← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

اتخاذ عمر ﵁ مبدأ الإشراف والمراقبة والمتابعة لعماله كان عمر يأخذ مبدأ الإشراف والرقابة والمتابعة، وأذكر نموذجاً واحداً من نماذج شتى يضيق المقام عن حصرها، هذا أحد النماذج التي كان عمر يفتح لها صدره وبابه ليسمع شكاية الناس في الولاة، ثم يأتي بالوالي والرعية في المجلس بين يديه، وينظر أمير المؤمنين في القضية: سعيد بن عامر الجمحي ﵁ كان والياً لـ عمر على حمص، فجاء إليه أهل حمص، فسألهم عن أميرهم، فشكوا إليه أربع خصال، فاستدعاه عمر من حينه إلى المدينة إلى مقر الخلافة؛ ليكون في مجلس القضاء الفصل، والحكم بالعدل بين يدي عمر ﵁، فجيء بـ سعيد وجيء ببعض أهل حمص الذين قالوا هذه المقالة، وتقدموا بشكاواهم، وكان سعيد بن عامر يدافع ويرد على ذلك بين يدي عمر، وقبل أن يقدم على عمر قال: (اللهم لا تخيب فراستي فيه)، فقد كان عمر يحزن أشد الحزن إذا وجد في ولاته تغيراً؛ لأنه كان ينتقيهم ويختارهم، ويتفرس فيهم، وينظر فيهم بفراسة المؤمن التي آتاه الله إياها، فكان يرى سعيد بن عامر مثلاً من صحابة النبي ﷺ ، ولم يكن يحب أن يكون فيه نقص أو تغير، لكنه كان يرى العدل، وكان يرى ضرورة ضبط الأمور في هذه المسئولية، فلما جاء أهل حمص قال لهم: ما شكايتكم؟ قالوا: كان لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، فالتفت عمر إلى سعيد: ما تقول؟ فيقول: أما إني ما كنت أحب أن أقول، ولكنه ليس لأهلي خادم، فإذا أصبح الصباح عجنت عجيني، وخبزت خبزي، فلا أخرج لهم إلا وقد مضى من النهار شيء، فحمد الله عمر ﵁، ثم قال لأهل حمص: وما شكايتكم؟ قال: لا يرد على أحد بالليل، فالتفت إليه عمر، فقال: قد تركت النهار لهم، وتركت الليل لربي، فحمد الله عمر ﵁، ثم قالوا له: إنه يغيب عنا يوماً في الشهر فلا يظهر إلا آخر النهار، فقال: أما إني كنت لا أحب أن أقول، ثم قال: إنه ليس لي إلا ثوب واحد، فإذا اتسخ غسلته، وانتظرته؛ حتى يجف، فأخرج إليهم متأخراً، قالوا: وكان يغشى عليه المرة بعد المرة، أي: يصاب بإغماء، قال: أما إني ما كنت أريد أن أقول، ولكني شهدت مصرع خبيب بن عدي ﵁ في مكة يوم صلبه كفار قريش وقالوا له: أتحب أن محمداً ﷺ مكانك؟ فقال: ما أحب أن يشاك محمد ﷺ بشوكة وأنا آمن في أهلي، ثم قتل، قال: ففي نفسي أني لم أكن نصرته يومئذٍ، وكنت من الكافرين، فكلما ذكرت موقفه أُغمي علي، فحمد الله عمر على أن هذا النموذج من ولاته يمثل سياسته ويمثل نظرته للمسئولية، ثم بعث به إلى حمص مرة أخرى، وبعث في إثره بأربعة آلاف درهم، كتب له أن ينفقها على نفسه وأهله؛ لأنه قد بلغت حاله من الزهد والفقر مبلغاً عظيماً، فدخل سعيد بن عامر على أهله -وقد كان في ذلك الوقت يتوقع مجيء جيش من جيوش الكفر- وهو مهموم مغموم، فقالت له زوجته: أي شيء يا سعيد! أجاء العدو؟ قال: لا، بل أعظم، قالت: فاذكر من عندك، قال: فإني لا آمنكم عليه، قالت: خذ الأمان لنفسك، قال: قد بعث عمر إلي بأربعة آلاف درهم، وأمرني أن أنفقها على نفسي وأهلي، وإن رسول الله ﷺ قال: (إن فقراء المهاجرين يسبقون أغنياءهم إلى الجنة بأربعين خريفاً)، وأخشى ألا أكون من السابقين، قالت: قد أمنتك، فدونك المال، فجعل يربطه خرقاً خرقاً ويوزعه، حتى ما انتهى يومه إلا وقد وزعه كله. فهذا نموذج من نماذج ولاة عمر ﵁، وهذه ثمرة ذلك النظر الثاقب في الرجال، وتلك المراقبة الدقيقة في متابعة الأعمال، فرضي الله عن عمر على ما قدم لأمة الإسلام والمسلمين. ونسأل الله أن يجدد فينا سيرة عمر وصحب رسول الله ﷺ أجمعين.

стр. 1892

عمر ﵁ والتنمية أما التنمية العمرية فقد ساس عمر الناس وقادهم وسعى في صلاحهم، وجهد في خيرهم وعطائهم ورخائهم؛ لتبرز لنا صورة مشرقة من صور التطبيق الإسلامي الأمثل لإدارة شئون الحياة، وللتعامل مع مستجدات الأمور، ونحن اليوم نسمع حديث التنمية والرخاء يتردد صباح مساء، وكثير من حديث الناس والساسة وأهل التحليلات والأخبار إنما يدور حول هذه القضايا، وقد مر بنا قريباً مؤتمر السكان والتنمية، وغير ذلك مما هو حديث الناس اليوم عن الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وعن الفقر، وعن مستوى المعيشة، وغير ذلك، ويُنسب كثير من النقص والقصور زوراً وبهتاناً واعتداءً وافتراءً إلى دين الإسلام! والإسلام من ذلك براء. فهذه صورة الحياة الإسلامية والرفاهية الإسلامية في عهد عمر ﵁ تبرز لنا الجانب المهم الذي ينبغي أن يكون يقيناً راسخاً عند كل مؤمن ومسلم، وهو أن الحياة في ظلال القرآن وفي هدي النبي ﷺ وعلى منهج الإسلام هي الحياة الهنيئة الوضيئة في هذه الحياة الدنيا، وهي التي تؤهل -بإذن الله إلى رضوان الله ورحمته في الحياة الأخرى، وأما غير ذلك فهو الشقاء وإن عظمت الأموال، وهو النكد والتعاسة والبلاء وإن اتسعت أسباب الرزق وتنوعت سبل التقدم، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. إن عمر ﵁ كان قد جعل للتنمية أسساً في طبيعة الفكر والحكم والمبادئ التي ساس بها أمته، فجعل المساواة والعدالة والحرية والشورى أسساً تنطلق من خلالها كل الإبداعات، وتتفجر عبرها سائر الطاقات، ويحصل من خلالها التنافس في مجال الخيرات، ولذلك جعل عمر هذه القوائم دعائم وأسساً لم يتخل عنها في إعلانه، ولا في تطبيقه، ولا في ممارسته، فجعل ذلك أمراً بيناً واضحاً، فهو في المساواة يعلن للأمة في ملأ منها قائلاً: (والله! الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ﷺ ، أي: التفريق إنما هو في العطاء والبذل للإسلام، قال عمر: (الرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وضناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، والله! لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه)، أي: في طلبه واستجداءً لغيره، قالها عمر بلسانه ثم طبقها بفعله، كما سنتحدث في بعض ومضات من تنمية عمر ﵁. لقد كان عمر ﵁ يطبق المساواة عملياً، فحينما جاءت بعض البرد -وهي الثياب الطيبة الرخية من بلاد اليمن- وزع عمر على الصحابة وعلى المسلمين، وأخذ لنفسه مثلهم، ثم لما رقي المنبر قال: (اسمعوا وأطيعوا)، قال: سلمان: (لا سمع ولا طاعة)، قال: (ما بك يا أبا عبد الله، قال: أعطيتنا برداً برداً وأخذت بردين، فقال عمر: قم يا عبد الله بن عمر! من أين هذه البردة؟ قال: إنها لي، وقد أعطيتها لأبي، قال عمر: لم يكن لي ثوب) وكان عمر طويلاً جسيماً، فأخذ ثوب ابنه وجعله معه، فقال سلمان: (أما الآن فقل نسمع ونطع بإذن الله .

стр. 1893

عدالة عمر ﵁ ثم جاء عمر ليؤسس العدالة، ويبين أنها أمر مهم لكي تستوي الفطرة البشرية، ولكي يمكن أن تنطلق الطاقات والابداعات، فإذا بـ عمر يقول مقدراً حقيقة مهمة هي أعظم من كل الدساتير التي تنادي بحقوق الإنسان اليوم، يقولها عمر في كلمات موجزة: (ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يقر على نفسه)، أي: بما لم يكن، وهذا دليل على حرية الإنسان وكرامته في الإسلام، وأن حقه محفوظ، وأن العدل ينصفه من كل من يعتدي عليه أو يجور، وإذا بـ عمر يطبق ذلك عملياً، كما في القصة المعروفة الشهيرة: لما أجرى عمرو بن العاص -وكان والياً على مصر- الخيل سبق أحد الأقباط ابناً لـ عمرو بن العاص، فأخذ هذا الابن درة وضرب بها المصري، وقال: أتسبق ابن الأكرمين؟! فخشي عمرو من هذا الحدث أن يبلغ عمر، فذكرت بعض الروايات أنه حبس الرجل أو أخره، ثم خرج الرجل من مصر إلى المدينة ينشد عدالة عمر، فاستدعى عمر عمرو بن العاص وابنه، وجمع الناس، فلما حق له الحق وعرف الواقعة أعطى درته للقبطي، وقال: اضرب بها ابن الأكرمين، ثم لما ضربه، قال: (جل بها على صلعة عمرو بن العاص، فوالله! ما ضربك إلا من سلطان أبيه)، فقال: القبطي -وقد رأى العدالة-: قد ضربت الذي ضربني يا أمير المؤمنين! وإني مسلم لله رب العالمين، قال: (والله! لو ضربته لما منعتك منه)، ثم التفت إلى عمرو بن العاص وهو يقول كلمته الأثيرة الشهيرة الذائعة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!).

стр. 1894

تثبيت عمر ﵁ لأصل الشورى في حياة المسلمين ويمضي عمر في الأصل الثالث، وهو أصل الشورى في حياة الأمة الإسلامية فيجعله أمراً واضحاً في كل شأن من شئون الحياة، فكانت الأمور في عصر عمر تجد، فكان يشاور ﵁ ولا يستبد، وكان يعطي الحرية لكل من شاء أن يقول بالحق ما شاء، وأن يطلب بالحق ما شاء، ومن ذلك: أنه خرج هو ورجل يقال له الجارود، فمضى معه في الطريق، فإذا بامرأة تعترض طريق عمر، وقالت: يا عمر! لي إليك حاجة، فوقف عمر يسمع منها، فقالت: يا عمر! عهدي بك وقد كنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تصارع الفتيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية! واعلم أن من خاف الموت خشي الفوت، فقال الرجل الذي مع عمر: إيهٍ! قد اجترأت على أمير المؤمنين، فأسكته عمر وقال: دعها يا جارود! أتعلم من هذه؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فلعمر الله لـ عمر أحرى أن يسمع من قولها. ويقول حذيفة ﵁: (دخلت على عمر وهو مهموم حزين، فقلت: ما أهمك يا أمير المؤمنين؟! قال: إني أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد عنه منكم تعظيماً لي)، أي: أنه كان يخشى أن تصد هيبته الناس من أن يأخذوا حريتهم في بيان الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال حذيفة: (والله! لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك، ففرح عمر لذلك وقال: الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقومونني إذا اعوججت).

