← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

أهمية القوة في الدين الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه، وأسدل علينا ستره، وأعاننا على ذكره، ووفقنا لشكره، له الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله إلى الناس كافة أجمعين, وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن القوة في الدين مسألة مهمة نحتاج إلى بيانها والتذكير بها والتواصي على العمل بموجبها؛ لأن واقعنا اليوم يدعونا إلى ذلك بأعظم وأكثر الدعوات إلحاحاً وقوة، فينبغي لنا -أولاً- أن نفهم المراد بالقوة في الدين، وأن نعرج على صور ومجالات هذه القوة في ميادينها المختلفة، ثم نأخذ الوسائل المعينة على ذلك والموصلة إليه بعون الله . فدين الإسلام هو الدين العظيم، الدين الخاتم الذي أنزله الله على الرسول الكريم العظيم ﷺ ، فختم به الرسالات، وأتم به النعمة، ورضيه للبشرية ديناً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلابد من أن ندرك عظمته، وأن نعرف قيمته، وأن نستشعر أهميته، وأن نوقن بفائدته وبثمرته وبحاجتنا إليه في دنيانا وبنفعه وخيره في أخرانا، ليكون من بعد هو قطب رحى حياتنا، ومحور خفقات قلوبنا ومشاعر نفوسنا وكلمات ألسنتنا وخواطر عقولنا وحركات جوارحنا، وليكون هذا الدين هو الذي يظهر في واقعنا في كل حركة وسكنة في مواقفنا مع إخواننا وأحبابنا، ومع خصومنا وأعدائنا، وليكون الدين -كما أراد الله هو جوهر هذه الحياة، وهو المؤهل للنجاة فيما وراء هذه الحياة.

стр. 2067

ثقل الدين وعظمته ليس الدين أمراً سهلاً أو تافهاً والعياذ بالله! فأين مكانه من اهتمامنا؟! وأين وضعه في سلم أولوياتنا؟! وأين هو من همنا وغمنا؟! وأين هو من فكرنا وشغلنا؟! وأين هو من وقتنا وجهدنا؟! وأين هو من بذلنا ومالنا؟! وأين هو من أرواحنا ونفوسنا؟! أما إن الدنيا ومشاغلها والأهواء وجواذبها قد نازعت الدين فأخرته حتى جعلته وراءنا ظهرياً، فنحن اليوم لا نهتم أو نغتم به ولا نفكر أو ننشغل في أموره وأحواله، ذلك أمر أحسب أن الحق فيه واضح جلي، وأن المصارحة لكل أحد فيما بينه وبين نفسه تكشف حقيقة تحتاج إلى مراجعة وتقويم لننطلق إلى تصوير هذه القوة في الخطاب القرآني لسيد الخلق محمد ﷺ أشرف الناس نفساً وأثبتهم قلباً وأقواهم يقيناً وأعظمهم إيماناً، الذي خاطبه الله جل وعلا فقال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] فليس الأمر بالهين، وليس مسألة عارضة ولا مهمة خفيفة. قال ابن عطية في تفسيره عند هذه الآية: قال حذاق العلماء: ثقل المعاني من الأمر بالطاعات والتكاليف الشرعية من الجهاد ونحوه، ومزاولة الأعمال الصالحة دائماً. ثم نقل عن الحسن البصري قوله: الهذ خفيف، ولكن العمل ثقيل. أي أن تهذ بلسانك، وأن تدعي بقولك، وأن تتشدق بكلماتك، وأن تغر الناس بمظهرك، كل ذلك سهل، وللأسف أن كثيراً من أبناء أمتنا اليوم يحسنون القول ولا يجيدون العمل، فالعمل ثقيل. ونقل البغوي عن الفراء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] قال: هو ثقيل ليس بالخفيف والسفساف؛ لأنه كلام ربنا. أليس الدين هو كلام الله؟! فهل هناك ما هو أعظم وأثقل وأجل من كلام رب الأرباب وملك الملوك ؟! لو جاءتنا رسالة من أمير أو مسئول لفرحنا بها، ولعظمنا أمرها، ولرفعنا من شأنها، ولكن كلام ربنا وآياته المنزلة وأحكامه المشرعة لا تنزل من القلوب منزلها، ولا تنال من التشريف والتعظيم حقها! ونقل ابن الجوزي عن الزجاج أنه قال: قول ثقيل أي: له وزن في صحته وبيان نفعه، كقولك: قول رصين. أي: ثقيل له مضمون وله نفع وفائدة وله مغزى وله قيمة. فقوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، أي: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه. وكذلك أراد الله جل وعلا في شأن نبينا ﷺ أن يجمع بين الأمرين: الثقل المعنوي الذي سنجليه ونوضحه، وكذلك الثقل الحسي، فإن المصطفى ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي علته الرحضاء، كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (إن كان لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقاً) وقد روى زيد بن ثابت: (أنه نزل الوحي على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذه، قال: فكادت فخذه أن ترض فخذي)، وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي وهو على ناقته بركت به الناقة من ثقل الوحي، وكان يرى ثقل الوحي عليه ﷺ ، وعندما نزل جبريل لأول مرة بالوحي هل كان نزوله خفيفاً هيناً؟! وهل كان سهلاً؟! إنه نزل عليه وهو في خلوة وحده، ثم راعه بمفاجأته، ثم قال له: (اقرأ) فلما قال: ما أنا بقارئ قال ﵊: (فأخذني فغطني -أي: ضمني- حتى بلغ مني الجهد -أي: التعب والشدة- ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم الثالثة كذلك) لأن أمر الدين عظيم، ولأن رسالته ثقيلة، ولأن أمانته عظيمة، فلا يمكن أن تتلقاه وأنت تريد ركوناً إلى دنياك، واستمتاعاً بشهواتك، ورضوخاً إلى أهوائك، واستسلاماً لضعفك، واستمساكاً بحياتك.

стр. 2068

تعريف الأمانة وأقسامها انظر إلى الصورة القرآنية الأخرى والعظمى في قوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فأي أمانة أعظم من هذه الأمانة التي تخلت عن حملها السماوات السبع والأرضون السبع والملائكة المسبحة بحمد الله، والجبال الراسخة وحملها الإنسان؟! إنها أمانة التكليف بالأوامر والنواهي، والأخذ بدين الله، والقيام بأمره، وترتب على ذلك الشرط ثواب على الإحسان، وعقاب على الإساءة، ورفعة عند الرحمن لمن قام بذلك وأدى واجبه، أو دنو وسفل وسخط وغضب من الجبار لمن خالف وأخلف، نسأل الله السلامة. وابن كثير بعد أن سرد أقوالاً من أقوال السلف في شأن هذه الأمانة قال: أقوالهم متفقة وراجعة إلى أنها التكليف بقبول الأوامر والنواهي بشرطها. وقال السعدي مؤكداً هذا المعنى: الأمانة التي ائتمن الله عليها المكلفين هي امتثال الأوامر واجتناب المحارم في حال السر والخفية كما في العلانية. ثم بين ما يتعلق بالآية التي بعدها فقال: فانقسم الناس بحسب قيامهم بها -أي: بهذه الأمانة- إلى ثلاثة أقسام: منافقون أظهروا أنهم قاموا بها ظاهراً لا باطناً، ومشركون تركوها ظاهراً وباطناً، ومؤمنون قائمون بها ظاهراً وباطناً، ومن هنا جاءت الآية التي بعدها: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣]؛ لأن الذين قبلوا الأمانة واجتهدوا فيها قد يقصرون، وقد يخطئون، وهذه من طبيعة البشر، فمنَّ الله عليهم بتوبته لما صدقوا في أداء أمانته وأخلصوا دينهم ونيتهم في القيام بواجبهم لربهم .

стр. 2069

أوامر الله وخطابه الأمم السابقة ثم انظر إلى ما يقص علينا القرآن وما يبسطه لنا من شأن الأمم السابقة، وكيف كانت أوامر الله لهم، وكيف كان خطابه للرسل والأنبياء قبل محمد ﷺ ، كقوله سبحانه: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] فليس في دين الله هزل ولا لعب، ولا يليق بمسلم تتنزل عليه آيات القرآن التي بلغها رسول الله ﷺ أن يكون لاهياً عابثاً غارقاً في شهواته ليس لديه أمانة يحملها ولا مهمة يؤديها ولا رسالة يبلغها ولا دعوة ينشرها ولا إيمان ينافح عنه ولا يقين يستمسك به، فذلك أمر مهم (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) أي: بجد واجتهاد. وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه وفهم معانيه والعمل بأوامره ونواهيه، فهذا هو تمام أخذ الكتاب بقوة. وانظر إلى هذه الكلمات: حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره. ذلك هو الواجب، وتلك هي الأمانة. قال ابن عطية: العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام بلوازمه. فأين نحن من ذلك؟! هل أخذنا الدين بقوة؟! هل حملنا الكتاب بقوة؟! هل أوجدنا في أنفسنا تهيؤاً نفسياً لتحظى آيات الله وسنة رسوله ﷺ وأوامر الدين وشرائعه ومهماته وقضاياه بالأولوية في حياتنا والتأثير الأبلغ في نفوسنا وقلوبنا والانشغال الأكبر في عقولنا وأفكارنا؟! ثم انظر كذلك إلى الخطاب الذي كرره الله جل وعلا في غير ما آية في قصة بني إسرائيل، وهم الذين جعلهم الله لنا عبرة نرى مواطن الخلل التي كانوا عليها لنجتنبها، ونرى بعض ما وفق الله له المخلصين والصالحين منهم لنكون على أثرهم وعلى أثر الكمال الأعظم الذي جاء به بعد ذلك رسولنا ﷺ . ألم يخاطب الله جل وعلا بني إسرائيل بقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]؟! وقد خاطب قبل ذلك موسى ﵇ بقوله: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ [الأعراف:١٤٤] أي: بقوة. وقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) قال ابن عباس: بجد واجتهاد. وقيل: كثرة درس. وقال ابن زيد: معناه: بتحقيق وتصديق. وقال ابن عطية: بعزم ونشاط وجد. وقال البغوي: بجد واجتهاد ومواظبة. وزاد السعدي: وصبر على أوامر الله.

стр. 2070

وجوب الصبر في تحمل الدين إنه أمر العمل، وقبله أمر الفهم والعلم، ومعه أمر الاستقامة والمواظبة، ويحدو ذلك كله الصبر والمصابرة والمجاهدة، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]. فلنصبر في حمل دين الله، ولنثبت في المواقف الممحصة، أما أن نختار الذي هو أدنى ونرضى بالركون إلى الأرض والخلود إلى الدنيا فهذا لا ينبغي، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] فما الذي ترضاه لنفسك؟ وأين أنت من نبيك ﷺ وأشراف أمتك من علمائها وقوادها وأخيارها ودعاتها وصلحائها؟ فهل نريد أن نكون مع العابثين المغنين الراقصين؟! وهل نريد أن نكون مع اللاعبين المحترفين والمحترقين؟! وهل نريد أن نكون مع السادرين الغافلين النائمين؟! إن أمتنا تذبح كل يوم ألف مرة، وأعراضها تنتهك في كل قطر، وأحوالها تدعو إلى أن تتحرك القلوب وأن تحيا النفوس وأن تستيقظ العقول وأن تتحرك الهمم وأن ترتفع وتشحذ العزائم، فأين أنت من ذلك؟ تأمل أخي المسلم حالنا لو أننا أخذنا ديننا بقوة، ولو أننا حملنا أمانتنا بعزم، ولو أننا تأسينا برسول الله ﷺ . ألا نعرف ما كان يقوله، بل ما كان يفعله، بل ما تجلى في مواقف سيرته يوم خرج مهاجراً طريداً من مكة، ويوم كسرت رباعيته وسال الدم على وجهه الشريف وهو يقول: (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ويوم ربط حجرين على بطنه من شدة الجوع في يوم الأحزاب؟! أما رأينا كيف مر رسول الله ﷺ بالشدائد المعنوية والحسية؟ أما رأينا قوة يقينه وعظمة إيمانه وشدة ثباته وزهده في دنياه وتعلقه بأخراه؟! أما رأينا كيف حمل الصحابة من بعده الأمانة، وكيف استشعروا ثقل المسئولية؟! أما سمعنا في سيرة أبي بكر ﵁ قوله: (كيف ينتقص هذا الدين وأنا حي؟! والله لو منعوني عقال بعير كان يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم ولو كنت وحدي)؟ أما عرفنا ما كان يقول عمر ﵁ في آخر لحظات حياته: (ليتني أموت كفافاً لا لي ولا علي)؟! فما الذي صنعت يا عمر؟! ألم تكن تهتم وتغتم إذا عثرت بغلة في العراق خشية أن يسألك الله عنها؟! فمن هو المسئول أمام الله عن المئات التي تقتل اليوم في العراق؟! ألسنا مسئولين بكثرة أو بقلة؟ ألسنا معنيين بالأمر مباشرة؟! ومع ذلك عمر ﵁ يقول: (ليتني أموت كفافاً لا لي ولا علي). أما سمعنا من التابعين من يقول: (ليتني كنت شجرة تعضد)؟ لأنهم عرفوا ثقل الأمانة وعظمة المسئولية، أما عرفنا ابن تيمية ﵀ وهو الذي فعل ما فعل يوم يقول: ما أنا شيء، ولا مني شيء، ولا بي شيء، وما زلت أجدد إيماني وإسلامي كل يوم! هؤلاء هم الذين قاموا بشرف حمل الرسالة والأمانة، ثم استقلوا أعمالهم ولم يروا أنهم أدوا واجبهم, واليوم تخلى كثير منا عن الأمانة وترك أداء الواجب ثم كلامنا يملأ الدنيا صراخاً وادعاءً وكذباً وزوراً وبهتاناً، نسأل الله السلامة.

