← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الطلاق حكم وأحكام إن الناظر بنظرة عميقة إلى مشروعية الطلاق في الإسلام يجد أن الشرع لم يسن الطلاق إلا لحكم عظيمة قد لا يدركها كثير من الناس اليوم، وخاصة لمن يسمع الشبهات التي تثار حول هذا الموضوع من أعداء الدين، ومن هذه الحكم: الحاجة الماسة إليه عند تعذر الحياة الزوجية بين الزوجين، وقد جعله الشرع بيد الرجل؛ لأنه أكثر تحملاً وتعقلاً وصبراً من المرأة، كما جعل الخلع من حق المرأة بضوابطه الشرعية؛ حتى يحفظ لكل من الرجل والمرأة حقه.

стр. 1962

الحكم المتعلقة بالطلاق الحمد لله أتم النعمة، وأكمل الدين، ورضي لنا الإسلام ديناً، أحمده على ما أنعم علينا به من الإيمان، وما أكرمنا به من الإسلام، وما وفقنا له من الطاعة والالتزام، أحمده جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً يكافئ فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون! ما يزال حديثنا موصولاً في موضوع المرأة والأسرة، وما يتصل ببناء المجتمع الإسلامي في هذا الشأن العظيم المهم من شئونه الاجتماعية. وحديث اليوم يتصل بأمر من الأمور التي يكثر فيها مخالفة الناس لشرع الله، والتي يكثر فيها جهل الناس في ذلك الأمر بشرع الله، ويختلط عليهم كثير من حكمه وأحكامه. هذا الموضوع بعنوان (الطلاق حِكم وأحكام)، فيه أمور مهمة، وهو في حد ذاته وما يتصل به في شأن الأسرة من أعظم وأهم الأمور التي يحتاج المجتمع الإسلامي إلى معرفة الأحكام والاطلاع على الحكم فيه، والبعد عن مخالفات شرع الله ؛ لما يترتب على ذلك من تهديم الأسر، وتقويض البيوت، وتشتيت الأبناء، وتقطيع الأواصر بين أسر المجتمع الواحد. والناظر بنظرة غير عميقة ولا مستقصية لحكم التشريع وأحكام الله ، والذي يذعن ويسمع للشبهات المثارة حول هذا الأمر، يظن لأول وهلة أن الطلاق شر كله، والنساء على وجه الخصوص ينظرن هذه النظرة أكثر من الرجال، والحق أنه ليس في شرع الله إلا الخير المحض، وإلا الصلاح التام، وإلا الكمال المطلق، ولا يأتي النقص ولا يظهر الشر إلا من سوء أفهام الناس ومن مخالفتهم لتشريع الله . فلنقف هذه الوقفات المهمة في هذا الشأن الخطير من شئون الأسرة والمجتمع.

стр. 1963

الحاجة إليه إن الحاجة إلى الطلاق أمر قد تفرضه طبيعة الحياة، فما هو الحل إذا انقبضت النفوس بين الزوجين، وحصلت النفرة واختلاف القلوب بينهما، أو وجد من أسباب النزاع والخلاف واختلاف وجهات النظر ما لا يكون معه وفاق ولا اتفاق؟! لو لم يكن ثمة مخرج لهذا التشريع وما فيه من الأحكام والضوابط لانقلب الأمر إلى جحيم لا يطاق، ما ظنك بزوج وزوجة يرغمان على الحياة معاً تحت ظل سقف واحد وهما يبغضان بعضهما ولا ينسجمان مع بعضهما؟! كيف يكون الحال؟ سيوجد عسف وظلم واعتداء من الرجل، ونكود وجحود وإعراض من المرأة، وضياع للذرية وللجيل الناشئ في ظل هذا النزاع والشقاق والخصام الذي ينفرط معه العقد، والذي لا تتحقق بالوجود في ظله الأهداف المنشودة للأسرة الإسلامية، من حصول الأنس والمودة والسكن بين الزوجين، وحصول الرعاية والتربية والتنشئة الصالحة للذرية، ومن ثم إذا تعذرت استمرارية الحياة الزوجية بما يحقق أهدافها كان الطلاق في هذا الشأن نوعاً من العلاج، ودواء يشفي هذه الأسقام داخل الأسرة، ومعلوم أثر هذه الأسقام وما تنشئه من بلايا ورزايا في المجتمع كله، فإن الرجل قد ينطلق في خارج هذا الجو المحموم والمرأة كذلك، فيحصل من ذلك من الفساد المعنوي والحقيقي ما الله به عليم. والمسيحية في بعض مذاهبها تمنع الطلاق؛ تزعم في ذلك أنها تقدس الطلاق، وتزعم في ذلك أنها تكرم المرأة وتحفظ حقها، ومع ذلك يشهد الواقع بأن مثل هذا الأمر غير مقبول على الإطلاق والدوام، وغير منضبط أو متحقق في سائر الأحوال والزيجات، ولابد أن هناك ما يستدعي وجود الطلاق، ولذا قال بعض أولئك الذين كانوا في ظلال المسيحية ثم أكرموا بنعمة الإسلام: لقد حرّمت المسيحية الطلاق، لكن في الوقت نفسه نجد أنظمة بلادها وقوانينها الرسمية تنص على إباحته، وفي المقابل أيضاً فإن الغرب الذي في بعض مذاهبه يمنع الطلاق فيه اليوم نسبة الطلاق أعظم بكثير وبأضعاف مضاعفة من نسبة الطلاق في مجتمعات المسلمين؛ لأن الطلاق في الإسلام له أحكامه وآدابه، التي لو التزمها أبناء الإسلام لما كثرت وفشت فيهم نسبة الطلاق. إذاً: فإن هذا الأمر هو من الدواعي التي قد تقتضيها شئون الحياة، فلما كان كذلك مما تقتضيه الحياة ومما تقتضيه الفطرة جاء شرع الإسلام به.

стр. 1964

الحكمة من جعل الطلاق بيد الرجل إن جعل الطلاق وأمر فصم عروة الزواج بيد الرجل له حكم عظيمة جليلة. إنما جُعل للرجل في مقابل ما كان منه من إنفاق في المهر ومن تكلفة في النفقة وغير ذلك. كذلك الرجل بطبيعة خلقته وفطرته أكثر تحملاً للمشكلات، وأكثر صبراً على المعضلات، وأوسع صدراً فيما يتعلق بالمنغصات، وبالتالي فإن له خصيصة أخرى إذ هو أكثر تغليباً للعقل على العاطفة، وأكثر ترجيحاً لعواقب الأمور من أوائلها، ومن ثم فإن تقديره لما يترتب عليه الطلاق من مخاطر ومضار عليه وعلى زوجه وعلى أبنائه أكثر مما قد يكون من تقدير المرأة التي تغلبها عاطفتها، والتي قد تندفع عند غضبها، إذ لو كان الأمر لها لكان منها الطلاق في كل يوم ربما عدة مرات، كلما غضبت من زوجها في أمر أو قصر في حق أو لم يشتر لها ما تطلبه. وهذه حكمة من حكم الله ، مصلحتها للمرأة كما هي للرجل؛ إذ لو جعل الأمر للمرأة لتسرعت بحسب عاطفتها ثم تندمت، فما عسى الندم أن ينفعها حينئذ. أما أهل الغرب الذين لا يدينون دين الإسلام فقد لفت نظرهم هذا التشريع الحكيم، فقال أحدهم وهو يحلل هذه الحكم التشريعية: والغرض من هذا التقييد للمرأة في المبادرة إلى الطلاق هو وضع حد لممارسة الطلاق؛ لأن الرجال يعتبرون أقل استهدافاً لاتخاذ القرارات تحت اللحظة الراهنة من النساء. فالرجل ليس سريعاً في اتخاذ القرار عند أدنى عارض أو عند أدنى غضب، وهذه ميزة في الأصل، أما من خالف هذه الحكمة فليس هو حجة على دين الله، بل دين الله حجة عليه، ومبين لخطئه وزلله.

стр. 1965

الحكمة من جعل الخلع من حق المرأة وضوابط ذلك لئن كان هذا الحق للرجل فإن للمرأة حقاً أيضاً يكافئ هذا الحق، ويجعل له حده وضوابطه التي تتحقق به المصلحة، فللمرأة حق الخلع في مقابل حق الطلاق للرجل؛ لأن المرأة قد تقول: هذا الرجل متى أبغض المرأة له حق أن يطلقها، فما شأن المرأة إذا أبغضت زوجها، أو إذا لم تشأ أن تستمر في الحياة معه، بحيث لا يكون ذلك لأدنى سبب ولا لأتفه عارض وإنما لسبب جوهري؟! فهل يحكم عليها أن تبقى في عقده وتحت سلطانه وهي غير راضية أو غير راغبة في ذلك؟ الجواب كلا، فإن لها حق الخلع من زوجها، ولكن هذا لا يكون أيسر كما في الأمر الأول، بل له ضوابط منها: أنه ينبغي للمرأة أن تبدي الأسباب التي تستدعي الخلع للقاضي الذي يقضي بذلك ويعطيها حقها، وقد وقع ذلك في حياة النبي ﷺ ، ووقع في صورة تبين فيها رعاية الإسلام لحق المرأة ومراعاة مشاعرها وعواطفها، والحفاظ على حياتها وعلى استمراريتها على ما يترجح فيه مصلحتها. فهذا ابن عباس كما في صحيح البخاري وغيره يقول: (إن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني لا أعيب على ثابت في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام)، وفي رواية أخرى عند البخاري: (ولكني لا أطيقه) أبدت أنها قد انقبضت من نفسها، وتمكن كرهه وبغضه من قلبها، وأنها لا تعيب عليه في خلق ودين، فكيف لو كان يعاب في خلق ودين بحكم الشرع؟! لكان لها حق أولى من هذا. قالت: (إني لا أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني لا أطيقه). وفي الرواية الأخرى: (ولكني أكره الكفر في الإسلام). قال بعض أهل الشروح من المحدثين: إنها تكره أن تكفر العشير؛ لما في قلبها من بغضه، فقال لها النبي ﷺ : (أتردين عليه حديقته؟ -أي: التي دفعها لها مهراً لها عند زواجه بها- قالت: نعم، قال: فردي عليه حديقته، وفسخ النبي ﷺ نكاحها). فهذا يدل على هذا الحق، ولكن ليس الأمر مرسلاً ومطلقاً على ما قد تقتضيه أهوية النساء، أو تدفعهن إليه عواطفهن، فإن هذا الأمر جد خطير، إنه فصل لميثاق غليظ ولعقد عظيم قد عظمه الله وعظم شأنه؛ فلذلك ينبغي ألا يكون هذا الأمر مفهوماً عند النساء أو عند المرأة على صورة ساذجة، كما قد تتأثر بوسائل الإعلام والتمثيليات، إذا كلمها زوجها كلمة ما قالت له: طلقني، أو قالت له: لا أستطيع الحياة معك، كلا، فقد ورد في الحديث عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﵊ قال: (أيما امراة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه. قوله: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس) أي: إن كان هناك بأس وأمر مشروع فلها أن تطلب الطلاق، أما إن كان من غير ما بأس وإنما لمجرد التشهي والهوى، أو لمجرد الإغراء والإغواء، أو التأثر بالأجواء الاجتماعية والأعراف غير الشرعية؛ فإن هذا من أعظم الأمور وأخطرها.