стр. 1895

الفتوحات في عهد عمر ﵁ عندما جعل عمر المساواة والحرية والعدالة والشورى مبدأً عاماً في كل جانب من جوانب حياة الأمة تهيأت الأسباب الحقيقية لكل ما يأتي بعد ذلك، فكانت هناك أبواب عظيمة جعلها عمر -بإذن من الله وتوفيقه- باباً من أبواب الخير والرخاء والقوة المادية للأمة الإسلامية، ومن أعظم هذه الأبواب: باب الجهاد والفتوحات الإسلامية، لم تكن الأمة في عهد عمر راكنة إلى الأرض، راضية بالدون، مخلدة إلى متاع الحياة الدنيا، ولم تكن ممن يصدق عليها قول الله : ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨]، لم يثقلهم شيء، فانطلقوا في فجاج الأرض، انطلق صحب محمد ﷺ يقودهم عمر، ويوجههم ويفرقهم ويوزعهم على شتى البقاع والأمصار، فإذا بعهد عمر عهد الفتوحات العظيمة. ففي العام الرابع عشر فتحت بعلبك وحمص، وفي العام الخامس عشر فتحت المدائن، وكانت في هذه السنة وبعدها اليرموك والقادسية وفتوح الشام وفتوح العراق، وفي العام السادس عشر فتحت حلب وأنطاكية، وفي السابع العاشر كانت معركة جلولاء وفتحها، وكان فيها من الفيء ثمانية عشر ألف ألف في هذه الوقعة وحدها، وفي السابع عشر فتحت الأهواز، وفي الثامن عشر فتحت حران والموصل وتستر ونصيبين، وفي التاسع عشر فتحت تكريت وقيسارية، وفي التاسع عشر والعام العشرين أيضاً: فتح عمرو بن العاص أرض مصر، وفي العام التاسع عشر فتحت الجزيرة وإرمينيا، ومن بعدها في عام اثنين وعشرين فتحت أذربيجان وجرجان، وهذه بلاد نسمع عنها اليوم قد عفا عليها الزمن بعد أن ذهبت من بلاد الإسلام منذ أن فتحها عمر ﵁. وقد كان فتح جرجان ونهاوند على يد المغيرة ﵁، والدينور وهمدان على يد حذيفة ﵁، ومن بعد ذلك أتم عمرو بن العاص فتح طرابلس في الغرب، ففتحت البلاد، وتوسعت الأراضي، وزاد الخير، وعم النوال بلاد الإسلام والمسلمين بفضل الله ثم بإقامة شريعة الجهاد التي لم تكن إرهاباً ولا قتلاً ولا سفكاً للدماء، بل كثير من هذه البلاد قد فتح صلحاً، وأقر أهل البلاد المسلمين على دخولها، وعلى حكمهم وعلى حفظهم وعلى أداء جزيتهم للمسلمين. وكذلك كان أعظم هذه الفتوح، وهو فتح بيت المقدس، الذي مضى إليه عمر ﵁ بنفسه، ويأتي لنا حديث عنه بإذن الله .

стр. 1896

موقف عمر ﵁ من الأراضي التي ملكها المسلمون بعد فتحها ولما فتحت هذه البلاد رأى عمر الخير يأتي من جوانبها كلها، فرأى عمر ﵁ أن هذا المال وهذا العطاء حق للمسلمين، وكان ينظر نظراً بعيد المدى، لا ينظر إلى اليوم والغد فقط، وإنما ينظر إلى الأمة الإسلامية في شتى الأصقاع، وينظر إلى الأجيال التي ستأتي من بعده، فلما فتحت أرض العراق، وكان الشأن أن الأرض والسبي توزع على المقاتلين بحسب بلائهم وبحسب مشاركتهم في الجهاد، لكن عمر رأى أن هذا الفتح أعظم من أن يقسم بين أولئك الجند وحدهم، ثم لا يكون نصيب ولا شيء لسائر الأمة ولا لمن يأتي بعدهم، فماذا صنع عمر؟ لم يستبد برأيه، وإنما جمع أهل الشورى وطرح رأيه مستنبطاً بفقه دقيق عميق من كتاب الله ، لينظر إلى مصلحة الأمة، وليؤسس لها أسساً تفيدها وتنفعها في قوتها ورخائها وعزتها، قال عمر ﵁ مستنبطاً من كتاب الله أن هذه الأرض يرى عمر أن تكون وقفاً لعموم الأمة الإسلامية في عصره والعصور من بعده، وأن يقر أهلها عليها، فلا يكونون من السبي؛ حتى يؤدوا الجزية، ويعطوا الخراج أيضاً، ورأي عمر هذا استنبطه من كتاب الله؛ قال: يقول الله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، هذا أمر الفيء بعامته، قال: ثم خص الله به الفقراء من المهاجرين، ففي قوله جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، ثم يقول عمر: ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم أي: بالمهاجرين غيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، ثم قال: وهؤلاء هم الأنصار فيما نعلم، ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم، فقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، قال: فكانت هذه عامة للمسلمين وللمقاتلين وغيرهم، كيف أقسمها بينهم؟ أيأتي من بعدهم فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؟ نظر عمر هذا النظر فخالفه بعض الصحابة، وخالفه بعض من كان من المقاتلين، وقالوا: حقنا يا أمير المؤمنين! فأعطنا إياه، فاستشار عمر، وما زال يستشير؛ حتى جمع جمعاً من الأنصار من الأوس والخزرج وقال لهم مقرراً كل الحقائق التي أشرت إليها من العدالة والحرية والمساواة والشورى، قال قولاً بسط فيه الرأي لهم، وسطر فيه ما رأى من الخير للأمة، فقال ﵁ وأرضاه: (إني لم أجمعكم إلا لتشتركوا معي في أمانتي التي حملت، وإني واحد منكم كأحدكم، وأنتم الذين تقرون بالحق خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فقالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين! فقال: سمعتم كلام هؤلاء الذين يقولون: إني ظلمتهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أرتكب ظلماً، ولئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت)، ثم شرح ما سبق أن أسلفته من الآيات، قال: ورأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها -أي: على المسلمين كلهم- لتكون وقفاً لهم، وأضع عليهم فيها الخراج -أي: على الأرض- وعلى رقابهم الجزية، فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور -أي: البلاد التي على حدود بلاد المسلمين- لابد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن -البصرة والكوفة ونحوها- لابد من شحنها بالجند، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يُعطى هؤلاء إذا اقتسم هؤلاء؟ فأجمع الصحابة على رأي عمر فأمضاه، وكان الخير تلو الخير في ذلك، كما سنذكر بعد. فهذا باب من أبواب التنمية في الفتوحات وما كان فيها من الغنائم وما جعله عمر وقفاً على الأمة الإسلامية.

стр. 1897

إحياء عمر ﵁ للأرض الموات وهناك أمر ثانٍ: وهو إحياء الأرض الموات، كان عمر يذكر الناس بحديث النبي ﷺ : (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، وهذا هو أمر التنمية، وهذا هو أمر الاستصناع والاستثمار، أن تبسط أيدي الناس في أرض الله ، وأن يعطوا منها، وأن يكلفوا بإعمارها، وأن يستخرجوا خيراتها، وأن يستثمروا ما فيها مما جعله الله من الأرزاق، فرأى عمر ﵁ بعض الناس يأخذون هذه الأراضي ليستصلحوها وليحيوها، لكنهم يحتجزونها ويبقونها كما هي، فقال عمر ﵁: (إنه ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين)، ثلاث سنوات للإحياء والاستثمار، أما أن يجعلها تحت يده ليستكثر بها من الأراضي فلا. وجاء رجل من أهل البصرة إلى عمر وقال: إن قبلنا أرضاً ليست من أرض الخراج، فلو رأيت أن تقطعنيها لتكون مرعىً لخيلي، فكتب عمر إلى أبي موسى ﵁: (إن كانت كما يقول -أي: هذه الأرض ليست من الخراج، وليس فيها مصلحة للأمة- فأقطعه إياها واجعلها له)، وهكذا كان عمر ﵁ يجعل الناس يأخذون ويعملون ولا يبقى أحد عالة أو فقيراً.

стр. 1898

حث عمر ﵁ على مبدأ العمل والصنعة والحرفة كان عمر يأخذ مبدأ ثالثاً: وهو مبدأ العمل والصنعة والحرفة، حتى لا يبقى في الأمة أحد كالاً أو عاجزاً، فقد كان عمر يسمع بالرجل وعبادته وشأنه فيحبه ويعظمه، فيسأل بعد ذلك عن حرفته أو مهنته، فيقال: إنه يُنفق عليه، فيسقط من عينه ﵁، وكان عمر يقول: (إني لأحب الرجل يعمل العمل ويحترف الحرفة)؛ لأن العمل هو الأساس الذي علم النبي ﷺ الأمة أن فيه الشرف والعزة لصاحبه، وكان يقول ﵊: (ما أكل أحد قط طعاماً خيراً من أن يأكل من كسب يده) وكان يذكر عن داود ﵇ أنه كان يأكل من كسب يده، بل كان النبي ﷺ يذكر للأمة أنه كان يرعى الغنم لأهل مكة بقراريط يأخذها منهم، وهكذا كان عمر بنفسه في أول أمره يتجر لنفسه ويعمل لنفسه، ثم بعد ذلك فرض له الصحابة من بيت المال.

стр. 1899

إعمار عمر ﵁ للمدن وتخطيطه لها ثم من معالم التنمية العمرية إعمار المدن وتخطيطها، فليس الإسلام -كما يظن البعض- دردشة أو تخلفاً، رأى عمر ﵁ هذه البلاد وهي تفتح والناس وهم يصيحون في الأرض، فرأى أن يمصر الأمصار، وأن يقيم البلاد، فأنشأ البصرة والكوفة والفسطاط وغيرها من البلاد. وكان عمر ﵁ يكتب في دقيق الأمور وجليلها، ويفصل في صغيرها وكبيرها، كتب عمر إلى سعد بأن يدعو صاحب التنزيل -وصاحب التنزيل بمثابة رئيس المهندسين الذي يخطط- فيأمره أن يحدد لهم خطط المدينة، وأن يجعل فيها مناهج -أي: شوارع كبيرة، وهي الشوارع الرئيسة كما تسمى اليوم- بعرض أربعين ذراعاً، وما يليها ثلاثين -أي: الشوارع التي أقل منها- وما يليها عشرين وأن يجعل فيها أزقة -وهي: الطرق الصغيرة- عرضها سبعة أذرع ليس دون ذلك شيء. فقام بهذا العمل، وأسست على ذلك المدن، ثم أيضاً بنوا هذه البيوت بالقصب، ثم جاء الحريق فأحرقها، فاستأذنوا عمر أن يبنوا باللبن، وكان عمر المستشار في كل أمر من أمور الأمة في كل مكان، فكتب إليهم أنه لا بأس بذلك، وكتب إليهم يبين أنه ينبغي ألا يؤدي الأمر إلى الإتراف والركون إلى الدنيا، فقال: (لا يزيد أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطيلوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة، وابنوا ما لا يقربكم من الترف، ولا يخرجكم من القصد).

стр. 1900

فتح عمر ﵁ قناة بين النيل والبحر الأحمر كان عمر ينظر أيضاً إلى أمور عجيبة دقيقة، فقد كتب إلى عمرو بن العاص واستدعاه هو وجماعته من أهل مصر، فلما جاء قال عمر ﵁: (إن مصر بلد كثيرة الخير والطعام، ولقد ألقي في روعي الرفق بأهل الحرمين والتوسيع عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوة لهم، ورأيت أن أحفر خليجاً من نيلها حتى يسيل في البحر؛ فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فاذهب يا عمرو! وشاور أصحابك)، يريد أن يفتح القناة بين النيل والبحر الأحمر؛ ليسهل الطريق، فذهب عمرو إلى أهل مصر يستشيرهم فخاف أهل مصر أن يضر ذلك بنيلهم وبشربهم وبزراعتهم، فقالوا: نخشى ذلك، فعظم الأمر على أمير المؤمنين يا عمرو! يعني: اجعله عظيماً وخطيراً حتى يصرف النظر عنه، فجاء عمرو إلى عمر ﵁ يعظم له الأمر، ويهوله عليه، فقال عمر -وله فراسة-: (كأني بك يا عمرو! ذهبت إلى أهل مصر فقالوا: نخشى على مائنا وزرعنا، فعظم الأمر لأمير المؤمنين، قال: والله إنه لكما قلت يا أمير المؤمنين! قال عمر: فامض لما أمرتك فاحفر الخليج، فلا يأتين قابل إلا وقد فرغت منه)، فكان كما كان، فما أتى عام إلا وقد جرت السفن فيما بين النيل والبحر الأحمر كما ذكر أهل التاريخ والسير. وهكذا كان عمر ﵁ يجهد للأمة، فدون الدواوين، وأنشأ النظم الإدارية الحديثة، ورعى الأمة بسياسة حكيمة، فعم الرخاء والنوال، وهكذا يكون كل من سار على منهج الإسلام، والتزم هدي النبي ﷺ ورأى العدالة والحرية والمساواة وأخذ بالشورى كما كان عمر ﵁. فالله نسأل أن يجدد في أمتنا سيرة عمر ﵁، وأن ينهج بنا نهج صحابة رسول الله ﷺ .

