Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
العمل لمواجهة التيار الغربي
الأصل العاشر: ضرورة مواجهة التيار من خلال العمل والدعوة، وتشكيل رأي عام مواجه.
فلابد من أن تدرك المرأة أن عليها واجباً في العمل والدعوة إلى الله، وأن التيار الجارف في شأن المرأة المسلمة على وجه الخصوص هو تيار تغريبي يعارض ويخالف تعاليم هذا الدين.
وتدرك المرأة ذلك من خلال ضخامة هذه الموجة، فهي تعلم أن الموجة الإعلامية عبر الإذاعة المسموعة، والصورة المنظورة، والكلمة المكتوبة، والصور المطبوعة في المجلات؛ أنها كلها تشكل تياراً عنيفاً عاصفاً قوياً متعدد الوسائل عظيم الإمكانيات، لمسخ شخصية المرأة المسلمة وإبعادها عن دينها.
هذا التيار لابد من أن تستشعر المرأة، وأن تركز أثناء دعوتها على أنه لابد من مواجهة هذا التيار، ولا تمكن مواجهة هذا التيار من خلال جهد الرجال أو دعوتهم فحسب، بل لابد من أن يكون للمرأة الدور الرائد في هذا؛ لأن لها تميزاً خاصاً في هذا الميدان تتفوق فيه من ناحية التأثير على المرأة والتغيير في أعمالها وتصوراتها أكثر من الرجل، فإنها أبصر بطبيعة بنات جنسها، ولسانها أبلغ في التأثير فيهن.
فهذه أسس وأهداف الدعوة بين النساء.
стр. 2137
الفوائد العائدة من وجود المرأة الداعية عليها وعلى المجتمع
الأمر الثاني: فوائد وعوائد.
أي: الفوائد التي تعود على المرأة وعلى المجتمع وعلينا جميعاً من خلال وجود المرأة الداعية وممارستها لدورها.
إن كثيراً من الرجال ينظرون إلى مشاركة المرأة في ميدان الدعوة نظرة قاصرة فيها كثير من الخلل، ويمنعونها من قيامها بهذا الدور، أو يكونون سبباً من أسباب إضعاف هذا الدور، ولو كان ذلك من خلال موازنة معتدلة أو تقديم للأولويات لكان مقبولاً، لكنه في كثير من الأحوال يكون إعاقة ليس لها مقابل يفيد وينفع، وليست إعاقة في مجال ليركز الجهد في مجال آخر، بل إعاقة في مجال دون أن يكون هناك استثمار لطاقة المرأة.
ونحن نريد بناتنا أن يكن ملتزمات صالحات، ونريد زوجاتنا أو زوجات أبنائنا في المستقبل أن يكن كذلك، ونريد أن يشيع الصلاح في صفوف المجتمع النسائي واللقاءات النسائية والمناسبات النسائية، وأن تكون مناسبات لمجتمعات إسلامية، فكيف يمكن أن يتحقق ذلك إذا لم يكن هناك المرأة المسلمة الداعية.
وهذه الفوائد نجملها في عشر نقاط، بعضها متعلق بالمرأة الداعية نفسها وبعضها بالمجتمع.
стр. 2138
شعور المرأة بالقيمة والفعالية
أولاً: القيمة والفعالية.
تشعر المرأة التي تقوم بواجب الدعوة أن لها قيمة وأن لها فعالية يمكن من خلالها أن تشارك في الإصلاح، وأن تسهم في حل المشكلات وعلاج الأمراض، إن الحركة والدعوة تشعرها بأنها يمكن أن تقدم شيئاً، وعندما تقدم شيئاً وترى آثاره الإيجابية لاشك أن مردود هذا في ثقتها بنفسها وشعورها بقيمتها، وإحساسها بأن لها تأثيراً من أهم العوائد والفوائد التي تعود على المرأة الداعية.
стр. 2139
اكتساب المرأة للعلم والثقافة
ثانياً: العلم والثقافة.
إن ميدان الدعوة يتطلب من المرأة اطلاعاً دائماً وتزوداً ثقافياً مستمراً، وعندما تريد أن تعد لدرس أو تلقي محاضرة في المجتمع النسائي فإنها تحتاج إلى أن تستحضر الآيات والأحاديث والأحكام وسير النساء الصالحات، وهذا يدفعها إلى مزيد من التحصيل، ولا تبقى منشغلة في كل وقتها بسفاسف الأمور، أو بالقراءة في مجلات، أو بحل الكلمات المتقاطعة، أو غير ذلك مما يشغل كثيراً من النساء اللاتي لا يرتبطن بالدعوة ولا يبذلن شيئاً من جهودهن ووقتهن فيها، فإن ذلك يجعلهن بعيدات عن ذلك التحصيل.
стр. 2140
اكتساب المرأة للحيوية والنشاط
ثالثاً: الحيوية والنشاط.
إن الحركة في الدعوة تبعد عن المرأة الكسل والخمول، وبعض النساء بطبيعة المجتمعات -خاصة التي ليس لها ارتباط بعمل في تدريس وغير ذلك- تقضي سحابة نهارها طريحة الفراش كأنما أقعدها المرض، فلا تستيقظ إلا قرب الظهر، ثم لا يكون عندها إلا قليل من العمل، خاصة إذا كانت تعتمد على الخادمة، فتبقى في كسل دائم وضعف مستمر كأنها شلاء عاجزة لا يمكن أن تتحرك ولا أن تنشط، بينما عملها في ميدان الدعوة يكسبها الحيوية والنشاط.
كما أنها تدفع الملل عن حياتها الرتيبة التي لا تتجاوز حدود اهتماماتها، فهي عندما تشارك في الدعوة تحضر درساً في وقت، وفي وقت آخر تناقش مشكلة، وفي مرة ثالثة تدرس حالة من الحالات، وفي مرة رابعة تجمع المعلومات عن بعض المشكلات الاجتماعية، فيكون هناك حيوية ونشاط ودفع للملل، لا ذلك الكسل والخمول والرتابة التي تقتل شخصيتها وتطمر إمكانياتها وتهدد طاقاتها.
стр. 2141
اكتساب المرأة للجدية والطموح
رابعاً: الجدية والطموح.
إن العمل الدعوي إذا خاضته المرأة وشاركت في بعض ميادينه ومجالاته يدفعها إلى استثمار الأوقات والجد في الحياة، فليس عندها وقت تضيعه؛ لأن عندها متطلبات، فهناك شيء يحتاج إلى تحضير، وهناك نساء يحتجن إلى أن تزورهن وأن تذكرهن بأمور دينهن، وهناك ما يستدعي منها بذل جهد أو وقت أو تفكير أو كتابة، فهذا يجعلها جادة.
ويغلب علينا وعلى كثير من النساء في المجتمع أن النظرة للمرأة أنها ليست جدية في أمر من الأمور مطلقاً، وأنها لا تهتم إلا بالأمور التافهة، وأنها قد تبذل وقتاً طويلاً وفكراً عميقاً لتفكر في ابتكار تسريحة لشعرها أو لتمزج بين موضة وأخرى أو نحو ذلك.
لكن عندما يكون هناك عمل دعوي تكون هناك جدية وارتفاع في الطموح، فلا تكون نظرتها في سفاسف الأمور، بل تكون نظرتها في قضايا الأمة وأحوالها وما نخر في مجتمع المسلمين من البلاء والفساد، وما سرى إلى بنات جنسها من الانحراف والتلوث الفكري والممارسة السلوكية البعيدة عن شرع الله ، ذلك كله يكون عندما تكون مرتبطة بالدعوة.
فليس عندها الوقت للمبالغة في الزينة أو متابعة مستجداتها أولاً بأول ولحظة بلحظة، وكذلك ليس عندها حزن على ما يفوتها من هذه الأمور، بل تحزن إذا فاتتها فرصة الإسهام في نصرة هذا الدين والدعوة إليه.
стр. 2142
محافظة المرأة على دينها وتنمية حسناتها
خامساً: المحافظة والنماء.
إن محافظة المرأة على إيمانها أمر مهم، ونحن نعلم أن المرأة بحكم طبيعتها لا تشهد كثيراً من الجماعات، ولا تحضر كثيراً من الجمع، وقد لا تستطيع حضور كثير من الدروس، وفترة حيضها تحول بينها وبين الصلاة والصيام، فإذا كانت في ميدان الدعوة منشغلة به فإنها تبقى على ذكر من دينها، وتبقى محافظة على إيمانها وصلتها بربها، بل هي في نماء وزيادة؛ لأن معاناة الدعوة والغيرة على دين الله والحرقة على حرمات الله من أعظم الأسباب التي تغذي الإيمان وتزيده وتحافظ عليه.
стр. 2143
تميز المرأة الداعية ومقاومتها للعادات الخاطئة
سادساً: المقاومة والتميز.
عندما ترتبط المرأة بالدعوة يدفعها ذلك إلى مقاومة العادات والتقاليد الاجتماعية الخاطئة، ويجعلها أيضاً متميزة، فلا تكون مرتبطة بكل ما ترتبط به النساء من الأعراف والتقاليد، مثل أن لا تزور فلانة من الناس إلا إذا زارتها.
فالمرأة عندما تنشغل بالدعوة وتعرف أن الناس غافلون، وتستحضر حديث النبي ﷺ عندما ضرب لنفسه المثل وللمعرضين فقال: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم من النار) وكما قال الله في وصفه ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] أي: أنت مهلك نفسك وأنت تتبع آثار القوم، وتغشى مجالسهم، وتذهب إلى بلادهم وديارهم، كأنك أنت المنتفع دونهم.
عندما تستحضر ذلك لا تقيدها العادات والتقاليد عن الحركة والنشاط الدعوي.
فالداعية من الرجال أو النساء عندما يتشرب مبدأ الدعوة يعلم حاجة الناس، فلا تنتظر المرأة أن لا تزور فلانة حتى تزورها، أو إذا أخطأت في حقها امرأة تقول: لابد من أن تعتذر.
فعندما تتشرب المرأة فهم الدعوة وأهميتها يجعلها تتجاوز عن مثل هذه الأمور وتكون متميزة في شخصيتها.
فإننا نعلم من طبائع بعض النساء في الأوضاع الاجتماعية المعاصرة أن عندهن أموراً عارضة تافهة تحول بينهن وبين كثير من الخير لأجل قضية بسيطة، مثل أن فلانة لم تسلم عليها أو لم تبتسم لها، ويمكن أن تقاطعها مقاطعة أبدية، أما الداعية فإنها تتجاوز مثل هذه الأمور.
стр. 2144
الإقناع والإشباع
سابعاً: الإقناع والإشباع.