стр. 1966

ترغيب الإسلام في النكاح وتبغيضه الطلاق إن ترغيب الإسلام في النكاح وتبغيضه للطلاق يدلنا على أن الأمر له إطاره العام، وله ضوابطه المحكمة، فما أكثر الآيات والأحاديث في الترغيب في النكاح، وما ورد من آيات وأحاديث عن التعدد وما يترتب على ذلك من المنافع والمصالح، حتى قال النبي ﷺ : (النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فهذا الترغيب في هذا العقد مع عظمه ووصف الله له بأنه الميثاق الغليظ لم يكن بعد هذا كله ليفسخ أو يترك هملاً للأمزجة والأهواء لتلعب به. ومن الأدلة على تبغيض الشرع للطلاق ما اشتهر بين الناس عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) وهذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وإنما هو حديث مرسل، وله شواهد من حديث معاذ ولكنه منقطع، ومن حديث علي ولكنه ضعيف، وإن كان معنى الحديث صحيحاً، وتشهد له أحاديث أخرى. وهذا حديث بريدة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا) رواه الإمام أحمد بسند صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه. قوله: (من خبب) أي: من أفسد. وتأملوا في هذا الحديث، من أفسد المرأة على زوجها كما يحصل في واقع مجتمعات المسلمين، وكما يحصل في كثير مما يذاع ويشاع في وسائل الإعلام، مثل: اطلبي منه كذا، افعلي معه كذا، انظري إلى فلانة فهي كذا، حتى يفسدوا المرأة على زوجها؛ فيحصل الشقاق، وقد يتبعه الطلاق، لكن جعل الإسلام وجعل نبي الإسلام ﵊ هذا الأمر من الأمور الخطيرة، التي لا تمت للإسلام ولا لهدي رسوله ﷺ بصلة. وهذا حديث أبي هريرة أيضاً عند ابن حبان في صحيحه، ورواه أبو داود والنسائي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها). وقد أشار نبي الإسلام إلى أن شأن الطلاق هو من أعظم ما يفرح الشيطان، ومن أعظم ما يبلغ به الكيد بين الرجل والمرأة، ففي صحيح مسلم من حديث جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه -أي: من الشياطين- فأدناهم منزلة منه أعظمهم فتنة -أي: الذي يكون عظيم الفتنة والإفساد بين عباد الله هو الذي يكون مقرباً إليه- فيأتون إليه فيقول أحدهم: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما فعلت شيئاً -يعني: هذه فتنة يسيرة ليست عظيمة- حتى يأتيه أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه إبليس منه ويقول: نعم أنت فيلتزمه)؛ لأنه عمل أعظم نتيجة إبليسية شيطانية في مجتمع المسلمين، وهي الإفساد ما بين الرجل والمرأة. إذاً: الإسلام قد جعل هذا الأمر غير مرغوب فيه، وجعله من أساليب الشيطان ومن أعظم الفتنة، وجعل السعي فيه ليس من سمت المسلمين في شيء.

стр. 1967

الأحكام التشريعية العامة المتعلقة بالطلاق قبل أن ننظر إلى الطلاق فلننظر إلى أحكام الإسلام وتشريعاته في هذا الشأن كله، فإن هناك أمرين وتشريعين مهمين وهما من أعظم التشريعات التي لو التزمهما الرجال والنساء لضاقت دائرة الطلاق، حتى يكون في دائرة محدودة بحيث يتعين الطلاق ويصبح علاجاً.

стр. 1968

الأمر بالعشرة الحسنة والإحسان للزوجات من قبل الأزواج يقول الله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وهذا نبي الهدى ﵊ يقول: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، -أي: لا يبغضها- فإن سخط منها خلقاً رضي منها آخر)، هذا الإحسان من الرجل لزوجته أمر قد جعله النبي ﷺ من أسباب التفاضل في ميزان الإسلام، فقال ﵊: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، هذا الأمر لو تحقق به الرجال لما طلبت المرأة السبيل إلى الشقاق أو النزاع فضلاً عن السبيل إلى الطلاق.

стр. 1969

حسن تبعل المرأة لزوجها وطاعتها له في المقابل تشريع آخر وهو طاعة المرأة لزوجها وحسن تبعلها له وتجملها له، والتماس رضاه والقيام بحقه، فإن هذا الأمر لو تم لكان مكافأة على الأمر الأول، ولحسنت به مسيرة الحياة الزوجية، وابتعدت أسباب الشقاق والطلاق بإذن الله ، والمصطفى ﵊ يقول: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها) رواه أبو داود في سننه. ولما جاءت المرأة كما في الصحيح تقول للنبي ﷺ : (إن الرجال فضلوا علينا بالجهاد والغزو في سبيل الله ، فقال: إن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك) فهذا التشريع هو الذي ينبغي أن نلتفت إليه، وقبل أن نلتفت إلى النهاية فلننظر إلى البداية. وثمة أحكام عامة أخرى تتعلق بالطلاق وهي مهمة؛ فإن الطلاق ليس إلا مرحلة نهائية تسبقه مراحل عديدة وأدوية وعلاجات متنوعة، تسد الطريق إليه وتبعد الوصول إليه، فالله يقول: ﴿والَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٤ - ٣٥]. هذه مراحل أربع: موعظة، تذكير بحق الزوج على زوجته، تذكير بطاعة الله ، باتباع هدي رسوله ﷺ ، وعظ وتخويف بالآخرة، فإن لم يجد ذلك نفعاً فهجر في المضجع وإظهار للغضب، فإن لم يكن ذلك فضرب غير مبرح، يشعر بوجود الخطأ، ويهدف إلى التقويم والتهذيب والتأديب، فإن زاد الأمر عن حده فحكم من أهله وحكم من أهلها. انظر إلى المراحل الثلاث فهي بين الرجل وزوجه لا يخرج عن إطار الخلاف بينهما، حتى لا يتسع ويتشعب، وتأخذ به أم المرأة شرقاً ويأخذ به أهل الزوج غرباً ثم يشيع، فإذا أراد أطراف النزاع اللقاء كان قد اشتبك النزاع وتوسع، فلم يعد للاثنين فيه خيار، وقد فرض عليهما استمراره من غيرهما؛ لذلك فالأصل أن يكون هذا النزاع أو الخلاف في دائرة الزوجين ابتداء، ثم إن أعياهم الأمر فلهما أن يختارا حكماً من أهله وحكماً من أهلها؛ للإصلاح وتقريب وجهات النظر وتأليف القلوب، ولفت النظر إلى أهمية الأسرة ورعاية الأبناء ونحو ذلك.

стр. 1970

وقفات مع بعض الأحكام التفصيلية المتعلقة بالطلاق ننتقل إلى الأحكام التي فيها بعض التفصيل في الطلاق لمن بلغ هذه المراحل كلها، وهنا يقع جهل عظيم ومخالفات كثيرة واجتراء عظيم على حدود الله من كثير من المسلمين. الطلاق كما قلنا وقدمنا: أمره جد خطير، وعندما ننظر إلى الحكم الشرعي في هذا الطلاق فإننا نقف وقفات وجيزة مع الدلائل الفقهية.

стр. 1971

الطلاق السني والطلاق البدعي وحكمهما وقع في حياة النبي ﷺ كما في الصحيح: (أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فأبلغ عمر رسول الله ﷺ ذلك، فقال: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) وهذا تفسير لقوله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] قال النبي ﷺ : (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء). والمقصود بهذا الحديث أن الطلاق السني الشرعي الصحيح الذي شرعه الإسلام أن يطلق الرجل امرأته في حالة طهر لم يجامعها فيه، ولو أن الناس طبقوا هذا الحكم، بحيث إذا غضب الرجل وأراد أن يطلق امرأته وكانت حائضاً انتظر حتى تطهر؛ لذهب في أثناء هذا الانتظار ما كان من ثورة الغضب، ولذهب كذلك ما كان من عدم تقدير لمخاطر الطلاق، وغالباً ما يصرف النظر عنه، كذلك لو أراد أن يطلقها وكانت في طهر قد جامعها فيه فإنه يحتاج -ليلتزم السنة النبوية- أن ينتظر فراغها من الطهر ثم الحيض ثم طهر آخر حتى يمضي الطلاق، لكن جهل الناس بهذا الحكم، فجعلوا الأمر على غاربه، ولما سئل ابن عمر: (فهل حسبت تلك طلقة؟ قال: فمه؟) أي: أنه يقع الطلاق، ولكن فيه مخالفة سنة النبي ﷺ .

стр. 1972

العدة للنساء وما يتعلق بها من أحكام لقد شرع الإسلام العدة للنساء، وهي فترة للمراجعة والمداولة، وجعل الطلاق ثلاثاً، وليس من أول مرة يبت الحكم فيه، فلذلكم كل هذه التشريعات تضيق الدائرة في الوصول إلى المرحلة النهائية، وتجعل الفرصة سانحة للمراجعة، يبين هذا قوله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ * فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٢٩ - ٢٣٠] أي بعد أن أنهى كل الطلقات. ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]. يقول : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] العدة ثلاثة قروء، وفسرها أهل العلم: إما ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار. وهذه العدة قد بين الله فيها الحكمة فقال جل وعلا: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١]. والحكم في العدة أن العقد باق كما هو، وأن الزوجية مستمرة كما هي، وأن المرأة ينبغي أن تقضي عدة طلاقها في بيت زوجها، فلو تصورنا بقاءها مدة ثلاثة أشهر في بيت زوجها وهي مطلقة، فإنها فرصة له ولها أن يراجعها، والمراجعة كما هو الراجح عند الفقهاء تقع ولو بدون إشهاد، والإشهاد فيها سنة، والمراجعة تقع بالمعاشرة دون التصريح بلفظ الرجوع، فهذا تضييق لإمضاء الطلاق حتى يمكن التراجع عنه، فهذه أولى، وقد تكون طلقة ثانية، فإذا جاءت الثالثة فإنها لا تحل له. وإذا انتهت عدتها في الأولى فله أن يراجعها لكن بعقد ومهر جديد، فليس النساء لعبة في أيدي الرجال، وهذا التشريع الحكيم لو التزمه المسلمون لما وقعت هذه الفتن، والله لما بين هذه الأحكام ربطها بالتقوى والخوف منه ، وذلك للفت النظر إلى مراعاة حقوق الله ومراقبة الله في هذا الشأن العظيم، فقال : ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]، قال: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) واليوم إذا طلقت المرأة أخذت عفشها وأبناءها ومضت إلى بيت أهلها، فوجدت الأبواب مفتوحة، والصدور مرحبة، وهؤلاء يفسدون ما بين الرجل وزوجته، ويسيئون إلى حياة ابنتهم، ولو كان الرجل عاقلاً لقال لابنته: إن شرع الله يقضي أن تبقى المرأة في بيت زوجها، فإن هذا أدعى إلى حصول التوافق مرة أخرى، والرجوع والتراجع في حل هذه القضية، وحتى يعود الشمل ملتئماً على أسس واضحة من جديد بإذن الله ؛ لذا قال جل وعلا: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١]. فهذا شأن الطلاق بإيجاز، انظر إلى وقوعه، وانظر إلى العدة التي جعلت له، ثم انظر إلى التحذير في التلاعب فيه وإلى التهاون فيه، أخرج الحاكم في مستدركه أن النبي ﵊ قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة). مثال هذا التلاعب: أن يطلق الرجل ثم يقول: لا أقصد، وكنت أمزح، نقول: هذا التلاعب في هذا العقد العظيم، وفي هذه الأسرة المهمة، وفي هذا البناء العظيم المهم؛ لا يقبل بحال من الأحوال. ورد في سنن ابن ماجة بسند حسنه بعض المحدثين عن أبي موسى ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما بال أقوام يلعبون بحدود الله، يقول أحدهم: قد طلقتك قد راجعتك قد طلقتك) والله جل وعلا قال في آية الطلاق: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق:١]. إذاً: الأمر ليس لعباً ولا هوى وتسيباً كما يفعل كثير من الرجال اليوم وفقاً للأهواء أو وفقاً لبعض الأعراف، فإذا دعا ضيوفه حلف بالطلاق إلا أن يأكلوا، وإذا فعل أي أمر من توافه الأمور جعل الطلاق على لسانه، وكأنه كلمة عادية من الكلمات، ومن هنا وجد هذا الخلل الذي قد يقع في المجتمعات من مخالفات المسلمين لتشريع الإسلام. نسأل الله أن يحفظ أعراضنا، وأن يحفظ أزواجنا، وأن يحفظ أبناءنا، وأن يحفظ أسرنا، وأن يحفظ مجتمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاسغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1973

