Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
المرأة في التصور الإسلامي
أنتقل إلى النقطة الثانية، وهي المتعلقة بالتصور العام للمرأة المسلمة في الإسلام، أو المرأة المسلمة في التصور والمنهج الإسلامي، وذلك لنعالج ما أشرت إليه في أثناء الأسباب من قصور النظرة أو عدم وضوحها، حتى إن بعض الناس قد يكون مبالغاً في أمور هي من العادات، أو هي من الأعراف التي قد يكون بعضها لا حرج فيه من الناحية الشرعية.
فنحن نجد -على سبيل المثال- من الناس من يرى ذكر اسم المرأة في حد ذاته عيباً أو أمراً محرجاً مخزياً، أو نحو ذلك، بل قد يرى أن من يذكر اسم امرأة لسبب أو لآخر -أماً كانت له أو زوجة- أنه قد خرج من دائرة الحياء، وأنه ربما يعتبر من المتساهلين المفرطين، ولكن هذا غير صحيح.
والنصوص في ذكر أسماء كثير من الصحابيات بين النبي ﵊ وأصحابه كثيرة، أذكر منها انصراف النبي ﷺ لما جاءت إليه صفية فخرجها معها ليقلبها -أي: ليعيدها إلى بيتها- فمر رجلان من الأنصار ثم أسرعا، فقال النبي ﷺ : (على رسلكما؛ إنها صفية بنت حيي).
ولما خرجت سودة بنت زمعة ﵂ -وهذا الحديث في البخاري - لقضاء الحاجة وكن لا يخرجن لقضاء الحاجة إلا في الليل، وكان عمر ﵁ شديد الغيرة على أزواج النبي ﷺ ، فلما خرجت قال: قد عرفتك إنك سودة.
حتى يبين أنه يود أن لا يعرف أزواج النبي ﷺ إذا فرض عليهن الحجاب.
واستأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة ﵂ -والحديث متفق عليه عند البخاري ومسلم - فحدث ارتياع من خديجة لهذا، أو لقدومها، فقال النبي ﷺ : (اللهم! هالة بنت خويلد).
وفي حديث أنس المتفق عليه أيضاً أنه قال: (إن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام، وكان بلال يستأذن للناس على رسول ﵊، فدخل مرة وقال: يا رسول الله! امرأة من الأنصار وزينب -يعني: تستأذنان- فقال النبي ﵊: أي الزيانب؟ فقال بلال: زينب امرأة ابن مسعود) والأحاديث في ذلك كثيرة.
стр. 2102
التساوي في أصل الخلقة مع الرجل
أقول: أول نقطة في التصور الإسلامي العام أن أصل الخلقة واحد، وأن الرجل والمرأة ليس بينهما في أصل الخلقة فرق مطلقاً، أما النظرات السابقة في غير هذا الدين فقد كانت على غير هذا، فبعض كتب أهل الكتاب المحرفة تقول: إن أصل المرأة غير أصل الرجل من حيث الخلقة، وإنها شيطان.
وبعضهم يصفها بأوصاف ومراتب مرذولة أو تدل على أنها مجمع الشر كله، وكانت كثير من الديانات والأمم السابقة تنظر نظرة غير هذا.
أما دين الله فقد جاء واضحاً في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] وهذا فيه فوائد شتى، منها أن يكون هناك أصل المساواة، فلا تفاوت ولا احتقار ولا ازدراء.
ومنها أن هذا من أعظم أسباب الوفاق والمودة، خلق منها زوجها فهي منه وهو منها، وبينهما تكامل في أصل الخلقة وفي طبيعة الحياة الفطرية، ولذلك يكاد يكون إجماعاً بين أهل التفسير أن قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] يتعلق بآدم وحواء، وقد أغرب صاحب تفسير المنار إغراباً عجيباً في هذا الموطن ولم يوافق أكثر أهل التفسير فيما ذهبوا إليه.
ومما يدل على هذا -أيضاً- حديث أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إنما النساء شقائق الرجال)، والله قد ذكر هذا بشكل واضح كما أشرت.
стр. 2103
المنزلة الواحدة للرجل والمرأة
الأمر الثاني: المنزلة الواحدة.
فإن الخطاب القرآني في أمر الرجل والمرأة جاء مشيراً إلى تساوي المنزلة والرتبة في الإطار العام، فالله يقول: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧].
وكذلك يقول الله : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢].
ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].
ويقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
فالمسألة أن المرأة والرجل في منزلة واحدة، وفي صحيح البخاري -وأصل الحديث متفق عليه- عن عمر ﵁ قال: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم.
وفي رواية البخاري: كنا في الجاهلية لا نعد للنساء شيئاً، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقاً.
стр. 2104
التكليف الواحد للرجل والمرأة
الأمر الثالث: التكليف الواحد.
فالمرأة مكلفة مثل الرجل تماماً بكل أمر من الأوامر التي جاءت عامة ليس فيها خصوصية للرجال، فالله قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء:١٢٤] وهذا الأمر يدلنا على ضرورة فهم هذا التصور، لنعرف أن على المرأة تكليفاً وواجباً، فكما كلف الرجل بالعلم فالمرأة مكلفة به، وكما كلف الرجل بالدعوة فالمرأة مكلفة بها، وكما كلف الرجل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالمرأة مكلفة بهذا، وكل أمر فيه تكليف للرجل فهو على الاشتراك مع المرأة إلا ما ورد الدليل بتخصيص الرجل فيه دون المرأة، أو بتخصيص المرأة فيه دون الرجل.
стр. 2105
إكرام المرأة بعد ذل
والأمر الرابع: إكرامها بعد ذل.
أي أن هذا الدين جاء بإكرام المرأة بعدما كانت في أوضاع كثيرة فيها ذل لها، كما قال في وصف ما كان من شأن الجاهلية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] أين هذه المرأة بعد أن جاء الإسلام؟ لقد صارت معززة مكرمة، بل ذكر النبي ﵊ أنَّ: (من عال جاريتين وأحسن تأديبهما وتربيتهما كن وقاية أو ستراً له من النار) وذكر في شأن القيام على أمر البنات وحسن تربيتهن من الفضل ما الله به عليم في أحاديث كثيرة جداً.
وقد كانت المرأة فيما سلف متاعاً موروثاً، لكن الله حفظها بهذا الدين، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩].
وكانت المرأة متعة مشاعة لكل طالب شهوة ومتعة، فلما جاء هذا الدين لم يجعل المرأة مباحة إلا وفق ضوابط، وبين المحرمات من النساء بتفصيل دقيق كما في سورة النساء: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢] إلى آخر الآيات، وكذا حديث النبي ﵊: (لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) مراعاة لمشاعرها وحفظاً لحقها.
стр. 2106
التفضيل المقبول بين الرجل والمرأة
الأمر الخامس: تفضيل مقبول.
فإن التفضيل الذي جُعل للرجال على النساء مقبول ونافع للمرأة نفسها، فإن الله قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] فما هي هذه الدرجة؟ هي درجة القوامة للرجل على المرأة، لكنها ليست قوامة التسلط، وليس حقاً بلا مقابل، بل المقابل هو عز وخير ونفع للمرأة، فهي ملكة في بيتها يؤتى لها بنفقتها وتطلب من الرجل حاجتها، وهو يكدح ليوفر لها المسكن والملبس والمأكل، ويحفظها ويحوطها ويحميها مما قد تتعرض له من الأذى، ويكون قيماً على شأنها كله في مقابل أن تكون له القوامة والطاعة وتسيير دفة الحياة في الأسرة المسلمة، فهذا التفضيل ليس فيه احتقار، بل فيه منفعة ومصلحة، ولعل بعض الرجال يود أن يكون في البيت، وأن يكون هناك من يسعى ويعمل ليأتيه في آخر الشهر بمصاريف البيت ليأكل ويشرب وينام وهو مرتاح، وفي الحقيقة هذا إعزاز للمرأة وتكريم لها، أن تُخدَم وأن يكون هناك من يرعى مصالحها ويحفظ حقوقها ويحوطها من ورائها.
