← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

الصراع مع اليهود على بيت المقدس صراع ديني متأصل الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعظم عطاؤه، وعم نواله. له الحمد قدّر الأقدار، وكتب الآجال، لا يخلف وعده، ولا يهزم جنده، ولا يعز أعداؤه، ولا يذل أولياؤه، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه. له الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ما دامت السماوات والأرض، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويكافئ فضله وإنعامه، ويقينا سخطه وعذابه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، المرسل إلى الناس كافة أجمعين. أشهد أنه ﵊، قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمّة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإننا سنتحدث عن أرض الإسراء لنبقى على صلة وطيدة مستمرة، فإن القضية ليست أمراً عابراً أو حدثاً طارئاً أو جريمة بشعة يمكن أن نسمع بعدها ما نسمع من الملهيات التي تعود بنا إلى ما كنا عليه، بل إلى ما وراءه، حيث يكون هدوء نسبي، وانسحاب جزئي، وحل سياسي، ودعم مادي، وتطوى الصفحة، وتعود الغفلة، وتنطفئ الجمرة، وكأن شيئاً لم يكن. وهذه صورة قد وقعت لها مثيلات في أمتنا الإسلامية، اللاتي ربما كان كثير من أصداء تحركها رد فعل وقتي، وتحرك شعور عاطفي، ثم ينتهي الأمر إلى قطيعة ونسيان، وبعد أن يحصل ما يحصل مما يقال: إنه تهدئة الأوضاع أو تسوية القضايا، كأن ذلك سوف يزيل كل الآثار الواقعية المادية فضلاً عن الآثار المعنوية الإيمانية. ألسنا نعرف حجم المآسي التي وقعت في هذه الكارثة الأخيرة؟! أليست هي امتداداً لعقود متطاولة من الزمان زادت على الخمسين عاماً؟! إنه حدث يهز عقلاء الناس، ويدمع عيونهم، ويدمي قلوبهم، ثم يأتي بعد ذلك من يلطف بكلمات عابرة، وأمور ليست مما يقدم أو يؤخر، فإذا بنا ننسى الأشلاء الممزقة، والجثث المحترقة، والبيوت المتهدمة، والمدن المدمرة، والأسر المشردة، والطفولة المروعة، والحياة المتوقفة، بل ننسى ما هو أعظم من ذلك، ننسى الحرمات المنتهكة، والمقدسات المدنسة، والدين الذي يهان، والأمة التي تذل، وكل معاني العجز والضعف التي لا يمكن أن يقبل بها حر أبداً. هل يمكن لهذه الجروح الغائرة أن تندمل؟! هل يمكن لتلك الدماء النازفة أن تسكن وأن تتوقف؟! إنه لا يكون ذلك إلا إذا ماتت النفوس وقتلت معاني الحياة في القلوب، وأشبعت العقول ضلالاً وزيغاً وانحرافاً. أما من كان في صدره قلب ينبض، وبين جوانحه نفس تتحرك، وفي رأسه عقل يدرك فإنه لا يمكن بحال أن ينسى أو أن يغير أو أن يعود إلى ما كان؛ لأن قضيتنا مختلفة اختلافاً كاملاً، فهي قضية لا تنتهي بمثل هذه الألاعيب والأكاذيب الصهيونية الصليبية الإجرامية. إننا نعرف أصولاً ثابتة تجعل هذا الصراع دائماً وقوياً وفاجراً وإجرامياً إلى أقصى حد، إنهم اليهود أصحاب الفساد والانحراف العقدي، الذين لم تسلم منهم ذات الإله ، ولم تسلم منهم أرواح ودماء رسل الله صلى الله عليهم وسلم، ولم تسلم منهم البشرية في قرونها وعصورها المتعاقبة، إنهم أصحاب الحقد النفسي الذي رأينا صوره متجسدة في أمور وتصرفات ليس لها ما يفسرها إلا التشوه النفسي والانحراف الإنساني الذي ينشأ في تلك النفوس المنحرفة عن منهج الله . وهناك إجرام عسكري وحلم توراتي متأصل في عروقهم وفي قلوبهم وفي أفكارهم، إنه هدم الأقصى وقيام الهيكل، إن إسرائيل الكبرى لا تنتهي بهذه الألاعيب والأكاذيب التي يضحك بها على كثير من المسلمين، فتنطلي عليهم الحيل، وينسون ثوابت القرآن، وينسون قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، وينسون قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، وينسون: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة:٦٤]، بل وينسون كل ما جاء في القرآن، وينسون الشريط الأسود الكالح الذي كان لليهود مع خير خلق الله ﷺ . وعبر تاريخ أمتنا كله لا تنسخ الأحداث، ولا يمكن قطعاً أن تنسخ الآيات، ولا يمكن بحال أن يلغى من السيرة وأحداثها شيء، شاء من شاء وأبى من أبى، غيّر في المناهج من غيّر وأثبت من أثبت، قال في الإعلام من قال وصمت من صمت، فإن حقائق القرآن ثابتة ثبوت الجبال إلى قيام الساعة، وإن حقائق الإيمان التي في قلوب المؤمنين لا تنتزع منهم إلا يوم تنتزع أرواحهم، ويخرج آخر نفس من أنفاسهم، إن كانوا مؤمنين حقاً وإن كانوا مسلمين صدقاً.

стр. 2172

ضرورة التفاعل الدائم مع مآسي المسلمين وعدم نسيانها وقفتنا هنا نقفها لئلا نكرر المآسي السابقة، فإن لنا فيها عبراً، ولعلي أقف وقفة سريعة لأذكر بها، فهل ما زلنا نذكر البوسنة والهرسك؟! قد نسخت من عقولنا، ومُسحت من واقعنا، وطويت صفحتها وكأن قضيتها انتهت؟! فهل انتهت فعلاً؟! وأين هي كوسوفا؟! وهل ما زلنا نذكر أحداثها ونستعيد فظائعها؟! وهل انتهت آثارها واندملت جراحها؟! ما حال الثكالى اللائي فقدن أزواجهن؟ ما حال الأيتام الذين فقدوا أهلهم؟ ما حال المعاقين؟! ما حال الذين تشوهت أجسادهم؟! ما حال أوضاعهم المادية؟! ما حال المدارس التي دمرت والمساجد التي محيت؟! ما حال أوضاع إخواننا الإسلامية والإيمانية؟! أليس يدمي قلوبنا أن نعرف أن بعض تلك البقاع أصبحت اليوم مرتعاً للغرب المسيحي يصول فيها ويجول ويجعل بعض بلادها الأولى في قائمة تصدير البغايا؟! لقد بكينا لأجلها كثيراً، وأنفقنا في سبيلها مالاً وفيراً، ثم سكنوها فسكنا، وسكتوا عنها فسكتنا، وأزالوا صورها من الإعلام فنسينا. إن ردود الأفعال لا تكفي، إن اليقظة اللازمة في حياة الأمة ينبغي أن تكون يقظة دائمة، وحركة دائبة، وتصوراً واضحاً، ومشاعر مستمرة متأججة، إن قضايا أمتنا أعظم من أن نتكلم عليها جميعاً ثم نجففها ونمسحها، وهي أكبر وأضخم في ميزان الحق والإيمان والإسلام من أن ننفق لأجلها دريهمات ثم نمسك، إن إيماننا وإسلامنا هو المستهدف، إن تاريخنا وأمتنا هما المهاجمان، إن وجودنا هو الذي يراد له أن يمحى إما باجتثاثه وإما بتمييعه ومسخه كما فعل بتلك الديار والبلاد. كم هي الجرائم الفظيعة التي ظن كثيرون أنه لا يمكن أن تبقى! وشراذم اليهود وما وقع لهم أقل بكثير مما وقع للمسلمين في الاتحاد السوفيتي الشيوعي الاشتراكي أول ما بدأ وقام. بضعة يهود -مع أكاذيب وتدليس- يُذكر أنهم قتلوا على يد النازية الألمانية، ولا تزال ذكرى حادثتهم وقضيتهم ومجزرتهم -إن صحت- تملأ سمع الزمان كله، وتقام لها المحافل والمشاهد، وتركع لأجلها الدول، وتدفع الأموال، وتصبح راية مرفوعة يهدد كل من يشكك فيها أو يعترض عليها أو يستهين بها، وهل دماؤهم أعز من دماء أمة محمد ﷺ ؟ وهل هم أشرف وأبر وأطهر من أولئك الأبرار في أرض فلسطين؟ وأولئك الأحرار المجاهدين في الشيشان، وأولئك الأبرياء المجاهدين الذين قُتلوا قتل الخراف وذُبحوا ذبح النعاج في البوسنة والهرسك وكوسوفا؟!

стр. 2173

فتح عمر بن الخطاب القدس وحررها صلاح الدين ولابد من السير على دربهم لتحريرها كم نحن في حاجة إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا، كفانا كذبا ً على أنفسنا، كفانا ضحكاً على واقعنا، كفانا تخديراً لأنفسنا وإماتة لقلوبنا وتضليلاً لعقولنا، قد تكون الكلمات قاسية، لكنها هي اللازمة لتوقظنا، لكنها هي اللازمة لنعرف الحقيقة وندرك واقعنا، ولئن كانت تلك القضايا كلها مهمة وعظيمة فإن أكثرها أهمية وأعظمها عظمة وأعمقها تجذراً في صلتها بالدين وكيان الأمة وحضارتها وتاريخها قضية فلسطين (أرض الإسراء مسرى رسول الله ﷺ . الفاتح فيها عمر، والمحرر لها صلاح، وتاريخ أمتنا يمر عبرها وخلالها منذ تلك الرحلة العظيمة التكريمية لرسولنا ﷺ ، فلا ينبغي أن يكون حالنا مع غيرها -وإن كان مؤسفاً مؤلماً- لا ينبغي بحال أن يكرر معها ولا أن يستعاد فيها. إنه لا بد من أن نعلن لأنفسنا أنه لا وقوف بعد الحركة، ولا فتور بعد النشاط، ولا انقطاع بعد الصلة، ولا غموض ولا ركون بعد الحديث والغضب والانتصار لدين الله ، فلنبق الجذوة مشتعلة في القلوب، والقضية حية في النفوس، ولا ننس ذكرها على الألسنة، ولا نقطع عنها الإعانة، فإن كل قضية لها جذور تدوم أعواماً وأعواماً وجراحها لا تندمل. فإن فيهم أيتاماً ماذا يصنعون؟ وثكالى ماذا يصنعن؟ وأحوال من التغيير العظيم الذي يدمر بنيان تلك المجتمعات ويريد أن ينال من إيمان وعزة إخواننا، فلئن نسيناهم فيوشك أن يغتال إيمانهم، وأن يصاد صمودهم بالتصدع، وإن كنا نرى أنهم أعظم منا صبراً وأكثر شموخاً وثباتاً وإيماناً وصدقاً، ونحن نحتاج إلى أن نستمد منهم قوة الإيمان وعزة الإسلام وشموخ المسلمين وشجاعة المؤمنين، ولكننا أيضاً نحتاج إلى أن نذكر أنفسنا بذلك. ولكي تبقى القضية حية فلابد من أن نرجعها إلى أصولها، ليس إلى الأحداث العارضة، ولا إلى الأمور التي تأتي وتنتهي وتنقضي، إنها أولاً قضية عقيدة ودين. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، فهل نسخت هذه الآية؟ هل ستنتهي تلاوتها من المحاريب؟! وكلما مرت على مسلم يقرأها ألا يذكر أين مسرى الرسول ﷺ ؟! ألا يتذكر بغي اليهود؟! ألا يعرف أنه وغيره من أمة الإسلام مقصرون -وربما آثمون- ومؤاخذون إن لم يكن لهم جهد دائم وصلة مستمرة بحسب حالهم وإمكانياتهم؟! ألسنا نعرف حديث أبي ذر -وهو صحيح-: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد بني أولاً؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً)؟ أليس هذا دليلاً على هذه الصلة العظيمة؟! نحن -أمة الإسلام- الذين أنشأنا النور والعدل والخير والبر والإحسان في تلك البقاع، ونحن أولى بها ديناً وعقيدة، وليس حقاً تاريخياً، ولا قانوناً دولياً، وليس تفاوضاً سياسياً، إنه ديننا، إنه قرآننا، إنها سنة نبينا، إنه تاريخ أمتنا، إنها قضية أعظم من أن تختزل في تلك الحركات أو تلك المداولات أو تلك الأوراق التي يوقع عليها هنا أوهناك، إنها أعظم من ذلك كله، ولكي تستمر لا بد من أن نعرف -أيضاً- أنها تاريخ مجدنا وفخارنا وعزنا. يوم جاء عمر ﵁ يعبر عن عزة الإسلام، يوم كان الإيمان حياً في القلوب، يوم حاصرها أصحاب محمد ﷺ وبُهت القوم وأسقط في أيديهم أرادوا أن يروا من هو وراء هذه العظمة، فأبوا أن يسلموا مفاتيحها إلا إلى الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وجاء عمر، ولم يأت في المواكب الفاخرة، ولم يأت بالجيوش المدجّجة، بل جاء ومعه غلام من غلمانه وهو يسير معه على دابة ليس فيها شيء من الزينة ولا سرج ولا شيء، ويخوض الماء ﵁ وأرضاه، فيخرج ويسير على قدمه، ويلقاه أبو عبيدة والمسلمون وهو بهذه الحالة المتواضعة، لم يكن يحتاج إلى شيء يعظمه؛ لأنه عظيم في نفسه، ولم يحتج إلى جمع يكثره؛ لأنه كثير بنفسه وأصالته وإيمانه، فماذا صنع عمر؟ قال له أبو عبيدة: إن القوم كذا وكذا، فلو لبست واتخذنا لك بردوناً ونحو ذلك. يريد أن يشاكل الأوضاع القائمة، ويواكب تلك المظاهر التي كانت عند القوم. فضرب عمر بيده على صدره ثم قال وهو يبين مظهر العظمة ﵁: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. لقد جاء النصارى أذلاء إلى الفاروق عمر، وسلموه المفتاح، فدخل ونشر العدل، وأقام الملة، ثم جاء ما جاء من الأحداث العظام، وكان -ولا يزال- في تلك البقاع قبور عشرات ومئات من أصحاب رسول الله ﷺ ، فهل نرضى أن يعيث اليهود بأرض في باطنها أصحاب رسول الله ﷺ من الشهداء الذين ضحوا بدمائهم، ومن الذين عاشوا لينشروا نور الإسلام ويرفعوا رايته. وصلاح الدين، وما أدراك ما صلاح الدين! ونحن نعرف قصته وبؤسه وحزنه الذي لازمه، وغيرته وهمته وغضبه، ونصرته وعزيمته التي ظلت تؤرق ليله وتحرك حياته، فلم تكن حياته معركة حطين، بل كانت حياته كلها جهاداً وإصلاحاً وغيضاً وتحرقاً على بلاد المسلمين الضائعة، حتى كان قبل فتح بيت المقدس يمنع نفسه من الضحك ويقول: كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى الصليبيين؟! فكيف بنا نضحك ونلعب وننام ونلهو وننسى رغم أننا رأينا أعظم مما رأوا؟! ولذلك نقول: لكي تبقى القضية لابد من أن نستعيد تاريخها، ولابد كذلك من أن نعرف الإجرام والبغي لدى اليهود عليهم لعائن الله، فلا ينتظر منهم خير، ولا يرجى منهم نفع أو مراعاة لحقوق دولية أو غير ذلك، كما في الحديث: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، والعاقل لا يتكرر عليه الأمر مرات ومرات، فإذا كسرت هذا القانون مرة، ووطئته مرة أخرى، ودست عليه ثالثة، وألقيته وراء ظهرك رابعة فكيف يمكن أن يقال: إنه سيأتي يوم تعظمه أو تحترمه أو تخافه أو ترهبه؟! وذلك دأبهم وديدنهم. وأخيراً لكي نعرف القضية في حدودها الصحيحة يجب أن نعرف أنها تآمر وكيد، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]. هل رأينا أكبر من هذا التآمر؟ هل رأينا أظهر من هذا التعاضد والتآزر؟ هل رأينا شيئاً يبقي لنا مجالاً لأن نضل في معرفة حقائق المتعاونين والمتآزرين والمتحالفين استراتيجياً كما يقولون؟! إذا عرفنا ذلك عرفنا أنه لابد من أن تبقى هذه القضية حية في قلوبنا، وأن لا ننسى منها شيئاً من الأحداث الجسيمة المؤلمة المحزنة، ولكنها قبل ذلك أساسها ديني عقدي تاريخي إجرامي تآمري يستهدف أمتنا كلها، ويطعن في خاصرتها، ويريد أن يغير كتابها ويبدل سنة نبيها ﷺ ويمسخ تاريخها، فلابد من يقظة دائمة، وحياة في القلوب مستمرة، ومشاعر متأججة، ودعم متواصل. هذا ما أردت أن أقوله، وهذه ليست مجرد أحداث عبرت، فإن الأمر أكبر من ذلك. نسأل الله أن يعلق قلوبنا بمرضاته، وأن يسلك بنا سبيل الصالحين، وأن يكتبنا في جنده المجاهدين، وأن يسخرنا لنصرة هذا الدين، وأن يجعلنا من الباذلين في مواجهة المعتدين. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2174