حكم التلاعب بالطلاق وتخبيب النساء على الأزواج وضوابط ذلك الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فأوصيكم ونفسي القاصرة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى التي ينبغي أن يلتفت إليها الرجال، مراعاة الله في معاملة أزواجهم، ورعاية حقوق النساء، وعدم التلاعب بهذا الشأن العظيم من شئون المجتمع والأسرة، والذي هو من حدود الله . إن الصور التي نراها في واقع مجتمعات المسلمين كثيرة، وهذه الصور لا تمت إلى هذا التشريع الحكيم ولا إلى هذه الضوابط والحدود بشيء، فنرى -كما أسلفت- من يستهين بأمر الطلاق، فيطلق في كل لحظة وآن، وعند أي عارض وعند أي أمر أغضبه، وتجد بعض الرجال وقد فقد مروءته وشهامته ورجولته، فاستعمل الطلاق أسوأ استخدام، يهدد به زوجته في كل لحظة: إن فعلت كذا وإلا فسأفعل كذا، إن لم تفعلي كذا وإلا سأطلقك، فجعل الأمر كأنه تلاعب بحدود الله، وجعله كأنه سيف يرفعه على زوجه أم أبنائه ومربية أبنائه، كيف يمكن أن يكون هذا شأن رجل شهم كريم؟! إن الرجل المسلم الشهم هو الذي يرعى حق زوجته، ويعرف عظمة عقد الزواج، ويعطي حدود الله حقها؛ لا يمكن أن يكون بهذا الشأن. وكذلك نسمع عن كثير من الناس في عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم الاجتماعية الحلف بالطلاق على كل شيء، أو إمضائه في كل أمر، فإذا زاد ملح الطعام طلق، وإذا نقصت برودة الماء طلق، فتراه يطلق في اليوم والليلة أكثر من مرة! هذا التشريع الذي جعل للرجل حكمته وعقله وصبره، أفسده أمثال هؤلاء الذين ليس فيهم من صفات الرجولة الحكمة والصبر والقوة والشهامة والنخوة. والنساء اللاتي يخببن النساء على أزواجهن من أهلهن أو من بعض أقاربهن، أو من الأجواء الاجتماعية النسائية، فواحدة تقول لها: قولي له كذا، فإن لم يفعل فنكدي عيشه حتى يطلقك، ويسمعن ويشاهدن عبر الإذاعات والشاشات من مسلسلات وتمثيليات تخبيب وإفساد النساء على أزواجهن ما الله به عليم، حتى شاع بين النساء طلب الطلاق، حتى إذا عرض عارض أخذت نفسها إلى بيت أهلها، وهجرت زوجها مع أن الهجر حق للزوج، فضيعت بذلك أبناءها، وضيعت مستقبلها، وأفسدت حياتها، وبسبب هذا الشقاق والنزاع بين الأسر وجدت أسباب الرذيلة والفساد والانحلال في المجتمع، وكل هذا يقع بسبب الأعراف الاجتماعية والعادات الجاهلية والحملات الإعلامية الفاسدة. ولو نظرنا إلى القواعد والضوابط والأحكام العامة والعلل الحكيمة في هذا التشريع لوجدنا أنه تشريع حكيم عالج الداء علاجاً ناجعاً، فلو سدت الأبواب أمام بقاء الأسرة فليكن الطلاق كما جاء في تشريع الله هو المخرج من هذا المأزق، وكما طبق ذلك صحب النبي ﷺ ، وكما هو في الأحكام التفصيلية الفقهية، والأمر في هذا يطول، والمخالفات فيه كثيرة، وكم العناء والشقاء الذي جر على مجتمعات المسلمين؛ بسبب جهلهم بهذه الأحكام، وعدم التزامهم لهذه الحكم، وبسبب ذلك تفرقت الأسر وضاع الأبناء. نسأل الله أن يسلمنا من هذه الويلات، وأن يفهمنا شرع ربنا، وأن يعيننا على الاقتداء بهدي نبينا محمد ﷺ . اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يقربنا إليك يا ربنا. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا بما يرضيك آمالنا. اللهم أقل عثراتنا، واستر عوراتنا، وامح سيئاتنا، واغفر زلاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك. اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار. اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى، اللهم الطف بهم يا رب العالمين! اللهم عجل فرجهم، وفرج كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم. اللهم ثبتهم على الإيمان واليقين، ولا تجعل ما قضيت عليهم فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم اصرف عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم اجعل عمل ولاتنا في رضاك، ووفقهم لهداك، وارزقهم بطانة صالحة تدلهم على الخير وتحضهم عليه، وتحذرهم من الشر وتنهاهم عنه برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم يا رب العالمين، انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز يا متين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم شأناً، ذوي المقام العلي والقدر الجلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 1974

إلى أهل القرآن طلاباً وحفاظاً ومدرسين لا شك أن أهل القرآن المشتغلين به تلاوة وتدبراً، وحفظاً وتعلّماً، وتعليماً وتفسيراً، لهم منزلة رفيعة، ومكانة سامية، فهم خير الناس لاتصالهم بأعظم كتاب وأفضل كلام، ولهذا ينبغي للمسلم أن يعرف فضل تلاوة القرآن، ومنزلة أهله، وما أعده الله لهم من الحياة الطيبة والرفعة في الدنيا، والمكانة العالية والفضل العظيم في الآخرة، حتى يدفعه ذلك إلى اللحاق بأهل القرآن ليحصل له ما حصل لهم من الخير.

стр. 1975

المنزلة العظيمة التي جعلها الله لأهل القرآن وثمرات تعلمه وتعليمه في الدنيا والآخرة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الدائمان التامان الأكملان على النبي الكريم سيدنا ونبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، عنوان محاضرتنا هذه الليلة: (إلى أهل القرآن طلاباً وحفاظاً ومدرسين) والله أسأل أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته، ودار كرامته، وأن يجعلنا من أهل القرآن العاملين به، والتالين له، والمتدبرين له، والناشرين لعلومه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نبدأ هذا الموضوع بالحديث عن أهل القرآن ليعرفوا أنفسهم وليعرفهم الناس. لا شك أن هناك فضلاً عظيماً ومنزلة سامية جعلها الله لأهل القرآن الذين يشتغلون به تلاوة وتدبراً، وحفظاً واستذكاراً، وتعلماً وتعليماً، وعملاً ودعوة وتطبيقاً. ولا شك أن هذا القدر وهذه المنزلة من أسمى وأرقى وأعلى ما يمكن أن يحوزه مسلم بعمل من الأعمال التي يرجو بها القرب من الله .

стр. 1976

خيرية أمة الإسلام مخصوصة بأهل القرآن ثمرات تعلم القرآن وتعليمه في الدنيا والآخرة كثيرة ومنها: أولاً: الخيرية الفائقة. لقد أخبرنا المصطفى ﷺ في الحديث الذي لا أظن أن أحداً لا يحفظه، ولكنه يحتاج إلى مزيد التأمل والتدبر والتفكر في مضمونه وفي دلالته، حديث المصطفى ﷺ خيرية الصالحين والعابدين من أمته مخصوصة بأهل القرآن، كما في الصحيح من حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وفي لفظ آخر عند البخاري: (إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه). واعلم أن المرتبط بالقرآن تعليماً وتعلماً هو في الرتبة العليا، والمنزلة الرفيعة في هذه الأمة التي شرفها الله .

стр. 1977

ضمان أهل القرآن لشفاعته لهم ثانياً: الشفاعة النافعة بإذن الله . نحن نعلم أن كل أحد في هذه الحياة الدنيا يلتمس أسباب النجاة، ويحرص على الفكاك من النار، والعتق من سخط الله ، وإذا بالقرآن الذي يحرص عليه صاحبه، ويرتبط به، ويسعى دائماً إلى أن يكون عظيم الصلة به هو الذي يشفع لصاحبه، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ . من ذلك ما ورد في صحيح مسلم عنه ﵊ أنه قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، قال معاوية أحد الرواة: بلغني أن البطلة هم السحرة، فهذا وعد منه ﵊ أن القرآن يشفع لصاحبه. وفي الأَثر أن المرء إذا انشق عنه قبره يلقاه القرآن في صورة إنسان، ويكون المرء قد شحب لونه من هول ذلك اليوم، فيطمئنه القرآن ويقول له: ألا تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا الذي أظمأتك في الهواجر، أنا الذي أسهرتك في الليالي، ثم يشفع فيه فيشفع بإذن الله . وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما). وقد ذكر ذلك علماء الإسلام مذكرين بعظيم المنزلة والشرف الذي يحوزه حافظ القرآن والعامل به، قال ابن الجزري رحمة الله عليه عن القرآن: وهو في الأخرى شافع مشفعُ فيه وقوله عليه يسمع يعطى به الملك مع الخلد إذا توّجه تاج الكرامة كذا يقرا ويرقى درج الجنانِ وأبواه منه يكسيان وقد ورد في ذلك أحاديث وآثار كثيرة عن النبي ﷺ وعن صحابته.

стр. 1978

صاحب القرآن يحمل أعظم معجزة عرفتها البشرية ثالثاً: المعجزة العظيمة. اعلم يا صاحب القرآن أن لديك أعظم معجزة في هذا الوجود، ذلك أن النبي ﷺ قد بين أن معجزته الكبرى الخالدة ما دامت السماوات والأرض هي هذا القرآن المعجز الذي يحيي القلوب، ويوقظ العقول، وينشط الضعيف الكسول، ويجمع الخير كله من أطرافه، فأنت عندما ترتبط به فإنك ترتبط بأعظم معجزة لله في هذا الوجود، وكما ورد في مصنف ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن رافع عن رجل عن عبد الله بن عمرو أنه قال: من قرأ القرآن فكأنما أُدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه. وفي صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر -أي: أعطي معجزة تكون سبباً كافياً لإيمان البشر وإظهار صدق نبوة هذا النبي- وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، فأنت -إذاً- متصل بالوحي، وبالرسالة، وبالمعجزة الخالدة.

