوا: فمن تريد يا أمير المؤمنين! قال: (أريد رجلاً إذا كان في قوم وليس أميرهم كأنه أميرهم، وإذا كان فيهم وهو أميرهم كأنه رجل منهم)، يريد عمر نموذجاً مصغراً، وصورة منه ﵁، فقد كان شديداً في الحق ليناً لأهل الحق، كان يريد رجلاً إذا كان في الناس وليس أميرهم كأنه أميرهم من حبهم وتوقيرهم له، وتقديمهم إياه، وإذا كان فيهم وهو أمير عليهم كأنه واحد منهم من قربه منهم، ومن لينه معهم، ومن بساطته بينهم، ومن عدم غلظته عليهم، وهذه المواصفات لم تكن خيالاً أو تنظيراً، بل كان عمر يمحص ويمهد ويختبر وينتقي مثل هذه المواصفات في أعيان الصحابة وأعيان الرجال الأبطال ممن جاء بعدهم. وكان إذا ولَّى رجلاً كتب له كتاباً، وأشهد عليه جمعاً من الأنصار والمهاجرين؛ حتى يعظم المسئولية في نفس هذا الوالي، وحتى يعظم خوف الله في قلبه، فكان يقول له فيما يكتب عليه مما قد يشابه اليوم ما يسمى بالقسم الذي يقسمه أصحاب المسئولية أو نحو ذلك، كان يقول له في كتابه: (إنه ينبغي له ألا يظلم أحداً في جسده، ولا في ماله، ولا يستغل منصبه لفائدة أو مصلحة له، ولا لمن يلوذ به)، وكان يقول لولاته: (إني لم أستعملكم على دماء المسلمين ولا على أعراضهم، ولكن أستعملتكم لتقيموا الصلاة، وتقسموا بينهم، وتحكموا بالعدل. إني لم أبعثكم جبابرة، ولكن بعثتكم أئمة؛ فلا تضربوا المسلمين فتضلوهم، ولا تمدحوهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم فتظلموهم)، وكان يشهد على هذا الكلام عندما يولي الولايات، وكان يأخذ على كل والٍ ألا يغلق بابه دون الناس. بل قد ورد في بعض السير أنه بلغه أن بعض ولاته اتخذ قصراً أو داراً وجعل له باباً، فبعث إليه محمد بن مسلمة -وكان المفتش الإداري العام عند عمر ﵁ وبعث معه من يحرق هذا الباب أول بلوغه، وقال: (اتخذت باباً دون الناس حتى لا يصل إليك ذو الحاجة المظلوم؟!) وهكذا كانت ولايته ﵁، وقد كان ولاته من الصحابة، فكيف إذا كانوا من غيرهم؟! ورد أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: (أن سو بين الناس في مجلسك وجاهك؛ حتى لا ييئس ضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك). ثم بعد هذا الاختيار والانتقاء والوصايا والإشهاد لا يقنع بذلك، فقد قال مرة لجمع من الناس: (أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت الذي علي؟ -أي: هل أخليت مسئوليتي باختيار الأفضل وتوصيته وأمره؟ - قالوا: نعم يا أمير المؤمنين! قال: لا؛ حتى أنظر في عمله: أعمل بما أمرته أم لا؟).