стр. 2071

مثال في أقسام بني إسرائيل في حمل الدين خذ هذا المثل القرآني الذي هو بحد ذاته كافٍ في الموعظة والعبرة، ولا يحتاج إلى مزيد تعليق، ساقه الله لنا من قصص الأمم السابقة قبلنا، ومن حال بني إسرائيل على وجه الخصوص، قال : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٦٨ - ١٧٠] فالقصة كاملة، والصورة واضحة، والتفاوت هو الذي يقع في حال أمتنا اليوم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف:١٦٨]، والناس مراتب في الأخذ بدين الله والاستمساك به والحرص على الفرائض والاستكثار من النوافل والتقصير في جانب آخر. قال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف:١٦٨] أي: الفتن والامتحانات، وقال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] فمنهم من سقط ووقع، ومنهم من امتنع وارتفع، ثم جاءت الصورة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ [الأعراف:١٦٩]. قال ابن كثير: من جاء بعدهم لم يكن فيهم صلاح ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ [الأعراف:١٦٩]، استبدلوا كتاب الله وشرع الله ودين الله، وأخذوا الدنيا، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وتخلوا عن دينهم وعن أمانتهم وعن كتاب ربهم وعن تكليف ربهم وأوامره ونواهيه، وركنوا إلى دنياهم، وفضلوا هذا على ذاك، وأخذوا واختاروا الذي هو أدنى. ثم ماذا بعد ذلك؟ بين الحق الأماني والحيل الشيطانية والأوهام النفسية التي يعللون بها أنفسهم: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] ورحمة الله واسعة، لكن انظر إلى حقيقة العمل: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف:١٦٩]، تدور الدائرة مرة أخرى، ويقدمون غير الدين، ويفضلون الدنيا، ويسيرون مع الأهواء ويتركون دينهم وراءهم ظهرياً، ولذا قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف:١٦٩] ذلك حالهم، قال سعيد بن جبير: يعملون الذنب ثم يستغفرون الله، وإن عرض لهم ذلك الذنب أخذوه. وقال مجاهد: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالاً كان أو حراماً، ويتمنون المغفرة. فخاطبهم الله بقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف:١٦٩] فأين الميثاق؟ وأين الأمانة؟ وأين القوة؟ وأين الثقل الذي أنزل عليهم؟ ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف:١٦٩] وأن يثبتوا عليه وأن ينطقوا به وأن يكونوا معه وأن يجعلوا علائقهم مبتوتة أو موصولة استناداً إليه؟ لكنهم كما قال : ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩] ولم يفعلوا ذلك عن جهل، بل هم عالمون بكتاب الله، عارفون بأحكامه، دارسون لتشريعاته، وهل اليوم العلم في أمة الإسلام منعدم؟ وهل المعرفة بكتاب الله معدومة وتفاسيره بالمئات مطبوعة ومسموعة ومنشورة؟ فهل هناك جهل؟ وهل أحد لا يعرف أن مواجهة الأعداء واجبة وأن نصرة الأولياء لازمة؟ وأن الأمر في الأخذ بدين الله أمانة في عنق كل فرد؟ هل مثل هذا غائب؟! ثم ذكر الوصف للناجين المستثنيين من ذلك كله فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف:١٧٠] وهي القراءة التي نقرأها، وهذا التشديد كما تقول العلماء: زيادة المبنى دليل على زيادة المعنى. فهم لا يُمسِكُون بالكتاب بل يُمَسِّكُون، أي -كما قال ابن كثير: اعتصموا به واقتدوا بأوامره وتركوا زواجره. ذلك هو الاستمساك القوي في كل حال وفي كل آن، على نفس الإنسان قبل أن يكون على غيره، وتلك هي النجاة وحدها، وبدونها لا نجاة. نسأل الله أن يجعل الدين في قلوبنا أعظم شيء، وأوكد هم، وأكبر شغل، وأن يجعلنا مسخرين لنصرة دينه عاملين به، ونسأله أن يحفظ إيماننا وديننا. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2072

وجوب الجد في حمل أمانة الدين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، وإن القوة في الدين أمرها عظيم، وحسبنا في مقامنا هذا أن نصل إلى فائدة واحدة وهدف واحد، هو أن نقرر هذا المعنى، وهو أن الدين عظيم وأن أمانته جسيمة وأن رسالته ثقيلة، وأنه لا يمكن لنا أن ننال شرف حمل الأمانة ونشر الرسالة ونحن نائمون ملء عيوننا آكلون ملء بطوننا غارقون في شهواتنا لاهون بدنيانا منشغلون بأزواجنا وأبنائنا، بل لا بد من أن ننتدب إلى حقيقة القوة في أخذ ديننا، وليس ذلك فيه ترك لدنياك، ولا توقف عن عملك، ولا قطع لكسبك ورزقك، فما ذلك في دين الله ، ولكنه الهم الذي يستولي على القلب، والفكر الذي يشغل العقل، والعمل الذي يستنفذ الوقت والجهد، والطاقات التي تسخر كلها بنية صادقة خالصة لنشر دين الله, ولو بكلمة تقولها، ولو بموقف تقفه. فما هي هذه القوة التي نريدها؟ إنها قوة اليقين والإيمان، قوة الطاعة والامتثال، قوة الغيرة والدعوة. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً. اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى. اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم! أنطق ألسنتنا بذكرك، واملا قلوبنا بحبك، واستعمل جوارحنا في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك، واجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين، واجعل -اللهم- أيدينا منفقة في سبيلك، وأقدمنا سائرة إلى طاعتك، وجباهنا خاضعة لعظمتك. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم! إنا نسألك أن توفقنا للصالحات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر لنا ما مضى وما هو آتٍ، برحمتك يا رب الأرض والسماوات. اللهم! اجعل بلدنا آمناًً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، واصرف -اللهم- عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع -اللهم- بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين. اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء. اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك. اللهم! إنهم قد انتهكوا الحرمات، واغتصبوا الأراضي، وأذلوا عبادك المؤمنين، ودنسوا مقدسات المسلمين، اللهم! فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين. اقذف -اللهم- الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين. اللهم! استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، ولا ترفع اللهم لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، ولا تبلغهم غاية. اللهم! ردهم على أعقابهم خاسرين، وسود -اللهم- وجوههم، وأذل أعناقهم، اللهم! أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، واشف فيهم -اللهم- صدر قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم! زد إيمانهم، وعظم يقينهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم! إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جائعون فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم. اللهم! أعنهم على أمور دينهم ودنياهم، وردنا وإياهم إلى دينك رداً جميلاً، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم! صلِّ وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2073

المرأة بين الرعاية والجناية [١] للحجاب أهمية بالغة في حياة المرأة المسلمة، وفي حياة المجتمع بأسره، فهو سد منيع في وجه الفساد، وهو كالحجر يلقم به كل فاسق، وهو دليل على الإيمان الصادق، فرحم الله امرأة أخذت بهذه الشعيرة، فسترت زينتها، وحفظت نفسها.

стр. 2074

الحجاب وأهميته في حفظ المرأة والمجتمع الحمد لله الكبير المتعال، ذي العزة والجلال، الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن كل نقص وإخلال، منه المبتدأ وإليه المرجع والمآل، نحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال، وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، كثرنا الله به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأرشدنا من بعد غواية، وهدانا من بعد ضلالة. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! موضوعنا هو: [المرأة بين الرعاية والجناية]، فنبدي فيه حال وأحكام المرأة بين الرعاية الإلهية والجناية البشرية، وبين رعاية الأحكام الربانية وجناية الأهواء الإنسانية، ذلك أن أمر المرأة في وقتنا هذا كثرت فيه الشبهات، واستعر به أوار الشهوات، وعظمت به فتنة الأهواء والإغواء، وتفاقمت به شبهات الاعتراض والتبديل والتغيير لأحكام وشرائع الإسلام، وقد مر بنا حديث في الصورة الكاملة، والنظرة الشاملة للمرأة في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . واليوم نشرع بذكر بعض التشريعات الإسلامية الخاصة بالمرأة، ونتعرف عليها من مصادرها الأصلية في كتاب الله، وسنة الهادي رسول الله ﷺ ، ولنقف على دلالاتها من كلام الأئمة الربانيين، والعلماء الفقهاء، لا من أصحاب الصحف وأهل الأهواء، ولا من الأميين الذين لا يعرفون لغة العرب، ثم يرجمون بالغيب، ويقولون في القرآن بغير علم، ثم بعد ذلك نقف مع الحكم والتعليلات التي رمزت إليها الآيات؛ لندرك عظمة التشريعات، ونرى ما فيها من السلامة والوقاية من المنزلقات. فأول وأظهر التشريعات الخاصة بالمرأة: تشريع الحجاب، وهو الأمر الذي يتعرض اليوم لهجوم شديد من قبل أعداء الإسلام، وذلك أمر متوقع وبدهي، ومن قبل بعض أبناء الإسلام، وذلك أمر مؤلم ومحزن، وتشريع الحجاب تنزلت فيه آيات من القرآن تتلى، ووردت فيها أحاديث من سنة النبي ﷺ تروى، ونطقت به مسيرة تاريخ الأمة الإسلامية عبر قرون متطاولة في بقاع الإسلام المترامية الأطراف، ومع ذلك كأن الأعين رمداء لا تبصر، وكأن الآذان صماء لا تسمع، وكأن العقول خاوية لا ترشد ولا تدرك.

стр. 2075

الحجاب: تعريفه وتشريعه يقول الحق في آيات الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩]. الحجاب: في لغة العرب معناه: الستر، يقولون في كل ما حال بين شيء وشيء: إنه حجاب. ومن معاني الحجاب أيضاً: المنع، وسمي الحجاب حجاباً لمنعه رؤية ما وراءه، ومنه الحاجب الذي يمنع الناس من الدخول إلا بإذن. فالحجاب أصلاً في لغة العرب: الستر الذي يحول بين شيء وآخر، ويمنع الشيء من البلوغ إلى الشيء، وهذا القرآن العظيم تنزل بلغة العرب كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. وهذه الآية من أظهر الآيات الدالة على تشريع الحجاب، وعمومه على جميع نساء المؤمنين. وهي الآية التي اشتهرت عند أهل العلم عموماً والمفسرين خصوصاً بأنها آية الحجاب، قال القرطبي في تفسيره في بيان معنى الجلابيب: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) قال: والصحيح أنه -أي: الجلباب- الثوب الذي يستر جميع البدن، وقال ابن حزم في المحلى: هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه، وقال ابن كثير في تفسيره: الجلباب: هو الرداء فوق الخمار، ونقل في تفسيره عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، وقال السعدي في تفسيره: أي: يغطين وجوههن وصدورهن. وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) لفت إلى الخطاب الأعظم للرسول الأكرم ﷺ ، وكثيراً ما كانت التشريعات توجه بالصيغة المباشرة بالتوجيه والنداء الرباني: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ولكنها في آية الحجاب جعلت الأمر بهذا الحكم موكولاً إلى النبي ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ)، فلماذا؟ لأن الله جل وعلا أراد أن يكون مثل هذا الأمر مباشراً وقريباً ومطبقاً ومراعاً؛ لأنه يدخل في صلب الحياة الاجتماعية، وهو وإن كان تشريعاً خاصاً بالمرأة إلا أنه سمة للمجتمع، ولذلك أوكل هذا إلى رسول الله ﷺ بصفته حاكماً وولياً لأمر المؤمنين، وراعياً لشئونهم، وقائماً على أمور الإسلام والتشريع في حياتهم الاجتماعية، ثم جاء الأمر بالأولى والأعظم؛ ليكون أكثر تأثيراً في القدوة التي أمرنا بها في شأن رسول الله ﷺ ، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ)؛ لتكون القدوة أعظم، وهو سيد الخلق ﷺ ، وأعظم الأمة التزاماً بشرع الله وحري وبدهي أن يكون إلزامه لأهله ولآل بيته بتشريع الله أسبق وأعظم وأظهر. قوله تعالى: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) وذلك للتأكيد على هذا العموم، وعلى أن القدوة في هذا تكون للرسول ﷺ بما يكون في أهله وبيته، وليظهر أيضاً أن أمر الحجاب في نساء المؤمنين دلالة إيمان وتقوى، إذ لما أمر به أزواج النبي ﷺ وبناته -وهن الأسمى والأعلى من نساء المؤمنين- دل ذلك على أن التزام ذلك هو دليل على أنه رتبة أعلى في الأخذ بأمر الله ، وفي الالتزام بهذا الدين، والاقتداء بالرسول الكريم وأزواجه أمهات المؤمنين. إن هذه الآية واضحة الدلالة، وصريحة الألفاظ، وأهل العلم من المفسرين والفقهاء قد بينوا مثل هذه الدلالة، وجاءت الأحاديث تبين لنا كيف كان الالتزام والعمل بهذه الآية، فروى عبد الرزاق في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره عن أم سلمة ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان، وعليهن أكسية سود يلبسنها. وذكر السيوطي أن ابن مردويه روى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: رحم الله نساء الأنصار! لما نزلت هذه الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله ﷺ كأن على رءوسهن الغربان. قولها: (شققن مروطهن) وذلك أنه لم يكن لديهن ألبسة وأكسية كثيرة، فلم يكن هناك لباس للظهيرة ولباس للسهرة كما هو حالنا، لكن لما تنزلت الآيات بالحجاب، وأن يدنين عليهن جلالبيبهن، عمدن إلى المروط فشققنها، واعتجرن بها وأسدلنها؛ امتثالاً لأمر الله، فهكذا تكون المرأة المؤمنة سريعة الاستجابة، وترى ذلك تحقيقاً لإيمانها، وتأكيداً لإسلامها، وإظهاراً لفضيلتها، وإعلاناً لعفتها، وبياناً لشرفها ورفعتها، ولا تراه -كما يرجف به المرجفون- تقييداً لحريتها، وغمطاً لشخصيتها، وكبتاً لحركتها وحريتها. علينا أن نمتثل لهذا الأمر لأننا قوم نرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله، ولا نلتفت لمن يخالف قوله قولهما، مهما كان ذكره أو عظمته؛ لأن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ فوق كل أحد. ويقول الله جل وعلا في آية أخرى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، والآية في سياق خطاب أزواج النبي ﷺ ، ومن هنا جاء بعض الجهلة وأهل الأهواء: إما عن غفلة وعدم علم وبصيرة، وإما عن مكر وخبث وكيد، فقالوا: إنما جاء تشريع الحجاب خاصاً بأزواج النبي ﷺ ؛ لمكانتهن وشرفهن دون بقية وسائر نساء المسلمين! وقبل أن نطيل القول في هذا فقد مرت بنا الآية من قبل: (قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ)، فهل بعد هذا أمر أوضح في العموم والشمول؟!