стр. 1979

حامل القرآن ينافس في أعظم الأمور وأشرفها رابعاً: المنافسة الكبيرة. فإذا تشاغل الناس بالصفق في الأسواق، وتنافسوا على ملذات الدنيا وشهواتها، وتسابقوا إلى الرفعة والجاه فيها، وتزاحموا على أبواب السلاطين؛ فأنت تنافس في أعظم الأمور وأشرفها، حتى إن أهل الفقه والإيمان ليرون أنك قد سبقتهم سبقاً عظيماً، وفقتهم فوقاً كبيراً، حتى إن النبي ﷺ قد جمع صاحب القرآن مع صاحب المال المنفق في سبيل الله، وجعل عملهما من أعظم الأعمال التي يحرص كل أحد على المنافسة فيها، والمسابقة إليها، والمواظبة عليها قدر استطاعته. ففي البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل والنهار، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل والنهار). فإذا تنافس المتنافسون في الدنيا، فأنت في أعظم منافسة، وإذا تسابق المتسابقون لها فأنت في أعظم ميدان، فاعرف لحامل القرآن قدره ومنزلته.

стр. 1980

حامل القرآن متبع لأفضل الخلق من الملائكة والبشر خامساً: المتابعة الشريفة. عندما تتمسك بكتاب الله فإن أسوتك جبريل ﵇، وأسوتك محمد ﷺ ، وسلفك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، والكوكبة العظيمة الشريفة من صحب النبي ﷺ ، وتكون سلسلتك متصلة بالأئمة الأعلام والعباد والزهاد والأتقياء والصلحاء، فإنك في الحقيقة تسلك طريقاً قد سبقك إليه الأشراف والأطهار، بل سبق إليه الرسل والأنبياء والملائكة المقربون! فهذا نبينا ﷺ كان يتدارس القرآن مع جبريل ﵇، فإذا تدارست القرآن فتذكر تلك المدارسة التي ليس في الدنيا أشرف منها؛ فهي مدارسة بين أمين الوحي جبريل وبين خاتم الرسل محمد ﷺ ، فما أعظم هذه المتابعة، وما أشرف هذه السلسلة. وانظر إلى آثار كثيرة، وأحاديث عديدة تبين لك أن الاشتغال بالقرآن هو اشتغال بما اشتغل به الذين قد بلغوا الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة والقرب من الله . عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : (أنه سمع رجلاً يقرأ القرآن في المسجد، فقال: يرحمه الله! لقد أذكرني كذا وكذا من سورة كذا)، ولم يكن القارئ يقصد المراجعة ولا المدارسة مع النبي ﷺ ، فكيف بمن يقصد ذلك ترداداً وتذكيراً وحفظاً ومراجعة ومدارسة؟! فهذا رجل دعا له النبي ﷺ لأنه أحيا وقته، وأحيا بيت الله بتلاوة القرآن قال: (يرحمه الله! لقد أذكرني كذا وكذا من سورة كذا)، والحديث في صحيح البخاري في باب: (نسيان القرآن، وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا)؟ واعلم أنك عندما تثني ركبتيك في حلق القرآن، وعندما تتأدب بين يدي حافظ القرآن الذي يعلمك ترتقي بهذا إلى شرف عظيم، وتصعد إلى رتبة عليا، فهذا ابن مسعود ﵁ يقول: لقد أخذت من فم رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، والله! لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم. ويقول شقيق صاحب ابن مسعود ﵁: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون -أي: عن ابن مسعود - فكان القول ما قال أي: في عظيم منزلته وعلمه بكتاب الله . وعن سليمان بن يسار -كما في مصنف ابن أبي شيبة -: أن عمر ﵁ انتهى إلى قوم جلوساً يقرئ بعضهم بعضاً، فلما رأوا عمر سكتوا، فقال: ما كنتم تراجعون؟ قالوا: كنا يُقرئ بعضنا بعضاً، قال: اقرءوا ولا تلحنوا. فلقد كانت سُنّة ماضية ونحن على إثرها سائرون، حلق ومدارسة، وحفظ ومذاكرة، فما أجلّها من متابعة، وما أعظمها من موافقة. وفي حديث مسروق عن عائشة ﵂ عن فاطمة بنت محمد ﷺ قالت: (أسر إليَّ النبي ﵊: أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا قد حضر أجلي). ونعلم أيضاً قصة ابن مسعود ﵁ لما طلب النبي ﵊ منه أن يقرأ عليه القرآن، فقال ابن مسعود متعجباًً: (أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: نعم، فإني أحب أن أسمعه من غيري)، فلا تستكثرن ذلك ولا تأنفن منه، ولا يكونن أحد ممتنعاً أن يسمع القرآن ممن هو أدنى منه، فلقد طلب النبي الكريم ﵊ ذلك من ابن مسعود ﵁ (فقرأ عليه من أول النساء حتى بلغ قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك! حسبك! قال ابن مسعود: فالتفتُّ إليه فإذا عيناه ﷺ تذرفان بالدموع). وفي حديث أنس المتفق عليه أن النبي ﷺ قال لـ أبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن)، فانظر -رعاك الله- هذه المتابعة الشريفة، والقدر العظيم، فإن الوحي ينزل على محمد ﷺ بأن يقرأ على أبي ﵁ القرآن، قال أبي: (آلله سماني لك؟! قال: نعم، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟! قال: نعم، فذرفت عيناه) وحُقّ له أن يبكي ﵁ وأرضاه. فاعلم يا حامل القرآن! ويا متعلم القرآن! ويا مدرس القرآن! أنك في هذه المتابعة تنال أعلى أوسمة الشرف، فإذا سار الناس شرقاً وغرباً فأنت تسير في إثر محمد ﷺ ، وتعمل عمل أصحابه، وتجلس مجالس الصالحين والعابدين والمتقين لله رب العالمين.

стр. 1981

حامل القرآن مقدم على غيره في ميادين الشرف والرفعة سادساً: الشرف والرفعة. حامل القرآن مقدم في أعظم الأمور وأشرفها، حسبك بعد التوحيد الركن الثاني من أركان الإسلام: الصلاة التي يجتمع لها المسلمون في كل يوم خمس مرات، يقول النبي ﵊: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فهذه الصلاة التي هي أعظم العبادات وأعظم الأركان -بعد الشهادتين-، وأكثرها تكرراً، وقد جاء عن الصحابة والسلف أنهم لم يكونوا يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة، وقد قال النبي ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، فهذه الصلاة التي تعلم منزلتها وعظمتها أنت المقدم فيها، والمنتدب للإمامة فيها. ومن ذلك: أن شهداء أحد لما كان النبي ﵊ يدفن منهم الاثنين والثلاثة في القبر الواحد كان يسأل إذا أراد أن يجمع بينهم عن أكثرهم حفظاً للقرآن فيقدمه في الدفن، فحتى بعد موتك أنت مقدم يا حامل القرآن. وفي صحيح مسلم أن عمر ﵁ سأل عامله على أهل مكة، فقال: من خلفت على أهل مكة؟ قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من الموالي، فقال عمر -كالمتعجب أو المستنكر-: استخلفت عليهم مولى؟! فقال: إنه قارئ لكتاب الله، فقال عمر ﵁: أما إن نبيكم قال: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين)، وهذا لا شك أنه من الأمور العظيمة، حتى كان الصحابة يقول أحدهم: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في أعيننا. ولقد كان المستشارون في مجلس الخليفة الأعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عِلْية القوم وجِلّة الصحابة من قدماء المهاجرين والأنصار، وكان يحضر في هذا المجلس حبر الأمة ابن عباس ﵁ وهو غلام صغير السن، ما أُدخِل في مثل هذا المجلس إلا أنه كان عالماً بكتاب الله ، ونعلم قصة عمر ﵁ لما سأل في مجلسه عن قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ما تعلمون منها؟ قالوا: بشارة ساقها الله إلى رسوله ﷺ ، وفي القوم ابن عباس، فسأل عمر هذا وهذا، ثم التفت إلى ابن عباس وقال: ما عندك فيها يا ترجمان القرآن؟ فيقول: أجل رسول الله ﷺ نُعي إليه، فيقول عمر: والله ما أعلم منها إلا ما ذكرت يا ابن عباس، وكان بعض الأنصار يقولون لـ عمر: ما لك تدخل بيننا هذا الغلام وفي أبنائنا من هو أسنّ منه؟ فسأله عمر بينهم عن كتاب الله ليظهر علمه، ويجلو علو كعبه في مقاله وعلمه بكتاب الله، فيرى حينئذ أين وكيف يكون التقدم والشرف وعلو المنزلة.

стр. 1982

حامل القرآن طيب المظهر والجوهر سابعاً: الطيب ظاهراً وباطناً. حامل القرآن طيب يشع منه القول الطيب، والسلوك الطيب، والسمت الطيب، بل والرائحة الطيبة، ففي سنن الترمذي بسند حسّنه أن النبي ﵊ قال: (تعلموا القرآن فاقرءوه، فإن مثل القرآن لمن تعلم فقرأ وأقام به كمثل جراب محشو مسكاً تفوح رائحته على كل مكان، ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكئ على مسك). فأنت في يقظتك وفي منامك يفوح منك الطيب ظاهراًُ وباطناً، قد طيبت باطنك وطهرت قلبك ونقيت نفسك بهذا الكلام الطاهر الشريف كلام رب العالمين. وفي صحيح البخاري عن النبي ﵊ أنه قال: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو)، فعلى كل حال ما دام القرآن بين جنبيك فأنت طيب ظاهراً وباطناً.

стр. 1983

حامل القرآن قائم بوصية النبي ﷺ ثامناً: وصية مهمة. أنت قائم بالوصية العظمى التي أوصى بها النبي ﷺ ، فإنه ما خلف درهماً ولا ديناراً، ولا أوصى بأرض ولا ضياعٍ، وإنما كما ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قيل له: هل أوصى النبي ﷺ ؟ فقال: لا، فقيل: كيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ فقال ابن أبي أوفى: أوصى بكتاب الله . فهذه وصية النبي لأمته، فأنت آخذ بهذه الوصية، قائم ببعض الواجب فيها، فاعلم أنك في هذا الميدان على قدر ومنزلة شريفة.