أهمية التعاون والدعم والنصرة بين المسلمين

стр. 2175

الدعم بالدعاء والمال الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن قضية صراعنا مع اليهود قضية ليست مقتصرة على أرض فلسطين العزيزة، ولا على بيت المقدس العزيز على نفوسنا، بل هي أعظم من ذلك وأوسع، وهي أكثر تنوعاً وأعظم مكراً وأخفى كيداً مما يتصوره كثير منا، ولذلك ينبغي لنا أن نعرف أننا في معركة دائمة، وفي مواجهة مستمرة، فلا ينبغي أن تغمض أعيننا، ولا أن تسكن أنفسنا، ولا أن تتوقف حركتنا، ولا أن تخرس ألسنتنا، ولا أن تنكس رايتنا بحال من الأحوال. أين الدعاء المستمر؟! لماذا لا ندعوا إلا إذا عظمت المصيبة؟! أفليست المصيبة بانتهاك الحرمات واستيلاء اليهود على بيت المقدس مصيبة ينبغي أن يكثر لها دعاؤنا وهمنا وغمنا ولو لم يقتل مسلم واحد؟! والعون هو الذي نريد أن يبقى مستمراً؛ لأن المآسي عظيمة، ولأن الجهاد والتثبيت يحتاج إلى مواصلة، ولأن اليهود ليسوا أصحاب موجة واحدة. فقد رأينا وعرفنا كل الجرائم، وهذه ما هي إلا قطرة من بحر، فلابد من أن ندرك ذلك، فإن المجرم يبقى مجرماً لا يتغير ما دام سلاحه في يده، وما دام إمداده معه، وما دام اعتقاده الفاسد يسيطر على عقله وفكره، وعندما يرى الضعيف أمامه يغريه ذلك بمزيد من العدوان، فلا بد من أن يبقى عوننا مستمراً، كالدعم المادي، فاقتطع من مالك، ومن قوت يومك, ومن راتب شهرك شيئاً دائماً لا ينقطع أبداً، واجعل ذلك عزيمة ماضية وجهاداً مستمراً، فكيف نرضى أن نتوقف عن مثل هذا؟! اجعل القضية شعوراً نفسياً لا يفارقك، اجعله حاجزاً نفسياً يجذّر في قلبك بغض اليهود أعداء الله وأعداء الرسل والرسالات والحضارة والإنسانية، اجعل ذلك أمراً لا يمكن أن يتغير في نفسك على المجرمين الحاقدين المغتصبين، واجعل في نفسك عزة الإيمان، وأنه وإن فقدنا بعض أسباب القوة المادية وإن كبلتنا بعض الظروف المحيطة فإن في قلوبنا دماء تنبض، وعروقاً تفيض بالعزة لا يمكن أن تسكن ولا أن تسكت. إذا لم تزاحم لنيل الحياة أصبت فناءك في المزدحم ينبغي أن ندرك أنه يوم تفتر نفوسنا ونرضى بذلّنا، ويوم نقول: ما عسى أن نفعل يوم ذاك تكون هزيمتنا قد وصلت إلى مقاتلنا، فلنكبر على أنفسنا أربعاً وإن كنا نمشي على الأرض ونتحدث إلى الناس.

стр. 2176

الدعم بتربية الأبناء على نصرة إخوانهم المسلمين ومن الدعم التربية الأسرية لأولادنا، فلنجعل هذه المعاني تربية نغذي بها أبناءنا ونعلمهم بها، ولنجعل بيوتنا معرضاً لهذه القضية، ومحفلاً لتناولها من كل الجهات، ومحراباً نتذكر بها معاني الجهاد، وثكنة نهيء فيها ظروف الاستعداد. فلماذا أصبحنا نجعل بيوتنا للراحة والدعة والغفلة ومشاهدة الملاهي، ولا نشرك أبناءنا في الشعور بمآسي إخوانهم الأطفال في أرض فلسطين وفي الشيشان وفي البوسنة وفي كل مكان؟! إن عبرتهم ودماءهم لن ترقأ بمجرد مرور هذه الأحداث وانقضائها؛ لأن ذلك -كما قلت- هو أكبر، ولنجعل أنفسنا إذاعات متجولة ونشرات أخبار متحركة، نتحدث عن هذا الأمر وهذه الحقائق في كل مكان وفي كل مجلس، فلنكن دعاة توعية، وإذكاء حماسة، وبيان حق، وإعلان رفض للباطل والظلم، فلنكن كذلك، ولو فعل كل منا أقل القليل من هذا الواجب لرأينا له أثراً في واقعنا وفي تغيير أحوالنا.

стр. 2177

الدعم بالنظر إلى الأمور على ضوء النصوص الشرعية وقبل ذلك كله التغيير المنهجي، أن نعطي الأمور حقائقها، وأن نردها إلى مصادرها، وأن لا نقول عن المجاهد الذي يضحي بنفسه في سبيل الله: إنه منتحر يمضي إلى جهنم وساءت مصيراً. وأن لا نغير الحقائق فنجعل من يدافع عن حقه ظالماً ومعتدياً، ومن يغتصب الحق مسالماً وموادعاً. ينبغي أن نجعل القضية راجعة إلى المنهجية التي ليس عندنا فيها أدنى شك، ولا يمكن لأحد أن يغيرها، فإن عندنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إن بلغ بنا الأمر أن نرى الحقيقة في القرآن أو الحقيقة في السنة ثم نقبل أن نرضى بغيرها أو أن يدخل إلى عقولنا وفكرنا شيء سواها فقد نقضنا شيئاً من أصل إيماننا بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ . فلا بد من أن نعرف الأسماء وأن نضعها في مواضعها، وأن نسمي الأبطال أبطالاً، وأن نصف الجبناء بالجبن، وأن نبين أن أولئك الإخوة الكرام البررة - نسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء - هم الذين فعلوا ما لم تفعله كل القوى مجتمعة في شرقها وغربها، مسلمة وغير مسلمة، يوم أذلّوا اليهود وأدخلوا الرعب في صفوفهم وما أوقعوه في مجتمع اليهود أعظم مما أوقعته الحروب السابقة كلها، ويكفي أن نعرف الهجرة المعاكسة عند اليهود، والبنية الاقتصادية المدمرة، والرعب الشائع، والاختلاف المحتدم. إذا استمر هذا العون وبقيت تلك الجذوة فإنها الشرارة التي تحرق هذه الدولة الغاصبة، وما ذلك على الله بعزيز، وما قوتهم بشيء، وإنما هو محض ضعفنا وذلنا وتفرقنا وانسلاخنا من دين ربنا.

стр. 2178

الدعم بالسعي في إصلاح أحوال المسلمين وردهم إلى التمسك بالكتاب والسنة لكي نبقى متصلين بهذه القضية لنصرة أمتنا علينا أن نصلح أحوالنا، ولنغير من سلوكنا، ولنبادر إلى طاعة ربنا، ولنمنع المعاصي والمنكرات في أنفسنا وفي أسرنا وفي مجتمعاتنا وفي بلادنا؛ لان هذا الصلاح هو السلاح الحقيقي الذي نتهيأ به لمواجهة عدونا، وذلك ما نحتاج إليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. نسأل الله أن يعيننا على الثبات على الحق، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يبرئنا من معصيته ومخالفة منهجه. نسألك -اللهم- أن تسلك بنا سبيل الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم سخرنا لنصرة دينك، واستعملنا في نصرة عبادك وأوليائك. اللهم! لا تجعلنا من الذين يتأخرون عن نجدة إخوانهم، ولا عن نصرة دينهم، ولا عن تحقيق إيمانهم، ولا عن الاعتزاز بإسلامهم. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك. اللهم! عليك باليهود الغاصبين، ومن يعينهم من النصارى الحاقدين، اللهم! عليك بهم أجمعين، زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخُلف في صفوفهم، ودمر قوتهم، واستأصل شأفتهم، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، ولا تبلغهم غاية. اللهم! يا قوي! يا عزيز! يا منتقم! يا جبار! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم! إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم! ثبت إخواننا في أرض الرباط في فلسطين، اللهم! أمدّهم بالصبر واليقين، اللهم! رضِّهم بالقضاء، وصبرهم على البلاء، وآنس وحشتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وتقبل في الشهداء قتلاهم، وأحفظ أيتامهم يا رب العالمين. اللهم! أمدهم بحولك وقوتك ونصرتك وعزتك وتأييدك يا رب العالمين، اللهم! قل المعين الناصح، وكثر العدو القاهر، اللهم! فأمدهم بحولك وقوتك يا رب العالمين. اللهم! أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، يا قوي يا عزيز يا متين. اللهم! إنا نسألك أن تجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، أصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم! إنا نسألك لهذه الأمة وحدة من بعد فرقة، وقوة من بعد ضعف، وعزة من بعد ذل يا رب العالمين. اللهم! ردّنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم! انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم! ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 2179

شهر القلوب شهر رمضان هو شهر القرآن، شهر المغفرة والرضوان، شهر النفحات والإيمانيات، شهر المعاني الإيمانية التي لا تدرك ولا تتحقق إلا فيه، ومن هذه المعاني التي نتعلمها من هذا الشهر: الرقة والرحمة التي تحل في القلوب، والطهارة والنقاء من الدنس والأحقاد، والخوف والخشية التي تنتاب النفوس فتخلص إلى بارئها، وتتعلق بحب مولاها.

стр. 2180

شهر رمضان وما فيه من المعاني العظيمة المهمة الحمد لله الرحيم الرحمن، الكريم المنان، ذي الفضل والإحسان، اختص رمضان بنزول القرآن، وجعل صيامه من أسباب الغفران، وجعل له اختصاصاً بدخول عباده إلى الجنان، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فها نحن نتفيأ ظلال الإيمان ونسائم الجنان في رحاب رمضان، ولعلنا نشعر بهذه التغيرات التي هبت على قلوبنا فأحيتها، وعلى نفوسنا فطهرتها، ولا شك أننا في حاجة إلى مزيد من التنبيه والتركيز والتذكير الذي يعظم فوائدنا وعوائدنا من هذه الفريضة العظيمة وهذا الموسم الجليل. رمضان شهر القلوب، والإنسان فيه ثلاث قوى: قوة العقل والفكر، وقوة البدن والجسد، وقوة القلب والروح، وكل منها يحتاج إلى غذاء ورعاية وعناية، وكل زيادة في جانب منها تعد حيفاً وظلماً ونقصاً في الجوانب الأخرى، ولا أعتقد أنك تخالفني الرأي في أن حظ أجسادنا وتفكير عقولنا في أمور حياتنا استغرق نصيباً وافراً من الأوقات والجهود، وأن حظ القلوب والأرواح أقل، بل ربما كان أقل من القليل، بل ربما غاض حتى كاد أن ينوي وينتهي، فتهب علينا هذه النسائم، وتمر بنا تلك النفحات، ويكرمنا الله بمثل هذه المواسم حتى يتم الاستدراك ويكون التوازن، فحظنا في هذا الشهر أن نجعله شهر القلوب والأرواح لا شهر الأبدان والأشباح، أن نجعله الشهر الذي يؤكد لنا ما جاء به ديننا من أن الأعظم والأكثر أهمية في حياة المؤمن إنما هو قلبه وروحه، إنما هو إخلاصه وتجرده، إنما هو قصده ونيته، ليست الأمور بظواهرها، ولا الأعمال بأشكالها، بل كما قال الحق جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. قال القرطبي ﵀: خص القلب بالذكر لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت الجوارح. وكلنا يحفظ حديث المصطفى ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) وكلنا يدرك تماماً هذا المعنى وأن القلب السليم هو الخالص من الأوصاف الذميمة، والمتحلي بالأوصاف الجميلة، وكما بين ذلك الشعبي فقال: الذي يسلم من الشرك والشك، ومحبة الشر، والإصرار على البدعة والذنوب. ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها -وتأمل الأضداد فإنها موضع حديثنا- من الإخلاص والعلم واليقين، ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تبعاً لمحبة الله، وأن يكون هواه تبعاً لما جاء عن الله، وصدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. أفلسنا حينئذ ندرك تماماً عظمة أهمية القلب والروح، وما يتعلق بهما من الأعمال من الإخلاص والمحبة والتوكل والإنابة والرضا وغير ذلك؟! تأمل حديث أبي هريرة عن سيد الخلق ﷺ وهو يقول: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) قلوبكم محل نظر الله ، ما فيها من خير تضمرونه ونية خالصة تنطوي عليها، قلوبكم تلك التي لها آثارها، وكلنا يعلم ذلك. قال ابن القيم ﵀: لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العمل واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض، ذاك قلب ذاكر يصلي وهو معلق القلب بالله، وذاك قلب غافل ساه لاه، ذاك قلب مخلص وذاك قلب مرائي، فالعمل واحد والنتيجة مختلفة، بينها وبين الأخرى كما بين المشرق والمغرب.