стр. 1901

انتشار الرخاء في عهد عمر ﵁ كان عمر ﵁ يأخذ بالإسلام والتقوى، فعم الخير والنوال، وأنقل لكم صورة تبين الرخاء الذي عم بلاد الإسلام في عهد عمر: فهذه أسس السيرة والتاريخ تجمع على هذه المعلومات وهي: أنه ما كان مولود يولد في الإسلام إلا وله من بيت مال المسلمين مائة درهم، فإذا ترعرع -أي: نشأ- وكبر قليلاً صار له مائتا درهم، وكان عمر في أول أمره لا يكتب ذلك للمولود حتى يفطم؛ لأنه لا يحتاج إلى طعام ولا عطاء؛ لأنه يرضع من أمه، فمر مرة فرأى امرأة ومعها غلام يبكي، فقال: (يا أمة اللهّ! انتبهي لغلامك)، ثم بعد فترة رآه يبكي فزجرها، ثم رآها بعد ذلك، فقال: (مالك يا أمة الله؟! قالت: إني أراغمه على الفطام، قال: ولم تفطمينه قبل وقته؟ قالت: إن عمر لا يفرض إلا لمن فطم)، أي: أنها تريد عطاء عمر لأنها في حاجة، فبكى عمر ﵁ حتى غلبه النشيج، ثم قال: (ألا كل مولود في الإسلام له عطاء من بيت مال المسلمين)، أي: أن كل مولود بلا استثناء يعطى من بيت المال بلا منة، وبلا أن يكون هناك داعٍ إلى طلب يمنعه منه الحياء، كل ذلك كان في عهد عمر ﵁، ثم كان يأخذ كل من كان يحتاج من اللقطاء أو غيرهم؛ حيث جعل لهم نفقة من بيت مال المسلمين، ثم إنه جعل العطاء عاماً في الأمة كلها مما يأتي من الخراج والأرض الموقوفة والغنائم وغيرها، فجعل لأهل بدر ألفين ألفين، وخص الحسن والحسين فجعل لهما خمسة آلاف إلحاقاً بأبيهما علي ﵁ لقرابته من النبي ﷺ ، وأعطى بعد ذلك الصحابة السابقين ثلاثة آلاف، وأعطى أسامة بن زيد أربعة آلاف، فجاء عبد الله بن عمر، وقال لـ عمر: (أعطيتنا ثلاثة آلاف، وأعطيت أسامة أربعة آلاف، وليس أبوه في الإسلام مثلك؟ فقال عمر ﵁: فإن أبوه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وإنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك)، وهكذا كان يحكم بقدر البلاء في الإسلام والقرابة والصلة بالنبي ﷺ ، حتى فرض لأزواج النبي ﷺ لكل واحدة منهن اثني عشر ألف درهم، فجاء عطاء عمر إلى زينب أم المؤمنين ﵂، وقالوا لها: هذا من عمر، فقالت: (رحم الله عمر قد كانت غيري من أخواتي أقدر على قسمه مني)، أي: أنها ظنت أن عمر أعطاها إياه لتفرقه على المحتاجين والفقراء، فقالوا: (بل هو لك، فاستترت منه بثوب، وقالت: أفرغوه، فلما أفرغوه قالت: استروه بثوب، فلما ستروه بثوب، قالت لمولاة عندها: خذي منه قدر يديك، واذهبي به إلى بيت آل فلان، ثم جاءت المرة الأخرى فقالت لها: خذي منه كذا خذي منه كذا، فقالت لها: يا أم المؤمنين! والله! إن لنا في هذا لحقاً، قالت: ما تحت الثوب فهو لكم، -أي: ما بقي- قالت: فكشفنا عنه فإذا هو خمسة وثمانون درهماً، وفرقت كل ذلك، ثم قالت ﵂: اللهم لا يدركني بعد عامي هذا عطاء لـ عمر)، فماتت قبل أن يحول الحول ﵂ وأرضاها، وكان عمر يعطي كل أحد، ويبلغ عطاؤه كل إنسان، حتى إنه مر مرة بيهودي قد أسن وبلغ به الكبر عتياً، وهو في حالة رثة، فقال له عمر: (من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما لك هكذا؟ قال: أشكو الجزية والحاجة والتعب، فأخذ عمر ﵁ بيده إلى بيت المال وأعطاه، ثم قال: انظروا هذا وأضرابه فأعطوهم من بيت مال المسلمين؛ والله! ما أنصفناه في شيبته وقد أخذنا منه في شبيبته)، وهكذا كان عطاء عمر يصل إلى كل مكان، حتى جاء مرة رجل من أهل العراق اسمه خالد بن عرفطة العذري، فقال عمر: (كيف حال الناس؟) وانظروا إلى حال الناس في عهد عمر، فقال هذا الرجل: (يا أمير المؤمنين! إني تركت الناس يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم، ما أحد وطئ القادسية -أي: شارك فيها- إلا وعطاؤه ألفان أو خمسة عشر مائة وإنه ما من مولود يولد إلا لحق في مائة -يعني: له مائة- وجريبين -أي: كيسين من طعام- كل شهر، ذكراً كان أم أنثى، وما يبلغ لنا ذكر إلا لحق على خمسمائة أو ستمائة) هذا لرجل يصف هذه الحال، ثم يستكثر هذا العطاء لأن هذا العطاء أكثر من حاجة ذلك الصغير أو ذلك البالغ أو نحو هذا، فقال: (فإذا خرج هذا بأهل البيت منهم من يأكل الطعام ومنهم من لا يأكل -أي: منهم الصغير- فما ظنك به؟ إنه لينفقه فيما ينبغي!) رأى هذا أن في هذا زيادة، فأراد من عمر أن يقلل في عطاء الناس، فقال عمر ﵁: (الله المستعان! إنما هو حقهم أعطوه، وأنا أسعد بأدائه إليهم منهم بأخذه، فلا تحمدني عليه؛ فإنه لو كان من مال للخطاب ما أعطيتموه)، ثم بين أسساً في الاستثمار والتوسع والتخطيط للمستقبل فقال: (ولكني قد علمت أن فيه فضلاً -أي: زيادة- ولا ينبغي أن أحبسه عنهم؛ فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه غنماً فجعله بثوابه، فإذا خرج عطاؤه مرة ثانية، ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها؛ فإنه أنفع له، وإني أخاف عليكم بعدي: أن يليكم ولاة لا يعطونكم عطاءً، وإني أنصح لك كما أنصح لأقصى رجل في ثغور المسلمين)، فكان ﵁ يريد منهم أن يستثمروا الأموال، وألا يكونوا معتمدين على العطاء، وهكذا كتب عمر إلى عماله: (أن أعط الناس على تعلم القرآن)، وكانت الجوائز والمنح للسابقين في الإسلام، ولمن يعملون بالأعمال الإسلامية، والتشجيع والمكافئات في هذه الميادين لا في غيرها، فكتب إلى عماله: (أن أعطوا الناس على تعلم القرآن)، فكتب إليه هذا الوالي -وفي بعض الروايات أنه سعد -: (إن الناس قد أقبل بعضهم على تعلم القرآن لا يريد إلا العطاء)، أي: أصبحوا يتعلمون لأجل أن يأخذوا هذه المكافئات من عمر، وهو يريد أن عمر يمنعها، فقال عمر: (أعط على القرآن، وأعط على المروءة والصحبة)، أي: من قصر في تعلم القرآن، ولكنه سبق في ميدان آخر فأعط هؤلاء، وأعط هؤلاء، بل قد أمر عمر ﵁ لامرأة بخادم ونفقته؛ فقد روي أنه رأى امرأة تحمل قربة ماء قد ناءت بها، فسألها عن حالها، فقالت: إني أشكو التعب وليس لي خادم يخدمني، فحمل عنها عمر ﵁، ثم قال لها: (ائت أمير المؤمنين؛ فلعله أن يخدمك خادماً، فقالت: إني لا أصل إليه، قال: بل تأتينه فتجدينه)، فجاءت فإذا هو عمر ﵁، فأمر لها بخادم ونفقة. لقد اتسع العطاء وعم الرخاء في عهد عمر، حتى إنه كان يكتب مع الجيوش الغازية بتسمية الأطباء والقضاة والمرشدين يعينهم ويصرف عليهم من بيت مال المسلمين، وهذا كله من فضل الله ، ثم من فضل هذا الدين العظيم، وكذلك من الالتزام العظيم من عمر بمنهج الله وبما كان عليه رسول الله ﷺ ، وبإقرار الحق، وإقامة العدل، فكانت هذه الصورة المشرقة، ولم يدع عمر ﵁ لأجل التنمية إلى منع النسل أو تحديده، كما يزعم الزاعمون، ولم يدع إلى أية حلول من هذه الحلول العرجاء العوجاء، وإنما كان عمر يؤسس الأسس المنهجية، ثم يتحرك في صورة عملية، ثم يجعل الأمة كلها على قلب رجل واحد، فكان هذا الخير الذي عم ديار الإسلام والمسلمين، ويتكرر ذلك في كل زمان ومكان بحسب قرب الناس من دين الله والتزامهم شرع الله . فالله نسأل أن يلزمنا دينه، وأن يلزمنا شرعه، وأن يقيمنا على هدي رسوله ﷺ ، وأن يلحقنا بآثار أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 1902

العدالة العمرية العدالة العمرية معلم عظيم من معالم السيرة العمرية التي نتفيأ ظلالها، ونستقي أخبارها، ونجني من ثمارها، والعدل أساس في الحياة الإنسانية كلها، وبانعدامه تختل الأمور، وتضطرب الأحوال، وتقع الشحناء والبغضاء، ويفشو الظلم والاعتداء، وما من نفس بشرية ما تزال على فطرتها إلا وهي مفطورة على إباء الظلم، ومفطورة على حب العدل، وتجد أن في العدل راحتها وطمأنينتها، وتجد فيه أساساً لانطلاقها وحريتها، وتجد من خلاله فرصة لعملها واستثمارها، وبدونه تتعطل الطاقات، وتكبت الحريات، وتتبلد الأحاسيس، ويفوت الناس خير كثير. وعمر ﵁ جاء في فترة من الزمان عصيبة وعجيبة، تضاعفت فيها مساحة الدولة الإسلامية أضعافاً مضاعفة، ودخل فيها في دين الإسلام آلاف مؤلفة، وتشعبت الأمور، واختلفت طرائق الحياة، وتغيرت موارد الرزق، وتفجرت خيرات الدنيا، وكان عمر ﵁ قد عاش مع النبي ﷺ بيئة فيها بساطة، وفيها محدودية في مساحتها وفي إطارها، ولكنه تعلم المبادئ، وتلقن الأسس، وتلقى المنهج الذي يطبق على الفرد كما يطبق على الأمة وإن بلغت الملايين من البشر، ويطبق على الرقعة الصغيرة كما يطبق على الدنيا كلها في شرقها وغربها، وتلقى قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، وتلقى من محمد ﷺ نموذج العدالة الأكمل في فعله ﵊، فلذلك جعل عمر ﵁ هذا المعلم ركناً ركيناً وأساساً مكيناً في سياسته، وفي معاملته، وفي إدارته، وفي فتوحاته وجهاده ﵁ وأرضاه.

стр. 1903

مزايا عدالة عمر ﵁ ولـ عمر منهجية فريدة متميزة لعلنا أن نشير إلى بعض ملامحها، وأن نقتبس بعض أنوارها في هذه الوقفة الوجيزة التي تقصر عن الإشارة إلى المزايا في عدالة عمر فضلاً عن الإحاطة بها: أولاً: جعل عمر العدالة شعاراً وعنواناً معلناً لكل الناس، ظاهراً في كل المحافل، منصوباً عليهم في كل أمر وفي كل حكم وفي كل قضاء، وهكذا أراد أن يقول للناس: إن العدل حق لكم، وأن العدل أساس في حياتكم. فنجد عمر ﵁ أنبأ عن ذلك في مقالة بدأ فيها بنفسه، وضرب المثل من شخصه، فقال: (أيما عامل ظلم أحداً وبلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا الذي ظلمته)، إنه يريد أن يقول: إن العدالة أمر لابد أن يكون عاماً شاملاً واسعاً معلناً، وكذلك نجده يكتب إلى ولاته وعماله أن يوافوه في موسم الحج؛ ليلتقي بهم، ويسألهم عن أحوال الرعية، ويسمع ما يقال عنهم من الشكاوى، ويواجههم بها، فلما اجتمع مرة في موسم من المواسم جمع من ولاته وأمرائه قام في الناس ﵁ وأرضاه وقال: (أيها الناس! والله ما أبعث إليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم ﷺ ، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده! لأقصنه منه أمام الأمة كلها)، لقد أعلن أمام الأمة كلها ولاة ورعية، ضعفاء وأقوياء، صغاراً وكباراً، أغنياء وفقراء، أن العدالة شعار مرفوع ينبغي أن يعم الناس جميعاً. ولكن عمر لم يكتف بذلك، بل جعل العدل غاية وأساساً لا مجرد لافتة ترفع، ولا كلمات تقال، وإنما أراد أن يجعله محوراً تنجذب إليه كل الأمور، وتنطلق منه كل الأحكام، وتعود إليه كل الولايات، وترتبط به جميع أمور الحياة التي كان يسيرها عمر ﵁ من مدينة رسول الله ﷺ ، فنجده لا يتجاوز العدل مطلقاً، ولا يغفل عنه أبداً، ويأمر أن يكون هو الذي يكون المحور الأساسي في شتى الأمور التي تدار في حياة الأمة الإسلامية، فها هو يكتب إلى أبي موسى ﵁ أحد ولاته يبين أن العدل ينبغي أن يكون الغاية، فإن فات في مرحلة فلا يفوتن في الأخرى، وإن وقع خطأ فلا ينبغي أن يسكت عنه، بل ينبغي أن يصحح، فكتب إليه قائلاً: (لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل)، وتأمل قول عمر: (فإن الحق قديم لا يبطله شيء)؛ لأن الحق مرتبط بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فإن وقع خطأ في اجتهاد فليصحح، فإن كانت غفلة فلتتبعها يقظة، وينبغي أن يكون عند الإنسان العود إلى العدل والإنصاف، وإلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولذلك أراد عمر أن يرسخ المعاني الإيمانية في الآيات القرآنية، كقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨]. ويبين عمر أيضاً في توضيح غاية العدل وأساسه أنه لابد فيه من التجرد والتنزه عن الأهواء، وعدم التأثر بأية عوامل خارجية من قرابة أو صحبة أو معرفة أو علو منزلة، ولا يرقب الوالي في قضائه وفي حكمه وفي قسمه به بين الناس إلا وجه الله ، ولا يخاف إلا عقاب الله ، فكان عمر إذا جاءه من يتقاضى جثا ﵁ وأرضاه على ركبتيه، وقال: (اللهم أعني عليهما -أي: على المتخاصمين- فإن كل واحد منهما يريدني عن ديني)، أي: أنه يريد أن أقضي له على حساب ديني وعلى حساب أمانتي وعلى حساب التزامي كتاب الله وسنة رسول ﷺ ، ثم قال: (وما أبالي إذا اختصم إلي رجلان لأيهما كان الحق)، أي: وإن كان للضعيف أو للفقير أو للوضيع، فالحق هو الذي يحكم ولا يحكم عليه، وقال: (ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة)، أي: في الحق وإقامة العدل.