стр. 1984

حامل القرآن متصل بأسباب السماء تاسعاً: الصلة السماوية. عندما تقرأ القرآن وترتبط به فإنك تربط أسباب الأرض بالسماء، فإن هذا القرآن قد أنزل من فوق سبع سماوات، وأنزل لتحيا به القلوب، وأنزل لينير ظلمات هذه الأرض، ويشع فيها النور بهدي الله ، فإذا قرأت القرآن فإنك تستنزل الأسباب، وتكون ذا صلة بالسماوات، وهي صلة حسية لا معنوية، فقد ورد في حديث أسيد بن حضير أنه كان يقرأ سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس -أي: تحركت واضطربت- فسكت فسكنت، فقرأ مرة أخرى فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها -أي: نائماً- فأشفق أن تصيبه الفرس، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها -أي: ما يرى هذه الظلة التي رآها في أول أمره- فلما أصبح حدث النبي ﷺ بذلك فقال له: (اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير، -يعني: حبذا لو واصلت القراءة- قال: يا رسول! أشفقت أن تطأ يحيى وكان منها قريباً فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم). وفي حديث مشهور عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، ولا شك أن هذه صلة عظمى، ومنزلة عالية.

стр. 1985

حامل القرآن حاصل على الأنوار الربانية التي تضيء قلبه وطريقه عاشراً: النورانية الربانية. فإن هذه منزلة عظيمة ينبغي أن تحرص عليها، وأن تذكرها، وأن تعرف قدرها، فإن هذا النور الرباني يضيء قلبك ويضيء طريقك، والله قد قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] فهذا النور بين جنبيك يضيء طريقك، فاعلم أنك في هذه المنزلة على رفعة وقدر سامٍ شريف، فهو أمر عظيم، وقد قال ابن سابق -كما روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب فضائل القرآن-: إن البيوت التي يقرأ فيها القرآن لتضيء لأهل السماء كما تضيء السماء لأهل الأرض، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ليضيق على أهله، وتحضره الشياطين، وتنفر منه الملائكة، وإن أصفر البيوت -أي: أشدها إفلاساً- لبيتٌ صِفْر من كتاب الله . فلا شك أن هذه أيضاً منزلة عظيمة ينبغي أن تحرص عليها.

стр. 1986

حامل القرآن حائز على الحصانة الإلهية الحادي عشر: الحصانة الإلهية. أنت محفوظ بهذا القرآن بحفظ الله ، حسبنا أن نعلم حديث النبي ﷺ الذي أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي أنه ﵊ قال: (إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفر له). وفي الحفظ أيضاً حديث عن النبي ﵊ أيضاًً في الآيات الأخيرة من سورة البقرة، وفي ذكر العصمة من الدجال في قراءة عشر آيات من الكهف، وأحاديث كثيرة يأتي ذكر بعضها لاحقاً.

стр. 1987

انتساب حامل القرآن إلى الله الثاني عشر: الانتساب العظيم. عندما تكون في صلة مع كتاب الله فإنما أنت في هذا الميدان العظيم منتسب إلى الله، ورد في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: (إن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته)،فأنت منتسب إلى الله ، وأعظِمْ بها من نسبة وشرف. يقول الناظم: وبعد فالإنسان ليس يشرفُ إلا بما يحفظه ويعرفُ لذاك كان حاملو القرآنِ أشراف الأمة أولي الإحسان وإنهم في الناس أهل اللهِ وإن ربنا بهم يباهي وقال في القرآن عنهم وكفى بأنه أورثهمُ ما اصطفى فما أعظم هذه المنزلة العالية الرفيعة. قال ابن الجزري في النشر: (ولما تكفل الله بحفظه -أي: القرآن- خص به من شاء من بريته، وأورثه من اصطفاه من خليقته، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، وكما قال ﷺ : (إن لله أهلين من الناس، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن أهل الله وخاصته)).

стр. 1988

الأجر والثواب الذي يحصله حامل القرآن إن كان هناك قدر ومنزلة لحامل القرآن في الدنيا والآخرة، فاعلم أن وراء ذلك أجراً عظيماً كما في الحديث الذي في سنن الترمذي عن النبي ﷺ قال: (إن للقارئ بكل حرف يقرؤه من القرآن حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). وعن عائشة في الصحيح مرفوعاً: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) أي: أجر القراءة وأجر المشقة. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ -وهو حديث عظيم جدير بالتأمل- أنه قال لأصحابه: (أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان -وهو وادٍ بظاهر المدينة- فيأتي منه بناقتين كوماوين -أي: سمينتين عظيمتين- في غير إثم ولا قطيعة رحم؟) أي: يذهب فيجدها، وكانت الإبل أعظم أموالهم وأغلاها وأنفسها، وكانت تقوم ثرواتهم بها، فكيف بك كلما أردت من هذه الإبل تذهب إلى هذا المكان فتأخذ ما شئت؟! (قالو: يا رسول! كلنا يحب ذلك، فقال: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل). ولكي نقترب من المعنى أكثر نقول: لو قيل لأحدنا: لو ذهبت إلى مكان ما فإنك ستجد سيارتين أو ثلاث من أفخر أنواع السيارات فتأخذها، فماذا يصنع الناس؟ سيتسابقون تسابقاً شديداً. والله قد ذكر عظيم الأجر والمثوبة بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠] وهذا أمر واضح، ومن أوضحه ومن أعظمه أجراً أنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارقَ، أي: ارتفع، حتى تكون منزلته عند آخر آية يقرؤها من كتاب الله .

стр. 1989

المنافع الجليلة التي يستفيدها حامل القرآن مع كل هذا القدر العظيم والمنزلة الرفيعة، ومع الأجر الكثير والمثوبة العظيمة، فإن هناك نفعاً غزيراً وفائدة عميمة -إضافة إلى كل ما سبق- تجنيها عندما ترتبط بكتاب الله ، وحسبك من هذه الفوائد أن نذكر بعضاً منها: أولاًً: المتمسك بالقرآن حفظاً وتلاوةً وتعلماً يحوز أموراً كثيرة، منها: أولاً: الاستشهاد، وقوة الحجة. فأنت إذا حفظت القرآن كانت الحجة جارية على لسانك، ليناً بها لسانك، فلا تحتاج إلى أن تحصر، وإلى أن تتتعتع، فإذا ذكر أمر فإنك تجيب بكتاب الله ، فقد ذكر عن السلف مواقف كثيرة، كان القرآن فيها يجري على ألسنتهم إجابة على كل سؤال، وفتيا لكل مستفتٍ، ودمغاً لكل باطل، وهكذا من كان قريب الصلة بالقرآن فإن القرآن يجري على لسانه، فيكون قوي الحجة، سريع الاستشهاد، كثير الاستدلال، لا يلقي القول على عواهنه، فما من كلمة أو كلمتين أو جملة أو جملتين إلا بيّنها بآية من كتاب الله تثبت قوله وتؤكده وتقويه. ثانياًً: علم العلوم كلها في كتاب الله . فأنت عندما تتعلم القرآن فإنك تتعلم -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- النحو والصرف والبلاغة والفصاحة، وأشياء من التاريخ، وأحوال الأمم السالفة، وتعرف ضروباً من علوم النبات والزراعة والمياه والبحار، وأشياء أخرى كثيرة، فإن القرآن كتاب جمع علوماً عديدة، حتى إن المرء قد يسأل السؤال في غير ما يجيده ويحسنه، فإذا كان حافظاً للقرآن استذكر من القرآن ما يجيب به في أمر لا يعهد أنه يعرف مثله، فإن سئل في تاريخ ربما أجاب وليس من أهل التاريخ، وإن سئل في لغة وفي إعراب ربما استشهد بالآية وإن لم يكن قد قرأ النحو أو عرفه، فإذا صرت مع القرآن فاعلم أنك تجمع أطرافاً من العلوم وأسساً تقودك إلى أن تجيد وأن تتقن وأن تنتفع وأن تستفيد. ثالثاً: حياة القلوب. فهذا القرآن هو الحياة الحقة للقلوب، فأنت إذا كنت دائم الصلة بالقرآن، كل يوم عندك حلقة تتلقى فيها، وليل تقومه بهذا القرآن، ووقت تمضيه في المراجعة والمدارسة، فإن هذا القرآن هو حياة القلب، وهو غياث النفوس، وهو الذي يذكّر ويعظ، فأنت إذاً حي القلب بإذن الله؛ لأنك دائم الصلة بكتاب الله. فما ظنك بأناس لا يقرءون القرآن إلا لماماً؟! ولا يفتحون المصحف إلا نادراً؟! ولا يسمعون الآيات إلا من العام إلى العام أو في رمضان؟! ما ظنك بقلوبهم؟ ألا ترى أنها تصبح أقسى من الصخور والجلاميد؟ ألا ترى أنها قد يغلق عليها أو يختم عليها عياذاً بالله؟ فاحمد الله؛ لأنك باشتغالك بالقرآن تحفظ الحياة على قلبك، وتحفظ الانشراح والسعة لصدرك، فما أعظمه من نفع وفائدة تدرك أثرها عندما ترى المحرومين من هذه النعمة الكبرى. رابعاً: الجدية والإنتاج. أنت عندما تحفظ القرآن وتسعى في تعلمه تتعود على أن تكون رجل جد ومواظبة واستمرار، ولست ممن يبدأ العمل فيقطعه، ولست ممن يسرع إليه السأم فينقطع عما بدأه، ولست ممن يستهول الأمر ويستعظمه فيعجز ويضعف، عندما تجعل حفظ القرآن نصب عينيك، ثم تثني له ركبتيك، ثم تسعى إليه في المسجد، ثم تقعد بين يدي المدرس، ثم تفعل هذا وهذا، فإنك إذا نجحت في هذا السبيل فأنت في سواه بإذن الله أنجح، ولا شك أنك تتعود بذلك على طلب العلم، وعلى ارتياد المساجد، وعلى كثير من هذه الأمور التي تجعلك مُجدّاً منتجاً ومنتفعاً، غير ما يكون عليه كثير من الشباب العابث اللاهي الذي لا يحسن شيئاً، كما قال القائل في وصف بعض ميوعتهم وتهتّكهم: أغار عليك من إدراك طرفي وأشفق أن يذيبك لمس كفي فأمتنع اللقاء حذار هذا وأعتمد التلاقي حين أغفي خامساً: الصحبة الصالحة. الإنسان كأصحابه، والصاحب ساحب -كما يقولون-، فأهل الرياضة ينادمون أهل الرياضة، وأهل الفن يصاحبون أهل الفن، وأهل الأموال والأرقام الفلكية والحسابات المتعددة والطرح والقسمة والضرب مع أصحابهم، وهكذا كلٌ مع أضرابه، والطيور على أشكالها تقع. فإن سرت في ركب القرآن تطلبه أو تقرؤه أو حتى تسمعه أو حتى تحضر مجالسه فأنت تنتفع بصحبتهم كما في الحديث: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، وهذا أمر لا شك أنه عظيم، انظر إلى كثير من الشباب أين ضاعوا، وفي أي الأودية تاهوا، ومع من ساروا، وأي صحبة اختاروا! فإنك تجد أنك قد استفدت فائدة جليلة، وكسبت مكسباً عظيماً جداً. سادساً: الاستثمار الأفضل للوقت والجهد. فإنك في فترة الصبا يمكن أن تكون مع الصبيان العابثين اللاعبين الذين يلعبون في الشوارع والطرقات، والذين ليس لهم همّ إلا الجري هنا وهناك، وإن صغار الصحابة وصغار السلف قد ضربوا لنا أمثلة رائعة لا بأس أن نُعرّج تعريجاً يسيراً على بعض منها حتى تدرك أنك إن دخلت هذا الميدان من صغر سنك فأنت تستثمر الوقت وتصوغ الشخصية بشكل مغاير ومختلف. فقد جاء في ترجمة سفيان بن عيينة رحمة الله عليه أشياء عجيبة في صغر سنه، من ذلك أنه قد بدأ طلب الحديث بعد العاشرة، وجلس إلى عمرو بن دينار وهو في الثانية عشرة من عمره، وكان يقول عن نفسه: كنت أجيء إلى حلقة عمرو بن دينار وأنا كالمسمار، طولي بضعة أشبار، وذيلي بمقدار، فإذا جئت قال الكبار: افسحوا للمحدث الصغير! ويذكر أيضاً في ترجمته أنه لقي عمرو بن دينار قبل أن يعرفه، فقال -وقد رآه في الشارع-: يا غلام! امسك حماري حتى أغدوا إلى المسجد فأصلي ركعتين، قال: لا أفعل حتى تحدثني بحديث رسول الله ﷺ ، قال: وما عسى أن ينفعك الحديث؟ قال: إذاً لا أفعل، وأبى أن يمسك حماره حتى يحدثه، قال: فحدثني ببضعة أحاديث، ثم دخل وصلى وخرج، قال: ما انتفعت بما حدثتك؟ قال: فأعدت عليه الأحاديث، قال: فعجب مني! قال: فلما مضى سألت عنه، قيل: هذا عمرو بن دينار فلزمت مجلسه. فالصغير عندما يذهب إلى حلق القرآن لا يعود عابثاً من العابثين، ولا صغيراً من الصغار، فكيف بالشاب، أو من بدى في مقتبل العمر وفي ريعان الشباب إذا دخل في هذا الميدان، فلا شك أنه يستطيع -بإذن الله أن تكون حجته بين يدي الله قوية، عندما يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، فلئن أفنى بعض الشباب أوقاتهم في السيارات!! وفي الملاعب!! وفي السفر!! فأنت تستثمر هذا الوقت استثماراً عظيماًً في هذا الجانب. سابعاً: الحصانة والتحصن. وهذا ما أشرت إليه إلماحاً، فإنك عندما تدخل في هذا الميدان تحصن نفسك كما ورد في الأحاديث عن النبي ﵊، ومنها حديث أبي هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: (لا تتخذوا بيوتكم مقابر، صلوا فيها، فإن الشيطان ليفرُّ من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه)، فأنت تحصن بيتك وتحصن نفسك وتحصن ولدك وتحصن أهلك، عندما تقرأ أو تراجع، فإذا بك تمر بآية الكرسي وتمر بخواتيم البقرة، وتقرأ آيات سورة الكهف، وتمر بالآيات التي فيها استعاذة من الشياطين، فكلما قرأت كلما حصنت نفسك، وانظر اليوم إلى حال الناس وإلى الظاهرة التي تفشت وانتشرت، كم نرى من الناس قد مسّتهم الشياطين، وقد ابتلوا بالسحر، وقد تلبست بهم العفاريت من الجن، والسبب أنه لا حظّ لكثير منهم في القرآن والذكر، وتحصين البيوت بتلاوة كتاب الله، فأنت بطبيعة اشتغالك بالقرآن تديم هذه التلاوة، وتحصل هذه الفائدة النافعة، وهكذا تجد هذه الأمور كلها ميسرة. ثامناً: السلامة من الملل والسآمة لمن صدق الله وأخلص النية. لو كنت تريد حفظ القصائد والأشعار ونحوها، أو كنت تريد حفظ العلوم والمتون وتردادها، فإنه -لا شك- يسري إلى نفسك الملل، وبذلك -إن لم ترغم النفس وتخالفها- قد تنقطع، أمّا عند تردادك للقرآن واشتغالك به فلا خوف من الملل مطلقاً، فإنه لا يمل على كثرة ترداده. وقد عد الماوردي ذلك من إعجاز القرآن، فقال: ومن إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره، أحدهما: هشاشة مخرجه، والثاني: بهجة رونقه، والثالث: سلاسة نظمه، والرابع: حسن قبوله، والخامس: أن قارئه لا يكلّ، وسامعه لا يملّ، وهذا في غيره من الكلام معدوم. فليس هناك تعب ولا ملل من تلاوة القرآن وتكراره، فأنت تجني هذه الفوائد دون أن يتسرب إلى نفسك ملل ولا تعب. والنويري أيضاً عدّ ذلك من إعجاز القرآن، فقال: إن قارئه لا يمل قراءته، وسامعه لا تمجه مسامعه، بل الإكباب على تلاوته وترديده يزيده حلاوة ومحبة، ولا يزال غضاً طرياً، وغيره من الكلام ولو بلغ ما عساه يبلغ من البلاغة والفصاحة يمل من الترديد، ويُسأم إذا أعيد، وكذلك غيره من الكتب لا يوجد فيها ما فيه من ذلك: تزداد منه على ترداده ثقةً وكل قول على الترداد مملول وكما قال الشاطبي أيضاً: وإن كتاب الله أوثق شافعٍ وأغنى غَنَاءً واهباً متفضلاً وخير جليس لا يمل جليسه وترداده يزداد فيه تجمُّلاً