стр. 2107
حفظ حقوق المرأة
الأمر السادس: حقوق محفوظة.
فالمرأة في التصور والمنهج الإسلامي ليس لها حق ضائع أبداً إذا استعرضنا المنهج الإسلامي تفصيلاً، وهذا موضوع طويل جداً يستحق أن يفرد بحديث خاص؛ لأن فيه من التفصيلات ما يدل على عظمة هذا الدين، وعلى عظمة منزلة المرأة في دين الإسلام، لكني أقول على سبيل الإيجاز: للمرأة المشورة والرأي في أمر زواجها، فليست مغلوبة على أمرها، وقد ورد الحديث عن النبي ﷺ : (أن الثيب تستأمر وأن البكر تستأذن).
وعند زواجها لها الحق في المهر والصداق، وهو أمر واجب بدليل الكتاب والسنة والإجماع، كما قال الله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤].
وعندما يكون هناك تعدد وتظن بعض النساء أن في هذا انتقاصاً أقول: كلا، فإن حقوقها مع ذلك محفوظة؛ إذ أمر الرجال بالعدل والإحسان عند التعدد، فليس الأمر متروكاً للهوى، ولا للتصرف الفردي، بل هو مضبوط بشرع الله بحيث يحفظ للمرأة حقها في القسم بينها وبين ضرائرها وزوجات زوجها، وكذلك لابد له من العدل الواضح في كل ما يتعلق بالنفقة وأمور الحياة العامة، فليس لها حق مهضوم في هذا، بل حتى عندما يحصل الانفصال بالطلاق فإن لها العدة والمتعة والنفقة والصيانة، فليس الأمر في الطلاق نوعاً من إطلاق رصاصة الإعدام على المرأة، وليس هو إلغاء لوجودها، فهي عندما تتزوج ما تزال فلانة ابنة فلان، وليس كما يقول التقدميون المتأخرون: عندما تتزوج المرأة ينسى نسبها ويلغى ذكر أهلها وأبيها وتصير فلانة الفلانية نسبة إلى زوجها.
فهذا هو الحق المهضوم والشخصية الضائعة والتبعية الكاملة، أما المرأة في ظل الإسلام فحقوقها محفوظة، وحتى إذا مات زوجها فإن عليها الوفاء له بهذه العدة التي شرعها الله عليها، ولها -كذلك- حق الميراث فيما ترك هذا الزوج وخلف من مال ومتاع، فهي على كل الأحوال لها حقوق محفوظة وأحكام ترعى لها مصلحتها.
стр. 2108
استقلالها المحمود
الأمر السابع: استقلالها المحمود.
فإن الله قد ذكر لنا من قصص المؤمنات ما يدل على أن المرأة مستقلة بشخصيتها، وأن هذا الاستقلال في كثير من المواضع يكون محموداً، إذ لو قلنا: إن المرأة لا شخصية لها مطلقاً بل هي تابعة.
فإن هذه التبعية قد تؤدي بها إلى ما لا تحمد عقباه، فإن كانت بنتاً لأب وكان الأب كافراً كانت تبعاً له، أو كان فاسقاً كانت تبعاً له، وكذا إن كانت تابعة لزوج.
لكن الله ضرب لنا الأمثلة بقوله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فامرأة فرعون وسط الطغيان في بيئة الكفر استقلت بشخصيتها وبرأيها، واهتدت إلى الإيمان والتوحيد والإسلام وسط بيئة الكفر والجحود والنكران.
وذكر الله لنا من شأن النساء في القرآن صوراً كثيرة جداً تتصل بتميز شخصية المرأة، فهناك أمر طاعتها لربها واستجابتها لمولاها يتجسد في قصة أم موسى ﵇ عندما أمرها الله أن تضع وليدها في التابوت وأن تقذفه في اليم فاستجابت لهذا الإلهام الرباني.
وتبدي لنا الآيات القرآنية صورة المرأة ذات الفطنة والحيلة والذكاء تتجسد في قصة أخت موسى ﵇ لما أرادت أن تحتال لتعيد موسى إلى أمه حتى يرضع منها، قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢] فالتمسته بذكائها وفطنتها، وبأسلوب غير مباشر وغير لافت للنظر، في وقت كان التهديد عظيماً، والقتل مستحراً في كل من يولد ذكراً من أبناء بني إسرائيل، لكن هذه المرأة كان عندها من الفطنة ما أوصلها إلى حصول بغيتها كما قضى الله وقدر.
ويعرض لنا صورة المرأة بشخصيتها المتميزة في الموقف العظيم لـ أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﵊ وأم المؤمنين ﵂ لما جاء أبو سفيان ليوثق العهد ويطيل المدة بعد أن أخلت قريش بصلح الحديبية، فقصد بيت ابنته أم حبيبة لتكون شفيعة له عند رسول الله ﷺ ، فلما جاء ليجلس طوت عنه الفراش، فقال: لا أدري -يا بنية- أرغبت عني بالفراش أم رغبت بالفراش عني؟! فقالت له: إنك امرؤ مشرك نجس، وإن هذا فراش رسول الله ﷺ ! عجيبة هذه الشخصية للمرأة المؤمنة! فمن أين جاءت؟! لقد جاءت من توافر كل ما يؤيد وجودها وتقويتها في منهج هذا الدين.
وكذلك نجد هذه الصورة في صورة البذل والفداء التي يعرضها لنا الله في القرآن الكريم من خلال قصة امرأة عمران التي نذرت ما في بطنها أن يكون نذراً ووقفاً لله كما هو معروف في القصة بطولها.
كذلك يبين لنا شخصية المرأة من حيث شكواها بالنسبة للاعتداء على حقها واعتراضها لما قد يقع عليها من أذى، يتجسد ذلك في الآيات القرآنية في أول سورة المجادلة في قصة خولة بنت ثعلبة لما ظاهر منها زوجها، فجاءت إلى النبي ﷺ وشكت له حالها بعد طول عشرتها، قالت له: نثرت له كنانتي، وربيت له أبناءه، ثم بعد ذلك قال: أنت علي كظهر أمي.
وإني أخاف فتية إن تركتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا.
فكان لها في شخصيتها وتميزها ما جعلها تبدي هذا الرأي وتشكو هذه الشكوى، والأمر في ذلك -أيضاً- طويل جداً.
стр. 2109
المرأة درة مصونة
الأمر الثامن: أن المرأة في منهج الإسلام درة مصونة.
فأحكام الشرع تدفعها إلى الصيانة والحفظ بحيث لا يوصل إليها، فهي كالدرة أو اللؤلؤة المخبوءة في الصدف في قاع البحر لا يصل إليها إلا من يبذل الجهد ويغوص ويبحث ثم يخرج هذه اللؤلؤة أو الجوهرة، فلا يخرجها إلا وقد سعى إليها وأخذها بحقها، ولذلك كان في تشريعات الإسلام الحجاب والستر وعدم الاختلاط بالرجال، كل ذلك يجعلها محفوظة وليست متاعاً رخيصاً يشترى ويباع كما هو حال المرأة في غير منهج الإسلام، وكما هو حال المرأة المستغربة في شرق الأرض وغربها ومن تبعها من بنات الإسلام، تجدها اليوم كأنها بضاعة تعرض، وإذا زاد العرض -كما يقولون- قل الطلب، وللأسف أنها تمتهن كرامتها ويعتدى عليها حساً ومعنى؛ لأنها خرجت عن دائرة هذا الإسلام.