стр. 1891

اتخاذ عمر ﵁ مبدأ الإشراف والمراقبة والمتابعة لعماله كان عمر يأخذ مبدأ الإشراف والرقابة والمتابعة، وأذكر نموذجاً واحداً من نماذج شتى يضيق المقام عن حصرها، هذا أحد النماذج التي كان عمر يفتح لها صدره وبابه ليسمع شكاية الناس في الولاة، ثم يأتي بالوالي والرعية في المجلس بين يديه، وينظر أمير المؤمنين في القضية: سعيد بن عامر الجمحي ﵁ كان والياً لـ عمر على حمص، فجاء إليه أهل حمص، فسألهم عن أميرهم، فشكوا إليه أربع خصال، فاستدعاه عمر من حينه إلى المدينة إلى مقر الخلافة؛ ليكون في مجلس القضاء الفصل، والحكم بالعدل بين يدي عمر ﵁، فجيء بـ سعيد وجيء ببعض أهل حمص الذين قالوا هذه المقالة، وتقدموا بشكاواهم، وكان سعيد بن عامر يدافع ويرد على ذلك بين يدي عمر، وقبل أن يقدم على عمر قال: (اللهم لا تخيب فراستي فيه)، فقد كان عمر يحزن أشد الحزن إذا وجد في ولاته تغيراً؛ لأنه كان ينتقيهم ويختارهم، ويتفرس فيهم، وينظر فيهم بفراسة المؤمن التي آتاه الله إياها، فكان يرى سعيد بن عامر مثلاً من صحابة النبي ﷺ ، ولم يكن يحب أن يكون فيه نقص أو تغير، لكنه كان يرى العدل، وكان يرى ضرورة ضبط الأمور في هذه المسئولية، فلما جاء أهل حمص قال لهم: ما شكايتكم؟ قالوا: كان لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، فالتفت عمر إلى سعيد: ما تقول؟ فيقول: أما إني ما كنت أحب أن أقول، ولكنه ليس لأهلي خادم، فإذا أصبح الصباح عجنت عجيني، وخبزت خبزي، فلا أخرج لهم إلا وقد مضى من النهار شيء، فحمد الله عمر ﵁، ثم قال لأهل حمص: وما شكايتكم؟ قال: لا يرد على أحد بالليل، فالتفت إليه عمر، فقال: قد تركت النهار لهم، وتركت الليل لربي، فحمد الله عمر ﵁، ثم قالوا له: إنه يغيب عنا يوماً في الشهر فلا يظهر إلا آخر النهار، فقال: أما إني كنت لا أحب أن أقول، ثم قال: إنه ليس لي إلا ثوب واحد، فإذا اتسخ غسلته، وانتظرته؛ حتى يجف، فأخرج إليهم متأخراً، قالوا: وكان يغشى عليه المرة بعد المرة، أي: يصاب بإغماء، قال: أما إني ما كنت أريد أن أقول، ولكني شهدت مصرع خبيب بن عدي ﵁ في مكة يوم صلبه كفار قريش وقالوا له: أتحب أن محمداً ﷺ مكانك؟ فقال: ما أحب أن يشاك محمد ﷺ بشوكة وأنا آمن في أهلي، ثم قتل، قال: ففي نفسي أني لم أكن نصرته يومئذٍ، وكنت من الكافرين، فكلما ذكرت موقفه أُغمي علي، فحمد الله عمر على أن هذا النموذج من ولاته يمثل سياسته ويمثل نظرته للمسئولية، ثم بعث به إلى حمص مرة أخرى، وبعث في إثره بأربعة آلاف درهم، كتب له أن ينفقها على نفسه وأهله؛ لأنه قد بلغت حاله من الزهد والفقر مبلغاً عظيماً، فدخل سعيد بن عامر على أهله -وقد كان في ذلك الوقت يتوقع مجيء جيش من جيوش الكفر- وهو مهموم مغموم، فقالت له زوجته: أي شيء يا سعيد! أجاء العدو؟ قال: لا، بل أعظم، قالت: فاذكر من عندك، قال: فإني لا آمنكم عليه، قالت: خذ الأمان لنفسك، قال: قد بعث عمر إلي بأربعة آلاف درهم، وأمرني أن أنفقها على نفسي وأهلي، وإن رسول الله ﷺ قال: (إن فقراء المهاجرين يسبقون أغنياءهم إلى الجنة بأربعين خريفاً)، وأخشى ألا أكون من السابقين، قالت: قد أمنتك، فدونك المال، فجعل يربطه خرقاً خرقاً ويوزعه، حتى ما انتهى يومه إلا وقد وزعه كله. فهذا نموذج من نماذج ولاة عمر ﵁، وهذه ثمرة ذلك النظر الثاقب في الرجال، وتلك المراقبة الدقيقة في متابعة الأعمال، فرضي الله عن عمر على ما قدم لأمة الإسلام والمسلمين. ونسأل الله أن يجدد فينا سيرة عمر وصحب رسول الله ﷺ أجمعين.

