Полный текст (2 691 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
دعاء الله جل وعلا
الأمر الثالث: دعاء الله جل وعلا، وقد يكون ذلك مندرجاً فيما قبله، لكن التفصيل مهم، وذكر الآحاد والأفراد مهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، أفليس وقت المحن هو وقت الدعاء الخالص الذي ينطرح فيه المؤمنون بين يدي الله؟ أليس رسولنا ﷺ قد ضرب لنا المثل في سيرته في كل شدة ومحنة؟ كانت يداه الكريمتان مرفوعتين تضرعاً إلى الله، وعيناه تذرفان تبتلاً وخضوعاً وتضرعاً إلى الله، وقلبه يخفق، ولسانه ينطق، إنها صورة لا بد أن تعظم وأن تكثر في حياتنا الذاتية عموماً، وعند هذه الفتن خصوصاً.
والله بين لنا أثر الدعاء، وبينه لنا في سير الرسل والأنبياء، كما في قصة آدم وزوجه: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، عندما وقعت الفتنة بالأكل من الشجرة كان المخرج الدعاء والتبتل والتضرع لرب الأرض والسماء، فكان الفيض، وكانت التوبة، وكانت النعمة من الله على آدم.
وفي قصة يونس ﵇ نعرف جميعاً ماذا كان يقول في جوف الحوت، وماذا كان دعاؤه وذكره الذي كان سبباً من أسباب تفريج همه وكربه ونجاته مما ألم به: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وفي مثل هذا الدعاء إقرار بالخطأ، واعتراف بالذنب، ورجاء وابتهال، وتضرع بطلب السلامة من الآثار الوخيمة، ولذلك ورد كذلك في حديث النبي ﷺ في هذه اللفظة ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] قال ﵊: (لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) رواه الترمذي في السنن.
ومن الدعاء الاستغفار، وهو من أسباب النجاة، كما قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
والإكثار من الذكر، كما في قصة يونس: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]، والله جعل لنا أنواعاً من ذكره ودعائه والتبتل إليه من اعتصم بها وأدمن عليها وأكثر منها حيي الإيمان في قلبه، وعظمت التقوى في نفسه، وانكشفت البصيرة في عقله، وأصبح له من نور الله ومن اعتصامه به ومن دعائه له ومن تضرعه إليه ما يفيء به إلى خير كثير بإذن الله.
ومن ذلك الاستعاذة والتعوذ من هذه الفتن وشرورها وضلالها وزيغها، فقد قال رسول الله ﷺ : (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) رواه مسلم.
وقال ابن مسعود ﵁ في هذا التعوذ: لا يقولن أحدكم: إني أعوذ بالله من الفتن؛ فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن.
نسأل الله أن يعيذنا من مضلات الفتن، وأن يصرفنا عنها، وأن يفيء بنا إلى الحق والثبات، والاعتصام بكتابه وسنة نبيه ﷺ .
стр. 247
الصبر والثبات
من معالم العصمة من الفتنة الصبر والثبات، ولا بد من ذلك، فإنها محن لا بد أن تصيب بالأذى، ولا بد أن يشعر بما فيها من البلاء، ولكن الصابرين بإذن الله تكون لهم الغلبة والمخرج السالم البريء من أثر وخيم على إيمانهم ويقينهم، أو على سلوكهم وأخلاقهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
هذه آيات ناطقة بأثر هذا الصبر في مثل تلك المحن والبلايا، وقد قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠] لا يضرنا كيد الكائدين، ولا ظلم الظالمين، ولا عدوان المعتدين، وأهم شيء أن لا يضرنا في ديننا واعتقادنا وإسلامنا وثوابتنا والتزامنا شرع الله وهدي رسوله ﷺ ، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]، وكان المصطفى ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقال ﵊: (ما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).
وقال في دلالة هذا الصبر عند المحن: (يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر)، ومن هذا الصبر -كما ذكر العلماء- الصبر بكف اللسان، والمنع من الخوض في الفتن من غير بصيرة وعلم وبيان، ونحن نعلم أن كثيراً من القول في مثل هذه الأحوال باندفاع وعواطف ومجاراة لمن يقول ويخوض مع الخائضين إنما تعظم به الرزية، ويكثر به الاختلاف، وتعظم به الحيرة والاضطراب، وكثير من ذلك ليس له أساس يثبت، وإنما هو محض هذه الاضطرابات والاختلافات، وكذلك التنابز بالألقاب، والاختلاف بين الناس يعظم أثره بما يكون من قول اللسان في هذه الفتن، حتى عظم الرسول ﷺ ذلك على وجه الخصوص في الفتنة، كما روى عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: (تكون فتنة تستنظف العرب) أي: تستوعبهم هلاكاً، (تكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف) رواه أبو داود وابن ماجة في سننهما، وأحمد في مسنده بسند صحيح.
(اللسان فيها أشد من وقع السيف) وذلك أمر مهم.
