← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الأسئلة

стр. 1997

اقتران الدروس بالرقائق السؤال هناك دروس علمية مليئة بالفوائد، ولكن هلا طبعت بالطابع الإيماني، وهلا خلط بعضها بشيء من الرقائق؟ الجواب أرجو أن يكون الأمر كذلك، وإن كان لهذه الأمور أهلها المجيدون فيها، والقادرون عليها.

стр. 1998

إمامة الصغير للناس السؤال قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فكيف يكون الحال عندما يكون أقرؤهم صغيراً؟ الجواب إذا كان صغيراً مميزاً فهو الذي يؤم القوم إن كان أقرؤهم، وقد ثبت ذلك في سنة النبي ﷺ ، وفي حياة السلف، وقد ذكر الذهبي في تراجم بعض القراء بأنه جمع القراءات وهو بعد العاشرة بقليل.

стр. 1999

لبس الزي الشرعي المخصص لطالب التحفيظ السؤال هل من نصيحة لبعض الطلاب الذين يحضرون التحفيظ بغير الزي المخصص؟ الجواب قد ذكرنا في آداب الطلاب أنه ينبغي لهم أن يتهيئوا ويتطهروا، ويتنظفوا بالسواك، ويقصوا أظفارهم، وأن يمتنعوا من الروائح الكريهة، وغير ذلك، فهذا من أدب القرآن قبل أن يكون من نظام التحفيظ.

стр. 2000

صحة ما جاء في الاستعانة على قيام الليل بقراءة آيات معينة قبل النوم السؤال ما صحة قول: من قرأ العشر الآيات الأولى والأخيرة من سورة الكهف بنية الاستيقاظ من آخر الليل أيقظه الله؟ الجواب لا أذكر أن له أصلاً، والله أعلم.

стр. 2001

رفع الصوت في صلاة النافلة السؤال هل يجوز أن أتلو بصوت مسموع -قليلاً- في صلاة النافلة؟ الجواب في النافلة أو في غير النافلة الأصل في صلاة المنفرد أن يُسمع نفسه، ولابد أن ننبه إلى بطلان الصلاة التي يصليها بعض الناس ويقول: إنه يقرأ في سره ولا يحرك لسانه ولا شفتيه، فهذا لا تقبل قراءته بقلبه دون تحريك لسانه، وهذه من المسائل المهمة، ففي صلاة السر لابد أن يحرك لسانه وشفتيه، وألا يقرأ قراءة قلبية بل لفظية ليسمع نفسه، وبعض الناس يسمع نفسه ويسمع سبعين عن يمينه وسبعين عن يساره -أي: يرفع صوته فوق الحاجة- وهذا لا ينبغي، فإذا كنت تصلي صلاة نافلة فلا بأس أن ترفع صوتك، ولو جهر المصلي بصوته في صلاة السر فلا شيء في ذلك، وإن كان الجهر في غالبه مأثور في صلاة النافلة في الليل، والسر مأثور في صلاة النافلة في النهار.

стр. 2002

حكم عدم التدبر أثناء الحفظ والمراجعة السؤال عندما يراجع الطالب لا يتدبر ولا يتأمل، بل يجمع ذهنه في الحفظ والترتيل ومخارج الحروف؟ الجواب لا بأس، افعل ذلك أولاً، وسيأتي التدبر ثانياًَ، إن كنت باقياً على صلتك بالقرآن فاعلم أنك سوف تتمكن وتجوّد، ويصبح التجويد ملكة لك لا تحتاج أن تفكر في غنة ولا في سبب مد، فستكون القراءة بعد ذلك سليقة لك، فتتفرغ بعد ذلك للتدبر والتأمل والتفسير.

стр. 2003

أهمية أخذ القرآن عن المتقنين له السؤال لي أخ يأبى أن يسمع من قارئ متقن، ويقول: إن هذا ليس ضرورياً، والتجويد ليس مهماً، وهو معي في جدال مستمر؟! الجواب كل شيء له باب وله مفتاح، وله أصول وآداب، وله سنن، بل له واجبات، فلابد من أخذ الأمور كما ينبغي أن تؤخذ.

стр. 2004

حكم نسيان المحفوظ من القرآن السؤال ما حكم من حفظ ثم نسي؟ الجواب قد ورد في ذلك الوعيد عن النبي ﷺ ، وأن ذلك من أعظم الذنوب التي عرضت عليه من ذنوب أمته.

стр. 2005

الامتناع عن قراءة القرآن بداعي الخجل السؤال بعض الناس إذا قيل له: اقرأ آيتين من القرآن خجل؟ الجواب هذا أمر شخصي لا أظن فيه بأساً، إذا كان لا يتقدم أمام الناس خجلاً فينبغي أن يتعود شيئاً فشيئاً، وأن يترك الحياء في مثل هذه الأمور، فإنها من الأمور التي قد جعلت لها أسس وسنن مأثورة عن رسول الله ﷺ .

стр. 2006

ضرورة الاستمرار في مراجعة القرآن وعدم الانقطاع السؤال حفظت القرآن بدون مراجعة بعد تلك المرة، وكلما بدأت المراجعة تقدمت قليلاً ثم توقفت لأني لا أدرس في حلقة، ولا أستطيع ذلك، وأنا حفظت بطريقة جيدة ولله الحمد، فماذا علي أن أفعل؟ الجواب الحل أن تراجع، وألا تتوقف عن المراجعة، والمقطع الذي لا تضبطه حفظاً اقرأه ولو نظراً، وكرر قراءته نظراً فإن ذلك ينفع، المهم ألا تقطع ولا تنقطع.

стр. 2007

التحذير من جلساء السوء السؤال بعض طلبة التحفيظ يخالطون بعض الشباب غير الملتزمين الذين قد يصرفونهم عن التحفيظ فما توجيهكم لهم؟ الجواب أقول: إن يكن فيهم خير يأت بهم الله، فأديموا نصحهم، ولا يكن ذلك سبب في أن يحرموا من حلقة القرآن، فسيظل القرآن بهم حتى يمنعهم بإذن الله مما لا يليق بهم، ويمنعهم مما يضيع أوقاتهم أو يقترفون فيه الإثم والذنب، ويرجعون به إن شاء الله، مع نصح مدرسهم، ووعظ إخوانهم، وحسن سياستهم لهم.

стр. 2008

تفريغ القلب لتدبر القرآن السؤال أحاول أن أتدبر القرآن، ولكن تأتيني أفكار وتشويشات؟ الجواب وكلنا ذلك الرجل إلا من رحم الله!! فاستعن بالله وبالدعاء وبجمع القلب وإحضار العقل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

стр. 2009

أخذ الأجرة على تعليم القرآن السؤال ما حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ الجواب فيه خلاف بين أهل العلم، والأشهر أنه مكروه، وهو محرم عندما يكون على سبيل الاشتراط والإلزام، مثل: أنه لا يُعلّم إلا أن يُعطى أجراً قدره كذا وكذا، ورخص فيه بعض السلف، فلا بأس أن يأخذ إذا لم يشترط، وإذا لم يقدر، وهذا لا شك أن فيه فسحة ورخصة، ليكون هناك من يتفرغ للقرآن وتدريسه، ولا حرج في ذلك إن شاء الله ما دام المرء مبتغياً بذلك وجه الله .

стр. 2010

دعوة للآباء لتسجيل أبنائهم في حلقات التحفيظ السؤال نشكو غياب الوعي لدى الآباء، فلا يسجلون أبناءهم في التحفيظ، ولا يهتمون بمثل هذه الأمور؟ الجواب قد ذكرنا القدر والمنزلة والنفع والفائدة والأجر والمثوبة لحملة القرآن، وأظن الآباء لو تأملوه لحضروا بأنفسهم لحلقات التحفيظ، فضلاًً عن أن يُحضروا أبناءهم.

стр. 2011

التوسط في اللهو المباح السؤال كيف نوفق بين قول من قال: حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، وقول ابن مسعود ﵁ فيما ينبغي أن يكون عليه حال حامل القرآن، مع ما عليه أغلب شباب التحفيظ وبعض الحفاظ من اللعب بالكرة وغيرها من الألعاب؟ الجواب ينبغي لك أن تكون متزناً في حكمك، ومعتدلاً في رأيك، فليس اللهو محرماً بالكلية، وإن بعض اللهو يستجم به، كما جاء عن أبي الدرداء في الساعات الأربع، قال: ومنها ساعة أستجم فيها لنفسي فهي عون لي على الساعات الثلاث، والأمر المباح الذي ينشط ويرفه الناس لا حرج فيه، وصاحب الرسالة ليس بالضرورة أن تراه دائماً حزيناً باكياً، فربما تبسم وقلبه ينطوي على هموم الأمة، وملء نفسه همة تطمح إلى ذرى القمم وأعالي الجبال، ثم أخي لا تعمم وتقول: الأغلب أو الأكثر، ولا تكن متشائماً في نظرتك، فإن هذا مما حذر منه النبي ﵊ كما في صحيح مسلم: (من قال: هلك الناس فهو أهلَكُهم)، وفي ضبط آخر للرواية (فهو أهلَكَهم) أي: هو الذي أراد إهلاكهم أو فهو أهلَكُهم، أي: أشد هلاكاً منهم.

