Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
ذكر بعض فضائل تعلم القرآن الكريم وتلاوته
جاء عنه ﵊ جملة من أحاديث الفضائل التي تبين عظمة الأجر في هذا القرآن العظيم، وفي الوقت نفسه يرتبط المسلم ارتباطاً وثيقاً بكتاب الله إذا أراد أن يغنم الأجر، وإذا أراد أن يمحو الله عنه السيئات، وإذا أراد أن تُرفع له الدرجات.
فهذا حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
ومن أعظم هذه الأحاديث التي وردت ما جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: (أيحب أحدكم أن يغدو إلى بطحان أو إلى العقيق فيأخذ ناقتين كوماوين -أي: سمينتين- زهراوين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقال الصحابة: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك -لقد شوقهم وعلقهم بالأجر، ثم رسم لهم طريقهم- فقال: لأن يغدو أحدكم إلى بيت من بيوت الله فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل).
ونأخذ هذا الحديث لنقدمه في واقعنا، فلو قيل للناس: من ذهب إلى مكان كذا فسيأخذ سيارتين فارهتين من الطراز الحديث والموديلات الجديدة من غير إثم ولا قطيعة رحم ولا مال، ويرجع وهو غانم لهاتين السيارتين كل يوم وكل لحظة كلما أراد، لو قيل ذلك لانصرف الناس إلى ذلك انصرافاً عظيماً، ولتقاتلوا قتالاً عجيباً.
فالنبي شوق النفوس وعلقها بهذا الأجر، وقد كانت الناقة الكوماء عندهم ثروة، فقد كانت ثروة الرجل في ذلك الوقت تقدر بما عنده من النوق والجمال، فكان النبي ﵊ يحثهم ويرغبهم ويعلقهم، ثم يرسم لهم الطريق في حديثه عبر الارتباط بهذا القرآن.
هذا فيما يتعلق بشأن الأجر، أما شأن المراتب العالية فقد ورد حديثه ﵊: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: إقرأ وارق - أي: ارتفع- ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، فمن أراد الأجر والمثوبة ومن أراد الرفعة في الجنة فطريقه كتاب الله ، هذا بالنسبة للآخرة.
стр. 2032
ذكر بعض فضائل صاحب القرآن
وقد ربط المصطفى ﵊ أمر الدنيا والتقدم فيها والجاه والشرف بالإيمان بكتاب الله .
ففي صحيح البخاري عن عثمان ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فمن أراد أن تكون له الخيرية في هذه الأمة في مجتمعات المسلمين التي تقوم بتنظيم ميزان الإسلام والإيمان فطريقه أن يكون مرتبطاً بهذا الكتاب تعلماً وتعليماً.
ولذلك ورد في الحديث عن أنس ﵁ ما يدل على أن الصحابة كان صاحب القرآن فيهم معظماً وصاحب شرف ومنزلة، فهو يقول: (كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في أعيننا) أي: صار ذا منزلة عالية، وصارت نظرة الناس إليه محترمة وموقرة، وصار هو الذي يُقدم على غيره.
وهذا يبين أن الشرف في الدنيا والشرف في الآخرة طريقه موصول بكتاب الله .
ثم ننظر إلى وجه آخر، فبالقرآن يكون التقدم في أمر الدين والتقدم في أمر الدنيا والتقدم في أعظم فريضة بعد التوحيد والركن الثاني من أركان الإسلام وهو الصلاة، قال النبي ﵊: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)، فأعظم مؤهل في التقدم لأعظم فريضة جامعة مكررة في اليوم والليلة خمس مرات هو حفظ كتاب الله .
ولذلك يروي أحد الصحابة أنه روى لبعض القوم هذا الحديث ثم قال: (فأقيمت الصلاة وليس في القوم أقرأ مني، فصليت بهم إماماً وأنا ابن سبع)، وفي رواية عند البخاري: (أن أحد صغار القراء تقدم فصلى إماماً، وكان ثوبه قصيراً، فقال قائل: غطوا عنا است قارئكم).
وسأضرب أمثلة واقعية حية كثيرة من حياة المجتمعات الإسلامية لتقدم حفظة القرآن في أمر الدين وفي أمر الدنيا ومسألة الولايات والحكم والقضاء وغير ذلك.
جاء في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ لقي عامله على مكة في الحج فقال: من خلفت على أهل مكة -أي: من جعلته نائباً لك-؟ قال: خلفت عليهم ابن أبزى.
فقال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال: مولى من موالينا.
فقال عمر كالمستنكر: أخلفت على أهل مكة مولى؟! وفي رواية البخاري: أخلفت على أهل الوادي مولى؟! يعني: ما وجدت في الأمة من هو مؤهل حتى تدع هذا يتولى هذا الأمر.
فتكلم العامل بالمؤهل الأعظم الذي تأهل هذا الرجل به لنيل هذه المنزلة، فقال كلمات قصيرات موجزات، قال: يا أمير المؤمنين! إنه قارئ لكتاب الله.
فقال عمر ﵁ في تتمة هذا الحديث: أما إني سمعت رسولكم ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين).
فهذا هو التقدم في شأن الدين والتقدم في شأن الدنيا، فقد ربطهم النبي ﷺ بكتاب الله، فمن أراد هذا أو ذاك فطريقه أن يرتبط بكتاب الله حفظاً وتلاوة وتدبراً وعملاً.
ثم كذلك نلمح منهج النبي ﵊ في ربط الأمة بكل صورة من الصور بكتاب الله، فهذا البخاري يروي لنا قصة فريدة جميلة عجيبة فيها أن امرأة جاءت إلى مجلس رسول الله ﷺ تعرض نفسها ليتزوجها رسول الله ﵊، جاءت تهب نفسها للرسول ﷺ ، والرسول ﷺ في مجلس مع أصحابه، وكانت جريئة وصاحبة أيمان، ولم يكن للرسول ﵊ بها حاجة، فسكت حياءً أن يرد عليها، وطال الصمت، وتأزم الموقف، ودخل الإحراج، فانتهز رجل من صحابة رسول الله ﷺ الفرصة، وأراد أن يقتنص الغنيمة الباردة، فقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، وكان متأدباً في سؤاله وطلبه، فقال له النبي ﵊: (اذهب فالتمس شيئاً -أي: بعض المهر- فذهب ثم عاد فقال: يا رسول الله! لا أجد شيئاً.
قال: التمس ولو خاتماً من حديد.
قال: ولا خاتماً من حديد.
فسكت النبي ﷺ ، ثم ولى الرجل، فقال: ردوه عليَّ.
فلما رجع قال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم.
معي سورة كذا وكذا.
فقال: زوجتكها على ما معك من القرآن).
стр. 2033
الاستشفاء بالقرآن الكريم
والحياة الاجتماعية يربطها النبي ﷺ أيضاً بالقرآن، بل يربط أمور الناس كلها به، حتى في مسألة الاستشفاء والعلاج من الأمراض، قال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢].
وهذا أبو سعيد الخدري -وحديثه في البخاري - يقول: (مررنا على حي من إحياء العرب، فطلبنا أن يضيفونا فأبوا.
قال: فذهبنا، فلدغ سيد القوم، فجاءوا إلينا وقالوا: هل منكم من راقٍ؟ قال: قلنا لهم: لا نرقي لكم حتى تعطونا أجراً.
قال: فذهب أحدنا فقرأ عليه الفاتحة فبرأ كأنما نشط من عقال.
قال: فلما أخذنا ما أعطونا من الغنم ورجعنا إلى رسول الله ﷺ سألناه عن ذلك فقال: وما أدراك أنها رقية؟! إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله .
стр. 2034
تقديم الأحفظ للقرآن في الدفن في قبر واحد
بل قد ذهب النبي ﵊ في ربط الأمة بالقرآن مذهباً بعيداً لا تتصوره العقول، فلما كان ما كان في يوم أحد وجاء النبي ﵊ يدفن الشهداء كان يدفن الاثنين والثلاثة والأربعة في القبر الواحد، فكان يسأل: (أيهم أحفظ لكتاب الله؟) فيقدمه في قبره ولحده؛ ليبين لهم النبي ﵊ أن هذا القرآن هو شرف هذا المؤمن وعزه، وأن طريقه إلى الله موسومة مرسومة بكتاب الله وبارتباطه به.
ولذلك عندما ننظر إلى هذه الصور نجد أن النبي ﵊ أراد أن يكون هو القدوة لهم عندما كان يقرأ ويسمع ويطلب السماع ﵊، ثم جعل خير الدنيا والآخرة ورفعة الدنيا ورفعة الآخرة والتقدم في أمر الدنيا وفي أمر الآخرة كل ذلك جعله مربوطاً بكتاب الله ؛ ليعلم كل فرد في هذه الأمة أنه إذا أراد الفلاح والنجاح والأجر والمثوبة والتقدم والخيرية فإن طريقه عبر كتاب الله .
стр. 2035
صور من حياة الصحابة في تأثرهم بالقرآن وبسنة النبي ﷺ
انتقل إلى نقطة ثانية، وهي صور من مجتمعات الصحابة والمجتمعات الإسلامية الأولى المتعلقة بأثر هذا النزول القرآني وبأثر ذلك المنهج النبوي، وكيف كان انعكاسه على الصحابة رضوان الله عليهم، إنها صور عجيبة فريدة تبين لنا كيف كان القرآن هو الحياة وكانت الحياة هي القرآن في مجتمعات المسلمين في القرون الفاضلة.
فهذا عمر بن الخطاب - كما في صحيح البخاري - يقول: (كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، فيرد إلى المسجد وأرد إلى السوق ليستمع ما ينزل من الوحي على رسول الله ﷺ ، فإذا كان آخر اليوم أخبرني بما نزل من القرآن) فإذا كان اليوم الثاني غير كل موقعه.
هذه الصورة تبين لنا أن الصحابة قسموا الحياة نصفين: فنصف جعلوه للعمل وكسب الرزق والقوت بما ييسر الله .
ونصف جعلوه لئلا يفوتهم من القرآن ومن سنة المصطفى ﵊ شيء أبداً.
وكان بالإمكان أن يُجعل ذلك على تراخٍ وتهاون، وأن يسأل عنه عندما يفرغ من عمله إذا وجد الفرصة المناسبة، أو لا يسأل حتى يأتي من يخبره.
لقد كان أثر ذلك المنهج من الرسول ﵊ منعكساً، فجعلوا الأهمية العظمى لتلقي هذا القرآن وفهمه وتدبره وحمله والعمل به.
وننظر إلى صورة أخرى في البخاري -أيضاً- عن النبي ﵊ قال: (إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار)، والأشعريون قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن، وكانوا إذا جاءوا في الليل يعرف النبي ﵊ أن القوم قد وصلوا، وأنهم نزلوا في شرق المدينة أو غربها، فلقد كان القرآن هو الذي يُحيا به الليل، وتعمر به المحاريب، وتلهج به الألسنة، وتُستجاش به مشاعر القلوب والنفوس.
وهناك صورة أخرى، فـ سعد ﵁ عندما فتح الله عليهم في القادسية أرسل إلى عمر يبشره بالفتح، وكان في ضمن كتابه أنه قال: ذهب من الناس فلان وفلان -يعني استشهدوا- ممن لا تعلمهم -أي: ولا تعرفهم ولا تعرف أسماءهم؛ لأنهم مجهولون مغمورون، لكنهم مؤمنون مجاهدون- الله بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن كدوي النحل في الليل.