стр. 248
الإيمان بالولاء والبراء
ولعلنا نختم هذه المعالم بحقائق الإيمان وأباطيل الكفر، ومعرفتها في ضوء هذه الثوابت، فإننا نعرف من حقائق الولاء والبراء، ومن حقائق معرفة الظلم والاعتداء، ومن حقائق وجوب نصرة أهل الإيمان والإسلام، ومن حقائق الولاء لهم والبراء من أعدائهم ما ينبغي أن لا يتغير؛ لأن آيات القرآن لا تتغير، ولأن الحقائق الإيمانية الثابتة المقطوع بها لا تتبدل، والله قد قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١].
وبين الله لنا حقيقتهم فقال: ﴿إِِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢].
وقال لأهل الإيمان وضرب لهم مثلاً وعبرة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة:٤]، وهذا أمر واضح ميزانه، وتفريقه هو الإيمان والكفر، من آمن بالله رباً، وبرسوله ﷺ نبياً، وبالإسلام ديناً فهو الذي نواليه، ومن برئ من ذلك، بل وحاربه وعاداه فنحن أعداؤه إلى يوم الدين، بدل من بدل، وغير من غير، سيما إذا اجتمعت حقائق أخرى من الظلم والبغي والعدوان؛ فإن الله قد بين ذلك بقوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
وأولئك قوم قد عرفنا أنهم أصحاب كل قتال لأهل الإسلام في كل ميدان، قد شهدت بذلك أدغال إفريقيا، كما شهدت به مواطن الضياء التي يزعمون في أوربا، كما شهدت به مواقع شرق وغرب كثيرة، ولا ننس أنه لا بد لنا من معلم مهم، وهو النظر الشامل الكامل في الأحداث، فإنها ليست قضيةً واحدة، وإنها ليست مسألةً عارضة، وإنها ليست مصلحةً عابرة، وإنما هي قضية شاملة، ومواجهة كاملة، نحن لن ننسى، ولا يمكن أن ننسى، ولا ينبغي أن ننسى قضيتنا الأولى في حرب أهل الإسلام والإيمان مع اليهود وأحلافهم من الصليبيين والنصارى، وقضية فلسطين ليست مما يجري ببعيد، بل هي أساسها وجوهرها، وهي هدفها وغايتها، وهي طريقها ومعبرها، ينبغي أن ندرك حقائق كلية شاملة، لا أن نسير مع السائرين، إن تحدثوا غرباً نظرنا غرباً، ولم يكن لنا إلا الغرب، وإن جاءوا شرقاً ذهبنا معهم، واهتممنا بما يقولون وما يفعلون، وننسى أن وراء ذلك الحقائق الثابتة والتاريخ الذي تشهد له ليست الأيام ولا الأعوام بل العقود والدهور والقرون، ولذلك ينبغي أن نعرف ذلك وأن نحرص عليه.
وأخيراً لا بد من الحرص فيما بيننا على أن نكون على قلب رجل واحد، وأن نسد أبواب الفتن والاختلاف التي تعظم الفرقة وتزيد الفتنة، حتى نبرأ بإذن الله ، وتنكشف الغمة، وتنجلي هذه الملمة، ولا بد لها من أن تكون كذلك، وليس لها من دون الله كاشفة.
نسأل الله أن يرد كيد الكائدين، وأن يدفع شرور المعتدين.
نسأل الله أن يهلك الظالمين، وأن يقصم ظهور الجبارين، وأن يرينا فيهم عجائب قدرته وعظيم سطوته.
اللهم! زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم! اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، ورد كيدهم في نحرهم، واجعل بأسهم بينهم، واشغلهم بأنفسهم، اللهم! اجعلهم عبرةً للمعتبرين، اللهم! لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم! اجعل عدوانهم بدايةً لضرهم، وبدايةً لشرهم، وبداية لما يعود عليهم بالأذى والهلاك بإذنك يا رب العالمين.
نسألك -اللهم- أن تعيذنا من شرورهم، وأن تبرئنا من كيدهم، نسألك -اللهم- أن تحبط كيدهم، وأن تبطل مكرهم، وأن تجعل الخلف فيما بينهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار.
نسألك -اللهم- أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم! خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، ووفقنا لطاعتك ومرضاتك يا رب العالمين.
اللهم! اجعلنا بكتابك معتصمين، وبسنة نبيك ﷺ مستمسكين، ولآثار السلف الصالح رضوان الله عليهم مقتفين، اللهم! اجعلنا أوثق بما عندك مما في أيدينا، اللهم! لا تجعل لنا إلى سواك حاجة، واجعلنا -اللهم- أفقر الفقراء إليك، اللهم! أغننا بفضلك عمن أغنيته عنا، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجةً يا رب العالمين، اللهم! إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن ترفع بفضلك كلمة الحق والدين، وأن تهلك رايات الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى والمأسورين والمحاصرين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! فرج همهم، ونفس كربهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم! زد إيمانهم، وعظّم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادةً لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنةً لهم في الدين.