стр. 2076

كلام أهل العلم على الحجاب انظر إلى ما يقوله العلماء لا الجهلاء: فقد نقل الشنقيطي في تفسيره كلاماً نفيساً في بيان شمول معنى هذه الآية لجميع النساء المؤمنات المسلمات، فقال ﵀: وجوب الحجاب حكم عام على جميع النساء، لا خاص بأزواجه ﷺ ، وإن كان اللفظ خاصاً بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه)، فالله جل وعلا قد ذكر في هذه الآية العلة فقال: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). إذن فالعلة التي أمر من أجلها بالحجاب وأن يسألن من ورائه هي طلب طهارة قلوب الرجال؛ لئلا يكون فيها فتنة وإغواء في أمر النساء، وطهارة قلوب النساء؛ لئلا يكون فيها ميل أو شهوة في أمر الرجال، فهل هذا خاص بأزواج النبي ﷺ ؟! وهل هذا لا يوجد إلا في أصحاب محمد ﵊ أم أن هذه العلة موجودة في كل النساء وفي كل الرجال؟! الجواب أنها كذلك، فالحكم كذلك. ومن كلام أهل العلم: أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومع ذلك وضح الشنقيطي قوله، فقال في تتمة كلامه: وضابط ذلك: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيباً، فهذه العلة مربوطة بالحكم، فلو لم نلتفت للعلة فكأننا لم نلتفت لذلك الحكم، وإذا كان حكم هذه الآية عاماً بدلالة القرينة القرآنية، فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء. وقال الطبري في تفسيره: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أي: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن. وقال بعض أهل العلم كلاماً نفيساً: إن كان هذا الأمر مخصوصاً بأزواج النبي ﷺ ، ونحن نعلم أنهن أعظم نساء الأمة إيماناً، وأتقاهن قلباً، وأزكاهن نفساً، وأعفهن مسلكاً، فإذا أمرن -وهن على هذا الوصف- بهذا، فكيف بمن دونهن من النساء، ولسن على مرتبتهن في الإيمان والتقى والحياء والعفة؟! أفلا يكون ذلك الأمر أوجب؟! وهذا ما يعرف عند العلماء بالقياس الجلي، وقياس الأولى، فإن كنا نطلب من العفيف الشريف أن يلتزم بهذا الأدب والتشريع فمن باب أولى من دونه، فإن كان الخطاب موجهاً إلى الثلة المباركة والصفوة المختارة من المؤمنين المتقين من مدرسة النبوة التي كان فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضوان الله عليهم، فإن خوطب أولئك لئلا تتعكر طهارة قلوبهم، فكيف بالذين تلم بقلوبهم الأهواء، وتمتلئ نفوسهم بالشهوات، ولا تجول خواطرهم إلا حول المحرمات، أفلا يمنعون من ذلك؟! بلى والله! إن العاقل يدرك هذا ويبصره، إلا أن الأهواء الخبيثة، والمكر الذي يراد به إفساد المرأة المسلمة ومن ورائها مجتمع المسلمين يدعي -عن غباء وجهل أو عن خبث ومكر- أن هذا تشريع خاص بأزواج محمد ﷺ ، وليس عاماً لنساء المسلمين. ويأتينا أيضاً قول الحق جل وعلا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣]، والخطاب مرة أخرى لنساء النبي ﷺ ، والقول فيه ما قلناه من قبل، إلا أن هذه الآية أشمل، وتبين لنا قضية مهمة وهي: إظهار تلك العلل العظيمة، والحكم الجليلة التي لأجلها فرضت هذه التشريعات، لتبقى القلوب سليمة، ولتظل النفوس طاهرة، ولينصرف الناس إلى جوانب العمل في التقوى والعبادة، وميادين العمل في الحياة، بعيداً عن هذه الشهوات التي عندما سلطت على المجتمعات المسلمة وغير المسلمة رأينا الانصراف عن التقوى والعبادة والتدين، ورأينا الانحراف عن العمل والعمران وأسباب الحياة الدنيوية. هذه الآية قال ابن كثير في أول تفسيرها: هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، وهذا من القياس الجلي الذي قال فيه العلماء: ما علم فيه إلغاء الفارق، أي: بين هذه التي وردت فيها نصوص الآيات وغيرها مما لا فرق بينه وبينها. وقال القرطبي: التبرج: التكشف والظهور للعيون، وقال في تفسير هذه الآية في سورة الأحزاب: وحقيقته إظهار ما ستره أحسن. وقال ابن كثير في التبرج: إنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها. وإذا نظرنا إلى مثل هذه المعاني مع النظر إلى الآية التي ذكرناها سابقاً في ذكر الجلباب أدركنا أن الحجاب يقتضي ستر المرأة في لباسها، ويقتضي إدناء الجلباب، وهو: الستر لما تلبسه من لباس محتشم ساتر، وهذا يدلنا عليه ما ذكره أهل العلم من الصور العملية المأثورة المنقولة فيما جاء في وصف حال المجتمع المسلم في عهد النبوة، وفي عهود وعصور كثيرة مختلفة. والآيات كثيرة، ومنها قوله جل وعلا: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]، وهذه الآية وإن كانت دلالتها على أمر الحجاب بالاستنباط وببيان المعنى إلا أنها قوية فيه، فالآية واضحة في أن المقصود بها: القواعد من النساء، والتعليل جاء في نص القرآن دون حاجة إلى اجتهاد بشري في بيان المعنى، وقوله تعالى: (اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا) أي: اللائي قد بلغن من السن مبلغاً كبيراً لا يتعلق بهن أحد لأجل النكاح والمتعة والشهوة، فهؤلاء النساء يجوز لهن أن يضعن ثيابهن، أي: يتخففن، فلا يكون لهن ذلك الحجاب الكامل الذي يرتبط بمن يتعلق بها القلب لنكاحها من سائر النساء في كل الأعمار، ومع ذلك قال: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ)، فإن بعض العجائز ربما تتشبب، وربما تكون عجوزاً كما نرى في أيامنا هذه فتعمل العمليات الجراحية والتجميلية حتى تبدو للناس وكأنها صبية في الثلاثين من العمر فلو كانت من هذا الصنف فلها التخفف بشرط عدم التبرج وإظهار الزينة. فلا تجد عاقلاً -بعد وضوح مثل هذه الآية- لا يدرك أن الحجاب والستر والتعفف وعدم إبداء الزينة وإظهارها لغير المحارم، أمر مشروع، فقد دلت عليه الآيات نصاً، ودلت عليه الآيات أمراً لرسوله ﷺ وأزواجه وبناته، ودلت عليه الآيات حكمة وتعليلاً، ودلت عليه الآيات تخصيصاً ببعض النساء دون بعض، مما يدل على وضوح وشمول هذا التشريع. ومع ذلك كله فإننا نقرأ اليوم، ونسمع ونرى في المقابلات الصحفية والفضائية كلاماً لبعضهن وكأنهن لا يعرفن قرآناً يتلى، ولا سنة تروى، ولا إسلاماً يشرع ويحكم، وكأن أهواء نفوسهن، وآراء عقولهن مقدمة على كل ذلك، فتلك تقول لك: أرى كذا وكذا، وتلك تقول لك: ليس هناك ما يدل على أن الحجاب واجب، وذلك يقول لك: هذا خاص بنساء النبي ﷺ ! وحسبنا في هذا كتاب الله، وسنة رسوله الكريم ﵊، ولو قال أولئك ما قالوا، فلن تصغي لهم أذن مؤمنة، ولن تلتفت إليهم امرأة مسلمة، وذلك مما يغيض قلوبهم، وذلك مما يطيش عقولهم، فنرى منهم ونسمع ما لا يكاد يقبله عاقل، وهو دليل على نزق وعلى حمق، نسأل الله أن يصرفه عنهم، وأن يهدينا وإياهم سواء السبيل، وأن يلزمنا شرعه القويم ودينه العظيم وهدي رسوله الكريم ﷺ . أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2077

الحكمة من تشريع الحجاب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى أخذ أسباب العفة والستر والحجاب حتى لا تفتن القلوب، ولا تنصرف النفوس إلى الشهوات، وحتى نسلم من غوائل الفتن والإغراء والإغواء الذي نزع به الحياء، واغتيلت به العفة، وظهر به ما صار -والعياذ بالله- يرى في البيوت رأي العين ويسمع من خلال هذه القنوات والفضائيات التي أصبحت تمثل قمة -في أكثرها- في الفسق والفجور والدعوة إلى الخنا والزنا، فإنه يؤتى بالمرأة لا يكاد يستر جسمها شيء، ثم تتلوى وتترقص وتتغنى، ثم تأتي بالقول الذي فيه تأنث وتكسر وإغراء وإغواء، ثم يقال لك بعد ذلك: إن هذا فن وثقافة، وتنمية للذوق، وإسهام في رفع مستوى الأمة! ولست أفيض في هذا، فكلنا -سواء من كان ملتزماً بدينه، ومن كان غير ملتزم بدينه- يعلم أن كل ذلك من الحرام، وأنه لا يقصد به إلا الإغواء والإغراء والإلهاء والإبعاد عن دين الله ، ونزع السمة المحافظة عن المجتمع. ووقفتي الأخيرة مع بعض علل القرآن التي جاءت في هذه الآية: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ)، فعلة الحجاب صيانة المرأة، ومنع الأذى عنها، وحفظها من أعين الذئاب البشرية، وصون أذنها من الكلمات البذيئة الفاحشة، وصون حيائها وعفتها من الاعتداء والاغتصاب وغير ذلك. فهل ترون هذه العلل واقعة في دنيا الناس اليوم؟ كلكم يدرك ويسمع ويعلم ما تلقاه كل امرأة متبرجة، مما يلهب جسمها من نظرات تكاد تلتهمها، ثم ما يخدش حياءها إن كان باقياً في نفسها، ومما يحزن نفسها -إن كان فيها بقية خير- من الأقوال البذيئة، والكلمات التي فيها المعاكسات والإغواء، ثم بعد ذلك قد تجد يداً تمتد لتلمسها أو لتخطفها، ولسنا نحن الذين نقول هذا، بل يقوله الذين عاشوا حياة الحرية المزعومة في الغرب، حتى لم يجدوا بداً من أن تكون لديهم عشرات الجمعيات التي تتخصص في الدفاع عن النساء، أو منع الاغتصاب أو غير ذلك، وبيئات العمل تشهد نسباً عالية تصل إلى نحو من (٨٠%) من النساء العاملات يتعرضن لما يعرف بالتحرش الجنسي لفظياً أو عملياً، حتى أننا نسمع عن كبار القوم من الرؤساء والزعماء وما يحكى من فضائحهم الجنسية، وانحطاطاتهم الأخلاقية التي لا تليق بسفلة الناس فضلاً عن شرفائهم في قومهم، ثم بعد ذلك يأتينا قوله جل وعلا: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)، والمصطفى ﷺ يخبرنا فيقول: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء). فهل كان محمد ﷺ مبالغاً؟! وهل كان ﵊ -معاذ الله- متشدداً كما يقولون؟! وهل كان فكره -كما يدعي المرجفون- منحصراً في الجنس فقط، ولا يرى من المرأة إلا ذلك والعياذ بالله؟! يقول ﵊: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، فإنك إذا قلت ذلك الكلام السابق قالوا لك: إنك غير متحضر، ولا تنظر إلى المرأة إلا في الجنس، ولا تحاول أن تستمع إلى علمها وأدبها، وتنظر إلى عقلها وفكرها، فيقال لهم: كل الذي تخاطبوننا به خاطبوا به سيد الخلق ﷺ إن كنتم صادقين، الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ﴿يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فهو الذي قال لنا وأخبرنا بذلك، وهو الذي صدق بذلك قول الحق جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. أخبرونا عن رجل يخلو بامرأة ثم يدعي أنه يفكر في علمها، ورجاحة عقلها، وحسن تفكيرها ونحو ذلك، إنه أحد رجلين إما رجل ليست فيه رجولة ولا فحولة، وإما رجل خبيث ماكر يدعي ذلك ويبطن غيره؛ لأن الله خلق الإنسان: رجلاً وامرأة منجذباً بعضهما إلى الآخر، والشهوة نداؤها طبيعي غريزي، فإذا وجد الإنسان الطعام وهو جائع، فهل تراه يفكر في قيمته الغذائية؟! وهل يفكر في معان أخرى أم أنه سيفكر في التهامه وسد جوعة بطنه؟! وكذلكم ذلك كذلك. وهذه العلل التي جاءت بها الآيات القرآنية إنما كشفت لنا عن المساوئ والمخاطر والمشكلات التي تنشأ عن عدم الالتزام بهذه التشريعات، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] فما الذي يسمعه الناس اليوم من الغناء الماجن؟! وأي شيء يفعل بقلوبهم عموماً وبقلوب الشباب والفتيات خصوصاً؟! آهات الغرام، وكلمات الحب التي تنطق بها امرأة لعوب، بألفاظ تذوب ميوعة، فهل يشك أحد أن لها فتكاً في القلب والنفس، وأثراً وخيماً في التعلق بالشهوة والانصراف عن الخير والتقى والطهارة والعفاف؟! وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر تلك هي الحقائق، وقد عبر عنها أصحاب العقول، وأصحاب المعرفة الحقة بمآلات الأمور: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء، وذلك الذي نراه، والذي تؤكده الوقائع في بلاد المسلمين، وفي غير بلاد المسلمين. فالله الله! في صون المرأة المسلمة وعفافها، وسلامة المجتمع المسلم من أن تستبد به الأهواء، وأن تستعر فيه نيران الشهوات، وأن يعظم فيه الابتلاء بمثل هذه الملهيات والمغريات. نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا، وأن يحفظ على نسائنا عفتهن وحيائهن، ونسأل الله أن يجمل نساء المسلمين بالستر والحشمة والحياء والعفة، وأن يحفظ قلوبنا وقلوب نسائنا من الشهوات المحرمة، والإغراءات الآثمة. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، نسألك اللهم أن تعصمنا بكتابك وسنة نبيك ﷺ . اللهم رد عنا كيد الكائدين، وادفع عنا شرور المفسدين. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وطهر قلوبنا، وأخلص نياتنا، وأحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع مراتبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، يا رب العالمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، خذ اللهم بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل شر وضر وأذىً يا رب العالمين! اللهم احفظ عليها أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها واستقرارها. اللهم رد عنا كيد الكائدين وادفع عنا شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم وأموالهم، يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم رد كيدهم في نحورهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، وخالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل، يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان، يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، يا رب العالمين! ووفق اللهم ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

стр. 2078

المرأة بين الرعاية والجناية [٢] لقد اهتم الشرع الحنيف بالمرأة، فرفعها وكرمها، وجعلها في المكان الذي يناسبها خلقة وفطرة وقوة، فلم يحمّلها ما لا طاقة لها به، ولم يضعها في المكان الذي يجلب لها شراً وفتنة، ولا في الموضع الذي تمتهن فيه، وقد حث الشارع على حسن تربيتها إن كانت بنتاً صغيرة، ورتب على ذلك الأجور الكثيرة، وحث على الإحسان إليها إن كانت زوجة، وحث على طاعتها وبرها إن كانت أماً، وجعل لها ثلاثة أرباع البر، وأمر بالصبر عليها إذا صارت عجوزاً، فنهى عن التأفف والتبرم منها، فما أسعدها من حياة للمرأة في ظل الإسلام.

стр. 2079

رعاية الشرع للمرأة واهتمامه بها الحمد لله الذي أمر الخلق بعبادته، واتباع شريعته، ووعدهم برضوانه وجنته، له الحمد جعل الأمن أماناً بلا خوف، والإسلام سلامة بلا جناية، شرع لنا الدين، وأوصانا بالاستمساك به، فله الحمد جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، حمداً على آلائه ونعمه التي لا تعد وتحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، بصرنا الله به من بعد ضلالة، وهدانا من بعد غواية، وكثرنا من بعد قلة. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! [المرأة بين الرعاية والجناية] موضوع نتمم به حديثاً قد سلف، ونؤصل به ما سبق، ونتوسع فيه بما يكشف لنا حقائق إسلامنا، وعظمة ديننا، وبما يبين لنا من جهة أخرى مدى تفريطنا، ومدى مخالفتنا، وفي الوقت نفسه يكشف لنا هذا الحديث عن أسباب المشكلات الاجتماعية لعصرنا هذا. فنحن اليوم نرى تجاذباً وتنازعاً بين الرجل والمرأة في النظرة والفكرة والمقالة، ونرى بعضاً من النفرة والخصومة والنزاع في واقع المعايشة والمعاشرة والحياة اليومية، ونرى تزايداً في نسب الطلاق، ونرى كذلك تزايداً في نسب العنوسة، وكثيرة هي الأمور التي تطرح وتناقش، غير أنها في كثير من الأحوال لا يرجع بها إلى أصولها الكاملة العظيمة في شرع الله ، حتى نعرف من هذه الأصول ما نقوم به أخطاء سلوكياتنا، وما ننفي به الصور السلبية التي تلصق بديننا، ومن جهة أخرى: لنتيقن بأعظم يقين وأوثقه وأثبته أنه ليس للمرأة ولا للرجل ولا للمجتمع ولا للحياة الإنسانية كلها من سعادة وهناء إلا في ظلال الإيمان، وعلى قاعدة تشريع الإسلام. إن حضارة الغرب، وأفكار الشرق، ومدنية العصر، وتقنيات التنكولوجيا لا تغني شيئاً ما لم توجد تلك القاعدة الإيمانية، والتشريعات الإسلامية، وذلك يثبته واقع الأمر، وتثبته حقائق التجارب قبل أن ننطق به مستشهدين بآيات القرآن، وأحاديث المصطفى ﷺ . الفصل الأول من حديثنا هو: النظرة إلى المرأة: ما هي شخصيتها، ودورها، ووظيفتها؟ فننظر إلى ذلك في رعاية الإسلام وإكرامه وإجلاله وحسن تكامل تشريعاته في الأدوار بين الرجل والمرأة.

