Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
عدد قتلى الروم في غزوة مؤتة
السؤال
كم كان عدد قتلى الروم في غزوة مؤتة؟
الجواب
فيما ذكر أنه بلغ المئات، فقد كانوا أضعاف عدد المسلمين، وقتلاهم أضعاف شهداء المسلمين.
стр. 1927
معنى اسم جعفر
السؤال
هل اسم جعفر له معنىً؟
الجواب
يقولون في اللغة: إن الأسماء لا تعلل مطلقاً.
وإن كان بعض الأسماء يمكن أن تكون لها معانٍ من أصل كلامها الاشتقاقي، وليس بالضرورة أن يراد المعنى الذي هو راجعٌ إلى الاشتقاق.
стр. 1928
تعريف البطارقة
السؤال
من هم البطارقة؟
الجواب
البطارقة هم رجال الدين المسيحي الذين كانوا عند النجاشي، وكان يلقب الواحد منهم بالبطريق، مثل القسيس ورجل الدين.
стр. 1929
بلاد الحبشة
السؤال
هل بلاد الحبشة ما زالت معروفة إلى اليوم؟
الجواب
بلاد الحبشة هي التي هي إلى اليوم بلاد الحبشة، وهي من البلاد التي دخلها الإسلام مبكراً في الفترة المكية بسبب هجرة الصحابة رضوان الله عليهم في هجرة الحبشة الأولى والثانية.
стр. 1930
حال الرواية التي فيها أن جعفراً يطير
السؤال
هل الرواية بأن جعفراً يطير رواية صحيحة؟
الجواب
جملة الروايات مذكورة عند الترمذي وعند غيره، قال عنها ابن حجر ﵀: إن إسنادها قوي وجيد.
стр. 1931
أسماء أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁
السؤال
ما هي أسماء أولاد جعفر؟
الجواب
هو يكنى بـ أبي عبد الله، وعبد الله أكبر أبنائه، وله ابنٌ ثانٍ اسمه عون، وثالث اسمه محمد.
стр. 1932
بعض سيرة أسماء بنت عميس ﵂
السؤال
نريد بعض سيرة أسماء بنت عميس ﵂؟
الجواب
أسماء بنت عميس ﵂ امرأة فاضلة عظيمة، لما استشهد جعفر ﵁ تزوج بها أبو بكر ﵁، وهي التي تولت غسل أبي بكر ﵁، فلما مات أبو بكر خلفها عليه وتزوج بها علي بن أبي طالب ﵁، فتزوجها خيرة من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لفضلها ومقامها وإيمانها وهجرتها ﵂ وأرضاها.
وقد أنجبت من علي ﵁، وأنجبت من جعفر، وكان هناك بعض مفاضلة بين أبنائهم، وقالت في ذلك قولاً حكيماً ﵂ وأرضاها.
стр. 1933
وقت موت أبناء جعفر بن أبي طالب ﵃
السؤال
هل مات أبناء جعفر قبله أم بعده؟
الجواب
أبناء جعفر ماتوا بعده، وليس قبله، وكان عبد الله من أشهرهم، وهو أيضاً من أجل صغار الصحابة، وله فضل عظيم ومناقب جليلة ﵁ وأرضاه.
стр. 1934
نظرة الغرب نحو المسلمين وواجب المسلمين نحو ذلك
السؤال
جعفر بن أبي طالب رمز من رموز التضحية، ضحى بكل شيءٍ في سبيل دينه وعقيدته، وبه وبأمثاله أعز الله دينه، أما رموز اليوم ممن يلتزمون دين الله ويعلنون ولاءهم لله والتزامهم بالمنهج الصحيح فهؤلاء في عصرنا إرهابيون بمفهومٍ غربي يدعمه ويعضده الإعلام العربي والإسلامي، فما رأيكم في هذه المفارقة؟
الجواب
إن القلة المسلمة هنا أو هناك على هذه الشاكلة، بل اليوم أصبح الكلام على المسلمين كلهم على هذا النحو، وبقدر تفريط المسلمين في دينهم وعدم اعتزازهم وتشبثهم بالتمسك به بقدر ما يكون ضعفهم وهوانهم وتسلط الأعداء عليهم، وهنا لابد حينئذٍ من قوةٍ وثبات، وبيان للحق، وبيان لمحاسن الإسلام، وردٍّ لهذه الشبه، وحكمةٍ يمنع بها التهور الذي يضر الإسلام وأهله أكثر مما ينفعهم.
стр. 1935
حال حديث طالب الشهادة بصدق
السؤال
قال النبي ﵊: (من طلب الشهادة بصدقٍ نالها ولو مات على فراشه) فما صحة الحديث؟
الجواب
الحديث عند البخاري في الصحيح بلفظ: (من طلب الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).
стр. 1936
بيان الشهيد الذي يشفع في سبعين من أهله
السؤال
هل الشفاعة في سبعين من الأهل ينالها الذي طلب الشهادة ومات على فراشه؟
الجواب
فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن المتبادر إلى الذهن عند ذكر الشهيد هو الذي يموت في القتال في سبيل الله .
стр. 1937
عدد الغزوات التي حارب فيها جعفر بن أبي طالب ﵁
السؤال
كم غزوةً حارب فيها جعفر؟
الجواب
لم يشهد إلا غزوة مؤتة، وفيها كان قائداً، وفيها كان شهيداً ﵁ وأرضاه.
والحمد لله رب العالمين، وصل -اللهم- وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1938
تاج العفة والرءوس المريضة
العرضُ من الضروريات الخمس التي دعا الإسلام إلى حفظها، فهو مصون في الإسلام، فيجب على المسلم أن يحافظ على عرضه وأن يحافظ على عرض أخيه المسلم، وأن يعف عن الحرام، كما أنه يجب على المسلم أن يحافظ على أهل بيته ومحارمه من الفساد وأسبابه، فهو مسئول عن ذلك بين يدي الله .
стр. 1939
تعريف العفة ومعناها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكبير المتعال، الموصوف بصفات الكمال، المتفرد بالعزة والجلال، منه المبتدى وإليه المرجع والمآل، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو جل وعلا أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وله الحمد أولاً وآخراً دائماً وأبداً ملء السموات والأرض وملء ما شاء من شيء بعد، أحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: فنحمد الله جل وعلا على أن جدد الأنفاس؛ لنعاود التذكر والتفكر في آياته، ونستلهم العبر والفوائد من أحاديث وهدي المصطفى ﷺ ، ولنجدد العهد بحلق الذكر ومجالس العلم، سائلين الله جل وعلا أن يتقبلنا في عباده الصالحين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما يعلمنا، وأن يزيدنا علماً، ويعيننا على طاعته، ويجعلنا من عباده الصالحين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعنا في دار رحمته ومستقر كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر إخواناً على سرر متقابلين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو أكرم مسئول وأعظم مجيب، ونسأل الله جل وعلا من عظيم فضله ووافر عطائه وعظيم جوده .
وكلامنا سيكون عنوانه (تاج العفة والرءوس المريضة)، ويأتي ضمن دروس لفضلاء من أهل العلم والمشايخ كان أكثرها يدور حول موضوع المرأة والأسرة وبناء المجتمع الإسلامي في ظل هذه التغيرات العظيمة في المجتمعات المعاصرة، وفي ظل الهجمة الشرسة على نظم الإسلام وتشريعاته، وفي ظل الانحرافات السلوكية الأخلاقية التي غزت بلاد الإسلام والمسلمين عبر الفضاء من خلال القنوات الإعلامية، وعبر المخالطة من خلال السفر والاختلاط، ونحو ذلك من أسباب أخرى كثيرة، وموضوعنا يتعلق بأساس مهم وركيزة عظمى من ركائز حفظ المجتمع المسلم؛ لأن أمر الأسرة عظيم.
وسنحاول أن نلم بأطراف هذا الموضوع الذي يتشعب في الحقيقة إلى موضوعات كثيرة كل منها جدير أن يفرد بحديث مستقل، فنتحدث أولاً عن معنى العفة، ثم نعرج على عوامل تحقيق العفة، ونسلط الضوء على ثمارها ومنافعها عندما تتحقق في واقع المجتمع، وبعد ذلك ننتقل إلى الشق الآخر لنقف على عوامل تضييع العفة، والأوهام والشبهات الباطلة المتعلقة بهذا الموضوع، ثم نختم بالمخاطر والآثار السلبية الناشئة عن التفريط في العفة.
أولاً: معنى العفة.
قال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة): العين والفاء أصلان صحيحان.
أي: أصل الكلمة مبني على هذين الحرفين، ويرجعان إلى أصلين صحيحين: قال: الأول: الكف عن القبيح.
والثاني: الدال على قلة الشيء.
فأصل الكلمة يعود إلى الكف عن القبيح وإلى معنىً آخر هو قلة الشيء، وبينهما ربط يأتي الحديث عنه.
ثم قال: العفة: الكف عما لا ينبغي، والعفة -وهي الأصل الثاني- بالضم هي بقية اللبن في الضرع.
أي: هي الشيء القليل كما مر.
وقال الراغب الأصبهاني في (مفردات القرآن): العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة.
أي أن هذه العفة معنىً يقوم بالنفس، فيمنع من غلبة الشهوة فيما حرم الله ، قال: والمتعفف هو المتعاطي للعفة بضرب من الممارسة والقهر، وأصله -أي: أصل معنى العفة-: الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفافة.
وهذا هو الربط بين المعنيين.
فالعفة: الكف عن الحرام.
ومن كف عن الحرام فإنه يأخذ القليل من الحلال الذي يكفيه ويعفه ويحصل به النفع له، ويمتنع به الضرر عنه وعن غيره في بناء المجتمع المسلم.
وقال صاحب (لسان العرب): العفة هي الكف عما لا يحل ويجمل.