стр. 1990

وصايا وتوجيهات لأهل القرآن

стр. 1991

وصايا عامة لأهل القرآن ثم ننتقل أيها الإخوة الأحبة بعد أن ذكرنا أنفسنا بمنزلة أهل القرآن والتعريف بهم، إلى الشق الثاني المهم، وهو: التوجيه بالوصايا لأهل القرآن، وأولها الوصايا العامة: أولاً: الإخلاص. وأهميته لا تخفى؛ فهو أول الأمر وآخره، وأوسطه وجوهره, ولا شك أن الأمر بدءاً بدونه لا قيمة له، ومن لطيف ما ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في كتاب الفوائد أنه قال: العمل بغير إخلاص كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يثقله ولا ينفعه، يتعب بدون نفع ولا فائدة. ثانياً: ألا يحرموا أنفسهم علوم القرآن، فلئن حفظت فجود، ولئن جودت ففسر، ولئن فسّرت فتعلم البلاغة، ولئن تعلمت البلاغة فعليك بأسباب النزول، وخذ حظك، فإنه لا يشبع منه أحد، ولا يمكن أن يصدر عن منهله أحد مطلقاً، وحسبك في ذلك قول ابن مسعود ﵁ في الصحيح: والله الذي لا إله غيره! ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. ثالثاً: العمل بالعلم، فإن هذا القرآن حجة لك أو حجة عليك، فكل مرتبط بالقرآن لابد أن يستشعر هذه المسئولية، أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي موسى ﵁ أنه قال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخراً، وكائن لكم أجراً، وكائن عليكم وزراً -يعني: بحسب ما تعملون به أو تتخلفون عنه- فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط به في رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم. وهذا لا شك أنه من الأمور المهمة التي نحتاجها، وقد كان هذا دأب الصحابة، قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان الذين يقرئوننا القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نعرف ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل معاً. ولئن كان هذا الأمر غير متيسر ولا مأخوذ به فلا ضير أن تقرأ وأن تحفظ وأن تراجع، لكن لا تحرم نفسك من أن تستزيد وأن تتعلم، وأنت ملزم أن تعمل بما علمت. رابعاً: أن تطلب بصلتك بالقرآن الآخرة لا الدنيا، فإن أردت أن تحفظ فاجعل حفظك لله، وإن علّمت فاجعل تعليمك لله، فإن أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة: قارئ للقرآن، يأتي به الله فيسأله: (فيم قرأت القرآن؟ فيقول: فيك -يا رب- قرأتُ القرآن وعلمتُه، فيقال: كلا! بل فعلت ذلك ليقال: قارئ، وقد قيل، فيؤمر به فيلقى في جهنم) فاطلب وجه الله بقراءتك وتلاوتك وحفظك وتدريسك. وهذا أبو إياس معاوية بن قرة كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه يقول: كنت نازلاً على عمرو بن النعمان بن مقرن، فلما حضر رمضان جاءه رجل بألفي درهم من قِبَل مصعب بن الزبير، فقال: إن الأمير يقرئك السلام ويقول: إنا لا ندع قارئاً شريفاً إلا وقد وصل إليه منا معروفاً، فاستعن بهذه على نفقة شهرك هذا، فقال عمرو: اقرأ على الأمير السلام وقل له: والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا. وردّ عليه ما آتاه!! فهكذا كان أهل القرآن. وفي حديث عمران بن الحصين أنه مرّ على قاص يقرأ القرآن، ثم سأل -أي: طلب من الناس مالاً كما يصنع بعض الناس اليوم عندما يقرءون قراءات التطريب والتنغيم، ثم يبسطون أرديتهم ليضع الناس فيها أموالاً، فهؤلاء القراء يتكسبون بتلاوة القرآن!! - فلما رأى عمران بن الحصين ذلك استرجع -أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون- ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس) والحديث في مسند الإمام أحمد، فلا تكن هذا الذي ذمه رسول الله ﷺ ، وأخبر بأنه كائن في أمته في آخر هذا الزمن. خامساً: تحسين الصوت وحسن التلاوة. اجتهد في ذلك ما استطعت فقد قال النبي ﷺ : (لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) ونعلم أن النبي قال لـ أبي موسى الأشعري: (إنك أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) فاجعل من أهدافك أن تحسن بالقرآن صوتك، وأن تزين صوتك بالقرآن، فإن ذلك مما أثر عن النبي ﷺ ، وفي ذلك أحاديث كثيرة، منها حديث البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: (زينوا القرآن بأصواتكم) أخرجه ابن حبان في صحيحه. وجاء في صحيح ابن حبان من حديث أبي قتادة: (أن النبي ﷺ مر بـ أبي بكر ﵁ وهو يصلي خافضاً صوته -أي: بالقراءة- ومر بـ عمر يصلي رافعاً صوته ﵁، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال لـ أبي بكر: يا أبا بكر! مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك، قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ، قال: ومررت بك يا عمر وأنت ترفع صوتك، فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان وأحتسب به، فقال النبي لـ أبي بكر: ارفع من صوتك شيئاً، وقال لـ عمر: اخفض من صوتك شيئاً) فكن بين بين، وحسّن بهذا القرآن صوتك، وأسمعه الناس كما كان ابن مسعود يغشى به مجالس كفار مكة حتى يسمعهم كلام الله . سادساً: المنافحة والدفاع عن القرآن. إذا كنت من أهل القرآن فلا بد أن تكون من الدعاة إلى القرآن، ومن المدافعين عن القرآن والمنافحين عنه، ولا ينبغي لك أن تسكت عمن يتهجم على القرآن، أو يستهزئ به، فإن سكتّ على هؤلاء فلست في الحقيقة من أهل القرآن؛ لأن من قدّر القرآن وجمعه في صدره وحفظه في قلبه فإنه يعز عليه أن يهجره الناس، فضلاً عن أن يتهجموا أو يعتدوا على القرآن، وحسبك في ذلك مواقف الصحب الكرام رضوان الله عليهم، ومن ألطف وأبهر المواقف ما كان من عمر ﵁ كما في صحيح مسلم: (أن عمر كان في المسجد، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأنيها رسول الله ﷺ -أي: يقرؤها قراءة لا يعرفها عمر - فكدت أساوره في الصلاة -أي: كدت أقطع عليه الصلاة-، فلما قضى صلاته لببّته بردائه وقلت: من أقرأك هذه السورة؟! قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قال: قلت: كذبت -أي: أخطأت- فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما سمعتك تقرأ، قال: فانطلقت به أقوده إلى رسول الله، فلما جاء إلى مجلس النبي ﵊ وأبلغه الخبر، قال النبي ﷺ : أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام، فلما قرأ هشام قال النبي ﵊: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)، وبين له أن هذا وهذا كله من رسول الله ﷺ . سابعاً: التميز في الشخصية، فأنت تحمل بين جنبيك كلام الله ، وقد أخذت المعجزة العظيمة، وقد سبق بيان ما لصاحب القرآن من القدر والمنزلة، فما ينبغي لك أن تكون مثل غيرك، وحسبنا في ذلك قول ابن مسعود: (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون). وقال النووي عن حامل القرآن: ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال، وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالاً للقرآن، وأن يكون مصوناً عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعاً على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، ومتواضعاً للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعاً ذا سكينة ووقار. يقول الفضيل بن عياض: ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم. وعنه أنه قال: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيماً لحق القرآن. وقال الحسن: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار.