ومتى هذا؟ إنه في السفر والحرب، فكيف إذا كانوا في الحضر وإذا كانوا في الأمن؟! فكان هذا دأبهم وهم في المعارك على صهوات الجياد، وهم في الخوف في حراسة الثغور كان هذا دأبهم، كما عند البخاري من غير تسمية الأسماء، وعند غيره بتسمية عباد بن بشر ورفيق له أنهما كانا مكلفين بحماية المسلمين في ليلة من الليالي، فنام أحدهما وقام الآخر يصلي ما شاء الله له أن يصلي ويقرأ ما شاء الله له أن يقرأ، فأصابه سهم وهو واقف يصلي، فنزعه ومضى في صلاته، فأصابه الثاني فنزعه ومضى في صلاته، فأصابه الثالث فقال لصاحبه لما أنكر عليه أنه لم يوقظه: لولا خشية أن يؤتى المسلمون من قبلي ما أيقظتك كراهة أن أقطع صلاتي.
كان هذا هو وصف القوم وارتباطهم بكتاب الله ، وكان معلوماً في صفوف الجيوش الإسلامية وراياتها أن في كل فرقة وكتيبة قارئاً، وإذا التحمت الصفوف وحمي الوطيس كان القارئ يقرأ سورة (الأنفال) يهيج بها على الجهاد، ويقوي بها العزائم، ويثبت بها الأقدام، ويشوق إلى لقاء الله ، فكانت القلوب حينئذ تطير من صدورها وتهفوا إلى لقاء ربها، وتتوق إلى نعيم الله .
ولذلك كان هذا القرآن يتقدم مسيرة الأمة في كل منحىً من مناحي حياتها، وعندما نرى الشرف والمنزلة والتقديم والتعظيم يأتينا أمر ابن عباس ذلك الغلام الصغير والفتى الذي لم يكن عمره عندما توفي رسول الله ﷺ يتجاوز الخامسة عشرة، وفي بعض الروايات أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، وفي بعضها أنه كان ابن عشر سنين.
ذلك الشاب كان يدخل مجلس عمر ﵁، وكان مجلس عمر يضم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار من البدريين المتقدمين في الإسلام، فقال بعض الأنصار: يا أمير المؤمنين! إن عندنا من أبنائنا من هو في مثل سن هذا، فلماذا تقدمه عليهم؟ فسكت عمر حتى إذا ضمه المجلس سأل فقال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]؟ فأجاب بعض الصحابة وقال: بشر الله رسوله بالفتح وبدخول الناس في دين الله أفواجاً، ومنَّ عليه بذلك، وأمره أن يسبح إزاء هذه النعمة.
وكل قال قولاً.
فالتفت إلى ابن عباس الغلام الصغير فقال: ما تقول فيها يا ابن عباس؟! قال: هو أجل رسول الله ﷺ نعي إليه) يعني أنه قد أراد الله أن يشير إلى رسوله أنه قد اقترب أجله وانتقاله إلى ربه ومولاه؛ لأنه إذا بلغ الرسالة وفتح الله عليه ودخل الناس في دين الله أفواجاً فقد أكمل ما عليه، وأوشك أن ينتقل إلى خالقه ومولاه، فقال عمر: (والله! ما أعلم منها إلا ما قلت يا ابن عباس!)، وبهذا شرفه عمر وقدمه، فكان أهل القرآن هم المقدمون والمستشارون والمعظمون في مجتمع المسلمين.
стр. 2036
اهتمام الصحابة بعدم الاختلاف في القرآن
وانظر كذلك إلى مواقف أخرى كثيرة تبين لنا هذا الشأن، فقد كان القرآن هو الذي يلفت الأنظار، وهو الذي يحدد المواقف، ففي صحيح الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ -وعمر له قصص كثيرة فيها مزية الغيرة لدين الله والاهتمام بشرع الله وبدين الله- قال: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، فإذا هو يقرأها على غير ما أقرأنيها رسول الله ﷺ ، وتأمل في كون الذي أقرأه إياها هو الرسول ﵊؛ فإنه كان هو الذي يعلم الصحابة القرآن، إنها مهمة رسول الله ﷺ ، قال: (سمعته فإذا هو يقرأها على غير ما أقرأنيها رسول الله ﵊ وكان هشام يصلي ويقرأ- قال عمر: فكدت أساوره في الصلاة) يعني: كاد أن يقطع عليه صلاته لينكر عليه هذه القراءة؛ لأنه تلقاها عن الرسول وعنده منها علم وبينة، قال: (فانتظرته حتى سلم فلببته بردائه وانطلقت به أجره إلى رسول الله ﷺ .
هكذا كان عمر، وهكذا كان حرصهم على القرآن أن لا يحرف وأن لا يغير وأن لا يُدخل فيه ولا يزاد عليه، وفي هذا قصص عجيبة وأمثلة كثيرة، قال: (فلببته بردائه وأخذته إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتني.
فقال الرسول ﵊: أرسله يا عمر.
اقرأ يا هشام!).
فقرأ هشام، فقال النبي ﷺ : هكذا أُنزلت.
وقرأ عمر فقال: هكذا أُنزلت، إن القرآن أُنزل على سبعة أحرف).
стр. 2037
اعتناء الصحابة ﵃ بجمع القرآن الكريم
ولعل من أعظم المواقف في حياة مجتمع الصحابة وارتباطهم بكتاب الله ذلك الموقف الذي كان لـ عمر ﵁.
في الصحيحين أن عمر قال لـ أبي بكر ﵁: (إني رأيت القتل قد استحر بالقراء يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر بهم القتل في المواطن فيضيع كتاب الله ، وإني أرى أن تجمع القرآن).
هذا هو الاهتمام، وهذه هي المهمات، وهذه هي المشاغل، وهذا هو الذي كان يحرك العقول ويشغلها، فقال أبو بكر: (كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ كان عند القوم منهج، هو أن لا مخالفة لرسول الله ﵊، فما زال عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر للذي شرح له صدر عمر.
فانظر بعد ذلك للمهمات والشرف! فبعث أبو بكر إلى زيد بن ثابت ﵁ وقال له: (إنك كنت تكتب القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، فانظر ما كان من القرآن فاجمعه) ومن الذي يحدثه؟ أبو بكر خليفة المسلمين ومعه عمر وزيره الأول، وأبو بكر وعمر هما صاحبا الحكم هنا، وهما صاحبا السابقة في الإسلام، وهما صاحبا الفضل، وهما صاحبا العلم، ومع ذلك لم يمنع هذا كله زيد بن ثابت أن يؤكد لنا المنهج الذي رُبي عليه الصحابة، وذلك أنه قال: (كيف تفعلا شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟!) أي: وإن كنتما الحاكمين والسابقين والفاضلين والمقدمين فإن هناك ما هو أفضل وأكثر تقديماً، وهو نهج رسول الله ﷺ .
فما زالا به حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فماذا قال بعد ذلك؟ قال: (فوالله! لو كلفني نقل جبل من مكانه لكان أهون عليَّ) أي أنه رأى أنها مهمة عظمى، وأنها قضية خطيرة؛ لأن فيها أنه يحفظ على الأمة كتاب الله ، فماذا صنع؟ وكيف نفذ؟ قال: (فجعلت أتتبع القرآن في الجلود واللحاف والعظام) وكان لا يقبل آية إلا بشاهدين أنها كتبت بأمر رسول الله ﷺ ، قال: (وآخر سورة التوبة ما وجدتها إلا عند أبي خزيمة وحده) وبعض الناس يظنون أنه لم يكن أحد يحفظها إلا هو، وليس كذلك، إنما المقصود أنه لم يكن أحد شاهد كتابتها بأمر الرسول إلا هو، ومن عظمة وإعجاز ونبوة الرسول ﷺ أنه كان قد جعل شهادة أبي خزيمة بشاهدة رجلين، فكان هذا مغنياً، فما وجدها إلا عنده، ثم وجد أن الرسول قد حكم بأن شهادته بشهادتين قبل أن يموت ﵊.
وكذلك ما جاء في شأن حذيفة لما كانوا في بلاد الأرمن في جهة المشرق يفتحون البلاد، ورأى الناس يختلفون في القراءة، خاصة الداخلين في دين الله حديثاً، فرجع إلى عثمان وقال: (أدرك أمة محمد قبل أن يختلفوا في كتابهم كما اختلفت اليهود والنصارى) فجمع عثمان ﵁ الأمة على مصحف واحد، وفرق منه في الأمصار سبع أو تسع نسخ، فاجتمعت الأمة، وكانت كلها متوافرة جهودها منشغلة أفكارها بكتاب الله .
стр. 2038
تحكيم الصحابة ﵃ للقرآن الكريم في جميع أحوالهم
جاءت امرأة إلى أبي بكر ﵁ وهي جدة تسأله ميراثها، وذلك بعد وفاة النبي ﵊، فقال أبو بكر: (لا أجد لك شيئاً في كتاب الله) أي: نحن عندنا القرآن نبحث فيه ونحكم به.
فقام رجل وقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ يجعل لها السدس) قال: (ومعك من يشهد بذلك؟) فشهد رجل فأمضى أبو بكر ﵁ ذلك.
ومن ذلك تعليم الرسول ﵊، كما في حديث معاذ لما بعثه النبي ﵊ إلى اليمن فإنه قال له: (بمَ تقضي؟ فأجاب: بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله.
قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو.
فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ﷺ .
هكذا كان القرآن هو ديدنهم، وهو مشغلتهم، وهو مهمتهم، وهو حاكمهم، وهو الذي به يتشرفون ويشرفون، ويقدمون ويؤخرون، ولذلك كانت هذه الصور العظيمة في حياة صحابة رسول الله ﷺ .
стр. 2039
اهتمام الأمة الإسلامية بالقرآن الكريم
وليس هذا الأمر مرتبطاً بسيرة أو بحياة الصحابة فحسب، بل كان هذا شأن الأمة في صور كثيرة من أحوالها، وإن كان من ذلك عبر العصور ما يزيد وما ينقص، لكن لابد من أن نعرف أن الأمة مرتبطة بكتابها ارتباطاً وثيقاً عبر قرون متتابعة، وإن كانت هناك مخالفات، لكن الهيمنة الأولى والحكم والتشريع لكتاب الله .
ولذلك نجد صوراً كثيرة واحتفاءً واهتماماً عظيماً من الأمة المسلمة عبر القرون بكتاب الله ، ولعلي أضرب أمثلة أشير بها إلى ما مضى على سبيل المثال: انظر إلى اهتمام الأمة بالقرآن من خلال العلوم القرآنية والمؤلفات فيها! فكم من التفاسير ألفت منذ عهد المصطفى ﵊! والنقل عنه إلى هذا اليوم وإلى ما شاء الله، وعد فإنك لن تحصي، وانظر كم ألفوا في مبهمات القرآن، وفي علوم القرآن، وفي إعجاز القرآن، وفي بلاغة القرآن، وفي نواسخ القرآن، وفي مشكلات القرآن، وفي كل ضرب من الضروب، بل حتى ربما كأن الإنسان يتصور أن لكل حرف اهتماماً ورعاية ودراسة وتحليلاً، وهناك من يدرس في الأوقات المعاصرة بعض هذه القضايا، فهناك رسالة علمية عنوانها (الفاء في القرآن الكريم) أي: مواقعها الإعرابية من الناحية اللغوية.
فالقرآن بحر لا ينضب، ولذلك توجه الاهتمام بهذا القرآن العظيم، وانصبت إليه جهود الأمة بصورة لم يُسبق إليها ولم يكن لها مثيل مطلقاً، فما لقي كتاب من التوثيق والرعاية والدلالة والصيانة ثم من الشرح والعناية والتفصيل ما لقي القرآن العظيم؛ لأن الأمة شغلت وارتبطت به، وكان هو الذي يسيرها في كل شأن من شئون الحياة.
ولذلك قصص كثيرة جداً ووقائع متفرقة عبر التاريخ، حيث نجد فيها أن القرآن كان هو الذي يهيمن على حياة المجتمعات الإسلامية، خاصة فيما يتعلق في الحكم بالقرآن.