стр. 2012

قراءة القرآن بحضرة الأغاني السؤال هل يجوز قراءة القرآن وهو يسمع الغناء، ولكن لا يستطيع أن يغير مكانه؟ الجواب إذا كان هناك غناء واستطاع أن يغير مكانه فهذا الأولى، وهو الذي ثبت عن النبي ﵊ لما كان يردف ابن عباس وراءه، فسمع مزماراً فتنحى عن الطريق، وجعل إصبعه في أذنه وكان يقول له: (هل تسمع؟ هل تسمع؟) حتى لا يسمع اللهو والباطل، وإن كان في مكان لا يستطيع التحول عنه إلى غيره، فهذا مغالبة للباطل إن شاء الله تعالى، فهو يغالب بالحق الباطل، ويصر على أن يرفع صوت القرآن على صوت الغناء.

стр. 2013

إتيان المعاصي والذنوب ليس سبباً للتخلي عن حفظ كتاب الله السؤال قد يخالف المسلم ما يحفظ ويرتكب ذنوباًَ، ولكن مع ذلك يقول: لن أتوقف عن الحفظ والمراجعة، ولست مصراً على المعاصي وأتوب وأستغفر، فما الحكم في مثل هذه الحالة؟ الجواب كلنا ذاك الرجل، وخير الخطائين التوابون، واحرص وكن مع القرآن، فسيكون ذلك إن شاء الله أبعد لك عن هذه الآثام والذنوب إن شاء الله تعالى. أسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق والفائدة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2014

بدر والعشر إن المتتبع لما حدث في معركة بدر من اندفاع الصحابة لامتثال أوامر الله وأوامر رسوله ليتملكه العجب، كيف لا وهم يعلمون أن عاقبة هذا الفداء إزهاق للأرواح وذهاب للأنفس والمال، لكن لا يلبث هذا العجب أن يتلاشى عندما يعلم أن سبب ذلك هو قوة صلتهم بربهم ، فهم ما أقدموا على ذلك إلا بعد أن علموا بأن الله سيجازيهم على ما بذلوه بالخير العميم والأجر العظيم، وعلموا أن الله تعالى ناصر دينه ومعز أوليائه.

стр. 2015

بدر والعشر وواقعنا المعاصر الحمد لله جعل في رمضان خلة الصبر، وجعله مخصوصاًَ بمعارك العز والنصر، وخصه بليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر وسلاماً حتى مطلع الفجر، ووعد فيها بمحو الوزر ومضاعفة الأجر، أحمده حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، أحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، النبي المجتبى، والرسول المصطفى، علم التقى ومنار الهدى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فحديثنا عن بدر والعشر وواقع العصر؛ لأن الله قد جعل لنا في تشريعاته وفيما قضى وقدر فيما سلف من الأيام والتواريخ عبراً وعظات ينتفع بها العبد. فبدر حدث عظيم وفي تاريخ الإسلام، يوم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والحديث فيها يطول، غير أنّا نقف وقفات نستلُّها من بين تلك الأحداث، ونربطها بما نرومه ونتطلع إليه ونقبل عليه في العشر المرتقبة في ختام هذا الشهر، ونصل ذلك كله بواقع أمتنا ومسلك حياتنا، وما هي أحوالنا في كل ما نتصل به من أمر ربنا وفرائضه، وما نتصل به من هدي الرسول ﷺ وسننه، وقفة مع الفداء بلا امتنان من أصحاب النبي ﷺ ، الذين تكلموا بألسنتهم، وعقدوا العزائم في قلوبهم، وصدقوا ذلك بأفعالهم، ومزجوه بدمائهم، وسطروه في تاريخهم، يوم استشار النبي ﷺ أصحابه عندما تعين القتال بعد إذ لم يكن، حين تحولت المسألة من ثروة إلى ذات شوكة، فقال ﵊: (أشيروا عليّ أيها الناس)، فتكلم أبو بكر فأحسن، وتكلم عمر فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال مقالته الشهيرة: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، فوالله ما نقول لك ما قالت بنوا إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالله لو سرت بنا إلى برك الغماد فجالدت بنا لسرنا معك حتى تبلغه. ثم قال ﵊: (أشيروا عليّ أيها الناس)، فقام سعد بن معاذ سيد الأنصار فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. فقال سعد يعبر بلسان الإيمان وبكلام اليقين وبموقف الثبات وبرؤية ما وراء هذه الحياة: آمنا بك وصدقناك، وشهدنا على أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. ثم قال: صل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك ما شئت، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت لنا، وما أمرتنا بأمر إلا ونحن تبع لأمرك، فامض بنا -يا رسول الله- لما أردت، فنحن معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فانفر على بركة الله.

стр. 2016

ضرورة التوفيق بين ميادين الخير هذه ومضة مهمة ونحن نقبل على عشرنا، فماذا نفعل في ميدان من ميادين الخير مع تفاوتها؟ علينا أن نعمل لعل الله أن يرى منا ومن طاعتنا وعبادتنا وذكرنا ما يحبه ويرضاه، ولعل رسول الله ﷺ يعلم منا من بعد ما نحن سائرون في أثره ومقتفون له في هذه العشر من قيام أو اعتكاف أو عبادة أو غير ذلك. (لعل الله يريك منا ما تقر بها عينك) هذه التضحية قالها أصحاب محمد ﷺ في ميدان الجهاد والسيوف تبرق، وعلائم الموت تخفق، والصفوف على وشك أن تلتحم، عندما دعاهم النبي ﷺ إلى مواجهة جيش عدته ثلاثة أضعافهم، فما وهنوا لما أصابهم وما ضعفوا وما استكانوا، وما تراجعوا وما ترددوا، ولكن أقدموا وعزموا وجزموا، وأعلنوا الفداء والتضحية بلا منة، بل المنة ذكروها لله ولرسول الله ﷺ (فصل من شئت، واقطع من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت لنا) وصدقوا ذلك، فكم نحن في حاجة إلى أن نصدق الله في كل ميادين التضحية، ليس في مجرد أذكار نذكرها، ولا ليال بالقيام نعمرها، ولا مجرد خلوة لله وعليه نقصرها، وكل ذلك خير، غير أن البذل والفداء والتضحية في سبيل الله وفي سبيل نصرة دين الله وفي سبيل الذود عن عباد الله المؤمنين أمر له في الإسلام مقام رفيع ومكان سام ومنزلة عظيمة، فينبغي أن لا نقتصر في المنازل والمراتب في السير إلى الله وابتغاء رضاه على مجرد الأذكار والصلوات والعبادات والدعوات، فهذه ميادين وتلك ميادين، هذا يستمد من هذا وهذا يؤيد هذا، دون أن نقتصر على صورة محدودة ننفصل بها عن ديننا وننقطع بها عن أمتنا، ولا يكون في همنا ولا في فكرنا ولا فيما يشغل بالنا مصير أمتنا ومواجهتها لأعدائها وحاجتها إلى النصرة والفداء والبذل دون منِّ أو استكثار، كما رأينا من أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 2017