وهذه مسألة مهمة، فوجود المرأة الداعية يقنع اللواتي ينظرن إلى المرأة في ظل الإسلام نظرة خاطئة ويغير هذه النظرة عندهن، ويثبت لهن أن منهج الإسلام يشبع حاجات الإنسان، ويحقق كيان المرأة، ويمكن من خلال منهج الإسلام أن تتعلم المرأة وأن تنشط، وأن تمارس دوراً في المجتمع.
فهذا يكون له دوره الأكبر في إقناع هؤلاء النساء؛ لأن بعض النساء يغلب على أذهانهن أن الإسلام جعل المرأة مقيدة تقييداً كاملاً وليس لها أدنى مشاركة، وأنه حجر على عقلها ومنع مشاركتها برأيها ووأد طموحاتها.
فعندما تتحرك المرأة في ميدان الدعوة فيراها النسوة امرأة متعلمة متكلمة متحركة إيجابية، تسعى إلى التغيير، وتبذل وتضحي؛ يكون هناك إقناع عملي وإشباع لهؤلاء النساء، فيتبين لهؤلاء النساء أن الإسلام جاء بالمنهج الكامل الذي يخدم جميع جوانب الحياة على جميع المستويات، للرجال والنساء، للصغار والكبار، للمادة والروح، وفقاً لما ذكر الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
стр. 2145
الحجة والإفحام
ثامناً: الحجة والإفحام.
هناك مقولة يشيعها من ليسوا راغبين في المنهج الإسلامي وتطبيقه، يقولون: أنتم تتحدثون عن المرأة وعن حقوقها وعن حجابها، فمن الذي جعلكم أوصياء عليها؟ لماذا تتحدثون باسمها؟ نريد أن نسمع كلمتها ورأيها.
وقد يتجاوزون الحد فيقولون: إن المرأة التي تريدونها أن تتحجب هي لا تريد ذلك، بل ترغب في التحرر والانفتاح.
ولذلك إذا وجدت المرأة الداعية كان هذا إقامة للحجة وإفحاماً لهؤلاء الخصوم، فإن الرجل عندما يدعو المرأة إلى تطبيق الآداب فذلك يختلف عما إذا كانت المرأة نفسها تطلب وتؤكد أنها مقتنعة بهذا الحجاب، وأنها متدينة لله بذلك، وأنها ترغب في عدم الاختلاط، وأن ذلك فيه مصلحتها، فعندما تتكلم بلسانها تقطع حجة أولئك القوم وتفحمهم.
ولذلك فوجود المرأة الداعية من أبلغ أسباب إقامة الحجة على العلمانيين والمتكلمين بغير منهج الإسلام؛ لأنهم -كما أشرت- يدَّعون أننا نتحدث بلسان المرأة بغير رأيها، وبغير ما تريد وما ترغب، فلنسكت نحن ولتنطق المرأة الداعية، ولتتكلم بلسانها ولسان بنات جنسها، ولتجعل هذا الكلام والمطالبة بتطبيق شرع الله هو الذي يجري على لسان كل امرأة مسلمة، حتى تخرس ألسن أولئك المستغربين والعلمانيين.
стр. 2146
القوة والانتشار
تاسعاً: القوة والانتشار.
إن الفساد الذي سرى في مجتمعات المسلمين فساد عريض كبير، وتراكم عبر سنوات طويلة، فإذا أردنا تغييره فلابد من أن يكون التغيير قوياً، ولابد من أن يكون منتشراً، فاقتصار هذا التغيير على أن يكون من مهمة الرجل وبدعوته فقط يجعل قوة التغيير وانتشاره محدودة، لكن عندما تشترك المرأة ويكون هناك الرجل الداعية والمرأة الداعية يعطي ذلك للتغيير قوة ومدىً في الانتشار أوسع، فإن الرجل لا يستطيع أن يتعامل في كثير من الأوقات مع الطفولة في مراحلها الأولى، بينما المرأة تستطيع، والرجل لا يستطيع أن يشبع الحاجات الدعوية والتعليمية والتوجيهية للمرأة؛ لأن لسانه واختلاطه بها لا يمكن أن يكون مثل لسان المرأة واختلاطها ببنات جنسها، ولأنه توجد صور من الانحراف بين النساء لا يمكن أن يعرفها الرجل، ولا أن يدرك غورها وتأثيرها وانتشارها وتغلغلها بين النساء كما تدرك ذلك المرأة، فإذا أردنا قوة في التغيير وانتشاره ومواجهته لذلك الانحراف العظيم الذي تراكم عبر السنين فلندرك أن من مصلحة المجتمع أن تكون المرأة مشاركة فيه بالدعوة إلى الله بين بنات جنسها.
стр. 2147
الإبداع والإصلاح
عاشراً: الإبداع والإصلاح.
فهناك -من خلال الحركات التحررية النسائية التي جاءت في أوائل هذا القرن، والاتحادات النسائية في كثير من البلاد العربية- ظن هناك وتوهم أن القدرات والإبداعات والأقلام السيالة والألسن الفصيحة ليست إلا عند هؤلاء النساء من غير الملتزمات من متبرجات أو متحللات أو منحرفات في فكرهن، ولذلك انظر اليوم لترى يميناً وشمالاً، فربما لا تجد من تكتب في الصحافة أو تنظم الشعر أو تشارك في بعض الميادين إلا من غير الملتزمات بدين الله.
فوجود المرأة الداعية وظهور إمكاناتها يدل على أن هناك إبداعاً عند المرأة المسلمة، وإمكانية لتطوير فكرها وإعطائها صورة من القدرة على التخطيط والتنفيذ، والتنظيم، وإقامة المشروعات الإسلامية، وإيجاد الصور الاجتماعية الإيجابية، كل ذلك يمكن أن يوجد، فبدلاً من أن يكون في ظل غير الإسلام يمكن أن يوجد أيضاً في ظل الإسلام! فهذا إبداع يكون هدفه الإصلاح؛ لإن هناك في الطرف المقابل بعض صور الإبداع، لكنه إبداع انحرافي وليس إبداعاً إصلاحياً.
فهناك -مثلاً-: نساء أديبات شاعرات عندهن قوة في الكلمة وقوة في البيان، وربما ممن يكتبن القصص، لكنهن يجعلن ذلك موجهاً إلى الانحراف والبعد عن دين الله ، فعندما توجد المرأة المسلمة وتتبلور شخصيتها من خلال مشاركتها ستوجد الكاتبة المسلمة والشاعرة المسلمة والمخططة المسلمة والإدارية المسلمة، وهذا سيجعل هناك إبداعاً لا يتعارض مع الإسلام، بل يكون في إطاره وضمن حدوده، ويتوجه نحو الإصلاح.
وقد رأينا شاعرات مسلمات، فأين الكاتبات المسلمات؟ وأين القاصات المسلمات؟ أين ذلك الخطاب النسائي بلسان المرأة وكتابتها لبنات جنسها؟ غالب هذا الموجود في مجتمعاتنا لا يمثل وجهة الإسلام ولا يدعو إلى أهدافه وأحكامه.
فهذه بعض الفوائد والعوائد التي تعود على المرأة والمجتمع من وجود المرأة الداعية، فلا يظنن ظان أننا يمكن أن نستغني عن وجود المرأة الداعية، وإذا استغنينا فإننا سنفقد كثيراً من هذه الصور، ولن نجد من يعلم بناتنا ولا من يكون قدوة لهن، ولا من تحسن التخطيط والتدبير والقدرة على التغيير، إلى غير ذلك مما أشرت إليه سابقاً.
стр. 2148
صفات المرأة الداعية
الأمر الثالث: مواصفات وسمات.
أي مواصفات وسمات تتعلق بالمرأة الداعية، لتحاول المرأة التي تسير في نهج الدعوة أن تلتزم هذه المواصفات، وهذه الأمور فيها تفريعات كثيرة، لكنني أحاول أن أذكر أصولاً تجمع ما يتفرق من هذه الفروع.
стр. 2149
الإيمان والالتزام
أولاً: الإيمان والالتزام.
لابد من أن يكون عند المرأة الداعية إيمان صحيح لا تشوبه شوائب الابتداع ولا تنقضه بعض صور الشرك والانحراف، وأن يكون عندها إخلاص صادق ونية خالصة ابتغاء وجه الله ، وليس هناك رياء ولا سمعة ولا طلب لحظوظ الدنيا، وأن يكون عندها صدق توكل على الله، والتجاء إليه عندما تمر بها بعض المشكلات أو العوائق، فإن من مستلزمات الإيمان ومن صوره المشرقة صدق التوكل على الله وعظمة الثقة بالله .
وأن يكون لها صورة الالتزام بالأحكام الشرعية وعلى رأسها العبادة من الفرائض والنوافل والصلة الدائمة بالله ، فلا شك في أن هذا الأمر هو الأساس، وفكر بدون هذا الالتزام، أو علم بدون هذا الالتزام، أو تحرك بدون هذا الالتزام لا يمكن أن يكون له قيمة ولا أثر؛ لأن هذا هو الأصل الذي يبنى عليه ما بعده.
стр. 2150
التصون والاحتشام
الأمر الثاني: التصون والاحتشام.
وقد يندرج فيما سبق، لكن تمييزه مهم جداً، فإن المرأة الداعية منظور إليها من قبل النساء، فكما أن الرجل الذي يدعو هو تحت المجهر فينظر إليه في كلامه وأفعاله كيف يكون، فإن أحسن كان لذلك أثر إيجابي، وإن أخطأ وجد أثر ذلك في انصراف الناس عنه، إذا كان ذلك حال الرجل فإن المرأة كذلك، وأعظم سمة ينبغي أن تتميز بها المرأة في ظل هذه الحملات التغريبية والصورة الانحرافية لبعض نساء المسلمين أن تكون حريصة على حجابها وتصونها واحتشامها، وأن لا تخرجها دعوتها عن حد الاحتشام، ولا تسلبها صفة الحياء، ولا تفقدها سمة الأنوثية، ولا يطغى هذا الجانب الدعوي فيجعلها تترخص في بعض هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون هذا الأمر آكد أمر عندها وألزم واجب في حقها.
стр. 2151
التفقه والمؤاخاة
الأمر الثالث: التفقه والمؤاخاة.
لابد للمرأة الداعية من أن تكون على علم بشرع الله ، سيما ما يتعلق بشئون المرأة والأسرة، والأحكام المتعلقة بذلك من أحكام الحيض والنفاس والحجاب والطهارة وحقوق الزوجة على زوجها والزوج على زوجته، وأحكام الطلاق والعدة والإحداد.
فهذا لابد للمرأة الداعية من أن تحرص قدر استطاعتها على أن تحوز أكبر قدر ممكن من العلم به، لأن سؤال النساء عنه كثير، فإذا كان عندها حظ من العلم فإنها كلما سألتها سائلة وجدت عندها جواباً، فيكون ذلك أدعى إلى ارتباط النساء بها وجعلها قدوة بينهن، وشعورهن بأن عندها من العلم ما يستحق أن يلجأن بسببه إليها إذا تعلمن على يديها.