стр. 2181

الإخلاص والتعلق بالله انظر إلى هذا الشهر كيف يسكب في قلوبنا المعاني العظيمة المهمة التي نحن في أمس الحاجة إليها! أولاً: الإخلاص والتعلق، إخلاص لله، وتعلق به، وحسن صلة دائمة بالارتباط بذكره وطاعته وعبادته، ففي الحديث: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) إنه عمل خالص لله ، هو أبعد ما يكون عن الرياء؛ إذ ليس له آثار ومظاهر يمكن أن يرائي بها الإنسان، هو عمل لا تجرحه ولا تتركه إلا مخافة من الله ؛ إذ يمكن أن تفطر ولا يراك أحد، وأن تجرح صومك ولا يشعر بك أحد، لكن الذي يمنعك أنك عالم موقن بأن الله لا تخفى عليه خافية، وأنت موقن بأنه جل وعلا هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ذلك الذي يمنعك، يبث ويزيد وينمي ويغرس هذا الإخلاص في قلبك لله ، وأنت حينئذ معلق القلب بالله ؛ لأن الله قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧]. في هذا الشهر الجليل وهذه العبادة العظيمة زادك من الإيمان كبير، وحرصك على إحياء قلبك بمعانيه وأعماله عظيم جداً، وحال غيرك في غير هذه العبادة، بل حالك أنت في غير هذه العبادة كان ربما على غير ذلك، أو -على أقل تقدير- دون ذلك، وكل تعلق للقلب بغير الله محبة وهوى هو نوع من طمس نور القلب ووأد حقيقة الإيمان فيه، كما أخبر الحق جل وعلا عن بني إسرائيل بقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] أي: أشربوا حبه والتعلق به، فلم تعد قلوبهم محبة لله جل وعلا ولا متعلقة به. فهذا الشهر العظيم شهر للتدرب والتعود والتأكد من تجريد القلب من كل قصد سوى الله، ومن إخلاص النية أن تكون فيها شائبة لغير الله، ومن عظيم التعلق بالله ، فنحن في هذا الصوم منذ انشقاق الفجر إلى غروب الشمس إلى سواد الليل إلى تكرار اليوم ما نزال مستشعرين هذه المعاني، حياتنا صلة دائمة بالله ، قلوبنا عامرة بذكره وبالاتصال به ، فنحن نصوم نهارنا ونتسحر ليلنا، ونبقى في سائر شهرنا متصلين بالله على هذه العبادة.

стр. 2182

الرقة والرحمة الرقة والرحمة: كم قست القلوب غفلة عن ذكر الله، وإعراضاً عن تلاوة كتابه ، وإيغالاً في كثير من الأعمال المحرمة الآثمة التي تطفئ أنوار القلب وتذهب رقته، والله جل وعلا قد امتدح رسوله ﷺ بتلك الرحمة القلبية فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، كم هي قاسية تلك القلوب التي لا تتعظ ولا تدكر! تسمع الآيات وكأنها لا تؤمن بها أو لا تعرف معانيها، أو لا تلقي لها بالاً، نسمع الذكرى والموعظة فلا تتهيج النفوس ولا تتحرك القلوب، ثم نرى صور القسوة جفاءً في المعاملة، وشدة مع المسلمين والإخوان، بل نوعاً من الخصومة والمكر والكيد، والحرب والشحناء والبغضاء التي كأنما لم تسمح ولم تفسح في القلوب لرقة ولا رحمة، نسأل الله السلامة. إذا تأملنا ذلك ندرك حقيقة الإيمان، وأنه هو جوهر تلك الرحمة والرقة التي تفيض على غير المؤمنين قبل المؤمنين؛ لأننا نرى أن الكافر قد استوجب سخط الله ، فنرحمه لكي ننقذه من هذا الكفر الذي هو فيه، كما قال المصطفى ﷺ : (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعل الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم من النار). أو كما قال ﷺ .

стр. 2183

المحبة والمودة كم رأينا الآيات التي تذكر لنا الوصف القلبي الرحيم الذي يريد الخير للناس في قلب محمد ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] لعلك -يا محمد ﷺ مهلك نفسك، تتبع القوم، وتأتي إلى مجالسهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور، لتخرجهم من الكفر إلى الإيمان، لتخرجهم من الجحود إلى اليقين. تلك القلوب الرحيمة يصب فيها هذا الصوم الرقة والرحمة فتلين، سواء أكان لينها بلين العبادة والطاعة والذكر، أم كان لينها بلين المحبة والألفة والأخوة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] قال ابن كثير: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد عن الحق، وقوله: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) أي: فلا تلين لذكره، ولا تخشع، ولا تعي، ولا تفهم. فهذا حظنا من شهرنا، رقة ورحمة تفيض بها القلوب، ثم تأتي من بعد ذلك الأخوة والألفة التي تفيض مياه محبتها ومودتها في القلوب، فنرى الأواصر وهي تمتد، ونرى الصلات وهي تزداد، ونرى الرحم وهي توصل، ونرى البِشر ونرى المحبة وهي تفيض، نرى صوراً تمنع تلك الشحناء والبغضاء، لماذا؟ لأن هذه العبادة فيها صلة بالله، وفيها شعور بألم الجوع والحرمان، وفيها رجاء رحمة الله ، (الراحمون يرحمهم الرحمن)، فمن أراد أن يتعرض لرحمة الله فليعرض نفسه إلى رحمة عباده، فيكون حينئذ مهيأ القلب لذلك، ولعلنا ندرك تماماً المنة العظمى التي امتن بها الله على رسوله ﷺ عندما خاطبه في شأن أصحابه: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣] تلك القلوب والمحبة التي كانت صورة نموذجية في حياة أصحاب محمد ﷺ يوم اقتسموا الأموال والديار، يوم اختلطوا كأنما أخوتهم أعظم وأقوى من أخوة الرحم واللحم والدم والنسب، وذلك الذي صاغه الإيمان يتجدد في مثل هذه الفريضة؛ لأننا نشعر تماماً بحقيقة هذه الأخوة والألفة والمحبة من هذا الوجه.

стр. 2184

الخوف والخشية ووجه آخر -أيضاً- ينسكب في قلوبنا من أثر هذه العبادة الجليلة، هو الخوف والخشية، خوف الله وخشيته؛ لأننا مع الطاعة والعبادة نتذكر ما سلف من التفريط والتقصير، نتذكر كلما دعونا الله في صلواتنا وفي سجودنا تلك الذنوب والآثام، نخشى من آثارها وأضرارها، نخشى من عدم غفرانها ومحوها، فما تزال قلوبنا متقلبة بين هذا وذاك، روى الترمذي من حديث أنس ﵁ (أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت -أي: في مرض الموت-، فقال له النبي ﷺ : كيف تجدك؟ فقال الشاب: والله -يا رسول الله- إني لأرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال ﷺ : ما يجتمعان في قلب عبد مؤمن في مثل هذا الموقف إلا أعطاه الله ما يرجوه وآمنه مما يخافه)، ألسنا نشعر ونحن في هذه الفريضة العظيمة والعبادة الجليلة بشيء من رجاء يعظم كلما تلونا وكلما ذكرنا وكلما دعونا؟ كأنما نستشعر رحمة الله ومغفرته، كأنما نريد أن ننالها بأيدينا، كأن أشواق قلوبنا وآمال نفوسنا معلقة حقيقة بهذه الرحمة والمغفرة، ونحن نستحضر ما ذكره النبي ﷺ : (إن الله ينزل إذا بقي الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ وذلك الدهر كله) ألا تتوق نفوسنا؟ ألا تشتاق قلوبنا؟ ألا تتعلق أرواحنا؟ ألا نستشعر بأن قلوبنا تحس هذه المعاني من تعلقها برجاء الله وخوفها من معصية الله أكثر مما نكون عليه في غير هذا الموسم العظيم والعبادة العظيمة؟! إنها نفحات القلوب، يصبها هذا الشهر العظيم فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، كم نسمع في هذا الشهر من ذكر الله؟! كم نتلو من آيات الله؟! كم نشعر بأن قلوبنا تخفق خوفاً أو تتحرك رجاءً من هذه المعاني التي نتصل بها؟ وذلك من رحمة الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١] كل يوم ندعو ونقول: اللهم! تقبل صيامنا وقيامنا، نعمل ونحن في خوف أن لا يقبل منا، أليست هذه من مشاعر الإيمان؟! قال النبي ﷺ لأم المؤمنين عائشة لما قرأت هذه الآية وقالت: (هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر يا رسول الله؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخشى أن لا يقبل منه) ونحن اليوم -بحمد الله- نشعر بذلك، نصلي ونصوم ونتصدق ونقول: اللهم! اقبلنا. اللهم! اقبلنا. نخاف أن لا تقبل أعمالنا، كما قال الحسن ﵀: لقد أدركت أقواماً هم أخوف منكم من أن تحاسبوا على سيئاتكم من أن تقبل منهم أعمالهم أي: كان خوفهم من قبول الأعمال أعظم من خوفنا على محاسبتنا على الآثام. وذلك أمر عظيم في شأن القلوب متى وجد فيها، فإنه كما قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١] ومعنى ذلك أنك تكثر من صيامك، وتزيد من صلاتك، وتعظم من نفقتك، ثم بعد ذلك ترى أنك لم تعمل شيئاً، وترى أنك ما زلت تأمل في قبول الله ، فما تزال تعمل وتعمل، وما تزال تتحين تعرضك لرحمة الله وكثرة دعائك له ورجائك في قبول عملك عنده، وهذه كلها فيوض إيمانية قلبية لا نشعر بها كما نشعر بها في هذا الشهر العظيم وهذا الصوم الجليل، فلنتنبه لذلك ولنحرص عليه.

стр. 2185

الطهارة والنقاء طهارة القلوب ونقاؤها أمر عظيم، كم في القلوب من ظلمة سوداء من أثر المعصية! كم في القلوب من مشاعر حسد ومشاعر منافسة بين أهل الإيمان لا تنبغي ولا ينبغي أن يكونوا عليها؟! فهذه صورة كبيرة، فكيف تتطهر قلوبنا؟ طهارتها هي الطريق إلى العفة عن المحارم، والبعد عن المآثم، تلك هي الطريق التي بها تشرق أنوار القلوب، روى حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى يصيرا على قلبين: أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) نكتة سوداء من منكر أو معصية، ثم أخرى وليس ثمة استغفار ولا توبة، فلا جلاء ولا نقاء ولا صفاء، فما تزال النقاط السوداء حتى يظلم القلب نسأل الله السلامة. وإشراقة القلب تكون باجتناب المعصية، فإنه صقل وتطهير لذلك القلب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] طهارة القلوب عفة الجوارح، غض بصر، وإغضاء سمع، وإمساك لسان، وضبط جوارح، كل ذلك يؤدي إلى تلك الطهارة وذلك النقاء؛ لأن أي انحراف إنما مصبه ومرده إلى القلب، العين تنظر إلى المحرم والقلب يظلم، الأذن تسمع إلى الإثم والقلب يظلم، الأيدي تأخذ ما لا يحل والقلب يظلم، فما يزال يظلم ويظلم حتى تنطمس أنواره، نسأل الله السلامة. روى النسائي في سننه من حديث أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد) وفي رواية أخرى عند النسائي في سننه وعند أحمد في مسنده: (الشح والإيمان) تلك المشاعر التي نخرج بها اليوم أموالنا، والتي نبذل فيها مشاعرنا من المحبة هي نوع من التعليم والتعويد والتربية والتزكية للقلوب لتخرج منها تلك الأوضار وتلك الأقذار وتلك الأكدار التي هي شح أو حسد، أو هي ظلمة من آثار تلك المعاصي، نسأل الله السلامة.

стр. 2186

التذكر والتدبر التذكر والتدبر كم نحن في حاجة إليهما! كم هي شواغل الدنيا التي جعلت قلوبنا غافلة لاهية ساهية لا تكاد تدكر ولا تعتبر! ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، فنحن في هذه العبادة خير منا -بحمد الله- فيما قبلها؛ لأننا نقرأ القرآن كثيراً، ونجتهد في تدبره؛ لأن كثرة القراءة ملجئة إلى ذلك، نعتكف فلا يكون لنا وقت إلا وقت العبادة، فما نزال إما نصلي وإما نقرأ، وإما نتذكر أو نعتبر، فكل ذلك يعين على هذا، ونحن نعظم صلتنا بكتاب الله بوجوه كثيرة، منها الحفظ، والمراجعة والتلاوة وقراءة التفسير، أو سماع دروس العلم أو المواعظ، كلها تتصل بهذا المعنى فتحيي موات القلوب بإذن الله، وصدق الله تعالى حين قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، وتأمل قول الله في شأن المعرضين الذين لا تنتفع قلوبهم بذكرى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، فكم نحن نلعب! وكم نلهو! وكم نشتغل بأمور لعلي أوجز بعضاً منها فيما يأتي! نحن نجعل قلوبنا في غفلة وسهو ولهو ولغو لا ينبغي أن تكون عليه، وقد أخبر المصطفى ﷺ بهذا المعنى بحديثه العظيم الذي رواه أبو هريرة أنه ﵊ قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه)، ولذلك نحتاج إلى هذا المعنى العظيم وكل هذه المعاني، ويضاف إليها الطمأنينة والسكينة، فهي من آثار هذه العبادة؛ لأن كثيراً من تلك المعاني التي تحيي القلوب وتبث فيها هذه الخيرات مقرونة بالعبادات والطاعات، والإقبال على الله الذي نشهده في هذا الشهر: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ونحن نذكر الله .