نماذج من المتسابقين نحو الجنان خطوة أخرى: سباق نحو الجنان. ألسنا نريد ذلك في عشرنا التي نرتقبها؟! ألسنا نريدها في كل أعمال الطاعات والعبادات؟! ارقبها وانظر إليها في صور وضيئة مشرقة نادرة عزيزة المثال في حياة البشر، انظر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، روى مسلم من حديث أنس ﵁ وهو يتحدث عن غزوة بدر قال: قال رسول الله ﷺ : (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) وليس القيام هنا إلى تلك الجنة بقيام ليل ولا بتلاوة قرآن، ولكن بمجاهدة عدوٍ وإعزاز دين ورفع رايةٍ، (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فسمع عمير بن الحمام فقال: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض -يستوثق ويتأكد-؟! فقال النبي ﷺ : نعم. فقال عمير: بخ بخ. فقال له المصطفى ﵊: ما يحملك على ما قلت؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. فقال له الرسول ﷺ : فأنت من أهلها. فأخرج تمرات يأكلها، ثم قال: ما أطولها من حياة حتى أتمها. فرمى بتمراته وانطلق يغمس نفسه في العدو حتى قضى شهيداً إلى الله إنها أقوال تترجم إلى أعمال، إنها أخبار يراها المؤمنون رأي العين، ليس مجرد تصوير، بل كأنما لمسوها وكأنما عاينوها، كما قال أنس بن النضر في يوم أحد: (وآه لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد). ترجمت تلك المعاني إلى سباق حقيقي إلى الجنان ببذل المهج والنفوس والأرواح، لا بمجرد الاقتصار على جزء من الطاعات والعبادات دون غيرها. وتأمل وتدبر في حادثة أخرى لعلها أقل شهرة، وربما لا يعرفها كثير من الناس، ذكر ابن حجر في الإصابة عن ابن شهاب في مغازيه أن خيثمة وابنه سعد أنهما استهما في يوم بدر للخروج -كان لا بد من أن يخرج أحدهما ويبقى الآخر؛ لأن لهما من شئونهما ومن واجبهما تجاه أهلهما ما يحتاج إلى بقاء أحدهما- فاستهما قرعة، فجاء السهم لـ سعد الابن، فأراد أن يخرج، فقال له أبوه: ألا تؤثرني بذلك يا سعد؟! فرد سعد بكلام فيه التوقير والإجلال والاحترام: لو كان غير الجنة يا أبي. فمضى سعد واستشهد في بدر، ومضى من بعده خيثمة في أحد ومضى شهيداً). فاته بدر فلم تفته أحد. فهل رأينا صورة أروع من هذه الصورة تصديقاً للإيمان وبرهاناً على اليقين ونصرة للدين؟! لم يكن أحدهما يتأخر والآخر يتقدم، بل كانا يتسابقان، فلم يجدا إلا قرعة تفصل بينهما، فلما خرجت القرعة للابن أراد الأب أن يستغل مكانه ومقامه وقدره واحترامه فقال: آثرني بها يا سعد! ولو كان الأمر في ميدان آخر لتأخر الابن وقدم أباه، لكنه قال: لو غير الجنة يا أبي لآثرتك بها. أي أن هذا ميدان لم يعد فيه مجال لإيثار، وأي ميدان هذا؟ إنه ليس ميدان صف الأقدام في القيام، ولكنه ميدان قعقعة السيوف وضرب السهام، ميدان إزهاق الأرواح وإفضائها إلى ربها ومولاها ، فكم نحن في حاجة ونحن نستبق إلى مرضاة الله ونطلب جنانه في عشرنا الأواخر إلى أن ندرك أن دورنا جميعاً ودور أمتنا أن ترفع راية الجهاد في سبيل الله والذود عن دين الله، وأن تكون جبهة واحدة في وجه أعداء الله ، ليس مجرد تلك العبادات وحدها، فإن من هذه العبادات ما نعلم أنه ذروة سنام الإسلام، ألا وهو الجهاد في سبيل الله.

стр. 2018

ارتباط النصر والتمكين والعزة بحسن الصلة بالله ننظر إلى مواقف أخرى لنرى مرة ثانية وثالثة كيف تكون الموازنات كاملة في دين الإسلام في شريعة محمد ﷺ وهديه، صلة بها مدد الرحمن، ألسنا اليوم نرفع أكفنا؟! ألسنا اليوم نسجد بجباهنا؟! ألسنا اليوم نلهج بألسنتنا في دعائنا؟! أي شيء نريد؟! إنما نريد التعرض لرحمة الله، إنما نستمد العون من الله، إنما نطلب مغفرة الله ، وينبغي أن نوقن أن صلتنا بالله هي نور طريقنا، وهي مفتاح مغاليق أمورنا، وهي -بإذن الله عوننا في مواجهة خطوبنا وتيسير أمورنا إن شاء الله تعالى. في يوم بدر يوم تعين القتال بعد أن كان أمر الغنيمة وأمر الثروة السهلة التجأ النبي ﷺ إلى ربه ومولاه ورفع يديه يدعو الله : (اللهم! أنجز لي ما وعدتني، اللهم! نصرك الذي وعدتني. حتى قال له أبو بكر ﵁ بعد أن رأى شدة إلحاحه: حسبك يا رسول الله! فإن الله منجز لك ما وعدك) فاستبشر النبي ﷺ ، وعين مصارع المشركين، فما أخطأ أحد الموضع الذي أشار إليه رسول الله ﷺ ، وعندما كانت القلوب كلها موصولة بالله ، وعندما كان الصحب الكرام رضوان الله عليهم يمثلون الصفوة المختارة من أهل الإيمان تغيرت أحوال الكون، وتغيرت معطيات الحياة لأجل أولئك النفر الذين أمدهم الله بكل شيء: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] أنزل عليهم النعاس في الوقت الذي كان قد خالط القلوب رهبة من هول ذلك الموقف ولقاء جيش هو ثلاثة أضعاف العدد، أفاض الله عليهم الأمان، وأنزل عليهم الأمطار تطهرهم، وتثبت أقدامهم، وتربط على قلوبهم، عجب! مطر هنا وليس هناك مطر في الجانب الآخر، إنها عناية إلهية، إنها أمداد ربانية يمكن أن تخص الواحد الفرد بذاته فضلاً عن الصفوة المختارة، فضلاً عن الأمة كلها إذا كانت مع ربها وعلى هدي رسولها ﷺ ، وهكذا رأينا ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] تنزلت ملائكة السماء تقاتل مع أصحاب محمد ﷺ ، وثبت في ذلك من الروايات والأحاديث كثير وكثير، وصدقته قبل ذلك وأثبتته الآيات، ثم كل الصور التي يمكن أن نتصورها قد وقعت من ذلك التأييد الرباني الذي كان مما ذكره الله ومما أخبر به رسوله ﷺ ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦] ونحن نطلب مدد الرحمن، ونرفع أيدينا نريد عزه ونصره وتأييده، فلا شك أن هذا المدد هو مبني على حسن تلك الصلة بالله في سائر الميادين، وفي كل المجالات التي وردت فيها أوامر الله وهدي رسول الله ﷺ .