стр. 1892

عمر ﵁ والتنمية أما التنمية العمرية فقد ساس عمر الناس وقادهم وسعى في صلاحهم، وجهد في خيرهم وعطائهم ورخائهم؛ لتبرز لنا صورة مشرقة من صور التطبيق الإسلامي الأمثل لإدارة شئون الحياة، وللتعامل مع مستجدات الأمور، ونحن اليوم نسمع حديث التنمية والرخاء يتردد صباح مساء، وكثير من حديث الناس والساسة وأهل التحليلات والأخبار إنما يدور حول هذه القضايا، وقد مر بنا قريباً مؤتمر السكان والتنمية، وغير ذلك مما هو حديث الناس اليوم عن الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وعن الفقر، وعن مستوى المعيشة، وغير ذلك، ويُنسب كثير من النقص والقصور زوراً وبهتاناً واعتداءً وافتراءً إلى دين الإسلام! والإسلام من ذلك براء. فهذه صورة الحياة الإسلامية والرفاهية الإسلامية في عهد عمر ﵁ تبرز لنا الجانب المهم الذي ينبغي أن يكون يقيناً راسخاً عند كل مؤمن ومسلم، وهو أن الحياة في ظلال القرآن وفي هدي النبي ﷺ وعلى منهج الإسلام هي الحياة الهنيئة الوضيئة في هذه الحياة الدنيا، وهي التي تؤهل -بإذن الله إلى رضوان الله ورحمته في الحياة الأخرى، وأما غير ذلك فهو الشقاء وإن عظمت الأموال، وهو النكد والتعاسة والبلاء وإن اتسعت أسباب الرزق وتنوعت سبل التقدم، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. إن عمر ﵁ كان قد جعل للتنمية أسساً في طبيعة الفكر والحكم والمبادئ التي ساس بها أمته، فجعل المساواة والعدالة والحرية والشورى أسساً تنطلق من خلالها كل الإبداعات، وتتفجر عبرها سائر الطاقات، ويحصل من خلالها التنافس في مجال الخيرات، ولذلك جعل عمر هذه القوائم دعائم وأسساً لم يتخل عنها في إعلانه، ولا في تطبيقه، ولا في ممارسته، فجعل ذلك أمراً بيناً واضحاً، فهو في المساواة يعلن للأمة في ملأ منها قائلاً: (والله! الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ﷺ ، أي: التفريق إنما هو في العطاء والبذل للإسلام، قال عمر: (الرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وضناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، والله! لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه)، أي: في طلبه واستجداءً لغيره، قالها عمر بلسانه ثم طبقها بفعله، كما سنتحدث في بعض ومضات من تنمية عمر ﵁. لقد كان عمر ﵁ يطبق المساواة عملياً، فحينما جاءت بعض البرد -وهي الثياب الطيبة الرخية من بلاد اليمن- وزع عمر على الصحابة وعلى المسلمين، وأخذ لنفسه مثلهم، ثم لما رقي المنبر قال: (اسمعوا وأطيعوا)، قال: سلمان: (لا سمع ولا طاعة)، قال: (ما بك يا أبا عبد الله، قال: أعطيتنا برداً برداً وأخذت بردين، فقال عمر: قم يا عبد الله بن عمر! من أين هذه البردة؟ قال: إنها لي، وقد أعطيتها لأبي، قال عمر: لم يكن لي ثوب) وكان عمر طويلاً جسيماً، فأخذ ثوب ابنه وجعله معه، فقال سلمان: (أما الآن فقل نسمع ونطع بإذن الله .

стр. 1893

عدالة عمر ﵁ ثم جاء عمر ليؤسس العدالة، ويبين أنها أمر مهم لكي تستوي الفطرة البشرية، ولكي يمكن أن تنطلق الطاقات والابداعات، فإذا بـ عمر يقول مقدراً حقيقة مهمة هي أعظم من كل الدساتير التي تنادي بحقوق الإنسان اليوم، يقولها عمر في كلمات موجزة: (ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يقر على نفسه)، أي: بما لم يكن، وهذا دليل على حرية الإنسان وكرامته في الإسلام، وأن حقه محفوظ، وأن العدل ينصفه من كل من يعتدي عليه أو يجور، وإذا بـ عمر يطبق ذلك عملياً، كما في القصة المعروفة الشهيرة: لما أجرى عمرو بن العاص -وكان والياً على مصر- الخيل سبق أحد الأقباط ابناً لـ عمرو بن العاص، فأخذ هذا الابن درة وضرب بها المصري، وقال: أتسبق ابن الأكرمين؟! فخشي عمرو من هذا الحدث أن يبلغ عمر، فذكرت بعض الروايات أنه حبس الرجل أو أخره، ثم خرج الرجل من مصر إلى المدينة ينشد عدالة عمر، فاستدعى عمر عمرو بن العاص وابنه، وجمع الناس، فلما حق له الحق وعرف الواقعة أعطى درته للقبطي، وقال: اضرب بها ابن الأكرمين، ثم لما ضربه، قال: (جل بها على صلعة عمرو بن العاص، فوالله! ما ضربك إلا من سلطان أبيه)، فقال: القبطي -وقد رأى العدالة-: قد ضربت الذي ضربني يا أمير المؤمنين! وإني مسلم لله رب العالمين، قال: (والله! لو ضربته لما منعتك منه)، ثم التفت إلى عمرو بن العاص وهو يقول كلمته الأثيرة الشهيرة الذائعة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!).