стр. 2187

الاستقامة والثبات في شهر رمضان نستقيم -بحمد الله- ليس يوماً ولا يومين، بل شهراً كاملاً، بل من عقل ووعى وادكر كان لأثر هذه العبادة استمرار في استقامته بإذن الله ، والله جعل من دعائنا في كتابه: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] استقامت قلوبنا على الطاعات، شعرنا بتلك الوصية التي أوصى بها رسول الله ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم) شعرنا بالثبات كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤]، نشعر أن قلوبنا مثبتة بالإيمان واليقين، فلنحمد الله على ذلك، ولنشعر بأن هذه المعاني هي الخلاصة العظيمة التي ينبغي أن نحرص عليها في هذه العبادة. نسأل الله أن يعمر قلوبنا بالإيمان، وأن يرسخ فيها اليقين، وأن يجعل قلوبنا متعلقة به ، وأن يملأها بحبه والرضا بقضائه وقدره والإنابة إليه والخوف منه ورجائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2188

وقفات مهمة في شهر رمضان أيها الأخ المؤمن! هاقد أظلنا موسم من مواسم التقوى العظيمة، شهر الصوم الذي من مقاصده العظيمة التقوى. ووقفتنا الأخيرة تأكيد على أن يكون حظنا من شهرنا هو حظ قلوبنا وأرواحنا، وأن لا نعكس، وأن لا نغير، وأن لا نبدل كما يحصل -وللأسف- في واقع حياتنا، فإذا بنا نرى هذا الشهر وكأنه شهر الأجساد والأبدان، شهر الشراب والطعام، لم أر بعيني في كل هذه الشوارع التي أجوبها إعلاناً واحداً يشير إلى معنى من المعاني أو ينبه على شيء من التذكير والعظة، بل إما أن نرى شراب العصير، وإما أن نرى أنواع الطعام، وإما أن نرى الجانب الآخر الذي سأشير إليه. قال بعضهم: جعله الله شهراً للقلوب والأرواح فجعلوه لغير ذلك من الطعام والشراب. حتى إننا نرى أطعمة كأن من المحرم أن تؤكل قبل رمضان أو بعده، أو كأن الصوم بدونها لا يصح، وهذا كله من استزلال الشيطان، ومن صرف الأذهان عن حقائق الإيمان، ومن الخروج عن حكم العبادات إلى أمور من الصوارف والملهيات والمشغلات، فلا ينبغي لنا أن نكون من أولئك الذين يضيعون عقولهم، ولا ينظرون إلى المواسم والفرص والحكم والمنافع التي ساقها الله إليهم، إن لله في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لنفحات الله، فكيف نتعرض لها ونحن لا نفكر إلا في هذه الطوابير التي نراها قبيل المغرب تصطف لتأخذ هذا النوع من الطعام أو ذاك، ويختصمون ويضيعون الأوقات العظيمة في آخر كل يوم قبيل الغروب، ويغفلون في ذلك الوقت عن الذكر والدعاء والتضرع والاستعداد للإفطار؟! وأمر آخر، وهو الجانب المؤلم المحزن الذي تحدثت عنه من قبل، ونراه أيضاً في الإعلانات، إنها البرامج والتمثيليات وغيرها مما يعرض في القنوات، كل الذي نقول: إنه يصب في القلوب من هذه الأمراض منه، فإن ذكرت جاءتك بالغفلة، وإن خشيت جاءتك بتركها، وإن كان عندك صفاء كدرت قلبك من جديد، وإن كان عندك استقامة أزاغتك من بعدها، نسأل الله السلامة. فلماذا مرة أخرى وثانية وثالثة تتخصص وسائل الإعلام لمعاكسة ومعارضة كل حكم عظيمة ومنافع جليلة، تجيء بها هذه الفريضة أو غيرها من الفرائض؟ بل تختص بهذا الشهر، فثمت برامج لا يمكن أن تكون إلا فيه، ولا تذاع أو تبث في غيره، وقد قلنا ذلك من قبل، لكنني أخاطب هنا قلوبكم وعقولكم، لا تكونوا من سفهاء العقول فتضيعوا هذه الخيرات، ولا تكونوا من ضعاف القلوب فتميلوا إلى الشهوات. وأخيراً -وهو الأمر الثالث كذلك- أنه كلما أردنا لهذه الخيرات في قلوبنا أن تزداد فطريقها مجانبة المعاصي بكل شيء، كالكلمة التي تتكلمها، كما أخبر النبي ﷺ : (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً)، وكما قال لـ معاذ: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم!) لغو القول، وخيانة النظر، وسماع الإثم، والسعي إلى المحرم، كل ذلك يعاكس كل ما ذكرناه، فنحن الذين نستطيع أن نفتح الأبواب ليدلف إليها الخير والنور، أو نكون قد حرمنا أنفسنا. نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب. اللهم! وفقنا للصالحات، واصرف -اللهم- عنا الشرور والسيئات، واغفر -اللهم- لنا ما مضى وما هو آت، اللهم! وفقنا لحسن الصيام والقيام وصالح الأعمال، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، واجعلها زيادة لإيماننا، وترسيخاً ليقيننا، ونوراً لقلوبنا، وزكاة لنفوسنا، وطهارة لأرواحنا، ومضاعفة لأجورنا، ورفعة لدرجاتنا، وتكفيراً لسيئاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا -اللهم- فيما يرضيك آمالنا، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم! املأ قلوبنا بحبك، وأنطق ألسنتنا بذكرك، واجعل أيدينا منفقة في سبيلك، وأقدامنا ساعية إلى طاعتك، وجباهنا خاضعة لعظمتك، وشفاهنا لهجة بتسبيحك وحمدك، واستخدمنا -اللهم- في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك، واجعلنا -اللهم- ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. اللهم! إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء، اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين، والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين. امسح -اللهم- عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء، اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سمع الدعاء. اللهم صلِّ وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2189

وجاء الصيف موضوع الإجازة الصيفية من المواضيع المهمة التي يجب أن نفهم حقيقتها، والممارسات الخاطئة التي تحدث فيها، وكيفية اجتنابها، ولنعلم أن ميادين الخير كثيرة والمشاريع الخيرة في استغلال الإجازة وفيرة، حتى نفوت على أعداء الإسلام مخططاتهم التي يسعون من ورائها إلى قضاء هذه الإجازة في المحرمات والملهيات والمنكرات.

стр. 2190

الإجازة والمفاهيم الخاطئة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين. أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. هذا الدرس الأسبوعي وعنوانه اليوم: (وجاء الصيف)، وهو الدرس التاسع والعشرون، وكلنا يعلم أن التغيرات الاجتماعية تلقى تجاوباً وتغيراً في أحوال الناس أو ممارساتهم؛ لأن هذه القضايا تعم وتشمل الناس والمجتمع، إذ حينما تنتهي الدراسة أو يبدأ العمل أو تمنح فرص الإجازة تكون هناك من الأعمال والمناسبات ما لا يكون في غيرها، وموسم الصيف أيضاً فيه كثير من القضايا التي تحتاج إلى لفت النظر والتنبيه؛ لعل الفائدة تتم من خلال ذلك بعون الله جل وعلا، وسنذكر جملة من الموضوعات تحت هذه العناوين الرئيسة الخمسة: أولها: مفاهيم خاطئة. الثاني: ممارسات خاطئة. والثالث: ميادين الخير. والرابع: مشاريع مقترحة. والخامس: تتمات مما يتصل بالموضوع.

стр. 2191

مفهوم العطلة ونبدأ بالمفاهيم الخاطئة، إذ إن كثيراً من الأعراف والممارسات تنطلق أصلاً من المفهوم الذي يستقر في أذهان الناس، والمفاهيم تنحرف وتتبدل وتتغير إذا لم يكن هناك ارتباط بالثوابت وأصالة مع المنهج الإسلامي، ووضوح فيما يجب وما لا يجب، وما يجوز وما لا يجوز ونحو ذلك. وتتغير المفاهيم أيضاً بالاختلاط والامتزاج بمجتمعات وثقافات وديانات مغايرة لما نحن عليه، تهب علينا منها بعض الأفكار وبعض التصورات، ويميل إليها بعض الناس وتتبدل حينئذ المقاييس والموازين. ووقفتنا في هذه المفاهيم مع ما يتعلق بالصيف، سيما في قطاع عريض وهو قطاع الطلاب، ويتبعه قطاع الأسرة والمجتمع؛ فهناك مفهوم العطلة أو الإجازة، والحقيقة أن بعض الألفاظ تلقي ظلالاً من المفاهيم الخاطئة، فإن كلمة (العطلة) من حيث الاشتقاق تلقي ظلالاً من المفهوم الخاطئ الذي ينتشر عند بعض الناس، ففي لسان العرب يقول: تعطل الرجل، إذا بقي لا عمل له. والاسم (العطلة) مشتق من الفعل (عطل) الذي هو البقاء بلا عمل، قال: والمعطل: الموات من الأرض، وإذا ترك الثغر من ثغور المسلمين مهملاً بلا حماية من الجند والجيش سمي ثغراً معطلاً، والمواشي إذا أهملت بلا راع عطلت، وكذلك الرعية إذا لم يكن لها وال يسوسها، وقد عطلوا، أي أهملوا. وإبل معطلة، أي لا راعي لها. ثم قال: والتعطيل التفريغ. قال: وقد يستعمل العطل في الخلو من الشيء، وإن كان أصله في اللغة في الحلي. أصل الكلمة يقال: امرأة عطلة أو عطلاء. أي لا حلي لها، يعني: أنها مجردة من الزينة، خالية منها. قال: وقد يستعمل العطل في الخلو من الشيء وإن كان أصله في الحلي، فيقال: عطل الرجل من المال والأدب، فهو عطل ومعطل، يعني: لا مال عنده ولا أدب. فإذا تأملنا هذه الكلمات واشتقاقها، فإننا نرى أن الظاهر في معنى العطلة أنه البطالة والفراغ والخلو من العمل، والركون إلى الكسل وعدم الجد أو النشاط أو الاكتساب أو الزيادة في أي أمر من الأمور التحصيلية التي يعتادها الناس. فرجل عطل أو عنده عطلة، يعني: أنه خال من كل شيء. ومن خلال الواقع نجد أن مفهوم هذه الكلمة ينطبق على هذا المعنى عند كثير من الناس، فتجد أن قطاعاً من الطلاب ومن المجتمع يقولون: العطلة تعني الفراغ، وكأننا نعتبر هذا الوقت الطويل بما فيه من الساعات والأيام والأسابيع والشهور عطالة وبطالة من العمل والجد والإنتاج، ولك أن تستغرب بل أن تستنكر أن يكون هذا المدى من الزمن الذي يبلغ نحو ربع العام، عطلة، ولو مد الإنسان في الحساب فإنه بالنسبة للطالب أو من يرتبط بترك العمل والتفرغ بنفس منهج وزمن الطلاب؛ فإن ربع عمره عطلة. فإذا قال القائل: العطلة شهر شهران شهران ونصف، ولا بأس أن تكون فراغاً وبطالة ما دام أن هناك جداً، لكن المعلوم أن الباقي ليس فيه جد، بل هو مخلوط في أكثره بكسل وخور. أقول من لطائف ما ذكرت بعض الصحف في قراءة قديمة: أنهم حسبوا بعض الأوقات اليسيرة في اليوم، ثم في الأسبوع، ثم بعد ذلك في وقت طويل؛ فإذا بها زمن. ذكرت بعض الصحف عن حلاقة الذقن عند غير المسلمين، وحتى عند المفرطين من المسلمين، فقالت: يستغرق زمن الحلاقة ما بين عشر دقائق إلى ربع ساعة، فإذا بها في أربعة أيام ساعة وإذا بها في الأسبوع تبلغ ساعتين إلا ربع ساعة، ثم حسبها في العام فإذا بها أيام، ثم إذا حسبتها في عدة سنوات إذا بها تبلغ مبلغ الشهور، فيتعجب الإنسان يقول: هل يعقل، لو قلت لإنسان ما: إن رجلاً يصرف شهرين أو ثلاثة من وقته في حلاقة ذقنه لما صدق، لكن في الواقع يقع مثل هذا كثيراً. فالمعنى المفهوم الخاطئ هو أن يتصور الناس أن هناك عطلة.

стр. 2192

مفهوم الإجازة وآتي أيضاً بالكلمة الأخرى وهي كلمة (الإجازة) التي تستخدم أيضاً في التعبير عن هذه الفترة من الزمن فيقولون: العطلة الصيفية، وكذا الإجازة الصيفية. أيضاً جاء في لسان العرب يقول: جزت الطريق جوزاً وجوازاً، وجاز به وجاوزه وأجازه وأجاز غيره، وجازه أي سار فيه وسلكه. فمعنى: جزت الطريق أو أجزت الطريق: سرت فيه وسلكته، قال: وأجازه خلفه وقطعه، يعني: خلفه وراءه، وقطع الطريق أي: انتهى من مرحلة ويستقبل مرحلة أخرى جديدة، ولذلك قال أيضاً: الاجتياز هو السلوك، فمعنى: اجتاز الشيء سلك فيه حتى يتجاوزه. نحن نقول في الدعاء: اللهم تجاوز عنا، يعني: اغفر لنا، وبمعنى أن يكون هناك انتقال من المؤاخذة على هذا العمل إلى غيره. ثم قال: والجواز صك المسافر، أي: الذي يجوز به المراحل وينتقل به من منطقة إلى منطقة أو من مرحلة إلى مرحلة، ولا أعلم فيما اطلعت أو قرأت من التاريخ أن هناك جوازات كانت فيما مضى، لكن ربما يكون هناك جواز عند الاحتياج، مثل السفير أو مثل الذي يبلغ رسالة، فيفيد أنه يسمح له بالدخول إلى مكان ونحو ذلك. قال: والجواز صك المسافر، وأجاز البيع أي: أمضاه، وفي الحديث: (أجيزوا الوفد) أي: أعطوهم الجائزة، والجائزة: العطية، وتكون العطية والجائزة في مقابل ما قطع من المرحلة، وفي هذا المعنى أيضاً: الإجازة في العلم، يقولون مثلاً: أجازه الشيخ إذا ختم الكتاب وقطع مرحلة، أي: أعطاه الجائزة المعنوية بأنه قد نال هذا العلم وشهد له به، أو الإجازة بمعنى الشهادة كما أشرت، فمعنى الإجازة على هذا المفهوم أنه اجتاز مرحلة وأجيز بها، يعني: قطعها وشهد له بقطعها، والذي ينتهي من مرحلة في غالب الأمر هل انتهى من مراحله كلها؟ إذا كان انتهى من المراحل كلها فله أن يرتاح وأن يركن وأن يسكن، ولكن نعلم أن المسلم ليست عنده مرحلة ينتهي فيها إلى حد حتى يلقى الله جل وعلا، ويلفظ آخر أنفاسه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. إذاً: هذان المفهومان الخاطئان يمكن أن نصوغهما في معنيين، نحتاج إلى التنبيه عليهما بشيء من التذكير والقصص والحوادث. يتبين من خلال هذه الكلمات والمقدمة: أن هناك فترة نبحث فيها عن الراحة والبطالة، ونصرف كل صورة من صور الجد والعمل، وأن هناك فراغاً يحتاج الإنسان فيه إلى تضييع الوقت. هذان مفهومان عند الناس: أن هذا الوقت ينبغي أن يكون للراحة والسكون والخلود والكسل، أو إذا كان هناك من حركة فإنها حركة في تضييع الوقت ومحاولة الاستمتاع، دون النظر إلى ما سيترتب على هذه الممارسة من فائدة، ولذلك نقف عند هذين المفهومين من خلال هذه التعليقات اليسيرة.