وعندما نقول ذلك نقول: إن الدول الإسلامية من الخلافة الراشدة والأموية والعباسية وما جاء بعدها كالعثمانية كلها كانت في الأصل لا تحكم إلا بكتاب الله، ولم يكن هناك شيء آخر، ولا حكم ولا قانون وضعي، ولا مبدأ بشري، وإنما جاء ذلك -كما سأحكي في آخر الحديث- في الواقع المعاصر الذي استُبدلت فيه شريعة الله بقوانين بشرية وضعية ابتُليت بها الأمة دهراً طويلاً.
стр. 2040
الشمول في كتاب الله
أنتقل إلى نقطة مهمة قبل أن أعرج على الواقع المعاصر وإلى الصورة التي نريد أن تكون لنا في ذواتنا وفي أفرادنا.
أريد أن أشير إلى قضية الشمول التي جاءت في كتاب الله ؛ لأن لها ارتباطاً وطيداً بعلاقة القرآن بالحياة، لقد جاء هذا القرآن شاملاً شمولاً متعدد الجوانب، فإذا نظرنا فإننا نجد هذا القرآن شاملاً من حيث ما يتعلق بالمعاني التي يحتاج الناس إليها في حياتهم الدنيا في قضايا الإيمان والنفوس والقلوب.
والله يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩] ففيه الهداية، وكذلك يقول الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] فهو الشفاء والرحمة، ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] فهو الموعظة للقلوب والمهيء للنفوس إلى ابتغاء رضوان الله ، وهو كذلك العاصم، كما قال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقد ذكر أهل التفسير أن حبل الله هو القرآن، وكما قال الله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣] فتوافر الشمول والهداية والطمأنينة والسكينة والرحمة والموعظة والتذكرة في هذا القرآن.
ثم انظر إلى الشمول من وجه آخر لتجد أن هذا القرآن خاطب كل شيء في هذا الإنسان.
ففيه خطاب للعقول بالتدبر والتأمل، وفيه خطاب للقلوب بالموعظة والتذكير، وفيه خطاب للجوارح بتعليمها ما أراد الله منها من البصر وغضه، والسمع وكفه عن الحرام، وفيه ذكر الجبال الساجدة والألسن الذاكرة، كل ذلك مذكور في كتاب الله ، فهو شامل لكل شيء في حياة الإنسان.
وانظر كذلك إلى الشمول من وجه ثالث، فهو الذي يشمل كل أصناف الإنسان.
فهو الذي يخاطب الرجال، ويخاطب النساء، ويذكر منهج الصغار والأطفال، ومنهج الرجال الكبار، فلا يخرج عن هذا القرآن شيء أو صنف من الناس مطلقاً، فلهم جميعاً خطاب، ولهم تنبيه، ولهم آداب، ولهم تعليم وهداية.
ثم انظر إلى الشمول من وجه رابع، فإنك تجد شمول القرآن ينتظم سائر مناحي الحياة.
ففيه منهج متكامل في الحكم والسياسة، ومنهج متكامل في العسكرية والجيش، ومنهج متكامل في المال والاقتصاد، ومنهج متكامل في الحياة الاجتماعية، ومنهج متكامل في سائر ما تحتاج إليه هذه الحياة، فأنت ترى منهجاً كاملاً في الأسرة المسلمة، وفي تربية الأبناء، وفي رعاية المجتمع، وفي الحقوق بين الزوجين وغير ذلك في أصول كلية جامعة، وأنت ترى كذلك منهج الحكم والسياسة الذي يتمثل بأن الحكم لابد من أن يكون بما أنزل الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
ثم يؤسس القرآن في منهج الحكم أساس العدل الذي لا قيام لحكمه إلا به، ثم يذكر بعد ذلك في ثنايا هذا ما يتعلق بنزعات الأهواء واستبدال شرع الله اتباعاً لهوى النفوس، ويبين ملامح عامة في كل ذلك، ثم يذكر الله في شأن الاقتصاد قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وينهى عن أكل أموال اليتامى وأكل أموال الناس بالباطل، ويبين الله التجارة التي تكون عن التراضي، ويبين أوجه الرزق والزراعة والثمار وما يلحق بذلك وما يترتب عليه من الزكاة في الأموال والشفقة على الفقراء والمساكين.
إنه منهج متكامل للمال والاقتصاد في كنزه وفي إنفاقه وفي تشغيله واستثماره، منهج متكامل لا يخرج عنه صغير ولا كبير مطلقاً.
وانظر كذلك إلى سائر الجوانب فإنك واجد هذا واضحاً بيناً، ولقد ذكر الله لنا من قصص الأنبياء والمرسلين ما يبين فيه تقويم هذه المناحي في الحياة، فقد قص الله علينا نموذجاً للحكم الفاسد الجائر الظالم في قصة فرعون، وبين فيها مغبة الاستبداد السياسي والحكم الدكتاتوري كما يسمى اليوم، وبين لنا كيف عالج موسى ﵇ هذا الفساد السياسي بالعلاج الإيماني الذي نقضه من أساسه، وقوض بنيانه، وهد أركانه، وأزاله من هذه الأرض ليكون حكم الله وشرع الله هو المسيطر.
وبين الله كذلك في قصة لوط المفاسد الأخلاقية في تلك الرذيلة التي ذكرها الله على لسان لوط عندما خاطب قومه فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥]، وبين كيف عالج لوط ﵇ بالإيمان وبالعقيدة والتوحيد هذا الفساد الأخلاقي، وأسسه بعد ذلك على المنهج الإيماني.
وذكر لنا الله في قصة شعيب نقض قومه للمكيال والميزان، وما يتعلق بهذا الانحراف في مجال الاقتصاد والمعاملات المالية، وكيف قوَّم ذلك شعيب ﷺ بالمنهج الإيماني وبالرسالة الربانية، كل ذلك ليبين للأمة أن كل شأن من شئون حياتها لابد أن ترجع فيه إلى كتاب ربها.
وهذا الشمول -كما قلت- يتناول ما يتعلق بالنفس الإنسانية من ألوان تغيراتها، ويتناول بعد ذلك ما يحتاجه الناس على اختلاف أجناسهم صغاراً وكباراً رجالاً ونساءً، ويتناول كذلك ما يتعلق بنواحي الحياة، وما يتعلق كذلك بجوارح الإنسان.
ولذلك حق لهذا الكتاب أن يكون هو كتاب الحياة، وأن تكون الحياة منبثقة منه وراجعة إليه؛ لأنه كما قال الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، فما من شيء إلا له أصل، حتى قال أبو الدرداء ﵁: (مات رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ترك لنا منه خبراً).
وقال سلمان ﵁ حين قيل له: علمكم نبيكم كل شيء؟ قال: (أجل، علمنا كل شيء حتى الخراءة)، يعني: كيف يقضي الرجل حاجته.
فكل شيء مذكور في كتاب الله بأعجز لفظ وبأدق معنىً وبأحكم هداية وبأشمل توجيه، فإنك تجد ما يتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة، وما يتعلق بحيض النساء، وما يتعلق بالأطفال، وما يتعلق بالاستئذان، وما يتعلق بأدق أمور تفاصيل الحياة، كل ذلك مذكور له أصل وكليات في كتاب الله .
وحق لأمة هذا كتابها أن لا تستبدل به شيئاً، وأن لا تطلب في غيره هداية، وقد نبه على ذلك رسول الله ﷺ عندما رأى في يد عمر بن الخطاب صحفاً من التوراة يقرأها وينظر فيها فأخذه الرسول ﵊ وعمر هو الشديد القوي- فهزه وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا أن يتبعني).
стр. 2041
القرآن وواقعنا المعاصر
لماذا تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع؟ هذا هو آخر ما أتحدث عنه في هذا الموضوع، وهو ما يتعلق بالواقع المعاصر، أو القرآن وواقعنا المعاصر.
ولاشك أنه حديث جدير بأن يفرد مستقلاً، ولكني أوجز فيه المهمات، وأذكر فيه من الأمثلة ما يغني عن غيره، وأقسم الحديث فيه بالنسبة لعموم المسلمين وبالنسبة لأوضاع الحكم والدول.
فأول ما يتعلق بالمسلمين نجد أن الانعكاس الأول والأكبر كان عندما نُحي القرآن من منصة الحكم، وأُقصي تشريع الله من الهيمنة على حياة الناس، وما زال ذلك التشريع يُطارد ويُطارد ويُختزل حتى ما بقي إلا في أضيق دائرة من الدوائر التي يسمونها الأحوال الشخصية، والأحوال الشخصية نفسها تدخلوا فيها، وشرعوا من عند أنفسهم مالم يأذن به الله ، فانعكس ذلك على المجتمعات الإسلامية؛ لأنها لم تر حكم الله، ولم تر شرع الله مطبقاً.
ولكن هناك معالم ثلاثة رُكزت في نفوس الناس، وصُبت عليهم صباً، ووجهت إليهم توجيهاً، وكان لها آثار سلبية كبرى
стр. 2042
دور أعداء الإسلام في إبعاد القرآن عن واقع المسلمين
أولها: ما يتعلق بالمفاهيم أو الغزو الفكري، فأملي على المسلمين أن هذا القرآن للبركة، وأن هذا القرآن إنما هو ليطرد الشياطين، وليس له بالحياة علاقة، فاذهب واعمل واكسب وعاشر الناس وخالط من تحب وافعل ما تشاء، وهذا القرآن بعد ذلك خذه للبركة لتتصور أنه سيغفر لك ما مضى، وأنك عندما تضعه في جيبك أو تعلقه في سيارتك أو تضعه في صحن بيتك أو في صدر بيتك فهذا كافٍ ومغنٍ.
وجعلوا فهم القرآن أنه هو الذي يجلب على الحياة فهماً غريباً متشدداً متطرفاً بعيداً عن مراعاة الواقع، فإذا قال القائل: نريد أن نحكم الحياة بشرع الله وبكتاب الله قالوا: لا يمكن هذا؛ لأن هذا لا يتناسب مع الواقع، ولا يمكن أن نطبق هذه الآيات التي نزلت قبل ألف وأربعمائة عام على واقعنا اليوم! هذا ما يتعلق بالمفاهيم، وقد تسلطت هذه المفاهيم على الناس كثيراً، ونرى صورها في واقع الناس، فكثير من الناس اليوم ليس لهم صلة بالقرآن إلا البركة، حتى إذا جاء حافظ القرآن قالوا: بركة.
وما عندهم إلا كلمة (البركة)، فإذا وضع المصحف قبله أو وضعه على رأسه قال: هو للبركة.
ولا يفهم إلا هذا المعنى، فمسخ الفهم والارتباط الكامل الشامل بكتاب الله من هذا الجانب.
стр. 2043
أهمية اللغة العربية في فهم القرآن الكريم
الجانب الثاني -وهو خطير جداً- جانب اللغة.
جانب اللغة العربية التي أُضعفت، والتي غزتها العامية بكل لهجاتها، حتى أصبح العربي في بلاد الشام لا يعرف العربي الناطق بالعربية في بلاد العراق، والذي في العراق والشام لا يفهم من يتكلمون في مصر، حتى صار العرب يحتاجون إلى مترجم بينهم.
ومن لطائف ذلك أن الشيخ الطنطاوي رحمه الله تعالى ذكر قصة عراقي جاء إلى مطعم فيه مصري، وإلى جواره شاب، ودار هناك حوار، وكل واحد لا يفهم الآخر، فقال الأول كلمة طيبة هي في لهجة الثاني سيئة، وإذا به يغضب، وإذا بهما يتشاحنان، وحصل ما لا تحمد عقباه.