والأمر هنا في كلامه أوسع.
فالمراد بالعفة الكف عن المحرم وعما لا يجمل أيضاً، أي: عما يكون قبيحاً في أعراف الناس الصحيحة، بمعنى الكف عما لا يتفق مع الذوق العام مما يكون مستهجناً في وسط المجتمع المسلم.
قال: وعف عن المحارم والأطماع الدنية يعف عفة وعفاً وعفافاً فهو عفيف، وعف إذا كف، أما الاستعفاف فهو طلب العفة والعفاف.
ولذلك ورد في حديث للنبي ﷺ (ومن يستعفف يعفه الله)، وقال جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣] أي: ليطلبوا العفة والعفاف من طريقه الذي سنشير إلى بعض معالمه وملامحه.
قال: والاستعفاف هو طلب العفاف، وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس.
فإذاً ظهر لنا أن معنى العفة الكف عن المحرم الذي حرمه الله ، والاكتفاء بما حل وإن كان قليلاً؛ لأن القليل الذي أحله الله هو الذي يشبع الغريزة، ويطمئن النفس، ولا يحتاج معه العاقل إذا عرف عواقب الأمور إلى زيادة عن هذا الحد المشروع.
وفي مقابل العفة معنىً آخر، هو الخسة والدناءة، فثمة رجل عفيف ورجل دنيء، والعفة لا يقتصر في معناها على جنس دون جنس، فليست العفة خاصة بالنساء دون الرجال، بل يقال: امرأة عفيفة ورجل عفيف، وكذا فيما يقابلها، ثم أيضاً مما يتصل بمعنى العفة أن نعرف طبيعة النفس الإنسانية، والنفس هي كما وصف النبي ﷺ بعض مناحيها بقوله: (لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى ثالثاً، ولا يملأ فم ابن آدم إلا التراب)، فطبيعة النفس البشرية أنها لو تركت لهواها لا تشبع.
فالعفة التي هي اقتصار على القليل الكافي هي أمر فيه نوع من التربية والتهذيب للنفس، أما لو تركت النفس كما تشاء فإنها لا تقتصر على العفة، بل تتجاوزها إلى ما وراءها.
فإذاً العفة تقبض النفس التي في أصل طبيعتها نهم وشغف لا ينتهي مطلقاً، وإن كان النهم في بعض الجوانب يستحسن، كما ورد أيضاً في حديث المصطفى (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)، فطلب العلم أصله صحيح، والنهم فيه محبوب، وطلب الدنيا أصله صحيح، ولكن النهم فيه غير مرغوب؛ لأنه لا ينتهي إلى حد، ولا يزال الأمل بالإنسان حتى يقطعه الأجل، ولو مد للإنسان لحظة من عمره لكان له فيها آمال جديدة يزيدها إلى سالف آماله.
فإذاً: لو تركنا النفس بطبيعتها لما انتهت إلى حد، وشارب ماء البحر لا يفيده شرب الماء لملوحته إلا الزيادة في العطش.
فلابد من ضابط، والضابط هو ما جاء في شرع الله من قليل نافع كافٍ حلال يحصل به المقصود، ويتحقق به النفع، ومن ثمَّ كان للعفة صلة في معناها بالتوسط والاعتدال، والعفة عندما تقتصر على شيء وتترك شيئاً فإنها تأخذ بالوسط الذي لا يبلغ الغاية في مداه، ولا يحرم النفس مما تشتهيه وتحتاج إليه، فكانت العفة -أيضاً- ضرباً من الوسطية، ونوعاً من تحقيق المراد الذي تحتاج إليه النفس من غير إفراط ولا تفريط.
стр. 1940
عوامل وأسباب العفة
عوامل وأسباب العفة كثيرة، وأبوابها متعددة، وحسبنا أن نشير إلى الأسس المهمة منها مع التعريج على بعض فروعها.
стр. 1941
الإيمان
أولاً: الإيمان.
فأعظم واق من المعاصي وأعظم رادع عن المحرمات وأعظم مذكر دائم للإنسان يرافقه في سره وعلنه في حله وترحاله وفي شهوده وغيبته هو الإيمان بالله .
الإيمان الذي ينشئ مملكة الضمير التي لا تجعل العبد المؤمن يستحضر أموراً مهمة من أعظمها وأجلها الخوف من الله، والحياء من الله، وتذكر الآخرة، واستشعار لعظمة الله يبعث على الخوف من الله، واستشعار لنعمة الله يبعث على الحياء من الله، واستحضار لهول الآخرة يبعث على قمع الشهوة في النفس وردعها عن تجاوز الحد، ولذلك كانت التربية الإيمانية والزاد الإيماني بأركان الإيمان الستة أعظم ما يقوي العبد على التزام أمر الله، ويعينه على المصابرة والامتناع عما حرم الله .
سئل بعض السلف من أهل الإيمان والصلاح والتقى: كيف السبيل إلى غض البصر؟ فقال: علمك بأن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما حرم عليك.
فهل نحن نستحضر مراقبة الله ، واطلاعه علينا، ومعرفته التي أخبرنا بها في كتابه، كما في قوله جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]؟! وهل نتحقق بذلك ونستشعره في خفقات قلوبنا وخلجات أفكارنا وتصرفات جوارحنا؟! أثر عن بعض السلف أنه كان يربي بعض الصغار من ذوي قرابته، فكان هذا الصغير ينظر إليه عابداً متهجداً ذاكراً تالياً داعياً لله ، فالتفت إليه هذا المربي يوماً وقال له: استحضر في قلبك وإن لم تنطق بلسانك أن تقول: (الله ناظرٌ إلي، الله مطلع علي)، فكلما هممت بهم أو فعلت فعلاً فقل ذلك في قلبك، قال: فما زلت أتعود ذلك وأنا صغير السن، فلما كبرت كان ذلك من نعمة الله علي ومن عصمة الله لي.
ونحن نعلم أمثلة كثيرة، منها: المثل القرآني العظيم الذي فسرته آيات القرآن في سورة كاملة في قصة يوسف ﵇، قال : ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] جاء هذا الوقت الذي فيه كل الإغراء والإغواء مع الأمن والإحسان، فقال يوسف ﵇: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، ثم اعترفت وقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢]، فكان جوابه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣].
وذكر ابن القيم في (روضة المحبين) قصة في عهد عمر ﵁، وهي تتعلق بشاب صالح كان عمر ﵁ ينظر إليه ويعجب به ويفرح بصلاحه وتقواه، ويتفقده إذا غاب، فرأته امرأة شابة حسناء، فعشقته وتعلقت به، وطلبت السبيل إليه، فاحتالت لها عجوز وقالت: آنا آتيك به.
ثم جاءت إلى الشاب وقالت له: إني امرأة عجوز، وإن لي شاة لا أستطيع حلبها، فلو أعنتي على ذلك لكان لك أجر.
قال ابن القيم في سياق القصة: وهو كان أحرص ما يكون على الأجر.
فذهب معها، فلما دخل البيت لم ير شاة، قالت: أنا آتيك بها.
فظهرت له المرأة الحسناء، فاستعصم عنها وابتعد منها، وأراد أن يذكرها الله فتعرضت له، فلما أيست منه دعت وصاحت وقالت: إن هذا هجم عليّ يراودني عن نفسي.
فتوافد الناس إليه فضربوه، فتفقده عمر في اليوم الثاني، وأتي به إليه، فقال عمر: (اللهم! لا تخلف ظني فيه) وقال للفتى: (أصدقني الخبر) فقص عليه القصة، فأرسل عمر إلى جيران الفتاة ودعا بالعجائز من حولها حتى عرف الغلام تلك العجوز، فرفع عمر درته فقال: (أصدقيني الخبر) فصدقته لأول وهلة، فقال عمر: (الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف)، هكذا أورد ابن القيم ﵀ هذه القصة.
ومن ذلك الحديث الصحيح الذي ورد في مثل الثلاثة الذين آواهم الغار فسقطت صخرة فأغلقت عليهم باب الغار، فدعوا بأفضل الأعمال التي تقربوا فيها وأخلصوا فيها لله، فكان من قول أحدهم: (اللهم! إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها عن نفسها فأبت، حتى ألمت بها سنة من السنين -يعني: حالة من الفقر- جاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على أن تخلي بيني وبين نفسها، فلما تمكنت منها -وفي رواية: فلما قعدت بين شعبها- قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.
قال: فقمت عنها خوفاً من الله بعد أن تمكنت منها، اللهم! إن كنت عملت هذا العمل ابتغاء وجهك ففرج عنا) فكان هو آخر الثلاثة، كما ورد في الحديث.
стр. 1942
الأحكام التشريعية الإسلامية
العامل الثاني: التشريع.
أي: الأحكام التشريعية التي جاء بها الإسلام، يقول الحق : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، والأحكام التي جاءت في الإسلام تتفق مع فطرة الإنسان، وتحقق المصالح، وتمنع المفاسد، وهي تحقق أعلى المصالح، وتدرأ أقل المفاسد فضلاً عما هو أكثر منها، ويمكن أن نسلط الضوء على هذه التشريعات في جوانب ثلاثة: الجانب الأول: الجانب الوقائي، وهو مهم، أي: التشريعات الوقائية، فإن الإسلام حطم كل الدواعي والطرق والوسائل والمرغبات والمقربات من الحرام ومما يجرح العفة ويضيعها، فحرم النظر إلى غير المحارم، كما في قول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] وكذلك: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والنبي ﵊ قال: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس)، وهذا النظر قد حرمه الله .