فالله قد قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ومنع المرأة من أن تأتي من الأمور ما قد يكون سبباً في الاعتداء عليها، فقال جل وعلا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] حتى في أدق الأمور، قال : ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وجعل للمرأة أن لا تنكح إلا أن تطلب وأن تمهر، فجعلت على هذه الصورة المشرقة الوضيئة التي فيها حفظها وصيانتها وكمالها بإذن الله .
ومن تصورات المرأة في ظلال الإسلام أن لها مزايا ممنوحة، فليست هي شيئاً عارضاً أو هامشياً في حياة المجتمع المسلم، بل لها كل الحقوق والمزايا الممنوحة، فلها حق التعليم، كما في الحديث المتفق عليه عند البخاري من حديث أبي بردة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) هذا حق لها، وكذلك ما توجه به النبي ﷺ من وعظ النساء وتذكيرهن.
стр. 2110
المشاركة المضبوطة في الحياة الاجتماعية
الأمر الأخير: أن للمرأة مشاركة مضبوطة في الحياة الاجتماعية.
فليست مشاركة المرأة متسيبة فوضوية، بل هي مشاركة إيجابية مضبوطة على غرار ما قالت عائشة ﵂: (كن النساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمرطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس) أي: ينصرفن مسرعات.
فهذه مشاركة في أمر العبادة، ومشاركة في أمر المناسبات كصلاة العيد، كما في حديث أم عطية ﵂: (كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج الحيض وذوات الخدور فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم) وهكذا كانت مشاركتها في سائر المجالات مضبوطة.
فعندما ننظر إلى هذا التصور بشكل عام نرى كيف تكون المرأة المسلمة في ظلال الإسلام، فليست مغايرة للرجل في خلقة، ولا هي في منزلة أدنى منه، ولا تغايره بتكليف بعيد عنه، ولا بانعدام للمشاركة، ولا بحرمان من المزايا، ولا بأية صورة من الصور التي تؤدي إلى وأد إمكاناتها وقصور شخصيتها وضعف تكوينها، بل على العكس من ذلك.
стр. 2111
صور حية للمرأة المسلمة
أنتقل إلى النقطة الثالثة، وتتعلق بصور حية للمرأة المسلمة في حياة النبي ﵊.
وهذه النماذج هي أمثلة قليلة لصور كثيرة توجه إلى الرجال الذين ينظرون إلى المرأة نظرة دونية لا يرون أن عندها أهلية لتعلم أو لدعوة، أو أن تكون بصيرة بأمر دينها أو عابدة لربها، بل نظرهم لها نظرٌ محدودٌ.
وكذلك للنساء ليعلمن كيف كان نساء المسلمين في عهد رسول الله ﵊، وهذا من وجهين: لتعلم الملتزمات الخيرات الصينات كيف كانت النساء على المراتب العالية في وجوه الخير.
وأيضاً للنساء المفرطات المقصرات، عل ما يذكر في هذه القصص ينبههن إلى قصورهن وتفريطهن فيرجعن إلى الله .
فالحديث مقصود به الرجال ليعرفوا كيف كانت المرأة، وللنساء ليعرفن -أيضاً- كيف كانت أختهن من قبلهن في عهد رسول الله ﷺ .
стр. 2112
المرأة العابدة
الصورة الأولى: المرأة العابدة.
لقد كانت المرأة كالرجل في ميدان التنافس على طاعة الله ، وهذا الحديث الصحيح يبدي لنا صورة مشرقة من هذه الصور، وهو حديث زينب (لما دخل النبي ﷺ ورأى حبلاً معلقاً، قال: ما هذا؟ قالوا: حبل لـ زينب تصلي، فإذا فترت أو تعبت تعلقت به.
فقال النبي ﵊: ليصل أحدكم نشاطه، فإذا تعب فليرقد) وفي بعض الروايات عنه ﵊: (إن الله لا يمل حتى تملوا).
الصورة هي ذلك الحرص العجيب من زينب ﵂ في عبادتها لله ، وقيامها الليل، ومبالغتها في أمر العبادة حتى على حساب راحتها، فهذا درس للمرأة التي تقضي ليلها في السهرات والزيارات، وربما مشاهدة الأفلام والتمثيليات، وربما في الغناء والرقصات، وكذلك ذكرى للرجل الذي قد ينظر إلى المرأة أحياناً نظرة احتقار وينام هو وإذا بزوجته قد قامت لتتوضأ وتصلي صلاتها وتؤدي وترها، وهذا يقع كثيراً، فإن كثيراً من الرجال الصالحين يرجع إلى بيته وقد ذهب هنا وهناك في بعض أمور الخير وفي بعض الأمور التي فيها تفريط وضياع للأوقات، فيأتي وينام والمرأة هي التي تقوم وتصلي في كثير من الأحوال، فلا ينظر إليها نظرة احتقار مع تقصيره هذا.
وقد دعا النبي ﷺ الرجل والمرأة ليكونا شريكين في هذا، كما في سنن أبي داود: (رحم الله امرءاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته، فإن لم تستيقظ نضح عليها شيئاً من الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها، فإن لم يستيقظ نضحت عليه من الماء).
هذه الصورة هي صورة المشاركة ومعرفة منزلة المرأة وسبقها في كثير ممن أبواب الخير وحرصها عليه، والذي يغلب على النساء -إن كن على خير وصلاح- أنهن في شأن العبادة أكثر سبقاً من الرجال، فإن البيئات التي فيها التزام نجد المرأة في غالب الأحوال أكثر قراءة للقرآن، وأكثر حرصاً على النوافل والرواتب، وأكثر توجهاً للبذل والإنفاق، وأكثر حرصاً على الذكر والدعاء.
стр. 2113
المرأة المنفقة
الصورة الثانية: المرأة المنفقة.
والإنفاق في حد ذاته دليل على طبيعتها وفطرتها الطيبة، وعلى عاطفتها الرقيقة ومشاركتها الإيجابية في مشكلات المجتمع وفي نصرة الإسلام والمسلمين، وفي حديث مسلم لما ذكر في قصة بلال ودعوة النبي ﷺ للنساء أن يتصدقن قال في آخر الحديث: (وكان أكثر من يتصدق النساء) والحديث -أيضاً- عند البخاري بلفظ آخر، وقد قال ابن حجر رحمة الله عليه قولة جميلة لعلها مما يفرح النساء، ولكنها -أيضاً- توجب عليهن أن يكن مبادرات متأسيات بنساء الصحابة؛ لأنهن في ذلك الوقت بذلن حتى كان شأنهم كما ذكر في الرواية: (فكانت إحداهن تضع الفتخ والقرط) يعني: تضع شيئاً من الذهب والحلي التي تتجمل به المرأة.
قال ابن حجر: وفي مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يعز عليهن من حليهن مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالة على رفيع مقامهن في الدين وحرصهن على امتثال أمر رسول الله ﷺ .
وأقول: فيه دليل على ترفع المرأة عن الزينة وكونها ليست أسيرة للزينة والحلية وإن كان من طبعها أنها تحبها، لكنها إذا جد الجد ودعا داعي الخير فإنها تقدم دينها على حليها، وتقدم نصرة دين الله على تجملها واستكمال ما يتعلق بحليتها.
стр. 2114
المرأة المتوكلة
والمرأة المسلمة أيضاً متوكلة، وهذه صورة جميلة جداً تبين لنا أن المرأة.
وإن كنا نعرف أن لها عاطفة رقيقة وطبيعة لينة لكنها بإيمانها تكون ذات توكل واعتماد على الله عظيم.