فهذه اللغة عندما ضعفت وعندما أقصيت إلى حد ما عن خطاب الناس صار الناس بعيدين عن القرآن؛ لأن القرآن هو باللغة، واللغة هي التي جاء بها القرآن، فصار الناس يقرءون كلاماً لا يفهمونه، وكأن العرب صاروا أعاجم، وفي السابق كان الأعاجم عرباً كـ سيبويه، فـ سيبويه أعجمي، وهو الذي أصبح أشهر نحوي، وهكذا ابن درستويه من كبار النحاة، وابن جني، وكثيرون من النحاة أصلهم أعاجم، بل ومن المحدثين البخاري، وهو من بخارى، والترمذي من ترمذ، وغيرهم كثير.
والأمر كما قال النبي ﵊: (إنما العربية اللسان)، فهم تعلموا العربية ففهموا هذا الدين، وجهلنا العربية فبعدنا عن هذا الدين، وهذا أيضاً مكمن خطر وقع للأمة المسلمة في عصورها المتأخرة.
стр. 2044
محاربة أعداء الإسلام وعملائهم لجانب التعليم القرآني
الجانب الثالث: جانب التعليم القرآني.
فتعليم القرآن حُورب في كثير من بلاد الإسلام، سيما في أوائل هذا القرن مع هجمة الاستعمار، فحصة القرآن في آخر الدوام، وحصة واحدة تكفي في الأسبوع، ولماذا حصة واحدة؟! كتب بعضهم: لماذا نرهق عقول الصغار بحفظ السور القصار! وقال: من يقول: إن السور القصار سهلة؟! فالسور القصار سور صعبة، فسورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) يبقى فيها سنة حتى يحفظها مثل ذلك الكاتب الذي ذكر ذلك.
وقال: لماذا نعقد الناس؟! ولماذا كذا؟ فنقول: هل أنت تقول كلاماً منطقياً واقعياً أم أنك تتخيل؟! سآتيك بصغار ما تجاوزوا السابعة وهم يحفظون القرآن، فأين التعقيد؟! التعقيد في العقل الذي فسد أو التصور الذي انحرف.
فهذا التعليم القرآني أُضعف، حتى إن القرآن لم يعد منهجاً أساسياً، وفي بعض الدول درجة القرآن لا تدخل في التقدير، فمن رسب في القرآن فهو ناجح، وتقدير درجة القرآن بممتاز أو ضعيف ليس له قيمة! ولذلك لم ترتبط الأجيال بالقرآن، وما يزال منهج القرآن يُقص منه ويُقص منه ويُقص منه حتى ما بقي إلا أقل القليل من الآيات البسيطة القليلة، والحفظ غير مهم، حتى إنهم يأتون بمدرسين غير مؤهلين، لذلك انتشر الجهل بالقرآن في تلاوته، وفي فهمه، وفي الالتزام به، وهذا حال سرى في الأمة وقتاً طويلاً، ولا تزال له آثار عظيمة.
стр. 2045
أثر إقصاء كتاب الله عن الحكم
وفيما يتعلق بجانب الحكم وبجانب الدول أُقصي القرآن رسمياً، وبإعلان صارخ -بل فاضح بشع- أن القرآن لا يحكم، وجيء بالقوانين الفرنسية والإنجليزية وغيرها، وحكمت بها أمة الإسلام، ولا تزال تحكم بها كثير من الدول التي تُسمى إسلامية.
ثم قالوا: نحن لسنا كافرين، ولسنا ننكر القرآن! فما صلتهم بالقرآن؟ يفتتحون به أول البث التلفزيوني والإذاعي ويختتمون به! وما من حفل رسمي إلا وأول شيء القرآن، ولا بأس بأن يكون هناك مسابقات للقرآن وبعض الجوائر، ولا بأس -أيضاً- بأن يُطبع من نسخ القرآن كذا وكذا.
هذا الذي أوهموا الناس أنه يكفي فيما يتعلق بالقرآن والحكم والسلطان في بلاد المسلمين، إلا ما رحم الله.
ولذلك هذه الصورة لاشك أنها أبعدت الأمة عن القرآن بصورة تظهر فيها أمثلة عجيبة جداً، وعندما يتأمل الإنسان وينظر يرى حملة شهادات الدكتوراة وأصحاب مناصب عالية ورفيعة لا يحسن أحدهم قراءة الفاتحة! ولقد لقيت مرة في ملتقىً عدداً من الشباب من بلاد عربية مختلفة، فرأيت طلبة الطب والهندسة وهم أجسام طويلة وعريضة، وأصحاب ألسنة منطلقة، وأصحاب عقول وأفكار، ولكن والله لقد كان الواحد منهم لا يحسن قراءة غير ثلاث سور: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) و ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)) و ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) وأما غير ذلك فلا يحسن، وكانوا كما أشرت على هذه الصورة!
стр. 2046
الخير باقٍ في الأمة
تلك الصورة أرادها أعداء الله ومن كان معهم من العملاء، لكن كما قال : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، فإن لهذا القرآن طريقاً إلى القلوب لا يمكن أن توصد أبداً، وإن الآذان لتشتاق إليه، وإن العيون لتتلهف إلى رؤيته، ويكفينا مثال صارخ على ذلك، وأن كل من حرَّف كتاب الله لم يفلح، والخاسر هو الذي يحارب كتاب الله .
فانظر إلى الشيوعية! سبعون عاماً من الحرب الشعواء والتشريد والقتل والتهجير ومنع اللغة العربية ومنع المصاحف إلى آخر ذلك، ثم سقطت الشيوعية، وظهر حفظة للقرآن العظيم لا يعرفون من العربية كلمة واحدة! واسأل من ذهب إلى تلك البلاد، وانظر إلى أشرطة الفيديو، فستجد أنه ظهر في الجمهوريات الإسلامية حفظة لكتاب الله كانوا يحفظون في الأقبية وتحت الأرض، واليوم تعم أرجاء العالم الإسلامية أوبة صادقة إلى كتاب الله ، ونسمع دوي القرآن عاد من جديد في بيوت الله ، ونسمع أشرطة القرآن تملأ الدنيا شرقاً وغرباً، ونرى كتاب الله يغزو الأقطار الكافرة قبل المسلمة، ونرى الأجيال وهي تتربى -بحمد الله على كتاب الله تحفظه وتترنم به قراءة صحيحة فصيحة، وهي في الصغر، ونرى الإقبال على معاني كلمات القرآن، وعلى تفسير كلام الله ، وعلى الدروس القرآنية، إنها نهضة قرآنية عظيمة بحمد الله ، والذي يتأملها يدرك أن الأمر كما قال : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، فلابد من أن ندرك هذا، والحمد لله فهذه ظواهر إيجابية.
стр. 2047
أهمية تعلم القرآن الكريم وفهمه
أحب أن أشير إلى أمرين اثنين مما يتعلق بالشباب وبعموم الملتزمين والصالحين، فهناك أمران مهمان: أولهما: إعطاء القرآن حقه من حيث العلم به والفهم لأحكامه قبل أن تتشعب بك الاهتمامات؛ فإن من الشباب من ينصرف عن رغبة صادقة وعن توجه جيد إلى سنة رسول الله ﷺ ويحفظها، ويقول: السنة والأحكام بالسنة.
وهو لم يهتم بكتاب الله ، فكيف يفهم السنة وهو لم يفهم القرآن؟ وكيف يعرف دلالاتها وارتباطها بكتاب الله وهو لم يفقه كتاب الله من قبل؟! وانظر إلى حكمة عمر ﵁، كان ينهى الصحابة عن أن يكثروا من رواية الأحاديث في البلاد التي تفتح حديثاً، فقال: (لا تشغلوهم بالسنن عن القرآن حتى يعرفوا كتاب الله .
فلابد من أن يُعرف أن القرآن هو الأول، فبعض الناس من حماسهم يندفعون إلى علم من علوم الإسلام، لكن لا يربطونه بالقرآن، ولا ينطلقون إليه بعد القرآن.
وهذا الأمر لاشك أنه أساء كثيراً في فهم هؤلاء، وأوجد عندهم خلطاً، وأوجد عندهم سوء ظن بكثير من الأمور وعدم فهم لها، بل نجد اليوم من يتكلم على حفظة القرآن ومن يتفرغون للحفظ ومن يجودونه، بل يتهمون بعض من يهتمون بالقرآن وحفظه وتلاوته بأنهم لا يفقهون الدين، وبأنهم لا يتبعون الرسول الكريم! فعجباً لهؤلاء القوم كيف عكسوا الأمور وكيف قلبوا الآية! ولذلك ينبغي أن نتنبه لهذا الجانب.
стр. 2048
ذكر بعض آداب حملة القرآن
الجانب الآخر أنقل فيه نصوصاً تبين مهمة أن القرآن وحمله ليس حفظاً وليس تجويداً وليس تنغيماً بالأصوات، وليس معرفة بالتفاسير فحسب، وإنما القرآن سلوك يغير القلب، ويغير نطق اللسان، فلا يتكلم بفاحش القول، ويغير سمت الإنسان كله، ولذلك أهم شيء في حامل القرآن خُلُقُ القرآن الذي قالته عائشة في وصف الرسول ﵊: (كان خلقه القرآن).
ولذلك ينبغي أن نعيب وأن نشدد النكير على حملة القرآن إذا خالفوا نهج القرآن؛ لأن المطلوب منهم أعظم، والواجب في حقهم أكبر.
وأسوق بعض ما ذكره العلماء فيما يتعلق بآداب وأخلاق حملة القرآن، وأكتفي بذكرها، فإن كل جملة منها جديرة -والله- بأن تكون منبهة وفيها ما يهز الإنسان المؤمن المرتبط بكتاب الله أو بحفظه أو بتلاوته؛ لأننا في الحقيقة قد نخطئ ونجرم ونكون قدوات سيئة عندما نقدم للناس من يحفظون القرآن ويجودونه ولكنهم لا يلتزمون أحكامه ولا يتأدبون بآدابه.
يقول صاحب كتاب (آداب حملة القرآن): أول ما ينبغي له -أي: حامل القرآن- أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية باستعمال الورع في مطعمه ومشربه، وملبسه ومسكنه، وأن يكون بصيراً بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبلاً على شأنه، مهموماً بإصلاح ما فسد من أمره، فلا ينشغل بعيوب الناس قبل عيب نفسه، حافظاً للسانه، مميزاً لكلامه، إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صواباً، وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صواباً، قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه، يحبس لسانه كحبسه لعدوه؛ ليأمن شره وشر عاقبته، قليل الضحك مما يضحك منه الناس لسوء عاقبة الضحك، إن سُرَّ بشيء مما يوافق الحق تبسم، يكره المزاح خوفاً من اللعب، فإن مزح قال حقاً، باسط الوجه، طيب الكلام، لا يمدح نفسه بما فيه، فكيف بما ليس فيه؟ يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه، لا يغتاب أحداً، ولا يحقر أحداً، ولا يسب أحداً، ولا يشمت بمعصية، ولا يبغي على أحد ولا يحسده، ولا يسيء الظن بأحد إلا لمن يستحق.
ثم قال: فالمؤمن العاقل إذا تلى القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآه يرى بها ما حسن من فعله وما قبح منه، فما حذره مولاه حذر منه، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهداً وشافعاً وأنيساً وحرزاً، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه، ونفع أهله وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة.
ومن قول عمر: (ولقد أتى علينا حين وما نرى أحداً يتعلم القرآن يريد به إلا الله، فلما كان بأخرة خشيت أن رجالا يتعلمونه يريدون به الناس وما عندهم، فأريدوا الله بقرآنكم وأعمالكم، وإنا كنا نعرفكم من لسان رسول الله ﷺ إذ ينزل الوحي، وإنما أعرفكم اليوم بما أقول: من أعلن خيراً أجبناه عليه وظننا به خيراً، ومن أظهر شراً بغضناه عليه وظننا به شراً، سرائركم فيما بينكم وبين الله .