стр. 1904

تقرير عمر ﵁ وترسيخه لمنهج العدل ثم يمضي عمر في تقرير منهجية العدل وترسيخه داعياً إلى إزالة العوائق التي تحول بين الناس وبين العدل؛ فإن بعض الناس قد يتنازل عن حقه، وقد يسقط ما له، وقد يترك قضيته، لا عن رضا وطيب نفس، ولكن من خلال بعض العوائق التي توضع في طريقه، كأن يماطل في حقه، أو يخوف من قريب أو بعيد، أو يبعث إليه من هنا وهناك، فيأتي ويعلن أنه قد أسقط حقه، وأنه قد تنازل عن قضيته، فأراد عمر ألا تكون هذه المظاهر تدل على إقامة العدل مع أنها أسست على صور من الظلم أو من منع العدل، فـ عمر ﵁ يكتشف هذا بثاقب نظره، ويوصي بألا يكون هناك ما يبطئ إقامة العدل، أو ما يجعل الناس لا يندفعون لطلب الحق بقوة وجرأة، فإذا به يكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ويقول له: (إذا حضر الخصمان، فعليك بالبينات العدول والأيمان القاطعة، ثم ادن الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجترئ قلبه؛ فإنه ربما هاب السلطان والحكم، وربما هاب قوة الحكم فلم يفصح عن حجته، ولم يبن عن قضيته، فإن كان هذا في نفسه فأزل هذا العائق من نفسه، وتعاهد الغريب -أي: الذي جاء من بلد آخر لأجل هذه القضية، يريد أن ينتهي منها ليرجع إلى أهله- فإنه إن طال حبسه ترك حاجته وانصرف إلى أهله، وإنما ضيع حقه من لم يرفق، وآس بينهم)، أي: بين الخصوم، أي: ساوي بينهم، وفي أي شيء يساوي بينهم؟ هل في المنزلة والقدر أو في مجلس الحكم؟ ليس هذا مراد عمر؛ فهذا أمر مفروغ منه، ولكنه يقول: (وآس بينهم في لحظك وطرفك)، أي: في نظرتك إليهم، فإذا نظرت إلى هذا فانظر إلى ذاك، وإذا بششت في وجه هذا فبش في وجه ذاك؛ لئلا يكون لهذا مظنة في الاسترسال ولذلك مظنة في الانقباض، قال: (آس بينهم في لحظك وطرفك، واحرص على الصلح ما لم يتبين لك القضاء). وهكذا يبين أساس العدل، وكيف يكون في نفس المؤمن، فيقول ﵁: (باب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد)، ولعمري إن هذه الكلمات من عمر ﵁ لكلمات تستحق أن تكتب بماء الذهب على صفحات النور، إذ يبين فيها الدافع الإيماني الذي يوجد الاندفاع والالتزام بالعدل، ثم يبين العائق الذي قد يصد الإنسان عن قيامه بالعدل، فهو يقول: (باب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد)، ثم يشرح ويقول: (والاعتبار: ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، ومن ذكر ما بعد الموت اعتبر وارتدع عن الظلم، وعلم أنه إن ظلم أو جار أو قسط فإن من وراء ذلك حساباً، وإن من بعد الحساب عذاباً، فكان ذلك باب للعدل، وهو إقامة الخوف من الله ، ومراقبته في قلب المؤمن، فمن لم يخش الله لا يخشى أحداً من الناس، ومن لم يستحي من الله فإنه كما قال النبي ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت))، ثم يكمل عمر الشق الثاني بحكمته البليغة فيقول: (والزهد: أخذ الحق من كل أحد عنده له حق، وتأدية الحق إلى كل أحد له حق، ولا يُصانع في ذلك أحد، الزاهد: الذي نزع من نفسه التعلق بالدنيا وشهواتها، حينئذٍ لا يميل في حكمه طمعاً في دنيا الغني، ولا يميل في حكمه خوفاً من بطش القوي، فقد زهد -بمعنى: أنه لم يجعل للدنيا ولا لأهلها في نفسه ميزاناً- فمن استكمل ذلك فإنه قد استكمل الأساس الركين الذي يقيم به العدل بين الناس). ولئن كان هذا قول عمر ومنهجه الذي بسطه لولاته، فإن تطبيقه العملي كان أروع وأعظم وأقدر من كل هذه المقالات على بلاغتها ووضوحها وشيوعها وذيوعها، فها هو عمر يعطينا المثل في تطبيق العدل على نفسه وعلى أهله وعلى ولاته وعلى الأشراف والعظماء، فكل يخضع لسلطان العدل، وكل يأخذ حقه بالعدل. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1905

جعفر بن أبي طالب - الشهيد الطيار جعفر بن أبي طالب ﵁ هو ابن عم رسول الله ﷺ ، وهو شقيق علي بن أبي طالب ﵁، هاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم هاجر إلى مدينة رسول الله ﷺ ، فأقام بالمدينة مدة قصيرة، ثم أمّره رسول الله ﷺ على الجيش في مؤته فحمل الأمانة وتقلد المسئولية حتى استشهد ﵁.

стр. 1906

قرابة جعفر بن أبي طالب من النبي ﷺ ومنزلته عنده بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فباسم الله نبدأ، وعليه نتوكل، ونسأله التوفيق في كل ما نأتي وما نذر، ونسأله الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنبنا الفتنة والزلل، ونسأله أن يجمعنا في مستقر رحمته ودار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر إخواناً على سرر متقابلين. أخي الكريم! حديثنا عن جعفر بن أبي طالب ﵁ الشهيد الطيار. وجعفر ﵁ واحدٌ من خريجي مدرسة النبوة المباركة، المدرسة التي خرجَّت لنا معالم القمة والقدوة في سائر جوانب الحياة، في العقيدة صفاءً وعمقاً وثباتاً، وفي العبادة كثرةً وإخلاصاً وخشوعاً، وفي الفكر إدراكاً ونضجاً ووعياً، وفي المعاملات المالية ورعاً وبذلاً وزهداً، وفي سائر جوانب الحياة المختلفة. ووقفاتنا مع الصحابي الجليل جعلتها في خمس محطات: الأولى: في الحب والقرب. والثانية: في التضحية والهجرة. والثالثة: في الفطنة والدعوة. والرابعة: في الجود والكرم. والخامسة: في الشجاعة والإقدام. ولقد نال جعفر ﵁ في كل هذه الجوانب قصباً من السبق عظيماً، وقدراً وافراً كريماً، ولعل هذه الوقفات الموضوعية تعيننا على الانتفاع من سيرة جعفر ﵁، وهي كذلك لا تخلو أو لا تقطع سير وسرد الحياة التي كانت له في صورة قصص وأحداث. ونبدأ بمحطتنا الأولى محطة القرب والحب، فـ جعفر قريب إلى رسول الله ﷺ وحبيب. وأما قربه فمن وجوهٍ كثيرة، فهو ابن عم رسول الله ﵊؛ إذ هو جعفر بن أبي طالب، واسم أبي طالب: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، وهو الأخ الشقيق لـ علي وعقيل ابني أبي طالب ﵃ أجمعين، وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فالنسب موصولٌ برسول الله ﷺ من جهة الأب ومن جهة الأم. وقد أسلم جعفر بن أبي طالب -كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب- بعد علي ﵁ بقليل. وروى ابن إسحاق -كما نقل عنه ابن عبد البر وكذلك ابن حجر في الإصابة- أنه أسلم بعد واحد وثلاثين رجلاً، وكان هو الثاني والثلاثين. وفي روايةٍ أخرى أنه كان الخامس والعشرين، فهو من السابقين الأوائل إلى الإسلام. وورد في بعض الروايات أن الذي دعاه هو أبو بكر الصديق ﵁. وفي روايات أخرى -وإن كانت الروايتان السابقتان أشهر وأظهر- أنه كان في أوائل من أسلم بعد خديجة بنت خويلد ﵂ وعلي بن أبي طالب وزيد وبلال والمقربين القريبين من رسول الله ﵊. وبالجملة فإن الذين سبقوا إلى الإسلام كانت لهم مزايا ومحاسن هي التي جاءت بهم إلى الإسلام دون غيرهم ممن أعرضوا وصدوا وممن قاوموا وآذوا رسول الله ﷺ ، فالذين أسلموا وأقبلوا على الإسلام كان لهم زكاء نفس، ورجاحة عقل، وطهر قلب، ثم أراد الله قبل ذلك بهم الخير، فأقبل بقلوبهم على الإسلام ومتابعة رسول الله ﷺ .