جاء عند البخاري ومسلم قصة جابر في غزوة الخندق، فقد جاء إلى النبي ﷺ وقد رأى ما على النبي ﵊ من شدة الجوع والتعب، فذهب إلى بيته فوجد عناقاً وشيئاً من الشعير، فقال لزوجته: لو أعددت طعاماً فأدعو رسول الله ﵊.
وذهب إلى الرسول ﵊، فقال: طعيم لنا يا رسول الله.
يعني أنه قليل من الطعام، فإذا بالنبي ﵊ يدعو المهاجرين والأنصار إلى هذه الوليمة التي لا تكفي إلا لعدد قليل.
هذه الرواية جاء فيها أن جابراً جاء إلى زوجته وقال: ويحك! جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معه.
وفي الرواية الأخرى قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله ، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق.
قال: فدخلت على امرأتي وقلت: افتضحت جاءك رسول الله ﷺ بأهل الخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم.
قالت: الله ورسوله أعلم، ونحن قد أخبرناه بما عندنا.
قال الرجل: فكشفت عني غماً شديداً.
لما كانت متوكلة مؤمنة فهي تعلم أن الأمر مادام من عند رسول الله ﵊ فسيكون على صورة لا تعرفها، ولذلك قال: فكشفت عني غماً شديداً.
واليوم نحن نعلم أن طبيعة المرأة أنه يكشف عنها الغم، لكنها إن كانت مؤمنة متوكلة كانت على غير ذلك، قال ابن حجر معلقاً على هذا: ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها.
стр. 2115
المرأة الصابرة المحتسبة
ونعلم جميعاً أن المرأة كذلك محتسبة تصبر وتتحمل، وحسبنا في ذلك الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى لترين ما أصنع -وفي رواية: اجتهدت عليه في البكاء- فقال: ويحك! أَوَهبلت؟! أوجنة واحدة هي؟! إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس).
والشاهد أنها قالت: ما جزاؤه عند الله؟ فإن عرفت أنه في الجنة صبرت واحتسبت.
ولابد من أن تكون المرأة المسلمة متأسية بهذا الجانب، فنحن نرى في كثير من نسائنا هلعاً وفزعاً لا يليق بإيمان المرأة المسلمة، فهي تخاف على ابنها من نسيم الهواء أن يخدش خده، كما قال القائل مبالغاً: أغار عليك من إدراك طرفي وأخشى أن يذيبك لمس كفي فأجتنب اللقاء حذار هذا وأعتمد التلاقي حين أغفي هذا الأمر الذي فيه نوع مبالغة في التحوط لا شك أنه لا يليق بالمرأة المسلمة، نعم قد يقال: طبيعتها محبة ابنها وخوفها على بنيها أو زوجها.
لكنه لا يبلغ ذلك المبلغ؛ لأن عندها عصمة من الإيمان.
وحسبنا -أيضاً- أم سليم وزوجها أبو طلحة، وقصتها معلومة حين كان ابن أبي طلحة مريضاً، وجاء إليها في الليل يسألها وكان ابنها قد مات، فقال: ما حاله؟ قالت: قد هدأت نفسه.
وتعني أنه قد فاضت روحه، ثم تهيأت لزوجها وتصنعت له حتى عاشرها في ليلتها، فلما أصبح قالت له: ما رأيك في بني فلان كان عندهم عارية لقوم فلما جاءوا وطلبوها غضبوا؟ قال: العارية مستردة.
فقالت: فإن ابنك كان عارية عندك وإن الله قد استرد عاريته.
فغضب وذهب إلى رسول الله ﵊ يشكو صنيع هذه المرأة، فأثنى النبي ﵊ على صنيعها، ودعا لها وله بالبركة، فرزق ذرية كثيرة صالحة طيبة كثر خيرها وطال عمرها، فهذا نموذج للمرأة المسلمة المحتسبة.
стр. 2116
المرأة الداعية
وهذا نموذج للمرأة الداعية، وأذكر موقفين عجيبين ذكرا في الأحاديث الصحيحة: أولهما: ما يتعلق بقصة امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ، وقد كان خرج مع بعض أصحابه -كما قال عمران بن حصين - في سفر أو غزو، وأرادوا أن يأخذوا بعض الماء، فإذا هم بامرأة ومعها مزادتان تحملهما فيهما ماء، فسألها بعض الصحابة عن الماء، فقالت: إنه بعيد.
أي: مسافته بعيدة.
وهي كانت تحمل الماء، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بمائها ثم دعا فيه ففاض الماء حتى سقى القوم، ثم لما رجعت إلى قومها جعل الصحابة إذا أغاروا يغيرون على من حولهم ويتركون رهط هذه المرأة، وفي بعض الروايات أنها قالت لقومها لما رجعت: إني قد أتيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا.
وهذه رواية البخاري، فهدى الله ذلك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا.
وفي رواية أوضح أنها قالت: ما أرى هؤلاء -تعني المسلمين- يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ تعني: يدعون غزوكم وهم يغزون هنا وهنا، ويغيرون على جيرانكم.
فأطاعوها فدخلوا في الإسلام بدعوتها هي، ولا شك أن هذا أمر مهم.
ونعلم -أيضاً- قصة أم سليم حين جاءها أبو طلحة يطلب الزواج منها وهو مشرك، فعرض عليها مهراً فأبت لأنه مشرك، ثم حضته فقالت: إن أسلمت تزوجتك.
فجعل مهرها إسلام زوجها، فجعلت الزواج الذي كان يطلبه لحظ نفسه سبباً لإسلام هذا الرجل ودعوته إلى هذا الإسلام.
стр. 2117
المرأة التي تطلب العلم
والمرأة أيضاً كانت طالبة علم.
وهنا مواقف كثيرة، لكني أقتصر منها على القليل، فمن ذلك الحديث الصحيح الذي فيه: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ وقالت له: غلبنا عليك الرجال -أو قالت كما في بعض الروايات: يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك- فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله).
فانظر إلى حرص طالبة العلم، وهذا للنساء وللرجال، فبعض الرجال لا يرى أن المرأة تطلب العلم أبداً، ولا تحتاج إلى أن تتعلم ولا تعرف أن تتعلم؛ لأن بعض الناس لا يتصور أن تكون هناك امرأة لها فقه وعلم ومعرفة بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وكأن الأمر حكر على الرجال، مع أنني قد ذكرت أن من شيخات كثير من الأئمة نساء فضليات عالمات، فقالت هذه المرأة: (غلبنا عليك رجال -أو: ذهب الرجال بحديثك- فاجعل لنا من نفسك يوماً تأتينا فتعلمنا مما علمك الله.
فجعل لهن رسول الله ﷺ يوماً، وقال: اجتمعن في يوم كذا.
فأتاهن وعلمهن ﵊ قال ابن حجر معلقاً على هذا الحديث: وفيه ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين.
وصورة أخرى تذكرها عائشة في الحديث الصحيح، قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
وليس الأمر كذلك فحسب، بل عند المرأة -وهي من سمات طالبة العلم- نوع من التمييز الذي يجعلها على أقل تقدير- إن لم تعرف خطأ القول فإنها لا تراه على الصحيح أو على الصواب، فتلتمس له تصويباً وتصحيحاً، وذلك ظاهر في حديث سبيعة بنت الحارث لما كانت تحت سعد بن خولة وتوفي في حجة الوداع وهي حامل، فلما طهرت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابك بن بعكك فقال: مالي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح؟! والله لا يكون لك ذلك حتى تقضي أربعة أشهر وعشراً عدة المتوفى عنها زوجها.