ويقول ابن مسعود: (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزمه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يصوتون) إنه رجل حمل كلام الله في قلبه، وحوى أعظم كنز في الوجود في صدره، فلا ينبغي له أن يخوض مع الخائضين، ولا أن يلعب مع اللاعبين، ولا أن يتصف بأخلاق الفاسدين، فالله أسأل أن يجعلنا من أهل القرآن.
стр. 2049
قصيدة تبين واقع الأمة مع القرآن الكريم
وأختم بقصيدة أخينا الشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي، وقد صور لنا فيها ما بين كتاب الله وواقع الأمة، وهو يخاطب قارئ القرآن في حفل تخريج دفعة من الجماعة الخيرية في جدة، يقول: يا قارئ القرآن داو قلوبنا بتلاوة تزدان بالتجويد اقرأ فأمتنا ترقع ثوبها بالوهم تخفض رأسها ليهود اقرأ فأمتنا تعيش على الربا تنسى عقاب الخالق المعبود اقرأ لينجلي الظلام عن الربَى وليسمع الغاني زواجر هود اقرأ لينجلي القتام عن الذي أمسى أسير تخاذل وصدود اقرأ ليرجع من بني الإسلام من أصغى مسامعه إلى تلمود اقرأ لعل الله يوقظ غافلاً من قومنا ويلين قلب عنيد اقرأ ليرجع ظالم عن ظلمه ويقر بالإيمان كل جحود اقرأ ليسكت مطرب مترنح قتل الحياء على رنين العود ذبحوا مشاعرنا بكل قصيدة مسكونة بخيال كل بليد إبليس باركهم وسار أمامهم متباهياً بلوائه المعقود اقرأ ليهدأ قلب كل مروع من قومنا وفؤاد كل شريد اقرأ ليسمع كل من في سمعه وقر من الأقصى إلى مدريد اقرأ لتفهم أمتي معنى الهدى معنى بلوغ مقامها المحمود اقرأ ليخرج جيلنا الحر الذي يبني جوانب صرحنا المهدود بالدين بالقرآن لا بثقافة غربية ذو مبدأ مردود يا قارئ القرآن إن قلوبنا عطشى إلى حوض الهدى المورود شنف مسامعنا بآيات الهدى وافتح منافذ دربنا المسدود وأقم من الإخلاص قصراً شامخاً يدني إلى عينيك كل بعيد يا قارئ القرآن لا تركن إلى مدح العباد ومنطق التمجيد قل للذين تنكبوا درب الهدى جهداً ولم يستمسكوا بعهود قل للطغاة ومن مشوا في ركبهم من طامع ومنافق ومريد إن الذي منع الحرام هو الذي شرع الحلال لنا وكل مفيد هذا هو القرآن دستور الهدى فيه الصلاح لظارف وتليد وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2050
الأسئلة
стр. 2051
تفسير قوله تعالى: ((ما فرطنا في الكتاب من شيء))
السؤال
يقول بعض الشيوخ: إن الناس يفسرون: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] تفسيراً خاطئاً، فالقرآن فيه عمومات، أما التفصيلات فهي جهود عقلانية اجتهادية، فما تعليقكم؟
الجواب
قول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] مقصود به الكليات دون التفصيلات، والتفصيلات ليست مطلقة لعنان العقول المفكرة بلا قيد ولا ضابط، بل لابد من أن يُفهم القرآن أولاً بفهم وتفسير رسول الله ﷺ ، ثم في ضوء القواعد الكلية، ثم في ضوء اللغة العربية، ثم في ضوء إجماع الصحابة، فلابد من أن يكون مؤسساً على أسس الاجتهاد الصحيح الذي لابد لصاحبه من أن يكون عالماً بكتاب الله عالماً بسنة رسول الله عالماً بلغة العرب عالماً بأسباب القياس عالماً بإجماع الأمة من قبله؛ فليس الأمر مطلقاً هكذا.
стр. 2052
حكم الخوض في الفتن وذكر بعض أخبار أفغانستان
السؤال
هناك بعض الشباب يخوضون في الفتن ولا يأبهون بها، فمثلاً: أفغانستان وما حدث فيها إذا سُئل أحدهم أجاب وجرح وانتقد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهل من كلمة لهؤلاء -خاصة حفظة كتاب الله- أن يبتعدوا عن الخوض في الفتن، وأن يدعوا الله أن ينصر المجاهدين؟ وهل هناك أخبار جديدة بشأن اختلاف المجاهدين؟
الجواب
لاشك أن الخوض في الفتن من الأمور المطلوب البعد عنها، لكن إن كان للإنسان علم أو بصيرة أو كلمة مسموعة يرى أن لكلامه أثراً ونفعاً فلاشك أنه يتكلم بموجب ما يرضي الله ، وبموجب ما يتفق مع شرع الله .
وأما الأخبار الجديدة فنرجو الله أن تكون الاتفاقات الأخيرة خاتمة لكل خلاف وصراع وشحناء وبغضاء في القلوب وفي العقول وفي التصرفات بين إخواننا المجاهدين، وأن تجتمع -إن شاء الله- كلمتهم، وأن تتفق جهودهم لتعلو كلمة الله ، ولئلا يفجعوا الأمة بعد هذا الجهاد الطويل بهدم هذه المكتسبات، وقد صُرح بوجود الاتفاق على أن يكون رباني رئيس الحكومة، وأن تُعطى للحزب رئاسة الوزراء، ويوقف إطلاق النار، والاتفاق الآن مجمع عليه، ونسأل الله أن يثبت، وأن لا يكون هناك من ينقضه، ولا ننسى كذلك أن هناك منتفعين بهذه الفتنة، وأن هناك من يؤججون نارها.
وفي الداخل هناك فئتان: الشيعة والشيوعيون وبقاياهم، ويوجد هناك في الخارج من يدعمون هذه التوجهات بطرف خفي، بالأسلحة وبعض المنشورات، وعلى رأس أولئك الأمم المتحدة ومن يدعمها أو من يوجهها من القوى الغربية، لكن نسأل الله أن يكون في هذا الاتفاق ما يمنع وقوع بعض الفتن، ونسأل الله أن يحقن الدماء.
والحقيقة أن الأسى قد خالط القلوب، وأن الحزن قد عصر القلوب عصراً شديداً، وكاد كثير من الناس أن يفقدوا الأمل، ولكن المؤمن لا يفقد الأمل، كما قال تعالى: ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
ولاشك أن هذه الفتن هي دروس وعبر، وأن الأمة لم تكن بالقدر من التربية والمقاصد والنوايا الخالصة التي تستحق بها نصر الله، بل عندها قصور، فجعل الله لها من البلاء ما يكفر عنها بعض الذنوب ويلقنها بعض ما أخطأت فيه عن المسيرة الإسلامية.
стр. 2053
حكم وصف الصحابي بالفقر
السؤال
هل يصح أن نقول عن الصحابي بأنه فقير؟ أليس في هذا إساءة أدب مع الصحابة؟
الجواب
إذا لم يذكر ذلك على سبيل التنقص، ولم يذكر أصلاً في وصف الصحابي، وإنما ذكر في وصف الحال وكون الصحابي فقيراً من الدنيا، وأنه غني بالإيمان والتوحيد وصحبة الرسول ﵊ فليس في هذا بأس، وهذا لا يحتاج إلى مزيد تعليق.
стр. 2054
حكم وصل الآيات ببعضها أثناء القراءة
السؤال
قرأت في كتاب (مخالفات الطهارة) أن من مخالفات الصلاة وصل الآيات أثناء القراءة في الصلاة، فما مدى صحة ذلك؟
الجواب
السنة النبوية في القراءة -سيما في الصلاة- أن النبي ﷺ كان يقف على رءوس الآيات، وأنه كان يفصل القرآن تفصيلاً، وقد قال ابن مسعود -كما في صحيح مسلم - (لا تقرءوا القرآن هذاً كهذ الشعر، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة).
فينبغي أن يقرأ وأن يفصل، والسنة الوقوف على رءوس الآيات.
стр. 2055
الخروج من الحرم لتكرار العمرة
السؤال
سمعنا من بعض الإخوة أن كثرة أداء العمرة ليس من هدي رسول الله ﷺ ، فهل هذا صحيح أم لا؟
الجواب
تكرار العمرة بحيث يخرج المرء إلى خارج مكة ثم يدخل إليها مرة أخرى وردت فيه الكراهة عند المالكية، وقد نص على ذلك في نص قوي الإمام ابن القيم في (زاد المعاد)، فالإنسان إذا اعتمر فجاء من خارج الميقات بعد أن كان داخله فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه كرر العمرة في مقام واحد أو من غير أن يكون جاء من خارج الحرم.
وهذا قول المالكية، وذكره ابن القيم، وهو مقتضى سنة رسول الله ﷺ ، فلو كان في تكرارها والخروج للحل والعودة مرة أخرى فضيلة وخير عظيم لكان الرسول ﵊ قد فعله وأرشد إليه، فالتزام سنة النبي أولى وأتم وأكمل.
стр. 2056
علاج قسوة القلب
السؤال
أجد في قلبي قسوة حتى عند قراءة القرآن وعند سماعه، فما توجيهكم؟
الجواب
كلنا ذاك الرجل، ونسأل الله أن يرزقنا لين القلوب والخشية فيها، ولابد من أن الإنسان يستحضر المعاني عند قراءة القرآن وسماعه، كما قال النبي ﵊: (إن لم تبكوا فتباكوا)، فليستحضر الإنسان هذه المعاني حتى يكون في هذا الجانب خاشعاً مع كلام الله .
стр. 2057
ترتيب سور القرآن وآياته توقيفي
السؤال
على أي أساس رتبت سور القرآن؟
الجواب
القول الذي فيه إجماع أن القرآن رتب ترتيباً بأمر رسول الله ﷺ ، وأن هذا الترتيب توقيفي لا اجتهاد فيه، ولذلك لم يحصل اختلاف في ترتيب آية ولا سورة ولا موضع كلمة في كتاب الله .
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2058
القرآن والحياة [٢]
هناك مهمات ينبغي على المسلم أن يعلمها وهو يسير إلى الله تعالى، أهمها معرفة عظمة هذا الدين، ومعرفة عظمة النبي المرسل ﷺ ، ومعرفة حسن الصلة بالله ﷻ ، ومعرفة حقارة الدنيا؛ كل هذه الأمور يصل العبد بإدراكها إلى القوة في الدين وبلوغ أعالي التربية الإيمانية الحقة.
стр. 2059
أهمية معرفة عظمة الدين
الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعظمت صفاته، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، من سأله أعطاه، ومن التجأ إليه كفاه، ومن توكل عليه حماه.
نحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن الوحي والرسالة والدين والإيمان خطب جليل، وحمل ثقيل لابد من أخذه بقوة ومن حمله بأمانة ومن أدائه بكفاءة، ولذلك الخطاب للرسل والأنبياء وأقوامهم وأممهم أن يأخذوا دين الله بقوة، وأن يكون الدين عظيماً في القلوب والنفوس، مقدماً في الواقع والممارسة.
وهذا الحديث له أهميته بالنسبة لنا جميعاً، لا يختلف في ذلك رجل عن امرأة، ولا شاب عن شيخ، ولا عالم عن عامي؛ لأننا جميعاً مسلمون، ولأننا جميعاً مكلفون، ولأننا جميعاً من بعد بين يدي الله محاسبون كل بحسبه وكل وفق طاقته وقدرته، كما قال جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
إنها الطريق إلى القوة في الدين، فكيف نصل إلى هذه المرتبة؟ وكيف نعالج ضعف اهتمامنا بديننا وقلة غيرتنا عليه وعدم استنفاد طاقتنا في سبيله؟ هذه معالم أحسب أن فيها شيئاً من الذكرى والعظة.