стр. 2193

موقف الإسلام من البطالة والوقوف عن العمل بالنسبة للراحة والبطالة والوقوف عن العمل، هو أمر لا يليق بالإنسان المسلم، وليس في تصور المنهج الإسلامي، قيل لبعض السلف: علام تتعب نفسك؟ قال: راحتها أريد. فإنما تكون الراحة في العمل والجد والطاعة، وبذل كل ما من شأنه أن يحصل للإنسان منفعة دنيوية أو أخروية ما دامت في إطار الشرع، قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (لكل نفس شرة وفترة)، (شرة): جد وعزم في الطاعة، (وفترة) ضعف. قال: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) يعني: لا يخرج في حال الضعف عن السنة وعن أعمال الخير والطاعة إلى أن يكون خلواً من العمل، فضلاً عن أن يمارس المعصية والمخالفة الشرعية. وعندما نتأمل في ضم المفهومين معاً، فإن حياة المسلم ليس فيها فراغ، وتأمل قول الله جل وعلا في خطابه لرسوله ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] قال ابن كثير رحمة الله عليه: إذا فرغت من شأن الدنيا وأحوال العباد فانصب لعبادة ربك. فليس هناك فراغ أصلاً في حياة الإنسان المسلم، بل كل وقت وكل لحظة ينبغي أن يشغلها بعمل وجد يكتسب فيه من أمر الدنيا ويغتنم فيه من أجر الآخرة ما شاء الله له أن يغتنم، ولذلك حس يتجاوب الإنسان المسلم مع المهمة والغاية التي خلق لها، ومع التصور الإسلامي الذي يدور معه: قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل وفي صحيح البخاري أن النبي ﵊ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، أي أن هذا الفراغ سمي فراغاً من حيث إن فيه فرصة للعمل والاكتساب، لكن القعود والنكوص والتخلف يجعل الإنسان في صفقة غبن؛ لأنه لم يأخذ بقدر ما أعطى، فهو قد صرف الوقت لكنه لم يجن من ورائه منفعة دنيوية مشروعة، ولا أجراً أخروياً هو مفتقر إليه؛ لذلك إذا تأمل الإنسان المسلم هذا المعنى وجده مرتبطاً بقول النبي ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس -وذكر منها-: الحياة قبل الموت، والفراغ قبل الشغل، والشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم). كل هذه المعاني لو تأملناها سنجد أنها تتركز في معنى أن المسلم لا يليق به أن يفرط في الوقت ولا أن يفرط في الجد والعمل، ولذلك لم يجعل النبي ﵊ الانبعاث للعمل أمراً هيناً بأن يقول: اعملوا أو استغلوا، بل جاء النداء النبوي الكريم فيه نوع من الحض؛ إذ قال ﵊: (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو هرماً مفنداً، أو مرضاً مقعداً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر). إذاً: هذا التصوير منه ﵊ يدل على أن الأمر لا يحتمل التواني والكسل والخلو من العمل، بل العكس هو الصحيح، والله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] وقال جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم شاهد عظيم على أن مفهوم الراحة والخلود وترك العمل وتبديد الوقت في المتع والأعمال الفارغة السخيفة التافهة، ليس وارداً في حس الإنسان المسلم، ولم يكن في سيرة أسلافنا رضوان الله عليهم.

стр. 2194

نماذج من السلف في حفظ الوقت واستغلاله ورد في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه كما في سير أعلام النبلاء أنه قسم الليل أثلاثاً: ثلثاً يكتب، وثلثاً يصلي، وثلثاً ينام، قال الذهبي: قلت: أفعاله الثلاثة عبادة بالنية، حتى النوم وحتى الكتابة للعلم تعتبر عبادة لما نوى فيها من الخير، فإذا كان هذا في الليل الذي هو موضع الراحة، فكيف بالنهار الذي هو موضع العمل، والله ما خلق الليل والنهار ولا تتابعهما إلا ليكونا محل عمل وجهد في الطاعة، كما قال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢]، (خلفة): يخلف بعضهما بعضاً، (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)، أي: أن يغتنم هذا الوقت، وقد ورد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: (أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ الستين) أي: قد مد له في العمر وانقطعت حجته وفرط في عمره فلم يكن له حينئذ من عذر له إذا كان مواجهاً بالعقاب من الله . أبو الوليد الباجي وهو من علماء المالكية يخاطب نفسه في مسألة استغلال الوقت فيقول: إذا كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنيناً بها وأجعلها في صلاح وطاعه العمر مثل غمضة عين يمر كأنه أحلام، وتمر الأيام كأنها لحظات، فلماذا ألا يكون المرء ضنيناً بوقته كما كان شأن السلف الصالح. وهذا أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي يقول عن نفسه: قد عصمني الله في شبابي بنوع من العصمة، وقصر محبتي على العلم، وما خالطت لعباً قط. أي: لم يكن هناك وقت للعب، ولو تجاوزنا وقلنا: إن هناك وقتاً للعب فإنه يكون وقتاً بين عملين ليخفف من الأول وينشط للثاني، أما أن يكون اللعب والتفريط في الأوقات هو الغاية فهذا ما لا ينبغي أن يكون. يقول: وما خالطت لعباً قط ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم، وأنا في عشر الثمانين -يعني: في العشر الثامنة من عمره- أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين. ويخاطب نفسه ويقول: لا أجد حلاً وجوازاً في أن أفرط في وقتي، ثم يقول: فإن تعبت عيني من نظر وكلت يدي من كتابة، فلا أقل من أن أنطرح وأشغل فكري في أمر أو مسألة من الخير. كان أبو عبيد القاسم بن سلام -كما في وفيات الأعيان- يفكر في المسألة من مسائل العلم، فإذا فتحت عليه قفز من شدة الفرح، وربما مضى ليلة كاملة يفكر في بعض مسائل العلم حتى يفتح عليه فيها. وأبو بكر محمد بن عبد الباقي وهو من سلالة كعب بن مالك ﵁ يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وما من علم إلا وقد نظرت فيه وحصلت منه الكل أو البعض إلا هذا النحو فإني قليل البضاعة فيه، ثم قال: وما علمت أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب! وكان ابن عساكر -كما في السير- مواظباً على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، وقيل في وصفه: وكان يحاسب نفسه على لحظة واحدة تذهب في غير طاعة. قال تلميذه: كان يشتغل منذ أربعين سنة بالجمع والتصنيف والتسميع حتى في نزهته وخلواته فهو حتى النزهة لا يخليها من الفائدة؛ لأنه ليس هناك وقت للفراغ وللبطالة. وهذا الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي كان لا يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة. ثم ذكر الذهبي جدوله اليومي، وهو جدول عجيب ليس فيه إلا الصلاة والتحديث والقرآن والمذاكرة في العلم بلا انقطاع وبلا ضياع وقت. ولذلك كانت هذه الصور وغيرها مما سيأتي ذكرها تتنافى مع مثل هذه المفاهيم التي تروج، وربما روجها بيننا أعداؤنا لنخلد إلى الراحة ونترك الجد والعمل، وما من سبب من أسباب البطالة والعطالة يمكن أن تأخذ به الأمة أو أن يسري في صفوفها إلا نجد من يعيننا عليه من أعدائنا، فإذا كان الفراغ يحتاج إلى لعب فعندهم من الألعاب ما يكفي الإنسان ليضيع عمره كله، ولو أضيف إلى عمره عمر آخر لضاع معه. فهناك للفراغ أفلام وتمثيليات، ولماذا يصنعون لنا هذا؟ إنما هو لتمرير هذه المفاهيم وتخليدها وتطبيقها عملياً؛ لتنصرف الأمة عن الجد والعمل، ولا يكون عندها مراجعة ولا وقفة مع الذات يخاطب فيها الإنسان نفسه، ويستحضر قصر عمره وإقباله على ربه كما قال القائل: أيا نفس ويحك جاء المشيب فماذا التصابي وماذا الغزل تولى شبابي كأن لم يكن وجاء مشيبي كأن لم يزل كأني بنفسي على غرة وخطب المنون بها قد نزل فيا ليت شعري ممن أكون وما قدر الله لي في الأزل فلا بد أن نقاوم مثل هذه المفاهيم الضعيفة التي تفت في العضد، وتضعف العزيمة، وتميل بالإنسان إلى الهامشية في الحياة وإلى الانسياق وراء مخططات الأعداء بصورة أو بأخرى. وكان سفيان الثوري رحمة الله عليه كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين فيقول: أطريف إن العيش كدر صفوه ذكر المنية والقبور الهول دنيا تداولها العباد ذميمة شيبت بأكره من نقيع الحنظل وذلك ليذكر نفسه أن الحياة قصيرة. وابن القيم يبين لنا عظمة الوقت وعظمة الجريمة المرتكبة في تبذيره وتضييعه، حينما يقول: إضاعة القلب وإضاعة الوقت: إضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد في اتباع الهوى وطول الأمل. ولذلك يقول رحمة الله عليه: لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه، أي: على حسب همة الإنسان وقدره وشرفه يكون اهتمامه واستغلاله للوقت. قال: فأشرف الناس نفساً وأعظمهم همة وأرفعهم قدراً من لذتهم في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إلى ما يحبه ويرضاه. ويقول ابن كثير عن الحافظ أبي الحجاج المزي وكان قد أصهر منه: وقذتني كلمة سمعتها من أبي الحجاج المزي الحافظ، سمعته يقول على هذه الأعواد -يعني: على أعواد المنبر-: إن امرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليه حسرته يوم القيامة. خرج شريح يوماً فوجد قوماً من الحاكة يلعبون، فقال لهم: ما لكم تلعبون؟! قالوا: إنا تفرغنا، قال: أوبهذا أُمر الفارغ؟! اقرءوا قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧]. ولذلك لا بد للإنسان المسلم أن يعلم أنه ليس هناك وقت يسمى وقت فراغ، ولا وقت يسمى وقت خلو وبطالة من العمل، ولذلك قال ابن الجوزي: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، وليس فقط لا يضيع بل يقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور، ولربما يعجز عنه البدن من العمل. فإذاً ليس فقط مجرد استغلال الوقت، بل لا بد أن يقدم الأفضل فالأفضل، فلا يقنع بما هو أقل إذا كان يستطيع ما هو أعلى وأشرف. وقال الشاعر: إن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده وكما قال أحدهم: الفراغ والصحة والمال ثالوث مدمر، ما لم يوجه التوجيه السليم. وهذه المعاني كما أشرت تصحح ذلك المفهوم الخاطئ الذي يتلازم مع مقدم الصيف.