стр. 2080

رعاية المساواة المساواة صارت كلمة تصم آذاننا كل يوم صباح مساء، لكنها لا تذكر إلّا ومعها معركة، إلّا ومعها استلاب حقوق، وتجاذب أدوار، ونحن نراها أصلاً ثابتاً، ومنهجاً متكاملاً في دين الله ، فرعاية المساواة جاء بها الإسلام في جانبها التماثلي على أكمل وأتم الوجوه. فهناك مساواة بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة كما ذكر الله ، ونذكره دائماً في مقدمة كل خطبة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء:١]. قال ابن عطية في تفسيره: (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي: من جنسها. وقال السعدي في تفسيره: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي: ليناسبها، فيسكن إليها، وتتم بذلك النعمة، ويحصل به السرور، وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض مع رجوعهم إلى أصل واحد؛ ليعطف بعضهم على بعض، وليرق بعضهم لبعض. وفيها -أي: في الآية- دلالة على أنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحق الخلق والأقرب فالأقرب ممن تربطنا به صلة الرحم. فهذه آية عظيمة في أصل مساواة الخلقة، فالكل من نفس واحدة، والمراد هنا: أن الله جل وعلا خلق حواء من آدم، وقد قال النبي ﷺ فيما صح عنه: (إن المرأة خلقت من ضلع آدم) قال بعض أهل العلم: أي: أن أصل خلقة آدم من تراب، وأصل خلقة حواء -من حيث الجسد- من ضلع آدم، وأما من حيث النفس والروح فهما أصل واحد، فلا خالق للروح إلا الله ، وهو الذي جعل هذه الروح بعد ذلك في ذرية آدم وحواء بقدره وقدرته ، فليس ثمة فرق بين روح رجل وامرأة من حيث الحياة، ومن حيث أصل الخلقة. وذلك ما شهدت به الآيات، وبينته الأحاديث النبوية، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم:٤٥ - ٤٦]، وذلك فيما تناسل به البشر من بعد آدم وحواء وذريتهما إلى قيام الساعة. وهناك أيضاً مساواة في غاية الخلق، فإذا كانت هناك مساواة في أصل الخلق بين الرجل والمرأة، فأظهر منها وأجل المساواة في غاية الخلق: لِمَ خلق الرجل؟ ولِمَ خلقت المرأة؟ فليس هناك للرجل غاية أشرف ولا أعظم ولا مخالفة لغاية المرأة، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فما خلق الجنس البشري ذكوراً وإناثاً إلّا لتحقيق العبودية لله ، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢]، فالغاية من الحياة هي الابتلاء والامتحان والتمحيص؛ ليظهر الأعظم والأجل في عبادة ربه، وإحسان عمله، وإخلاصه لمولاه ، رجلاً كان ذلك أو امرأة. وكذلك خلافة الأرض وعمارتها هي مسئولية وغاية مشتركة بين الرجل والمرأة، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، والمقصود بذلك آدم ﵇، لكنه يشمل ما هو أعم من ذلك وهم ذريته رجالاً ونساءً، فهم الذين يقومون بعمارة الأرض وذلك بإقامة شرع الله، وتحقيق مراده من خلقهم في هذه الحياة الدنيا، كما تظهره هذه الآيات العظيمة، وكما تبينه الآيات الأخرى الكثيرة في هذا الشأن، وكما في قوله جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] والخطاب يعم البشر جميعاً رجالاً ونساء. فنحن في مبدأ الإسلام ومنهجه لا نعرف للمرأة دوراً يستثنيها من أن تكون عابدة لله ، وقائمة بعمارة الأرض، ومنتفعة بما ذلله الله وسخره من الأسباب مع شريكها الرجل لقيام العمران، ولإقامة الحياة الدنيا على أساس من القيم، وعلى ارتباط بالمبادئ والفضائل التي تكسب الحياة حينئذ جمالين وكمالين: في الناحية المادية الدنيوية الحضارية المدنية، وفي الناحية الإيمانية العقدية المبدئية المعنوية؛ فيحصل حينئذ كمال هذه الحياة في جانب الروح والقلب والفكر، وفي جانب البدن والشهوة واللذة المباحة بإذنه . ومن أصول المساواة أيضاً تكريم الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]، والتكريم هنا يشمل جنس بني آدم ذكوراً وإناثاً، ثم إن الله جل وعلا أظهر ذلك وبينه في أن النفس البشرية -وخاصة المؤمنة- معظمة محترمة، ولذا جاء الإسلام بأعظم تشريع في الحفاظ على الحياة الإنسانية، وعلى رعاية حقوق الإنسان ونفسه المعصومة في أصل الخلقة ابتداءً، إلا أن يجنح إلى المخالفة بترك الإيمان ومعارضة أهله وحربهم، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، وخص الله جل وعلا النظر إلى الأنثى نظرة دونية بمزيد من العناية والرعاية؛ لمنع ما تميل به الفطر المنحرفة، وما تمليه الوقائع الجاهلية في شأن المرأة، فقال في وصف يشتمل على معنى الذم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]. وينكر الله جل وعلا ذلك ويذمه ويحرمه ويمنعه؛ ليبقي أصل كرامة الخلقة والفطرة والإنسانية فيما جعله الله لها بصفة عامة، وما جعلها لها في مراتب أعلى وأسمى بسمت الإيمان والإسلام الذي تأخذ وتتفق به مع أصل الخلقة في الفطرة السوية. ومساواة أخرى كذلك في المسئولية والتكليف، فليست المرأة دون الرجل في ذلك، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] وهذه الآية عظيمة، وهي تبين أن المسئولية في التكليف، وأن العمل والقيام بالواجبات والفرائض، أمر يستوي فيه الرجال والنساء معاً، وأن الحساب ثواباً وعقاباً يترتب على عمل الرجل والمرأة على حد سواء، فليس للرجل تكليف خاص به إلا ما سيأتي من تخصيص يتناسب معه، لكنه ليس له تكليف لكونه رجلاً مكرماً، أو مرفوع القدر عن المرأة، وليس العكس كذلك. وهذه مسألة مهمة أوجز النبي ﷺ -فيما أوتيه من جوامع الكلم- تصويرها في قوله: (النساء شقائق الرجال) فالأمر بينهم شقان معتدلان، وكفتان متساويتان فيما سبق من أصل الخلقة والغاية من الخلق وفي أصل المسئولية والتكليف، فكل مطالب بالإيمان، وأداء الفرائض، والقيام بالواجبات، وذلك بحسبه، والله قد ذكر في سياق آيات كثيرة الرجال والنساء فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر ما ذكر الله من أوصاف وعبادات ذكر فيها الذكور والإناث، ثم ختم الآية بأنه أعد لهم الأجر العظيم على ذلك كله، وقد ورد في سبب نزولها أن بعض النساء كـ أم سلمة ﵂ جاءت تسأل وتقول: (يا رسول الله! ما بال الله جل وعلا يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟)! فنزلت هذه الآية، وإن كان معلوماً في لغة العرب أن الخطاب قد يأتي بصيغة المذكر ويكون للتغليب، وهو يعم الذكر والمرأة معاً، وشاهد ذلك قوله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] فذكر هنا الذكر والأنثى، ثم قال من بعد: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران:١٩٥]، وذكر صيغة المذكر بعد أن ذكر المؤنت والمذكر معاً، مما يدل على أن صيغة التذكير تعود عليهما معاً. وأصل آخر في المساواة أيضاً وهو المتعلق بالحدود والعقوبات، وهذا يدل على المساواة في التكليف، قال الله جل وعلا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فتظهر هنا في أمر الإخلال بالواجبات وارتكاب المحرمات المسئولية والتكليف على قدم المساواة. وكذلكم فيما يتعلق بالشأن المالي قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤]، ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢١]، فتلك أصول عامة في المساواة.

стр. 2081

رعاية المراعاة ننتقل إلى رعاية أخرى وهي: رعاية المراعاة، ولابد لنا أولاً أن ننتبه إلى أنه إذا كان هناك اختلاف بين صنفين أو نوعين، فإن التسوية بينهما تسوية كاملة يعد ظلماً، ويعد إخلالاً واختلالاً لا يمكن أن تقوم به الأمور على وجه يحسن به الانتظام في الحياة، وخذوا مثالاً على ذلك قبل أن نشرع في مقصودنا: إن كان ثمة رجل قوي في بنيته وعضلاته، وآخر ضعيف متهالك لا يكاد يستقيم في مشيته، فهل يكون من المساواة العادلة أن نقول لهذا وذاك: احملا حملاً واحداً ثقيلاً في وزنه؟! هل نقول لهما: خذا هذا الحمل الذي وزنه خمسين كيلو جرام واحملاه؟! فإذا قال الضعيف: لا أستطيع، نقول له: كلا، هذا من باب المساواة، فأنت رجل وهو رجل، وأنت ذكر وهو ذكر، فلابد أن تكون المساواة في كل شيء، فتحمل مثلما يحمل، سيقول: كلا، إن بيني وبينه اختلافاً: فأنا أضعف منه، ولا أقوى على مثل ذلك، والعاقل حينئذ يقول: احمل أنت كذا، واحمل أنت دونه، فهل يعد ذلك ظلماً أو إخلالاً؟ كلا، فإن مراعاة الاختلاف هي المساواة التكاملية، وهي التي تحصل بها الفوائد والمنافع العظيمة. ونحن جميعاً نعلم أن الله خلق الذكر مختلفاً عن الأنثى من حيث الخلقة الفطرية والظاهرية، فالمرأة مهيأة للحمل والولادة والإرضاع، والرجل على غير ذلك، والمساواة المطلقة تعني: أن نغمض العين عن هذا الاختلاف، وإذا أغمضت العين عن ذلك فهل سنغير في الواقع شيئاً؟ وهل سيأتينا يوم يمكن للرجل أن يقوم بالدور الذي نريده في المساواة، فنقول له: احمل وضع وأنجب ثم أرضع؟! وقد ترون ذلك مضحكاً ولكنه يلزم الغلاة في هذه المساواة، فقد جاءوا بعجب عجيب، حتى إنهم قالوا: إنه بالإمكان أن يكون ذلك مع تطور العلم. وما يزعمونه وما يقولونه إنما هو ألفاظ ليس لها أثر عملي. أما ديننا العظيم الذي هو من عند الله القائل: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فليس الفرق في الخلقة الظاهرية فقط، بل وفي الخلقة الباطنية، فعاطفة المرأة أرق من عاطفة الرجل، وشدة الرجل أقوى من شدة المرأة, وتركيز المرأة في تفكيرها على جوانب معينة يكون أكثر دقة في ملاحظة خفاياها، وتفكير الرجل أعم وأشمل، فلا ينظر إلى الدقائق، لكنه أقدر على معرفة بعض الأمور من المرأة. والأم تعرف أن عند ابنها مشكلة، أو أن عنده شيء قد أحزنه أو نحو ذلك من أقل القليل في تغير وجهه، أو كلمات لسانه، أو حتى طريقة نومه، وأما الرجل فلا يلحظ من ذلك شيئاً، بل ربما يأتيه الابن فيلمح له، أو قد يصرح له، وهو لا ينتبه لشيء؛ لأن دقائق الأمور ليست في طبيعة تفكيره في بعض الجوانب العاطفية والنفسية. وقال : ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] أي: جعل الهداية مناسبة لأصل الخلقة، أي: هدى ووفق وفطر وجعل المسار في الحياة الدنيا يتناسب مع طبيعة الخلقة في هذا الكون. ولو نظرنا بعيداً عن الإنسان لرأينا ذلك في التكامل الفطري البشري الإنساني، أليس الإنسان يتنفس: فيأخذ الأكسجين ويخرج ثاني أكسيد الكربون، والنبات على عكسه: يأخذ الكربون ويخرج الأكسجين؛ لتكتمل منظومة الحياة؟ فإذا قلنا بالمساواة، وطلبنا أن يكون النبات كالإنسان فسيموت الاثنان وتنعدم الحياة، فهذا المثل الذي أقوله ينطبق تماماً على الذين يريدون المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، فإنهم يجنون بذلك جناية عظيمة على كلا الطرفين: رجلاً أو امرأة، ويجنون جناية كبيرة على الحياة الإنسانية والبشرية في هذه الدنيا قطعاً وجزماً، ونرى ذلك فيما تعلمونه من أحوال الذين ساروا شوطاً بعيداً في مثل هذه الجوانب، فلم تعد المرأة امرأة، ولم يعد الرجل رجلاً، وظهر الشذوذ، وخرجت علينا البدع العجيبة الغريبة التي لا يستطيع بعض الناس أن يصدقها بعقله، حتى إننا رأينا أموراً منكرة وشذوذاً تعف عنه الحيوانات والبهائم -أعزكم الله-، وكان حالهم كما قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]. والنبي ﷺ يقول: (كل ميسر لما خلق له)، ويدخل في عموم هذا القول البليغ منه ﵊: أن المرأة ميسرة لما خلقت له وفطرت عليه، والرجل كذلك، ولو بدلنا الأدوار لم تكن المرأة رجلاً، ولم يكن الرجل امرأة، ولم يعد عندنا لا هذا ولا ذاك، وصار عندنا أنماط وأنواع غريبة، فنحن نرى اليوم امرأة مسترجلة، ونرى رجلاً متأنثاً، فلم نعد نستطيع أن نعتمد على هذا الرجل إذا تأنث، ولا أن نركن ونسكن إلى تلك المرأة إذا استرجلت، فحينئذ تنقلب الحياة إلى شقاء وجحيم؛ لأنها خرجت عن أصل خلقة الله ، وصدق الله القائل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، وذلك كثيراً ما يظهر لنا. يقول ابن عاشور ﵀ في شأن هذه الموافقة والمواءمة والمراعاة بحسب ما يكون عليه اختلاف الخلقة: وملاك الأحكام التي ثبت فيها التفرقة بين الرجال والنساء هو الرجوع إلى حكم الفطرة، فإذا كان بين الصنفين فوارق جبلية من شأنها أن تؤثر تفرقة في اكتساب الأعمال أو إتقانها فإنها تؤثر تفرقة في أسباب الخطاب بالأحكام الشرعية بحسب غالب أحوال الصنف، أليست المرأة في طبيعتها رقة وضعفَ بدنٍ لا تتساوى مع الرجل؟ فجعل تكليف الجهاد، وواجب النفقة والكدح والعمل على الرجل؛ مناسبةً لخلقته وفطرته، وأما المرأة فليست مكلفة بالجهاد وجوباً، وإن أسهمت فيه كان لها فيه دور، وأيضاً ليست مسئولة عن النفقة، وإن أسهمت فيها كان لها ذلك وفي إطار معين لا يفسد طبيعة هذا التكامل في خلقة الحياة البشرية بين الرجال والنساء، ومن أخل بذلك جاءه ما لا تحمد عقباه. وتنوع الوظيفة ليس فيه معنى الدونية أو الأفضلية، فليس الرجل -لكونه مكلفاً بالعمل- أفضل من المرأة؛ لأنها من جهة أخرى مكلفة بإنتاج وإنجاب البشر، ورعايتهم وتربيتهم، فإذا فضلناه لذلك فضلناها لهذا، والله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهي درجة القوامة، وقد ذكر ابن جرير عن ابن عباس ورجحه أنه قال: إن هذه الدرجة أن الرجل مطالب بأن يغض الطرف عن أخطاء الزوجة، ويحتمل منها من الهفوة والنسيان ما لا يجب أن تحتمله منه على قدم المساواة، فالمطلوب حينئذ أن يكون هو أوسع صدراً، وأكبر عقلاً، وأكثر احتمالاً لما قد تقصر فيه الزوجة أو تغفل عنه، وهي لن تكون كذلك بحكم طبيعتها، ولذلك لم تجعل هذه الدرجة درجة تفضيل لاستعراض العضلات، أو لذكر المناقب والمزايا، بل جُعلت لتحمل المسئولية، والقيام بواجب الرعاية.