أولاً: معرفة عظمة الدين: إن كل أمر يكون اهتمامك به بقدر عظمته، وبقدر كماله، وبقدر ما فيه من النفع والفائدة المعنوية والحسية، فهل هناك ما هو أعظم من دين الإسلام؟! قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فهذه آية عظيمة سبقها إشهاد الله ملائكته، وإقراره جل وعلا بشهادته بوحدانيته، ثم بالتثبيت والتوكيد على أن الدين عنده هو الإسلام، والمقصود أن الدين المقبول عند الله هو الإسلام، كما قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، هذا الدين أكمله الله وأتم به النعمة، كما قال : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فهل هناك أعظم مما أكمله الله جل وعلا وأحكمه؟ وهل هناك أفضل وأنفع وأصلح مما اختاره الحق ورضيه؟ فما بال القلوب والعقول لا تلتفت إلى هذا التعظيم؟ قال حاكياً عن يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، فهذا الدين هو اختيار الله لنا، وهو هدايته إلينا، وهو الذي أراد به فلاح دنيانا ونجاة أخرانا، فذلك أعظم نعم الله على الإطلاق، وذلك أجل وأكمل وأبلغ فضل من الله علينا؛ لأن هذا الدين هو الدين الخاتم الذي أراد الله به لنا كل ما يبحث عنه غيرنا ممن ضل عن هذا الدين أو ممن فرط في التمسك به وتعظيمه وتقديمه، قال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
ولا تعرف النعم إلا بأضدادها، فانظر إلى الناس من حولك، وانظر إلى الكفرة والفجرة البعيدين عن حياض الإيمان وظلال الإسلام، أليسوا قد ملكوا متع الدنيا وشهواتها؟! أليس بأيديهم أسباب السعادة الدنيوية بكل ألوانها؟! ثم من بعد ألا ترى ضيق صدورهم؟! ألا ترى كدر وجوههم؟! ألا ترى شقاء حياتهم؟! ألا ترى فقدان أمنهم؟! ألا ترى انحلال أخلاقهم؟! ألا ترى ضياع أبنائهم؟! ألا ترى سواد وجوههم وحياتهم؟! قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
إنها مسألة مهمة؛ لأن الله جل وعلا قد ساقها لنا في سياق المقارنة فقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] فانتبه لهذا المعنى، وتدبر هذه المقارنة، قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] إن نعمة الإسلام انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وسكينة النفس، ونور البصيرة، ومعرفة الحق، واكتشاف التباس الباطل، إنه كل ما يريده الإنسان من راحة باله، وسعادة نفسه، ولذة روحه، إنه الذي يبحث عنه كل إنسان حي في هذه الحياة الدنيا ليجد ما تسكن به نفسه ويطمئن به قلبه.
ثم انظر إلى المقابلة التي جاءت في سياق عطف مباشر في قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] فمن لم يأخذوا هذا الإسلام فهم قساة قلوب غلاظ أكباد، لا يعرفون حقيقة حقوق الإنسان، ولا يقيمون العدل ولا يلتفتون إليه، تتكشف بذلك الحقائق، وتتعرى هذه الحقائق عن بهارجها وزخارفها وأقوالها الباطلة ودعاياتها المضللة، ثم يخبرنا الحق بأن هذا المصير وهذا المسلك هو الضلال المبين الواضح، فكم نحن في نعمة من الله ، بل قد جاء المثل القرآني بأبلغ تصوير وأجل وأدق تشبيه في قوله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] ذلك هو مثل ما من الله به علينا، ومثل العظمة والمنة التي ساقها الله إلينا، يوم شرح صدورنا بالإسلام، فأصبحنا أحياء قلوب ونفوس، وغيرنا أحياء بالأجساد والأشباح، وقلوبهم مظلمة، ونفوسهم ميتة، ولذلك يسيرون متخبطين في ظلمات بعضها فوق بعض، لا يرون الحق والهدى، ولا تنكشف لهم أنوار البصر والبصيرة.
إذا أدركنا ذلك فإننا نستحضر المزيد والمزيد من عظمة ديننا، ومن عظمة منة الله علينا بهدايتنا لهذا الدين.
أفلا يستحق هذا الدين العظيم أن نعلق به قلوبنا، وأن نجعله نصب أعيننا، وأن نجعله قائدنا في مسيرتنا، وحاكمنا وضابطنا في تصرفاتنا كما ينبغي أن يكون الدين الحق في حياة أمة الإسلام والمسلمين؟! فالأمر أوسع من أن تحيط به كلمات.
ولنقف مع عظمة القرآن، وكلام رب الأرباب وملك الملوك جبار السموات والأرض، قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وقال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢] فالقرآن شفاء حيرة العقول، وشفاء اضطراب القلوب، وشفاء شقاء النفوس، وشفاء أمراض الأبدان، كل ذلك في القرآن الذي هو بين أيدينا مطبوع في أحسن الحلل، مسموع بشتى الأصوات، لكن أين مكانه؟! وأين وجوده في واقع حياتنا؟! وأين تعظيمه إذا تلي علينا وإذا سمعنا أمره ونهيه؟! ألم نستمع لقول ابن مسعود ﵁: (إذا سمعت (يا أيها الذين أمنوا) فأرعها سمعك فإنها إما أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه)؟! ألم نعرف ما قاله الحسن البصري ﵀: (إن القرآن رسائل من الله إليكم، فاقرءوا رسالته وعظموها حق قدرها)؟! وهذا باب واسع.
стр. 2060
أهمية معرفة عظمة النبي ﷺ
ثم لابد من معرفة عظمة خير الخلق محمد ﷺ ، النعمة المسداة، والرحمة المهداة، خير خلق الله، وخاتم رسل الله ﷺ ، أليست هذه منة عظمى من الله علينا أن بعث فينا ولنا محمداً ﷺ الذي اصطفاه من خلقه، كما قال ﷺ : (فأنا خيار من خيار من خيار)، والذي قال الله في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]؟! ألا نقدر جهاد رسولنا قدره؟! ألا نعرف كيف بلغنا دينه وكيف نقل لنا كلام الله ؟! وكيف كانت شفقته العظيمة، وقلبه الرقيق الرحيم، كما قال عنه : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]؟! أفليست عظمة رسولنا ﷺ جديرة بأن نعظم أمره ونهيه وسنته ودينه الذي حمله إلينا وقرآن الله جل وعلا الذي بلغه إيانا، أم أننا نريد الانتساب إلى رسول الله ﷺ بمجرد ذكره أو مدحه، أو بمجرد ذكر بعض مناقبه ومآثره ﵊؟! إن الأمر أعظم من ذلك، وإن أصحاب محمد ﷺ وإن آل بيته الأطهار عندما كانوا معه فعلوا الأعاجيب، ذادوا عنه بصدورهم، وجعلوها دروعاً وتروساً تتلقى الرماح والسهام والسيوف، وأحدهم يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله.
كذلك فعلوا، ولقد شرقوا وغربوا وبلغوا دينه وحملوا رسالته وأقاموا سنته وحاربوا كل من نقض دينه، أليس هذا هو الذي فعله أصحاب محمد ﷺ ؟! فهذا تابعي يخاطب حذيفة بن اليمان أمين سر رسول الله ﷺ في المنافقين: كيف كنتم مع رسول الله ﷺ ؟ أي: كيف كانت حياتكم معه.
قال: (كنا -والله- نجهد) أي: نتعب.
فلم تكن المسألة سهلة، ولم يكن غرضهم وفرحهم بمجرد وقوفهم إلى جانبه ﷺ ، ولم يكونوا يبحثون عن فخر ظاهري، بل كانوا يعلمون أن صحبته لها ضريبة، وأن الانتساب إلى أمته له شرف لابد من أدائه، قال: (كنا نجهد) فقال ذلك التابعي بغلبة حب وفيض عاطفة: (والله لو كنا معه ما تركناه يمشي على الأرض) أي: لحملناه على أعناقنا.
لقد كان يعبر بصدق، فقال له حذيفة: (لو كنت معنا يوم الأحزاب، يوم قال رسول الله ﷺ : (من يأتيني بخبر القوم.
فلم يقم أحد، وفي القوم أبو بكر وعمر، فقال: من يأتيني بخبر القوم وأضمن له الجنة.
فلم يقم أحد، وفي القوم أبو بكر وعمر، حتى قال رسول الله: قم يا حذيفة.
فلم أجد بداً من ذلك) إنها مراحل عصيبة وأوقات رهيبة ومحن ممحصة دخل فيها أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانوا معه، وكان في مقدمتهم.
وهذه العظمة كلها في دين الله، وفي كتاب الله، وفي ذات وشخص رسول الله ﷺ ، ألا تستحق أن تكون أعظم شيء في حياتنا، وأن تكون هي شغلنا الشاغل ومحور حياتنا الذي تدور فيه كل مجالات حياتنا وخواطر عقولنا ومشاعر نفوسنا وجهدنا في أبداننا وأوقاتنا وغير ذلك؟!
стр. 2061
أهمية معرفة حقارة الدنيا وحقيقتها
أنتقل إلى أمر ثانٍ، وهو معرفة حقارة الدنيا وحقيقتها، فما الذي ينافس ديننا؟ وما الذي يشغلنا عن قرآتنا؟ وما الذي يصرفنا عن هدي وسنة وسيرة رسولنا ﷺ ؟ أليس الصفق في الأسواق؟! أليس اللهو والبحث عن الشهوات؟! أليس التنافس على فتات الدنيا؟! قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] ثم ماذا من بعد ذلك كله؟ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد:٢٠] ثم ما هو الأمر من بعد الدنيا كلها؟ آخرة وحساب وثواب أو عقاب، جنة أو نار، فهل تساوي هذه الدنيا أن تكون هي المقدمة وهي التي سكنت النفوس وتربعت على عروش القلوب؟ وهل يصح عندك -أيها المؤمن! يا من سمعت حديث رسول الله ﷺ وهو يقول: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) - أن تكون الدنيا أوكد همك وأعظم شغلك؟ ألم تستمع لحديث المستورد بن شداد ﵁ عندما يخبره النبي ﷺ : (إن الدنيا كلها ومتاعها لو أن الله أعطاها كل من سألها من بر وفاجر لا تنقص من ملك الله إلا كما يغمس أحدكم المخيط في ماء البحر ثم يخرج به)؟ أليس الرسول ﷺ قد ضرب المثل لأصحابه من نفسه وضربه في المواقف المتنوعة فقال: (ما لي وللدنيا؟ إنما أنا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم قام وتركها)؟! أليس هو الذي صلى فتعجل في صلاته ﷺ ، ثم سلم وانفتل وخرج مسرعاً وغاب شيئاً من الوقت، ورجع فرأى السؤال على وجوه أصحابه، فقال: (ذكرت شيئاً من تبر -أي: من ذهب- فخشيت أن يحبسني، فأنفقته في سبيل الله)؟! أليس هو الذي مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي؟! فهل هناك من هو أعظم أو أشرف من محمد ﷺ .