стр. 2195

ممارسات خاطئة في الإجازة الصيفية

стр. 2196

ممارسات خاطئة فيما يتعلق بالسفر إلى ديار الكفار نذكر الممارسات الخاطئة أمرين اثنين: أولهما: ما يتعلق بالسفر إلى الخارج وإلى ديار الكفر على وجه الخصوص. وثانيهما: ما يقع من العطالة والبطالة للشباب على وجه الخصوص في الداخل. كثيراً ما يتزامن السفر مع هذه الإجازات والعطل كما درج على الألسن، فأريد أن أبين مخاطر السفر إلى الخارج في نقاط محددة. أولاً: الخطر العقائدي: ونعني بهذا السفر -كما أشرت- إلى بلاد الكفر، أو إلى بلاد العلمنة التي هي أقرب في ممارساتها إلى بلاد الكفار، وإن كانت متسمية ببلاد إسلامية. ويتمثل الخطر العقائدي في إلقاءات لا تظهر أو قد ينفيها صاحبها، لكنها في الحقيقة تتراكم شيئاً فشيئاً، منها: حب الكفار والميل نحوهم وتعظيمهم والانبهار بهم، وكم نرى ممن يكثرون السفر من يعظمون أهل الكفر ويميلون إليهم ويخلصون لهم الحب ويكنون لهم التقدير ويشابهونهم في الأفعال، وهذا يسبب ضعف البراء من الكفار، وهي عقيدة أصيلة كما أخبر النبي ﵊: (إن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)، وليس المجال مجال إطناب، إذ سيأتي من القول لأهل العلم ما يشمل هذا أيضاً. الخطر الثاني: هو الخطر الأخلاقي، إذ يترتب على ذلك انفراط عقد المروءة، فبالنسبة للرجال ينطبع في نفوسهم وقلوبهم ذهاب الغيرة والحفظ للأعراض، وفي النساء يقل الحياء ويأتي التبرج، إضافة إلى ما يقع من انحلال في ممارسة المحرمات، مثل ممارسة الزنا والفواحش والمخدرات والمسكرات، وغير ذلك مما يقع فيه كثير من الناس. الخطر الثالث: الخطر الاجتماعي الذي ينطبع في كثير من الصور، منها: الميوعة في الشباب، والتبرج والفتنة في البنات والشابات، هذا ينعكس على الأوضاع الاجتماعية، إضافة إلى ما ينعكس أيضاً من العادات والتقاليد، وكما يسمونها: (الإتكيت) والنظم حتى أصبحنا نشابه القوم في كثير من التصرفات التي فيها حرمة ومخالفة شرعية من مثل أعياد الميلاد ورأس السنة والمناسبات الأخرى وغير ذلك. قبل فترة من الزمن لم يكن شيء من ذلك، لكن هذه الخلطة وهذا السفر أدى إلى انعكاس في مثل هذا الأمر، إضافة إلى أن هناك مشكلات اجتماعية واقعية تقع من خلال هذا، فكم يقع نزاع بين الأسر في السفر، المرأة تقول: لا بد أن نسافر، والرجل يقول: ليس هناك مال، تقول له: لا بد أن تدبر المال، والأولاد يقول أحدهم: لا، نسافر إلى الشرق، والآخر يقول: إلى الغرب، بل ويحصل طلاق وتتفكك للأسرة وتحصل نزاعات كثيرة، من خلال هذه القضية، وكأن الاختلاف في أمر واجب أو فرض عيني. حتى إن هناك صوراً ومفارقات عجيبة، بعض النساء يغيرن كل شيء بحسب ما يتغير في الأحوال، وكذلك الرجال، فتجد المرأة متحجبة مثلاً هنا في البلد وإذا ركبت في الطيارة أزالت حجابها، وفي طريق العودة قبل هبوط الطيارة بدقائق ترى اللون الأسود يظهر في الطائرة، بينما كان قبل لحظات كأن لم يكن هناك شيء، وهذا نوع من ضعف الإيمان والاستهانة بأمر الله . الخطر الرابع: هو الخطر الاقتصادي، وصرف الأموال في غير موضعها، وإنعاش اقتصاد دول الكفر. أضرب مثالاً ربما الإحصائيات فيه ظاهرة ومنشورة بشكل كبير: بريطانيا تعاني من بطالة شنيعة ومن عجز اقتصادي كبير، وتعول كثيراً على النشاط السياحي، إذ يبلغ عدد السياح الذين يردون على العاصمة أكثر من مليون سائح، نسبة كبيرة منهم من دول الخليج العربي والجزيرة العربية وبعض الدول العربية، وينفقون هناك الأموال في تقويم ودعم هذه البلاد؛ لأنها تعتمد في جزء كبير من دخلها على السياحة، ولا شك أن الإنسان في إقامته يأكل ويشرب ويتنقل ويسكن ويشتري، ويصرف الأموال في تلك الديار، وفي المقابل يكون قد اكتسب هذه الأموال من ديار المسلمين ثم سلمها إلى الكفرة، وهذا لا شك أن له أثراً سلبياً. بعض الناس يقول: الأموال التي سأنفقها عشرة آلاف أو عشرين ألفاً، هل هذه الأموال ستقيم هذه الدولة وتقوي ذلك الاقتصاد؟ نقول: نعم: لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى أنت تصرف عشرة آلاف وهذا عشرة آلاف حتى يبلغ عدد السياح عشرات الآلاف، فتبلغ المصروفات ملايين فيكون لها تأثير واضح، ونحن نعلم أن قوة الاقتصاد تستخدم كثيراً من دول الكفر ضد الإسلام والمسلمين، فأنت بهذا تكون عوناً مع أعداء الله على أولياء الله وعلى المسلمين. الخطر الخامس: ضياع الوقت في غير الطاعات، فلو تنزه الإنسان عن مقارفة المعاصي فإنه في غالب الأحوال يعجز ويضعف عن الطاعة ولا يأتي بها على كمالها، فلن يرد المسجد الذي يشهد فيه الجماعات باستمرار، وقد تفوته الجمع، وبحكم أنه مسافر لا بأس أن يفعل كذا وكذا، ولن يجد هناك في الغالب دروس العلم، ولن يجد المحاضن الإسلامية التربوية؛ لأنه في بلد كفري، لا يقابل سمعه ولا نظره ولا فكره إلا أمور كلها انحراف ومخالفات شرعية، ومن أجل ذلك فإنه لا يستطيع أن يستغل الوقت في الطاعات، إلا إن بقي في حجرته مغلقاً بابه يصلي ويصوم، إذاً لماذا يسافر؟! فليبق في بلده. الخطر السادس: من خلال الممارسات التي يقوم بها بعض الناس يحصل خطر مهم: وهو تشويه صورة الإسلام وتشنيع صورة هذه البلاد وغيرها من بلاد المسلمين. كثيراً ما يصد بعض الراغبين في الإسلام أو الذين يمكن أن تميل قلوبهم ونفوسهم للإسلام عن الإقبال، بسبب ما يرون من ممارسات منحرفة وسلوكيات بشعة انحلالية يقوم بها ويمارسها المسلمون، بل قد استغل الإعلام الغربي والشرقي صورة هؤلاء المنحرفين، ولبسوها على صورة كل مسلم وعربي، وسمعنا كثيراً من الأفلام والمقالات والتحقيقات التي استغلت هذه التصرفات لتضرب الإسلام ولتشوه سمعة وصورة المسلمين، وأنت داخل في هذا الضرر بصورة أو بأخرى. الخطر السابع: وهو التعرض للمخاطر المادية المباشرة، وفي السنوات الماضية زادت عمليات القتل والخطف والسرقة والتهديد والابتزاز، فلماذا يعرض الإنسان نفسه لمثل هذا وهو كريم معزز في بلده آمن على نفسه مطمئن على ماله؟ تسافر لتكون هناك عرضة لأن يسرق مالك، وتبقى منقطعاً في بلد لا يكرم كريماً ولا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة؟! ورأينا وسمعنا عن حوادث كثيرة من مثل هذا النوع، وهي من المخاطر التي تتزايد في الفترات الأخيرة، إذ إن العداء يتوجه نحو الإسلام والمسلمين والعرب كذلك واستهداف أموالهم، وأنهم هم الذين يتمتعون بالأموال، وأن عندهم هذه الثروات، وأنهم أغبياء وحمقى يصرفونها في غير ما ينبغي أن تصرف، فإذاً لا بد أن نسرقها منهم وأن نخطفهم وأن نقتلهم، والقتل عندهم أسهل من شرب الماء، وعندهم السرقة أيسر من تنفس الهواء، ليس عندهم هناك أمان ولا ضوابط ولا شيء من هذا القبيل، ومثل هذا يقع كثيراً، والمسلم ينبغي أن يحصن نفسه عن مثل هذه القضايا. وضمن هذا السفر تقع ممارسات أكثر خطورة بأن يسافر الشاب وحده وهنا كما يقال: خلا لك الجو فبيضي واصفري. يعني: لا يكون عنده على الأقل نوع من الحياء من أب أو أم، إن كان هناك حياء أو توقير أو تقدير، وإذا اجتمع بعض الشباب مع بعض ولم يكونوا على خير وصلاح أعان بعضهم بعضاً على المعصية، وجرأ الجريء منهم من ليس جريئاً، وشجع المبادر منهم الذي عنده تردد، وللأسف نجد أن بعض الشباب يزين لغيره ويدفعه وينقل له تجربته وخبرته في مثل هذه القضايا. والقضية الأخرى أن بعض الرجال يسمحون لعوائلهم أن يسافروا وحدهم، أو يسافر معهم ويتركهم في تلك البلاد ويعود هو، وكأن تلك البلاد فيها أمان وفيها إسلام وفيها دعوة إلى الخير، ما يشعر أنه حينما يترك هؤلاء كأنه ضيعهم ولم يقم بحق الله وبأمر الله فيهم، وهذه صور واقعة وللأسف وكثيرة في مثل هذا الأمر. ولعل من استشعار هذه المخاطر أن جاءت بعض النظم الجيدة، مثل منع السفر لمن دون سن الحادية والعشرين من العمر إلا بإذن ولي أمره؛ لأنه دون ذلك غالباً ما يكون في مثل مجتمعاتنا وواقعنا لم يبلغ مبلغ العقل والحزم والحكمة، فيضحك عليه ويقع في كثير من القضايا، وإن كان حتى بعد هذا السن قد يقع منه بعض هذا، وكذلك لما رئي كثرة الفساد والإشكالات الكثيرة في جانب السفر إلى بعض البلاد مثل (تايلاند) وغيرها منع السفر إليها؛ لما فيه من الفساد، ولما فيه أيضاً من التعدي على الحرمات بالقتل وغير ذلك، وكذلك سفر المرأة بدون محرم، وإن كان هناك أسلوب وهو أن المحرم إذا وافق يمكن أن تسافر المرأة وحدها، وهذا فيه خطر كثير وكبير، ويقع وللأسف في بعض الأحايين. أذكر ختاماً لهذا الموضوع الذي يقع فيه كثير من الناس فتوى سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا، وبعض الفتاوى الأخرى في غير هذا الموضوع، لكنها تدلنا على أن هذا من باب أولى، قال الشيخ في جوابه على سؤال عن السفر إلى الخارج: أنعم الله على هذه الأمة بنعم كثيرة، وخصها بمزايا فريدة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس؛ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام الذي ارتضاه الله جل وعلا لعباده شريعة ومنهج حياة، وأتم به على عباده النعمة، وأكمل به الدين، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. لنتأمل إلى نظر وكلام الشيخ في معرفة أن هذا الأمر هو نوع من الغزو ونوع من الحسد ونوع من الإضرار للمسلمين، قال: ولكن أعداء الإسلام قد حسدوا المسلمين على هذه النعمة الكبرى، فامتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً، وفاضت نفوسهم بالعداوة والبغضاء لهذا الدين وأهله، وودوا لو يسلبون المسلمين هذه النعمة أو يخرجونهم منها، كما قال تعالى في وصف ما تختلج به نفوسهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١

стр. 2197

ممارسات خاطئة فيما يتعلق بالبطالة والضياع للشباب الصورة الثانية بعد السفر إلى الخارج: ما يقع من أعمال البطالة والضياع من الذين لا يسافرون: بعض الشباب -هدانا الله وإياهم- يقعون في تفاهات وتضييع للأوقات وممارسات خاطئة ومحرمة، فتجد ظواهر مثل: قضاء الوقت في التسكع في الأسواق، المعاكسة في المنتزهات والملاعب، الاجتماع على اللعب بالورق وغير ذلك، وكذا السهر إلى آخر الليل على (الفيديو) والتلفاز وما فيه من المفاسد والفتن والأفلام التي تهيج الغرائز وتدعو إلى الفتنة وتحض على الجريمة في بعض الأحوال، وكذلك قضاء الوقت في النوم والخور والكسل، حتى إن الإنسان يدهش ويعجب من سهرهم وضياع أوقاتهم ثم نومهم الكثير. وتظهر من وراء ذلك صور مثل: التميع والتشبه بالكفار ونحو ذلك، كل هذه صور وممارسات خاطئة تنشأ عن عدم حصول الفهم والتصور، وللأسف أن الذي يساعد على مثل هذا هو ما يرسم من خلال الإعلام صحافة وتلفازاً، وغير ذلك ما هو تكريس لهذه الظاهرة الخطرة: كيف تقضي وقتك؟ كيف تستمتع؟! كيف ترفه؟! كيف كذا؟! ليس هناك أي إشارات إلى القضايا الجادة والمهمة، فترسخ في نفوس الناس هذه المعاني ويميلون إليها.

стр. 2198

ميادين الخير ميادين الخير التي يمكن أن يكون فيها انتفاع بالوقت وجد وعمل، أذكر منها جانبين اثنين:

стр. 2199

المراكز الصيفية المراكز الصيفية التي تتبناها جهات فطنت لأهميتها ولضم الشباب إليها، وشغلهم بالنافع المفيد، ومن ذلك جامعة الإمام محمد بن سعود ووزارة المعارف، والجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، هذه المؤسسات تقيم مثل هذه المراكز لتكون مجالاً للانتفاع واستثمار الأوقات وحصول كثير من المنافع والفوائد، ومنها: الأولى: حفظ الأوقات من الضياع، أقل ما يمكن أن يعان به الإنسان في مثل هذه المراكز أن يحفظ وقته من الضياع في المحرمات أو في التوافه والسخافات. الثانية: الحفظ من الوقوع في المخالفات؛ لأن الإنسان إن كان في جانب من ميادين الخير، فإنه يغلب على الظن أن تشغله الطاعة عن المعصية بإذن الله جل وعلا. الثالثة: توفير الأجواء الإسلامية التي تعين الشاب على الخير وتربيه على الأخوة، فهي تهذب نفسه، تقوم أخلاقه، تصحح تصوراته؛ لأن الإنسان لا يكفيه الكلام، حتى إذا عاش في جو مناسب تجسدت أمامه صور الأخوة، ورأى أمثلة العلم ورأى قدوات المسابقة إلى الخير، ورأى نماذج الحرص على أمور الطاعات، فإن هذا يكون مانعاً من المفاسد التي تحدث عندما يعيش أو يسافر إلى بيئة غربية أجنبية كفرية، كذلك يعكس الأثر عندما يعيش في بيئة إسلامية طيبة، وفي أجواء تحث على الخير وتعين عليه. الرابعة: الإفادة العلمية، فإن مثل هذه المراكز تشتمل على دروس علمية ومحاضرات ثقافية ومسابقات فيها إعداد لبحوث أو تلخيص لكتب نافعة أو نحو ذلك، إضافة إلى حفظ القرآن الكريم، وحفظ الأحاديث النبوية الشريفة، فإن هذا لا يستطيع في غالب الأحوال أن يقوم به المرء بنفسه؛ لأنه يعجز ويكسل، وأحياناً بعض الأعمال بطبيعتها تحتاج إلى الاشتراك، فإن العلم يحتاج إلى من يعلمه حتى يستمع، وهناك أيضاً بعض الأعمال تحتاج إلى المنافسة والحماس، حتى ينبعث إليها وتقوى همته وعزيمته عليها، وهذا جانب مهم أيضاً. الخامسة: اكتساب الخبرات وتنمية المهارات، فإنه إلى جانب هذا العلم وإلى جانب الفائدة العلمية فهناك ممارسات وفوائد تقدمها كثير من أنشطة هذه المراكز، سواء من التدريب على بعض المهارات والأعمال كمعرفة (الكمبيوتر)، أو الضرب على الآلة الكاتبة، أو تعلم الخطابة، أو تعلم أسلوب الكتابة، أو التربية البدنية أو نحو ذلك من البرامج المختلفة، فإنها تفيد كثيراً في مثل هذا الجانب. السادسة: التعرف على الجديد النافع، من خلال الزيارة لبعض المؤسسات العلمية والثقافية، أو بعض المنشآت الصناعية والحضارية، وهذا يربط الإنسان وينفعه ويفيده، ولذلك فالحديث عما يتصل بمثل هذه المراكز لا يحتاج إلى تطويل؛ لأن واقعها يشهد بكثير من الخير الذي فيها، ولذلك ينبغي أن يتبنى الآباء تشجيع أبنائهم، ولا بد أن يتبنى الأبناء والشباب ترغيب إخوانهم، ولا بد أن تكون قنوات الإعلام مشجعة عليها ودافعة إليها؛ لما تتضمنه من الخير وتدرأ من المفسدة، ولما تحصل من عوائد ومنافع حتى على البلاد وعلى الطلبة، وعلى المؤسسات التي تقوي وضعها ودورها في المجتمع وتزيد من نشر خيرها، فالجمعيات الخيرية للتحفيظ عندما يأتيها الطلاب يرتبطون بعد ذلك بحفظ القرآن، وجامعة الإمام عندما يأتيها الطلاب يرتبطون بعد ذلك بمعاهدها العلمية وكلياتها الشرعية، وغير ذلك من الفوائد، فلا بد أن تتضافر الجهود لدعم مثل هذا العمل.