стр. 2082

رعاية التجانس إنّ رعاية التجانس تكمل ما سبق، ويتضح ذلك من خلال معرفة العلاقة بين الرجل والمرأة، إنها اليوم حقوق وواجبات، وقد صدعت رءوسنا ونحن نستمع إلى هذه الكلمات، فنسمع اليوم أن المرأة أخذت حقوقها، أو وصلت إلى كذا، أو ما زالت تحارب، فجعلنا الحياة كلها ميدان صراع وحرب بين رجل وامرأة، وما معنى ذلك؟! لقد صارت الحياة كلها صراع؛ لأنه ليس فيها إلّا رجال ونساء، ذكور وإناث، إذاً أوجدنا ما يشق هذه الحياة، ويمنع التئامها، ويحول دون تجانسها، ويقف دون تكاملها، ويمنع من أن تكون صورة متكاملة شقها الأول يكتمل مع الثاني ويتجانس معه، لتبدو الحياة كما أرادها الله ، وكما اقتضتها تشريعاته: حياة متوائمة ومتلائمة ومتجانسة ومتكاملة، ليس فيها شذوذ ولا تباعد ولا تناقض ولا تحارب ولا اختصام، كما صورتها لنا الحضارة الحديثة، وأدخلتها علينا الأفكار الدخيلة، فقد صرنا اليوم نتحدث عن قضية المرأة وللأسف من منطلق المدافع، وكأن تلك القضايا قد أصبحت مقررة ومثبتة في الأذهان، بل وقد مالت إليها نفوس كثيرة من الرجال أكثر من النساء، حتى صار تقرير أصل الخلقة وأصل الدين أمراً يحتاج إلى جهد ومشقة وإثبات وتدليل وبيان وبرهان، وهذه مسألة مهمة أوجبت علينا مثل هذا الحديث. انظروا إلى الصورة النموذجية المشرقة الوضيئة الفياضة بالحب والود والحنان، الراسمة لأجمل صورة يمكن أن تكون عليها هذه الحياة الدنيا وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] فهذا هو الرجل، وتلك هي المرأة. إنّ هذه الخلقة المتباينة بين الطرفين تكاملاً وتجانساً من آيات الله ، ومن عظمة خلقه ، ومن دلائل إعجازه وقدرته جل وعلا: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ)، سبحان الله! كيف يكون الذي خُلق من النفس شيئاً مبايناً ومخالفاً؟! وكيف يكون مصارعاً ومغالباً؟! ولم لا يكون متجانساً ومتوائماً؟! (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، وكلكم يعرف معنى السكن، فقد تكدح في الأرض، وقد تسافر شرقاً وغرباً، لكنك تعود إلى بيتك، وإلى سكنك، وإلى المأوى الذي ترتاح وتسكن فيه من تعب الحياة. وانظروا إلى الرجل في طبيعة التكامل مع المرأة، إنه يسكن رحم المرأة أماً له، ويبقى فيه تسعة أشهر، ويسكن حضن المرأة رضيعاً بين يدي أمه، ويسكن حضن زوجته وصدرها محبة ومودة ومعاشرة وشهوة ولذة، ويسكن حضن ابنته وهي ترعاه في كبره، وهي تحنو عليه مع تقدم سنه، إن هذا المعنى يدلنا على عظمة دور المرأة، ولا يقصر في حق الرجل، لكن الرجل يتعب ويحتاج إلى السكن، ولن يجد سكناً إلا في ذلك. ثم قال: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: المودة: محبة الرجل لزوجته، والرحمة: الشفقة عليها أن يصيبها منه مكروه، فإذا كان هذا هو الأصل في الخلقة والتجانس والتكامل، فهل ترون مجالاً لشقاق ينشأ من الفكر والتصور، أو تجاذباً واحتراباً ينشأ من واقع الفهم لهذه الخلقة، أم أننا في هذا نرى ذلك النموذج القرآن الذي أخبر الله في غير ما آية من كتابه جل وعلا: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا). ثم انظر إلى التصوير القرآن البليغ المعجز في قوله جل وعلا: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأي شيء أقرب إلى جسدك؟ إنه لباسك. وأي شيء يحسّن مظهرك؟ إنه لباسك. وأي شيء لا تستطيع أن تستغني عنه وإلا بدت سوءتك؟ إنه لباسك. فهذه المعاني وغيرها تعني: أن تكون المرأة بالنسبة للرجل زينته ولصيقته وجماله وستره، وتعني: أن يكون الرجل للمرأة كذلك، فليس ثمة صورة أقرب وأظهر في الامتزاج والتكامل والتجانس والمحبة والمودة من هذه الصورة. ثم استمعوا لقوله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩]، واستمع لحديث المصطفى ﷺ وهو يقول: (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة- إن ساءه منها خلق رضي منها آخر). ذلك هو التوجيه القرآني والنبوي بأن يغض الرجل الطرف عن بعض النقائص، وأن يغلب الأصل، وهو ذلك الامتزاج والتلاحم والمودة والمحبة، وما يجري في الحياة من أسباب الشقاق تظلله تلك المحبة، فيصبح كسحابة صيف عابرة، ويصبح كما هو في طبيعة الحياة اختلاف يمر، وحديث يعرض، وهكذا تعود الأمور إلى أصولها؛ لأن الأصل أثبت من العوارض التي تمر بالإنسان. وإذا نظرنا إلى ذلك وجدنا هذه الصورة المشرقة الوضيئة في إسلامنا وإيماننا تبين لنا أصل رعاية الإسلام بعيداً عن جناية من خالفوه من أبنائه، ومن ناقضوه من أعدائه. نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا، وأن يبصرنا بكتاب ربنا، وأن يلزمنا نهج نبينا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2083

رعاية الإكرام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم ما يلزم فيه تقوى الله : الرعاية والعناية وحسن الصلة بالأزواج والأبناء وذوي الأرحام كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. وأختم هذه الصور من الرعاية: برعاية الإكرام، لما كانت المرأة بطبيعة خلقتها فيها ضعف لا تستطيع معه أن تغالب الرجل أو تغلبه: لا في قوة البدن، ولا في قوة الحيلة والدهاء، ولا في قوة القدرة على ملامسة أسباب الحياة، كان الظن أن تجنح بعض النفوس، وتميل بعض الأهواء إلى عدوان على المرأة، أو إجحاف بحقها، أو استلاب لحقها أو نحو ذلك. ومن هنا جاء التشريع الإسلامي برعاية خاصة ومزيد من الإكرام والإجلال للمرأة في جميع جوانب صور حياتها في هذه الحياة البشرية، أما الأم فقد أسلفنا القول فيها، ورأينا كيف جعل لها الشرع من البر ثلاثة أرباع، والرابع للأب؛ لبيان ما لها من أثر في هذا البر بحسب حملها وإنجابها، وما لاقت كرهاً على كره، ووهناً على وهن كما بُيَّن في آيات الله ، ونحن نعلم كم في بر الأم من أجر وفضل ومثوبة. أما الزوجة، فقد قال النبي ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، وأخبر ﵊ بأن بعض الرجال يضرب النساء فقال: (ليس أولئك بخياركم، ليس أولئك بخياركم). وعندما نرى معاملة النبي ﷺ لأزواجه إصغاءً لمشورتهن، وإتياناً بما يحببه إليهن، وملاحظة ومراعاة لمشاعرهن؛ ندرك كم كان تقديره وإجلاله ومحبته وإعزازه لهن، ألم يكن ﷺ إذا شربت عائشة ﵂ أخذ الإناء ووضع فمه موضع فمها؛ إشعاراً بلفتات الحب التي تغزو قلب المرأة ونفسها؟! ألم يكن النبي ﷺ يسابق عائشة ليظهر نوعاً من الترفيه والمرح الذي يجعل الحياة بين الزوجين حياة ندية وأخوية، وليست حياة أمر واستجابة، وحياة عسكرية وجندية؟! أليس رسول الله ﷺ هو الذي استمع وأصغى لمشورة أم سلمة ﵂ في أعقاب الحديبية يوم أن قالت: يا رسول الله! قد علمت ما دخل على الناس في نفوسهم من هذا الأمر، فلو خرجت وأمرت حالقك أن يحلق لحلقوا؟! فلم يقل لها ﵊: مالك ولهذا الشأن؟ ولم يقل لها: اصمتي فإنك امرأة، ولم يقل لها: اعرضي عني، فإني أحسن تدبير أموري. بل استجاب وخرج وفعل مشورتها، وكانت تلك المشورة صائبة، وغير ذلك من الصور التي تعرفونها. وهكذا البنت التي قد يجار عليها تفضيلاً لأخيها عليها، أو نظراً لما قد يكون في العقول والنفوس من الآثار الجاهلية في غمط حقها، فقد جاء التشريع وجاء الهدي النبوي بمزيد من التخصيص في تربية البنات فقال ﷺ : (من عال ثلاث بنات فأحسن إليهن، وأحسن تأديبهن، كن له ستراً من النار)، وفي رواية: (قيل: واثنتين؟ قال: واثنتين). فلماذا لم يذكر الأبناء؟ الجواب لأن البنت قد يفرط فيها، وقد لا يلتفت إليها، وقد يكون هناك غمط لحقها، أو انقاص لقدرها، ولأنها أيضاً تحتاج من التربية والرعاية والعناية ما تكون به أعظم وأقدر على أن تنشئ وتربي جيلاً جديداً يستأنف حياة الإيمان والإسلام على أتم وأكمل وجه، وذلك نجده كثيراً في تشريعات الإسلام. هذه بعض صور الرعاية، ومن ورائها أمور واقعية في حياة المسلمين من صور الجناية، ومبادئ وأفكار كلها قائم أو مؤد إلى الجناية على المرأة خارج تشريع الإسلام، وذلك ما قد نكمل به حديثنا. نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، وأن يجعلنا بارين بأمهاتنا، محسنين إلى أزواجنا، قائمين بحقوق أبنائنا وبناتنا. ونسأل أن يحفظ على مجتمعنا أمنه وأمانه، وسلمه وسلامه، ورغد عيشه ووئامه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، واشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل، يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بهزيمتهم واندحارهم وردهم على أعقابهم، يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يارب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية. اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، وسلامنا وإسلامنا، يا رب العالمين! واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. وانصر اللهم عبادك وجندك المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 2084

المرأة بين الرعاية والجناية [٣] تشريع الحجاب فيه حكم عظيمة جداً، فقد حفظ الله تعالى به المرأة من الفتنة والتعدي، وحفظ به جمال المرأة وأنوثتها وحياءها، وبه يحفظ الرجل من فتن كقطع الليل المظلم، وبه يحفظ كثير من المال، ويتحقق الأمن والأمان، فسبحان من شرع الشرائع والأحكام، وجعل الدين عنده الإسلام.

стр. 2085

الحجاب: أهميته وفوائده الحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وشرع الشرائع وأحكم الأحكام، وجعل فيها الخير والمصلحة للأنام، ووعد من التزمها بالجنة دار السلام، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، فهو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما شاء من شيء بعد، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! ما زلنا نتواصل معكم في موضوع [المرأة بين الرعاية والجناية] كي نستوفي به ما ابتدأناه من الحديث في شأن تشريع الحجاب على وجه الخصوص، وأحب ابتداءً أن أشير إلى أن الخطبة الماضية في هذا الموضوع كانت لهدفين أساسيين مهمين: أولهما: الارتباط بكتاب الله، وسيرة رسوله ﷺ ، فنحن ندرك ونوقن ونؤمن بأنّ ما يلزمنا من الأوامر، وما ينبغي علينا الابتعاد عنه من النواهي، إنما هو من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . الأمر الثاني: بيان ضلال وفساد الأقوال المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن الذين دعوا إلى تحرير المرأة -كما يزعمون-، وإن الذين ضاقوا بتشريع الحجاب للمرأة المسلمة -كما يظهرون-؛ لم يتحدثوا ولم يكن شأنهم أن يتحدثوا عن كشف الوجه والكفين، فتلك مسألة خلافية، وفيها لأهل العلم قديماً وحديثاً أقوال، ولم يكن مقصد حديثي أن أشير إلى ذلك، ولا يصلح في خطبة الجمعة ذكر الأقوال وترجيحها في مسائل دقيقة أو مختلف فيها، ولكن حديثنا كان -كما نعلم من الواقع اليوم- عن كشف النحر، والصدر، والذراعين، والساقين، بل وما هو أكثر من ذلك مما تعلمون وترون وتسمعون وتقرءون. وحديثنا اليوم استكمال لهذا الجانب، ويؤكد مثل هذه المعاني، فنحن نتحدث اليوم عن رعاية الحجاب للمرأة والمجتمع، وأن مخالفة هذا التشريع في الحجاب على الوجه المعروف جناية عظيمة تشقى بها المرأة أولاً، ويشقى بها المجتمع كاملاً ثانياً.