وهو الذي لو أراد أن يدعو الله فيحيل له الصفا والمروة ذهباً لاستجاب الله له؟! أليس هو الذي قد جاء فيما صح في لحظات وفاته قوله: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى)؟! ألم يخير بين هذه الدنيا وزينتها واللحاق برفيقه الأعلى فاختار أن يكون إلى جوار خالقه ومولاه ؟! فما بال الأمور تغيرت؟! وما بال الأحوال تبدلت؟! ألسنا نحتاج إلى مثل هذه المحاكمة النفسية والعقلية والقلبية لنتدبر أمورنا ونلتفت إلى أحوالنا؟! ولو أردنا أن نفيض لوجدنا الكثير، ولرأينا كيف بكى عمر ﵁ في موقف من المواقف المؤثرة المعبرة، يوم دخل على رسول الله ﷺ خير خلق الله قاطبة، فإذا به مضطجع على حصير ليس بينه وبينه شيء، فلما قام إذا الحصير له أثر في جنبه، فبكى عمر ﵁ -أي: لأن هذا العظيم على هذه الحالة- فقال ﷺ : (ما يبكيك يا عمر؟! قال: ملوك فارس والروم في النعيم المقيم والدنيا المزينة، ورسول الله ﷺ على حصير يؤثر في جنبه!)) -لقد رأى ذلك عمر فعز عليه مع عظمة المصطفى ﷺ أن يكون هذا حاله- فقال له ﵊: (أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم) فهو المعلم الأعظم ﷺ ، ولم يكن شيء عنده عظيماً إلا أمر الله ودين الله ورسالة الله، وما وراء ذلك قيمته متأخرة، وحقيقته كما شبه ونبه وذكر أصحابه عندما مر بجدي ميت أسك -أي: مقطوع الأذن- فقال: (من يشتري هذا بدرهمين؟ فلم يتكلم أحد، فقال: من يشتريه بدرهم؟ فتكلم بعض الصحابة وقالوا: يا رسول الله! لو كان حياً لكان عيبه مانعاً من شرائه.
فقال: والله للدنيا على الله أهون من هذا على أحدكم) لقد صور النبي ذلك تصويراً بليغاً بلسان الحال ولسان المقال وبضرب المثال، وبعد ذلك كله احسب كم من أوقاتنا لدنيانا؟! وكم من فكرنا وشغلنا لدنيانا؟! وكم من همنا وغمنا وحزننا لدنيانا؟! وكم في مقابل ذلك لديننا وأمتنا ودعوتنا؟! أحسب أنها قسمة ليست عادلة، وأنها مرجوحة إلى ما لا ينبغي أن يكون راجحاً.
стр. 2062
أهمية معرفة سنن الله الكونية
ننتقل إلى أمر ثالث، وهو معرفة سنن الله .
فلا ينبغي أن يدب اليأس إلى النفوس بحال من الأحوال إذا تعلقت القلوب بالله وإذا عرفت سنته الماضية، قال : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] فليس هناك لأمة الإسلام هزيمة ماحقة ولا استئصال تام أبداً قطعاً ويقيناً، فقد قال ذلك رسول الله ﷺ في الدعاء الذي دعا به لربه ومولاه أن لا يستأصل أمته بسنة بعامة، ثم كذلك الشرط مربوط بمشروطه، وذلك في قوله : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
فنحن نستطيع أن نغير وجه الدنيا كلها، ونستطيع أن نقيم أعلام ديننا وننشر راياته في شرق الأرض وغربها، ونستطيع أن نواجه كل الأعداء مهما بلغت قواهم إذا أخذنا بهذه السنن، قال : ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣] وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢] إنها مسألة مهمة تجعلنا أقوى ارتباطاً بديننا، وأشد تمسكاً به، وأعظم يقيناً بنصره وعزه وانتشاره، قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى لا يكون بيت شجر ولا حجر ولا مدر إلا ودخله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل) ذلك هو حديث رسول الله ﷺ ، والله يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] وهذه مسألة مهمة في قوة ديننا ويقيننا بديننا بإذن الله .
стр. 2063
أهمية معرفة سير الأنبياء والعلماء والدعاة والصالحين
الأمر الرابع -وهو مهم جداً- معرفة سير الأنبياء والعلماء والدعاة والصالحين.
أولئك الذين جعلوا أرواحهم على أكفهم، أولئك الذين سخروا أموالهم لدينهم، أولئك الذين جعلوا حياتهم كلها نموذجاً مثالياً لأمر الله ولأمر وهدي رسول الله ﷺ ، فانظر إلى رسل الله وإلى أنبيائه، ألم يقف موسى ﵇ وأمامه البحر ومن خلفه فرعون وجنوده في لحظة من اللحظات التي سدت فيها الأبواب وأظلمت الدنيا وانقطعت الأسباب؟ فقال قومه وهم ليسوا على مثل إيمانه ويقينه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] وجاءوا بالصيغة المؤكدة، أي أنه لا مجال للنجاة مطلقاً، فجاء جواب اليقين ولسان الإيمان: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] أي: لن تكون هذه هي النهاية؛ لأن وعد الله لم يتم، ولأن سنته لا تكون كذلك، فأي شيء كان بعد؟ قال : ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] فنجا موسى ومن معه، وغرق وهلك فرعون ومن معه في لحظات؛ لأن القوة الإيمانية واليقينية عند موسى ﵇ كانت تمثل هذه القوة التي نبحث عنها وندعو إليها ونتواصى بها ليعود البحر من جديد فينفلق؛ لأن سنة الله واحدة، وإن تغيرت الصور والأشكال.
وهذه قضية مهمة، وليس ذلك في شأن الرسل والأنبياء فقط، لكننا نأخذ العبرة الأولى منهم، قال عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥] فلمَ كانت الإجابة؟ لأن نوحاً ﵇ دعا ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولأن نوحاً دعا سراً وجهاراً، ولأن نوحاً لقي العناء وصبر، ولأن نوحاً ﵇ لم يكن معه إلا قلة قليلة، وثبت على دين الله ونسي دنياه، ومع ذلك جاءته النتيجة الخاتمة لهذا كله كما قضى الله ، وهكذا نمضي فنرى هذا على ما هو عليه.
نسأل الله أن يعظم الإيمان واليقين في قلوبنا، وأن يجعل ديننا وإسلامنا أوكد همنا، وأعظم شغلنا، وأعظم ما نُعنى به؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2064
أهمية حسن الصلة بالله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أجل وأبرز صور التقوى أن يكون الدين مقدماً على كل شيء معتنىً به، وهو الذي ينبغي أن يكون كذلك في واقع حياتنا، ولعلي أشير إشارة خاتمة في هذا المقام هي بمثابة ما يذكرنا بما مضى كله، ويعيننا عليه بإذن الله كله، إلا وهو حسن الصلة بالله إخلاصاً وتجريداً لتوحيده ، وصدقاً في التوكل عليه، ودواماً في الإنابة إليه، واستحضاراً لمراقبته إيانا، وحياءً من مخالفتنا إياه، كل هذه المعاني هي التي تجعل الدين والقرآن والسنة في قلوبنا حية حاضرة، فإذا جاءت النقمة أو حلت الفتنة فلا صارف لها إلا الله ، كما قال عن يوسف ﵇: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف:٣٤] وكلما عظمت الخطوب أو اشتدت الكروب فلا فارج لها إلا الله، كما قال : ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] كلا والله! فينبغي أن نعظم الإيمان به ، وأن نجرد التوحيد له جل وعلا، فلا تعلق بغيره، ولا دعاء ولا استعانة ولا استغاثة بغيره، ولا تعويل ولا توكل ولا اعتماد ولا ثقة بغيره ، ولا خوف ولا رهبة ولا رجوع إلا من خوفه ، ويوم نجاهد أنفسنا في ذلك ونستعين الله فيه يكون لنا أثر عظيم في كل ما سبق، ولا شك أن من حسن الصلة بالله حسن عبادته، فلماذا المساجد قد خوت من المصلين؟! ولماذا المصاحف قد جانبها القارئون والتالون؟! وهكذا لعلنا نراجع أنفسنا ونحن نعلم اشتداد الخطوب وتعاظم الكروب، ولكننا نوقن أن التغيير لا يكون إلا وفق منهج الله ، ووفق ما جاء وفعله رسوله ﷺ يوم ربى وغرس الإيمان في القلوب، واصطفت وراءه الصفوف بالصلاة، وصبر وكظم غيظه يوم لم تكن عنده قوة، ثم أنزل الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، فانبرى النبي ﷺ لإعلاء كلمة الله ونشر دين الله ورفع راية الجهاد في سبيل الله، ففتح الله له القلوب، كما فتح له الدور والبلاد.
وهكذا تدور الدورة مرة أخرى، وهي تبدأ حقيقة من الأم التي ترضع ابنها وتغذيه وتعلمه وتربيه على معاني الإيمان والإسلام، إنها حينئذ تعد أسلحة أقوى من الأسلحة الذرية التي يخوفوننا بها؛ لأنها تعد أسلحة الإيمان واليقين، وأسلحة الإسلام والخلق، وأسلحة العمل الصالح، وأسلحة الدعاء المستجاب، إنها حينئذٍ تجعل لنا في كل بيت ثكنة إيمانية إسلامية عظيمة لا يمكن بحال من الأحوال أن تهزم في مواجهة أو ميدان.
نسأل الله أن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يعيد اليقين في نفوسنا، وأن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب.
اللهم! طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، واهد بصائرنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وخلص نياتنا، واجعلنا من عبادك الصالحين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم! اجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وأحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.
اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وان تجعلنا هداة مهديين.
اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب العالمين.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه.
اللهم! إنا ندرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك -اللهم- من شرورهم.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك.
اللهم! اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وفرق كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، ورد كيدهم في نحرهم، واجعل بأسهم بينهم.
اللهم! يا رب العالمين! انزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، وانتقم لنا منهم، واشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم! أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين.
اللهم! رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين والمضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، وقو وحدتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم! اجعلنا من عبادك الصالحين، واكتبنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2065
القرآن والحياة [٣]
الدين الإسلامي دين عظيم، وأمانته جسيمة ورسالته ثقيلة، ولا يمكن لأحد أن ينال شرف حمل الأمانة ونشر الرسالة وهو نائم ملء عينيه، آكل ملء بطنه، غارق في شهواته، بل لابد من صبر وتحمل للمشاق والمصاعب، وبذل للغالي والنفيس في سبيل هذا الدين.
стр. 2066
أهمية القوة في الدين
الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه، وأسدل علينا ستره، وأعاننا على ذكره، ووفقنا لشكره، له الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله إلى الناس كافة أجمعين, وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن القوة في الدين مسألة مهمة نحتاج إلى بيانها والتذكير بها والتواصي على العمل بموجبها؛ لأن واقعنا اليوم يدعونا إلى ذلك بأعظم وأكثر الدعوات إلحاحاً وقوة، فينبغي لنا -أولاً- أن نفهم المراد بالقوة في الدين، وأن نعرج على صور ومجالات هذه القوة في ميادينها المختلفة، ثم نأخذ الوسائل المعينة على ذلك والموصلة إليه بعون الله .
فدين الإسلام هو الدين العظيم، الدين الخاتم الذي أنزله الله على الرسول الكريم العظيم ﷺ ، فختم به الرسالات، وأتم به النعمة، ورضيه للبشرية ديناً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلابد من أن ندرك عظمته، وأن نعرف قيمته، وأن نستشعر أهميته، وأن نوقن بفائدته وبثمرته وبحاجتنا إليه في دنيانا وبنفعه وخيره في أخرانا، ليكون من بعد هو قطب رحى حياتنا، ومحور خفقات قلوبنا ومشاعر نفوسنا وكلمات ألسنتنا وخواطر عقولنا وحركات جوارحنا، وليكون هذا الدين هو الذي يظهر في واقعنا في كل حركة وسكنة في مواقفنا مع إخواننا وأحبابنا، ومع خصومنا وأعدائنا، وليكون الدين -كما أراد الله هو جوهر هذه الحياة، وهو المؤهل للنجاة فيما وراء هذه الحياة.