стр. 1992

وصايا خاصة لمتعلمي القرآن الكريم أولاً: المواظبة والاستمرار: كثيراً ما ينقطع هذا الخير ويتوقف رصيد الحفظ، بل تُنسى الآيات والسور المحفوظة شيئاً فشيئاً بسبب الانقطاع، وخير الأعمال أدومها وإن قل، وكان من دأب النبي ﵊ أنه ما بدأ بطاعة ثم تركها، وفي ترجمة الإمام أحمد عن إبراهيم الحربي أنه قال: صحبت ابن حنبل أربعين سنة فما رأيته في يوم إلا وهو أزيد من الذي قبله. فكيف تتكامل وتنقطع؟ واعلم أن الاستمرار هو الذي يؤتي الثمار، وأما الانقطاع فهو مظنة الضياع، وهذه حكمة احفظها والتزمها لعلها أن تنفعك إن شاء الله تعالى. ثانياً: الوقت المناسب: فلا تضحك على نفسك! بأن تخصص خمساً من الدقائق أو عشراً، أو تخصص ساعة نصفها يذهب في لغو ولعب وانصراف ذهن، فإنك حينئذ لم تأت بالأمر على تمامه، وهذا يقع من طلبة التحفيظ، فيأتي أحدهم بعد صلاة المغرب متأخراً، ثم يصلي السنة مطولاً، ثم يلتفت متحدثاً، ثم يجلس متلفتاً، ثم يردد مع المؤذن في أذان العشاء، ويقول: قد قضيت الوقت وداومت وواظبت، فما صنع هذا شيئاً ينفعه وإنما ضحك على نفسه، وأغرى به شيطانه، فينبغي له أن يفطن إلى ذلك، وينبغي له كذلك أن يختار الأوقات المناسبة، فلا يجعل حفظه ومراجعته في أردأ الأوقات، بعد أن ينهي كل الأعمال، والمذاكرات، وبعد أن يقضي كل المصالح، وبعد أن ينهي كل المشاوير والأعمال، فيأتي وقد كَلّ ذهنه، وتعب جسمه، فمهما أعطى من وقت فإنه لا ينتفع به، وقد قال الخطيب البغدادي: أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود أماكن الحفظ كل موضع بعيد عن الملهيات، وليس الحفظ بمحمود بحضرة النبات والخضرة وقوارع الطرق؛ لأنها تمنع خلو القلب، وينبغي أن يصبر على ذلك إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى. ثالثاً: الإصغاء والتلقي: بعضهم يسرع ويتحمس ويسابق قبل أن يتقن ويسمع ويتلقى، وهذا قد جاء في القرآن الكريم لما كان النبي ﵊ من شدة حرصه يسابق جبريل خوفاً أن يتفلت منه القرآن، فنزل قول الحق : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧]، وبعض الطلبة يريد إذا جاء المدرس يلقنه أو يقرأ عليه الدرس الجديد يظن أنه قد بلغ المنزلة والوضع الذي لا يحتاج معه إلى هذا التلقي، فلا يصغي له بأذنه، ولا يلقي له سمعه، ولا يحضر معه قلبه، ويتبرم بذلك ويريد الانصراف، ثم إذا به يخطئ فيما كان ينبغي أن يتلقاه وأن يتعلمه، وهذا كثيراً ما يقع فيه الطلاب فيخطئون في الحفظ، ويكون حفظهم الأول حفظاً خاطئاً، ويستمر معهم هذا الحفظ الخاطئ. رابعاً: الجد والاجتهاد: فإن أمر الحفظ والمراجعة وعلوم القرآن ليس أمراً ينال بالتمني ولا بالأحلام والأوهام، ولا بكثرة الطعام، ولا مع كثرة الراحة والمنام، هو أمر قد شمر له المشمرون، وتسابق إليه المتسابقون، وتنافس فيه المتنافسون، ووصل فيه السابقون ليلهم بنهارهم، وكانوا يقرءونه في حِلّهم وترحالهم، بل كانوا يرددونه وهم على صهوات الخيول وقت المعارك والجهاد والسيوف تسمع قعقعتها، والغبار يملأ الأجواء، والميدان تعلو فيه رائحة الدماء، قد كانوا يبذلون فيه جهداً عظيماً، ولذلك ينبغي أن تدرك هذا الأمر، ومع هذا فلا يهولنك الحفظ كما يقع لبعض الطلاب: فيرى بعد أن يبدأ في جزء أو جزءين أن العقبة كئود، وأن المهمة في غاية المشقة، وأنه لا يمكن أن يبلغ النهاية، إذا ظن ذلك فقد حطم نفسه، وهدم ركن عزيمته، وانقطع به سبيله في غالب الأحوال. أخي الطالب! اعلم أن الله قد قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، فليس الأمر صعباً، بل هذا من إعجاز القرآن كما ذكر ذلك الماوردي فقال: من إعجاز القرآن تيسيره على جميع الألسنة، حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ودار به لسان القبطي الألكن، ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه، ولا تجري به ألسنة البكم كجريها فيه، وما ذلك إلا بخصائص إلهية فضله بها على سائر كتبه. كيف تقول: إنك لا تستطيع أن تحفظ أو ترى ذلك صعباً، وأنت ترى من لا يحسن العربية، ولا يجيدها ولا يتقنها، يحفظ ويرتّل ويجوّد، فإذا نطق بكلام آخر غير القرآن لم يستطع أن يقيمه، ولم تفهم منه كلمة، كما هو معروف في الأعاجم الذين يقرءون القرآن يحبرونه تحبيراً، فإذا تكلموا العربية كسَروها تكسيراً! وهذا من الإعجاز ومن التيسير للقرآن، فهو ميسر مذلل، لكنه يحتاج إلى جد واجتهاد، واعلم أنك في هذا مأجور بإذن الله . خامساً: اغتنام الفرص: كما جاء عن النبي ﵊ حين أوصى بقوله: (اغتنم خمساً قبل خمس) فاحرص على الحفظ والتلقي في صغر السن، واحرص على ذلك في سن الطلب أي: في أوقات الدراسة قبل أن تتخرج وتصبح موظفاً، وتصبح رباً لأسرة، فإذا عجزت في الأولى فأنت في الثانية أعجز، فلذلك ينبغي أن تغتنم الفرص قدر استطاعتك. سادساً: الاستفادة من الزملاء في المدارسة والمذاكرة والتشجيع والمنافسة: بعض الطلاب ليس له مع إخوانه وزملائه صلة إلا صلة الود والمحبة، والأنس والمصاحبة، والأحاديث والمفاكهة، والنزهات والرحلات، لكن قل ما تجدهم يجتمعون لمراجعة ومدارسة وتسميع القرآن. سابعاً: توقير القرآن ومعلم القرآن: فإن بعض الطلبة لا يلتزمون هذا الأدب المهم وقد ذكر أبو شامة في أول شرحه على الشاطبية بعض هذه الآداب التي ينبغي أن يلتزمها الطالب، ومنها: أن يلزم مع شيخه الوقار والتأدب والتعظيم، وقد قيل: بقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع الطالب بما يستفيد من علمه، وينبغي أن يعتقد أهلية ورجحان معلمه، وذلك أقرب إلى أن ينتفع به، وأن يكون مجلاً له وحافظاً لهيبته، ومن آدابه: أن يتحرى رضا معلمه وإن خالف ذلك هوى نفسه، ومن ذلك أيضاً: أن يدخل إلى حلقة القرآن بكامل الهيئة، فارغ القلب من الشواغل متنظفاً بسواك، وقد قص شاربه وظفره وأزال أي رائحة كريهة، منها أيضاً: ألا يترك طالب القرآن حلقته ولزومه معلمه لأي عارض بسيط من العوارض، أو لأي عذر يسير مما قد يمكن احتماله.