стр. 1907

إسلام جعفر ﵁

стр. 1908

بعض القصص التي تبين حب النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب ﵁ ومن وجوه الحب قصص كثيرة مع هذا القرب الذي كان للنسب، والذي كان تبعاً لذلك بالمعاشرة والمعايشة؛ فإن رسول الله ﷺ كان في فترة من الزمان في ظل رعاية وكنف أبي طالب والد جعفر ﵁، وعلي بن أبي طالب تربى ونشأ في حجر رسول الله ﷺ ، وجعفر شقيقه، وهو أسن من علي بعشر سنين، فكان قريباً ومخالطاً لرسول الله ﵊. وروى البخاري من حديث البراء بن عازب قصةً تنبئنا عن هذا القرب والحب، قال ﵁: (اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد ﷺ إلى آخر ما هو مذكور في قصة الحديبية، ثم أخذ النبي ﷺ بما أخذ به من شأن الصلح، ثم مضى الأجل، فلما دخلها النبي ﷺ –أي: مكة- في عام القضاء ومضى الأجل. أتوا علياً –أي: كفار مكة- فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب ﵁ عم النبي ﷺ وهي تقول: يا عم، يا عم. فتناولها علي بن أبي طالب ﵁ فأخذ بيدها، وقال لـ فاطمة بنت رسول الله ﷺ : دونكِ ابنة عمكِ. فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي -أي: ليرعاها ويربيها؛ لأنها ابنة حمزة ﵁. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي –أي: خالتها زوجتي- وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بينهم النبي ﷺ ، وانظر إلى هذا القضاء العظيم وإلى هذا العقل الراجح، وإلى التربية النفسية الفريدة لرسول الله ﷺ ، كلٌ يفضي إلى ابنة حمزة بنسب أو سبب، فكيف يكون القضاء؟ ولابد من أن يقضي لواحدٍ، فكيف يكون لغيره الرضا؟ فقضى بها النبي ﵊ لخالتها، وهي زوجة جعفر ﵁، وقال: (الخالة بمنزلة الأم) ثم قال لـ علي: (أنت مني وأنا منك) وقال لـ جعفر: (أشبهت خلقي وخُلقي) وقال لـ زيد: (أنت أخونا ومولانا) فأثنى على كل واحد منهم بما طيَّب نفسه وخاطره، وقضى ﵊ بما هو الأصلح والأكمل. وشاهدنا هنا قوله لـ جعفر: (أشبهت خلقي وخُلقي) وقد كان أشبه صحابة رسول الله ﷺ برسول الله من حيث الخلقة، وأضاف النبي بنص حديثه الخُلقُ، وذلك دليل موافقةٍ وحبٍ. وذكر الذهبي في السير رواية هذا الحديث من طريق ابن إسحاق عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد أنه سمع النبي ﷺ يقول لـ جعفر: (أشبه خَلْقك خَلْقي، وأشبه خُلقك خُلقي، فأنت مني ومن شجرتي) رجاله ثقات، وأخرجه أحمد في المسند. ومثل ذلك رواه ابن سعد في الطبقات، وهذا دليل قربٍ وحبٍ واضح فيما كان لـ جعفر عند رسول الله ﷺ . ورواية أخرى لهذا الحديث عن هانئ بن هانئ عن علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: أشبهت خَلقي وخُلقي). ومن صور المحبة الفياضة لـ جعفر في قلب المصطفى ﷺ ما عُلم بعد ذلك مما سيأتي في سيرة جعفر يوم قدم على رسول الله ﷺ راجعاً من الحبشة إلى المدينة المنورة، فوافى النبي ﷺ والمسلمين بعد غزوة خيبر، وفتح الله لهم، فقال رسول الله ﷺ : (لا أدري لأيهما أُسر: بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟)، فجعل ذلك الفتح العظيم الذي كان من أعظم الفتوح من حيث الغنائم، ومن أعظمها وأجلها من حيث تطهير الجزيرة من اليهود -عليهم لعائن الله- جعله في قمة السرور، لكنه قارن ذلك ووزاه وسواه وقارنه بحبِّه ﷺ لـ جعفر وسروره بقدومه. قال الذهبي ﵀ في السير: وقد سُر رسول الله ﷺ لقدوم جعفر، وحزن والله لوفاته. ذكر ذلك في مقدمة ترجمته في السير. وكان النبي ﷺ يحب بعد جعفر أبناء جعفر، ويضمهم إليه، ويشمهم ويردفهم ويقربهم؛ لما كان لـ جعفر ﵁ وأرضاه من الحب والمنزلة الأثيرة. روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفرٍ تُلقي بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفرٍ فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة ﵂ فاردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثةً على دابةٍ) أي: كانوا مع رسول الله ﷺ . وقد ورد كذلك في شأن قدوم جعفر ما يكشف عن مزج تلك المحبة بالإجلال والتقدير لـ جعفر عند رسول الله ﷺ ، فقد ذكر ابن عبد البر في سياق هذه الرواية: أنه لما قدم جعفر على رسول الله ﷺ تلقاه المصطفى ﵊ واعتنقه، وقبَّل بين عينيه، وقال: (ما أدري لأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟) وأنزله رسول الله ﷺ إلى جوار المسجد. وهذا التقبيل بين عينيه إجلالٌ وحبٌ، والاعتناق دليل شوقٍ من الرسول ﷺ لـ جعفر، وقد نأت به هجرته عن رسول الله ﷺ منذ ما قبل هجرته ﵊، مدة سبع سنين إلى يوم فتح خيبر لرسول الله ﷺ وللمسلمين. وقد ذكر ابن حجر في الإصابة -أيضاً- أن في المسند عند الإمام أحمد من حديث علي رفعه قال: (أعطيت رفقاء نجباء) وعد منهم سبعةً. منهم جعفر بن أبي طالب ﵁، وسياق الحديث على أن هذه الكوكبة من أقرب وأحب أصحاب محمدٍ ﷺ إليه، ولذلك بلغ الحزن برسول الله ﷺ مبلغاً يوم استشهد جعفر بن أبي طالب. روت عائشة ﵂ قالت: (لما جاءت وفاة جعفر عرفنا في وجه النبي ﷺ الحزن) وعن أسماء بنت عميس زوج جعفر ﵁ قالت: (دخل عليَّ رسول الله ﷺ فدعا بني جعفر،، فرأيته شمهم –أي: قبَّلهم واعتنقهم- وذرفت عيناه ﵊، فقلت: يا رسول الله! أبلغك عن جعفر شيءٌ؟ قال: نعم. قتل اليوم، قالت: فقمنا نبكي، فرجع وقال: اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فقد شغلوا عن أنفسهم). ووردت روايات أخرى تحكي لنا حزن النبي ﷺ على جعفر، كقوله ﵊ فيما وردت به بعض الروايات: (على مثل جعفر فلتبك البواكي). وكان ﵊ يحب جعفر ويقربه، وتلك بعض مواقف الحب والقرب في محطتنا الأولى.

стр. 1909

تضحية جعفر بن أبي طالب ﵁ وهجرته في سبيل الله وأما المحطة الثانية: فالتضحية والهجرة، وهي السمة الغالبة على حياة جعفر ﵁، فقد هاجر ثلاث هجرات لم يهاجرها غيره من الصحابة إلا نفرٌ قليل. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة المنورة، فحياته كلها كانت هجرةً لله ولرسوله ﷺ ، ولإقامة الدين والدعوة إليه، ولإقامة شعائره وشرائعه، فهو ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميس ﵂ الهجرة الثانية، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة، وعاش فيها ردحاً من الزمن. وقال ابن حجر في الإصابة: وعلى يديه أسلم النجاشي ومن تبعه في الحبشة، وذكر روايةً عن ابن مسعود أن جعفر بن أبي طالب كان أمير المهاجرين في الحبشة، وروى ذلك ابن سعد في الطبقات. وذلك كله يدلنا على أن جعفراً ﵁ كان من أهل الإيمان الراسخ، واليقين العظيم، والتضحية الكبيرة، حيث ترك داره وأرضه وبلاده، وهاجر إلى الحبشة بعد أن أذن بذلك وأمر به رسول الله ﷺ لما قال: (إن بأرض الحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد، فالحقوا بأرضه -أو ببلاده-)، فذهب جعفر ﵁ في الفوج الأول الذي لم يكن يتعدى عددهم -كما في بعض روايات السيرة- اثني عشر أو ثمانية عشر ما بين رجل وامرأة، ثم كان كذلك في الفوج الثاني الذي زاد على ثمانين رجلاً وامرأة، وكانت له المواقف العظيمة هناك، وكانت هجرته على هذا النحو، ثم لحق بالنبي ﷺ ، فسجلت له هجرة إضافية أو هجرة ثالثة، فكان ممن كانت حياته كلها هجرةً وتضحيةً في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله . ثم إن أبا موسى الأشعري روى لنا قصة المهاجرين من الحبشة، وكيف قدموا على رسول الله ﷺ ، فأخبر أبو موسى ﵁ أنه خرج ومعه نفرٌ من قومه من بلاده من اليمن، قال: نريد رسول الله ﷺ بالمدينة، فقذفت بنا السفينة إلى أرض الحبشة، فوافينا جعفراً وأصحابه، ثم خرجنا معهم جميعاً إلى رسول الله ﷺ ، فوافينا المدينة في أعقاب خيبر. وهنا وقعت قصةٌ كذلك تدلنا على مسألة الهجرة وأهميتها وفائدتها، ترويها لنا أسماء بنت عميس، وهي مذكورة في البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة المشهورة، هذه الرواية فيها: أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم ودخل على بيته، وعند زوجته امرأةٌ فقال: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، فقال عمر ﵁: ألحبشية -أي: هل هي الحبشية التي جاءت من الحبشة-؟ فقالت: نعم. فقال الفاروق عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. وكان تفاخر القوم ليس بالأحساب والأنساب، وإنما بالبذل والتضحية في سبيل الله، وبالقرب وبالخدمة والذود والحماية لرسول الله ﷺ . فغضبت أسماء ﵂ من ذلك وحزنت -وكانوا أحرص شيءٍ على الخير والفضل في هذا الدين- فقالت: كلا. والله! كنتم مع رسول الله ﷺ ، يطعم جائعكم، ويعلم جاهلكم، وكنا في دار البعداء والبغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نؤذى ونخاف. فذهبت إلى رسول الله ﷺ فقالت له ذلك، فقال ﵊: (ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم -يا أهل السفينة- هجرتان) فأثنى عليهم النبي ﷺ لفضل الهجرة وترك الديار والأهل والعيش في الغربة حفاظاً على الدين وحرصاً على إقامته، فقال: (له ولأصحابه هجرةٌ، ولكم يا أهل السفينة! هجرتان)، فقالت أسماء ﵂: (فجعل أهل الحبشة يأتون إليَّ أرسالاً؛ يسألونني عن حديث رسول الله ﷺ ؛ لأنهم كانوا أفرح الناس بالخير. وهذا يدلنا على فضل الهجرة عموماً، والهجرة إلى رسول الله ﷺ خصوصاً، وقد نال جعفر بن أبي طالب قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في سيرة النبي ﷺ .

стр. 1910

فطنة جعفر بن أبي طالب ﵁ ودعوته إلى الحق وفي سياق الهجرة ننتقل إلى المحطة الثالثة لنفرد بعض أحداث الهجرة في هذه المحطة المهمة، محطة الفطنة والدعوة، لقد كان جعفر ﵁ ذكياً أريباً أديباً، حسن المنطق، راجح العقل، وافر الذكاء، يحسن القول في وقت القول، ويحسن ما يذكر في القول مما ينفع ولا يضر، وكان ﵁ وأرضاه داعيةً حكيماً حصيفاً أريباً. ولذلك كان مُقَدَّم القوم والصحابة في الحبشة، كما أشرنا أن ابن سعد في الطبقات روى عن ابن مسعود ﵁ أنه كان أميراً للمؤمنين في الحبشة. ونعلم جميعاً القصة الشهيرة التي نريد أن نذكر سياقها في قصة بعث قريش لـ عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص ليذهبا إلى النجاشي ويطلبا منه تسليم الصحابة رضوان الله عليهم الذين هاجروا إلى الحبشة، فإن قريشاً بجاهليتها الجهلاء وغطرستها العمياء ورغبتها في العدوان والإيذاء لم تترك المهاجرين وقد تركوا لها مكة كلها وذهبوا إلى الحبشة، فلحقت بهم، وأرادت أن تردهم لتشفي غيضها بعذابهم وإيذائهم، ولتمنع تسرب الدعوة من الجزيرة إلى خارجها، ولئلا يشوه المسلمون سمعتها وصورتها عند الآخرين من الأمم والأقوام، فبعثوا حينئذٍ عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وسياق الرواية نذكره من رواية أم سلمة ﵂، وكانت من المهاجرات إلى الحبشة، وهذا السياق عند الإمام أحمد في مسنده، وهو الذي ذكره ابن إسحاق وابن هشام في السيرة، وبنحوه ذكره ابن سعد في الطبقات، والبيهقي في دلائل النبوة، وهو سياقٌ فيه كلامٌ نفيس وعرض جميل يدل على الذكاء والفطنة، وعلى الدعوة كذلك. قالت أم سلمة ﵂: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، آمننا على ديننا، وعبدنا الله فلا نؤذى، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، فجمعوا له أدماً -أي: جلداً- كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له. وهذا ما يسمى اليوم بالضغط السياسي، حيث هيئوا له، وأهدوا للبطارقة الهدايا حتى يوافقوهم على قولهم. ثم قالت: بعثوا بذلك -أي: بهذه الهدايا- عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص -وكانا على غير الإسلام- وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريقٍ هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم -لا يريدون للنجاشي أن يسمع قولهم- فقدما على النجاشي فدفعا إلى كل بطريقٍ هديته، وقالا: إنه قد صبأ إلى بلدكم منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدينٍ مبتدعٍ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً. فقالوا: نعم. وانظر إلى دهاء عمرو بن العاص؛ حيث قال لهم: فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم. أي: فلا هم منا ولا هم منكم، فليست لكم بهم صلة، وليس عندكم شيءٌ لأجله تحفظونهم أو تراعونهم. ثم أشاروا إليهم أن يدفعوا النجاشي إلى أن يسلمهم دون أن يسمع لهم. فجاءا إلى النجاشي وقربا إليه هدايا، ثم قال لهما: تكلما. فقالا له: أيها الملك! إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدينٍ مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً وبما عابوا عليهم. فقالت بطارقته: صدقوا، فأسلمهم إليهما -تسليم مجرمين كما نقول اليوم، أو اتفاقيات تسليم لمجرمين أو لإرهابيين كما يزعمون اليوم-. فغضب النجاشي وقال: لاها الله إذاً: لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقولون، فإن كانوا كما يقولان -أي: عبد الله وعمرو بن العاص - سلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله قال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين آخر من أديان هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب. -وفي بعض الروايات أن جعفراً قال: إذا جئنا فأمسكوا فإني أكون أنا الذي أكلمه. فماذا قال جعفر؟ قال: أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، وكف الأذى، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه، وآمنا به، فعبدنا الله فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، فاخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. وأعتقد لو أن مؤتمراً إسلامياً كاملاً يعقد حتى يصوغ مثل هذه الدعوة الجليلة الذكية لقصر عن ذلك.