وحاسة السمع -أيضاً- لها تأثير، فجاء التشريع يضبط أمرها، فـ بشار بن برد كان من فحول الشعراء وكان أعمى، فكان يقول أبيات الغزل والحب والعشق والغرام، فسئل: كيف يصف هذه الأوصاف وهو كفيف البصر؟ فقال: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحياناً ولذلك قال الله في شأن نساء المؤمنين وفي شأن أمهات المؤمنين على وجه الخصوص: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] نهاهن عن قول متكسر متميع له وقع في والسمع أثر في القلب، وإيقاد للشهوة وميل إلى المحرم.
وحاسة الشم -أيضاً- ورد فيها حديث النبي ﷺ : (أيما امرأة خرجت متعطرة فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية)، أو كما قال ﵊.
فهذا -أيضاً- لأن له تأثيراً، بل الصوت قد جاء النهي عنه في قول الله : ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ [النور:٣١] حتى لا يسمع ذلك الصوت الذي قد يكون في الغالب يلفت النظر أو يدعو إلى الفتنة ونحو ذلك.
ثم اللمس، فإنه قد ورد النهي عن مصافحة الرجال للنساء، وورد أن النبي ﷺ بايع النساء وما مست كفه كف امرأة لا تحل له قط.
وهذا كله من أسباب الوقاية والطهر، فكل الحواس لها أثر على القلب، فالعين تنظر، لكن القلب يتأثر، والأذن تسمع، والقلب يتغير، والأنف يشم، والقلب يتأثر، فإذا وضعت هذه الحدود والحواجز التي هي –كما يقال- خطوط الدفاع الأولى والثانية والثالثة فإنها صمامات الأمان، فمن أخذ بها وقي بإذن الله .
ومن التشريعات الوقائية -أيضاً- التحريم المطلق للخلوة، كما ورد في حديث النبي ﷺ : (إياكم والدخول على النساء.
قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت).
وكذلك النهي عن الاختلاط بما يحمله من المعاني التي تقع بها كثير من أسباب الفساد.
ومن الأحكام -أيضاً- في باب النساء أنه إذا خرجت المرأة لحاجة أو إذا اضطرت إلى أن تقضي بعض أمورها فإنها مدعوة بحكم الله أن تتحجب، فهذا الحجاب -أيضاً- هو تشريع من تشريعات الوقاية والأمن والسلامة، وكما يقولون: درهم وقاية خير من قنطار علاج.
ودائماً يقولون: السلامة قبل وقوع المصيبة.
لأن العلاج بعد المرض أصعب من فعل بعض الأسباب قبل المرض، ولذلك يدعون إلى تطعيم الأطفال، وهذه التطعيمات هي تطعيمات وقائية قبل حصول المرض، حتى يكون الجسم مستعداً، فإذا جاء المرض كان عنده أهبة الاستعداد لمواجهته وصده بإذن الله ، فهذه -أيضاً- تشريعات وقائية، وقد جاء الأمر للنساء بأن يكن غير مختلطات بالرجال، كما قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
الجانب الثاني: جانب التشريعات الاجتماعية.
فإن الإسلام -أيضاً- جاء بتشريعات اجتماعية تحفظ للمجتمع وعيه وأمنه وسلامته وصيانته بإذن الله .
وأبرز هذه التشريعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس هناك عبارة (ليس لي تدخل) في الإسلام، ولا يوجد هذا الأمر، بل كل إنسان مسئول، وكل مطالب بأن يقول كلمة الحق، وأن يؤدي أمانة النصيحة؛ لأن المرأة المتبرجة أو الرجل الذي يؤذي النساء في المجتمع لا يضر نفسه، ولا يضر هذه المرأة وحدها، وإنما يعود الأمر على الجميع، فالمضرة تلحقني وتلحقك، وتلحق الثاني والثالث، فإذا لم يقم الناس بهذا الأمر وهذا التشريع الاجتماعي فإن الآثار الوخيمة تتسع حتى تشمل كل أحد، ولا ينجو منها بعد ذلك إلا من رحم الله، ولا ينجو منها الناجي إلا بصعوبة ومشقة وعناء، وإن عالم اليوم نعرف ونرى ونحس ونلمس أنه يغزو الصالحين في عقر بيوتهم، ويغزوهم وهم في الشوارع سائرون لقضاء حوائجهم، أو ذاهبون إلى الأسواق لشراء حاجاتهم، وفي أي جانب من الجوانب أصبح الغزو يأتيك يمنة ويسرة عبر الفضاء ومن تحت الأرجل، عبر الأذن سماعاً، وعبر العين رؤية، وعبر أمور كثيرة متنوعة متعددة؛ لأن الناس غضوا الطرف أولاً، وأمرَّوا المنكر والوسيلة إليه حتى صار أكبر منه، ثم بعد ذلك تفاقم الأمر واتسع الخرق على الراقع.
ومن الآداب التشريعية الاجتماعية التي يتساهل الناس ويترخصون فيها الاستئذان، وتربية الأطفال وتعويدهم على هذه الأمور، والتفريق بين الإخوة من الذكور والإناث في المضاجع، كما أخبر النبي ﷺ عن ذلك بقوله: (وفرقوا بينهم في المضاجع) وذلك إذا بلغوا العاشرة، فهذه الأمور كلها من التشريعات المهمة في هذا الجانب.
الجانب الثالث: التشريعات العقابية، فمن وقع في هذه الحوادث وتلك الأدواء ولم يستمع للنصيحة ثم تجاوز الحد ووقع في المحرم فتردعه التشريعات العقابية والحدود على اختلاف أنواعها، فالرجم للزاني المحصن، والجلد للزاني غير المحصن، وهكذا كل الأحكام المتعلقة بهذه النواحي لتكون رادعاً، ولتكون عبرة لكل من تسول له نفسه أو يدعوه شيطانه إلى ارتكاب المعصية أو خرق حاجز العفة في المجتمع.
стр. 1943
التربية عامل من عوامل العفة
العامل الثالث: التربية.
والتربية أمرها عظيم؛ فإن الإيمان النظري الذي نحفظه نصوصاً أو نقرأه علماً، وإن التشريعات التي نعرفها فقهاً ونتقنها تفريعاً لا تغني عنا شيئاً إذا لم تحصل التربية عليها والالتزام بها، وهناك -أيضاً- جوانب متعددة متعلقة بالتربية، منها: الجانب الأول: المجاهدة والتعبد.
فلابد -لَنحَصِّل العفة- من أن نحرص على عمق وقوة وحسن ودوام الصلة بالله ، وأن نكثر التلاوة والذكر والدعاء، وأن نكثر الصلاة والمناجاة والتبتل والتضرع، وأن نكثر الصوم؛ فإنه عبادة من العبادات التي تتطهر بها النفس، ويتزكى بها القلب، وتنحصر وتضيق فيها مجاري الشيطان، فإن النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، وهذا نوع من العلاج والتربية، وقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فضيقوا مجاريه بالصوم) فهذه التربية العملية العبادية من أهم الجوانب التربوية.
الجانب الثاني: التنشئة والتعود.
وهذا يتعلق بالصغار، ونلمحه باختلاف البيئات، فهناك بيئة لا تراعي التربية الإسلامية، فالفتاة التي في سن العاشرة عندهم صغيرة السن، وقد تكون في الثانية عشرة وهي ما زالت طفلة، وتبلغ الرابعة عشرة وما زالت دون السن الذي يعتقدون أنها تكون فيه في مبلغ البنات أو البالغات، وكذلك الطفل يظل طفلاً ويدخل على النساء من المحارم وغير المحارم وهو في العاشرة، ثم في الثانية عشرة ثم في الخامسة عشرة، وهذا التسيب تلحظه عند من لا يحسن ولا يلتزم التربية الإسلامية، بينما تجد في البيئة الإسلامية أن الفتاة الصغيرة التي في الخامسة من عمرها ترى أمها وترى بيئتها تتحجب وتلتزم فتطلب الصغيرة الحجاب قبل وقتها، وتشعر وتعرف وتدرك بالفطرة التربوية على العادة أن فرض الحجاب أمر طبيعي، فهي تنظر إلى المرأة غير المحجبة على أنها تفعل فعلاً قبيحاً، وعلى أنها ليست كأهلها، وليست كأمها أو أختها أو خالتها، فهذا الشعور لا يعرفه الصغير على أنه حلال أو حرام، ولا يعرفه بدليل من كتاب وسنة، وإنما يعرفه بالتنشئة والتعود، كما قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه أما من لم ينشأ على هذه التنشئة ثم بعد ذلك نأتي إليه فنقول: هذه آيات القرآن وهذه أحاديث.
فكيف وقد عاش هذه البيئة؟! وكيف وقد مارس هذه الممارسة؟! فهذا -أيضاً- أمر مهم.
الجانب الثالث: المعرفة والتعلم.
ينبغي أن نعلم الشباب في أول مراحل العمر، وفي أول تفتح الذهن هذه المعاني المتعلقة بالأجر والثواب، كقوله ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم-: وشاب دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)، وقال ﷺ : (ثلاثة حق على الله أن يعينهم -وذكر منهم-: والمتعفف يريد النكاح)، كما ورد الحديث عند النسائي في سننه.
فإذاً نعلّم ونعرّف الشباب بهذه المعاني وبأجرها عند الله، ونعلّمهم ونعرفهم بما يضاد هذه، حتى يكون هناك تلخيص صحيح.