وهذا التفقه أساس يكمله الفهم والبصيرة في مقاصد الدين وكلياته، وكذلك الإدراك للواقع والوعي به، فإن هذا جانب والجانب الثاني يكمله وهو مهم.
فلابد للمرأة المسلمة من أن تحيط قدر المستطاع بأخبار المسلمين وما يحل بهم، وكذلك ما يتعلق بالمرأة المسلمة على وجه الخصوص في هذه الأحداث، وليس من المقبول أن تكون المرأة منعزلة عن واقع المجتمع وما يجري في بيئة ودول الإسلام، بل ينبغي أن تكون محيطة بذلك ولو بحده الأدنى، لتحرك النساء وليشعرن أيضاً أن عندها من التميز والمتابعة ما ليس عندهن.
ولو ركزت على جانب النساء فهو أفضل أيضاً، فعلى سبيل المثال: في محنة البوسنة والهرسك وفلسطين صور شتى، لكن يمكن أن تركز على صور العناء الذي يقع على النساء، وما وقع لهن من الاغتصاب وما جرى عليهن من الاعتداء، إلى غير ذلك من الأمور.
ولابد أيضاً من أن يكون عندها نوع من الإدراك والمعرفة بواقع المرأة في المجتمعات الغربية والأوروبية والأمريكية، حتى يمكن أن تستثمر ذلك وأن توظفه في مجال الدعوة، ولابد من أن تدرك بعض الآثار التي وقعت للمرأة المسلمة من جراء الغزو التغريبي والعلمنة التي سرت في بيئات المسلمين، وتحرص في ذلك على أن يكون عندها متابعة للدراسات والإحصاءات والأخبار التي تنشر في بعض الصحف والمجلات، فإن هذا من أهم الأمور التي إذا حصلتها قد يكون لها تأثير في صفوف النساء كبير.
وهذا أمر واسع جداً، ويمكن أن تكتسبه المرأة من خلال مطالعتها لبعض الكتب أو متابعتها لبعض الصحف، والأرقام والإحصاءات كثيراً ما تكون ذات تأثير بالغ، فإن هناك أرقاماً وإحصاءات عن الاعتداء على النساء في المجتمعات الغربية، وعن مناداتهن بالرجوع إلى البيت، وعن بعض الآثار من شيوع الفواحش ومن كثرة الاغتصاب ومن أولاد الزنا، هذا كله له أثره في ثقافتها وتفقهها ومعاصرتها لواقعها، مما يجعل لها شخصية يمكن أن تكون أكثر تأثيراً في النساء.
стр. 2152
التميز والاستعلاء
رابعاً: التميز والاستعلاء.
لابد أن تكون المرأة الداعية متميزة على غيرها، مستعلية على سفاسف الأمور التي تشيع بين الناس، وأعني بذلك صورة التميز في الجانب الاجتماعي على وجه الخصوص، فينبغي أن لا تكون مرتبطة بكل العادات والتقاليد التي فيها كثير من ضياع الأوقات، وبعض المخالفات أيضاً، فلا تكون منشغلة بمظهرها وزينتها، وإن كان هذا من حق المرأة، لكن هناك مبالغة بين صفوف النساء.
فالمرأة الداعية لابد لها من أن تتميز في هذا الجانب، وأن تأخذ بحد مقبول أو حد أدنى، ولا يشغلها ذلك بصورة كبرى، فتكون عندما تنظر إليها الأخريات يقلن: إن فلانة -في الحقيقة- متميزة بجديتها مستعلية على هذه الأمور زاهدة في دنياها.
فهذا بصورة أو بأخرى يعطيها قدراً من التميز.
ولابد مع التميز من القدرة على الاستيعاب، لابد من أن تبتعد عن الحساسية المفرطة التي تقع بين النساء، فإذا سمعت كلمة أو رأت موقفاً ينبغي أن يكون عندها من سعة الأفق ورحابة الصدر ما تتعالى به عن هذه الأمور، ويكون عندها قدرة على الاستيعاب، فيكون عندها الابتسامة المشرقة الدائمة، والنفس التي تتلقى المشكلات وتمتصها، فإن هذا مهم جداً، ولا تكون ذات تدقيق في الأمور التي لا داعي لها، فلابد من أن يكون عندها بعد عن حظوظ النفس، وقدوة في الكلام والمظهر، وبعد عن الغضب والانفعال والقضايا العاطفية التي تقع في بعض المواقف النسائية.
стр. 2153
البذل والعطاء
خامساً: البذل والعطاء.
من أهم السمات التي تتميز بها المرأة المسلمة بذلها من جهدها ووقتها ومالها في سبيل الله نصرة للمسلمين ودعوة لبنات جنسها، فعندما تنظر النساء إلى امرأة تبرعت بحليها تكون صورتها بينهن صورة القدوة التي تحتذى، وكذلك عندما يجدن أن المرأة قد تركت بعض زينتها لتبذل ذلك الوقت للدعوة إلى الله وعندما يجدن أنها تشارك أحياناً مشاركة عملية مع زوجها أو مع محرم لها فتنجد المسلمات وتتفقد أحوالهن في بعض الميادين، ويكون ذلك على سبيل راحتها، وعلى سبيل سعادتها الدنيوية، فإن هذا مهم جداً في شخصيتها لتكوينها النفسي والإيماني والعملي، وكذلك هو مهم في صورتها التي تجعلها قدوة بين النساء.
стр. 2154
الموازنة والاعتدال
سادساً: الموازنة والاعتدال.
من أهم هذه الصفات صفة الموازنة والاعتدال، فإن على المرأة حقوقاً تجاه زوجها، وتجاه أبنائها وتجاه بيتها، وتجاه دعوتها، فينبغي أن لا تفرط في جانب على حساب جانب؛ لأن ذلك سيربك حياتها كلها، وسيعطل جميع مناحي مشاركتها، فإذا اندفعت مع دعوتها وأهملت زوجها، فلاشك أنه سيطالب بحقه وسيكون محقاً في منعها أو في معارضتها في هذا المجال الذي تكون فيه، وإذا اعتنت بشأن بيتها وزوجها، وقصرت وامتنعت ولم تشارك من قريب ولا من بعيد، ولا بقليل ولا بكثير في أمر دعوة النساء وتذكيرهن وتعليمهن، وعندها الإمكانات وعندها العلم وعندها الفهم والإدراك فلا شك أنها تكون قد قصرت في ذلك.
لذلك لابد للمرأة الداعية من ترتيب الأولويات، ولابد لها من استغلال الأوقات، ولابد لها من التنظيم والتخطيط، فلا تكون المرأة الداعية عفوية، ولا عاطفية، ولا تجعل نفسها دون ترتيب، فإذا اتصلت بها امرأة لتدعوها إلى دعوة أجابت مباشرة، فينبغي أن تكون عندها أولويات وتخصيص وترتيب للأوقات، وموازنة في هذا الجانب، فهي إذا رتبت أمرها بحيث يكون عندها درس في الأسبوع، ومحاضرة في الشهر، فإذا جاءتها دعوة من غير ترتيب مسبق، ومن غير وقت كاف، فإنها ترفض هذه الدعوة ولو كانت مهمة في بعض الأحيان؛ لأنها ينبغي أن تكون عندها أولويات وتخصيص وترتيب للأوقات، وموازنة في هذا الجانب.
فإذا رتبت أمرها ثم جاءتها دعوة من غير ترتيب مسبق، ومن غير وقت كاف فإنها ترفض هذه الدعوة ولو كانت مهمة في بعض الأحيان؛ لأنها سوف تربك أولوياتها، وتخلط أوراقها، بل قد تجعلها تقصر في بعض حقوقها، وهذه مسألة قد يقع فيها تجاوز نظراً للحالة بعينها، لكن في الإطار العام لابد من هذا الترتيب؛ لأن المرأة ليست مثل الرجل يمكن أن تخرج في أي وقت، ويمكن أن تشارك في أي عمل، فلابد من أن ترتب نفسها وأن تعد برنامجها بالموازنة والاعتدال، حتى تستطيع أن تشارك وأن تؤدي الدور من دون حيف ولا تقصير.
стр. 2155
المعرفة والمبادرة
سابعاً: المعرفة والمبادرة.
وأعني بالمعرفة معرفة الأوضاع النسائية على وجه التفصيل والدقة، فلا ينبغي للمرأة الداعية أن تكون بعيدة غير مختلطة ولا عارفة بما يجري في مجتمعات النساء، والمصطلحات اللاتي يتداولنها، والمسميات التي يستخدمنها، والعادات التي تجري بينهن، فإن علمها بهذا من أعظم أسباب قدرتها على التوجيه والإصلاح.
ولابد من أن يكون عندها روح المبادرة، فإن الطبيعة التي تغلب على بعض النساء من الحياء أو الإحراج أو غير ذلك، قد تمنعها من أن تؤدي دورها وأن تقوم بواجبها في الدعوة، ولا يعني ذلك أن تكون مندفعة أو متهورة، لكن ينبغي أن لا يكون عندها ذلك التحسس والإحراج الذي يمنع كثيراً من النساء من العمل الدعوي والقيام بواجب الدعوة.
стр. 2156
التعقل والاتزان
ثامناً: التعقل والاتزان.
أعني به التفكير والتخطيط والبعد عن الاندفاع العاطفي، ومعرفة الاستعدادات والإمكانيات، فينبغي أن تعرف استعدادات النساء وإمكانياتهن، وأن تجعل لكل فئة من النساء أسلوباً معيناً وخطاباً محدداً، فالكبيرات في السن من النساء لهن خطاب وإمكانات غير ما للصغيرات من طالبات المدارس والجامعات، واللواتي سبقن إلى الصلاح لَسْن مثل غيرهن من اللواتي انحرفن أو انجرفن في بعض مجاري ومسالك الفساد.
فلذلك لابد من أن يكون عندها تعقل فيما تطرح من أمور الدعوة، ولابد من أن يكون عندها معرفة بأنه لابد من التدرج في بعض أساليب الدعوة، سيما في التنفيذ والتغيير، ولابد من أن يكون عندها تعقل في النظرة المستقبلية ودراسة للسلبيات والإيجابيات المتوقعة أثناء مسيرتها في عمل الدعوة، وهذه أمور تخضع لجوانب كثيرة تحتاج إليها المرأة المسلمة الداعية تستكمل من خلال ما سلف من الأمور.
فإذا كانت مؤمنة ملتزمة وعالمة مدركة للواقع، وكانت متميزة متابعة مستوعبة بطبيعتها النفسية والفطرية قادها ذلك إلى أن تكون متعقلة قادرة على ترتيب وتخطيط الأمور.