فما قنعت بقوله، وما كانت صاحبة عقل ضعيف، بل أخذت ثيابها فأتت رسول الله ﷺ فأفتاها بأن لها أن تتزوج، قال ابن حجر مشيراً إلى هذه الفائدة: فيه ما كان في سبيعة من الشهامة والفطنة، حيث ترددت فيمن أفتاها حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وهكذا ينبغي لمن ارتأى أنه لا يستيقن بصحة فتوى من استفتاه.
قال: وفيه مباشرة المرأة السؤال فيما ينزل بها ولو كان مما يستحيي النساء من مثله.
стр. 2118
المرأة والسياسة
وصورة أخيرة: المرأة ومشاركتها السياسية أو في الأمور المهمة العامة.
وأذكر هذه الواقعة لـ خولة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، لقيها عمر في الطريق فسلم عليها فردت ﵇ واستوقفته تقول له: هيه يا عمر! عهدتك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تروع الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت.
فقال الجارود: قد أكثرت على أمير المؤمنين أيتها المرأة.
فقال عمر: دعها، هذه خولة امرأة أوس بن الصامت، قد سمع الله قولها من فوق سبع سماوات.
وحسبنا موقف أسماء ﵂ من الحجاج وقد دخل عليها بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير ﵁، فقال لها: ما رأيت فيما فعلت؟ قالت: قد باعك دنياه بآخرتك.
فأعجم وأحصر، ثم لم يعد إلى خطابها ولا إلى مواجهتها، ومعنى كلامها أنه قد ذهب ومضى وقتل، ولكن ذلك على حساب آخرة الحجاج، فكانت له واعظة.
وفي الصحيح -أيضاً- مشاركة عظمى لـ حفصة، حيث دخل ابن عمر على حفصة وقال لها: أرأيت أمير المؤمنين لا يستخلف! وذلك لما طعن عمر قالت: فإنه سيستخلف.
قال: لا أرى ذلك.
قالت: فإنه ليستخلف.
فهذه أيضاً مشاركة أو صورة من الصور المهمة.
стр. 2119
المرأة المجاهدة
والمرأة كما أنها داعية وطالبة علم وغير ذلك هي -أيضاً- مجاهدة، فإن أحاديث كثيرة قد وردت في مشاركة المرأة المسلمة في الجهاد من خلال كثير من الأعمال التي تقوم بها، كما ورد في حديث أم عطية ومشاركتها في الجهاد، وكذلك حديث الربيع بنت معوذ قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.
وفي حديث أم عطية: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى.
стр. 2120
المرأة البليغة القوية في الحجة
وأخيراً المرأة بليغة قوية الحجة، يظهر ذلك في الحديث الطويل والقصة التي وردت في حديث أسماء بنت يزيد ﵂ لما جاءت إلى رسول الله ﵊ وهو بين أصحابه وقالت: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك) هذه المبعوثة الرسمية من النساء، وهذا يدل على أن للنساء رأياً، فقد اجتمعن وتشاورن ورأين حاجتهن إلى أمر أو افتقارهن إلى إجابة سؤال، فبعثن من تقوم بهذا الأمر.
وقد قالت هنا أسماء: أنا وافدة النساء إليك، ثم خاطبت الرسول ﵊ وهو بين أصحابه، فقالت: (إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، إننا معشر النساء مقصورات محصورات، قواعد بيوتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات، وشهود الجنائز والحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله ، وإن أحدكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في هذا الأجر والخير؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها؟ فقالوا: يا رسول الله! ما ظننا أن امرأة تهتدي لمثل هذا -كأنهم رأوا في ذلك تميزاً وعقلاً واعياً ولفظاً جامعاً وحجة قوية وأدباً جماً في الوقت نفسه- فالتفت النبي ﷺ وقال: افهمي -أيتها المرأة- وأعلمي من ورائك من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله.
فانصرفت المرأة وهي تهلل).
هذه صور حية هي عظة وقدوة لنساء اليوم، وهي كذلك تذكرة للرجال أن من بين النساء من تكون على قدم سابقة في الدعوة، وعلى قدم راسخة في العلم، وعلى إيمان واحتساب وتوكل وعبادة وخير عظيم ينبغي أن لا ينكر، بل ينبغي أن يذكر وأن يشكر، وكلنا أبناء لأمهات قمن بتربيتنا وبتوجيهنا وبتأديبنا، فلما شببنا عن الطوق وكبرنا نسينا أننا تخرجنا من مدرسة الأمومة، ثم بعد ذلك فئنا إلى ظلال الزوجة نحتاج منها إلى قضاء الوطر، ونحتاج منها إلى تهيؤ المستقر، ونحتاج منها إلى حفظ الأولاد والأموال، وننطلق بعد ذلك ونغفل عنها ولا نذكر لها فضلاً أو لا نعرف لها قدراً.
وأيضاً تأتينا بعد ذلك بناتنا وهن من زهرة الحياة الدنيا، وكل ذلك ينبغي أن يكون مذكراً لنا بفضل المرأة ومكانتها.
وأختم الحديث بأن أقول: إن الأمر المهم هو أن ندرك وأن نفهم تصور الإسلام ومنهجه للمرأة المسلمة، وأن نعرف أن هذا التصور أخرج لنا هذه الأمثلة، وقد رأيت واطلعت على صور كثيرة من مشاركة المرأة المسلمة مشاركة إيجابية في كثير من مناحي الحياة ونفعها للمجتمع المسلم، ليس من مجرد قصص وأخبار تأريخية، بل من الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا ما كان إلا لهذا المنهج الإسلامي الكامل الشامل، وجاءت بعده هذه الصور، فنحن بين أمرين: لابد من أن نفهم المنهج، وأن نحسن التطبيق.
وعدم فهم المنهج واختلال التصور فيه اختلالاً كبيراً يؤدي إلى عدم وجود أمثلة صحيحة نافعة، وفي الوقت نفسه فإن ضمور الأمثلة وعدم وجودها بين صفوف النساء إنما هو لعدم التزام المنهج، فإنه قد يفهم ولكنه لا يلتزم، ولذلك لابد من الأمرين.
وكما قلت: إن حديثنا عن المرأة والدعوة سيستكمل -إن شاء الله تعالى- بذكر ما يتعلق باحتياجنا للمرأة الداعية، وسنتحدث عن مواصفات المرأة الداعية، وعن مجالات الدعوة النسائية، وعن العوائق التي تعوق المرأة في طريق دعوتها، وما يتعلق بأمور عملية ومشاريع وأفكار ينبغي لنا أن نطبقها وأن نحسن تطبيقها حتى ينتفع النساء وينتفع المجتمع بشكل عام.
فإنه -على سبيل المثال- لابد من أن يحرص كل رجل على زوجته وبناته أن يحضرن مجامع الخير، وأن يسمعن الذكر عبر الشريط، وعبر حضور خطبة الجمعة في المسجد، وعبر حضور الدرس أو المحاضرة إن أمكن ذلك ولم يكن هناك مانع شرعي.
وكذلك يسعى إلى أن يكون للنساء ارتباط بالأنشطة النسائية ومشاركة فيها، وأن يكون حريصاً على تفقيه أهله وتعليمهم، فإن لم يكن عنده القدرة أو العلم أو الوقت فإنه يسعى إلى أن يكون لهن صلة بنساء لهن حظ من العلم وخبرة وقدم في التربية والدعوة، فيحصل الخير بذلك إن شاء الله، وينفع بذلك نفسه وأهله.
والله أسأل أن يوفق ويسدد.