الجانب الرابع: التفكر والتطلع، فالقضية التربوية دائماً تعتمد على إحلال الخير محل الشر، وأن الفراغ في حد ذاته ضرب من الشر؛ لأن النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، فينبغي أن نعود الشباب في أول أعمارهم على أن تكون أفكارهم وتطلعاتهم وطموحاتهم ترقى إلى رقي تام، وإلى الآفاق الواسعة، لا كما يشيع اليوم في صفوف الشباب من أثر هذه الهجمات التي أشرت إليها، فإذا كل فكره هو في الفتاة التي يحبها، والهندام الذي يتزين به، أو العطر الذي يتعطر به، أو التسريحة التي يسرح بها شعره، وعلى ذلك قس في جانب الفتاة ما هو أعظم وأدهى، فهناك ألوان للعيون زرقاء وخضراء، وألوان للصبغات في الشعر من شقراء وغير ذلك، وكل هذا أصبح هو الذي يملأ الفكر ويشغله، فأين رسالة الإسلام؟ وأين التفكير في العلم؟ وأين قوة البدن ورياضة الجسم؟ وأين الارتباط بمآسي المسلمين والتفكر في أحوالهم؟ لو شُغل الشباب والفتيات وعودوا على هذه المعاني وكان هناك ما يسمى بنظرية التفاني التربوية التي يسمو فيها الإنسان عن الشهوات الطبيعية الفطرية التي إذا أتيح لها الفرصة تمكنت من الإنسان لكانت النتائج إيجابية، وإذا شغل الإنسان نفسه بغيرها لم تتحكم فيه.
وأضرب لذلك مثالاً: هذه الشهوات مع الإنسان في كل وقت، لكنها في وقت تقع وتظهر وتبرز، فالطلاب أو الشباب في سن الطلب من الفتيان والفتيات يشغل بالهم شيء من أثر هذه المؤثرات، لكن إذا جاء وقت الاختبارات يحصل عندهم عمل مهم، فيحصل عندهم جهد يبذلونه في هذا العمل وتفكيرٌ ينشغلون به، واهتمام قلبي ونفسي يتوجهون به إلى هذه الاختبارات، وفي ذلك الوقت وفي هذه الفترة تجد أنهم يدعون مثل تلك الأمور جانباً وراء ظهورهم.
إذاً فالأمر كذلك في كل وقت لو أننا استطعنا هذا، وعلى الشاب وعلينا أن نفقه هذه المعاني.
الجانب الخامس: القوة والانتصار.
القوة والانتصار يحصلان بقوة الإرادة التي تحمل الإنسان على الدواعي التي تدعوه، فيكون حينئذٍ أسيراً أو عبداً لشهواته، فمثلاً: بعض الناس من أصحاب النهم في الطعام إذا أردت أن تعذبه فامنع عنه الطعام أو قلل كميته، وإذا أردت أن تأخذ منه أي شيء فامنع عنه الطعام أو قلل الكمية ثم اطلب ما تشاء فسوف يتنازل؛ لأن فكره الأول والأخير هو في هذا، فإذا منع منه يمكن أن يعطي من ماله، ويمكن أن يتنازل، المهم أن ينال طلبه.
وكذلك في جانب شهوة الجنس، فمن كانت هي أوفر همه وأعظم شغله فإنه قد يبيع أخلاقه، ويبيع دينه، ويضيع ماله، ويسيء إلى سمعته، ويسيء إلى أهله؛ لأنه جعل نفسه أسيراً لهذه الشهوة، فمتى يكون قوياً؟! فليس القوي هو الذي يتبع شهوته، بل القوي هو الذي يملكها، كما قال ﵊: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب).
فهذا مقياس تربوي مهم لابد من أن ننتبه له، وأن نربط -أيضاً- أنفسنا بوعد الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 1944
التوعية عامل من عوامل العفة
العامل الرابع: التوعية.
وما أدراك ما هذه التوعية التي نحتاج إليها! إننا -للأسف- في كثير من مجتمعات المسلمين نجد هذه التوعية عكس المطلوب، فالتوعية التي نقصدها أن نبرز المنافع والمصالح التي تنشط من العفة ومن التزام أمر الله ، ليس بمجرد قول الله وقول رسوله ﷺ ، وإن كان هذا يكفي المؤمنين، لكن بما يضاف إلى ذلك من أمور مصلحية حياتية، فإنه تحصل منافع كثيرة عندما يطبق الإنسان شرع الله ، وفي المقابل ينبغي -أيضاً- أن تبين الآثار السلبية لنوعي المجتمع -الشباب والشابات-، وذلك ببيان أن ما يجول في أفكارهم وما تطمح إليه نفوسهم بعيداً عن منهج الله سوف يعود ضرره عليهم عاجلاً أو آجلاً أمراضاً في أبدانهم، وقلقاً في نفوسهم، واختلالاً في أمنهم، إلى غير ذلك من الأمور التي ابتلي بها من تركوا أمر الله ، ويصدق في هذه الأوضاع كلها شطر آية من كتاب الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] إنه ضنك يحصل في الاقتصاد وفي الاجتماع وفي الأمن، وفي كل جانب من جوانب الحياة، عندما يتخلف الناس عن التزام شرع الله .
فهذه التوعية أمرها مهم.
стр. 1945
الاستعانة بالله
العامل الخامس: الاستعانة.
وأعظم الاستعانة هي بالله ، فإن هذا الزمان زمان فتن، وإن هذا الزمان زمان شهوات ومغريات، وزمان صار فيه شياطين الإنس أعظم كيداً ومكراً من شياطين الجن، وحاول الأبالسة أن يصرفوا الناس عن دينهم وعن عفتهم وعن أخلاقهم، حتى جاءوا بما لا يتصوره العقل، بل بما يترفع عنه الحيوان البهيمي، وبما لا يتفق مع الإنسانية في قليل ولا كثير، فلابد للإنسان من أن يستعين بالله ، وأن يكثر الدعاء، وأن يكثر الالتجاء إلى الله حتى يعف نفسه عما حرم الله، وحتى يقوي عزمه في مواجهة هذه المغريات والمثيرات، وحتى يسهل له ما يعف به نفسه.
стр. 1946
الأخذ بالمباح
الأمر السادس: الأخذ بالمباح؛ لأن الفطر والغرائز أمر من أصل خلقة الله لا يمكن تجاهلها.
ومن أعظم أسباب العفة تصريف الغرائز البشرية الفطرية الطبعية فيما أحل الله ، ولهذا أبيح أمر الزواج المبكر الميسر، ولو فتح هذا الباب لانسدت أبواب من الشر عظيمة، ولو فتح هذا الباب لسكنت النفوس، وغضت الأبصار، وعفت الألسنة، وانقمعت الفتنة من نزوات الشهوة، وزال كثير وكثير وكثير من الأمور التي تشكو منها مجتمعات إسلامية كثيرة، فقد يبلغ الشاب في سن الخامسة عشرة ولا يتزوج إلا في الثلاثين في أغلب الأحوال، فيكون في هذا الزمن الممتد عرضة لتحطيم الحواجز، ولخدش الحياء وتضييع العفة، وهكذا تبلغ الفتاة في العاشرة أو الثانية عشر ولا تتزوج إلا في العشرين أو الخامسة والعشرين.
ونرى ونعلم ما يحصل -أيضاً- من تجاوز هذه الحدود العمرية -سواء في الشباب أو الشابات- في بعض المجتمعات الإسلامية التي يعجز فيها الفتى عن أن يتزوج حتى يبلغ الخامسة والثلاثين إلى الأربعين، وتعجز الفتاة عن الزواج حتى الثلاثين وبعد الثلاثين، وليس هذا كلاماً جزافاً، بل كلنا يعلمه في مجتمعات كثيرة، ونلمسه ونراه، وأعرفه في كثير من بيئاتنا ومجتمعاتنا وذوي قرابتنا.
ثم نستسلم أو نقول بالأقوال التي يروجها بيننا دعاة الباطل، ومنها أن الزواج المبكر لا يتناسب مع مقتضيات العصر، ولا يتناسب مع الوعي والفكر لدى الشاب الصغير وتلك الفتاة الصغيرة.
ونحو ذلك، ويحصل التعسير الذي يقع في الزواج وما ينتج عنه.
فإذاً من أهم الأسباب الأخذ بالمباح من الزواج المبكر الميسر، وكذلك أبواب التعدد العادل النافع؛ فإن شرع الله أتى بما ينفع ويشفي، وبما يدفع الضر ويبعد الأذى عن المجتمع المسلم.
فهذه بعض العوامل الرئيسة التي بها تتحقق العفة في المجتمع الإسلامي الإيماني.
стр. 1947
ثمار العفة
الجانب الثالث: ثمار العفة.
فماذا نجني عندما نحقق هذه العفة ونلتزمها ونشيعها بين شبابنا وشاباتنا؟ إننا نجني الثمار التالية: أولاً: السلامة من الفواحش، والفاحشة هي الأمر الذي يفحش أو الذي يتجاوز الحد وتعافه النفس والفطرة السوية، قال الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
فإذا التزمنا بتلك التشريعات وبتلك الجوانب التي ذكرناها -من تربية إيمانية، وتشريعات وقائية، وتربية إسلامية، وتوعية تنبيهية تحذيرية، واستعانة بالله فكل هذه العوامل ستجعلنا بمنأى عن هذا الدنس والهاوية الخطيرة السحيقة.
ومن الثمار: السلامة من أضرار الفواحش، وما أدراك ما أضرار الفواحش؟ فالعالم الغربي الذي كسر حواجز العفة يعج بالأمراض الجنسية المعروفة التي حيرت عقولهم، ودمرت صحتهم، وفتكت بهم، وزرعت بينهم الخوف والرعب، والتي سلبتهم حرية ولذة الاستمتاع الذي يسعون إليه ويجرون وراءه، وكلفتهم وراء ذلك الضرائب العظيمة والضخمة من اقتصادهم وأموالهم التي أهدرت بالمليارات في إجراء الأبحاث والتماس العلاج والطب ومراكز الأبحاث ونحو ذلك من الأمور، إضافة إلى ما ينشأ عن ذلك من اختلال الأمن والجرائم والاغتصاب مما سيأتي ذكره في الشق الآخر.