стр. 2157
التجديد والابتكار
تاسعاً: التجديد والابتكار.
فإن المرأة عندها قدرة على التجديد والابتكار والتنويع، فلتجعل هذه القدرة في الدعوة، وبدلاً من أن يصرف التجديد والابتكار في الموضة والأزياء وديكور المنزل فحسب، فليصرف في أساليب الدعوة، فمرة عبر بطاقات، ومرة عبر شريط، ومرة عبر حوار، ومرة عبر مشهد، ومرة عبر أسلوب آخر من أساليب الإهداء، فهذا التجديد والابتكار يجعل للدعوة قبولاً عند النساء، ويجعل هناك الحيوية التي لا تجعل الملل يتسرب إلى العمل الدعوي في صفوف النساء.
стр. 2158
ميادين ومجالات الدعوة للمرأة
رابعاً: ميادين ومجالات: وأعني بها ميادين ومجالات الدعوة للمرأة المسلمة.
فهناك مجالات كثيرة جداً، وهذه المجالات تجعل حديثنا إلى المرأة المسلمة حديث من يعتب عليها في عدم استغلالها لهذه المجالات، ومن لا يعذرها في أن تقوم بواجبها في هذه الميادين.
стр. 2159
المجال التعليمي
أولاً: المجال التعليمي.
تكتظ المدارس بالطالبات، وتمتلئ الجامعات بهن أيضاً، وهذه الفئة من الشابات هن أمهات المستقبل القريب، وهذا المجال التعليمي من أهم المجالات التي ينبغي أن تطرقها المرأة المسلمة الداعية، فالمُدرِّسةُ التي حباها الله علماً وإيماناً والتزاماً لابد من أن تستشعر أن هؤلاء البنات أمانة في عنقها، وأن توجيههن وإرشادهن إلى الخير واجب لازم عليها، وأنها لابد من أن تستغل كل صورة ممكنة وكل وقت متاح للتأثير عليهن، سيما مدرسات التربية الإسلامية اللواتي يدرسن مواد الدين من توحيد وفقه وحديث وثقافة إسلامية، لابد من أن يكون هناك استغلال لهذا المجال، وأنشطة إسلامية توجه الفتيات المسلمات في مجال التعليم.
وهناك -بحمد الله قنوات متاحة، فهناك وحدات للتربية الإسلامية، أو مجالات لأنشطة الدعوة الإسلامية، مثلما يكون هناك جمعيات علمية وغيرها، فهناك -أيضاً- نشاط الدعوة الإسلامية في المدارس وفي الجامعات ينبغي بذل الجهد والطاقة بكل وسيلة ممكنة لاستغلاله واستثماره، فنحن نشكوا ويشكو غيرنا من وجود صور من الانحراف وتبادل الصور والرسائل وغير ذلك في مدارس الطالبات، وكذا في الجامعات، فهؤلاء سوف تنتشر هذه الممارسات الخاطئة والسيئة إلى غيرهن إن لم تقم المرأة الداعية من مدرسة أو طالبة بدورها الإيجابي في الدعوة، ويمكن أن نذكر هنا بعض الأمور: أولاً: القدوة، سيما في المُدرِّسة، فالمُدرِّسة وشخصيتها لها أثر كبير في الدعوة في هذا المجال، ونحن نعلم أن الجانب العاطفي في المرأة يجعلها إذا أعجبت تعلقت، فالطالبة التي تعجب بالمدرسة وترى فيها تميزاً في علمها وسمتاً وحرصاً من هذه المعلمة على الإرشاد والتوجيه تتعلق بها، وإذا تعلقت بها فإنها في غالب الأمر تتقبل منها وتجعلها مستودع سرها، وتجعلها المرجع لحل مشكلاتها، وتجعلها المستشار لرأيها عندما تعرض لها أية قضية تحتاج فيها إلى رأي أو إلى قرار، وهذا يجعل المدرسة قادرة على التوجيه والتربية، فلتحرص المدرسة على أن تكون قدوة وأن تكون متحببة متقربة إلى الطالبات مختلطة بهن حتى تكسب قلوبهن، وتستطيع أن تؤثر على عقولهن، وأن تغير من سلوكهن، ولا بأس في هذا الصدد أن يكون للمدرسة علاقة بأم تلك الطالبة، حتى تعرف منها بعض الأخبار، وأن تتعرف على أسرتها إذا استطاعت، ولو من خلال المحادثة الهاتفية، فإن ذلك يعمق القدرة على التأثير في هذا الجانب.
الجانب الثاني: استغلال الأنشطة والقيام بها من خلال بعض الدروس والمحاضرات وتوزيع الأشرطة والكتيبات والمشاركات الاجتماعية من خلال أمور أخرى سيأتي ذكرها، فيمكن أن تمارس في المدارس وفي الجامعات، وهذا مهم جداً، ويكفي أن نعلم أن عدد الطالبات في المدارس الثانوية أكثر من عدد الطلاب، وعلى سبيل المثال: يبلغ عدد الطالبات في المرحلة الثانوية -فقط- في مدينة جدة وحدها أكثر من ثماني عشرة ألف وخمسمائة طالبة، فانظر إلى هذا الكم لو أحسنت المدرسات أو الداعيات من غير المدرسات عبر بعض الأنشطة الرسمية من المحاضرات والندوات، لو أحسن وبذلن الجهد في التحضير والإعداد وفي المشاركة والإلقاء وفي المتابعة والتقويم، فلاشك أن هذا التأثير سيؤتي -إن شاء الله ثماراً جيدة وحسنة.
стр. 2160
المجال الدعوي
ثانياً: الميدان أو المجال الدعوي.
وأعني به مؤسسات من طبيعة عملها الدعوة، مثل قسم النساء في الإغاثة، أو قسم النساء في الندوة، أو القسم النسائي في جماعة تحفيظ القرآن، فإن هذه الأقسام من طبيعة عملها أن تقدم المحاضرات والندوات، وأن توزع الأشرطة والكتيبات، وأن تقيم الأنشطة التي تعرف بأوضاع المسلمين وما جرى لهم، والأحداث الواقعة في مواقع ومواطن شتى، هذا كله ينبغي أن تستنفذ الداعيات الجهد فيه، خاصة في مجال تحفيظ القرآن ونشره بين النساء وبذل الجهد لأن يكن مدرسات في هذه المدارس، وأن يقمن بإعداد برامج للمحاضرات والدروس العلمية، والدورات التخصصية من خلال هذه الميادين النسائية وما يلحقها من أنشطة أخرى، مثل بعض المراكز الصيفية، أو المدارس التي تعد بعض الدورات الخاصة بالنساء، والبرامج الثقافية المستمرة مثل المحاضرات الأسبوعية أو الشهرية، فهذا ميدان رحب خصب لابد من أن تبذل النساء الداعيات فيه جهداً مضاعفاً قدر المستطاع.
стр. 2161
المجال الاجتماعي
ثالثاً: المجال الاجتماعي.
وأعني به بعض جمعيات النفع العام، وهذا خطاب إلى المرأة المسلمة الداعية على وجه الخصوص، فلابد من أن تشارك في هذا المجال، والجمعيات النسائية يغلب عليها أنها تهتم ببعض الظواهر البسيطة وبعض المعارض الخيرية، مثل ما يسمونه (يوم الطفولة).
فينبغي للنساء المسلمات أن يشاركن في هذه الجمعيات، وأن يكون لهن دور في تقديم المنهج الإسلامي عبر الكلمة وعبر المشاركة في بعض هذه البرامج، إضافة إلى مناسبات اجتماعية كثيرة فيها صور شتى لممارسة الدعوة، مثل الأفراح، ونحن نرى اليوم -بحمد الله بعض الصور الإيجابية بدلاً مما كان فيما سلف، فقد كان هناك مغنية أو راقصة أو غير ذلك، وأصبح هناك اليوم كلمة من امرأة داعية وإنشاد إسلامي وبعد عن المحرمات، فهذه المشاركة -أيضاً- من أهم المشاركات؛ لأنها تتصل بقطاع عريض من النساء، وتنبههن إلى خطر تلك المخالفات الشرعية، مع التركيز وانتهاز الفرصة لبيان مزايا الأسرة المسلمة وواجباتها، إلى غير ذلك من الصور التي يمكن استغلالها.
أيضاً من المناسبات الاجتماعية العزاء، وقد يجتمع النساء في العزاء أكثر من اجتماع الرجال، وجلوسهن أكثرُ وقتاً من جلوس الرجال، ووقتهن يكون أنسب أحياناً، فاستغلال هذا من الداعيات لتذكير النساء بالموت وبالآخرة وتنبيههن إلى واجباتهن وغير ذلك أمر مهم محمود، وهو -بحمد الله بدأ يشكل ظاهرة في كثير من مجالس أو مجامع النساء في العزاء، فأصبحت الداعيات -بحمد الله- يبذلن جهداً في هذا لمجال.
هذا إضافة إلى صور أخرى من صور الدعوة غير المباشرة من خلال أمور اجتماعية، مثل الأسواق الخيرية أو الطبق الخيري أو المعارض الإسلامية، أو استغلال المناسبات الأسرية على مستوى العائلة كلها، فهذا -أيضاً- مجال واسع وخصب.
стр. 2162
المجال الإعلامي
رابعاً: المجال الإعلامي.
لابد من أن تشارك المرأة في مجال الكتابة، سيما في الصحافة الإسلامية النسائية، فإن كتابة المرأة عن موضوعات المرأة أبلغ، والنساء يقرأن ما تكتبه النساء أكثر مما يقرأن ما يكتبه الرجال، فلماذا لا تشارك المرأة في هذا المجال؟ حتى من خلال تأليف الكتب والرسائل، فإن الكتابة أيضاً وسيلة إعلامية يمكن أن توصل بها المرأة الداعية كثيراً من الأفكار والتوجيهات والإرشادات إلى قطاع عريض من النساء.
وهنا تقصير غير قليل في هذا الجانب، فنحن لا نرى الكم الكافي ولا المشاركة الفعالة من النساء الداعيات في هذا الميدان، وتركت الساحة لغيرهن، وربما اشتهر بعضهن ممن كثرت مشاركاتهن وراجت بين كثير من النساء.
وهناك ميادين شتى، فكل مجلة إسلامية فيها قسم للمرأة المسلمة، بل بعض المجلات -مثل مجلة النور السعودية- نصفها مخصص للمرأة المسلمة والطفولة وغير ذلك، والمرأة أخبر بهذا، فلماذا لا تشارك ولا تكتب ولا تجعل مشاركتها في الدعوة متنوعة عبر اللسان ومن خلال القلم، وأيضاً من خلال الصورة العملية؟!
стр. 2163
المجال الأسري
خامساً: المجال الأسري.