стр. 2121
الأسئلة
стр. 2122
صلاح المرأة صلاح للمجتمع
السؤال
إن العلمانيين والذين يهدفون إلى تحرير المرأة وخروجها إلى العمل ومنافسة الرجال يقولون: إذا فسدت المرأة المسلمة فسدت أسرة كاملة، فما هو التفسير؟ وهل عكس العبارة مفيد للإسلام والدعوة الإسلامية؟
الجواب
نعم، إذا صلحت المرأة فإننا نكون قد أعددنا لبنة صالحة لإنشاء أسرة صالحة أيضاً.
стр. 2123
معاونة المرأة لزوجها في الدعوة
السؤال
لا يخفى أن جزءاً من قيام المرأة بالدعوة أن تكون عوناً لزوجها الداعي على دعوته، فهذه مساهمة منها في الدعوة بطريق غير مباشر، ولنا في أم المؤمنين خديجة ﵂ أسوة حسنة؟
الجواب
أقول: هذا جيد، لكن في التطبيق بعض الخلل، عندما تكون الزوجة داعية فهل يقف الزوج ليكون معيناً لها في دعوتها؟! سؤال يحتاج إلى إجابة عملية، فإن هذا جزء من العوائق.
فإن كان عندها إمكانية أن تقوم بالدورين فهي تثبت زوجها وعندها قدرة أن تؤثر في بنات جنسها وأن تقوم بالدعوة بينهن فهذا أمر طيب.
فإن الزوج إذا لم يكن ناظراً بالنظرة الصحيحة والتصور الذي أشرت إليه فإنه يقول: يكفيها أن تكون عوناً لي في الدعوة، ويعني بالعون هذا أموراً يتصورها هو، فلابد من أن تتزين له، ولابد من أن تقدم له طعامه، وأمور أخرى كلها من الأمور المادية وقليل من الأمور المعنوية اليسيرة، ولا ينظر إلى ما قد يمكن أن تفيد به نفسها وبنات جنسها من جانب آخر.
стр. 2124
معنى حديث: (ناقصات عقل ودين)
السؤال
نريد تفسير الحديث: (النساء ناقصات عقل ودين)؟
الجواب
ذكر أهل العلم هذا الأمر بشكل واضح، أما نقصان الدين فذلك أنهن يمكثن الأيام والليالي لا يصلين ولا يصمن وذلك في فترة الحيض، وأما نقصان العقل فشهادة اثنتين من النساء بشهادة رجل واحد، وليس في هذا نوع من الاحتقار، وإنما هو نوع مراعاة للفطرة، فإن المرأة بطبيعتها وبما شرع الله لها تقعد عن الصلاة والصيام في وقت الحيض، وتمتنع من قراءة القرآن ومن اللبث في المسجد وغير ذلك من الأمور المعروفة، وبالنسبة للشهادة فذلك لغلبة عاطفتها، وربما غلبة العاطفة يكون لها أثر في بعض الأحوال في ضعف الذاكرة، ومعروف أن المرأة تغلبها عاطفتها في كثير من الصور والأحوال.
وصل -اللهم- وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2125
المرأة والدعوة [٢]
وجود المرأة الداعية بين بنات جنسها لا يقل أهمية عن وجود الرجل الداعية في المجتمع، وذلك لأن المرأة أعرف بهموم المرأة ومشاكلها واهتماماتها وما يؤثر عليها، وبالتالي تكون أجدر من الرجل في معالجة قضايا النساء ودعوتهن إلى الله، وينبغي للداعية المسلمة أن تعرف أهداف دعوتها، وما قد يعوقها، والصفات التي ينبغي أن تتحلى بها كداعية، وغير ذلك مما يجعل لدعوتها الأثر الأكبير ويزيل ما يعترضها من عوائق وعقبات.
стр. 2126
أهداف الدعوة النسائية
الحمد الله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونصلي ونسلم على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين من العاملين والدعاة.
أما بعد: فحديثنا هو عن الدعوة بالنسبة للمرأة المسلمة، أي: ما يتعلق بالأسس والأهداف، وبالفوائد والعوائد، وبالمواصفات والسمات، وبالعوائق والعقبات، وبالميادين والمجالات، وبما يتعلق أيضاً بذلك من الموضوعات.
وأول هذه الأمور: أسس وأهداف، أي: الأسس والأهداف المهمة والرئيسة للدعوة بالنسبة للمرأة المسلمة.
وهذا أمر تهم معرفته، سيما للنساء الداعيات على وجه الخصوص؛ لأن تحديد الأسس والركائز والأهداف هو المنطلق الذي يمكن بعد فهمه وإدراكه تعيين الأساليب وتحديد الخطط التي توصل إلى تحقيق هذه الأهداف.
ولا شك أن الأهداف كثيرة من حيث التفريع، ولكنني أجملها في أصول تجمعها بإذن الله .
стр. 2127
إحياء الإيمان وتصحيح العقيدة
الأصل الأول: إحياء العقيدة والإيمان وتصحيح ما قد يكون من الانحرافات الشائعة والبدع الذائعة في صفوف المسلمات.
ولا نشك أبداً في أن ضعف الإيمان سمة قد غلبت على كثير من المسلمين ذكوراً وإناثاً، وأن ألواناً من الانحراف قد سرت إلى مجتمعات المسلمين، ولذلك يعد هذا التصحيح وهذا التحريك والزيادة للإيمان هو أهم الأهداف والأسس والمنطلقات.
ونرى في واقعنا أن هناك أموراً تفشو وتسري بين النساء أكثر من الرجال، سيما فيما يتعلق بالمعتقدات التي تتصل بالضر والنفع، فنجد بعض النساء -سيما الكبار منهن- ربما تعتقد في الحروز أو التمائم، وقد سرى -أيضاً- بين الناس أمر خطير بدأ ينتشر ويفشو، وهو ما يتعلق بالتعلق بالسحرة أو الكهنة ونحو ذلك.
وهنا -أيضاً- صور من إفراط وتفريط متعلقة بمسائل الإيمان ينبغي مراعاتها وتصحيحها، وكذلك ما يتعلق بتقوية هذا الإيمان وزيادته وإحيائه وربطه بآثاره، فإن الإيمان ليس مجرد معرفة فحسب، وليس هو العلم المجرد، بل هو مرتبط بالعمل ارتباطاً وثيقاً، وقد جعل العمل جزءاً من الإيمان، كما في حديث المصطفى ﷺ : (الإيمان بعض وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) أي: جزء منه لا يتجزأ.
وقد ذكر النبي ﷺ في أحاديث كثيرة نفي الإيمان عمن لم يقم ببعض الأعمال، وذكر أهل العلم أن هذا النفي يعني نفي كمال الإيمان عمن لم يقم بمثل هذه الأعمال.
ومن أهم ما يمكن أن يعين على ذلك الترغيب والترهيب بالنسبة للمرأة على وجه الخصوص، فتأثيره فيها أكبر ووقعه على نفسها أعظم، وهذا ميدان رحب واسع وأساس مهم عظيم.
стр. 2128
تقوية الصلة بالله
الأصل الثاني: تقوية الصلة بالله من خلال العبادة مع رعاية تصحيحها وخلوها من الأخطاء، وتعلم أحكامها، وفهم مقاصدها، وكذلك طرائق استغلال الوقت فيما هو عائد على القلب والإيمان بالحياة والزيادة في الخير، وما هو عائد على الأجر بالزيادة عند الله .
فلابد من أن يكون هناك تذكير للنساء المسلمات بأن عندهن من الوقت والفراغ ما ليس عند الرجال بحكم طبيعة أعمال الرجال وانشغالهم وكثرة عوارضهم ومشكلاتهم، فالمرأة في بيتها أقدر -وربما أكثر وقتاً وأكثر فسحة- على أن تقوم بتلاوة القرآن، والمواظبة على الأذكار، والمحافظة على السنن الرواتب وصلاة الضحى وصلاة الليل، فإن لها من فراغها ما يعينها على ذلك بشكل أكبر.