ومن الثمار العظيمة: نقاء المجتمع وطهارته، فإذا وجدت هذه العفة لن ترى امرأة متبرجة، ولا شاباً متسكعاً، بل ترى جداً في الشباب وعفة في الفتيات، وترى مجتمعاً طاهراً نقياً ليس فيه ذلك الابتذال ولا تلك الدناءة والخسة.
وكذلك من الثمار: قوة الإرداة التي تحدثنا عنها، والأجر والثواب العظيم من الله ، والتوكل، لقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] فهذه العفة من الحرام فيها تجديد وتقوية وزيادة للإيمان.
والعفة -أيضاً- سبب من أسباب النجاة من النار، كما ورد في حديث أخرجه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه -وتكلم بعض أهل العلم في بعض رجاله بأنهم غير معروفين- قال فيه النبي ﵊: (ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله).
ثم -أيضاً- من أعظم الثمار الصحة وحصول اللذة؛ لأن الذين يجرون وراء الشهوات يفقدون صحتهم، ويفقدون قوتهم التي يأخذون بها هذه اللذة الجنسية، ولذلك أثبتت البحوث العلمية أن القوة باقية ومستديمة بهذا الاعتدال الذي ينشأ أولاً عن الابتعاد عن الحرام، وثانياً عن العفة بمعناها الذي ذكرناه، أو الاقتصار على القليل النافع المفيد والابتعاد عن كثير الضرر؛ لأن كل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده، وهذه مجتمعات الغرب تركت الحبل على غاربه، فليس هناك عندهم شيء ممنوع ولا محرم من زناً ولواط وشذوذ ونحو ذلك، فماذا انتهى إليه أمرهم؟ انتهوا إلى أمراض جنسية مهلكة، وإلى أمراض الضعف، وإلى أمراض أخرى، وهم الآن يبحثون عن علاجات تقوي صحتهم، إلى غير ذلك من الأمور.
يقول أحد الأطباء: إنه رأى شيوخاً ناهزوا الخامسة والسبعين وهم لا يزالون في كامل قوتهم وصحتهم، وهم قادرون على المعاشرة والإنجاب، سئل هؤلاء عن سبب ذلك، فأجابوا أنهم لم يمارسوا العادة السرية في فترة شبابهم، وعندما بلغوا مبلغ الرجال لم يدخلوا في أبواب الحرام، وعندما تزوجوا أخذوا بالتوسط والاعتدال، ثم ابتعدوا عن الأمور التي يستخدمها الناس من هذه الأمور الطبية، فأبقى الله لهم هذه الصحة؛ لأن هذا المنهج هو المنهج الطبيعي المتوافق مع الفطرة.
أخي الكريم! إن ما يتعلق بكل ما قيل في ثمار الطاعة وحلاوتها، وما يتعلق بنورانية القلب، وما يتعلق بهذه المحاسن الكثيرة والمنافع العديدة التي تأتي في باب ترك المعاصي والتزام أمر الله من قوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، إلى آخر الأمور المعروفة كله يكون ببركة الطاعة والبعد عن شؤم المعصية وآثارها الوخيمة.
стр. 1948
عوامل تضييع العفة
الجانب الرابع: عوامل تضييع العفة.
وهي في الجملة عكس ما قلناه في عوامل تحقيق العفة، لكني أشير إليها في أمور محسوسة ملموسة مما نعيشه في واقعنا، وما نلمسه في واقع مجتمعات المسلمين في كثير من بلادهم وبقاعهم.
стр. 1949
الإثارة الإعلامية المحرمة
من أهم هذه العوامل: الإثارة الإعلامية المحرمة، وهذه اليوم هي من أعظم أسباب تضييع العفة وتهييج الشهوة والدعوة إلى الفسق والفجور، خاصة ما جاء للناس من بلاء القنوات الفضائية، وما يبثه أهل الكفر وأهل العهر من الكفرة والفاسقين والمنحلين إلى الفضاء الذي خلقه الله لننتفع به، فسخره أهل الباطل ليكون مصدراً للفساد، وهو المصدر الذي نزل منه الوحي ونزل منه النور من عند الله ، فانظر إلى جحود الإنسان كيف يسخر النعمة في الباطل والفساد والإفساد! هذه الإثارة التي تدخل فيها المجلة الرقيعة، والقصة الوضيعة، والتمثيلية المبتذلة، والفيلم الإغرائي إلى آخر ما لا ينتهي حصراً ولا عداً ولا لوناً ولا شكلاً مما يُغزى به المسلمون في عقر ديارهم.
والعجب كل العجب، والغرابة كل الغرابة، والاندهاش كل الاندهاش من مجتمعات أو أسر إسلامية تسمح أو يسمح فيها رب الأسرة أن يشاهد أبناؤه أو بناته أو هو نفسه مثل هذه الأمور ولا يرى في ذلك غضاضة، ولا يرى فيها خبراً حتى إذا وقع الفأس في الرأس قال: من أين هذا؟ سبحان الله! ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء فكثيرون من الآباء -وربما الأمهات- لا يفكرون تفكيراً جاداً، ولا ينتبهون انتباهاً صحيحاً لما يقولون، بل يكونون هم سبباً وعاملاً رئيساً من عوامل وقوع أبنائهم في الأمور المحرمة، أو وقوعهم بعد ذلك فيما لا تحمد عقباه مما يترتب عليه مخاطر وأضرار كثيرة.
стр. 1950
التغريب الفكري والعملي
ثانياً: التغريب الفكري والعملي، فبعض الناس اليوم أمامه كل الاتجاهات الأربعة، ولكنه لم يعرف إلا الاتجاه الغربي، فنسي الشمال والجنوب والشرق، وليس هناك أمامه إلا الغرب، فقبلته إذا توجه الغرب، وفكره إذا فكر الغرب، وبعض الناس فتنوا بهذه الحضارة وبهرجها، ونظروا إلى أحوالهم على أنها هي التأخر والرجعية والتخلف وغير ذلك من السمات والأوصاف، وأشاع بعض الناس من الذين فتنوا من الكتاب أو القصاص أو المفكرين أشاعوا هذه القالة بين الناس وبين مجتمعات المسلمين، وأنه لا تقدم إلا في الغرب، ولا حضارة إلا في الغرب، ولا أدب ولا سلوك إلا في الغرب إلى آخر ذلك.
ومثل هذا أيضاً الجانب العملي، وذلك بما وقع -أيضاً- في كثير من بيئات المسلمين بالسفر المتكرر والاختلاط الدائم بهذه البيئات التي انحلت حتى تحللت، فلم يبق فيها شيء مرتبط بشيء مطلقاً، حيث ظهر السفر والسياحة في تلك البلاد، وشد كثير من المسلمين رجالاً ونساءً وأسراً وشباباً وشابات رحالهم وتوجهوا إلى تلك البلاد، فحصل من ذلك ما حصل من الأمور التي نعرفها.
стр. 1951
الدعوة إلى تحرير المرأة
ثالثاً: استعباد المرأة الذي يسمونه (تحرير المرأة)، الذي سخر المرأة لتكون فتاة إعلام وفتاة غلاف، وعراها لينظر إلى جمالها ثم يضحك عليها، وتُنَصَّب هذه ملكة للجمال، وتلك ملكة لجمال الورود، وتلك ملكة لجمال الأشجار، وثالثة ملكة لجمال البحار إلى غير ذلك مما يضطرب فيه العقل ويحار، وكل ذلك كان من أعظم أسباب الفساد والإفساد، حتى في تلك المجتمعات، وهكذا من قلدهم –وللأسف- من مجتمعات المسلمين.
стр. 1952
التسيب الاجتماعي
رابعاً: التسيب الاجتماعي على المستوى العام والخاص، أما على المستوى العام فنراه -وللأسف- في كثير من البلاد الإسلامية من إقرار الاختلاط في التعليم بمراحله المختلفة، وسأذكر بعض ما يقولون من الأوهام والأباطيل مما يقال ويشاع بين الناس، وأنه ليس هناك ضرر من هذا الاختلاط، وأن العفة في القلب، وأن الثقة ينبغي أن تعطى للفتاة، وغير ذلك مما يقال.
فهناك تسيب اجتماعي على المستوى العام، وهناك تسيب اجتماعي على المستوى الخاص في دائرة الأسرة، فهذا ابن عمها، وهذا ابن خالتها، وهذا صديق ابن عمتها، حتى صار الرجال كلهم كالمحارم! والعجب -أيضاً- مما يقع من التفريق الذي لا أساس له من الصحة ولا منطق له بالعقل، فتجد في بعض المجتمعات التي فيها بعض المحافظة تتحجب الفتاة ولا ترى الأجانب من الرجال، لكن تكشف أو تتكلم أو لا تراعي هذه الأحكام الشرعية مع السائق أو مع الخادم، وتقول: هذا سائق.
أو: هذا خادم! أو العكس بالنسبة للشباب: هذه خادمة.
أو هذه مربية! فيا سبحان الله! فكل خادم أو سائق أو عامل أو تاجر هو رجل، وكل مربية أو أستاذة هي امرأة.
فهذه من الأمور والثغرات التي ترخص فيها الناس وجنوا من ورائها الحنظل والعلقم والمر، ووقعت من وراء ذلك ما وقعت من المشكلات والأمور التي نسمع عن بعضها، وقليل منها في مجتمعنا، ونسمع عن الكثير في مجتمعات أخرى.