وهو من أهم المجالات، وما أخرته لأنه أقل أهمية، لكن لأنه من الأمور البدهية التي نعتبر أن ممارستها لا تحتاج إلى التنصيص عليها، فالمرأة يمكن أن تكون داعية لزوجها، وكثير من النساء الصالحات ربما كان أزواجهن من المقصرين ومن الذين يضيعون أوقاتهم في السهر واللعب ومن المقصرين في أداء العبادات، ويمكن للمرأة بأسلوبها الحسن وبطريقتها الحكيمة أن تكون داعية لزوجها.
ولاشك أن أبناءها هم أهم ميدان لدعوتها من خلال تربيتهم وتحفيظهم لكتاب الله ، وتحفيظهم للأذكار من صغرهم، وتعليمهم الآداب الإسلامية، وتحذيرهم من المخاطر المترتبة على الانحراف والبعد عن دين الله ، سيما النساء أو الفتيات أيضاً، فالمرأة عندما يكبر الأطفال ويصيرون شباناً ربما يكون دورها معهم أقل، ويكون دورها مع الفتيات أكبر، فلتعتن بهذا الجانب.
حتى المنزل يمكن أن تجعله المرأة صورة من صور الدعوة، فلماذا لا تجعل في مجلس الضيوف حاملاً توضع فيه بعض الكتيبات وبعض النشرات المطوية، فإذا جاء الرجال إلى زوجها وجدوا هذا؟! وأحياناً يكثر الانتظار في بعض المناسبات، أو يمكن أن يكون هناك مجال للمشاركات، فلماذا -أيضاً- لا تعمل في موضع ضيافة النساء بعض الآيات أو بعض اللوحات والتذكيرات؟! ولتستخدم في ذلك بعض الأساليب مثل اللوحات الحائطية، وليست مجلة حائطية، حتى لا يقال: إنها ستحول البيت إلى مدرسة! لكن هناك صور شتى يمكن أن تلفت النظر، كأن تجعل البيت ليس فيه شيء من المحظورات الشرعية مثل التماثيل أو الصور المعلقة أو غير ذلك، فهذا كله له أثر وانطباع في كون بيتها يمثل الدعوة أو يعكس صورة الدعوة على الآخرين.
стр. 2164
المجال العملي
أخيراً: المجال العملي الذي تمارس فيه المرأة مع النساء مشروعات عملية تنفيذية، ويمكن أن تشارك في هذا من خلال إعداد بعض البحوث والدراسات والإحصاءات للظواهر المتعلقة بالنساء كظاهرة الطلاق، فهي تنتشر وتزيد، والمرأة هي الأقدر على أن تقوم بعمل ميداني في معرفة هذه الظاهرة واستفتاء النساء فيها وإعداد الدراسات حولها، ويمكن أن تشكل مع بعض أخواتها جمعية أو مشروعاً عملياً لتشجيع الزواج المبكر، أو لمنع أسباب الطلاق، أو لغير ذلك من صور عملية أخرى.
ويمكن أن تشكل -أيضاً- أعمالاً اجتماعية خيرية فتدعو أخواتها لمشاركة في كفالة الأيتام، أو لمشاركة في طباعة الكتب ونشر الأشرطة بين النساء، أو غير ذلك من الصور العملية الإيجابية التي تتركز في الجوانب السابقة التي أشرت إليها، ولا بأس بأن نلحق بذلك الموضوعات التي يمكن أن تطرقها المرأة الداعية في أثناء دعوتها، وربما لها تعلق بما سبق، ولذلك لا أذكرها إلا على سبيل السرد فحسب، لأنها من الموضوعات التي لو أحسنت المرأة الداعية تحضيرها فيها لأمكن أن تفيد الأخريات معها إن شاء الله .
فمن ذلك: قضايا المرأة الشخصية والاجتماعية والنفسية والتربوية، وموضوعات تربية الأبناء، وموضوعات العلاقات الزوجية، وقضية تعليم المرأة، وقضية عمل المرأة، وقصص النساء في القرآن الكريم، وقصص الأبناء في القرآن الكريم، وموضوعات إيمانية، وموضوعات المناسبات كرمضان والحج وغيره، والموضوعات التربوية، والحقائق والأرقام فيما يتعلق بالعفة، ودور المرأة في تكوين الأمة، وما يتعلق بحكم الدعوة بين النساء.
فهذه بعض الموضوعات التي يمكن أن تطرقها المرأة.
стр. 2165
عوائق وعقبات تعترض الداعية المسلمة
وآخر نقاط هذا الموضوع الأساسية: عوائق وعقبات تعترض طريق المرأة الداعية.
وهذه أيضاً نقطة مهمة لابد من تسليط الضوء عليها؛ لأن هذه العوائق مشتركة بين المرأة والرجال متمثلين في الأزواج والمجتمع -أيضاً- بشكل عام.
стр. 2166
عائق الضعف
هناك عوائق متعددة، منها ما يتعلق بالمرأة نفسها، ومن أهم هذه العوائق الضعف.
وأعني بذلك صوراً كثيرة من الضعف سأسردها سرداً دون تفصيل، فهناك ضعف في الإيمان عند بعض النساء اللواتي يرغبن في الدعوة وربما ينبعثن لها، يتمثل هذا الضعف في الركون إلى الدنيا والخوف على المصالح والوظائف، والحرج من الخروج عن المألوف.
وهناك جانب آخر وهو ضعف الثقة في النفس.
وهذا من أهم المعوقات، فإن بعض النساء عندهن قدرة وعلم، وقد تخرجن من جامعات في كليات شرعية وغير ذلك، لكنها تهضم نفسها حقها وتحتقر نفسها، وترى أنها لا يمكن أن تقوم بواجب، ولا شك أن هذا الشعور وأد لكل طاقة وإيجابية، ونحن لا نريد الاعتداء في مجال الدعوة، لكن لاشك أن البدء يكون صعباً، فلتكن المرأة مبادرة ولتعل همتها وسوف يفتح لها إن شاء الله .
وكذلك الضعف في الشعور بالمسئولية.
فبعض الداعيات تجعل الدعوة أمراً عارضاً ولا تعطيه الأهمية الكبرى، وترى أن غيرها قد كفاها، وأن الرجال لابد من أن يوسعوا الدائرة وأن يقوموا بالواجب بشكل أكبر، وهي معفية في ذلك إلا في صور محدودة ودائرة ضيقة، وهذا أيضاً له أثره في هذا الجانب.
ومن الصور المتعلقة بالضعف ضعف الهمة.
فبعض النساء تريد أن تقوم بالدعوة، لكن دون أن تتعب ولا أن تجهد ولا أن تبذل وتضحي، وهذا لاشك أنه ضعف في الهمة، فينبغي أن تكون همتها وطموحها أعلى وأوسع.
وهناك -أيضاً- ما يتعلق بصور أخرى من الأمور الذاتية المتعلقة بعدم الحرص على التحصيل العلمي المطلوب، إضافة إلى نقطة ثالثة مهمة، وهي قلة وجود الداعيات اللواتي يمكن أن يكن قدوة ومعلمات ومربيات للداعيات، فنحن نعلم أن في صفوف الرجال من يسمون رموز الدعوة، ومن يسمون قادة العمل الإسلامي، وهناك شخصيات من العلماء العاملين والدعاة المصلحين بارزين وجهودهم مذكورة مشكورة تجعل الاقتداء بهم والتأسي بهم بين الشباب والراغبين في خدمة هذا الدين أمراً له إيجابياته وتحققه في الواقع، بينما لا نجد ذلك بين النساء بالكثرة اللازمة والموجودة، وهذا عائق من العوائق؛ لأن المرأة في غالب الأمر تحتاج إلى ممهد للطريق، فإذا وجد بين النساء من انتدبت للدعوة وبذلت جهدها وساعدتها ظروفها فإنها عندما تكون في هذا الميدان سيكون هناك وجود لعدد من النساء الداعيات المتميزات في العلم الشرعي والمعرفة المعاصرة والمخالطة والقدرة على التأثير والعقلية المنظمة، وغيرها من المواصفات التي ذكرناها، عندئذ سيكون أولئك النساء محط أنظار الملتزمات اللواتي عندهن خير في أنفسهن وصلاح في بيوتهن لكنهن لم يبدأن خطوة الانتقال من الصلاح الذاتي إلى الإصلاح للأخريات، فالحرص على وجود هذه القيادات النسائية والقدوات النسائية في ميدان الدعوة لعله يعطي ثماراً مهمة ونافعة في هذا الجانب.
стр. 2167
العوائق الأسرية
وقسم آخر من العوائق متعلق بالعوائق الأسرية، ويمكن أن نسلط الضوء عليها من جانبين: الجانب الأول: جانب الوالدين، فكثير من الآباء والأمهات لا ينظرون إلى المرأة النظرة الإسلامية المتكاملة الصحيحة، وبالتالي لا يحرصون على تعليمها وتوعيتها، وتربيتها وتثقفيها بحيث تكون مؤهلة لتؤسس أسرة ولتمارس دعوة، فإن بعض الآباء -إن لم نقل: كثيراً منهم- ينظرون إلى الفتيات نظرة يغلب عليها صورة الامتهان والاحتقار، أو عدم إيجاد أي فرصة لها لتشكل شخصيتها أو لتنتفع بعملها أو شيء من ذلك، وبالتالي تهمل هذه الفتاة فلا تكون حينئذ مؤهلة للالتزام والدعوة.
ونحن نرى من الآباء الصالحين من يعنى بأبنائه فيحضهم على حضور المحاضرات والمشاركة في الدروس والانخراط في الأنشطة الإسلامية، ولا نجد عنده مثل هذا الاهتمام ولا قريباً منه ببناته، وهذا يشكل عائقاً أولياً يمنع وجود الخامات التي تصلح لأن أن تكون ميداناً للعمل الدعوي، ومن ثم وجود الداعيات.
стр. 2168
العوائق الزوجية
وهناك عائق آخر، وهم الأزواج.
فإن الزوج له دور مهم في تيسير أمر الدعوة لزوجته، وتجيئني بعض الأسئلة ممن يشير إلى أن هذه القضية واردة بشكل كبير.