стр. 2019

وقفة مع زعماء الكفر لعلنا ندرك ذلك -أيضاً- في وقفة رابعة مهمة نربطها بواقع عصرنا لنرى صورة الأعداء في ذلك الزمان وهذا الزمان، لنرى أننا إذا نظرنا بعين البصيرة، وإذا قرأنا الأحداث بقلب المؤمن وجدنا فيها جلاء ووضوحاً لكل ما يمر بنا أو يقع حولنا في عصرنا هذا، كان مما ذكر أهل السير أن عاتكة بنت عبد المطلب قبل أن تكون المعركة وقبل أن يصل ذلك الرسول الذي أرسله أبو سفيان ليستنجد قريشاً ويستحثها لإنقاذ ثرواتها رأت رؤيا، ورأت في هذه الرؤيا مقتل عدد من الصناديد الذين كانوا من زعماء الكفر في قريش، وأن صخرة تفتت فما بقي دار إلا وصل إليها منها حجر. ثم من بعد ذلك كانت رؤيا لـ جهيم بن الصلت من بني هاشم قبيل المعركة، وكان فيها أن رجلاً أقبل فما زال يقول: قتل فلان وفلان وفلان. وسمى من سمى من صناديد قريش، ثم قال: فنظرت إليه فإذا به يطعن لبة بعيره ثم يكون من دمه ما أصاب كل أحد. وهذا أبو جهل زعيم الكفر في بدر، ويمكن أن نصوره في عصرنا بألد الأعداء وأشرسهم ممن يناوئون دين الله ويحاربون أهل الإسلام، تأمل فيما قال أبو جهل وهو ينكر هذا، وهو يستعظمه، وهو يتندر به في شأن عاتكة للعباس: ما كفانا منكم -بني عبد المطلب - حين تنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم. يستهزئ ويسخر، ثم قال عندما روجع في ذلك حتى يرجع عن هذا القتال وقد مضت قافلتهم وسلمت أموالهم وانقضى السبب الذي لأجله خرجوا قال: والله لا نرجع حتى نرد بدراً -وكانت بدراً موسماً يجتمع فيه العرب في بعض الأوقات- فنقيم عليها ثلاثاً فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا ومقامنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا واثبتوا. ويقول في موضع آخر سعى حكيم بن حزام إلى عتبة وقال له: قد نجت القافلة، وإنما نطلب محمداً بدم ابن الحضرمي، وإنه حليفك فتحمل عنه دمه. فقال: أفعل. اذهب بهذا إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل - وقل له. فقال أبو جهل في هذا الأمر ما قال. ثم كذلك جاء موقف ثالث في أحداث السيرة يبين لنا صورة أخرى سنربط بها واقعنا هذا فعندما تعين القتال وأصر عليه أبو جهل وساق الناس إليه سوقاً وحشدهم إليه حشداً وثبتهم فيه رغماً عنهم استفتح أبو جهل كما ورد في الصحيح وظل يدعو الله ، وهذا من العجائب أن يكون كافراً بالله محارباً لرسول الله ﷺ ومعادياً للدين الحق ثم يدعو فيقول: اللهم! أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. أي: من كان منا أقطع للرحم، ومن جاء بما لا نعرف وأساء إلينا فاجعل هلكته اليوم. وفي ذلك تنزلت الآيات: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال:١٩] فما الحكمة وما السر في دعاء أبي جهل هذا؟ إنه يريد أن يقول لمن معه: ليس محمد ﷺ وحده متصلاً بالله، بل نحن كذلك موصولون بالله، ولأن كان محمد يستنجد ويستنصر بربه فنحن كذلك نستنجد ونستنصر بالله. يريد أن يجعل للمسألة بعداً دينياًًً ومفاضلة عقدية، كما يقول زعماء الكفر في عصرنا: إن الله أمره اليوم بأن يقاتل هنا أو هناك. وهو لا يعلم أنه على ضلال كبير وكفر عظيم، بل هو رأس من رءوس الكفر، بل ربما رأسه الأكبر الذي تولى كبر حرب الإسلام والمسلمين، نسأل الله أن يجازيه بما يستحق. عندما نتأمل في هذا المعنى نضيف إليه -أيضاً- مقالة ووقفة أخرى مع أبي جهل تربطنا بواقعنا لنرى كيف كان الأمر، فعندما جاء خفاف بن إيماء الغفاري -وقيل: أبوه- ومر قريباً من مكة قبيل مسير الكفار إلى بدر وقد علم بالخبر، فأرسل إليهم جزائر -أي: بعض الجزور والإبل هدايا لهم- وقال: إن شئتم أن أمدكم بسلاح ورجال فعلت. فردوا له مع ابنه شاكرين له، وقالوا: وصلت الرحم، ولئن كنا نقاتل محمداً بالناس فإنا لمنتصرون، ولئن كنا نقاتل الله مع محمد كما يزعم فما لأحد بالله من طاقة. لقد كان أبو جهل أعقل من كفار اليوم الذين تحدوا حتى الرب في مقالتهم وأفعالهم. صحيح أنهم قالوا ذلك تهكماً وقالوه إنكاراً وجحوداً لما كان يقوله محمداً ﷺ ، ولكنه في الوقت نفسه دلالة على شيء من التوازن الذي أراد به أبو جهل وغيره أن يسوقوا الناس إلى المواجهة والقتال بنوع من الحمية الجاهلية ونوع من الإسناد المعنوي العقدي الديني ليحشدوا الناس في مواجهة خاسرة، مواجهة الباطل مع الحق والشر مع الخير، والعاقبة للمتقين، ولتعلمن نبأه بعد حين، فقد وعد الله أن ينصر من نصروه، وأن يكون مع من آمنوا به، وأن ينجي الذين آمنوا بإذنه ، فمن قدم العهد وصدق الوعد جاءه بإذن الله نصر الله ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٤٨] فغرهم الشيطان بحشدهم وبجمعهم وبقوتهم وبتزيينه لهم أنهم ينصرون، ثم تخلى عنهم فكانت الهزيمة ماحقة؛ لأن الصف الآخر كان مؤمناً، ولأن القلوب كانت بالله معلقة، ولأن النصر استمد من الله لا من قوة الأرض ولا من أسباب المادة ولا من كثرة العدد ولا من حسن الأسلحة بحال من الأحوال، وذلك فقه الإيمان الذي ينبغي أن نعرفه وأن نتقنه.

стр. 2020

ما يستفاد من معركة بدر الكبرى هذه بعض معالم من بدر تدلنا على أن المسألة ليست مجرد معركة، وليست مجرد وقفة في السيرة، بل هي خلاصة حقيقة الإيمان، وخلاصة مواقف المسلمين، وخلاصة المواجهة بين الحق والباطل، وفرقان ما بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، كما سمي يوم بدر بيوم الفرقان، ونحن اليوم نقبل على طاعة الله ، ونحن بعد ذلك سندخل في العشر، فنحن نقوي صلتنا بالله بالطاعة والعبادة لأجل أن نستمد بها مدده، ونحن نفعل ذلك مخالفة للكفرة الذين لا صلة لهم بالله ولا يؤمنون بنصره ولا يثقون بالأمور الغيبية من وراء المحسوس والمادة. وكل هذا في سباق إلى الجنان، وإلى طاعة الرحمن . إذاً لنعلم أن الميادين كلها في دين الله تنتظم هذه المعاني، فلا ينبغي أن نغض الطرف عن بعضها وأن ننسى الحديث عنها، بل يجب علينا أن نذكر من سيرة النبي ﷺ ما فيه الدعاء إلى الفداء والتضحية ورفع راية الإسلام ومواجهة أعدائه وإعزاز دين الله كما كان ذلك في يوم بدر. لندرك تلك المعاني الإيمانية، ولندرك النواحي الروحية، ولندرك آثار العبادات والطاعات، لكن مع ترجمتها إلى سلوكيات، وإلى منهج تغييري في الحياة تمثل ذلك الشمول الذي كان في سيرة وهدي المصطفى ﷺ .

стр. 2021

صور من حياة النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان

стр. 2022

إحياؤه ﷺ ليالي العشر روت عائشة ﵂ (أن المصطفى ﷺ كان إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر) وما كانت أم المؤمنين لتذكر هذه الكلمات لو كان هذا أمراً دائماً بوصفه وحاله في حياة النبي ﷺ ، إنما ذكرت قولاً له خصوصية في هذه العشر دون غيرها، فهي صور موجودة في حياة النبي ﷺ ، لكنها هنا مميزة. قال بعض أهل العلم في قولها: (أحيا ليله): أحيا ليله كله فلا ينام. وقال أكثر أهل العلم: المقصود ما غلب على الليل. فكان غالب ليله في هذه العشر قائماً ذاكراً عابداً. وقولها (وأيقظ أهله) قالوا: كان يخص هذه العشر بتقصد الإيقاظ لإدراك الفضيلة العظمى وإدراك ليلة القدر وما فيها من عظيم الأجر. قولها (وشد المئزر) قالوا: إنه كناية عن اعتزال النساء مع إباحة ذلك في ليالي رمضان؛ لأنها أيام وليالٍ خصها النبي ﷺ بمزيد من الطاعة والعبادة، فهي مختلفة عن غيرها من أيامه ولياليه المملوءة بطاعة الله وعبادته، فإن المصطفى ﷺ ما ترك قيام الليل في سفر ولا حضر منذ أن خوطب بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] لأن كل أمر في حقه يستمر ولا ينقطع، وكل سنة يبتدئها يداوم عليها ولا يتركها ﷺ ، فالأمر هنا فيه خصوصية زائدة، فلئن كنت تصلي بالليل فأنت تزيد التهجد، ولئن كنت تخرج وترتاح فأنت تقيم وتعتكف. إذاً ثمة صور مختلفة، أيام غير تلك الأيام، وليال غير تلك الليالي، وأحوال غير تلك الأحوال التي نكون فيها في رمضان، فضلاً عما نكون فيه في غير رمضان.

стр. 2023

اعتكافه ﷺ وهديه فيه روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلما كان العام الأخير اعتكف عشرين ﷺ والاعتكاف معروف، وهو سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، بل واعتكف نساؤه من بعده، واعتكف أصحابه رضوان الله عليهم، انقطعوا عن الدنيا لله ، كما قال بعض أهل العلم في تعريف هذا الاعتكاف: إنه قطع العلائق بالخلائق والتفرغ للصلة بالخالق . أيام نقتطعها من عامنا كله، عشرة أيام من ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوماًَ نجعلها لله لنحقق هذه الصلة، ولنرجو الله أن يفيض علينا من الخير وأن يحقق لنا ما وعد من الأجر، وليكون لنا ذلك زاداً لنصحح مسيرتنا في هذه الحياة وفق أمر الله وعلى هدي رسول الله ﷺ . قال سفيان الثوري ﵀: أحب إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أن يجتهد المسلم في الطاعات. أي أن يتهجد فيها، وأن يوقظ أهله إلى الصلاة؛ لأن ذلك أمر مؤكد خاص، فقد ورد فيه حديث النبي ﷺ الذي ذكرت فيه عائشة صفته. وكانت امرأة حبيب بن زيد تقول في مثل تلك الليالي: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزاد قليل، وقوافل الصالحين سارت قدامنا، وبقينا ونحن وحدنا. ثم كان ذلك النداء الذي يحثنا ويحضنا على أن يكون حظنا من تلك الليالي مختلفاً عن غيرها: يا نائم الليل كم ترقد قم يا حبيبي قد دنا الموعد وخذ من الليل وأوقاته ورداً إذا ما هجع الرقد من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يجهد قل لذوي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعد وكانت عائشة ﵂ تحرص على ذلك وتبينه، وتبين حال النبي ﷺ في ذلك الشأن. قال ابن رجب في فعل النبي ﷺ واعتكافه والحكمة من هذه السنة: فيه قطع لأشغاله، وتفريغ لباله، وتخلَّ لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان ﷺ يحتجر حصيراً فيتخلى فيه عن الناس، فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم. ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس، حتى ولا تعليم علم أو إقراء قرآن؛ لأن الغرض هو أن ينفرد بنفسه لمناجاة ربه. نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يمن علينا في هذه العشر بالقيام بحقها وإدراك ليلة القدر ومحو الوزر؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2024