стр. 1953
تعسير المباح
الجانب الأخير: التعسير للمباح الذي يدفع إلى التيسير في المحرم، فنعرف اليوم ما يشاع من أمور لابد من توافرها للزواج، ومن مهور غالية، وأنه لابد من سكن شكله كذا، ولابد من أثاث لونه كذا، ونحو ذلك مما عقَّد الأمور وصعبها، حتى غدا النادر من الشباب من لا يستطيع الزواج إلا بعد معاناة شديدة، وربما بعد وقوع في حمأة الرذيلة بصورة أو بأخرى، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 1954
الرد على بعض الأوهام والشبهات التي يروجها من يريد هدم العفة
هناك بعض الأوهام والشبهات التي يروج بها أهل الباطل مثل هذه الثغرات، وأسرد سرداً، ثم أذكر بعض التفصيل، فهذه الموجة الإعلامية الانحلالية مقبولة بحجة الترفيه والترويح عن النفس، ولا شيء فيها؛ لأن الإنسان أو لأن الشباب والشابات عندنا -بحمد الله- عندهم عقول، ولأن المجتمع عندنا -بحمد الله- محافظ! وهكذا نقول الأقوال الوهمية والدعاوى غير الحقيقية، ونغالط أنفسنا، ثم نقف بعد ذلك أمام النتيجة المرة.
وننبه على جانب واحد من هذه الجوانب يتعلق بالنساء على وجه الخصوص، ومن يقوم على شئونهن من الأزواج والآباء، إنه أمر الحجاب، فتجد كثيراً من الفوارق والمفارقات العجيبة، فهناك دعاوى كثيرة.
منها: أن الطهارة والعفة في القلب، فلا تغرنك المرأة المحجبة التي قد تجلببت بالسواد، وأرخت الحجاب على وجهها وكذا، فإنه كم وراء الحجاب من فتاة تتوصل بهذا الحجاب إلى الفتنة أو إلى الفساد.
وهذه كلمات يقولونها وينمقونها، وكم من فتاة لا يضرها أن تكشف عن وجهها أو أن تحسر عن شعرها أو تبدي ذراعها؛ لأنها واثقة من نفسها.
وهذا هو الذي يصبونه في الآذان صباح مساء، من خلال البرامج الإعلامية، فهذه فتاة تقول: أنا واثقة بنفسي، أنا مؤمنة بقدرتي وقوتي.
ثم بعد ذلك تزول هذه الثقة، وتتحطم هذه القوة، ويحصل ما يحصل مما يعلم! ومنها -أيضاً- أن الفتاة تقول: ما زلت في سن الشباب، فإذا كبرت تحجبت.
وهذه -كما يقولون- البضاعة البائرة التي تنزل في السوق ولا يريدها أحد، فتتحجب بعد أن تكون عجوزاً، ولو لم تتحجب وهي عجوز ما نظر إليها أحد، وما سأل عنها أحد، ولا تكلم معها أحد، بل قد جاء التشريع القرآني بأن القواعد من النساء يختلفن عن غيرهن؛ لأنهن لا ينظر إليهن، ولا يرغب فيهن، فالحجاب إنما يكون للمرأة في سن الشباب.
والعجب أنك ترى امرأة كبيرة في السن عليها وقار الحجاب ونور التستر وسيما الحشمة وهي تمسك بيد ابنتها وقد تكشفت وتبرجت وتعطرت وتغنجت، فإذا سئلت هذه المرأة المحجبة والأم المربية قالت: دعها تتمتع بشبابها؛ فإن العمر فيه فسحة! فهذا أيضاً من الأمور العجيبة التي سرت –وللأسف- في مجتمعات المسلمين.
وثالث هذه الأوهام والأباطيل القول بأن كل ممنوع مرغوب، فإذا حجبت المرأة رغبنا فيها، فاكشفوا عنها حتى تصبح أمراً عادياً ولا تلفت النظر.
فيا سبحان الله! لو كان الأمر كذلك فمن أين جاء الاغتصاب الذي نسمع عنه هناك في تلك البلاد، ولو كانت هذه القضية تنتهي إلى هذا الحد الذي يتصورونه ببلادة ذهن وغباء عقل لما كان بين الرجل وزوجته عشرة؛ لأنه سيألفها وسيراها، وبالتالي تصبح عنده شيئاً عادياً وكأنما هي جزء من الأثاث، فهؤلاء يغالطون أنفسهم، وينسون أصل خلقة الإنسان وفطرته، وهذه -أيضاً- من الأمور التي تروج بين كثير من فتيات المسلمين.
وأيضاً من هذه الأمور أن بعض الفتيات تقول: سأتحجب، ولكن عندما أقتنع أولاً، فنحن نريد أن تكون عندنا قناعة، ونريد أن نثبت من هذا بالعقل.
بمعنى أنها لا تريد أن يكون الحجاب مجرد حكم شرعي، وهذا لا شك أنه من جهة أخرى أمر عظيم، ولكن هل هي تريد أن تقتنع حقيقة أم أنها تفرح ببعض جمالها وشبابها وتريد أن تغري أو أن تبدي؟! وكذلك في هذا الباب أن بعض الفتيات تقول: أريد أن أتبرج أو أتكشف قليلاً حتى أرغب بعض الشباب في الزواج بي، فهي تعرض نفسها حتى يأتي -كما يقولون- فارس الأحلام فتتزوج، وحينئذٍ -إن شاء الله- تتحجب.
فنقول: سبحان الله! أي مبدأ هذا؟! إنه مبدأ اليهود الذي يقول: إن الغاية تبرر الوسيلة.
فهي تريد أن تتزوج، لكن ما الذي يضمن لها أن لا تختطف وأن لا تغتصب، فما دامت معروضة لهذا الغرض فقد يأتي الغرض على غير ما تريد، وهذه كلها أباطيل وحيل إبليسية شيطانية.
ومن قائلة أيضاً: إن الحجاب يعيق عن الحركة، والأجواء الحارة أيضاً لها أثر في هذا! إلى غير ذلك من أمور كثيرة شاعت بين المسلمين وللأسف الشديد.
стр. 1955
المخاطر الناشئة عن ترك العفة
أختم بما يتعلق بالمخاطر الناشئة عن ترك العفة، وهذه قد عرجنا عليها في أثناء حديثنا، والحقيقة أن التفصيل فيها بالإحصاءات والأرقام التي وقعت في المجتمعات التي تركت كل مبدأ وكل خلق وكل فضيلة فضلاً عن أنها تركت كل دين وتشريع، فهناك مخاطر أمنية، فلم يعد هناك أمن على النساء ولا على الأعراض ولا على الأموال، واختلط الحابل بالنابل في هذا الشأن، وهناك المخاطر الصحية من هذه الأمراض الفتاكة التي ابتلى الله بها أولئك القوم؛ لأنه قد ورد في حديث -وإن تكلم فيه بعض العلماء بالضعف-: (ما فشت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم).
وهذا في الحقيقة واقع في هذا المجتمع المعاصر، وفي البيئات المنحلة الإباحية.
وهناك -أيضاً- أمور خطيرة، وهي المتعلقة بتغير الفطرة الإنسانية، حيث وجد الشذوذ من خلال هذه الإباحية التي تركت العفة والحصانة، ووجد -أيضاً- التخنث من الرجال بالنساء، ووجد الاسترجال من النساء بالرجال، وظهر ما يسمى بالجنس الثالث، فلم تعد المرأة امرأة فيها حياء ورقة وأنوثة، ولم يعد الرجل رجلاً فيه شهامة وقوة ورجولة، فلم تعد الأمور تتبين.
يقول الشيخ الطنطاوي حفظه الله في بعض كتبه: إنه ركب مرة في إحدى المواصلات العامة في بعض البلاد العربية الإسلامية، قال: فرأيت إنساناً لم أستطع أن يتبين لي هل هو رجل أو امرأة.
لشدة ما قد يختلط في هذا الجانب، وهذا فساد عظيم.
ومن أعظم المخاطر تحطم الأسرة، فقد تحطمت الأسرة، ولم يعد هناك رباط زوجي؛ لأنه لا داعي للزواج ما دام هذا الأمر متاحاً مباحاً، وتحطم الأسرة به تحطم المجتمع، وأيضاً فوق هذا كله هناك ضياع للأطفال وتشردهم وسيرهم في الخط الإجرامي الذي يتوه فيه هؤلاء ويعبثون في المجتمع وأمنه.
وأيضاً قلة نسبة المواليد، والابتعاد في ضرورة هذه الإباحية عن الإنجاب، وعن تكوين الأسرة، إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ويعلم في كثير من الأحوال عند كثير منا أمره.
نسأل الله أن يجنبنا هذه المخاطر، وأن يرزقنا العفة والحصانة لنا ولنسائنا ولأبنائنا وبناتنا ومجتمعاتنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1956
الأسئلة
стр. 1957
تربية الأولاد بين توجيه البيت وهدم المدرسة والشارع
السؤال
نحاول توجيه بناتنا وأولادنا بالقدوة الحسنة في البيت، ولكن المدرسة والشارع قد يعيقان التوجيه، خاصة في مسألة تربية البنات وتوجيههن للحجاب، فنريد التوجيه للطريق الذي نسلكه في التربية والتوجيه بما لا يأتي بأمور عكسية، خاصة في أمور الفتيات؟
الجواب
السؤال مهم وخطير وواقعي، فلذلك أقول: في المجتمع المتكامل إسلامياً تجد أن العوامل الأخرى تعينك وقد تكفيك المئونة، أما في مجتمعات لا تطبق الإسلام، أو يكون التطبيق الإسلامي فيها منتقضاً في أكثر جوانب الحياة فتجد أن دورك يحتاج إلى أن يكون مضاعفاً؛ لأنها قضية محسومة، فلكل فعل رد فعل يضاده في الاتجاه ويساويه في القوة، فهناك فعل كثيف وهجوم شديد يحتاج إلى قوة في الرد، لذلك أهم وأولى ما يعتنى به التنشئة في الصغر؛ لأن الطفل يشب على ما تعود، سواء في ذلك الفتى والفتاة، وهذا أمر مهم.