стр. 1911

مسائل مهمة في مواجهة جعفر بن أبي طالب لعمرو بن العاص ﵄ أمام النجاشي وهنا مسائل كثيرة في هذه الحادثة يقصر مقامنا عن ذكرها، فالمسلمون كانوا أقليةً في بلدٍ غير إسلامي، وهم لحالهم ذلك كأنما يمثلون أوضاع الجاليات المسلمة في بلادٍ غير إسلامية كما هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم، فأول أمرٍ نلحظه هنا مشورة المسلمين فيما بينهم، ثم وحدة كلمتهم واجتماع أمرهم؛ إذ لم يتفرقوا ولم يختلفوا، بل أجمعوا أمرهم، ووحدوا كلمتهم، وانتدبوا المتحدث باسمهم، فليست هناك أقوالٌ ولا آراءٌ متعددة يظهرون بها لغير المسلمين. ثم إن جعفراً ﵁ أحسن المقالة، وأظن أن من يسمع قول جعفر لابد من أن يوافقه ويؤيده مباشرةً؛ فإنه بدأ بقوله: (أيها الملك) وهذا ليس فيه شيء من التعظيم لغير المسلم، بل فيه وصفٌ لحقيقته التي هو عليها، فهو ملك تلك البلاد، فليس في مثل هذا حرجٌ شرعيٌ، بل فيه تنزيل حسنٌ؛ لكي يكون هناك جسرٌ يمتد منه الحديث وتتحد به الأرضية لكي يقبل على ذلك القول ويسمع له ويصغي. ووردت روايات أخرى في غير هذا السياق أنهم كانوا إذا دخلوا على النجاشي يركعون له، وأن عبد الله وعمرو بن العاص فعلا ذلك، فلما جاء جعفر لم يصنع مثل هذا، فقال له: لِمَ لا تركع كغيرك؟ قال: إنا لا نركع ولا نسجد إلا لله . فكان هذا الموقف أيضاً لفت نظرٍ إلى أن المساومة في أمرٍ شرعيٍ ثابتٍ أو عقديٍ أساسيٍ لا مجال فيه مطلقاً، لكن قوله: (أيها الملك) ليس فيه غضاضة ولا حرجٌ شرعيٌ بحال. ثم بدأ يسرد له، فذكر له مساوئ الجاهلية، ذكرها بصيغةٍ موجزةٍ بليغة محكمة، وبينها وفصلها، فقال: (كنا نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف). فأي صورةٍ هذه؟ وأي مجتمعٍ هذا؟ وأي أخلاقٍ هذه؟ إنها تلك التي تنفر منها كل نفس سوية، ويأباها كل عقلٍ راشد، تلك هي صور الجاهلية على حقيقتها المؤلمة، والكفر على صورته البشعة وأخلاقه الرذيلة الذميمة وأحواله الاجتماعية الطبقية العنصرية الظالمة الباغية. ثم قال: (فبعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه). وهذا هو سر اختيار الصحابة وإجماعهم على جعفر؛ لأنه ابن عم رسول الله ﷺ ، فهو أعرف به وألصق به من غيره من بقية الصحابة، فقوله فيه يكون عن بصيرةٍ وعلمٍ وخبرةٍ وقربٍ أكثر من غيره، ولذلك قال هذه المقالة. ثم بين دعوة الإسلام، فبدأ بالتوحيد فقال: (فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان). ثم ذكر الجانب الأخلاقي الإنساني في الإسلام؛ لأن هذه الجوانب الإنسانية قاسمٌ مشترك بين الأمم وبين الناس جميعاً من أصحاب الفطر السوية، والمسلمون يحسن بهم أن يظهروا هذه الجوانب لغير المسلمين؛ لأنها الجوانب التي تلفت العقول والأنظار، وتسلب أو تجبي أو تستميل النفوس والقلوب إلى حقائق الإسلام، ولذلك عرضها فقال: (أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، وكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة)، ثم ذكر بعد ذلك الأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة، وهذا تلخيصٌ حسنٌ لجوامع الإسلام وأسسه وقواعده دون أن يخوض في التفصيل والتفريع؛ لأنه في مقام عرضٍ إجماليٍ يبين حقيقة هذا الدين في كلياته وأصوله وقواعده، ويظهر محاسنه ومنافعه وفوائده. ثم ذكر بعد ذلك ما يكشف حقيقة الكفر والشرك والجاهلية في معارضتها للأخلاق الفاضلة، ومضادتها لحقوق الإنسان، ومنعها لحرية الرأي والتعبير والاعتقاد، فقال: (فلما رأى قومنا ذلك عذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل) أي أنهم شقوا عليهم وعذبوهم وآذوهم، فظهر حينئذٍ أن هذا ظلم وبغي، وكل صاحب نفسٍ حرةٍ وفطرة سوية يكون مع هؤلاء المظلومين ضد المعتدين، بغض النظر عن الدين والمعتقد، وهذا نراه اليوم أيضاً لدى بعض الأفراد والجماعات والمجموعات والمنظمات من غير المسلمين، حيث قد يكون عندهم تشبثٌ حقيقي بحقوق الإنسان، ورغبةٌ في رد الظلم والعدوان من أي أحدٍ كان، ولذا نرى منهم مواقف عجيبة، ليست منطلقة من منطلقات الإسلام، لكنها منطلقة من منطلقات الإنسان، ولذلك نرى من يسمونهم نشطاء السلام يدافعون عن إخواننا في فلسطين، ويرفعون قضيتهم، وربما قتل بعضهم كما هو معلومٌ ومعروف، وهم في ذلك يرون أنهم يدافعون عن حقٍ وعدل، ويمنعون ظلماً وجوراً، وينصرون إنساناً مضطهداً دون أن ينظروا إلى دينه وعقيدته، فبعض المعاني الإنسانية المشتركة راعاها جعفر بن أبي طالب ﵁ في دعوته بذكاءٍ وفطنة، ثم ختمها بأحسن ختامٍ عندما أثنى على النجاشي وبلاده بما هو فيها من غير زيادة، والمسلم الحق من يذكر الحق والواقع بإنصافٍ وعدل، حتى وإن كان عند غير المسلم، فقال: لما حصل ذلك خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك. وهذا يستدعي من النجاشي حميته وقوته وعطفه، كيف يلتجئ إليَّ أناس فأخذلهم؟ وكيف يرغبون في جواري فأطردهم؟ وكيف ينشدون عدلي فأظلمهم؟ ولذلك أحسن جعفر ﵁ هذا العرض إحساناً بالغاً فائقاً، وأثنى على النجاشي وبلاده في مجمل أوضاعها بما هو حقٌ، وليس في هذا حرجٌ شرعي، ليس من حرجٍ أن نقول عن نظام بعض تلك البلاد أو بعض قوانينها أو بعض أحوالها ما هو عدلٌ وحق وما فيه مصلحة ومنفعة، وإن لم يكن قائماً على أساسٍ عقدي صحيح، وإن لم يكن منطلقاً من الإسلام وعقائده ومبادئه، ولذلك قال له هذا القول. ثم ختم بقوله: (ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك) فلما قال هذه المقالة الجامعة الوافية الذكية، قال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ وهنا جاهزية الداعية المسلم الذي لا يتلكأ، فقال جعفر: نعم، فقرأ عليه صدراً من سورة مريم، واختيار القراءة أيضاً موفق؛ فإن صدر سورة مريم فيه قصة زكريا ويحيى وعيسى ﵈ جميعاً، وفيه ذكر أمورٍ يعرف جعفر أن النجاشي يعرفها من كتابه ودينه، فقرأها فبكى -والله- النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى بلوا مصاحفهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما أبداً. فردهما، ولكن هل استسلم عمرو بن العاص، وهو داهية العرب كما نعلم؟ فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأتينه غداً أعيبهم عنده بما استأصل به خضراءهم. أي: سوف آتي غداً في جولةٍ أخرى، وأذكر عن هؤلاء المسلمين قضيةً سوف تغير موقف النجاشي عليهم. فأي شيءٍ سيذكر؟ سيذكر أمراً متعلقاً بالعقيدة والدين، لنعلم أن المحرك الأساسي والجوهري في اتخاذ المواقف إنما هو العقيدة والمبدأ قبل المصلحة والمنفعة. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أكبر الرجلين كما تقول رواية أم سلمة -: لا تفعل؛ فإن لهم أرحاماً. فقال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون في عيسى بن مريم أنه عبد! وما لـ عمرو بن العاص وهو وثني مشرك ولعيسى بن مريم وللمسيحية والنصرانية؟! إنما يريد الفتنة، وهذا هو الذي يستغله -أيضاً- أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم، فإنهم لا يريدون حقاً وعدلاً، وإنما يريدون أن يطعنوا المسلمين ويسيئوا إليهم ويؤلبوا عليهم. فغدا عليه من الغد، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. ونلاحظ أنه لم يقل ما يقولون، إنما أراد أن يجعل القضية في حس النجاشي ضخمةً وعظيمة، حتى إذا سمع النجاشي القول كان غضبه في غاية العظمة والشدة، فأرسل إليهم ليسمع منهم، وهذا من عدل النجاشي؛ فإنه لم يسمع من طرفٍ في كلتا الحالتين. تقول أم سلمة ولم ينزل بنا مثلها. أن هذه معضلة، فالقوم في كتبهم تحريف، ونعرف أنهم يقولون: إن عيسى هو ابن الله. أو: عيسى هو الله. ونحن قطعاً ويقيناً في عقيدتنا وديننا أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. قالت: فقال بعضهم: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول فيه ما قال الله ، وما جاء به نبينا ﷺ ، وكائن في ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى؟ قال له جعفر ﵁: (نقول فيه الذي جاء به نبينا ﵊: هو عبد الله وروحه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول). وهذا الكلام مختصرٌ موجز، لكنه دقيق وحكيم؛ فإنه قال: نقول فيه ما جاء به نبينا ﷺ . فليس القول من عندنا، وليس اجتهاداً، وإنما هو دينٌ ووحيٌ، ثم قال: (عبد الله)، وذلك ينفي أنه ابن الله، وينفي أنه الله -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-، لكنه أضاف المعنى المعجز الذي نؤمن به، وهو (وروحه) أي: التي قذفها في مريم ﵍، (ورسوله) فهو نبي مرسل كرسول الله ﷺ . ثم قال: (وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول) أيضاً ليبرئ مريم ﵍ مما يقذفها به بعض اليهود والمحرفين منهم على وجه الخصوص، فهو جمع في ذلك محاسن عقيدة الإسلام في هذه المسألة المهمة، فلا هو ابن الله، ولا هو الله، ولا هو بشرٌ كسائر البشر، بل هو كلمةٌ وروح ألقاها الله إلى مريم، وليست مريم ﵍ فيها شيء من شبهة أو من قذفٍ أو غير ذلك. وهنا استطراد يسير نذكره لبعض علماء الإسلام، وهو أبو بكر الباقلاني، حيث جاءه بعض النصارى، وأرادوا أن يثيروا بعض الشبه، فقالوا له: إن زوجة نبيكم قد وقع لها ما وقع -يعنون بذلك حادثة الإفك، ويرمون بذلك عائشة