خصائص العشر الأواخر من رمضان والحث على استغلالها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه. ولا شك أن من خصائص وغرر هذه العشر ليلة القدر التي أخبر الحق جل وعلا أنها خير من ألف شهر، وأن الملائكة تتنزل فيها، وأن الخير فيها من الله عظيم، كما أخبر به أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ليلة واحدة تغفر ذنوب عمر مضى بإذنه وفضله ، فما بالنا لا ندرك عظمة مثل هذه الأجور والإقبال على الطاعات؟! وللأسف فإن واقعنا الذي ذكرناه مخالف لما عليه أهل بدر في الجملة فداء وتضحية وجهاداً ونصرة، كذلك في جانب الطاعة والعبادة والذكر والتلاوة ثمة صور مناقضة ومعارضة ومخالفة ومحزنة ومؤلمة، فبدلاً من أن تمتلئ في هذه الليالي المساجد بالناس نجد الامتلاء في الأسواق، وبدلاً من الانشغال بالأذكار والدعوات يكون الانشغال بالصفق في الأسواق، وبدلاً من قطع العلائق بالخلائق تزداد هذه العلائق وتمتد، إلا ممن رحم الله، وبدلاً من صور الطاعات نجد صوراً جديدة من المعاكسات والمغازلات وغيرها تنتشر، خصوصاً في هذا الشهر الكريم، وللأسف الشديد أن بعضها يكون ملاصقاً لبيوت الله، بل لبيت الله الحرام، وفيما يحيط به من تلك الأسواق وغيرها، يعجب المرء كيف يصلي الناس في الحرم في الليل في هذه الليالي العشر وفي الوتر التي يبتغى فيها ليلة القدر وهناك من لا يسمع صوتاً ولا يصيغ سمعاً ولا يحرك قلباً ولا يتحرك بقدم ولا يلتفت إلى شيء مطلقاً، وبينه وبين البيت الحرام أذرع أو خطوات يسيرة، إنه الحرمان الذي -والعياذ بالله- من وقع فيه حرم الخير الكثير. نقول: عجباً! إذا جاء موسم طاعة وعبادة وموسم دنيا وتجارة أيهما نغلب؟! لا أقول هذا في أعيان الأفراد، بل أقوله للمجتمع كله، ولأهل الحكم والسلطان، ألا يجعلون حداً حتى يفرغ الناس لتلك العبادات، بدلاً من أن نغير أوقات أعمالنا ثم لا يكون لنا حظ من طاعتنا ولا حظ من قيامنا بأمر دنيانا كما يجب. صورة عظيمة نجد فيها غفلة للقلوب، ونجد فيها انصرافاً عن الخير الذي يتعاظم ويتكاثر من الناس. إننا كلما مضى الشهر ينبغي أن نزداد من الخير، وأن تعظم الهمم، وأن تزداد الأعمال، لكننا نرى عكس ذلك، وخير شاهد على هذا أنه كلما مضى الشهر رأينا الناس يتخلفون وينامون، فيبدأ الخطيب في آخر جمع رمضان وليس في المسجد إلا أقل من ربعه، والناس يسرعون خطاهم كأنما قد ضرب الشيطان على آذانهم فناموا، كيف يكون ذلك وهم في يوم جمعة أغر؟! كيف يكون ذلك وهم يستقبلون العشر؟! كيف يكون ذلك وهم يريدون أن يستزيدوا من الخير؟! أختم بمقالة ابن رجب، وهي نداء إيماني تذكيري، يقول فيها: إخواني! المعول على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبار بعمل القلوب لا بعمل الأبدان، رب قائم حظه من قيامه السهر، كم من قائم محروم وكم من نائم مرحوم، هذا نام وقلبه ذاكر، وهذا قام وقلبه فاجر. فلنحرص على أن نجمع الخيرين، وعلى أن نطابق ما بين أعمالنا في ظاهرها وقلوبنا وما تنطوي عليه في باطنها، وأن لا نجعل للشيطان فرصة ليسرق من أوقاتنا الثمينة الغالية، بل من دقائقنا وثوانينا في هذه الليالي؛ فإنها معدودة، وإن كل واحدة منها إذا مرت وانقضت لا ترجع إلا أن يشاء الله إذا أحيانا لعام قادم، فكيف نفرط؟! وكيف نضيع؟! وكيف نمضي لنشتري حذاء أو كساء ونترك تضرعاً ودعاء، ونترك إصابة وموافقة لوقت عظيم وفضل عميم من الله ؟! لا يفعل ذلك إلا من قل عقله أو حرم الخير، أو انصرف إلى دنيا فضلها وآثرها على الأخرى. نسأل الله كما بلغنا الشهر أن يبلغنا العشر الأواخر من منه، وأن يعظم لنا فيها الأجر، وأن يبلغنا ليلة القدر، وأن يمحو عنا فيها الوزر. ونسأله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يعيننا على ما بقي من رمضان، وأن يختمه لنا بالمغفرة والقبول والرحمة والرضوان والعتق من النيران، وأن يدخلنا الجنة من باب الريان؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم! طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأحسن أقوالنا، وهذب أخلاقنا، وأصلح أعمالنا، وأخلص نياتنا، وضاعف أجورنا، وامح أوزارنا، وارفع درجاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه. اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد. اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداًًًً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم! لطفك ونصرك وعزك وتأييدك لعبادك المؤمنين المضطهدين المعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاًً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح! اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم! احفظ عليها سلمها وإسلامها، وأمنها وإيمانها، وسعة رزقها ورغد عيشها. اللهم! يا أرحم الراحمين! انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم ذكراً، ذوي المقام العلي والقدر الجلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم! صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2025

القرآن والحياة [١] القرآن الكريم هو أعظم كتاب في الوجود، وله فضائل عديدة، ولقراءته أجور كثيرة، ولحافظه فضل وميزة يقدم بها على غيره، ولقد اهتم النبي ﷺ بالقرآن غاية الاهتمام، وكذلك كان دأب صحابته والتابعين لهم بإحسان؛ لأنه نزل ليحكم الحياة في كل شئونها، وليكون منهاجاً تسير عليه الأمة.

стр. 2026

أهمية الاعتناء بموضوع القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه. وبعد: فهذا درس عنوانه (القرآن والحياة)، حديثنا فيه عن القرآن الكريم المنزل في شهر رمضان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. وذلك لبيان صلة القرآن بالحياة في حال رسول الله ﷺ وفي حياة أصحابه وحياة الأمة الإسلامية، سيما في القرون الأولى الفاضلة، وما آلت إليه الأحوال في آخر هذه الأزمان من انفصام بين الحياة وبين تسييرها بكتاب الله . ولذلك فإن لهذا الموضوع أهمية كبرى فيما يتعلق بتقويم الإنسان بحياته ومعرفة موقفه من كتاب ربه ومن نهج المصطفى ﷺ ، وحتى ننتفع في إيجاز نبدأ بأول عنوان في هذا الموضوع، وذكر بعض ما يتعلق بالقرآن في أول نزوله. نزل القرآن على رسولنا ﷺ ، وفي هذا النزول وفي تلك الطريقة وفيما لابسها وشاكلها وصاحبها دروس وعبر وفوائد تنبهنا على طبيعة هذا القرآن وصلته بالمسلم وتسييره لهذه الحياة. أخرج البخاري وصفاً لأول مرة نزل فيها جبريل ﵇ على المصطفى ﷺ بالقرآن العظيم عن النبي ﵊ في هذا السياق عندما نزل عليه جبريل: (قال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ؟ قلت: ما أنا بقارئ - أي: لا أعرف القراءة، وليس نفياً أو اعتراضاً- قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: أقرأ؟ قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: أقرأ؟ قلت: ما أنا بقارئ. قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]). أيها الأخ الكريم! الذي يتبادر إلى الذهن أن أول نزول لهذا القرآن يكون نزولاً لطيفاً هيناً حتى يكون البدء بما هو أسهل، ثم يأتي ما هو أشق منه، ولكننا نرى هذا النزول الأول على المصطفى ﷺ فيه هذه الصورة من الشدة ومن التكرار ومن القوة ومن مفاجأة النبي ﵊. وكل ذلك تدليل على أن هذا القرآن ونزوله ليس بالأمر الهين ولا بالشيء العارض، وليس هو أمراً أو كلاماً يُتلى أو تُحسن به الأصوات أو يُتخذ للبركة، بل نزل في هذه الشدة ليعلم النبي ﷺ أنه يتلقى وحي الله، وأنه يحمل رسالة الله، وأنه يتلقى أمانة الله ليدرك منذ الوهلة الأولى أنه أمام مهمة عظمى وأمام رسالة كبرى. وذلك حتى يتهيأ المصطفى ﵊؛ لأن الله جل وعلا خاطبه بقوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، فليس الأمر بالأمر الهين ولا بالسهل، إنما هو الأمر الذي قضاه الله والنهج الذي أراده وارتضاه للأمة المسلمة وللبشرية جمعاء إلى أن يرث الأرض ومن عليها. فالكتاب الذي ما ترك فيه الله شاردة ولا واردة إلا جاء بها وكان فيها ذكر هو كتاب الله القرآن، ولذلك كان هذا النزول في حد ذاته دليلاً وتنبيهاً للمسلمين على أن تلقي هذا القرآن وأن نزوله إلى هذه الدنيا وأن تحمل المصطفى ﷺ له إنما كان تحمل رسالة ودعوة ومنهج وأمانة حتى يدركوا أنه ليس كما يتصور كثير من الناس أو يتعامل كثير منهم مع كتاب الله .