الجانب الثاني: الترسيخ الإيماني لكل المعاني الإيمانية المتعلقة بالرقابة والمخافة من الله ، وهذا أهم؛ لأنه لا يستطيع الأب ولا الأم مطلقاً أن يفعلا -كما يتصور بعض الآباء والأمهات- رقابة صارمة دائمة، سواء بالقوة أو بالسوط أو بالصراخ، فكل ذلك لا يفيد؛ لأنك -أيها الأب- ستخرج من البيت، وستغيب قطعاً، وتنشغل أحياناً، وهنا إذا زال هذا الجانب الرقابي وليس هناك جانب داخلي يحصل الانحراف والتفلت.
الجانب الثالث: استمرار الإبعاد عن الأمور المثيرة المحرمة قدر الاستطاعة، فإذا علمت أن ثمة –مثلاً- مناسبة اجتماعية فيها بعض الأمور المحرمة فعليك أن تنأى بنفسك عنها، ولتبتعد عنها، ولتبعد أهلك عنها.
الجانب الرابع: توفير الأجواء الطيبة الطاهرة العفيفة النقية في كل مجال قدر الاستطاعة.
وأما الجانب العملي فزواج الشباب والشابات في أقرب الأوقات، وبأيسر الأمور قدر الاستطاعة، فإن النبي ﷺ عقد على عائشة وهي ابنة ست، ودخل بها وهي ابنة تسع.
فهل نحن خير أو أعلم من رسول الله ﷺ ؟! ثم لماذا هذه المغالطة؟ فـ الشافعي ﵀ قد قال: رأيت جدة لها واحد وعشرون عاماً.
أي أنها كانت بلغت وعمرها تسع سنوات، وهو السن الأقل في البلوغ غالباً، فتزوجت وعمرها عشر سنوات فأنجبت بنتاً، فبنتها بعد تسع سنوات تزوجت، وكانت الأم قد بلغ عمرها عشرين، وبعد سنة ولدت البنت فصارت أمها جدة وعمرها واحد وعشرون، ولذلك من عوامل التربية قلة الفارق في السن بين الآباء والأبناء والأمهات والبنات.
وأما اليوم فيكون الرجل في الأربعين وينجب له أول ولد يتدرب عليه، ويتعلم -كما يقولون- الحلاقة في رأسه، ولم يتعود على القرب من ابنه، وكثيرون منا لا يستطيعون أن يخاطبوا أبناءهم الصغار، ولا يستطيع أن يتحاور معه، وفي الغالب لا يتكلم معه، ودائماً الابن مع أبيه ساكت لا يتكلم، والكلام هو الأمر: اذهب وأحضر، اذهب، افعل، لا تفعل.
بينما عندما يكون هناك التقارب في الشيء تجد الفرصة لممارسة التربية والتوجيه الأكبر، ثم نحن لماذا نستصغر الشباب؟ نستصغرهم لأننا فقدنا المعاني الإيمانية والتربوية، فهذا أسامة بن زيد قاد جيشاً وهو ابن السابعة عشرة، ومحمد بن القاسم فتح الهند والصين وهو في السابعة عشرة! وأما نحن اليوم فنرضى أن يكون القائد متزوجاً، لكننا ننظر إلى الطالب في السنة الثالثة الثانوية وننظر إليه كأنه ما زال رضيعاً، فهذه النظرة نحن أوجدناها، ثم بنينا عليها ما بنينا من الأحكام، بل قل: الأوهام.
فهذا -أيضاً- أمر مهم، فكل يأخذ بما يستطيع ويجد ويخلص، ومن كان مخلصاً سهل الله له، ويخاف الناس الآن من أمور المعاش، مع أن الرازق هو الله ، وقد يقولون: هذا كلام صحيح، ونحن نؤمن أنه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] لكننا لا نريد أيضاً أن نكتفي بالقليل وبالكفاف، بل نريد أن نأكل خمس وجبات في اليوم، ونريد أن يكون عندنا العديد من أنواع الأثاث.
ونحن فرضنا أشياء وأموراً لا حاجة لها، ولو نظرنا إلى أبيات رسول الله ﷺ وأبيات أزواجه، ولو نظرنا إلى سلمان ﵁ لوجدنا عجباً، وستقول لي: ذاك في عصره! فأقول: نعم.
ولكن هناك نسبة في الأمور، فهل لابد من أن يكون عندك فلة؟! أو يكون عندك كذا غرفة؟! نسأل الله السلامة.
стр. 1958
كيفية التخلص من فتنة الصور
السؤال
أشكو من مشكلة التعلق ببعض الصور في ذهني، حيث تعاودني أحياناً وتسبب لي مفاسد كثيرة، فما هو الحل؟
الجواب
الذاكرة التصويرية هي إحدى المعجزات الربانية عند الإنسان، فنحن قد نلتقي فيرى بعضنا بعضاً، ثم نفترق، لكن في ذهني أستطيع أن أتصور الصورة، وأتخيل المجلس ومن فيه وكيف كان، ومن كان متبسماً، ومن كان متكئاً، ومن كان ناعساً إلى آخره، فهذه القدرة تجعل الإنسان يستعيد الصور، فإذا رأى صوراً محرمة أو مثيرة تكون إثارتها في وقتها، لكنه لا يسلم بعد ذلك من شرها.
لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى مقالة نفيسة طويلة أشير إليها إشارة، قال فيها: دافع الخطرة.
أي: الخاطر الذي يمر ادفعه مبكراً ولا تجعله يأتي؛ لأنه بعد أن يدخل سيصعب إخراجه.
قال: دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة -أي أنها كانت في الخارج فجاءت إلى الداخل- فدافعها، فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت همة وعزيمة، فقاومها، فإن لم تفعل وقعت في المحذور، فتداركه بالتوبة وبضده، فإن لم تفعل تعودت عليه، وصعب عليك الانتقال منه.
ثم -أيضاً- مثل في مقالة أخرى بمثل، وهو الحب والرحى، أي: الرحى التي تطحن الحب، يقول: إن جئت في هذه الرحى بتبن وبعر فطحنته فسيكون هذا هو الناتج.
فإذا أدخلت أفكاراً سيئة وصوراً رديئة وطحنتها في فكرك فسيتبلور هذا الفكر إلى مسارات عملية محددة من جنس تلك الأفكار، فمن فكر في الجهاد ومن فكر في الدعوة ومن شغل باله العلم طحنت هذه الأمور طحناً، فجاءت حباً نظيفاً مغربلاً يستفيد منه الإنسان.
стр. 1959
وجوب غض البصر عن الحرام
السؤال
في غض البصر يكون هناك صراع، والنفس تدعو، والقلب يشتاق، فكيف المخرج من نظرة البصر؟
الجواب
يقول النبي ﷺ : (من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه)، ويقول (ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) قال أهل العلم: من هم بها متمكناً قادراً عليها ثم تركها لله وخوفاً وارتداعاً بالإيمان كتب له بذلك حسنة فتفكر -أخي- في عواقب الأمور وفي عاقبة الهوى وعاقبة النظر، قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر وهذا مثل الذي يجعل نظره دواراً، وأذكر أني ركبت مرة مع أحد أصحاب التكاسي، فوجدت على طبلون السيارة مكتوباً: حرم الله الزنا ولم يحرم النظرة! ومكتوب أيضاً: العين بحر! يقول هذا القائل: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر ولو كنت عطشان ترى الماء لكنك لا تشرب منه فما هي الفائدة من رؤيته؟ لو لم تر الماء لكان أحسن لك، ولكنت مرتاحاً وهادئ البال، فإذا تركت النظر فأنت في أمن وسلام وطمأنينة بإذن الله .
стр. 1960
حكم من يدخل أقاربه على زوجته
السؤال
زوج أختي يدخل بعض أقاربه على زوجته، ومنعته كثيراً ولم ينته، فهل إذا وجدت رجلاً في البيت وهو غير موجود أبلغ أمن الهيئة؟
الجواب
خذ الأسباب الشرعية النافعة والمفيدة، وكرر الوعظ والنصح، فبعض الإخوة يقول: قد نصحته فما انتصح.
فأقول: يا أخي! كرر لعل القلب كان لاهياً فيتذكر، ولعله في مرة من المرات كان غارقاً في الأمور المحرمة ومرة يتيقظ، فلا تيأس وحاول.
стр. 1961
الطلاق حكم وأحكام
إن الناظر بنظرة عميقة إلى مشروعية الطلاق في الإسلام يجد أن الشرع لم يسن الطلاق إلا لحكم عظيمة قد لا يدركها كثير من الناس اليوم، وخاصة لمن يسمع الشبهات التي تثار حول هذا الموضوع من أعداء الدين، ومن هذه الحكم: الحاجة الماسة إليه عند تعذر الحياة الزوجية بين الزوجين، وقد جعله الشرع بيد الرجل؛ لأنه أكثر تحملاً وتعقلاً وصبراً من المرأة، كما جعل الخلع من حق المرأة بضوابطه الشرعية؛ حتى يحفظ لكل من الرجل والمرأة حقه.
стр. 1962
الحكم المتعلقة بالطلاق
الحمد لله أتم النعمة، وأكمل الدين، ورضي لنا الإسلام ديناً، أحمده على ما أنعم علينا به من الإيمان، وما أكرمنا به من الإسلام، وما وفقنا له من الطاعة والالتزام، أحمده جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً يكافئ فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون! ما يزال حديثنا موصولاً في موضوع المرأة والأسرة، وما يتصل ببناء المجتمع الإسلامي في هذا الشأن العظيم المهم من شئونه الاجتماعية.
وحديث اليوم يتصل بأمر من الأمور التي يكثر فيها مخالفة الناس لشرع الله، والتي يكثر فيها جهل الناس في ذلك الأمر بشرع الله، ويختلط عليهم كثير من حكمه وأحكامه.