стр. 2067
ثقل الدين وعظمته
ليس الدين أمراً سهلاً أو تافهاً والعياذ بالله! فأين مكانه من اهتمامنا؟! وأين وضعه في سلم أولوياتنا؟! وأين هو من همنا وغمنا؟! وأين هو من فكرنا وشغلنا؟! وأين هو من وقتنا وجهدنا؟! وأين هو من بذلنا ومالنا؟! وأين هو من أرواحنا ونفوسنا؟! أما إن الدنيا ومشاغلها والأهواء وجواذبها قد نازعت الدين فأخرته حتى جعلته وراءنا ظهرياً، فنحن اليوم لا نهتم أو نغتم به ولا نفكر أو ننشغل في أموره وأحواله، ذلك أمر أحسب أن الحق فيه واضح جلي، وأن المصارحة لكل أحد فيما بينه وبين نفسه تكشف حقيقة تحتاج إلى مراجعة وتقويم لننطلق إلى تصوير هذه القوة في الخطاب القرآني لسيد الخلق محمد ﷺ أشرف الناس نفساً وأثبتهم قلباً وأقواهم يقيناً وأعظمهم إيماناً، الذي خاطبه الله جل وعلا فقال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] فليس الأمر بالهين، وليس مسألة عارضة ولا مهمة خفيفة.
قال ابن عطية في تفسيره عند هذه الآية: قال حذاق العلماء: ثقل المعاني من الأمر بالطاعات والتكاليف الشرعية من الجهاد ونحوه، ومزاولة الأعمال الصالحة دائماً.
ثم نقل عن الحسن البصري قوله: الهذ خفيف، ولكن العمل ثقيل.
أي أن تهذ بلسانك، وأن تدعي بقولك، وأن تتشدق بكلماتك، وأن تغر الناس بمظهرك، كل ذلك سهل، وللأسف أن كثيراً من أبناء أمتنا اليوم يحسنون القول ولا يجيدون العمل، فالعمل ثقيل.
ونقل البغوي عن الفراء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] قال: هو ثقيل ليس بالخفيف والسفساف؛ لأنه كلام ربنا.
أليس الدين هو كلام الله؟! فهل هناك ما هو أعظم وأثقل وأجل من كلام رب الأرباب وملك الملوك ؟! لو جاءتنا رسالة من أمير أو مسئول لفرحنا بها، ولعظمنا أمرها، ولرفعنا من شأنها، ولكن كلام ربنا وآياته المنزلة وأحكامه المشرعة لا تنزل من القلوب منزلها، ولا تنال من التشريف والتعظيم حقها! ونقل ابن الجوزي عن الزجاج أنه قال: قول ثقيل أي: له وزن في صحته وبيان نفعه، كقولك: قول رصين.
أي: ثقيل له مضمون وله نفع وفائدة وله مغزى وله قيمة.
فقوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، أي: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه.
وكذلك أراد الله جل وعلا في شأن نبينا ﷺ أن يجمع بين الأمرين: الثقل المعنوي الذي سنجليه ونوضحه، وكذلك الثقل الحسي، فإن المصطفى ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي علته الرحضاء، كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (إن كان لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقاً) وقد روى زيد بن ثابت: (أنه نزل الوحي على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذه، قال: فكادت فخذه أن ترض فخذي)، وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي وهو على ناقته بركت به الناقة من ثقل الوحي، وكان يرى ثقل الوحي عليه ﷺ ، وعندما نزل جبريل لأول مرة بالوحي هل كان نزوله خفيفاً هيناً؟! وهل كان سهلاً؟! إنه نزل عليه وهو في خلوة وحده، ثم راعه بمفاجأته، ثم قال له: (اقرأ) فلما قال: ما أنا بقارئ قال ﵊: (فأخذني فغطني -أي: ضمني- حتى بلغ مني الجهد -أي: التعب والشدة- ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم الثالثة كذلك) لأن أمر الدين عظيم، ولأن رسالته ثقيلة، ولأن أمانته عظيمة، فلا يمكن أن تتلقاه وأنت تريد ركوناً إلى دنياك، واستمتاعاً بشهواتك، ورضوخاً إلى أهوائك، واستسلاماً لضعفك، واستمساكاً بحياتك.
стр. 2068
تعريف الأمانة وأقسامها
انظر إلى الصورة القرآنية الأخرى والعظمى في قوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فأي أمانة أعظم من هذه الأمانة التي تخلت عن حملها السماوات السبع والأرضون السبع والملائكة المسبحة بحمد الله، والجبال الراسخة وحملها الإنسان؟! إنها أمانة التكليف بالأوامر والنواهي، والأخذ بدين الله، والقيام بأمره، وترتب على ذلك الشرط ثواب على الإحسان، وعقاب على الإساءة، ورفعة عند الرحمن لمن قام بذلك وأدى واجبه، أو دنو وسفل وسخط وغضب من الجبار لمن خالف وأخلف، نسأل الله السلامة.
وابن كثير بعد أن سرد أقوالاً من أقوال السلف في شأن هذه الأمانة قال: أقوالهم متفقة وراجعة إلى أنها التكليف بقبول الأوامر والنواهي بشرطها.
وقال السعدي مؤكداً هذا المعنى: الأمانة التي ائتمن الله عليها المكلفين هي امتثال الأوامر واجتناب المحارم في حال السر والخفية كما في العلانية.
ثم بين ما يتعلق بالآية التي بعدها فقال: فانقسم الناس بحسب قيامهم بها -أي: بهذه الأمانة- إلى ثلاثة أقسام: منافقون أظهروا أنهم قاموا بها ظاهراً لا باطناً، ومشركون تركوها ظاهراً وباطناً، ومؤمنون قائمون بها ظاهراً وباطناً، ومن هنا جاءت الآية التي بعدها: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣]؛ لأن الذين قبلوا الأمانة واجتهدوا فيها قد يقصرون، وقد يخطئون، وهذه من طبيعة البشر، فمنَّ الله عليهم بتوبته لما صدقوا في أداء أمانته وأخلصوا دينهم ونيتهم في القيام بواجبهم لربهم .
стр. 2069
أوامر الله وخطابه الأمم السابقة
ثم انظر إلى ما يقص علينا القرآن وما يبسطه لنا من شأن الأمم السابقة، وكيف كانت أوامر الله لهم، وكيف كان خطابه للرسل والأنبياء قبل محمد ﷺ ، كقوله سبحانه: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] فليس في دين الله هزل ولا لعب، ولا يليق بمسلم تتنزل عليه آيات القرآن التي بلغها رسول الله ﷺ أن يكون لاهياً عابثاً غارقاً في شهواته ليس لديه أمانة يحملها ولا مهمة يؤديها ولا رسالة يبلغها ولا دعوة ينشرها ولا إيمان ينافح عنه ولا يقين يستمسك به، فذلك أمر مهم (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) أي: بجد واجتهاد.
وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه وفهم معانيه والعمل بأوامره ونواهيه، فهذا هو تمام أخذ الكتاب بقوة.
وانظر إلى هذه الكلمات: حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره.
ذلك هو الواجب، وتلك هي الأمانة.
قال ابن عطية: العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام بلوازمه.
فأين نحن من ذلك؟! هل أخذنا الدين بقوة؟! هل حملنا الكتاب بقوة؟! هل أوجدنا في أنفسنا تهيؤاً نفسياً لتحظى آيات الله وسنة رسوله ﷺ وأوامر الدين وشرائعه ومهماته وقضاياه بالأولوية في حياتنا والتأثير الأبلغ في نفوسنا وقلوبنا والانشغال الأكبر في عقولنا وأفكارنا؟! ثم انظر كذلك إلى الخطاب الذي كرره الله جل وعلا في غير ما آية في قصة بني إسرائيل، وهم الذين جعلهم الله لنا عبرة نرى مواطن الخلل التي كانوا عليها لنجتنبها، ونرى بعض ما وفق الله له المخلصين والصالحين منهم لنكون على أثرهم وعلى أثر الكمال الأعظم الذي جاء به بعد ذلك رسولنا ﷺ .
ألم يخاطب الله جل وعلا بني إسرائيل بقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]؟! وقد خاطب قبل ذلك موسى ﵇ بقوله: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ [الأعراف:١٤٤] أي: بقوة.
وقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) قال ابن عباس: بجد واجتهاد.
وقيل: كثرة درس.
وقال ابن زيد: معناه: بتحقيق وتصديق.
وقال ابن عطية: بعزم ونشاط وجد.
وقال البغوي: بجد واجتهاد ومواظبة.
وزاد السعدي: وصبر على أوامر الله.
стр. 2070
وجوب الصبر في تحمل الدين
إنه أمر العمل، وقبله أمر الفهم والعلم، ومعه أمر الاستقامة والمواظبة، ويحدو ذلك كله الصبر والمصابرة والمجاهدة، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧].
فلنصبر في حمل دين الله، ولنثبت في المواقف الممحصة، أما أن نختار الذي هو أدنى ونرضى بالركون إلى الأرض والخلود إلى الدنيا فهذا لا ينبغي، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] فما الذي ترضاه لنفسك؟ وأين أنت من نبيك ﷺ وأشراف أمتك من علمائها وقوادها وأخيارها ودعاتها وصلحائها؟ فهل نريد أن نكون مع العابثين المغنين الراقصين؟! وهل نريد أن نكون مع اللاعبين المحترفين والمحترقين؟! وهل نريد أن نكون مع السادرين الغافلين النائمين؟! إن أمتنا تذبح كل يوم ألف مرة، وأعراضها تنتهك في كل قطر، وأحوالها تدعو إلى أن تتحرك القلوب وأن تحيا النفوس وأن تستيقظ العقول وأن تتحرك الهمم وأن ترتفع وتشحذ العزائم، فأين أنت من ذلك؟ تأمل أخي المسلم حالنا لو أننا أخذنا ديننا بقوة، ولو أننا حملنا أمانتنا بعزم، ولو أننا تأسينا برسول الله ﷺ .
ألا نعرف ما كان يقوله، بل ما كان يفعله، بل ما تجلى في مواقف سيرته يوم خرج مهاجراً طريداً من مكة، ويوم كسرت رباعيته وسال الدم على وجهه الشريف وهو يقول: (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ويوم ربط حجرين على بطنه من شدة الجوع في يوم الأحزاب؟! أما رأينا كيف مر رسول الله ﷺ بالشدائد المعنوية والحسية؟ أما رأينا قوة يقينه وعظمة إيمانه وشدة ثباته وزهده في دنياه وتعلقه بأخراه؟! أما رأينا كيف حمل الصحابة من بعده الأمانة، وكيف استشعروا ثقل المسئولية؟! أما سمعنا في سيرة أبي بكر ﵁ قوله: (كيف ينتقص هذا الدين وأنا حي؟! والله لو منعوني عقال بعير كان يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم ولو كنت وحدي)؟ أما عرفنا ما كان يقول عمر ﵁ في آخر لحظات حياته: (ليتني أموت كفافاً لا لي ولا علي)؟! فما الذي صنعت يا عمر؟! ألم تكن تهتم وتغتم إذا عثرت بغلة في العراق خشية أن يسألك الله عنها؟! فمن هو المسئول أمام الله عن المئات التي تقتل اليوم في العراق؟! ألسنا مسئولين بكثرة أو بقلة؟ ألسنا معنيين بالأمر مباشرة؟! ومع ذلك عمر ﵁ يقول: (ليتني أموت كفافاً لا لي ولا علي).
أما سمعنا من التابعين من يقول: (ليتني كنت شجرة تعضد)؟ لأنهم عرفوا ثقل الأمانة وعظمة المسئولية، أما عرفنا ابن تيمية ﵀ وهو الذي فعل ما فعل يوم يقول: ما أنا شيء، ولا مني شيء، ولا بي شيء، وما زلت أجدد إيماني وإسلامي كل يوم! هؤلاء هم الذين قاموا بشرف حمل الرسالة والأمانة، ثم استقلوا أعمالهم ولم يروا أنهم أدوا واجبهم, واليوم تخلى كثير منا عن الأمانة وترك أداء الواجب ثم كلامنا يملأ الدنيا صراخاً وادعاءً وكذباً وزوراً وبهتاناً، نسأل الله السلامة.
следующие страницы →