стр. 2027

وصف القرآن بأنه روح عندما ننظر إلى الوصف الأساسي الرئيسي الذي ذكره الله عن هذا القرآن وعن طبيعة ارتباطه في الحياة وعن طبيعة دوره في هذه الدنيا نجد قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢]. فلبيان أثر القرآن في هذه الحياة وصف الله القرآن بأنه روح فقال: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) ولا قيمة للأجساد بلا أرواح، فالقرآن هو روح هذه الحياة، وبدونه تفسد الحياة، وبدونه تضل وتموت القلوب، وتنطمس البصائر، وتفسد النفوس، نسأل الله السلامة. وكذلك قال الله في الآية ذاتها: (ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء) أي: نوراً يبدد الظلمات. فإنه لا قيمة للأجساد بلا أرواح؛ لأنها لا يكون فيها حياة، كما أنه لا قيمة للحياة ولا للقوة إذا لم يكن هناك نور تستضيء به. إن الإنسان إذا كان جسداً هامداً وجثة لا روح فيها لا قيمة له، وإذا كان جسماً حياً متحركاً بقوة وبفتوة ولكنه يسير في الظلماء لاشك أنه يتعثر وأنه تصيبه الكوارث وأنه تعترضه العوارض وهو لا يملك معرفتها ولا كشفها، فضلاً عن أن يملك الحذر أو الواقية منها. ولذلك هذا القرآن في حقيقته بالنسبة للإنسان المسلم هو روحه التي بين جنبيه، فإذا سلبت منه هذه الروح وإذا نزعت منه آيات القرآن العظيم فحاله كما قال الله في وصف الإنسان قبل القرآن وبعده: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]. فهذا القرآن هو حياة القلوب الميتة، وهو طمأنينة النفوس، وهو سكينة القلوب، لذلك جعل الله هذا الوصف منبهاً لعظمة هذا القرآن ودوره وأهميته في الحياة.

стр. 2028

إعجاز القرآن الكريم وبلاغته ننظر من وجه آخر إلى تعظيم القرآن ولفت الأنظار إليه وربط الناس به عندما جعله الله معجزة خالدة ما دامت السماوات والأرض، كما في البخاري من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة). لقد نزل القرآن في العرب الذين كانوا أرباب الفصاحة وأهل البلاغة وأهل اللسان، فجاء هذا القرآن معجزاً في بلاغته وفصاحته ودقة معانيه وغزارتها، فأعجز الناس عن أن يضاهئوه أو أن يأتوا بمثله، وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله مفتريات أو بسورة واحدة فعجز القوم كلهم. فهذا الوليد بن المغيرة عندما سمع بعض آيات القرآن من رسول الله ﷺ قال: إني لأعرفكم بالكهان وسجعهم، والسحرة وهمهمتهم، والشعر قريضه ورجزه ومبسوطه، لا والله ما يقول محمد شيئاً من ذلك، إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمثمر، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه. والحق ما شهدت به الأعداء. ثم كذلك ننظر إلى معنىً آخر فيما يتعلق بنزول القرآن، وهو معنى يهز القلوب هزاً، وينور البصائر التي تتدبر وتتأمل، فقد جاء من حديث عائشة وابن عباس في البخاري قالا: (لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشر سنين).

стр. 2029

القرآن الكريم فيه حل لجميع شئون الحياة لقد كان هذا القرآن هادياً للأمة الإسلامية وقت حياة المصطفى ﷺ ، فما كان يقع في المجتمع من حادث ولا يأتي سؤال ولا تعرض معضلة إلا ويتنزل القرآن، فتشعر الأمة المسلمة باطلاع الله عليها وبتأييده لها، وبتبصيره لمسيرتها، وهذا أوثق في تعلق القلوب بكتاب الله واستشعارها بأن القرآن إنما جاء ليعالج مشكلات هذه الحياة، وليكون دوره وطيداً وأكيداً في صميم هذه الحياة. فانظر على سبيل المثال إلى ما وقع عندما جاء هلال بن أمية ﵁ يرمي زوجته بـ شريك بن سحماء، أي: يتهم زوجته بالخيانة. فقال النبي ﷺ على ما كان عنده من الحكم المبلغ له من الله : (البينة أو حد في ظهرك) أي: إما أن تقدم البينة -والبينة أربعة شهود يشهدون شهادة صريحة واضحة- أو حد في ظهرك؛ لأنك تستوجب حد القذف فقال الرجل قولة الغيرة الإيمانية: (أيجد أحدنا السوء في أهله فيذهب يلتمس الشهداء؟) أي: هذا أمر لا يطيقه الإنسان أن يرى الفاحشة فيذهب ويلتمس الشهداء حتى يقيم الحجة. فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك)، وهذا الحكم هو المبلغ عن الله حينذاك. فاشتد الأمر وتعقد وتأزم، فرجل إذا قال: إنه رأى السوء في أهله فإنه لا يتوقع كذبه؛ لأنه يتهم زوجه ويهتك عرضه، ولو لم يكن صادقاً لما تجرأ على ذلك، وعندما اشتد الأمر صارت هناك أجواء متوترة، عند ذلك نزلت آيات اللعان تبين حكم الله فيما يتعلق بالقذف بين الأزواج، فنظر الناس إلى ذلك ورأوا أن الله مطلع عليهم، وأن القرآن علاج للمشكلات وحل للمعضلات، وأنه رعاية لمسيرة هذه الحياة. وعندما نتأمل القرآن وهو يتنزل عبر عشر سنين نجد أن هناك من كان يقول القول من المنافقين ومن يدبر الكيد من الكافرين فيتنزل الوحي يفضح كل تلك المؤامرات، ويبين كل تلك المقالات، وعندما يتساءل بعض الصحابة عن الأحكام يتنزل الوحي بذلك، وعندما تقع المشكلة أو المعضلة وعندما تقع القسوة أو المعركة يتنزل الوحي بذلك. فإذا بالقرآن يتقدم مسيرة الأمة المسلمة، ويبين لها حلول مشكلاتها ومعضلاتها، وينور قلوبها، ويزكي نفوسها، ويهدي عقولها، ولذلك كان القرآن في نزوله منهجاً بحد ذاته يعلم الأمة المسلمة أن القرآن لم ينزل ليُوضع في أعالي البيوت، ولم ينزل ليُتبرك به فحسب، ولم ينزل ليُتلى في المحاريب فقط، وإنما ليكون هو المهيمن والمسيطر على هذه الحياة كلها. وقد وصف الله كتابه الكريم فقال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، ولذلك جاء فيه خلاصة الهدايات والخيرات التي كانت فيما مضى من الكتب.