هذا الموضوع بعنوان (الطلاق حِكم وأحكام)، فيه أمور مهمة، وهو في حد ذاته وما يتصل به في شأن الأسرة من أعظم وأهم الأمور التي يحتاج المجتمع الإسلامي إلى معرفة الأحكام والاطلاع على الحكم فيه، والبعد عن مخالفات شرع الله ؛ لما يترتب على ذلك من تهديم الأسر، وتقويض البيوت، وتشتيت الأبناء، وتقطيع الأواصر بين أسر المجتمع الواحد.
والناظر بنظرة غير عميقة ولا مستقصية لحكم التشريع وأحكام الله ، والذي يذعن ويسمع للشبهات المثارة حول هذا الأمر، يظن لأول وهلة أن الطلاق شر كله، والنساء على وجه الخصوص ينظرن هذه النظرة أكثر من الرجال، والحق أنه ليس في شرع الله إلا الخير المحض، وإلا الصلاح التام، وإلا الكمال المطلق، ولا يأتي النقص ولا يظهر الشر إلا من سوء أفهام الناس ومن مخالفتهم لتشريع الله .
فلنقف هذه الوقفات المهمة في هذا الشأن الخطير من شئون الأسرة والمجتمع.
стр. 1963
الحاجة إليه
إن الحاجة إلى الطلاق أمر قد تفرضه طبيعة الحياة، فما هو الحل إذا انقبضت النفوس بين الزوجين، وحصلت النفرة واختلاف القلوب بينهما، أو وجد من أسباب النزاع والخلاف واختلاف وجهات النظر ما لا يكون معه وفاق ولا اتفاق؟! لو لم يكن ثمة مخرج لهذا التشريع وما فيه من الأحكام والضوابط لانقلب الأمر إلى جحيم لا يطاق، ما ظنك بزوج وزوجة يرغمان على الحياة معاً تحت ظل سقف واحد وهما يبغضان بعضهما ولا ينسجمان مع بعضهما؟! كيف يكون الحال؟ سيوجد عسف وظلم واعتداء من الرجل، ونكود وجحود وإعراض من المرأة، وضياع للذرية وللجيل الناشئ في ظل هذا النزاع والشقاق والخصام الذي ينفرط معه العقد، والذي لا تتحقق بالوجود في ظله الأهداف المنشودة للأسرة الإسلامية، من حصول الأنس والمودة والسكن بين الزوجين، وحصول الرعاية والتربية والتنشئة الصالحة للذرية، ومن ثم إذا تعذرت استمرارية الحياة الزوجية بما يحقق أهدافها كان الطلاق في هذا الشأن نوعاً من العلاج، ودواء يشفي هذه الأسقام داخل الأسرة، ومعلوم أثر هذه الأسقام وما تنشئه من بلايا ورزايا في المجتمع كله، فإن الرجل قد ينطلق في خارج هذا الجو المحموم والمرأة كذلك، فيحصل من ذلك من الفساد المعنوي والحقيقي ما الله به عليم.
والمسيحية في بعض مذاهبها تمنع الطلاق؛ تزعم في ذلك أنها تقدس الطلاق، وتزعم في ذلك أنها تكرم المرأة وتحفظ حقها، ومع ذلك يشهد الواقع بأن مثل هذا الأمر غير مقبول على الإطلاق والدوام، وغير منضبط أو متحقق في سائر الأحوال والزيجات، ولابد أن هناك ما يستدعي وجود الطلاق، ولذا قال بعض أولئك الذين كانوا في ظلال المسيحية ثم أكرموا بنعمة الإسلام: لقد حرّمت المسيحية الطلاق، لكن في الوقت نفسه نجد أنظمة بلادها وقوانينها الرسمية تنص على إباحته، وفي المقابل أيضاً فإن الغرب الذي في بعض مذاهبه يمنع الطلاق فيه اليوم نسبة الطلاق أعظم بكثير وبأضعاف مضاعفة من نسبة الطلاق في مجتمعات المسلمين؛ لأن الطلاق في الإسلام له أحكامه وآدابه، التي لو التزمها أبناء الإسلام لما كثرت وفشت فيهم نسبة الطلاق.
إذاً: فإن هذا الأمر هو من الدواعي التي قد تقتضيها شئون الحياة، فلما كان كذلك مما تقتضيه الحياة ومما تقتضيه الفطرة جاء شرع الإسلام به.
стр. 1964
الحكمة من جعل الطلاق بيد الرجل
إن جعل الطلاق وأمر فصم عروة الزواج بيد الرجل له حكم عظيمة جليلة.
إنما جُعل للرجل في مقابل ما كان منه من إنفاق في المهر ومن تكلفة في النفقة وغير ذلك.
كذلك الرجل بطبيعة خلقته وفطرته أكثر تحملاً للمشكلات، وأكثر صبراً على المعضلات، وأوسع صدراً فيما يتعلق بالمنغصات، وبالتالي فإن له خصيصة أخرى إذ هو أكثر تغليباً للعقل على العاطفة، وأكثر ترجيحاً لعواقب الأمور من أوائلها، ومن ثم فإن تقديره لما يترتب عليه الطلاق من مخاطر ومضار عليه وعلى زوجه وعلى أبنائه أكثر مما قد يكون من تقدير المرأة التي تغلبها عاطفتها، والتي قد تندفع عند غضبها، إذ لو كان الأمر لها لكان منها الطلاق في كل يوم ربما عدة مرات، كلما غضبت من زوجها في أمر أو قصر في حق أو لم يشتر لها ما تطلبه.
وهذه حكمة من حكم الله ، مصلحتها للمرأة كما هي للرجل؛ إذ لو جعل الأمر للمرأة لتسرعت بحسب عاطفتها ثم تندمت، فما عسى الندم أن ينفعها حينئذ.
أما أهل الغرب الذين لا يدينون دين الإسلام فقد لفت نظرهم هذا التشريع الحكيم، فقال أحدهم وهو يحلل هذه الحكم التشريعية: والغرض من هذا التقييد للمرأة في المبادرة إلى الطلاق هو وضع حد لممارسة الطلاق؛ لأن الرجال يعتبرون أقل استهدافاً لاتخاذ القرارات تحت اللحظة الراهنة من النساء.
فالرجل ليس سريعاً في اتخاذ القرار عند أدنى عارض أو عند أدنى غضب، وهذه ميزة في الأصل، أما من خالف هذه الحكمة فليس هو حجة على دين الله، بل دين الله حجة عليه، ومبين لخطئه وزلله.
стр. 1965
الحكمة من جعل الخلع من حق المرأة وضوابط ذلك
لئن كان هذا الحق للرجل فإن للمرأة حقاً أيضاً يكافئ هذا الحق، ويجعل له حده وضوابطه التي تتحقق به المصلحة، فللمرأة حق الخلع في مقابل حق الطلاق للرجل؛ لأن المرأة قد تقول: هذا الرجل متى أبغض المرأة له حق أن يطلقها، فما شأن المرأة إذا أبغضت زوجها، أو إذا لم تشأ أن تستمر في الحياة معه، بحيث لا يكون ذلك لأدنى سبب ولا لأتفه عارض وإنما لسبب جوهري؟! فهل يحكم عليها أن تبقى في عقده وتحت سلطانه وهي غير راضية أو غير راغبة في ذلك؟
الجواب
كلا، فإن لها حق الخلع من زوجها، ولكن هذا لا يكون أيسر كما في الأمر الأول، بل له ضوابط منها: أنه ينبغي للمرأة أن تبدي الأسباب التي تستدعي الخلع للقاضي الذي يقضي بذلك ويعطيها حقها، وقد وقع ذلك في حياة النبي ﷺ ، ووقع في صورة تبين فيها رعاية الإسلام لحق المرأة ومراعاة مشاعرها وعواطفها، والحفاظ على حياتها وعلى استمراريتها على ما يترجح فيه مصلحتها.
فهذا ابن عباس كما في صحيح البخاري وغيره يقول: (إن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني لا أعيب على ثابت في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام)، وفي رواية أخرى عند البخاري: (ولكني لا أطيقه) أبدت أنها قد انقبضت من نفسها، وتمكن كرهه وبغضه من قلبها، وأنها لا تعيب عليه في خلق ودين، فكيف لو كان يعاب في خلق ودين بحكم الشرع؟! لكان لها حق أولى من هذا.
قالت: (إني لا أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني لا أطيقه).
وفي الرواية الأخرى: (ولكني أكره الكفر في الإسلام).
قال بعض أهل الشروح من المحدثين: إنها تكره أن تكفر العشير؛ لما في قلبها من بغضه، فقال لها النبي ﷺ : (أتردين عليه حديقته؟ -أي: التي دفعها لها مهراً لها عند زواجه بها- قالت: نعم، قال: فردي عليه حديقته، وفسخ النبي ﷺ نكاحها).
فهذا يدل على هذا الحق، ولكن ليس الأمر مرسلاً ومطلقاً على ما قد تقتضيه أهوية النساء، أو تدفعهن إليه عواطفهن، فإن هذا الأمر جد خطير، إنه فصل لميثاق غليظ ولعقد عظيم قد عظمه الله وعظم شأنه؛ فلذلك ينبغي ألا يكون هذا الأمر مفهوماً عند النساء أو عند المرأة على صورة ساذجة، كما قد تتأثر بوسائل الإعلام والتمثيليات، إذا كلمها زوجها كلمة ما قالت له: طلقني، أو قالت له: لا أستطيع الحياة معك، كلا، فقد ورد في الحديث عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﵊ قال: (أيما امراة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه.
قوله: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس) أي: إن كان هناك بأس وأمر مشروع فلها أن تطلب الطلاق، أما إن كان من غير ما بأس وإنما لمجرد التشهي والهوى، أو لمجرد الإغراء والإغواء، أو التأثر بالأجواء الاجتماعية والأعراف غير الشرعية؛ فإن هذا من أعظم الأمور وأخطرها.
следующие страницы →