стр. 1993

وصايا خاصة لحفاظ القرآن الكريم هذه جملة يسيرة من وصايا الحفاظ، ولا شك أنهم يحتاجون إلى مزيد من التوجيهات والتنبيهات، والوصايا العامة التي ذكرتها آنفاً تعنيهم كما تعني الطلاب، ثم يزاد عليها الوصايا التالية: أولاً: إحكام التمكين: فلا يدفعك الفرح بختمك أو بحفظك عن أن تتمكن وتراجع وتديم هذه المراجعة في أول الأمر خاصة؛ لأن القرآن سريع التفلّت، ففي البداية وعند أول الختم راجع ما استطعت أن تراجع، ولو أن تختم في ثلاث، وهذا هو الحد الأقصى لختم المصحف، ولا يفقه من قرأ في أقل من ثلاث، ولو استطعت أن تختم في كل ثلاث فإن ذلك مطلوب منك. ثانياً: دوام التلاوة: كما في حديث النبي ﵊ الذي رواه أبو موسى: (تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده! لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها). وفي حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : (إنما مثل صاحب القرآن كصاحب الإبل المعقلة -أي: المربوطة- إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت). ولذلك لابد من المداومة على التلاوة بالليل والنهار، والحل والترحال، في الصلاة وفي خارج الصلاة، وكان النبي ﷺ -كما في مسلم وفي مسند الإمام أحمد - يذكر الله في كل أحيانه. وفي حديث علي: (كان النبي ﷺ لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء ما خلا الجنابة)، وفي حديث عائشة (أن النبي ﷺ كان يضع رأسه في حجر إحدانا -أي: من أزواجه- فيتلو القرآن وهي حائض) أي: يقرؤه ويديم التلاوة قائماً وقاعداً ومستلقياً، وإن كان متطهراً -أي: متوضئاً- أو غير متوضئ لا يمنعه من تلاوة القرآن إلا الجنابة. قال ابن الجزري: فليحرص السعيد في تحصيله ولا يمل قط من ترتيله وليجتهد فيه وفي تصحيحه على الذي نقل من صحيحه وهذا لا شك أنه من الأمور المهمة، قال النووي في (التبيان): ينبغي لحافظ القرآن أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها، وكان السلف لهم في ذلك عادات مختلفة في قدر ما يختمون، فروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعضهم في كل ثمان، وعن الأكثرين في كل سبع ليال، وهذا بعد التمكن من إتقان الحفظ، فإنه ينبغي أن تديم التلاوة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. ثالثاً: اتقان التجويد: فلئن طُلب ذلك من الطالب فإنه من الحافظ آكد وألزم، فإن الحافظ يُعدّ في رتبة من يكون مدرساً ومحفظاً، فلابد أن يعنى بالتجويد، وبعض الناس يظن أن التجويد لا أهمية له!! وهو -كما نعلم- فرض كفاية، لكن كل أحد في اختصاصه مطلوب منه دواعي ومؤهلات ذلك الاختصاص، فالحافظ لاشك أنه يلزمه تعلم التجويد وإتقانه بصورة أكبر من غيره، ولذلك ينبغي له أن يتقن التجويد إتقاناً جيداً، وأن يحفظ في ذلك متناً كالجزرية أو غيرها، وأن يقرأ ويضبط شرح هذا المتن لكي يلمّ بالتجويد، وأن يختم ختمة كاملة على شيخ متقن مُجاز حتى يجاز ويمكنه أن يجيز غيره في هذه الرواية، فالقرآن إنما هو بالتلقي، والقراءة التي يقرأ بها بعضنا جيدة، لكن الحافظ ينبغي له أن يقرأ على الشيخ حتى يتصل سنده، ويكمل -بإذن الله المطلوب منه في هذا الشأن. رابعاً: تعليم القرآن بعد تعلمه وإتقانه: فإن هذا من أعظم أسباب العون على دوام التلاوة والتمكن من إتقان القرآن وتجويده. خامساً: الاستزادة من القرآن: فإذا حفظ ينبغي له أن يجوّد، وإذا جوّد طلب الإجازة في روايته، فإذا وجد في نفسه مكنة انتقل ليجمع القراءات السبع أو العشر، أو يجمعها من طرقها المتعددة إذا استطاع؛ لأن هذا -كما قلت- يرتبط بالقرآن وما مضى من القدر والمنزلة والشرف، إضافة إلى القيام بوصية رسول الله ﷺ ، وأن تكون سبباً من أسباب حفظ القرآن بكل قراءاته وحروفه التي نزل بها، والتي بلغها صحابة رسول الله ﷺ . سادساً: أن يفرح بنعمة الله فرحاً مشروعاً، فلئن فرح الناس إذا تخرجوا من الجامعات أو إذا أخذوا الدكتوراه فإن التخرج من حفظ القرآن أعظم وأشرف: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، جاء في بعض التفاسير أن ذلك الفرح إنما هو الفرح بكتاب الله ، وقد ذكر الآجري في كتابه: (أخلاق حملة القرآن) ما ينبغي للحافظ من بعض الآداب التي ننصح بالرجوع إليها.

стр. 1994

وصايا خاصة لمعلمي القرآن الكريم أولاً: الحرص على تلقين الطلاب: فينبغي للمدرس ألا يجعل الطالب يحفظ إلا بعد أن يتلقى منه ويسمع جزءه منه، وذلك على سبيل الدوام بقدر الاستطاعة، ولا يكون المدرس متهاوناً في ذلك فيسري هذا التهاون إلى الطالب، فيظن نفسه أنه قد أجاد وأفاد، فينطلق ليحفظ حفظاً خاطئاً. ثانياً: حسن التوزيع والترتيب في الوقت: فبعض المدرسين ينشغل بالطالب الأول حتى يمضي نصف الوقت، ثم يمضي النصف الثاني من الوقت مع العشرين الباقين!! وهذا أمر فيه تخليط، إذ ينبغي له أن يحسن التوزيع بين التسميع وبين التلقين وبين توزيع الحلقة في المراجعة؛ حتى يستطيع أن يفيد الطلاب، وأن يحقق الغاية التي ترجى إن شاء الله تعالى. ثالثاً: التدقيق في الحفظ والمراجعة: فلا ترخّص ولا تتساهل، سيما في الحفظ الجديد كما ذكرنا، إذ لابد أن تحرص على إتقان الطالب وتمكنه من حفظه بأكمل وأتم صورة يستطيعها؛ حتى يضمن له أساساً صحيحاً يمكن البناء عليه، وكذلك المراجعة لا تدعه يفرط ويكسل في هذا الجانب. رابعاً: البذل للمقبلين: فإن بعض الطلبة أصحاب همم عالية، وأصحاب إمكانات حباهم الله إياها، فلا تقتصر -أخي المدرس- على الوقت المقرر، فإذا جاء هذا وقد حفظ نصف جزء أو خمس صفحات أو غير ذلك قلت له: إلى يوم غد إن شاء الله، ويأتي الغد فيضيق الوقت فإلى بعد غد، فكلما تحمّس الطالب ثبّطته، وكلما انطلق أعقته، وكلما زاد نقصته، فكنت سبباً في عدم اندفاعه. فينبغي إذا كان صاحب همة إن أراد بالليل فبالليل، وإن أراد بالنهار فبالنهار، وإن أراد بعد الفجر فلا بأس، وإن أراد قبله فلا شيء في ذلك. وخشية الإطالة فإني قد أعرضت عن ذكر بعض ما ورد من التراجم، ومن ذلك: أن أحدهم قد مضى إلى قارئ دمشق يقرأ القرآن عليه، قال: فخرجت مع الأذان الأول -أي: قبل الفجر- حتى أسبق إلى الحلقة، فجئت فإذا قبلي ثلاثون! فمتى جاء هؤلاء الثلاثون؟! فتأمل وتدبر. خامساً: حسن المعاملة للطلبة وترغيبهم: فلا تكن منفّراً، ولا تكن أيضاًَ مرخصاً، فالأمر الوسط هو الأمر الحسن. سادساً: أن تكون ذا فطنة تستطيع أن تحوز في الوقت القليل وبالجهد القليل أكبر قدر من الفائدة: على سبيل المثال في أمر المراجعة: لك أن تقسم الطلبة إلى اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، وتجعل ذلك التقسيم غير ثابت، بل ينبغي أن يتغير بين يوم وآخر، أو بين بضعة أيام وأخرى، حتى لا يكون هذان الطالبان يلازم أحدهما الآخر للمراجعة، والمدرس بعد تسميع كل طالب يرجع إلى صاحبه فيبدآن في حصة المراجعة، والمدرس يمر في أقل من خمس دقائق على الجميع فيرى ويسمع ويعرف إن كان الأمر يسير سيراً حسناً أم لا، ثم يغير الطلبة حتى لا يرخص أحدهم لزميله، أو يتجاوز الأول للثاني، فكل مرة يغير هذا مع هذا وذاك مع هذا؛ حتى يستطيع -إن شاء الله- أن يضبط الطلاب جميعاً. ولا شك أن هناك أموراً ووصايا كثيرة مذكورة في مواضعها، من التزام الآداب، وإخلاص النية، والحذر من كراهة قراءة أصحابه على غيره، كما يقول النووي رحمة الله عليه: كما يقع من بعض المعلمين الجاهلين، أن يحب أن طلابه لا ينتفعون إلا به، فإذا كان عند غيره في القرآن انتفاع أو مزيد علم أو إحكام وتجويد فأخذ بعض طلابه من هذا الشيخ أو من هذا المدرس فائدة غضب لذلك واستشاط، وزجر ووعد وتهدد، فهذا لا شك أنه غير لائق به.

стр. 1995

وصايا وتوجيهات متعلقة بحلقات تحفيظ القرآن الكريم هذه بعض الملامح المهمة التي نرى أنها تجعل الحلقة تقترب نحو المثالية: أولاً: ينبغي أن يكون العدد ما بين خمسة عشر طالباً إلى عشرين لا يزيد حتى يؤتي العمل ثمرته. ثانياً: وقت الحلقة في كل يوم ما بين ساعة ونصف إلى ثلاث ساعات، فلا يقل عن ساعة ونصف عملية -وليست نظرية- لأن النظرية معناها أن تمضي ساعة ونصفاً منذ بدء الحلقة، لكنها يتخللها أمور لا تجعل الوقت الفعلي أحياناً سوى أقل من ساعة أو نحوها، أما الوقت الفعلي فيكون بعد حذف الأوقات الضائعة وعدم حسابها على الحلقة. ثالثاً: التعاون والتواصل مع الآباء وأولياء الأمور: فإن هذا يسهل كثيراً من العوائق، ويساعد في الوصول إلى الثمرة إن شاء الله. رابعاًًً: دعم المجتمع ومعرفته بهذه الفضائل والثمار: حتى يتوافر الدعم العام الذي يشجع المدرس والطالب ويعينهما على الاستمرار والمواصلة. خامساً: إكرام المدرس وتشجيع الطالب: إكرام المدرس فلا ينبغي أن يُنظر إلى حافظ القرآن ومدرسه ومعلمه نظرة فيها شيء من الازدراء أو الاحتقار، أو أنه أدنى منزلة، أو أقل مالاً، أو نحو ذلك؛ فإن هذا مما يعيق، وكذلك تشجيع الطلاب، فلا ينظر إلى من اشتغل بالقرآن أنه أدنى ممن اشتغل بالدرجات وتحصيل الامتياز في المدرسة، أو غير ذلك. هذه بعض الملامح العامة التي أسأل الله أن يكون فيها النفع والفائدة، وأسأله جل وعلا أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.

стр. 1996

الأسئلة

стр. 1997

اقتران الدروس بالرقائق السؤال هناك دروس علمية مليئة بالفوائد، ولكن هلا طبعت بالطابع الإيماني، وهلا خلط بعضها بشيء من الرقائق؟ الجواب أرجو أن يكون الأمر كذلك، وإن كان لهذه الأمور أهلها المجيدون فيها، والقادرون عليها.

стр. 1998

إمامة الصغير للناس السؤال قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فكيف يكون الحال عندما يكون أقرؤهم صغيراً؟ الجواب إذا كان صغيراً مميزاً فهو الذي يؤم القوم إن كان أقرؤهم، وقد ثبت ذلك في سنة النبي ﷺ ، وفي حياة السلف، وقد ذكر الذهبي في تراجم بعض القراء بأنه جمع القراءات وهو بعد العاشرة بقليل.

стр. 1999

لبس الزي الشرعي المخصص لطالب التحفيظ السؤال هل من نصيحة لبعض الطلاب الذين يحضرون التحفيظ بغير الزي المخصص؟ الجواب قد ذكرنا في آداب الطلاب أنه ينبغي لهم أن يتهيئوا ويتطهروا، ويتنظفوا بالسواك، ويقصوا أظفارهم، وأن يمتنعوا من الروائح الكريهة، وغير ذلك، فهذا من أدب القرآن قبل أن يكون من نظام التحفيظ.

стр. 2000

صحة ما جاء في الاستعانة على قيام الليل بقراءة آيات معينة قبل النوم السؤال ما صحة قول: من قرأ العشر الآيات الأولى والأخيرة من سورة الكهف بنية الاستيقاظ من آخر الليل أيقظه الله؟ الجواب لا أذكر أن له أصلاً، والله أعلم.
следующие страницы →