ولا شك أن ركيزة العبادة من أهم الركائز، ولها آثارها السلوكية في حياة الفرد وفي حياة المرأة على وجه الخصوص، فالله قد ذكر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وقال في شأن الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣].
وقال في شأن الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
وقال في شأن الأضحية والفدية في الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
وذكر في شأن الصيام أنه مفض إلى التقوى ومحقق لها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
فالعبادة تهذيب للنفس وتطهير لها من أوضارها، وغرس للفضائل فيها، وانعكاس لكثير من الخيرات والفضائل على سائر الجوارح من نظر وسمع ونطق، وممارسة بكل جارحة من الجوارح.
стр. 2129
الحث على فضائل الأخلاق
الأصل الثالث: الحث والتشجيع على فضائل الأخلاق المتصلة بالمرأة المسلمة على وجه الخصوص.
وهذا ميدان مهم وأساس ركين فيما يتعلق بالدعوة في صفوف المسلمات، ولابد من أن يكون هناك جهد لرسم الصورة المشرقة للمرأة في المنهج الإسلامي، وبيان أنها درة مصونة محفوظة لها شخصيتها المستقلة ومشاركتها المنضبطة وحقوقها المحفوظة ورأيها المعتبر، وكل ذلك ينبغي أن يحاط بشأن الأخلاق من الحجاب والبعد عن الاختلاط والترفع عن كل ما نهى الله عنه بعداً واجتناباً وحيطة وحذراً، فإن هذا الجانب الأخلاقي يعد من أهم الركائز أيضاً.
стр. 2130
تقويم طرائق التفكير وترتيب سلم الأولويات
الأصل الرابع: تعديل وتقويم طرائق التفكير، وترتيب سلم الأولويات، وتوضيح المهمات وغير المهمات.
فإن الفكر والتوجه العقلي هو الذي ينبني عليه كثير من الأعمال، ونحن نعلم أن المرأة بفطرتها وطبيعتها قد تغلب عليها عاطفتها، ثم نعلم كذلك أن هناك غزواً مكثفاً لأفكار المرأة ينشأ عن هذا الغزو تلك الأنماط من الانحرافات السلوكية.
فإذا كان هناك تركيز في الدعوة النسائية على تعديل طرائق التفكير وترتيب سلم الأولويات ومعرفة المهم وغير المهم فلا شك أن صياغة هذه العقلية وتشكيلها في ضوء منهج الإسلام ومن خلال ضرب الأمثلة من سير الصحابيات والمسلمات الصالحات في تاريخ الأمة المسلمة، لا شك أن هذا سيكون له أثر كبير في التوجه النفسي، فضلاً عن أثره العظيم فيما يتعلق بالممارسة السلوكية.
ولا شك أن هذا أمر مهم جداً لابد فيه من التركيز على ضرورة تميز المرأة المسلمة ولفت نظرها إلى أن ما يشاع حولها من قضايا حرية المرأة أو شخصيتها أنه في الحقيقة مسخ لتفكيرها، فإن ما يشاع اليوم وما يمنح ويقدم للمرأة المسلمة عبر مجلات ثقافية أو نواد أدبية معظمه الأكبر يتعلق بأمور تافهة، فهو يجعل المرأة لا هم لها إلا أدوات التجميل وخطوط الموضة والأزياء، وما يتعلق بالأمور الطبية من عيادات التجميل أو شد الوجه أو غير ذلك.
وليس هذا أمراً تتميز به المرأة في عقلها وتفكيرها، بل ينبغي أن يرقى تفكيرها إلى أمور أهم، ولذلك فإن صياغة هذا الجانب من الأمور المهمة أيضاً.
стр. 2131
التعريف بالأحكام الشرعية
الأصل الخامس: التعليم والتعريف بالأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء على وجه الخصوص، ومعرفة دقائقها ومنافعها، والتوعية بقضايا المرأة التي تنتشر في مجتمعات المسلمين، كقضية تحديد النسل، وتأخير الزواج، وتعارض الدراسة مع الزواج، والتنبيه على موقع الأسرة في بناء المجتمع المسلم وأهميتها.
هذا التعليم والتثقيف بهذه الأحكام هو من أعظم أسس الدعوة في مجال المرأة المسلمة؛ لأنه في الوقت نفسه من أعظم أسباب غزوها وتشكيكها في دينها أو ضعف صلتها بمنهج ربها.
فلابد من رعاية هذا الجانب والتعليم لهذه الأحكام التفصيلية في نواح شتى ليس هذا مجال ذكرها.
стр. 2132
تعرية المنكرات وبيان مفاسدها
الأصل السادس: تعرية المنكرات وبيان مفاسدها الاجتماعية وآثارها السلبية على المرأة نفسها.
فإنه لابد من أن توجه الأضواء لكشف المعايب على المنكرات التي فشت في مجتمعات المسلمين، وإظهار أن لها آثاراً سلبية تنتقص من شخصية المرأة ومن قيمتها ومن كرامتها، إضافة إلى ما يترتب عليها بعد ذلك من آثار مادية وحسية تنال من راحتها وهدوئها، بل تنال من شرفها وعفتها، بل تنال من حياتها وأمنها.
ونحن نعلم ما تلقاه المرأة التي أعرضت عن أمر الله ، سواء في مجتمعات كافرة -غربية كانت أم شرقية- أو في مجتمعات إسلامية أعرضت عن أمر الله نرى فيها كيف كثر الاعتداء على النساء، وكيف كثرت الجرائم.
فهذه التعرية والتوعية من أهم ركائز وأسس الدعوة في صفوف النساء، ويستعان في ذلك بالإحصاءات وأحوال المجتمعات الغربية، ويركز على قضايا التبرج والاختلاط والسفر إلى الخارج، ونحو ذلك من هذه الموضوعات.
стр. 2133
كشف مخططات الأعداء في المكر بالمرأة
الأصل السابع: كشف مخططات الأعداء واستهدافهم للمرأة المسلمة وتوفير جهودهم وتكثيفها للمكر بها.
وهذا جانب مهم، وعندما يثار من خلال دعوة النساء يكون له أثره المحمود، فإن بعض النساء تمارس كثيراً من الأخطاء وهي لا تدرك أنها تحقق مخططات الأعداء.
ولذلك -أيضاً- مجال واسع في نصوص كثيرة، وفي تجارب عملية يمكن للمرأة الداعية أن تضرب بها الأمثلة، وأن تذكر الصور الحية التي حلت ووقعت في مجتمعات المسلمين لتنبه المرأة إلى هذه المخططات.
стр. 2134
إحياء روح المشاركة والاهتمام بأحوال المسلمين
الأصل الثامن: إحياء روح المشاركة والاهتمام بأحوال المسلمين وأوضاعهم، واستشعار الواجب نحو النصرة لهم والإصلاح لمجتمعاتهم، ومعرفة ضرورة العمل وإيجابيته وعموم متطلباته للرجل والمرأة.
فلابد من أن يكون هناك ربط للمرأة بهموم مجتمعها وأمتها المسلمة، وإذا ترسخ هذا الاهتمام فإنه بالمقابل تضمر الاهتمامات التافهة السخيفة التي ليست جديرة بأن تكون مشغلة لوقت المرأة ولا مضيعة لجهدها أو مالها.