стр. 2086

الرعاية التربوية في الحجاب إن الحجاب رعاية تربوية، ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى التربية، وإلى الأخلاق الفاضلة، وإلى السلوك المستقيم، وإلى التصرفات التي تنم عن سمو في القيم والمبادئ، وكم نشكو اليوم من التهتك والتسكع، ورقة الدين، وضعف الأخلاق، وانحلال السلوك. إن الحجاب في حقيقة أمره تشريع من الله ، وعندما نتأمل حكَمه تتجلى لنا وجوه من الرعاية العظيمة، فهناك شئون تربوية كثيرة تكتسبها المرأة المسلمة المتحجبة: أولها: تأكيد وإظهار لإيمانها المطلق وتسليمها التام لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]، فلسان حال المرأة المتحجبة وكأنها من الراسخين في العلم، فتراها تضع الأمر بالقرآن أو الهدي من السنة فوق رأسها، فتلتزمه وتظهره وتبدي أنه ليس لها من توجيه في أمر ولا نهي إلا من هذين المصدرين. وسلوا المرأة المسلمة غير المتحجبة من أين أخذت هذا الأمر؟ ومن أي جهة أخذت هذا اللباس؟ لن تستطيع أن تنسب نفسها إلى كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، ولو أرادت أن تنتسب فسوف تنتسب إلى شذاذ في آفاق الأرض من اليهود أو غيرهم، أو إلى فساق من أهل الإسلام ممن سمعتهم وسيرتهم يعف اللسان عن ذكرها، فهم الذين قالوا لها: انزعي حجابك، واكشفي ذراعيك، وحرري ساقيك، وأبرزي نهديك إلى غير ذلك. وهنا أيضاً أمر آخر في شأن التربية وهو: احتساب الأجر والمثوبة، فإن هذا البعد له أثر في تربية المرأة المسلمة، فهي عندما تتحجب حتى في وقت شدة الحر فإنها تعرف وتوقن أن لها بذلك أجراً وثواباً، وأنها تدخر عند الله جل وعلا حسنات كثيرة، وأنها تفعله -كما هو حال المسلم في كل شيء يفعله- استجابة لأمر الله وتقرباً إليه سبحانه، ولو كان ذلك من أمور الحياة العادية فإنها تؤجر عليه كما قال ﷺ : (حتى اللقمة يضعها الرجل في فم زوجته له بها أجر)، بل قد قال ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة؛ فتعجب الصحابة قائلين: أو يقضي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟! فقال: أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال). إن ذلك التعليم النبوي يدلنا على أن امتثال الأمر أو اجتناب النهي سببه ذلك الارتباط المنهجي بالقرآن والسنة، وهو أمر يؤجر عليه صاحبه، فكم من أجر لهذه المرأة! فإنها كلما خرجت لحاجتها وهي ملتزمة حجابها، مستجيبة لأمر ربها، ومقتفية لهدي رسولها ﷺ فإنها تؤجر على ذلك. وهذه تربية مهمة؛ لأننا نريد أن نربي المسلم عموماً على أن ينوي في كل عمل نية صالحة في استجابته لأمر الله ورسوله ﷺ . وأمر ثالث مهم في التربية وهو: أمر الحياء، فالحياء خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح كما يقول أهل العلم، والحياء سمة وخلق رفيع سام، من تحلى به عف لسانه، وغض بصره، وكان بعيداً عن فاحش القول وسوء الفعل، وهذا الحجاب يحافظ على حياء المرأة محافظة عظيمة، ونحن نعلم أن الحياء صفة للإنسان رجلاً وامرأة، لكنه عند المرأة أعظم، والحجاب يرعى هذا الخلق وينميه، ولو رأيتم المرأة المتحجبة كيف يكون حالها إذا هبت الريح فرفعت ثوبها أو جاء إنسان فجأة ودخل عليها، فإنها تكون متغيرة ومتأثرة، بل عندما يأتي الشاب إلى الفتاة المتحجبة ليخطبها يحمر وجهها خجلاً، وانظر إلى امرأة ليست متحجبة، واقرأ سطور الحياء فلن تستطيع أن تراها في ذلك الوجه الذي ضج بالمكياج وسبل التجميل، والشعر الذي فرد، والأيدي والأذرع المكشوفة وغير ذلك، فأين ذهب الحياء؟! سترى أن نزع الحجاب هو نزع للحياء، ولقد قال المصطفى ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وأخبر النبي ﷺ عن الحياء وصلته بالإيمان فقال -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) فلم يكتف ﷺ بذكر الأعلى والأدنى ولكنه قال: (والحياء شعبة من الإيمان). وعند الحاكم في مستدركه عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان والحياء قرنا جميعاً، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر)، وانظروا إلى النساء اللائي قد نزعن حجابهن كيف ضاع حياؤهن، فإنك تأتي إلى المرأة فترخي بصرك حتى لا تنظر إليها، وهي مسلطة بصرها إليك، وتحدثها حديثاً غير مباشر، وهي تتحدث بكل وضوح وصراحة، وقد تجتنب الجلوس إلى جوارها، وهي تكاد تلتصق بك! إن معنى الحياء مرتبط بالحجاب، وإن نزعه ولا شك سوف يغيض هذا الخلق، وسوف يضعف هذه السمة في المرأة حتى وإن كانت لا تقصد ذلك، فإن طبيعة الإنسان التأثر والتغير، ونحن جميعاً نشهد ذلك ونعلمه من واقع الحال. وفي التربية أمر مهم: وهو الأنوثة في المرأة، ونحن نعرف أن المرأة فيها أنوثة تتمثل في جمالها، ورقتها، وفيض عاطفتها، وتدفق مشاعرها، وإن الحجاب يجعل لها ذلك الصون وتلك السمة في محافظتها على أنوثتها التي هي من نعم الله . وانظروا إلى المرأة التي نزعت حجابها وتبرجت: أين أنوثتها؟ لقد عرضتها على قارعة الطريق وامتهنتها، وكأنها تتسول من ينظر إليها، وتدعو من يلتفت إلى جمالها. إن البضاعة العظيمة لدى صاحبها لا يعرضها إلا للفت النظر إليها، ولترغيب الناس فيها، أما إن كانت بضاعة تخصه فإنه لا يعرضها، بل يحفظها؛ لينتفع بها وحده، فإن عرضها فإن الناس كلهم سوف يأتون ليأخذوا حظهم منها أو ليدفعوا ثمنها، وأعجب من رجل مؤمن مسلم يسير ومعه امرأته وقد تبرجت وأظهرت زينتها! ولو سألتها: لم تبرزين مفاتنك؟ ألستِ متزوجة؟ ستقول: بلى. ألست عفيفة؟ ستقول لك بملء فيها: بلى. ولن نكذبها في ذلك، لكننا نقول: لماذا تبرزين هذه الزينة وذلك الجمال؟! ولماذا تمتهنين هذه الأنوثة؟! وما الذي بقي للزوج من امرأته إذا كانت على شاطئ البحر بلباس البحر، وكل عورتها مكشوفة إلا السوءتين؟! أليست عاملاً مشتركاً لكل هؤلاء الرجال؟! فما الذي خُص به زوجها؟! كل الحواجز تنهار إذا تكشفت المرأة، وتصبح حتى تلك الخصوصية بينها وبين زوجها مهددة، واقعاً لا مثالاً، وحقيقة لا خيالاً! إذاً: هذه المرأة تضيع أنوثتها، وذلك أيضاً ماسخ لفطرتها، وكلكم يعلم شأن المرأة المسترجلة، فتراها إذا مشت تمشي وكأنها عسكري، وتبدي كل ما لديها من جسمها، وتخالط الرجال وتتحدث معهم، وتخرج إلى الأسواق، وتذهب إلى الأعمال، وتعيش حياتها خارج بيتها، فما الذي يبقى من أنوثتها؟! وما الذي يبقى من السر الذي ينجذب إليه الرجل منها؟! وذلك أيضاً شأن تربوي خطير.

стр. 2087

الحجاب والرعاية النفسية إن كثيراً من الأخطار والأمراض والأحوال النفسية التي تصيب المرأة عموماً، والفتاة المراهقة عند بلوغها خصوصاً مردها إلى شأن الحجاب، وليس ذلك تخرصاً أو كلاماً ساذجاً، بل هو أمر أثبتته الدراسات العلمية، فهناك دراسة أجريت في أمريكا عاصمة بلاد الحرية كما يزعمون، وهذه الدراسة أجريت على الفتيات بعد سن الثانية عشرة في إحدى المناطق، فوجد أن الفتيات بعد هذا السن أكثر كآبة من الفتيان، ووجد أن الفتيات بعد البلوغ والمراهقة أكثر كآبة منهن قبلها، ووجد أن الفتيات الأقل جمالاً أكثر كآبة ممن هن أحسن جمالاً، فلماذا؟! ومن أين جاءت هذه الكآبة؟! يدرك الجميع أن الفتاة في مقتبل عمرها رأس مالها وأكثر ما يشغل بالها هو جمالها، فإذا كانت ستخرج غير متحجبة فستعلم حينئذ أن جمالها موضع النظر، والخلق متفاوتون في ذلك، فما رأيكم بفتاة عندها عيب خلقي في رجلها أو في يدها أو في عينها؟ وما رأيكم في فتاة شعرها مجعد أو في وجهها نمش أو غير ذلك؟ كيف سيكون حالها؟ إنها ستحمل من الهم والغم -لأجل ذلك- ما لا يوصف، وإذا جئنا إلى المقارنة في ميادين الفتيات والنساء، فإن المرأة قليلة الجمال إذا رأت غيرها من الجميلات في معرض من الرجال وحضور منهم فسترى أن الميزان يتأرجح، وأن الكفة تهبط بها، فتفكر في نظر الناس إلى تلك المرأة الجميلة، والتفاتهم إليها، وجلوسهم معها، وحديثهم إليها، وهي على هامش الأحداث، فكل هذه الجوانب ناتجة عن عدم الحجاب. وأما الفتاة والمرأة إذا تحجبت فإن ذلك كله يزول؛ لأن جمالها تحت ستار الحجاب، ولا يبقى ذلك الشأن إلا في دائرة محدودة، وذلك عندما تكون الفتاة مع النساء من مثيلاتها، والأمر هنا أهون وأخف وأقل وأدنى، وقد أثبتت هذه الدراسة العلمية أن ذلك له أثره في الجانب النفسي للنساء عموماً، وللفتيات خصوصاً. ومن هنا ننظر كذلك إلى صفة الحجاب في اللباس، فقد ذكر العلماء أن المرأة يحرم عليها أن تلبس ثياباً رقيقة تشف عن جسمها، أو أن تلبس ثوباً ضيقاً يصف حجم عظامها وهيئة جسمها، وذلك كله إذا التزمت به المرأة لم تظهر تلك العيوب، ولم تظهر تلك الاختلافات، وكانت في راحة نفسية، وكان لديها من الرضا النفسي ما يجعلها لا تتأثر بمثل هذا التأثر الذي يعلم الجميع غوره وعمقه في نفس المرأة والفتاة، وتأثيره في تصرفاتها وأفعالها. وللحجاب تأثيره على المظهر الخارجي أيضاً، فالمرأة غير المتحجبة إذا أرادت أن تخرج فهي تحتاج إلى أنواع من الزينة في الوجه وغير الوجه، وتحتاج إلى حلي وإلى لباس، وإلى أن يكون ذلك اللباس متغيراً في كل يوم، وغير ذلك، وأما إذا تحجبت فهي تنتقل من هنا إلى هناك، ثم تصل إلى البيت الذي تريد، أو إلى المجمع النسائي الذي تريد ولا تحتاج إلى مثل هذا، وإن كانت ذاهبة إلى عمل ليس فيه إلا النساء لم تحتج إلى مثل هذا كله، وذلك كله من الآثار المهمة المفيدة. وهكذا نجد تأثير هذا في أمور كثيرة، وسأنقل لكم هنا شيئاً طريفاً، وخبراً قد يكون في ظاهره مضحكاً، لكنه يعبر عن حقيقة واقعة، هذا الخبر عن امرأة كانت قبل سنوات قليلة تحكم دولة من الدول الأسيوية الكبرى، وقد حصل في بلادها محاولة انقلابية فتقول وهي تخبرنا عن الواقع: إن بوسع الرجل أن يستيقظ من الفراش، ويمشط شعره، ويكون مستعداً لمباشرة عمله في لحظات، غير أن الأمر يختلف بالنسبة للمرأة، فلا يمكنني أن أسمح بالتقاط صور لي حال استيقاظي مباشرة من الفراش، وعندما جاءت حادثة الانقلاب استيقظت على هذا الحادث، وأخبرت به، ومع ذلك انصرف اهتمامي إلى مظهري الذي سأخرج به، ولو كنت رئيساً فما كان عليَّ إلا ارتداء الملابس بسرعة، وأن أكون في الموقع المناسب! فإذا كانت الرئيسة امرأة فإن الأمر يحتاج إلى الاهتمام بالمكياج، وهذا أمر بدهي، فالمرأة إذا كانت ستخرج متبرجة فالزينة شرط لازم لا تستطيع أن تتجاوزه، ولذلك فإن هذا التشريع يحررها من هذه القيود والضغوط.

стр. 2088

الحجاب والرعاية الأمنية ثم ننتقل إلى الحجاب كرعاية أمنية، فنحن نعلم أنه بقدر التهتك وترك الحجاب تكون أسباب إمكانية الاعتداء على المرأة، سواءً كان اعتداءً لفظياً، أو كان اعتداءً يدوياً، أو كان اعتداءً جنسياً، والإحصاءات في هذا في عالم الغرب يشيب لهولها الرأس. ففي إحصائيات لا يتجاوز عمرها البضع سنوات أقيمت في أمريكا تقول: إن هناك ثلاثمائة ألف وسبعة آلاف حالة اغتصاب، وهي تمثل ثلث ما يمكن أن يكون في الواقع، وهذه الإحصائية إذا قسمناها وجدنا أنه في كل ساعة تحدث ست وثلاثون حادثة اغتصاب، وأنه بمعدل هذا التزايد يصبح الأمر في أخطر أحواله. وهذه الشرطة البريطانية قبل بضع سنوات وزعت منشوراً أمنياً يطالب النساء بأن يلبسن لباساً ساتراً، وأن يجتنبن الملابس القصيرة المثيرة، فما دخل هذا في الأمن؟ إن الشرطة قد ملئت مخافرها بالمشكلات الناتجة عن الاعتداءات الناشئة من مثل هذا التبرج والإغراء والإثارة، وليس كما يقول المرجفون: بأن هذا سوف يزيل الكبت، ويطبّع العلاقة بين الرجل والمرأة، ولو كان الأمر كذلك لرأينا القوم الذين لم يعد عندهم شيء اسمه حجاب، وصار العري عندهم في بعض المناطق مطلوباً، وفي بعض السواحل والشواطئ لا يجوز أن يدخلها الإنسان وهو يلبس أي قطعة من الملابس، فهل انتهى ذلك الكبت عندهم أم أنه قد تزايد أوار الشهوة وسعارها حتى أصبحت في أوج مراتب الجريمة؟! ودعوني أنتقل بكم إلى جانب أمني طريف، وهو: أن مسألة الحجاب لها أثر أمني على المجتمع في جانب آخر ألا وهو: جانب الحوادث المرورية! ولا تتعجبوا من ذلك، فهناك من دعا في تلك البلاد إلى طلب رسمي من مدير شرطة مدينة جورج تاون في أمريكا إلى مناشدة النساء بعدم لبس الملابس المثيرة، يقول بالنص: وإلا فإنه سيكون العالم مهدداً تهديداً عظيماً، بل ويجعل ذلك -على سبيل المبالغة- أخطر من تهديد القنبلة الذرية، ويقول في كلمات لطيفة: عندما تكون عين السائق تتركز على تلك المرأة التي يرى محاسنها فإن مقدمة سيارته ستكون متركزة في عمود كهرباء، أو عابر سبيل، أو في سيارة أخرى! وهناك دراسة أقيمت على أحد التقاطعات في عاصمة أوروبية، فوجدوا أن الحوادث تزداد في فترة الصيف، فقامت إدارة المرور بدراسة ذلك فوجدت أن السبب هو: أن بعض الفتيات يبعن الماء البارد للناس عند تقاطع الإشارات وهن يلبسن اللباس المناسب للجو الحار، فكلما جاء إنسان إلى هذا التقاطع نظر إلى تلك الفتاة وصدم في السيارة التي أمامه، فتزداد الحوادث، فقاموا بنقل هؤلاء الفتيات من هذه المنطقة فقل عدد الحوادث! قد يقول بعض الناس خاصة من الذين لا يحبون الالتزام، ولا يحبون أن يدركوا عظمة هذا الإسلام: إن هذه مبالغات، وهذه أقاصيص سمجة، وهذا نوع من الحديث العاطفي تقررونه لتثبتوا مثل هذه الأمور، وما رأينا شيئاً من ذلك. فأقول: ارجعوا واقرءوا وتابعوا، فإن الذي نذكره غيض من فيض. وبعض إدارات الشرطة طلبت أن يفصل النساء عن الرجال في المواصلات العامة، خاصة في الأوقات المتأخرة من الليل. وإذا جئنا إلى القضية الأمنية وجدنا أموراً كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.