стр. 1912

كرم جعفر بن أبي طالب ﵁ وجوده وأما المحطة الثالثة فمحطة الجود والكرم، ولقد نال منها جعفر مبلغاً ورتباً لم ينلها كثيرٌ غيره من أصحاب رسول الله ﷺ . ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -وأبو هريرة كما نعلم كان من أهل الصفة، ومن فقراء المسلمين الذين كانوا ليس لهم مصدر عيش ولا قوت ولا طعام إلا ما يكون من الغنائم في الجهاد، وما يكون من إكرام المسلمين وهداياهم وصدقاتهم لهم- يقول أبو هريرة ﵁: (كان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء، فيشقها فنلعق ما فيها) أي أن العكة من العسل تكون ليس فيها شيء، فيشقها حتى يلعقوا بقاياها التي فيها من شدة كرمه. وكان يعطي ما عنده، ولا يستبقي شيئاً قليلاً ولا كثيراً، ولذلك كثر مدح أبي هريرة على وجه الخصوص له؛ لأنه كان من الفقراء، ويعلم ﵁ شدة الفقر والجوع. وأبو هريرة كان متعلقاً بـ جعفر لهذا الكرم؛ لأنه كان يتفقد أهل الصفة دائماً، ويعطيهم ويطعمهم، قال أبو هريرة: (ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب). أخرجه الترمذي والحاكم وصححه، وذكر ابن حجر ﵀ أنه: يعني بذلك في مجال الكرم؛ لأن هذا هو تقييد الحديث. وقد ذكر ابن حجر في الإصابة أن هذا الحديث ساقه أبو هريرة بقوله: (ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب) ورواه الترمذي والنسائي، وإسناده صحيح كما قال ابن حجر ﵁. وهذه رواية ساقها الترمذي فيها طرافةٌ، وفيها ذكر لهذه المنقبة العظيمة لـ جعفر ﵁، روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: (إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب النبي ﷺ عن الآيات من القرآن أنا أعلم بها منه -يسأله عن معاني بعض الآيات، وهو أعلم بها، ولا يريد السؤال ولا يريد الجواب، وإنما يريد حديثاً حتى يقول له: تفضل وادخل البيت، فينال شيئاً من طعام- يقول: كنت أسأل بعض أصحاب النبي ﷺ عن الآيات من القرآن وأنا أعلم بها منه، ما أشاء إلا ليطعمني شيئاً، فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء! أطعميني شيئاً، فإذا أطعمينا أجابني). أي أنه كان يعرف أن أبا هريرة إنما يريد الطعام أولاً. ثم يقول أبو هريرة في تتمة الحديث: (وكان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه، فكان رسول الله ﷺ يكنيه بأبي المساكين) وهذه كنيةٌ اشتهرت لـ جعفر ﵁، فهو أبو المساكين. وفي رواية أبي هريرة أيضاً عند الترمذي قال: (كنا عند جعفر بن أبي طالب ﵁ أبي المساكين، فكنا إذا أتيناه قرب إلينا ما حضر، فأتيناه يوماً فلم يجد عنده شيئاً -يعني: يقربه لهم- فلما لم يجد عنده شيئاً أخرج جرةً من عسل فكسرها، فجعلنا نلعق منها)، فمن شدة كرمه ﵁ أنه كان يكسر جراراً للعسل حتى يلعقوا ما فيها. ثم كذلك وردت الرواية عند البخاري في هذا المعنى الذي ذكرناه، وذلك من وجوه الكرم والجود التي كانت معروفة عن جعفر بن أبي طالب ﵁، وهذا يدل على بروز هذا الخلق عند جعفر ﵁؛ لأن جعفراً كان في الحبشة، وإسلام أبي هريرة إنما كان في العام السابع بعد خيبر، ونعلم أن جعفراً ﵁ -كما سيأتي- شارك في مؤتة واستشهد فيها، أي أن عاماً واحداً هو الذي كان يجمع بين أبي هريرة وجعفر في المدينة، ومع ذلك كان كرم جعفر ﵁ مشتهراً حتى لقب بأبي المساكين، حتى كان أبو هريرة -وهو من هو- يذكر أنه ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ خير أو أفضل من جعفر بن أبي طالب، لما كان لأثر كرمه وجوده على أبي هريرة، وعلى غيره من فقراء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وهذا يدلنا على هذه المنقبة العظيمة التي تدل على نفس سمحة سخية، وعلى رغبة في الأجر والمثوبة، وعلى رغبة في إدخال السرور إلى قلوب الضعفاء والمحتاجين.

стр. 1913

شجاعة جعفر بن أبي طالب ﵁ وإقدامه وأما وقفتنا الأخيرة والأثيرة ومحطتنا الختامية فهي مع الشجاعة والإقدام، وهنا بيان لمعرفة النبي ﷺ للصحابة، وإرادته إظهار المناقب والمراتب لبعضهم، فإن جعفراً ﵁ كان في الحبشة وقتاً طويلاً، فلم يشهد غزوة بدرٍ ولا أحد ولا الخندق ولا الحديبية ولا خيبر، لكنه وافى مع الصحابة خيبر، فقسم له النبي ﵊ من غنائم خيبر. وأول معركة أو غزوة عظيمة كانت بعد ذلك جعل النبي ﷺ جعفراً من قادتها، وهذه المعركة الشهيرة هي التي سميت غزوةً واشتهرت بأنها غزوة وإن كان النبي ﷺ لم يشارك فيها، وهي غزوة مؤتة، وهي أول تحرك عسكري للمسلمين خارج الجزيرة العربية، وخارج المواجهة مع العرب وقبائل العرب لمقاتلة ومنازلة الروم، وهي الغزوة الوحيدة التي أمَّر فيها النبي ﷺ ثلاثة أمراء، وهي الغزوة الوحيدة التي نص النبي ﷺ على نتيجتها وخبرها وحياً وقت وقوعها قبل عودة الصحابة ورجوعهم رضوان الله عليهم أجمعين. وقد أمَّر النبي ﷺ عليهم زيد بن حارثة وقال: (فإن قتل فـ جعفر بن أبي طالب، فإن قتل ف عبد الله بن رواحة) والنبي ﷺ كان يدرك عظمة هذه المواجهة. فالمواجهة كانت عجيبة إذ كان عدة جيش المسلمين ثلاثة آلاف، وأقل عددٍ ذكر في الروايات لجيش الروم أنه كان ثلاثين ألفاً، أي: عشرة أضعاف، وفي بعض الروايات: مائة ألف، وفي بعضها: مائتا ألف. فما هي النتيجة المتوقعة لعشرة أضعافٍ من الجيش يقابلون عشرهم مع قلة الزاد والعتاد، وطول السفر والشقة؟ من المفترض أن لا يأخذوا إلا سويعة من الزمان فيفنوهم عن بكرة أبيهم. ولست بصدد الحديث عن الغزوة، ولكني أقول: ما نتيجتها في آخر الأمر؟ وكم عدد الذين استشهدوا في غزوة مؤتة من هذا العدد الذي كان يبلغ ثلاثة آلاف؟ أظن أن أكثرنا لا يستحضر الرقم، وقد يتعجب منه كثيراً. لقد كان شهداء غزوة مؤتة اثني عشر شهيداً، ربعهم قيادة الجيش، القواد الثلاثة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث لم تكن القيادة بمعزل، بل كانت في مقدمة الصفوف، ثم كيف تسنى لهم أن يواجهوا الجيش حتى يفصل عنهم؟! ثم ولوا خالد بن الوليد كما أخبر النبي ﵊، وكما وقع به الحال، ثم استطاعوا أن ينسحبوا انسحاباً عسكرياً قوياً، ولم يكن انسحاب هروب أو فرار، بل كانوا هم الكرار؛ إذ لو كان انسحاب هروبٍ لكان انسحاباً متعثراً مرتبكاً، ولكان مغرياً للأعداء أن يلحقوا بهم وأن يبيدوهم، لكن الأعداء قد رأوا الهول فاكتفوا بأن انسحب المسلمون من أمامهم، ورأوا أن هذه فرصة عظيمة لهم أن لا يواجهوا هؤلاء الناس الذين كانوا يحبون الموت أكثر من حب أولئك للحياة. وهنا وقفاتنا مع جعفر ﵁. قاتل زيد حتى استشهد، فحمل الراية جعفر ﵁، وقاتل قتال الأبطال، كما قال بعض الصحابة: (والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها ثم تقدم حتى قتل ﵁. ومن هنا ذكر أصحاب السير -وأولهم ابن إسحاق: أن أول من عقر في الإسلام هو جعفر بن أبي طالب. أي أنه لما كانت المعركة بكثافة جيش العدو، وليس فيها مجال لركض الخيل، وكانت فرسه تعيقه عن ذلك نزل عنها فعقرها، ثم قاتل ﵁ واقفاً على قدميه، وقطعت يده اليمنى فحمل الراية بيسراه، فقطعت يسراه، ثم خر شهيداً ﵁ وأرضاه. وإليك هذه الروايات التي ذكرنا فيها رواية عقر فرسه، وقد رواها أبو داود في السنن، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أنه لما قاتل جعفر قطعت يداه، والراية معه لم يلقها، فقال رسول الله ﷺ : (أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة)، ولذلك سمي بالطيار، وسمي بذي الجناحين. وصح عند البخاري من حديث ابن عمر ﵁ أنه كان إذا رأى عبد الله بن جعفر قال: (يا بن ذي الجناحين، يا بن ذي الجناحين) يعني ما ورد في حديث النبي ﷺ . وخذ هذه الرواية، وهي رواية قد كثرت في كتب السيرة وفي كتب السنة على اختلاف فيها، قال الراوي: ولما قتل وجد به بضع وسبعون جراحة، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح كلها فيما أقبل من بدنه. وقيل: بضع وخمسون. والأول أصح، كما قال ابن عبد البر: بضع وسبعون ما بين ضربةٍ وطعنة كانت في مقدمة جسمه. وذلك دليل شجاعة وإقدام وثبات وقوة إيمانٍ ويقينٍ وفروسية كانت لـ جعفر ﵁ وأرضاه. وفي رواية ابن إسحاق: (قص النبي ﷺ القصة في وقتها) أي: في وقت حدوثها. وهي رواية بألفاظ أخرى في الصحيح أيضاً، فلما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ : (أخذ الراية زيد فقاتل بها حتى قتل شهيداً. ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه كان في عبد الله بن رواحة ما يكرهون، فقال ﵊: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم قال: لقد رفعوا في الجنة على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله ضراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: عمَ هذا؟ قيل: مضيا وتردد) أي: تردد عبد الله ثم مضى، وإنما تردده ﵁ ليس خوفاً على نفسه، وإنما خوفاً على المسلمين، وإلا فلـ عبد الله بن رواحة في أول المعركة ما يدل على هذا، فعندما وصل المسلمون إلى مؤتة وعلموا ضخامة الجيش الذي ينتظرهم وقفوا يتشاورون: ماذا نصنع؟ فقال بعضهم: نرسل إلى رسول الله ﷺ حتى يمدنا بمدد. فقال عبد الله بن رواحة: (والله للتي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون -أي: الشهادة في سبيل الله- فامضوا لما أمركم رسول الله ﷺ ، فثبتهم وحضهم ﵁، فما كان ليتردد خوفاً أو جبناً –حاشاه-، وإنما كان يفكر في أمر المسلمين إذا هو أقدم واستشهد كيف قد يضطرب حالهم، ثم مضى لأمره ولما ولاه إياه رسول الله ﷺ ، فاستشهد، فكان لتردده أثرٌ. ووردت الرواية عند ابن إسحاق -وهي مما سبقت إشارتنا إليها- أن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، وقد عجنت عجيني وغسلت بنيَّ ودهنتهم ونظفتهم، فقال رسول الله ﷺ : (ائتيني ببني جعفر. فأتيته بهم، فشمهم، ودمعت عيناه، قالت: فقلت: بأبي وأمي ما يبكيك يا رسول الله؟! أبلغك عن جعفر وأصحابه شيءٌ؟ قال: نعم. أصيبوا هذا اليوم، فقمت أصيح وأجمع النساء، ورجع رسول الله ﷺ وهو يقول: لا تغفلوا آل جعفر؛ فإنهم قد شغلوا). وروي أيضاً أنه لما جاء ذلك قال: (على مثل جعفر فلتبك البواكي)، وقد أخبر ﵊: أنه قد ضرج بالدم، وأنه يطير بجناحين مخضبين بالدم في الجنة، وفي هذا إشعار بما كان له من فضل وإقدام في جهاده في سبيل الله . وفي شجاعته أيضاً ذكر الرواة ما ذكروا من هذا الأمر، ومن ذلك رواية عقره لفرسه، ذكرها -أيضاً- الذهبي في سيره، وهي مروية بإسناد رجاله ثقات. وقد وردت أيضاً رواية أبي هريرة عند الترمذي في سننه عن رسول الله ﷺ قال: (رأيت جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة)، قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه من يضعف. وقد ذكر العلماء رواياتٍ عديدة في هذا الشأن، ساق منها ابن حجر ﵀ قول ابن عمر لابن جعفر بن أبي طالب: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) ثم قال شارحاً: كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله ﷺ : (هنيئاً أبوك يطير مع الملائكة في السماء) أخرجه الطبراني بإسناد حسن. ثم ذكر ابن حجر طرقاً عن أبي هريرة وعلي وابن عباس، وقال في طريق ابن عباس: (إن جعفراً يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه) قال: وإسناد هذه جيد –أي: إسناد هذه الرواية جيد-، وهذه الرواية مسوقةٌ سياقاً آخر من حديث ابن عباس: (بينما رسول الله ﷺ جالسٌ وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ قال: يا أسماء! هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر بي فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا، فسلم، فردي ﵇، وقال: إنه لقي المشركين فأصابه في مقادمه ثلاثة وسبعون، فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت، فأخذه بيده اليسرى، فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة يأكل من ثمارها)، وهذا مما وردت به روايات يعضد بعضها بعضاً.