وقد سبق أن ذكرت أنه لابد للمرأة من موازنة واعتدال، وأن لا يطغى جانب على جانب، وأن لا يدفعها انشغالها بدعوتها إلى إهمال حق زوجها أو رعاية أسرتها، وفي الوقت نفسه لابد للرجل من أن يدرك دور المرأة الداعية -وقد أسلفنا تفصيلاً واسعاً فيه- وأن يدرك الأثر الإيجابي الذي يدُرُّ عليه أجراً من عند الله وإصلاحاً لهذا المجتمع الذي في آخر الأمر تتكامل دوائره، فإن الإصلاح إذا اتسعت دوائره سيصل إلى بيتي وبيتك، وإلى أختي وأختك، وإلى والدتي ووالدتك، وزوجتي وزوجتك، والفساد إذا انتشر فسيصل إلى بيتك حتى ولو كنت من الصالحين؛ فإن بنتي التي تدرس في المدرسة أو التي تذهب إلى الجامعة أو زوجتي التي تختلط بالنساء إذا توسعت دوائر الفساد فإنه سيلحقها لعدم وجود الدعوة بين صفوف النساء، أفلا يكون عند الرجل المسلم توجه إلى أن ينفع أخواته ومجتمعه المسلم من خلال إتاحة الفرصة لزوجته لأن تمارس بعض صور الدعوة ما دامت مؤهلة لذلك؟! ولذلك قد نجد بعض النساء يطالبن بأن يكون هناك دروس للنساء في المساجد، أي: تقوم بها النساء.
فالدروس للنساء من الرجال موجودة، ولكن فائدتها قد لا تكون كاملة كما لو كانت المرأة هي التي ستدرس النساء.
فنريد أن يكون هناك دروس في تجمعات النساء في العزاء أو في الأفراح، ونريد أن يكون هناك اجتماعات عائلية في البيوت، وأن تلقى فيها بعض الدروس والمحاضرات والمواعظ والتذكير، فمن أين ستأتي هذه المرأة التي ستقوم بهذا الدور؟ إنها ابنة لأب، أو زوجة لزوج، أو أخت لأخ، فإذا لم يكن هذا الرجل مدركاً لمهمتها وأنه يشاركها في هذا الأجر، ويكون عند الناس تقدير لدور هذه المرأة وما حصل من صلاح على يديها وما وجد من خير بجهودها فكيف يمكن أن تمارس هذا الدور؟ إذاً لابد من أن ندرك أن هناك عقبات من خلال الزوج على وجه الخصوص، فمن هذه العقبات: أولاً: قصور فهم الزوج وعدم وضوح رؤيته لشخصية المرأة ودورها، أو عدم إدراكه لأهمية الدعوة بالنسبة للمرأة، وهذا لا شك أنه يحول دون أية ممارسة دعوية، وأكرر: نحن نريد لزوجاتنا طبيبات ولا نريد أن يكشف عليهن الأطباء، ونريد لبناتنا في المدارس وفي الجامعات مدرسات ولا نريد أن يدرسهن الرجال، ولا نريد أن نقدم أو أن نشارك بجزء! فكيف يتم لنا ما نريد؟! فلو شارك هذا بجزء من خلال مشاركة زوجته وهذا بجزء، فستكتمل الدائرة.
ولا يستطيع حمل الأعباء عدد محدود من النساء، فإنه إذا منع هذا زوجته ومنع هذا زوجته فلن يكون هناك إلا قلة من النساء، وسيكون العبء عليهن كبيراً، ولو أردن أن يقمن بهذا العبء فسيكون ذلك على حساب بيوتهن وأزواجهن.
حتى أنظمة التعليم والطب الآن لو نظرنا فيها لوجدنا أنه يمكن للمرأة أن تدرس في المدارس فترة معينة من الزمن، حتى إذا شغلت بأبنائها تركت هذا المجال وجاءت غيرها، فإذا سمح الرجل في ذلك الوقت فإنه يكون قد بذل وضحى، ثم يأتي غيره ويشارك، وهكذا، أما هذه الصورة فيمكن أن تكون معيقة لهذا الجانب.
ثانياً: عدم التعاون مع المرأة.
فهو قد يسمح لها لكنه عملياً لا يحقق الصورة التنفيذية، فيقول: لا مانع من أن تعطي درساً.
لكنه لا يوصلها بسيارته، أو لا يقوم بمشاركة إيجابية في بعض الأحوال، وهو أن يأخذ الأبناء في ذلك الوقت إلى نزهة -مثلاً- أو يعللهم بأمر ما في تلك الفترة القصيرة، فالنساء ليس عندهن مشاركات دعوية طويلة المدى، إنما هو درس في حدود ساعة أو ساعة ونصف ثم ترجع إلى بيتها، ولذلك فإن المحدودية هنا من قبل المرأة ينبغي أن يقابلها تعاون من قبل الزوج.
ونجد أن بعض الأزواج لا يقدر الظروف التي تكون للمرأة، فهي إذا شاركت وسمح لها بالمشاركة لا شك أن ذلك يتعبها، وقد يجعلها تقصر بعض التقصير في أمور يحتملها الزوج إن كان مدركاً، وإن كان راغباً فيما يصلح المجتمع وفيما يعود بالأجر عليه وعلى زوجته، فلو كان هناك تقصير في الأمور العادية قد يقع أحياناً من المرأة غير الداعية -كتقصير في الطبخ أو في الكنس- فينبغي له أن يتجاوز عن مثل هذه الأمور في سبيل ما قد احتملته المرأة في هذا الميدان من ميادين الدعوة والقيام بها.
وينبغي أن لا يكون مطالباً بكل الحقوق؛ لأن المرأة لو طالبت بكل الحقوق فكذلك سيكون هناك تقصير، ألسنا نشكوا من أن الرجال أو الشباب الدعاة يخرجون من بزوغ الفجر الأول أو مع أول انبثاق نوره ولا يعودون حتى ينتصف الليل، فأين حق الزوجة؟ وأين حق الأبناء؟ فالمرأة تغتفر ذلك؛ لأنها تعلم أن زوجها يقوم بمهمة ورسالة، فليكن من الزوج -أيضاً- نوع من هذا التعاون، فلا يطلب أن تكون زوجته قائمة بتمام الزينة، ويريدها أن تكون دائماً في أبهى حلة وأن تتابع كل جديد من الأزياء.
نعم إنَّ التزين مطلوب منها، لكنه إذا أراد أن تكون داعية فكيف يسوغ له أن يلفت نظرها عن أمر الدعوة إلى أمر الزينة والموضة كما قد يحصل أحياناً؟! أيضاً هناك أمور أخرى بالنسبة للمجتمع، فقد يُنظر أحياناً إلى المرأة التي تقوم بواجب الدعوة وتذهب إلى درس هنا، وإلى محاضرة هناك، وتشارك في برنامج هنا وبرنامج هناك -ينظر إليها أنها امرأة متفلتة متسيبة، وهذه النظرة غير صحيحة، سيما إذا التزمت المرأة بالضوابط التي أشرنا إليها من مراعاة حق زوجها وأبنائها، ومشاركتها المعدة مسبقاً حتى لا تحيف على شيء من واجباتها، أقول: هذه النظرة تعود علينا بالسلبية، فنحن نريد -كما قلنا- أن يكون في صفوف البنات في المدارس دعوة حتى يحفظن من التيار الجارف الذي يفسدهن ويغريهن بكثير من الإثارات، فمن ستقوم بهذه المهمة إلا المرأة الداعية، فإذا نظرنا إلى المرأة التي تكون مدرسة ثم تلقي محاضرة في مدرسة ومحاضرة في مدرسة من خلال برامج التوعية، إذا نظرنا إليها نظرة ازدراء فمن سيقوم بهذه المهمة بين فتياتنا وبناتنا؟! وهناك عوائق مادية تقع بالنسبة للمرأة، والحق أن التفهم والإدراك لطبيعة المرأة وموقعها في التصور والمنهج الإسلامي، والنظر إلى صورتها الحقيقية في عهد المصطفى ﷺ يجعلنا نعرف أهمية الدعوة النسائية وما تعود به من منفعة للمجتمع وننظر إليها النظرة التي ستشكل صورة التعاون الإيجابي.
стр. 2169
واجبات ومحاذير
تبقى هناك أمور أخرى هي واجبات ينبغي أن ننتبه لها، ومحاذير ينبغي أن نتوقى منها.
فمن الواجبات: أن يكون هناك عناية من العلماء والدعاة بشئون النساء، وأن يخصصوا من أوقاتهم دروساً ومحاضرات للنساء كما فعل رسول الله ﷺ عندما خصص لهن يوماً يسألنه ويعلمهن أمر دينهن، وينبغي أن يوجد اهتمام -أيضاً- بالكتابة والتأليف في شئون المرأة المسلمة، ينبغي أن يكون هناك اهتمام في بإيجاد المحاضن والمؤسسات التي يمكن للمرأة أن تمارس من خلالها أنشطة إسلامية تربوية حتى تتهيأ هذه الجوانب، بدءاً من الصغار والفتيات في أوائل السن، ثم مروراً بالشابات، وبعد ذلك النساء المتزوجات، فإن لكل مرحلة متطلبات.
وكذلك هناك واجبات أخرى فيها قصور شديد، بل فيها معارضة أكيدة لهذا التيار، وهي الصور التي تمارسها كثير من وسائل الإعلام، فنحن نرى المجلات وهي تعنى بالموضات وتجعل المشكلات متعلقة بهذا الجانب، وتبرز شخصيات الفنانات اللاتي لهن سمعة سيئة في مجال الانحراف، ولا تمارس دوراً في المحافظة على المجتمع، أو في المحافظة على المرأة وفي المحافظة على عفتها وكرامتها، فهذا جانب -أيضاً- مهمل، بل هو جانب فيه تيار معاكس.
ومن المحاذير التي ينبغي للنساء الداعيات أن ينتبهن لها ما يتعلق بقضية مهمة، وهي التعلق العاطفي الزائد عن الحد بين المرأة الداعية ومن تدعوهن، سيما الطالبات في سن الشباب، فإن هناك علاقات قوية وطيدة تجعل الأمر فيه مضيعة للوقت، فلابد في كل يوم من أن تتصل بها، وإذا غابت عنها يوماً كتبت لها تلك الرسالة التي تشكو فيها أنها هجرتها! وغير ذلك من الأمور والعواطف الزائدة عن الحد.
فهذه صورة أرى أنها موجودة، وهي سلبية من السلبيات ينبغي للداعيات أن ينتبهن لها.
وهناك صورة أخرى من المحاذير التي ينبغي على الداعيات الالتفات إليها، وهي عدم قصر حديثهن على أمور معينة في حياة المرأة مثل الحجاب والصيانة والعفة، بل ينبغي أن يذكرن هذه الأمور ويركزن عليها، وأن يذكرن أموراً أخرى مما سبقت الإشارة إليه، سيما في مجال مشاركة الحياة العامة وقضايا الأسرة والمجتمع.
وأمر ثالث أختم به الحديث من هذه المحاذير، وهو التوتر بين النساء الداعيات، عندما يختلف بعضهن مع بعض في أسلوب طرح أو عرض الموضوعات الدعوية، بل ينبغي التعاون والتكامل في هذا الأمر.