стр. 2089

الحجاب والرعاية الصحية ثم في الحجاب أيضاً رعاية صحية، وهذه مسألة مهمة، فهناك دراسة أجريت على الفتيات والنساء اللائي يأخذن حمامات الشمس بلباس البحر، فأثبتت الدراسة أنهن أكثر عرضة للإصابة بسرطان الجلد بـ (١٣) ضعفاً عن غيرهن ممن يلبسن لباس البحر دون أن يكون مكشوف الظهر، فكيف بالمرأة المسلمة المتحجبة؟! وتقول هذه الدراسة: إن هناك سرطانات جلدية معينة كسرطان الخلية القاعدية وبعض أنواع السرطان تزداد بكثرة في النساء اللاتي يتكشفن ويتعرضن للشمس لمدة طويلة، ففي بريطانيا تزداد في كل سنة (٢٦٠٠) حالة من حالات سرطان الجلد بمعدل زيادة سنوي متنام بـ (٥٠%). ثم انظروا إلى الناحية الطبية، فقد درس بعض العلماء في أمريكا أيضاً بعض أنواع اللباس، وهو اللباس الضيق الذي يضيق على الساقين والرجلين، فقيست سيقان بعض الفتيات قبل لباسهن هذا اللبس ثم بعد لباسهن إياه بفترة، فوجد أنه يسبب تضخماً غير طبيعي وغير صحي في حجم الساقين وحجم الأرجل، وذلك بنسبة (٥%)، ويغير لون الجلد بنسبة (٧%). وأضافت المجلة الطبية البريطانية: أن السرطان الخبيث الذي يصيب الجلد في المناطق المكشوفة من جسد المرأة أصبح في تزايد مستمر حسب الملابس العارية التي تكشف أجزاء من الجسم؛ بسبب التعرض الطويل للشمس في هذه المناطق المشكوفة من الجسم. لذلك عندما يأتي أحد ويقول: نريد أن نمنع شيئاً؛ لأنه ضار صحياً، وعندما يأتي نظام من الدولة ويقول: امتنعوا عن كذا وكذا، أو لا تشربوا كذا وكذا، فماذا سيقول الناس؟ سيقولون: جزى الله هؤلاء خيراً؛ فإنهم يحافظون على الصحة العامة. ونحن نقول للذين لا يفقهون شأن الحجاب في كتاب الله وسنة رسوله: سنصدر لكم تعليمات بشأن هذا الحجاب؛ لغرض المحافظة فحسب، وهذا غيض من فيض، وتشريع الله حكمته أعظم، ومنفعته أجل. نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يلزمنا كتاب ربنا وهدي نبينا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2090

الحجاب والرعاية الاقتصادية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن تقوى الله هي التزام أمره، واجتناب نهيه في كل شأن من شئون الحياة. ومع الحجاب أيضاً نمضي لنعرف أن وراء ذلك أموراً كثيرة، ففي الحجاب رعاية اقتصادية، إذ يقل عند المرأة المحجبة استهلاك الكماليات من أمور التجميل والملابس بقدر ظاهر عن غيرها من اللاتي لم يلتزمن بالحجاب، فترى الواحدة منهن تخرج في كل وقت، فتحتاج إلى لباس جديد، وزينة جديدة وغير ذلك.

стр. 2091

الحجاب وشخصية المرأة وهناك صور أخرى ينبغي أن نتنبه لها منها: قضية شخصية المرأة، وهنا يتحدث إلينا كثيرون من الذين يزعمون أنهم متحررون فيقولون: إنكم لا تنظرون إلى المرأة إلا من الجانب الجنسي، وترون أن المرأة عورة؛ وما ذلك إلا لأنكم تنظرون بمنظار الشهوة، فنقول لهم: ما هي نظرتكم أنتم معاشر القوم المتقدمين؟! فيقولون: نحن ننظر إلى المرأة بثقافتها وفكرها وشخصيتها وعلمها، فنقول: كلامكم حسن معسول، لكن في داخله السم، وهو غير واقعي، والأمثلة تشهد بذلك، فعندما تأتي إلى بعض الوظائف وخاصة الوظائف التي في الواجهة كما يقولون، فالمطلوب سكرتيرة تجيد كذا وكذا وكذا، فإذا تساوت -ولا نقول دون ذلك- امرأتان في المهارات اللازمة للوظيفة، وكانت إحداهما أعلى من الأخرى بقليل إلا أن الثانية أجمل وأكثر غنجاً ودلالاً، فأيهما يتم اختيارها من قبل الرجال والمدراء؟ الجواب في الغالب الأعم، والذي تشهد به الإعلانات -كما سأشير الآن- هي تلك، فنقول: فأين شخصية المرأة وعلمها؟! بل قد يقدم من ليس لها تلك المهارات، ولا تلك المؤهلات؛ لأن هناك لفت نظر إلى جانب آخر. وعندما تقرأ إعلانات طلب توظيف المضيفات على الطائرات فإنك تقرأ وقد قرأت ذلك بعيني: أن يكون السن من كذا إلى كذا، فما فائدة هذا السن في المهمة والوظيفة؟! لا شيء، ثم أن تكون جميلة حسنة المظهر، فما فائدة ذلك أيضاً في نفس الخدمة ذاتها؟! ليس هناك شيء مقبول، إلا أن هناك شيئاً آخر يفرض نفسه وهو: أن المرأة ينظر إلى جمالها وإلى أنوثتها، وهذه هي الحقيقة شاء من شاء وأبى من أبى. ثم ننظر كذلك إلى الحضور العقلي والعلمي، والحضور الأنثوي والجمالي، إن المرأة إذا تحدثت إلى الرجال أو اختلطت بهم في أي أمر من الأمور المحمودة، وفي جو نظيف، فهناك حضوران: حضور علمي فكري، وحضور أنثوي جمالي، فإذا تركنا المرأة غير محجبة انصرف الناس عن علمها وعملها، ونظروا إلى دقة ساقيها، وإلى جمال عينيها، وإلى بياض بشرتها، وذلك واضح أيضاً في أجواء العمل كما سنشير إليه، وإن حجبناها بقي علمها، وأما من قال: إننا إذا حجبناها لم تعد عالمة، ولم تستطع أن تكتب، أو أن تتحدث، أو أن تقوم بأي عمل من الأعمال، فنقول: ليس هذا بصحيح، فنحن منعنا الناس أن ينشغلوا بجمالها عن علمها وعملها، وكما يقول أحد الكتاب في غير بلادنا: نحن إذا جئناك -أيتها المرأة- وأنت في وظيفة من الوظائف فإنما نريد الخدمة، ونريد العمل، ونريد إنجاز المهمة، فإذا كشفت شعرك وذراعيك شغلنا عن ذلك بهذا. فالمرأة إذا سُترِتْ أدت دورها، وبقي جمالها، وبقيت أنوثتها لبيتها وزوجها وأسرتها وأبنائها، وهذه هي فلسفة الحجاب من وجه صحيح. إحدى الشركات البريطانية الكبرى أصدرت تعميماً لموظفيها تقول فيه: إنها تطلب من النساء عدم لبس الملابس القصيرة والمثيرة، لماذا؟ لأنهم وجدوا أن هناك انشغالاً عن العمل من قبل الرجال؛ بسبب طريقة لبس بعض زميلاتهم، وهذا بدهي وواضح كما قلنا. وهكذا نرى أن الحجاب تشريع يحفظ شخصية المرأة، ويربي فيها المعاني السامية، ويحفظ نفسيتها مستقرة، ويوفر شيئاً من مالها، ويحمي عرضها ونفسيتها من عدوان المعتدين: بنظرات آثمة أو بكلمات نابية أو باعتداءات جنسية والعياذ بالله! وهنا يبقى المجتمع كله فيه نوع من الأمن والاستقرار. تلك بعض وجوه الرعاية في تشريع واحد من تشريعات المرأة ألا وهو: والحجاب، وما وراء ذلك أكثر. نسأل الله أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يصرف عنا ما لا يحب ويرضى. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأصلح أعمالنا، وحسن أقوالنا، وهذب أخلاقنا، وضاعف أجورنا، وارفع درجاتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على البلاد والعباد، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، أنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، واصرف اللهم عنا الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم احفظ أمن بلاد الحرمين وأمانها، وسلمها وسلامها، ورزقها ورغد عيشها، اللهم اجعل ذلك دائماً مستقراً مستمراً يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تولي علينا خيارنا، وألا تولي علينا شرارنا، وفق اللهم ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 2092

المرأة والدعوة [١] المرأة نصف المجتمع، ولها دور عظيم في تربية الأجيال وإصلاح المجتمع، وقد بذل أعداء الإسلام كل جهودهم لإفساد المرأة حتى يتسنى لهم بذلك إفساد المجتمعات الإسلامية، وقد نجحوا كثيراً في ذلك، فلذلك يجب على دعاة الإسلام الاهتمام بإصلاح المرأة، وتبيين مكانتها في الإسلام، والاستفادة من خصوصياتها لبنات جنسها، وتربيتها لتكون قدوة في وسط النساء لتسهم في الإصلاح والتربية.

стр. 2093

بين يدي الموضوع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض -اللهم- عنهم وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: فحديثنا بعنوان: (المرأة والدعوة)، وهذا الموضوع سينقسم إلى قسمين: قسم مختص بالمرأة. وقسم آخر يتعلق بالمرأة وصلتها بالدعوة. وحتى لا يطغى جانب على جانب، وحتى يأخذ هذا الموضوع حقه من الوقت والعرض فإنه سينقسم إلى قسمين في درسين، سيكون الشق الأول هو موضوع درسنا، وأما الشق الثاني المتصل بتفصيلات أمر الدعوة في حياة المرأة المسلمة فهو -بإذن الله موضوع درس قادم. وسينصب الحديث في هذا الموضوع على نقاط قليلة، لكنها مركزة وتهدف إلى ما يتصل بكليات مهمة بالنسبة للنظرة والتعامل والعمل للمرأة المسلمة. فسيكون أول أمر ينصب عليه الحديث: لماذا المرأة والدعوة؟ ثانياً: المرأة في التصور والمنهج والإسلامي. ثالثاً: صور حية للمرأة في عصر النبوة. ثم نختم بما يربط هذه النقاط جميعاً بإذن الله .

стр. 2094

أسباب الحديث عن المرأة والدعوة

стр. 2095

المرأة نصف المجتمع لماذا الحديث عن المرأة والدعوة على وجه الخصوص؟ ولأي أمر وسبب يكون الاهتمام بالمرأة؟ أولاً: لأنها نصف المجتمع حساً ومعنى، وهذه عبارة تتكرر كثيراً، وهي عبارة كل يستخدمها كما يرى، غير أن الأمر من الناحية المادية ظاهر، فالتعداد السكاني غالباً ما يكون عدد النساء فيه أكثر من الرجال، وعلى أقل تقدير يكون مساوياً للرجال، ومن حيث المعنى فإن المرأة سكن للزوج لا يتم استقرار حياته ولا بناء أسرته ولا تكامل آماله وطموحاته وتغذية شهواته وغرائزه إلا من خلال وجود الزوجة معه، ثم كذلك هي نصف المجتمع من حيث الإعداد والتربية والتهيئة للأجيال، فهي تتولى الشطر الأساسي المهم لإعداد الأجيال المسلمة في مرحلة الطفولة حتى تسلمهم إلى الآباء وإلى الرجال عند بدايات البلوغ والتكليف والمراهقة، مع مشاركتها -أيضاً- في هذه المرحلة، وإضافة إلى ذلك فإن الصورة تكاد تكون مطردة في كون المرأة نصف المجتمع على أكثر من صعيد، فحق علينا أن يكون لنا اهتمام يتناسب مع كون المرأة نصف المجتمع.

стр. 2096

الاستفادة من خصائص المرأة الأمر الثاني: للمرأة خصوصيات كثيرة لا يمكن أن يستفاد منها إلا بتوجيهها وإرشادها ودعوتها، ولا يتم ذلك إلا لمن يكون أبصر بها وأعلم بها وأكثر معرفة وخبرة ومعايشة لها، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال المرأة نفسها، فإن للمرأة عواطف وطبيعة فطرية مهما عرف الرجل عنها من خلال قراءة أو اطلاع أو معاشرة عدد محدود من النساء يتمثل في المحارم من أم أو أخت وكذا الزوجة فإنه لا يمكن أن يكون ذلك الخبير العارف بالطبيعة الفطرية والجبلة الغريزية التي طبعت وجبلت عليها المرأة. ومن الخصوصيات أيضاً ما يتعلق ببعض الأحكام الفقهية التي هي من خواص النساء، كأحكام الطهارة من الحيض والنفاس والحمل وما يتعلق بذلك من تفصيلات كثيرة لا يعرفها الرجال إلا من خلال العلم فحسب، ودائرة العلم التي يضبطها الرجال ليست بالكثرة الكافية، إضافة إلى أن في ملابسة المرأة للرجال ومساءلتهم في مثل هذه الأمور وافتقارها الدائم إليهم حرجاً غير قليل، وكذلك لا يلتفت الرجل في الغالب إلى بعض تلك التفصيلات وتفريعاتها، ولا يخطر على باله أنه لابد من أن يطرقها وأن يعرضها حتى تنتفع بها النساء. فالمرأة أبصر ببنات جنسها في طبعهن وفطرتهن، وكذا فيما يتعلق بالأحكام الخاصة بهن في أمور كثيرة، كأمور الطهارة والحجاب وما يلحق بهذا، ولذلك فإن لسان المرأة في هذا أبلغ، وعلمها -إن كانت متعلمة- أكثر قدرة على الوصول والبلوغ والإفهام والتفصيل والتبيين للنساء حتى يكن على بصيرة من أمرهن وعلى علم من دينهن.