стр. 1914

رثاء الشعراء لجعفر ﵁ وثناء العلماء عليه وهكذا ختمت هذه الحياة العطرة التي كانت في أولها هجرة وفي آخرها شهادة لـ جعفر بن أبي طالب، وسطر حسان بن ثابت ذلك الموقف العظيم والشهادة المباركة لشهداء وقواد غزوة مؤتة، فكان مما قاله ﵁: غداة مضى بالمؤمنين يقودهم إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم أبيٍّ إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مات غير موسدٍ بمعترك فيه القنا تتكسر فصار مع المستشهدين ثوابه جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد وقاراً وأمراً حازماً حين يأمر وما زال في الإسلام من آل هاشم دعائم عز لا ترام ومفخر وبعد حسان بن ثابت جاء كعب بن مالك فأرسل شعره رثاءً، فقال: وجداً على النفر الذين تتابعوا يوماً بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الإله عليهم من فتية وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للإله نفوسهم حذر الردى ومخافة أن ينكلوا إذ يهتدون بجعفر ولوائه قدام أولهم فنعم الأول حتى تفرجت الصفوف وجعفر حيث التقى وعث الصفوف مجدل فتغير القمر المنير لفقده والشمس قد كسفت وكادت تأفل فذهب ومضى أبو المساكين ﵁، والمساكين يندبون فقده، وذهب فارس الفرسان، والشجعان يندبون فقده، ومما قاله العلماء والأئمة في ذكره ووصفه، ما جمع هذه الألقاب والمناقب كلها. فقد صدَّر الذهبي ﵀ ترجمته في السير بقوله: السيد الشهيد، الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبو عبد الله ابن عم رسول الله ﷺ ، عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي الهاشمي، أخو علي بن أبي طالب وهو أسن من علي بعشر سنين، هاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فأقام بالمدينة أشهراً، ثم أمَّره رسول الله ﷺ على جيش غزوة مؤتة بناحية الكرك، فاستشهد، وقد سر رسول الله ﷺ كثيراً بقدومه، وحزن -والله- لوفاته. لقد أوجز الذهبي ﵀ إسلامه وسبقه، وهجرته وفضله، ثم إمرته وجهاده واستشهاده ﵁ بهذه الكلمات العظيمة الدالة على فضل جعفر ﵁.

стр. 1915

معالم من حياة جعفر ﵁

стр. 1916

الخصال التي يعظم بها أجر المؤمن ثم كذلك نلحظ أمراً أخيراً مهماً، وهو الخصال العظيمة التي يعظم بها أجر المسلم، ويخلد ذكره عند الناس، وتكون له في القلوب محبة عظيمة ومكانة كبيرة، فذلك ما كان من جوده وكرمه ﵁ وأرضاه، وما كان من شجاعته وإقدامه، فكان في هذه الأحوال -أي: حال السكون وحال الإقامة- على ذلك القدم من السبق في الإحسان والجود والإكرام، وكان في موضع الشدة والقتال على ذلك القدم من السبق في الشجاعة والإقدام ﵁ وأرضاه.

стр. 1917

المسلم والدعوة إلى الله وهنا مسألةٌ مهمة، وهي أن دعوة المسلم يحملها بين جنبيه، وينشغل بها فكره، ويهتم بها قلبه، وينطق بها لسانه، ويجتهد في الإحسان والإتقان بقدر ما يستطيع حتى تؤدي الدعوة ثمرتها وتبلغ غايتها، كما رأينا في فطنة ودعوة جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، نسأل الله أن يلحقنا به وببقية أصحاب رسول الله ﷺ ونحن على خيرٍ وتقىً وهدىً، وعلى استمساكٍ بكتاب الله واتباعٍ لسنة رسوله ﷺ ، ونسألك -اللهم- أن تلحقنا بهم في الشهداء الصالحين، وفي المؤمنين العاملين برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 1918

ارتباط الإسلام والإيمان بالحق لا بالأشخاص الأمر الثاني: نلحظ أن جعفر ﵁ لم يكن مع رسول الله ﷺ وقتاً طويلاً، وذلك يدلنا على أن أساس الإيمان والإسلام ليس الارتباط بالأشخاص، وإنما الاعتقاد بالحق، والارتباط بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا أمرٌ عظيم؛ فإن جعفراً بقي محافظاً على إسلامه مع من معه من الصحابة، وكانوا يحرصون على الإيمان والطاعة والعبادة، ويأخذون ما قد يرد إليهم من أخبار الرسول ﷺ ، ثم كانوا دعاةً يدعون إلى الإسلام، ويقيمونه فيما بينهم، وربوا عليه أبناءهم، وأقاموه في مجتمعهم دون أن يكونوا قريبين ومتصلين مباشرةً برسول الله ﷺ . الأمر الثالث: الحرص على السبق والفضل في مناقب الخير، والدعوة والبذل والنصرة لدين الله ، كما رأينا في قصة المفاضلة بين عمر وأسماء ﵄، فقد كانوا أحرص على الخير، وكان أحب شيءٍ إليهم أن يبذلوا، وأن يسبقوا في طاعة الله ومرضاته ونصرة دينه وعون عباده.

стр. 1919

الأجر والفضل بالعمل والكسب لا بالنسب والقرب إن الفضل والأجر والمثوبة بالسبق والعمل والبذل، وليس بالنسب والقرب والحب وحده؛ فإن جعفراً ﵁ وإن كان من النبي ﷺ قريباً وإليه حبيباً إلا أنه كان لله باذلاً، وبأمره قائماً، ولسنة رسوله ﷺ متبعاً، وبشأن دعوته قائماً، فكان حينئذٍ على هذا المقام العظيم والقدر الجليل الذي كان له ﵁ وأرضاه.

стр. 1920

الأسئلة

стр. 1921

الكتب التي ترجمت لجعفر بن أبي طالب ﵁ السؤال نرجو الإرشاد إلى بعض الكتب التي ترجمت لـ جعفر ﵁؟ الجواب ليس هناك -فيما رأيت- كتاب أفرد ترجمة جعفر، إلا أن يكون من بعض الكتب المتأخرة ولم أطلع عليه، لكن ترجمة جعفر موجودة في أمهات الكتب التي ترجمت للصحابة، كطبقات ابن سعد، و (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) لـ ابن عبد البر، و (الإصابة في معرفة الصحابة) لـ ابن حجر، وفي (سير أعلام النبلاء) للذهبي، وغيرها من الكتب الأصيلة التي أوردت تراجم الصحابة رضوان الله عليهم، ولـ جعفر كذلك ترجمات واردة فيمن اقتصروا على ترجمة آل بيت النبي ﷺ في بعض ما أفردوه من هذه الكتب.

стр. 1922

حكم الهجرة في هذا الزمان إلى بلاد أهل الكتاب السؤال هل يجوز للمسلم في زماننا هذا أن يهاجر إلى بلاد أهل الكتاب الذين اشتهر العدل بينهم أم أنه لا يجوز؟ الجواب هذه أحوال تحتاج إلى تفصيل، فأين هو مقيم؟ هل هو في بلد يضطهد فيه في دينه، ولا يستطيع إقامة شعائر الله، ولا يستطيع أداء أركان الإسلام؟ إذا كان كذلك فقد تكون حينئذٍ هجرته إلى بلدٍ يأمن فيه على نفسه وماله وولده، ويأمن على إقامة شعائره وشرائع دينه أمراً جائزاً سائغاً، بل قد تكون في حق بعض الناس واجباً إذا كانت الإيذاءات قد تصل به إلى الفتنة في دينه، لكن المهم في الحقيقة ليس هو جواز هذه الهجرة أو عدم جوازها، بل الأكثر أهميةً هو كيف يكون حاله إذا ذهب إلى غير بلاد المسلمين؟ وهل يذوب فيها ويصبح مع القوم؟ وهل يبيع دينه ويداهن في دينه، أم يكون كما كان أصحاب رسول الله ﷺ ثابتين على الحق، داعين إليه، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يعطون الدنية في دينهم؟ ومع ذلك فقد نجدهم يحسنون القول الحق والعدل والإنصاف فيما عليه أولئك القوم من خيرٍ أو من نفعٍ وفائدة، وقد يحسنون خطابهم بجوانب من الإسلام التي تؤثر فيهم وتقنعهم بعظمته، وبما فيه من الخير العظيم.

стр. 1923

تعريف الأدم السؤال ما هو الأدم؟ الجواب الأدم هو الجلد.

стр. 1924

الحكمة في اختيار جعفر بن أبي طالب ﵁ لقيادة معركة مؤتة السؤال لماذا اختار النبي ﷺ جعفراً ليقود معركة مؤتة؟ الجواب السؤال لا يرد كذلك، لكن نقول: لو التمسنا حكمة لذلك فإننا نلتمس وجوهاً عدة، من أهمها: بيان أن الصحابة الذين كانوا في الحبشة وإن كانوا بعيدين عن النبي ﷺ فليسوا بأقل فضلاً، ولا بأقل قدرةً عن أن يتسلموا المهام العظيمة في الدفاع عن الإسلام وفي إعلاء رايته والجهاد في سبيله من غيرهم. والأمر الثاني: أن النبي ﷺ لم يكن يحرص على استبقاء أقاربه أو أصحابه، أو من لهم به صلة دون غيرهم، بل قدَّم زيد بن حارثة وهو حبه ﵊ الذي كان مولاه، والذي كان من المقربين إليه، ثم قدَّم جعفر بن أبي طالب وهو ابن عمه والأثير لديه، وهذا يبين أن النبي ﷺ كان يريد الخير بمن هم قريبون منه بتقديمهم لما هو خير لهم في دنياهم وأخراهم. ومن جهة أخرى لا يفرق بين الناس، فيستأثر بعضهم بأمورٍ ويقدم بعضهم إلى أمور مما فيه مظنة الهلكة ونحو ذلك. وأيضاً فيه موازنة لجملة المهاجرين من أصحاب الحبشة؛ إذ كان جعفر مقدمهم فقدمه رسول الله ﷺ ؛ ليشعر أولئك جميعاً أنهم مقدمون، وأنهم على قدم المساواة مع بقية إخوانهم.

стр. 1925

بيان أن النجاشي الذي هاجر إليه الصحابة هو الذي صلى عليه النبي ﷺ السؤال هل النجاشي الذي أسلم وصلى عليه النبي ﵊ هو الذي كان المهاجرون عنده؟ الجواب أكثر الذين تكلموا في هذا رجحوا أنه هو باعتبار هذه الحادثة، وإظهاره لهذا المعنى من الإسلام، وبعضهم يقول: إنه نجاشي آخر. أي: ملك آخر بعده. وقد وقعت واقعة ذكرها أهل السير، وهو أن بعض أقارب النجاشي هذا الذي كان مع جعفر قد انقض عليه، وخرج عليه وقاتله يريد أن يزيحه من مكانه وملكه، وكان الصحابة في ذلك الوقت في قلق، يخشون أن يغلب غير هذا النجاشي العادل فيظلمهم أو يبطش بهم حتى إنهم نفخوا بعض القرب، وجعلوا بعضهم يخرجون إلى البحر على هذه القرب حتى يكونوا من جهة المعركة لينظروا كيف سيرها، حتى إذا رأوا شيئاً من الأمور مما قد يضرهم يتهيئون له. فالذي ذكره بعض أهل العلم هو أنه هذا النجاشي الذي ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ صلى عليه.

стр. 1926

عدد قتلى الروم في غزوة مؤتة السؤال كم كان عدد قتلى الروم في غزوة مؤتة؟ الجواب فيما ذكر أنه بلغ المئات، فقد كانوا أضعاف عدد المسلمين، وقتلاهم أضعاف شهداء المسلمين.

стр. 1927

معنى اسم جعفر السؤال هل اسم جعفر له معنىً؟ الجواب يقولون في اللغة: إن الأسماء لا تعلل مطلقاً. وإن كان بعض الأسماء يمكن أن تكون لها معانٍ من أصل كلامها الاشتقاقي، وليس بالضرورة أن يراد المعنى الذي هو راجعٌ إلى الاشتقاق.

стр. 1928

تعريف البطارقة السؤال من هم البطارقة؟ الجواب البطارقة هم رجال الدين المسيحي الذين كانوا عند النجاشي، وكان يلقب الواحد منهم بالبطريق، مثل القسيس ورجل الدين.

стр. 1929

بلاد الحبشة السؤال هل بلاد الحبشة ما زالت معروفة إلى اليوم؟ الجواب بلاد الحبشة هي التي هي إلى اليوم بلاد الحبشة، وهي من البلاد التي دخلها الإسلام مبكراً في الفترة المكية بسبب هجرة الصحابة رضوان الله عليهم في هجرة الحبشة الأولى والثانية.

стр. 1930

حال الرواية التي فيها أن جعفراً يطير السؤال هل الرواية بأن جعفراً يطير رواية صحيحة؟ الجواب جملة الروايات مذكورة عند الترمذي وعند غيره، قال عنها ابن حجر ﵀: إن إسنادها قوي وجيد.
следующие страницы →