стр. 1894

تثبيت عمر ﵁ لأصل الشورى في حياة المسلمين ويمضي عمر في الأصل الثالث، وهو أصل الشورى في حياة الأمة الإسلامية فيجعله أمراً واضحاً في كل شأن من شئون الحياة، فكانت الأمور في عصر عمر تجد، فكان يشاور ﵁ ولا يستبد، وكان يعطي الحرية لكل من شاء أن يقول بالحق ما شاء، وأن يطلب بالحق ما شاء، ومن ذلك: أنه خرج هو ورجل يقال له الجارود، فمضى معه في الطريق، فإذا بامرأة تعترض طريق عمر، وقالت: يا عمر! لي إليك حاجة، فوقف عمر يسمع منها، فقالت: يا عمر! عهدي بك وقد كنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تصارع الفتيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية! واعلم أن من خاف الموت خشي الفوت، فقال الرجل الذي مع عمر: إيهٍ! قد اجترأت على أمير المؤمنين، فأسكته عمر وقال: دعها يا جارود! أتعلم من هذه؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فلعمر الله لـ عمر أحرى أن يسمع من قولها. ويقول حذيفة ﵁: (دخلت على عمر وهو مهموم حزين، فقلت: ما أهمك يا أمير المؤمنين؟! قال: إني أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد عنه منكم تعظيماً لي)، أي: أنه كان يخشى أن تصد هيبته الناس من أن يأخذوا حريتهم في بيان الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال حذيفة: (والله! لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك، ففرح عمر لذلك وقال: الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقومونني إذا اعوججت).

стр. 1895

الفتوحات في عهد عمر ﵁ عندما جعل عمر المساواة والحرية والعدالة والشورى مبدأً عاماً في كل جانب من جوانب حياة الأمة تهيأت الأسباب الحقيقية لكل ما يأتي بعد ذلك، فكانت هناك أبواب عظيمة جعلها عمر -بإذن من الله وتوفيقه- باباً من أبواب الخير والرخاء والقوة المادية للأمة الإسلامية، ومن أعظم هذه الأبواب: باب الجهاد والفتوحات الإسلامية، لم تكن الأمة في عهد عمر راكنة إلى الأرض، راضية بالدون، مخلدة إلى متاع الحياة الدنيا، ولم تكن ممن يصدق عليها قول الله : ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨]، لم يثقلهم شيء، فانطلقوا في فجاج الأرض، انطلق صحب محمد ﷺ يقودهم عمر، ويوجههم ويفرقهم ويوزعهم على شتى البقاع والأمصار، فإذا بعهد عمر عهد الفتوحات العظيمة. ففي العام الرابع عشر فتحت بعلبك وحمص، وفي العام الخامس عشر فتحت المدائن، وكانت في هذه السنة وبعدها اليرموك والقادسية وفتوح الشام وفتوح العراق، وفي العام السادس عشر فتحت حلب وأنطاكية، وفي السابع العاشر كانت معركة جلولاء وفتحها، وكان فيها من الفيء ثمانية عشر ألف ألف في هذه الوقعة وحدها، وفي السابع عشر فتحت الأهواز، وفي الثامن عشر فتحت حران والموصل وتستر ونصيبين، وفي التاسع عشر فتحت تكريت وقيسارية، وفي التاسع عشر والعام العشرين أيضاً: فتح عمرو بن العاص أرض مصر، وفي العام التاسع عشر فتحت الجزيرة وإرمينيا، ومن بعدها في عام اثنين وعشرين فتحت أذربيجان وجرجان، وهذه بلاد نسمع عنها اليوم قد عفا عليها الزمن بعد أن ذهبت من بلاد الإسلام منذ أن فتحها عمر ﵁. وقد كان فتح جرجان ونهاوند على يد المغيرة ﵁، والدينور وهمدان على يد حذيفة ﵁، ومن بعد ذلك أتم عمرو بن العاص فتح طرابلس في الغرب، ففتحت البلاد، وتوسعت الأراضي، وزاد الخير، وعم النوال بلاد الإسلام والمسلمين بفضل الله ثم بإقامة شريعة الجهاد التي لم تكن إرهاباً ولا قتلاً ولا سفكاً للدماء، بل كثير من هذه البلاد قد فتح صلحاً، وأقر أهل البلاد المسلمين على دخولها، وعلى حكمهم وعلى حفظهم وعلى أداء جزيتهم للمسلمين. وكذلك كان أعظم هذه الفتوح، وهو فتح بيت المقدس، الذي مضى إليه عمر ﵁ بنفسه، ويأتي لنا حديث عنه بإذن الله .
следующие страницы →