стр. 2030

بيان ربط المنهج النبوي الأمة بكتاب ربها ثم ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي المنهج النبوي الذي ربط من خلاله رسول الله ﷺ الأمة بكتاب الله . فإن المصطفى ﵊ جعل كل شيء مما يهتم به المسلم ومما تنتفع به نفسه ويرغب في تحصيله كل ذلك جعله مرتبطاً بكتاب الله . ونبدأ أولاً بتلقي المصطفى ﵊ لهذا القرآن بعد أن انتقل إلى عظمته وإلى رسالته وإلى دوره في الحياة. لقد كان النبي ﵊ ينتظر نزول الوحي انتظار الأرض القاحلة للقطر من السماء، ولقد كان يتشوق إلى هذا القرآن ويتوق إليه ويحرص عليه ويبالغ في حفظه ورعايته وصيانته. ولذلك كان من شدة تلهفه ﵊ أنه كان يسابق الوحي إذا نزل به جبريل، وكان النبي ﷺ يردد وراءه خوفاً من تفلت القرآن؛ حتى نزل قول الله : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩]. وكذلك جاء قوله : ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤]، فتلقاه عن جبريل بهذا الشغف وتلك المحبة والإقبال، ولقد كان ﵊ هو قائد الجيوش، وهو حاكم البلاد، وهو الذي يرعى المصالح، وهو الذي يجيب السائلين، وهو الذي يعلم الجاهلين، وهو المنشغل بأمور كثيرة ومع ذلك لم يشغله ذلك عن أداء مهمة عظمى ورسالة كبرى رأى ﵊ أنها من أوجب واجباته، وأراد أن يورثها لأمته من بعده، وهي أن النبي ﷺ قام بنفسه بتلقين الصحابة كتاب الله وتعليمهم تلاوته، فهذا ابن مسعود ﵁ -كما في صحيح البخاري - يقول: (تلقيت من فيَّ رسول الله ﷺ سبعين سورة من القرآن). لم يكتف ﵊ بهذا التلقي ولا بذاك التعليم، فقد كان حبه للقرآن وتعلقه به أعظم من ذلك، فكما يلهج به لسانه وكما يعلم به إخوانه طلب أن يسمع القرآن منهم، كما صح عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (اقرأ علي القرآن. فقال ابن مسعود: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم؛ فإني أحب أن سمعه من غيري). فقد كان النبي ﵊ يحب أن تشارك جوارحه كلها في كتاب الله ، فينطق به لسانه، ويتدبره بعقله، وينفعل به بقلبه، ويسمعه بأذنه، لقد ملك القرآن كل جوارحه وكل مشاعره، فكان ﵊ في سيرته التي نقلت لنا يعبر لنا ويصور لنا ما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم وارتباطه بكتاب الله . ولذلك قرأ عليه ابن مسعود من أول النساء حتى بلغ قول الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] قال: (حسبك حسبك! قال ابن مسعود: فنظرت فإذا عيناه ﷺ تذرفان). فهكذا كان في حياته ﷺ ، ثم ربط الأمة كلها بهذا النهج القويم، فما هو الذي يرتبط به المسلم في هذه الحياة؟ وما الذي يرجوه المؤمن الذي يفكر في العاقبة؟ إن أهم ما تندفع إليه النفوس المؤمنة هو طلب الأجر والمثوبة من الله ، وطلب الرفعة والعلو عند الله ، وطلب الجنة ومنازلها العالية. هذا هو الذي تتوق إليه قلوب المؤمنين، وهذا هو الذي يبذلون من أجله الغالي والرخيص، فأين طريقه؟ وأين سبيله؟ لقد جعل المصطفى ﵊ الطريق إلى كل ذلك عبر القرآن العظيم.

стр. 2031

ذكر بعض فضائل تعلم القرآن الكريم وتلاوته جاء عنه ﵊ جملة من أحاديث الفضائل التي تبين عظمة الأجر في هذا القرآن العظيم، وفي الوقت نفسه يرتبط المسلم ارتباطاً وثيقاً بكتاب الله إذا أراد أن يغنم الأجر، وإذا أراد أن يمحو الله عنه السيئات، وإذا أراد أن تُرفع له الدرجات. فهذا حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). ومن أعظم هذه الأحاديث التي وردت ما جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: (أيحب أحدكم أن يغدو إلى بطحان أو إلى العقيق فيأخذ ناقتين كوماوين -أي: سمينتين- زهراوين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقال الصحابة: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك -لقد شوقهم وعلقهم بالأجر، ثم رسم لهم طريقهم- فقال: لأن يغدو أحدكم إلى بيت من بيوت الله فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل). ونأخذ هذا الحديث لنقدمه في واقعنا، فلو قيل للناس: من ذهب إلى مكان كذا فسيأخذ سيارتين فارهتين من الطراز الحديث والموديلات الجديدة من غير إثم ولا قطيعة رحم ولا مال، ويرجع وهو غانم لهاتين السيارتين كل يوم وكل لحظة كلما أراد، لو قيل ذلك لانصرف الناس إلى ذلك انصرافاً عظيماً، ولتقاتلوا قتالاً عجيباً. فالنبي شوق النفوس وعلقها بهذا الأجر، وقد كانت الناقة الكوماء عندهم ثروة، فقد كانت ثروة الرجل في ذلك الوقت تقدر بما عنده من النوق والجمال، فكان النبي ﵊ يحثهم ويرغبهم ويعلقهم، ثم يرسم لهم الطريق في حديثه عبر الارتباط بهذا القرآن. هذا فيما يتعلق بشأن الأجر، أما شأن المراتب العالية فقد ورد حديثه ﵊: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: إقرأ وارق - أي: ارتفع- ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، فمن أراد الأجر والمثوبة ومن أراد الرفعة في الجنة فطريقه كتاب الله ، هذا بالنسبة للآخرة.

стр. 2032

ذكر بعض فضائل صاحب القرآن وقد ربط المصطفى ﵊ أمر الدنيا والتقدم فيها والجاه والشرف بالإيمان بكتاب الله . ففي صحيح البخاري عن عثمان ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فمن أراد أن تكون له الخيرية في هذه الأمة في مجتمعات المسلمين التي تقوم بتنظيم ميزان الإسلام والإيمان فطريقه أن يكون مرتبطاً بهذا الكتاب تعلماً وتعليماً. ولذلك ورد في الحديث عن أنس ﵁ ما يدل على أن الصحابة كان صاحب القرآن فيهم معظماً وصاحب شرف ومنزلة، فهو يقول: (كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في أعيننا) أي: صار ذا منزلة عالية، وصارت نظرة الناس إليه محترمة وموقرة، وصار هو الذي يُقدم على غيره. وهذا يبين أن الشرف في الدنيا والشرف في الآخرة طريقه موصول بكتاب الله . ثم ننظر إلى وجه آخر، فبالقرآن يكون التقدم في أمر الدين والتقدم في أمر الدنيا والتقدم في أعظم فريضة بعد التوحيد والركن الثاني من أركان الإسلام وهو الصلاة، قال النبي ﵊: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)، فأعظم مؤهل في التقدم لأعظم فريضة جامعة مكررة في اليوم والليلة خمس مرات هو حفظ كتاب الله . ولذلك يروي أحد الصحابة أنه روى لبعض القوم هذا الحديث ثم قال: (فأقيمت الصلاة وليس في القوم أقرأ مني، فصليت بهم إماماً وأنا ابن سبع)، وفي رواية عند البخاري: (أن أحد صغار القراء تقدم فصلى إماماً، وكان ثوبه قصيراً، فقال قائل: غطوا عنا است قارئكم). وسأضرب أمثلة واقعية حية كثيرة من حياة المجتمعات الإسلامية لتقدم حفظة القرآن في أمر الدين وفي أمر الدنيا ومسألة الولايات والحكم والقضاء وغير ذلك. جاء في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ لقي عامله على مكة في الحج فقال: من خلفت على أهل مكة -أي: من جعلته نائباً لك-؟ قال: خلفت عليهم ابن أبزى. فقال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال: مولى من موالينا. فقال عمر كالمستنكر: أخلفت على أهل مكة مولى؟! وفي رواية البخاري: أخلفت على أهل الوادي مولى؟! يعني: ما وجدت في الأمة من هو مؤهل حتى تدع هذا يتولى هذا الأمر. فتكلم العامل بالمؤهل الأعظم الذي تأهل هذا الرجل به لنيل هذه المنزلة، فقال كلمات قصيرات موجزات، قال: يا أمير المؤمنين! إنه قارئ لكتاب الله. فقال عمر ﵁ في تتمة هذا الحديث: أما إني سمعت رسولكم ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين). فهذا هو التقدم في شأن الدين والتقدم في شأن الدنيا، فقد ربطهم النبي ﷺ بكتاب الله، فمن أراد هذا أو ذاك فطريقه أن يرتبط بكتاب الله حفظاً وتلاوة وتدبراً وعملاً. ثم كذلك نلمح منهج النبي ﵊ في ربط الأمة بكل صورة من الصور بكتاب الله، فهذا البخاري يروي لنا قصة فريدة جميلة عجيبة فيها أن امرأة جاءت إلى مجلس رسول الله ﷺ تعرض نفسها ليتزوجها رسول الله ﵊، جاءت تهب نفسها للرسول ﷺ ، والرسول ﷺ في مجلس مع أصحابه، وكانت جريئة وصاحبة أيمان، ولم يكن للرسول ﵊ بها حاجة، فسكت حياءً أن يرد عليها، وطال الصمت، وتأزم الموقف، ودخل الإحراج، فانتهز رجل من صحابة رسول الله ﷺ الفرصة، وأراد أن يقتنص الغنيمة الباردة، فقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، وكان متأدباً في سؤاله وطلبه، فقال له النبي ﵊: (اذهب فالتمس شيئاً -أي: بعض المهر- فذهب ثم عاد فقال: يا رسول الله! لا أجد شيئاً. قال: التمس ولو خاتماً من حديد. قال: ولا خاتماً من حديد. فسكت النبي ﷺ ، ثم ولى الرجل، فقال: ردوه عليَّ. فلما رجع قال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم. معي سورة كذا وكذا. فقال: زوجتكها على ما معك من القرآن).