والله أسأل أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 2170
تفاعل دائم لا تعاطف مؤقت
ما حدث للمسلمين من مآسٍ وأحداث مؤلمة لا يمكن لمسلم أن ينساه ما دام في صدره قلب ينبض، وبين جوانبه نفس تتحرك، وفي رأسه عقل يدرك، وإن العداء اليهودي للمسلمين والحقد المستمر على الإسلام ما زال قائماً ومتأججاً في صدورهم، وما حصل للمسلمين من مآس فأغلبها بتدبيرهم وكيدهم ومكرهم، وما حصل ويحصل في فلسطين والبقاع المقدسة هناك خير شاهد على عداوتهم وحقدهم الدفين على أبناء الأمة المحمدية، فهل يمكن أن ننسى هذا العداء العقدي على مر العصور؟! تلك إذاً كرة خاسرة.
стр. 2171
الصراع مع اليهود على بيت المقدس صراع ديني متأصل
الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعظم عطاؤه، وعم نواله.
له الحمد قدّر الأقدار، وكتب الآجال، لا يخلف وعده، ولا يهزم جنده، ولا يعز أعداؤه، ولا يذل أولياؤه، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
له الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ما دامت السماوات والأرض، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويكافئ فضله وإنعامه، ويقينا سخطه وعذابه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، المرسل إلى الناس كافة أجمعين.
أشهد أنه ﵊، قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمّة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإننا سنتحدث عن أرض الإسراء لنبقى على صلة وطيدة مستمرة، فإن القضية ليست أمراً عابراً أو حدثاً طارئاً أو جريمة بشعة يمكن أن نسمع بعدها ما نسمع من الملهيات التي تعود بنا إلى ما كنا عليه، بل إلى ما وراءه، حيث يكون هدوء نسبي، وانسحاب جزئي، وحل سياسي، ودعم مادي، وتطوى الصفحة، وتعود الغفلة، وتنطفئ الجمرة، وكأن شيئاً لم يكن.
وهذه صورة قد وقعت لها مثيلات في أمتنا الإسلامية، اللاتي ربما كان كثير من أصداء تحركها رد فعل وقتي، وتحرك شعور عاطفي، ثم ينتهي الأمر إلى قطيعة ونسيان، وبعد أن يحصل ما يحصل مما يقال: إنه تهدئة الأوضاع أو تسوية القضايا، كأن ذلك سوف يزيل كل الآثار الواقعية المادية فضلاً عن الآثار المعنوية الإيمانية.
ألسنا نعرف حجم المآسي التي وقعت في هذه الكارثة الأخيرة؟! أليست هي امتداداً لعقود متطاولة من الزمان زادت على الخمسين عاماً؟! إنه حدث يهز عقلاء الناس، ويدمع عيونهم، ويدمي قلوبهم، ثم يأتي بعد ذلك من يلطف بكلمات عابرة، وأمور ليست مما يقدم أو يؤخر، فإذا بنا ننسى الأشلاء الممزقة، والجثث المحترقة، والبيوت المتهدمة، والمدن المدمرة، والأسر المشردة، والطفولة المروعة، والحياة المتوقفة، بل ننسى ما هو أعظم من ذلك، ننسى الحرمات المنتهكة، والمقدسات المدنسة، والدين الذي يهان، والأمة التي تذل، وكل معاني العجز والضعف التي لا يمكن أن يقبل بها حر أبداً.
هل يمكن لهذه الجروح الغائرة أن تندمل؟! هل يمكن لتلك الدماء النازفة أن تسكن وأن تتوقف؟! إنه لا يكون ذلك إلا إذا ماتت النفوس وقتلت معاني الحياة في القلوب، وأشبعت العقول ضلالاً وزيغاً وانحرافاً.
أما من كان في صدره قلب ينبض، وبين جوانحه نفس تتحرك، وفي رأسه عقل يدرك فإنه لا يمكن بحال أن ينسى أو أن يغير أو أن يعود إلى ما كان؛ لأن قضيتنا مختلفة اختلافاً كاملاً، فهي قضية لا تنتهي بمثل هذه الألاعيب والأكاذيب الصهيونية الصليبية الإجرامية.
إننا نعرف أصولاً ثابتة تجعل هذا الصراع دائماً وقوياً وفاجراً وإجرامياً إلى أقصى حد، إنهم اليهود أصحاب الفساد والانحراف العقدي، الذين لم تسلم منهم ذات الإله ، ولم تسلم منهم أرواح ودماء رسل الله صلى الله عليهم وسلم، ولم تسلم منهم البشرية في قرونها وعصورها المتعاقبة، إنهم أصحاب الحقد النفسي الذي رأينا صوره متجسدة في أمور وتصرفات ليس لها ما يفسرها إلا التشوه النفسي والانحراف الإنساني الذي ينشأ في تلك النفوس المنحرفة عن منهج الله .
وهناك إجرام عسكري وحلم توراتي متأصل في عروقهم وفي قلوبهم وفي أفكارهم، إنه هدم الأقصى وقيام الهيكل، إن إسرائيل الكبرى لا تنتهي بهذه الألاعيب والأكاذيب التي يضحك بها على كثير من المسلمين، فتنطلي عليهم الحيل، وينسون ثوابت القرآن، وينسون قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، وينسون قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، وينسون: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة:٦٤]، بل وينسون كل ما جاء في القرآن، وينسون الشريط الأسود الكالح الذي كان لليهود مع خير خلق الله ﷺ .
وعبر تاريخ أمتنا كله لا تنسخ الأحداث، ولا يمكن قطعاً أن تنسخ الآيات، ولا يمكن بحال أن يلغى من السيرة وأحداثها شيء، شاء من شاء وأبى من أبى، غيّر في المناهج من غيّر وأثبت من أثبت، قال في الإعلام من قال وصمت من صمت، فإن حقائق القرآن ثابتة ثبوت الجبال إلى قيام الساعة، وإن حقائق الإيمان التي في قلوب المؤمنين لا تنتزع منهم إلا يوم تنتزع أرواحهم، ويخرج آخر نفس من أنفاسهم، إن كانوا مؤمنين حقاً وإن كانوا مسلمين صدقاً.
стр. 2172
ضرورة التفاعل الدائم مع مآسي المسلمين وعدم نسيانها
وقفتنا هنا نقفها لئلا نكرر المآسي السابقة، فإن لنا فيها عبراً، ولعلي أقف وقفة سريعة لأذكر بها، فهل ما زلنا نذكر البوسنة والهرسك؟! قد نسخت من عقولنا، ومُسحت من واقعنا، وطويت صفحتها وكأن قضيتها انتهت؟! فهل انتهت فعلاً؟! وأين هي كوسوفا؟! وهل ما زلنا نذكر أحداثها ونستعيد فظائعها؟! وهل انتهت آثارها واندملت جراحها؟! ما حال الثكالى اللائي فقدن أزواجهن؟ ما حال الأيتام الذين فقدوا أهلهم؟ ما حال المعاقين؟! ما حال الذين تشوهت أجسادهم؟! ما حال أوضاعهم المادية؟! ما حال المدارس التي دمرت والمساجد التي محيت؟! ما حال أوضاع إخواننا الإسلامية والإيمانية؟! أليس يدمي قلوبنا أن نعرف أن بعض تلك البقاع أصبحت اليوم مرتعاً للغرب المسيحي يصول فيها ويجول ويجعل بعض بلادها الأولى في قائمة تصدير البغايا؟! لقد بكينا لأجلها كثيراً، وأنفقنا في سبيلها مالاً وفيراً، ثم سكنوها فسكنا، وسكتوا عنها فسكتنا، وأزالوا صورها من الإعلام فنسينا.
إن ردود الأفعال لا تكفي، إن اليقظة اللازمة في حياة الأمة ينبغي أن تكون يقظة دائمة، وحركة دائبة، وتصوراً واضحاً، ومشاعر مستمرة متأججة، إن قضايا أمتنا أعظم من أن نتكلم عليها جميعاً ثم نجففها ونمسحها، وهي أكبر وأضخم في ميزان الحق والإيمان والإسلام من أن ننفق لأجلها دريهمات ثم نمسك، إن إيماننا وإسلامنا هو المستهدف، إن تاريخنا وأمتنا هما المهاجمان، إن وجودنا هو الذي يراد له أن يمحى إما باجتثاثه وإما بتمييعه ومسخه كما فعل بتلك الديار والبلاد.
كم هي الجرائم الفظيعة التي ظن كثيرون أنه لا يمكن أن تبقى! وشراذم اليهود وما وقع لهم أقل بكثير مما وقع للمسلمين في الاتحاد السوفيتي الشيوعي الاشتراكي أول ما بدأ وقام.
بضعة يهود -مع أكاذيب وتدليس- يُذكر أنهم قتلوا على يد النازية الألمانية، ولا تزال ذكرى حادثتهم وقضيتهم ومجزرتهم -إن صحت- تملأ سمع الزمان كله، وتقام لها المحافل والمشاهد، وتركع لأجلها الدول، وتدفع الأموال، وتصبح راية مرفوعة يهدد كل من يشكك فيها أو يعترض عليها أو يستهين بها، وهل دماؤهم أعز من دماء أمة محمد ﷺ ؟ وهل هم أشرف وأبر وأطهر من أولئك الأبرار في أرض فلسطين؟ وأولئك الأحرار المجاهدين في الشيشان، وأولئك الأبرياء المجاهدين الذين قُتلوا قتل الخراف وذُبحوا ذبح النعاج في البوسنة والهرسك وكوسوفا؟!
стр. 2173
فتح عمر بن الخطاب القدس وحررها صلاح الدين ولابد من السير على دربهم لتحريرها
كم نحن في حاجة إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا، كفانا كذبا ً على أنفسنا، كفانا ضحكاً على واقعنا، كفانا تخديراً لأنفسنا وإماتة لقلوبنا وتضليلاً لعقولنا، قد تكون الكلمات قاسية، لكنها هي اللازمة لتوقظنا، لكنها هي اللازمة لنعرف الحقيقة وندرك واقعنا، ولئن كانت تلك القضايا كلها مهمة وعظيمة فإن أكثرها أهمية وأعظمها عظمة وأعمقها تجذراً في صلتها بالدين وكيان الأمة وحضارتها وتاريخها قضية فلسطين (أرض الإسراء مسرى رسول الله ﷺ .
الفاتح فيها عمر، والمحرر لها صلاح، وتاريخ أمتنا يمر عبرها وخلالها منذ تلك الرحلة العظيمة التكريمية لرسولنا ﷺ ، فلا ينبغي أن يكون حالنا مع غيرها -وإن كان مؤسفاً مؤلماً- لا ينبغي بحال أن يكرر معها ولا أن يستعاد فيها.