стр. 2097

استهداف الأعداء للمرأة الأمر الثالث: أن المرأة المسلمة اليوم مستهدفة استهدافاً عظيماً من قبل الأعداء، والمراهنة في الحقيقة إنما هي على المرأة ليتم صرفها عن صلتها بدينها واعتزازها بقيمها وارتباطها بتاريخها، لتكون مستغربة في أفكارها، متحللة في سلوكها، متبرجة في هيئتها، ويقع بذلك إفساد لها عظيم، ثم من خلالها تقوض الأسرة المسلمة، فلا يكون هناك ذلك الرباط الشرعي الوثيق، ولا ذلك التصون العظيم الذي فيه أبلغ صور المحافظة، ولا يعود هناك تلك التربية للجيل الصاعد الناشئ على منهج هذا الدين. ومن هنا فإن إهمال المرأة المسلمة وعدم توجيه الجهود العلمية والتربوية لصياغة المرأة المسلمة على النحو المطلوب يكون هذا التقصير سبباً عظيماً من أسباب تمكن الأعداء، ولا شك أننا نعلم يقيناً أن الفترة التي سلفت -سيما في أوائل هذا القرن- كانت المعركة فيها واضحة في إخراج المرأة من بيتها، ونزع حجابها، وسلخها من حيائها، وتجردها من أنوثتها، وجر ذلك على المجتمعات الإسلامية ويلات كثيرة وشروراً عظيمة، مازال الناس يجأرون منها ويشكون منها، وهذه الآثار لست بصدد التفصيل فيها، لكنها آثار في الإيمان تضعفه وتذهب حيويته وقوته في نفوس الرجال والنساء، وهي كذلك آثار أخلاقية تفسد قيم المجتمع، وتذهب الموازين الصحيحة التي جاء بها شرع الله ، وهي -كذلك- آثار اقتصادية تضعف من اقتصاد الأمة بما يقع من سرف، وبما يقع من تفويت لكثير من المصالح بحجج كثيرة واهية، وهي -كذلك- آثار بالنسبة للمجتمع من الناحية الأمنية، حيث يكثر الاعتداء على الأعراض، ويرتبط ذلك الإفساد الأخلاقي والتحلل الذي يقع في صفوف المجتمع من خلال إفساد المرأة المسلمة؛ يرتبط بالمسكرات والمخدرات وجرائم القتل، وحسبنا ما سمعنا من الحدود التي أقيمت في أكثر من مدينة عندنا، ورأينا أن المرأة عامل مشترك، لا أقول: إنها مؤاخذة في تلك الحوادث. لكن أقول: إن إفساد نظام المرأة من الناحية الإسلامية وعدم اكتمال التزامها بشرع الله يؤدي إلى كثير من هذه المفاسد.

стр. 2098

النظرة الخاطئة للمرأة من قبل بعض المسلمين السبب الرابع: أن النظرة عند بعض المسلمين للمرأة نظرة خاطئة من الناحية الإسلامية، فإن كثيرين من الرجال في مجتمعات غير قليلة ينظرون نظرة خاطئة من الناحية الشرعية، فهم ينظرون إليها نظرة دونية فيها احتقار وازدراء، وأنها سبب للعار والشنار، وأنه ينبغي أن لا تكون لها أدنى مشاركة ولا أية صورة إيجابية في هذه الحياة الاجتماعية وحياة الأمة المسلمة. وللأسف أن هذه النظرة موجودة عند بعض الأخيار الصالحين، بل ربما عند بعض المشتغلين بأمر الدعوة والدين، فإن بعضاً منهم ينطلق ليصاحب الناس ويخالطهم، ويعظهم ويذكرهم، ويربيهم ويقيمهم على أمر الله وهو مهمل لزوجته وأبنائه، بل ناظر إلى المرأة والزوجة على أنها لا يمكن أن تفهم ولا أن تتعلم، فضلاً عن أن تكون داعية، أو أن تكون ذات أثر إيجابي فعال في المجتمع المسلم. وهذه النظرة في كثير من الأحوال نظرة مرتبطة بالتقاليد وبالعادات، وببعض الرسوم التي بعضها قد يكون قبلياً، وبعضها قد يكون موروثاً تاريخياً، هذه النظرة في حد ذاتها هي التي أوجدت ردة فعل عندما داعب أعداء الإسلام من أهل التغريب والعلمنة خيالات وعواطف المرأة لينتشلوها من هذا الوضع باعتباره وضعاً إسلامياً، يقولون لها: إن هذا الوضع إسلامي لا يمكن أن يكون مقبولاً ولا مناسباً، وينبغي أن تخرجي منه إلى الوضع الذي فيه الحرية الشخصية. وغير ذلك من الأحلام التي يداعبون بها خيالات المرأة، فتظن الأمر صحيحاً، ولا تعلم هي أنها ليست في وضع إسلامي، بل في وضع اجتماعي فيه كثير من المخالفات لمنهج الإسلام. وردة الفعل هذه هي التي جنحت ببعض النساء بعد أن كن مستعبدات مقهورات إلى أن يتمردن تمرداً لم يكن أربابهن وأولياؤهن من الآباء أو الأزواج يتصورونه منهن، ولابد من أن نعلم أن كل فعل له رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه كما يقول أهل الفيزياء.

стр. 2099

الحاجة إلى المرأة الداعية السبب الخامس: أننا بحاجة إلى المرأة الداعية على وجه الخصوص لتربية بناتنا وأخواتنا وزوجاتنا عندما لا يكون عندنا القدرة على تعليمهن وتربيتهن، أو عندما نحتاج إلى مزيد من هذا الجانب في التعليم والتربية والدعوة للاختلاط ببنات جنسها ممن لهن حظ في العلم وقدم في الدعوة وخبرة في التربية، فلذلك عندما نتحدث عن المرأة لابد من أن نشعر بأن الحديث يمسنا مساساً مباشراً، فأنت تريد لزوجتك أن تتعلم وأن تتفقه في الدين، وأنت تريد لها أن تكون مرتبطة بدين الله غيورة عليه، وأنت تريد لابنتك أن تنشأ نشأة إسلامية، وتريد لها أن تعيش في بيئة إسلامية، ونحن نعلم اليوم أن الفتن محيطة من كل جانب، وأن الإغراءات تدعو بكل قوة في كل مجال وعلى كل مستوى حتى غزتنا في عقر دارنا عبر شاشات التلفاز، وعبر أوراق المجلات الملونة، وعبر البث المباشر. فإذا لم نستطع أن نوجد المرأة الداعية التي تساعد على هذه المهمة العظمى فإن كثيرين منا لشغلهم وانشغالهم، أو لجهلهم وعدم علمهم، أو لعدم قدرتهم على التوجيه والتربية، أو لكثرة ما يحتاج إليه من وقت وجهد بالنسبة للزوجة وعدد من البنات فحينئذ سنكون كلنا متضررين إذا لم يوجد في مجتمعاتنا المرأة المسلمة الداعية.

стр. 2100

توجيه طاقات المرأة إلى ما هو نافع ومن الأسباب أيضاً: أن للمرأة طاقات عندما لا يكون هناك توجه نحو إرشادها وطلب مشاركتها لتنفع نفسها وتنفع غيرها فإن هذه الطاقات توأد وتموت، ولا يمكن أن نقبل التصور الذي يعتبر المرأة ليس عندها قابلية الحفظ ولا الفهم، فإن بعض الناس يفهم حديث النبي ﷺ بأنهن ناقصات عقل ودين أنه ضعف عقلي لا يتيح لها أن تتعلم، ولا أن تحفظ، ولا أن تفهم، ولا أن تحسن التصرف والتدبير. أقول: وهناك صور أخرى معاكسة، فإننا نجد في بعض الرجال بلادة في الأذهان وضعفاً في العقول، بينما نجد من النساء من يكن على ذكاء مفرط وعلى حافظة واسعة، وحسبنا ما ذكر في سيرة عائشة ﵂ أعظم راوية من النساء لسنة نبينا ﷺ ، وحسبنا كثير من المواقف من أزواج النبي ﵊، وما سأذكر من الوقائع والأحداث التالية. فلذلك هذه الطاقات لابد أن تستثمر، ولا تعجب عندما ترى أن أئمة من شيوخ الإسلام كان من بين شيوخهم نساء، فهذا ابن الجوزي من مشايخه ثلاث من النساء، وذكر الذهبي في مشيخته -وهو كتاب عن شيوخ الذهبي - عدداً من النساء ممن أخذ عنهن العلم، وهناك أعداد هائلة من النساء في تاريخ الإسلام كن راويات للسنة، عالمات بالأخبار، محدثات، أو مؤرخات، أو أديبات، أو مشاركات، مع التزام النهج الإسلامي وتوجيه هذه الطاقات فيما ينفع الأمة المسلمة بوجه عام والمرأة المسلمة بوجه خاص. ومن هنا رأينا عائشة ﵂ راوية للحديث، ورأينا خديجة ﵂ مثبتة للداعية الأول ﷺ ، ورأينا فاطمة ﵂ وهي تنشئ على يديها الحسن والحسين اللذين أخبر النبي ﵊ أنهما سيدا شباب أهل الجنة، وسأذكر فيما يأتي كثيراً مما يتعلق بهذا الجانب، وهناك أسباب أخرى كثيرة وعديدة فيا يتصل بسبب الحديث عن المرأة والدعوة.

стр. 2101

المرأة في التصور الإسلامي أنتقل إلى النقطة الثانية، وهي المتعلقة بالتصور العام للمرأة المسلمة في الإسلام، أو المرأة المسلمة في التصور والمنهج الإسلامي، وذلك لنعالج ما أشرت إليه في أثناء الأسباب من قصور النظرة أو عدم وضوحها، حتى إن بعض الناس قد يكون مبالغاً في أمور هي من العادات، أو هي من الأعراف التي قد يكون بعضها لا حرج فيه من الناحية الشرعية. فنحن نجد -على سبيل المثال- من الناس من يرى ذكر اسم المرأة في حد ذاته عيباً أو أمراً محرجاً مخزياً، أو نحو ذلك، بل قد يرى أن من يذكر اسم امرأة لسبب أو لآخر -أماً كانت له أو زوجة- أنه قد خرج من دائرة الحياء، وأنه ربما يعتبر من المتساهلين المفرطين، ولكن هذا غير صحيح. والنصوص في ذكر أسماء كثير من الصحابيات بين النبي ﵊ وأصحابه كثيرة، أذكر منها انصراف النبي ﷺ لما جاءت إليه صفية فخرجها معها ليقلبها -أي: ليعيدها إلى بيتها- فمر رجلان من الأنصار ثم أسرعا، فقال النبي ﷺ : (على رسلكما؛ إنها صفية بنت حيي). ولما خرجت سودة بنت زمعة ﵂ -وهذا الحديث في البخاري - لقضاء الحاجة وكن لا يخرجن لقضاء الحاجة إلا في الليل، وكان عمر ﵁ شديد الغيرة على أزواج النبي ﷺ ، فلما خرجت قال: قد عرفتك إنك سودة. حتى يبين أنه يود أن لا يعرف أزواج النبي ﷺ إذا فرض عليهن الحجاب. واستأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة ﵂ -والحديث متفق عليه عند البخاري ومسلم - فحدث ارتياع من خديجة لهذا، أو لقدومها، فقال النبي ﷺ : (اللهم! هالة بنت خويلد). وفي حديث أنس المتفق عليه أيضاً أنه قال: (إن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام، وكان بلال يستأذن للناس على رسول ﵊، فدخل مرة وقال: يا رسول الله! امرأة من الأنصار وزينب -يعني: تستأذنان- فقال النبي ﵊: أي الزيانب؟ فقال بلال: زينب امرأة ابن مسعود) والأحاديث في ذلك كثيرة.

стр. 2102

التساوي في أصل الخلقة مع الرجل أقول: أول نقطة في التصور الإسلامي العام أن أصل الخلقة واحد، وأن الرجل والمرأة ليس بينهما في أصل الخلقة فرق مطلقاً، أما النظرات السابقة في غير هذا الدين فقد كانت على غير هذا، فبعض كتب أهل الكتاب المحرفة تقول: إن أصل المرأة غير أصل الرجل من حيث الخلقة، وإنها شيطان. وبعضهم يصفها بأوصاف ومراتب مرذولة أو تدل على أنها مجمع الشر كله، وكانت كثير من الديانات والأمم السابقة تنظر نظرة غير هذا. أما دين الله فقد جاء واضحاً في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] وهذا فيه فوائد شتى، منها أن يكون هناك أصل المساواة، فلا تفاوت ولا احتقار ولا ازدراء. ومنها أن هذا من أعظم أسباب الوفاق والمودة، خلق منها زوجها فهي منه وهو منها، وبينهما تكامل في أصل الخلقة وفي طبيعة الحياة الفطرية، ولذلك يكاد يكون إجماعاً بين أهل التفسير أن قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] يتعلق بآدم وحواء، وقد أغرب صاحب تفسير المنار إغراباً عجيباً في هذا الموطن ولم يوافق أكثر أهل التفسير فيما ذهبوا إليه. ومما يدل على هذا -أيضاً- حديث أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إنما النساء شقائق الرجال)، والله قد ذكر هذا بشكل واضح كما أشرت.

стр. 2103

المنزلة الواحدة للرجل والمرأة الأمر الثاني: المنزلة الواحدة. فإن الخطاب القرآني في أمر الرجل والمرأة جاء مشيراً إلى تساوي المنزلة والرتبة في الإطار العام، فالله يقول: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]. وكذلك يقول الله : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢]. ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١]. ويقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. فالمسألة أن المرأة والرجل في منزلة واحدة، وفي صحيح البخاري -وأصل الحديث متفق عليه- عن عمر ﵁ قال: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. وفي رواية البخاري: كنا في الجاهلية لا نعد للنساء شيئاً، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقاً.

стр. 2104

التكليف الواحد للرجل والمرأة الأمر الثالث: التكليف الواحد. فالمرأة مكلفة مثل الرجل تماماً بكل أمر من الأوامر التي جاءت عامة ليس فيها خصوصية للرجال، فالله قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء:١٢٤] وهذا الأمر يدلنا على ضرورة فهم هذا التصور، لنعرف أن على المرأة تكليفاً وواجباً، فكما كلف الرجل بالعلم فالمرأة مكلفة به، وكما كلف الرجل بالدعوة فالمرأة مكلفة بها، وكما كلف الرجل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالمرأة مكلفة بهذا، وكل أمر فيه تكليف للرجل فهو على الاشتراك مع المرأة إلا ما ورد الدليل بتخصيص الرجل فيه دون المرأة، أو بتخصيص المرأة فيه دون الرجل.

стр. 2105

إكرام المرأة بعد ذل والأمر الرابع: إكرامها بعد ذل. أي أن هذا الدين جاء بإكرام المرأة بعدما كانت في أوضاع كثيرة فيها ذل لها، كما قال في وصف ما كان من شأن الجاهلية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] أين هذه المرأة بعد أن جاء الإسلام؟ لقد صارت معززة مكرمة، بل ذكر النبي ﵊ أنَّ: (من عال جاريتين وأحسن تأديبهما وتربيتهما كن وقاية أو ستراً له من النار) وذكر في شأن القيام على أمر البنات وحسن تربيتهن من الفضل ما الله به عليم في أحاديث كثيرة جداً. وقد كانت المرأة فيما سلف متاعاً موروثاً، لكن الله حفظها بهذا الدين، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩]. وكانت المرأة متعة مشاعة لكل طالب شهوة ومتعة، فلما جاء هذا الدين لم يجعل المرأة مباحة إلا وفق ضوابط، وبين المحرمات من النساء بتفصيل دقيق كما في سورة النساء: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢] إلى آخر الآيات، وكذا حديث النبي ﵊: (لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) مراعاة لمشاعرها وحفظاً لحقها.
следующие страницы →