فإن هذا الجانب عندما يسلط الضوء عليه، وعندما تذكر حقائقه، وعندما تتابع أخباره، وعندما تتجسد من خلاله المأساة المتعلقة بأحوال المسلمين وما يلقون من المعاناة والأذى والإجرام وتسلط الأعداء عليهم، ثم من خلال بيان ما وقع في هذه المجتمعات من مخالفات لشرع الله ، وتنكب عن الصراط المستقيم، وإعراض عن هدي الرسول ﷺ ، هذه الصورة تجسد عند المرأة المسلمة توجهاً نحو المشاركة، وأن تدرك أن عليها واجباً، وأنه لا يكتفى في هذه الأمور بدور الرجل وحده، بل لابد للمرأة من أن يكون لها دورها في صفوف بنات جنسها.
стр. 2135
التركيز على رسالة المرأة في تربية الأبناء
الأصل التاسع: التركيز على الرسالة الكبرى للمرأة في بيتها وتربية أبنائها وصيانة أسرتها ورعاية زوجها.
وهذا وإن كان قد يندرج في بعض ما مضى إلا أنه مستقل بذاته؛ لأنه يشكل الركيزة المهمة لتلافي كثير من الأخطاء في المجتمع المسلم، والإعداد لتغيير إيجابي جذري مستمر في مستقبل الأمة المسلمة، كما أنه هو الركيزة التي استهدفها الأعداء واستطاعوا من خلال إخراج المرأة ومن خلال قضايا تحديد النسل وغيرها أن يزعزعوا هذا البنيان وهذه اللبنة والوحدة الأساسية، فتزعزعت كثير من أركان المجتمع.
ولذلك لابد من أن نعرف أن الأسرة ركن أساسي من أهم أهداف الدعوة في صفوف النساء.
стр. 2136
العمل لمواجهة التيار الغربي
الأصل العاشر: ضرورة مواجهة التيار من خلال العمل والدعوة، وتشكيل رأي عام مواجه.
فلابد من أن تدرك المرأة أن عليها واجباً في العمل والدعوة إلى الله، وأن التيار الجارف في شأن المرأة المسلمة على وجه الخصوص هو تيار تغريبي يعارض ويخالف تعاليم هذا الدين.
وتدرك المرأة ذلك من خلال ضخامة هذه الموجة، فهي تعلم أن الموجة الإعلامية عبر الإذاعة المسموعة، والصورة المنظورة، والكلمة المكتوبة، والصور المطبوعة في المجلات؛ أنها كلها تشكل تياراً عنيفاً عاصفاً قوياً متعدد الوسائل عظيم الإمكانيات، لمسخ شخصية المرأة المسلمة وإبعادها عن دينها.
هذا التيار لابد من أن تستشعر المرأة، وأن تركز أثناء دعوتها على أنه لابد من مواجهة هذا التيار، ولا تمكن مواجهة هذا التيار من خلال جهد الرجال أو دعوتهم فحسب، بل لابد من أن يكون للمرأة الدور الرائد في هذا؛ لأن لها تميزاً خاصاً في هذا الميدان تتفوق فيه من ناحية التأثير على المرأة والتغيير في أعمالها وتصوراتها أكثر من الرجل، فإنها أبصر بطبيعة بنات جنسها، ولسانها أبلغ في التأثير فيهن.
فهذه أسس وأهداف الدعوة بين النساء.
стр. 2137
الفوائد العائدة من وجود المرأة الداعية عليها وعلى المجتمع
الأمر الثاني: فوائد وعوائد.
أي: الفوائد التي تعود على المرأة وعلى المجتمع وعلينا جميعاً من خلال وجود المرأة الداعية وممارستها لدورها.
إن كثيراً من الرجال ينظرون إلى مشاركة المرأة في ميدان الدعوة نظرة قاصرة فيها كثير من الخلل، ويمنعونها من قيامها بهذا الدور، أو يكونون سبباً من أسباب إضعاف هذا الدور، ولو كان ذلك من خلال موازنة معتدلة أو تقديم للأولويات لكان مقبولاً، لكنه في كثير من الأحوال يكون إعاقة ليس لها مقابل يفيد وينفع، وليست إعاقة في مجال ليركز الجهد في مجال آخر، بل إعاقة في مجال دون أن يكون هناك استثمار لطاقة المرأة.
ونحن نريد بناتنا أن يكن ملتزمات صالحات، ونريد زوجاتنا أو زوجات أبنائنا في المستقبل أن يكن كذلك، ونريد أن يشيع الصلاح في صفوف المجتمع النسائي واللقاءات النسائية والمناسبات النسائية، وأن تكون مناسبات لمجتمعات إسلامية، فكيف يمكن أن يتحقق ذلك إذا لم يكن هناك المرأة المسلمة الداعية.
وهذه الفوائد نجملها في عشر نقاط، بعضها متعلق بالمرأة الداعية نفسها وبعضها بالمجتمع.
стр. 2138
شعور المرأة بالقيمة والفعالية
أولاً: القيمة والفعالية.
تشعر المرأة التي تقوم بواجب الدعوة أن لها قيمة وأن لها فعالية يمكن من خلالها أن تشارك في الإصلاح، وأن تسهم في حل المشكلات وعلاج الأمراض، إن الحركة والدعوة تشعرها بأنها يمكن أن تقدم شيئاً، وعندما تقدم شيئاً وترى آثاره الإيجابية لاشك أن مردود هذا في ثقتها بنفسها وشعورها بقيمتها، وإحساسها بأن لها تأثيراً من أهم العوائد والفوائد التي تعود على المرأة الداعية.
стр. 2139
اكتساب المرأة للعلم والثقافة
ثانياً: العلم والثقافة.
إن ميدان الدعوة يتطلب من المرأة اطلاعاً دائماً وتزوداً ثقافياً مستمراً، وعندما تريد أن تعد لدرس أو تلقي محاضرة في المجتمع النسائي فإنها تحتاج إلى أن تستحضر الآيات والأحاديث والأحكام وسير النساء الصالحات، وهذا يدفعها إلى مزيد من التحصيل، ولا تبقى منشغلة في كل وقتها بسفاسف الأمور، أو بالقراءة في مجلات، أو بحل الكلمات المتقاطعة، أو غير ذلك مما يشغل كثيراً من النساء اللاتي لا يرتبطن بالدعوة ولا يبذلن شيئاً من جهودهن ووقتهن فيها، فإن ذلك يجعلهن بعيدات عن ذلك التحصيل.
стр. 2140
اكتساب المرأة للحيوية والنشاط
ثالثاً: الحيوية والنشاط.
إن الحركة في الدعوة تبعد عن المرأة الكسل والخمول، وبعض النساء بطبيعة المجتمعات -خاصة التي ليس لها ارتباط بعمل في تدريس وغير ذلك- تقضي سحابة نهارها طريحة الفراش كأنما أقعدها المرض، فلا تستيقظ إلا قرب الظهر، ثم لا يكون عندها إلا قليل من العمل، خاصة إذا كانت تعتمد على الخادمة، فتبقى في كسل دائم وضعف مستمر كأنها شلاء عاجزة لا يمكن أن تتحرك ولا أن تنشط، بينما عملها في ميدان الدعوة يكسبها الحيوية والنشاط.
كما أنها تدفع الملل عن حياتها الرتيبة التي لا تتجاوز حدود اهتماماتها، فهي عندما تشارك في الدعوة تحضر درساً في وقت، وفي وقت آخر تناقش مشكلة، وفي مرة ثالثة تدرس حالة من الحالات، وفي مرة رابعة تجمع المعلومات عن بعض المشكلات الاجتماعية، فيكون هناك حيوية ونشاط ودفع للملل، لا ذلك الكسل والخمول والرتابة التي تقتل شخصيتها وتطمر إمكانياتها وتهدد طاقاتها.
следующие страницы →