إنه لا بد من أن نعلن لأنفسنا أنه لا وقوف بعد الحركة، ولا فتور بعد النشاط، ولا انقطاع بعد الصلة، ولا غموض ولا ركون بعد الحديث والغضب والانتصار لدين الله ، فلنبق الجذوة مشتعلة في القلوب، والقضية حية في النفوس، ولا ننس ذكرها على الألسنة، ولا نقطع عنها الإعانة، فإن كل قضية لها جذور تدوم أعواماً وأعواماً وجراحها لا تندمل.
فإن فيهم أيتاماً ماذا يصنعون؟ وثكالى ماذا يصنعن؟ وأحوال من التغيير العظيم الذي يدمر بنيان تلك المجتمعات ويريد أن ينال من إيمان وعزة إخواننا، فلئن نسيناهم فيوشك أن يغتال إيمانهم، وأن يصاد صمودهم بالتصدع، وإن كنا نرى أنهم أعظم منا صبراً وأكثر شموخاً وثباتاً وإيماناً وصدقاً، ونحن نحتاج إلى أن نستمد منهم قوة الإيمان وعزة الإسلام وشموخ المسلمين وشجاعة المؤمنين، ولكننا أيضاً نحتاج إلى أن نذكر أنفسنا بذلك.
ولكي تبقى القضية حية فلابد من أن نرجعها إلى أصولها، ليس إلى الأحداث العارضة، ولا إلى الأمور التي تأتي وتنتهي وتنقضي، إنها أولاً قضية عقيدة ودين.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، فهل نسخت هذه الآية؟ هل ستنتهي تلاوتها من المحاريب؟! وكلما مرت على مسلم يقرأها ألا يذكر أين مسرى الرسول ﷺ ؟! ألا يتذكر بغي اليهود؟! ألا يعرف أنه وغيره من أمة الإسلام مقصرون -وربما آثمون- ومؤاخذون إن لم يكن لهم جهد دائم وصلة مستمرة بحسب حالهم وإمكانياتهم؟! ألسنا نعرف حديث أبي ذر -وهو صحيح-: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد بني أولاً؟ قال: المسجد الحرام.
قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس.
قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً)؟ أليس هذا دليلاً على هذه الصلة العظيمة؟! نحن -أمة الإسلام- الذين أنشأنا النور والعدل والخير والبر والإحسان في تلك البقاع، ونحن أولى بها ديناً وعقيدة، وليس حقاً تاريخياً، ولا قانوناً دولياً، وليس تفاوضاً سياسياً، إنه ديننا، إنه قرآننا، إنها سنة نبينا، إنه تاريخ أمتنا، إنها قضية أعظم من أن تختزل في تلك الحركات أو تلك المداولات أو تلك الأوراق التي يوقع عليها هنا أوهناك، إنها أعظم من ذلك كله، ولكي تستمر لا بد من أن نعرف -أيضاً- أنها تاريخ مجدنا وفخارنا وعزنا.
يوم جاء عمر ﵁ يعبر عن عزة الإسلام، يوم كان الإيمان حياً في القلوب، يوم حاصرها أصحاب محمد ﷺ وبُهت القوم وأسقط في أيديهم أرادوا أن يروا من هو وراء هذه العظمة، فأبوا أن يسلموا مفاتيحها إلا إلى الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وجاء عمر، ولم يأت في المواكب الفاخرة، ولم يأت بالجيوش المدجّجة، بل جاء ومعه غلام من غلمانه وهو يسير معه على دابة ليس فيها شيء من الزينة ولا سرج ولا شيء، ويخوض الماء ﵁ وأرضاه، فيخرج ويسير على قدمه، ويلقاه أبو عبيدة والمسلمون وهو بهذه الحالة المتواضعة، لم يكن يحتاج إلى شيء يعظمه؛ لأنه عظيم في نفسه، ولم يحتج إلى جمع يكثره؛ لأنه كثير بنفسه وأصالته وإيمانه، فماذا صنع عمر؟ قال له أبو عبيدة: إن القوم كذا وكذا، فلو لبست واتخذنا لك بردوناً ونحو ذلك.
يريد أن يشاكل الأوضاع القائمة، ويواكب تلك المظاهر التي كانت عند القوم.
فضرب عمر بيده على صدره ثم قال وهو يبين مظهر العظمة ﵁: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
لقد جاء النصارى أذلاء إلى الفاروق عمر، وسلموه المفتاح، فدخل ونشر العدل، وأقام الملة، ثم جاء ما جاء من الأحداث العظام، وكان -ولا يزال- في تلك البقاع قبور عشرات ومئات من أصحاب رسول الله ﷺ ، فهل نرضى أن يعيث اليهود بأرض في باطنها أصحاب رسول الله ﷺ من الشهداء الذين ضحوا بدمائهم، ومن الذين عاشوا لينشروا نور الإسلام ويرفعوا رايته.
وصلاح الدين، وما أدراك ما صلاح الدين! ونحن نعرف قصته وبؤسه وحزنه الذي لازمه، وغيرته وهمته وغضبه، ونصرته وعزيمته التي ظلت تؤرق ليله وتحرك حياته، فلم تكن حياته معركة حطين، بل كانت حياته كلها جهاداً وإصلاحاً وغيضاً وتحرقاً على بلاد المسلمين الضائعة، حتى كان قبل فتح بيت المقدس يمنع نفسه من الضحك ويقول: كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى الصليبيين؟! فكيف بنا نضحك ونلعب وننام ونلهو وننسى رغم أننا رأينا أعظم مما رأوا؟! ولذلك نقول: لكي تبقى القضية لابد من أن نستعيد تاريخها، ولابد كذلك من أن نعرف الإجرام والبغي لدى اليهود عليهم لعائن الله، فلا ينتظر منهم خير، ولا يرجى منهم نفع أو مراعاة لحقوق دولية أو غير ذلك، كما في الحديث: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، والعاقل لا يتكرر عليه الأمر مرات ومرات، فإذا كسرت هذا القانون مرة، ووطئته مرة أخرى، ودست عليه ثالثة، وألقيته وراء ظهرك رابعة فكيف يمكن أن يقال: إنه سيأتي يوم تعظمه أو تحترمه أو تخافه أو ترهبه؟! وذلك دأبهم وديدنهم.
وأخيراً لكي نعرف القضية في حدودها الصحيحة يجب أن نعرف أنها تآمر وكيد، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١].
هل رأينا أكبر من هذا التآمر؟ هل رأينا أظهر من هذا التعاضد والتآزر؟ هل رأينا شيئاً يبقي لنا مجالاً لأن نضل في معرفة حقائق المتعاونين والمتآزرين والمتحالفين استراتيجياً كما يقولون؟! إذا عرفنا ذلك عرفنا أنه لابد من أن تبقى هذه القضية حية في قلوبنا، وأن لا ننسى منها شيئاً من الأحداث الجسيمة المؤلمة المحزنة، ولكنها قبل ذلك أساسها ديني عقدي تاريخي إجرامي تآمري يستهدف أمتنا كلها، ويطعن في خاصرتها، ويريد أن يغير كتابها ويبدل سنة نبيها ﷺ ويمسخ تاريخها، فلابد من يقظة دائمة، وحياة في القلوب مستمرة، ومشاعر متأججة، ودعم متواصل.
هذا ما أردت أن أقوله، وهذه ليست مجرد أحداث عبرت، فإن الأمر أكبر من ذلك.
نسأل الله أن يعلق قلوبنا بمرضاته، وأن يسلك بنا سبيل الصالحين، وأن يكتبنا في جنده المجاهدين، وأن يسخرنا لنصرة هذا الدين، وأن يجعلنا من الباذلين في مواجهة المعتدين.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2174
أهمية التعاون والدعم والنصرة بين المسلمين
стр. 2175
الدعم بالدعاء والمال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن قضية صراعنا مع اليهود قضية ليست مقتصرة على أرض فلسطين العزيزة، ولا على بيت المقدس العزيز على نفوسنا، بل هي أعظم من ذلك وأوسع، وهي أكثر تنوعاً وأعظم مكراً وأخفى كيداً مما يتصوره كثير منا، ولذلك ينبغي لنا أن نعرف أننا في معركة دائمة، وفي مواجهة مستمرة، فلا ينبغي أن تغمض أعيننا، ولا أن تسكن أنفسنا، ولا أن تتوقف حركتنا، ولا أن تخرس ألسنتنا، ولا أن تنكس رايتنا بحال من الأحوال.
أين الدعاء المستمر؟! لماذا لا ندعوا إلا إذا عظمت المصيبة؟! أفليست المصيبة بانتهاك الحرمات واستيلاء اليهود على بيت المقدس مصيبة ينبغي أن يكثر لها دعاؤنا وهمنا وغمنا ولو لم يقتل مسلم واحد؟! والعون هو الذي نريد أن يبقى مستمراً؛ لأن المآسي عظيمة، ولأن الجهاد والتثبيت يحتاج إلى مواصلة، ولأن اليهود ليسوا أصحاب موجة واحدة.
فقد رأينا وعرفنا كل الجرائم، وهذه ما هي إلا قطرة من بحر، فلابد من أن ندرك ذلك، فإن المجرم يبقى مجرماً لا يتغير ما دام سلاحه في يده، وما دام إمداده معه، وما دام اعتقاده الفاسد يسيطر على عقله وفكره، وعندما يرى الضعيف أمامه يغريه ذلك بمزيد من العدوان، فلا بد من أن يبقى عوننا مستمراً، كالدعم المادي، فاقتطع من مالك، ومن قوت يومك, ومن راتب شهرك شيئاً دائماً لا ينقطع أبداً، واجعل ذلك عزيمة ماضية وجهاداً مستمراً، فكيف نرضى أن نتوقف عن مثل هذا؟! اجعل القضية شعوراً نفسياً لا يفارقك، اجعله حاجزاً نفسياً يجذّر في قلبك بغض اليهود أعداء الله وأعداء الرسل والرسالات والحضارة والإنسانية، اجعل ذلك أمراً لا يمكن أن يتغير في نفسك على المجرمين الحاقدين المغتصبين، واجعل في نفسك عزة الإيمان، وأنه وإن فقدنا بعض أسباب القوة المادية وإن كبلتنا بعض الظروف المحيطة فإن في قلوبنا دماء تنبض، وعروقاً تفيض بالعزة لا يمكن أن تسكن ولا أن تسكت.
إذا لم تزاحم لنيل الحياة أصبت فناءك في المزدحم ينبغي أن ندرك أنه يوم تفتر نفوسنا ونرضى بذلّنا، ويوم نقول: ما عسى أن نفعل يوم ذاك تكون هزيمتنا قد وصلت إلى مقاتلنا، فلنكبر على أنفسنا أربعاً وإن كنا نمشي على الأرض ونتحدث إلى الناس.
следующие страницы →