стр. 2033

الاستشفاء بالقرآن الكريم والحياة الاجتماعية يربطها النبي ﷺ أيضاً بالقرآن، بل يربط أمور الناس كلها به، حتى في مسألة الاستشفاء والعلاج من الأمراض، قال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢]. وهذا أبو سعيد الخدري -وحديثه في البخاري - يقول: (مررنا على حي من إحياء العرب، فطلبنا أن يضيفونا فأبوا. قال: فذهبنا، فلدغ سيد القوم، فجاءوا إلينا وقالوا: هل منكم من راقٍ؟ قال: قلنا لهم: لا نرقي لكم حتى تعطونا أجراً. قال: فذهب أحدنا فقرأ عليه الفاتحة فبرأ كأنما نشط من عقال. قال: فلما أخذنا ما أعطونا من الغنم ورجعنا إلى رسول الله ﷺ سألناه عن ذلك فقال: وما أدراك أنها رقية؟! إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله .

стр. 2034

تقديم الأحفظ للقرآن في الدفن في قبر واحد بل قد ذهب النبي ﵊ في ربط الأمة بالقرآن مذهباً بعيداً لا تتصوره العقول، فلما كان ما كان في يوم أحد وجاء النبي ﵊ يدفن الشهداء كان يدفن الاثنين والثلاثة والأربعة في القبر الواحد، فكان يسأل: (أيهم أحفظ لكتاب الله؟) فيقدمه في قبره ولحده؛ ليبين لهم النبي ﵊ أن هذا القرآن هو شرف هذا المؤمن وعزه، وأن طريقه إلى الله موسومة مرسومة بكتاب الله وبارتباطه به. ولذلك عندما ننظر إلى هذه الصور نجد أن النبي ﵊ أراد أن يكون هو القدوة لهم عندما كان يقرأ ويسمع ويطلب السماع ﵊، ثم جعل خير الدنيا والآخرة ورفعة الدنيا ورفعة الآخرة والتقدم في أمر الدنيا وفي أمر الآخرة كل ذلك جعله مربوطاً بكتاب الله ؛ ليعلم كل فرد في هذه الأمة أنه إذا أراد الفلاح والنجاح والأجر والمثوبة والتقدم والخيرية فإن طريقه عبر كتاب الله .

стр. 2035

صور من حياة الصحابة في تأثرهم بالقرآن وبسنة النبي ﷺ انتقل إلى نقطة ثانية، وهي صور من مجتمعات الصحابة والمجتمعات الإسلامية الأولى المتعلقة بأثر هذا النزول القرآني وبأثر ذلك المنهج النبوي، وكيف كان انعكاسه على الصحابة رضوان الله عليهم، إنها صور عجيبة فريدة تبين لنا كيف كان القرآن هو الحياة وكانت الحياة هي القرآن في مجتمعات المسلمين في القرون الفاضلة. فهذا عمر بن الخطاب - كما في صحيح البخاري - يقول: (كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، فيرد إلى المسجد وأرد إلى السوق ليستمع ما ينزل من الوحي على رسول الله ﷺ ، فإذا كان آخر اليوم أخبرني بما نزل من القرآن) فإذا كان اليوم الثاني غير كل موقعه. هذه الصورة تبين لنا أن الصحابة قسموا الحياة نصفين: فنصف جعلوه للعمل وكسب الرزق والقوت بما ييسر الله . ونصف جعلوه لئلا يفوتهم من القرآن ومن سنة المصطفى ﵊ شيء أبداً. وكان بالإمكان أن يُجعل ذلك على تراخٍ وتهاون، وأن يسأل عنه عندما يفرغ من عمله إذا وجد الفرصة المناسبة، أو لا يسأل حتى يأتي من يخبره. لقد كان أثر ذلك المنهج من الرسول ﵊ منعكساً، فجعلوا الأهمية العظمى لتلقي هذا القرآن وفهمه وتدبره وحمله والعمل به. وننظر إلى صورة أخرى في البخاري -أيضاً- عن النبي ﵊ قال: (إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار)، والأشعريون قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن، وكانوا إذا جاءوا في الليل يعرف النبي ﵊ أن القوم قد وصلوا، وأنهم نزلوا في شرق المدينة أو غربها، فلقد كان القرآن هو الذي يُحيا به الليل، وتعمر به المحاريب، وتلهج به الألسنة، وتُستجاش به مشاعر القلوب والنفوس. وهناك صورة أخرى، فـ سعد ﵁ عندما فتح الله عليهم في القادسية أرسل إلى عمر يبشره بالفتح، وكان في ضمن كتابه أنه قال: ذهب من الناس فلان وفلان -يعني استشهدوا- ممن لا تعلمهم -أي: ولا تعرفهم ولا تعرف أسماءهم؛ لأنهم مجهولون مغمورون، لكنهم مؤمنون مجاهدون- الله بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن كدوي النحل في الليل. ومتى هذا؟ إنه في السفر والحرب، فكيف إذا كانوا في الحضر وإذا كانوا في الأمن؟! فكان هذا دأبهم وهم في المعارك على صهوات الجياد، وهم في الخوف في حراسة الثغور كان هذا دأبهم، كما عند البخاري من غير تسمية الأسماء، وعند غيره بتسمية عباد بن بشر ورفيق له أنهما كانا مكلفين بحماية المسلمين في ليلة من الليالي، فنام أحدهما وقام الآخر يصلي ما شاء الله له أن يصلي ويقرأ ما شاء الله له أن يقرأ، فأصابه سهم وهو واقف يصلي، فنزعه ومضى في صلاته، فأصابه الثاني فنزعه ومضى في صلاته، فأصابه الثالث فقال لصاحبه لما أنكر عليه أنه لم يوقظه: لولا خشية أن يؤتى المسلمون من قبلي ما أيقظتك كراهة أن أقطع صلاتي. كان هذا هو وصف القوم وارتباطهم بكتاب الله ، وكان معلوماً في صفوف الجيوش الإسلامية وراياتها أن في كل فرقة وكتيبة قارئاً، وإذا التحمت الصفوف وحمي الوطيس كان القارئ يقرأ سورة (الأنفال) يهيج بها على الجهاد، ويقوي بها العزائم، ويثبت بها الأقدام، ويشوق إلى لقاء الله ، فكانت القلوب حينئذ تطير من صدورها وتهفوا إلى لقاء ربها، وتتوق إلى نعيم الله . ولذلك كان هذا القرآن يتقدم مسيرة الأمة في كل منحىً من مناحي حياتها، وعندما نرى الشرف والمنزلة والتقديم والتعظيم يأتينا أمر ابن عباس ذلك الغلام الصغير والفتى الذي لم يكن عمره عندما توفي رسول الله ﷺ يتجاوز الخامسة عشرة، وفي بعض الروايات أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، وفي بعضها أنه كان ابن عشر سنين. ذلك الشاب كان يدخل مجلس عمر ﵁، وكان مجلس عمر يضم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار من البدريين المتقدمين في الإسلام، فقال بعض الأنصار: يا أمير المؤمنين! إن عندنا من أبنائنا من هو في مثل سن هذا، فلماذا تقدمه عليهم؟ فسكت عمر حتى إذا ضمه المجلس سأل فقال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]؟ فأجاب بعض الصحابة وقال: بشر الله رسوله بالفتح وبدخول الناس في دين الله أفواجاً، ومنَّ عليه بذلك، وأمره أن يسبح إزاء هذه النعمة. وكل قال قولاً. فالتفت إلى ابن عباس الغلام الصغير فقال: ما تقول فيها يا ابن عباس؟! قال: هو أجل رسول الله ﷺ نعي إليه) يعني أنه قد أراد الله أن يشير إلى رسوله أنه قد اقترب أجله وانتقاله إلى ربه ومولاه؛ لأنه إذا بلغ الرسالة وفتح الله عليه ودخل الناس في دين الله أفواجاً فقد أكمل ما عليه، وأوشك أن ينتقل إلى خالقه ومولاه، فقال عمر: (والله! ما أعلم منها إلا ما قلت يا ابن عباس!)، وبهذا شرفه عمر وقدمه، فكان أهل القرآن هم المقدمون والمستشارون والمعظمون في مجتمع المسلمين.
следующие страницы →