стр. 2200

المشاركة في الأعمال الإسلامية من خلال الهيئات الجانب الثاني: وهو جانب الأعمال والمشاركة في الأعمال الإسلامية من خلال الهيئات الإسلامية: وأعني بذلك المشاركة في أعمال الدعوة وأعمال الإغاثة، فإن هناك برامج تتاح وتعرض وتزيد في فترة الإجازة من قبل هيئات، مثل: هيئة الإغاثة الإسلامية، ومثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي. وهناك برامج دعوية، وبرامج إغاثية يسافر الإنسان من خلالها إلى بلاد الإسلام ويرى أحوال المسلمين ويساهم في العمل، وتجد أن هناك كثيراً من الفوائد والأعمال يجنيها الإنسان من مثل هذا العمل، منها: الأولى: تفقد أحوال المسلمين، وهذا عمل إسلامي مطلوب، فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. الثانية: مساعدة المحتاجين بتقديم العون المباشر، وشعورك بأنك تؤدي واجباً، وأنك تعين مسلماً، وأنك تمسح دمعة يتيم، وأنك تواسي امرأة ثكلى، وأنك تعين شيخاً كبيراً، وهذا أمر كبير ومفيد ونافع. الثالثة: تعليم الجاهلين، فإن الذي يشارك في البرامج الدعوية يرى صوراً من الجهل في بلاد الإسلام، كما تقوم بعض الهيئات ببعث الطلاب من حفظة القرآن إلى بلاد إسلامية، يمكثون فيها الشهر والشهرين، يتفرغون لتعليم المسلمين القرآن وتجويده وتلاوته وحفظه، ولا شك أن في هذا أجراً عظيماً، وكأنك مع أجر هذا العمل تنال أجر الرحلة إليه وما تكبدته من المشقة فيه، فبدلاً من أن تتحمل مشقة وتنال وزراً وإثماً؛ تتحمل مشقة وتنال عليها مثوبة وأجراً. من الفوائد أيضاً: الشعور بنعمة الله ، فإنك عندما ترى الخائفين تشعر بنعمة الأمن، وعندما ترى الجائعين تشعر بنعمة الطعام والشراب والرزق الوفير، وعندما ترى المشردين والمهجرين تشعر بنعمة الله ، فتكون أحرص عليها وعلى استدامتها بشكر الله أكثر، بحيث لا تكون مفرطاً في هذه النعم غير عابئ بها ولا مكترث لها. من الفوائد أيضاً: معرفة حقيقة العداء ضد الإسلام والمسلمين، ترى عندما تذهب للبوسنة والهرسك ترى القتلى والجرحى، ترى المساجد المهدمة، وعندما تذهب إلى أفريقيا ترى أعمال التنصير وأصابعه الخبيثة، فتعرف حقيقة المعركة، وتعرف أنك مستهدف، وأنك جزء من أمة. وهذا أمر مهم، بدلاً من أن يضيع الشباب في السخافات والتفاهات، فإنهم لو ذهبوا إلى تلك البلاد لرجعوا بغير العقل والقلب والوجه الذي ذهبوا به، فيرجعون بقلوب وعقول تتناسب مع ما ينبغي أن يكون عليه شباب الإسلام في مثل هذه المرحلة المعاصرة من حياتهم. ومن الفوائد أيضاً: تعميق روح الأخوة والوحدة بين المسلمين، هنا تأكل وتشرب وتنام، وتسمع أن هناك بلداً مثل البوسنة والهرسك، أو أن هناك بلداً يقال له كذا وكذا، لكن إذا ذهبت شعرت أنك جزء من هؤلاء الناس، وأن تلك الديار هي ديارك، وأن الاعتداء عليها اعتداء عليك، هذا الشعور لا يمكن أن يأتي إلا من خلال هذه الأعمال. هناك برامج كثيرة في هذه الإجازات يمكن للإنسان أن يسافر من خلالها وأن يخدم الإسلام والمسلمين وأن يحصل له الأجر والثواب، وأن يحصل له النفع والفائدة، ومن أكثر البرامج اتساعاً برامج الدعوة في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي سابقاً، وهناك نحو عشرين مخيماً تربوياً دعوياً تنظمها الندوة وهيئة الإغاثة العالمية الإسلامية، وهناك أيضاً برامج دعوية وقوافل تسمى قوافل الدعاة، تجوب في أفريقيا تقوم بها الندوة العالمية أيضاً، فإذا كان عندك وقت وعندك جهد وطاقة، فإنك تصرفها في هذا الميدان من ميادين الخير.

стр. 2201

المشاريع المقترحة في الإجازة الصيفية المشاريع المقترحة، قد لا يكون هناك فرصة لهذا ولا لذاك، فهناك أيضاً مشاريع ومقترحات تضاف إلى مثل هذا الخير الذي يمكن أن يحوزه الإنسان وأن يحصله: الأول: القيام من قبل الشباب بجولات دعوية في بعض القرى والمناطق النائية، فإذا لم تستطع السفر إلى أفريقيا، وإذا لم تر الجهل في بعض ديار الإسلام فإنك تجده في بلاد ومناطق قريبة منك، وأعرف بعض الإخوة يذهبون إلى مناطق الساحل مثل: القنفذة وما يتلوها من مناطق ساحل تهامة، فيصفون أموراً عجيبة من الجهل، ومن المخالفات الشرعية، والأقوال والعادات التي تخالف حكم الله . لو أخذت جمعاً من إخوانك وذهبت أياماً قليلة في زيارة إلى مثل هذه المناطق لنفع الله بك وانتفعت، وعرفت من الأحوال وذكرت الآخرين، وساهمت في لفت النظر إلى مثل هذه الأعمال، ويحصل من ذلك خير وأجر ومثوبة. الثاني: مسألة صلة الأرحام، كثير من الشباب والملتزمين ينشغلون بأعمالهم عن أقرب المقربين إليهم، في هذه الإجازات فرصة أن يتبنى مشروعاً يستقدم فيه بعض أقاربه ليزوروا أهله، ثم يعد لهم برامج جميلة ومرغبة، وفيها بعض الخير من التذكير وتوزيع الشريط أو إهداء الكتاب الصغير، لماذا يريد بعض الشباب أن يجلس الناس أمامه ليلقي عليهم خطبة عصماء أو يقرأ عليهم كتاباً طويلاً؟! يمكن أن ينظم برنامجاً قصيراً لأيام محدودة لمجموعة من الأسر من أقربائه، فينال بذلك منزلة، ويرون أنه يحرص على نفعهم، ويرون أنه متودد إليهم، لا أنه منشغل عنهم، أو كاره لهم أو معارض لهم، فلينتهز الفرصة في مثل هذا الجانب. الثالث: كثيراً ما يقول الشباب: إذا جاءت إجازة سأحفظ أو سأقرأُ أو سأدرس أو نحو ذلك، أقول: ينبغي الحرص على العلم وتحصيله، لو كنت مشاركاً في مركز أو مواظباً على محاضرة أو نحو ذلك في وقت الإجازة، فالوقت فيه اتساع أكبر، وإمكانية العمل فيه أوسع، فلا تكتف بأقل القليل مما يقع لك، بل يمكن أن يكون لك حرص على أن تنتظم في درس أو درسين أو ثلاثة من الدروس النافعة الموجودة والمنتشرة، تزيد ما أنت فيه من الخير. الرابع: التحصيل والتكوين الذاتي الذي ليس فيه مساعدة من الآخرين: لماذا لا يجعل لنفسه برنامجاً في حفظ القرآن، في حفظ بعض أحاديث النبي ﷺ ولو قليلاً؟ ولتكن الحصة معتدلة أو قليلة حتى يمكن أن ينجح فيها. ويمكن للشاب أن يمارس العمل وأن يكون في وظيفة؛ لأن هذا يحصل به خبرة ويحصل به مالاً، فلماذا لا يمارس أعمال الخير سواء بالاشتراك في مركز أو محاضرة أو كذا، ولا يجعل النهار كله للنوم؟ لا أرى ولا أقبل مثل هذه الصورة مطلقاً، وللأسف أن هذا يقع من كثير من الشباب الذين نحسبهم على خير، فلو ربط نفسه بعمل ولو عملاً تطوعياً في جانب من جوانب الخير، أو عمل بأجر يكتسب فيه خبرة ويكتسب فيه مالاً لحصل له كثير من الخير. ويمكن التحصيل الذاتي الذي قد يقصر الوقت أو يعجز الجسم أو يقل العزم عنه في أوقات الدراسة، ومن ذلك كثير من الأمور العبادية التطوعية مثل قيام الليل، يقول: لا أستطيع أيام الدراسة لأن الدراسة مبكرة، ثم يأتي هذا الموسم الذي ينبغي أن يكتسب فيه تعوداً على هذا الأمر، فليجعل لنفسه برنامجاً يحرص عليه وحده مرة ومع غيره مرة وهكذا؛ والمقصود أنها برامج ذاتية تنفع الإنسان في تحصيله العلمي وفي تكوينه الذاتي وفي تربيته الإيمانية. الخامس: البرنامج الأسري: هذا موجه للآباء؛ وذلك إذا لم يسافر الأبناء ولم يشاركوا في بعض هذه الأعمال، وحتى لو شاركوا فيمكن أن يجعل الأب في أسرته برامج خفيفة، لماذا يتركهم للتلفاز يقضون ليلهم ونهارهم فيه، لو عمل لهم مسابقة في حفظ جزءٍ من القرآن أو سورة أو أحاديث أو قراءة كتاب، أو يعمل لهم درساً، أو يقرأ لأبنائه إن كانوا صغاراً قصصاً، ويكون هذا بداية لأن يستمر مثل هذا العمل بعد ذلك ولو بصورة أقل، فإن ترك الأمر وترك الأبناء والأسرة على ما تحب يحصل فيه أن الصغار ينشغلون بأفلام الكرتون، وينشغل الشباب بالخروج هنا وهنا كما أشرت في أعمال العطالة والبطالة، وتنشغل النساء مثلاً بالهاتف وأحاديث النساء من هنا وهناك كما هو معلوم، وبحضور المناسبات وغير ذلك، لا بد أن يوجد رب الأسرة شيئاً من الجد والعمل والمنافسة الخيرة في مثل هذا الجانب. السادس: البرامج الإعلامية: نرى مسابقات تكون في رمضان، فما دامت هناك إجازة أو عطلة أو وقت، لم لا تكون هناك برامج، مثل المسابقات في الصحف أو حتى برامج إعلامية فيها تعليم، وفيها زيادة من الحصص العلمية والتوجيهية واكتساب الخبرات؟! لماذا لا تكون هناك برامج لتعليم الحرف ونحو ذلك، ما دمنا نقول إن هناك فراغاً، فهناك بعض الدورات كانت تقام مثلاً في المعاهد المهنية لا أرى لها الآن ظهوراً وأحسبها قد انتهت، نريد أن يكون المجتمع فيه تعاون على استغلال الأوقات في أمور جادة ونافعة، فوسيلة الإعلام مع وسيلة التعليم مع وسيلة توجيه الأسرة، مع رعاية المجتمع وتوجيهه، حتى تكون هذه الفترة فترة جد، لا أن تكون فترة الصيف محلاً للفراغ الذي يمحو كل أثر للدراسة التي درسها الطالب، حتى يأتي العام الجديد وهو صافي الذهن خال من المعلومات، ليستقبل معلومات جديدة أخرى. السابع: الاستفادة مما يقع دائماً في الإجازة الصيفية من موسم الزواجات: كثيرة هي الزواجات حتى إنها تملأ أيام الأسبوع، وينشغل الناس فيها، فلا بد أن يكون هناك حرص على أن يحصل بعض النفع، أذكر أن واحداً حدثني قبل فترة يقول: كنا في مناسبة زواج قبل عدة أيام فكنت أقول: لو أن الناس خففوا في هذه المناسبات من المبالغة في الإنفاق، وخصصوا ما كانوا يعتزمون إنفاقه للتبرع للمسلمين، لبلغت هذه الأموال عشرات الملايين، لأن الناس ينفقون أموالاً كثيرة بعضها في غير محلها وبعضها زائدة عن حدها، فأول الأمر: لو كنت صاحب زواج أو كان لك قريب، فاقتصر في المناسبات، وخفف من المصاريف، وجعل بعض هذا المال في وجوه الخير، فلا يخفف من المصاريف ليوفر المال في جيبه، بل من أجل أن ينفق في سبيل الله ، فهو أصلاً قد قرر أن ينفق هذا المال، فليجعل شطره لله وشطره لإقامة المناسبة، وقد قال النبي ﷺ : (أولم ولو بشاة)، فلا يحتاج أن يدعو الأولين والآخرين والمقيمين والمرتحلين الأحياء منهم والأموات ليشهدوا هذا الحفل، فإن هذا يشق على الناس، وأكثر الناس الآن إذا دعي إلى مناسبة زواج كأنه وقعت فوق رأسه طامة؛ لأن عنده مناسبة أخرى وثانية وثالثة وعنده عمل ويريد أن ينجز بعض الأشياء، فأصبحت الأعباء الاجتماعية ثقيلة؛ لأن كل من له صلة بأحد من بعيد أو قريب يدعوه، فيحصل مشقة للناس، فلو خفف مثل هذا لكان خيراً. الأمر الثاني وهو أمر بوادره جيدة: أن تستغل هذه المناسبات وجمع الناس فيها في الموعظة والتذكير اليسير واللطيف، لا يأتي في وقت الفرح ويقص عليهم أخبار الموت والقيامة، فإن لكل مقام مقالاً، وكذلك لا يطيل عليهم. أيضاً القيام بأعمال ومشاريع خيرة، كأن يوزعوا شريطاً أو كتيباً صغيراً أو مقالة لطيفة، هذه أمور فيها كثير من الخير. ويمكن أن ينتفع بأكثر من ذلك، وهذه أمور للتنبيه على أن هناك مجالات كثيرة، لا يعجز الإنسان أن ينتفع من وقته وأن يقوم بالعمل، والمرفوض هو أن يكون الإنسان خالياً من العمل ومضيعاً للوقت. ونسأل الله أن يوفقنا لاستثمار الأوقات واستغلالها في الخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2202

الأسئلة

стр. 2203

معنى العطلة من حيث اللغة السؤال من الوقفة الأولى علمنا أن التعبير عن العطلة والإجازة خطأ، فما هو التعبير الأصح؟ الجواب لم أقل إنه خطأ، تعبير العطلة أرى أنه في معناه اللغوي لا يصح إلا إن قلنا: إنه خال عن الالتزام بالدراسة، باعتبار أنه ليس مكلفاً بالدراسة في هذا الوقت، فيقال: إن عنده عطلة أي: خلواً من الدراسة، لأن معنى التعطيل كما قلنا: هو الخلو من الشيء، أما الإجازة فصحيح هو أجيز الآن إلى مرحلة أخرى، فينبغي أن يجتاز المرحلة الأولى. وعلى كل حال يسمي ما شاء أن يسمي، المهم هو المضمون.

стр. 2204

خطأ محاربة المراكز الصيفية السؤال إن بعض الناس لا يرون فائدة ولا تأييداً للمراكز الصيفية، وأنهم يمزقون إعلاناتها؟ الجواب هذا في غالب أحواله أنه مخطئ، قد يكون مجتهداً في فعله لكنه خاطئ، إذ الأمور بمضامينها، فهل في مثل هذه الاجتماعات أو اللقاءات في المراكز محرمات أو دعوة إلى الباطل، أو أصلها مبني على تزيين الشر والدعوة إليه، كل الوقائع والشواهد والحقائق تدل على غير ذلك كما أشرت إيجازاً في هذا الدرس، وكثير من المشايخ وأهل العلم يرتادونها ويحاضرون فيها ويدرسون فيها ويثنون عليها؛ لأن فيها فائدة عظمى يشهد بها القاصي والداني، وربما قصر نظر هذا عن مثل هذا الأمر، أو يرى أن غيره أفضل منه، فإن رأى ذلك فليس له أن يمنع ما هو أدنى إن كان يراه أدنى من هذا.

стр. 2205

التوفيق بين العمل في المراكز الصيفية وكسب المال السؤال أحدهم ينصحه بالاشتراك في المراكز، والآخر ينصحه بالعمل لكسب المال وغير ذلك، فهو واقع في حيرة؟ الجواب ليس هناك حيرة، إن كان صاحب همة استطاع أن يجمع بينها كلها، يعمل في الصباح ويحضر المراكز في العصر، ويقوم بالصلاة في الليل، والوقت أوسع مما يتصوره إن كانت همته كبيرة.

стр. 2206

طلب بالتذكير لزيارة مسجد النبي ﷺ في العطلة السؤال لو ذكرتم للإخوة المصلين والأسر إذا كان هناك وقت أن يغتنموا الوقت في الاعتمار وزيارة المدينة المنورة ومسجد رسول الله ﷺ ؟ الجواب لا شك أن هذا من الأمور النافعة والمفيدة، وكثير من الناس يستغلون بعض الوقت في مثل هذا وهو خير، والتذكير به حسن وجيد.

стр. 2207

عدم صحة تأثير المراكز الصيفية على التحفيظ السؤال كثير من الشباب يقول: إن المراكز تؤثر على التحفيظ؟ الجواب ليس هناك تأثير إلا من ضعف الإنسان نفسه، وإلا فبالإمكان أن تقول: إن الدراسة تؤثر على التحفيظ، وإن الارتباط بالأهل يؤثر على حفظك للقرآن، لكن لو أعطى الإنسان كل شيء وقتاً كافياً وجهداً مناسباً وكان عنده الاهتمام والاعتناء بكل أمر بحسبه لاستطاع أن يحصل مثل هذا، والذي يدل على نقض هذا القول أن بعض الأمثلة تنقضه واقعاً عملياً، لماذا أنت الذي يؤثر على تحفيظك بينما زميلك يحفظ ويقرأ ويستمع للدرس ويكتب ويلخص؟! من أين جاءه الوقت؟! وهل عنده وقت غير وقتك؟ وهل عنده عضلات وقوة غير قوتك وعضلاتك؟! لا، عنده شيء واحد وهو أن همته وعزيمته وانبعاثه للخير أقوى وأفضل.

стр. 2208

حكم تأليف الروايات والقصص وتمثيلها السؤال ما حكم تأليف الروايات والقصص، ربما أيضاً جاء هنا سؤال بما يتعلق بتمثيل هذه الروايات خاصة فيما يقع في بعض الأنشطة الصيفية؟ الجواب وقفة مناسبة هنا حول هذا الموضوع، بعض أهل العلم ذكر الإباحة، وبعضهم ذكر المنع، وفي هذا بعض التفصيل. أقول بإيجاز: الذين ذكروا الإباحة استدلوا بعمومات أدلة كثيرة، منها قاعدة أن الأصل في الأشياء البراءة من الحرمة حتى يثبت التحريم بدليل مخصوص، ومنها عمومات أدلة ليست أدلة في نفس القضية، مثلما استدلوا ببعض ما جاء في القرآن من قصة إبراهيم الخليل ﵇ لما كسر الأصنام وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] وقال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩] أي: أنه ماشاهم وأظهر لهم شيئاً غير الذي هو على الواقع والحقيقة. وذكروا أيضاً من عمومات الأدلة: قصة يوسف ﵇ ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨] ثم جاراهم على أنه لا يعرفهم ووقع ما وقع من قصته مع أخيه، ثم أيضاً بعض الأحاديث، مثل حديث عثمان بن عفان ﵁ لما توضأ وضوءه للصلاة وقال: (إنما أردت أن أعلمكم وضوء النبي ﷺ أي: أنه مثل لهم وضوء النبي ﵊، وأقوى وأظهر منه حديث مالك بن الحويرث، قال: (إني لأصلي الصلاة ولا أريدها، إنما أريد أن أعلمكم صلاة النبي ﷺ . وقد استشكل هذا وذكر ابن حجر تعليقاً عليه، وكان من ضمن قوله أنه قال: في هذا الحديث أن التعليم بالفعل أوضح من التعليم بالقول، وقال: إنه لا يقصد فيه أنه لم يرد العبادة أصلاً، وإنما أنه ليس هناك سبب باعث، يعني: أنه لم تكن هناك فريضة ولم تكن سنة وإنما كان الباعث هو باعث التعليم، هذه عمومات أدلة. في الجانب الآخر: هناك من منع لعمومات لا تنطبق بالضرورة على هذا، من ذلك حرمة الكذب. الثاني: الخوف والبراءة من التشبه بالكفار. الثالث: ما قد يقع من المحظورات. ولكن في الجملة هناك فتوى للشيخ محمد بن صالح العثيمين ذكر أنه ليس فيه كذباً، إذ الكذب هو أن يكون السامع مصدقاً لك بهذا الأمر وهو غير صحيح، لكن إن كان يعرف أنه غير صحيح فلم يعد في ذلك كذب، بمعنى: هذا الذي يقول إنه زيد، وذاك الذي يقول إنه عبيد، يعرف الناس أنه ليس زيداً ولا عبيداً، وأن ليس هذا أباً لهذا ولا هذا ابناً لذاك، فما دام أن العلم حاصل بأن هذا هو تصوير وتمثيل فلم يقع الكذب. ويقول الشيخ ابن جبرين: التمثيليات إذا كانت هادفة ومفيدة فهي أكثر فائدة من الكلمات التي تلقى على الحاضرين، وتأثيرها أكثر من تأثير الكلمات؛ وذلك لأنهم يشاهدونها بالنظر ثم يطبقونها ويحرصون عليها، ويتذكرونها تذكراً زائداً، فالحاضرون يعلمون أنها ليست حقيقة إنما هي تمثيل، فلا ينطبق عليهم حديث: (ويل للذي يحدث ويكذب ليضحك القوم، ثم ويل له ثم ويل له) فهؤلاء ما كذبوا، وإن كانوا كاذبين فالحاضرون يعلمون أن هذا ليس هو فلان، لأجل ما فيها من التأثير والأهداف الطيبة، أنا أقول: لا بأس بها -يعني الشيخ يقول-، وقد كان مشايخنا يحضرونها في الأندية وفي قاعات المحاضرات في كلية الشريعة والمعاهد العلمية، فهذه إن شاء الله نافعة ومؤثرة، حتى وإن تسمى باسم شيخ الإسلام أو باسم أبي جهل؛ لأن الحاضرين يعلمون أن هذا تنزيل لقصة واقعة حتى ينتبهوا لها أكثر مما لو خطب الخطيب. فمقال حصل لـ شيخ الإسلام كذا وكذا، يقول: فقد لا ينتبهون لما قال ولا يتمثلونه كما يتمثلونه إذا صور أمامهم. ثم سئل عن الضوابط فقال: إذا كان الحاضرون يعلمون أنها ليس فيها شيءٍ من الإيهام، أو كذلك إذا كان فيها استهانة بشخصيات محترمة وتمثيل بأشياء غير واقعية فهو محظور، بمعنى: إن كان فيها تنقص لصاحب فضل كأن يمثل عالماً لكن يحتقره، أو يمثل صورة العالم الإسلامي أو الفقيه في صورة محتقرة أو نحو ذلك مما هو مقصود، كما يقع في التمثيليات الفاسدة والإعلام الذي يمارس من خلاله تشويه صورة الدين، فهذا من أحد المحاذير. وسئل الشيخ لو مثل أحدهم ابن حنبل والآخر مثل ابن أبي دؤاد وما وقع من الفتنة؟ قال: لا بأس وأرى أنه مفيد، فقيل له: ولكنه تمثيل دور مبتدع، قال: نعم لا بأس به؛ لأن تأثيرها أكثر من تأثير الكلمات، وفيها مصلحة، والحكم يدور مع المصلحة، وقيل له: فيه تقليد للكفار كعيد الشعانين وكذا ونحو ذلك، فقال ليس كذلك، بل ورد ما يدل على أنه ليس المقصود بها هذه المتابعة، وليس كل ما يفعله الكفار نحن ممنوعون منه، إذا لم يكن التمثيل مشابهة للكفار يقول: ليس التمثيل من خصائصهم حتى تكون المشابهة مطابقة، وهذا ليس من خصائصهم فما يضر المسلمين. وأيضاً في فتوى للشيخ عبد الله بن حميد رحمة الله عليه سئل عن حديث: (لا تمارضوا فتمرضوا) قال: هذا الحديث ليس صحيحاً، ثم قال: إن كان هذا التمارض احتاج إليه من باب التأويل المباح فلا حرج في ذلك؛ لأنه يقصد بذلك غرضاً صحيحاً، وليس في هذا العمل ما يتنافى مع الشرع، فأرجو أن لا حرج في ذلك. وذكر بعضهم هنا ضوابط: الأول: ألا يكون كما أشرنا فيها محرم، وتدعو إلى محرم أو إلى شيء من الفساد، فهذا لا شك أنه ممنوع. الثاني: ألا يكون فيها تمثيل للنبي ﵊ أو الصحابة؛ لأن هذا قد أفتى العلماء بحرمته. الثالث: ألا يكون فيه إيهام للناس.

стр. 2209

قراءة دعوية في السيرة النبوية إن المتتبع لسيرة النبي ﷺ يجد أنه مر أثناء دعوته بمراحل مختلفة، وتعامل مع الأحداث التي كانت تواجهه بحسب ما يحقق المصلحة للإسلام، ولذلك ينبغي للدعاة أن يقرءوا سيرته قراءة واعية؛ كي يستفيدوا منها في دعوتهم إلى الله تعالى.

стр. 2210

أهمية قراءة سيرة الرسول ﷺ الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في كل حال وفي كل آن، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحبة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وأن يوفقنا للهدى، وأن يرزقنا التقوى، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الاستقامة، وأن يمن علينا بالثبات حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا موعدنا مع الدرس الثامن والثمانين، في اليوم العاشر من شهر شعبان عام أربعة عشر وأربعمائة وألف، وعنوان هذا الدرس: (قراءة دعوية في السيرة النبوية). أيها الأحبة! نحن نعلم أننا ما تُعبِّدنا باتباع أحد إلا اتباع الرسول ﷺ ، وهو قدوتنا وأسوتنا كما قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] وإذا عرفنا ذلك ظهرت لنا أهمية سيرة النبي ﵊، وأهمية تعلمها، والاقتباس منها، والاقتداء بها، سيما في مثل هذه الأعصر التي كثر فيها التخليط، وازدادت فيها الشبهات، وتكاثرت الفتن، وأصبح كلُّ يقول بقول، ويدعو إلى دعوة، ويبقى المسلم لا يربطه شيء إلا دعوة الرسول ﷺ . من رحمة الله بعباده المؤمنين، وبهذه الأمة على وجه الخصوص، وبالناس أجمعين عامة: أن هذه السيرة واضحة مفصلة كأنما ولد ﵊ على ضوء الشمس كما يقول بعض المؤرخين، فليس هناك شيء خفيٌ من سيرته، فنحن نعلم عن مولده، وعن طفولته، وعن قبيلته وأسرته، وعن نسبه، وعن حسبه، كما نعلم أيضاً عن حياته في بيته، ونعلم أقواله وأفعاله حتى في أدق الأمور وأبسطها، وذلك من النعمة الكبرى، حتى يجتني المسلم من سيرة النبي ﵊ كل ما يحتاج إليه. ومن هنا فإن السيرة النبوية يمكن أن تقرأ قراءات عديدة: فيمكن أن نقرأها قراءة عسكرية، وذلك في حنكته ﵊ في الغزوات التي قادها، والسرايا التي أنفذها، وما يلحق بذلك من الأمور، ويمكن أن نقرأها قراءة اجتماعية، وذلك في سيرتة ﵊ زوجاً وأباً ومربياً ومعلماً، كما يمكن أن نقرأ السيرة قراءة فكرية، وذلك فيما كان يبينه النبي ﵊ من دحض الشبه، وإبطال الباطل، وإقامة الحجة، إلى غير ذلك من الأساليب والمقتبسات التي يمكن أن تؤخذ من سيرته ﵊. أما قراءتنا: فهي قراءة دعوية في السيرة النبوية، وهي صفحات متنوعة من سيرة النبي ﵊، إلا أنها متدرجة ومرتبة بحسب التاريخ الذي وقعت فيه هذه الأحداث، وقرئت فيه هذه الصفحات، إضافة إلى أن هذه القراءة تأتي بصورة منهجية مرتبط بعضها ببعض، فهي تعبر عن البداية والخطوة التي بعدها وما يلحق بذلك، مع بيان الأولويات وترتيبها؛ ولذلك فهذا الدرس محاولة لاختصار السيرة من خلال عرض الدعوة فيها، فنحن نريد أن نرى سيرة النبي ﷺ في دعوته، والملامح والمعالم التي ينبغي أن يستقيها الدعاة والمربون من هذه السيرة العطرة؛ ليكون تأسيسهم وبناؤهم ودعوتهم على طريقة قويمة، ولكي تؤتي -بإذن الله الثمار المرجوة المنشودة.
следующие страницы →