اللهم! اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك -اللهم- من شرورهم، اللهم! أنزل بأعدائك بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
اللهم! انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم! ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم! أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، يا قوي يا عزيز يا متين.
اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانةً صالحةً تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 249
فوائد الفضائل
لا تزال منح الله تعالى تتوالى على العباد في كل أيام السنة، ومع هذا فقد جعل الله لهم مواسم يزدادون فيها من الطاعة، ومن أعظم تلك المواسم والمنح الحج؛ إذ فيه يوم عرفة الذي يكفر الله بصيامه ذنوب عامين، وأما الحجيج فلهم عند الله ما هو أعظم، فالله يخرج أهل الموسم من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، هذا مع ما يحيط بهذا الموسم من الطاعات والقربات العظيمة لله .
стр. 250
خصائص أيام عشر من ذي الحجة
الحمد لله جعل العديد من الفضائل في هذه العشر، ووعد فيها جل وعلا بجزيل الأجر، وجعلها فرصة لتكفير الخطايا ومحو الوزر، له الحمد على ما أفاض من الخيرات، وما أنزل من البركات، وما أوسع من الرحمات، فله الحمد جل وعلا ملء الأرض والسماوات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى ومنار التقى، وشمس الهداية الربانية، ومعلم الرحمة الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فالفضائل التي يسوقها الله جل وعلا لنا في أيام الدهر من نفحات الرحمات، ومن أبواب البركات، ومن مضاعفة الأجور والحسنات، ومن محو الخطايا والسيئات، هذه الفضائل لها فوائد عظيمة، بها تحيا القلوب، وتنشط النفوس، وتدكر العقول، وتستقيم الجوارح، وبها كذلك -من فضل الله تكون الفرصة للمراجعة والمحاسبة وللتقويم والاستدراك على مستوى الفرد والأمة كلها.
وهذه الفضائل لابد لها أن تغير في حياة المسلم المسار والمنطلق الذي قد يغفل عنه في بعض الأحيان، وقد ينحرف عنه في أحيان أخرى، وقد يستبدل غيره به في أحيان ثالثة، فتأتي هذه المواسم لترده إلى المنطلق الصحيح المنطلق من شرع الله ، وإلى الغاية الصحيحة، وهي ابتغاء رضوان الله ، وإلى المسلك والنهج الصحيح، وهو اتباع خطا وسنة رسول الله ﷺ ، كم نحن في حاجة إلى الاعتبار من هذه الفضائل.
إن أيام العشر هي التي أقسم الله بها مجتمعة، وببعض أيامها منفردة، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:١ - ٣]، روى جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر)، رواه الإمام أحمد والنسائي في تفسيره، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
تأمل هذا الإقسام العظيم من الرب العظيم بالعشر كلها، وبيوم منها وهو يوم عرفة، وبيوم آخر وهو يوم النحر.
وحسبك بهذه الأيام المفردة أيام فضيلة عظيمة، وأيام اختصاص جلي، فهذا يوم عرفة يوم أقسم الله به في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣]، روى أبو هريرة عن المصطفى ﷺ أنه قال: (اليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة)، رواه الترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
وتأمل كذلك الفضل الذي اختص به ذلك اليوم في أصله وفي العبادة التي فيه، فقد روى أبو قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ بشأن صيام يوم عرفة أنه قال: (إني لأحتسب عند الله أن يكفر السنة الماضية والسنة التي بعدها) فما أعظمه من يوم يكفر الله جل وعلا به بفضله ومنِّه ذنوب عامين كاملين، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عباداً من النار من يوم عرفة)، ويوم النحر يوم الحج الأكبر، كل هذا الفضل والتعظيم والإجلال يمر بالمؤمن دون أن يعتبر به ويدكر، سيما وأن هذه الأيام تدخل فيها الفريضة العظيمة، فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، فيجتمع مع فضل وأجر عظيمين وتعظيم وإجلال كبيرين جليلين فريضة وشعيرة على مستوى الأمة كلها، فالصوم يؤديه المسلمون فرادى أو مجتمعين في كل مكان، وفي كل أرض، والصلاة يؤديها المسلمون جماعات صغيرة هنا وهناك في كل مكان، إلا الحج فإنه لا يؤدى إلا باجتماع حجاج المسلمين جميعاً، وليس في أي مكان، بل في البقاع المقدسة في رحاب بيت الله ، وفي المناسك المختلفة من عرفات إلى منى ومزدلفة وغيرها.
إذاً فكل هذا الفضل وهذا الفرض يمر بالمسلم دون أن يدكر ويعتبر، ودون أن يكون هذا الادكار والاعتبار ذا أثر عظيم عميق ممتد يستمر ويدوم، ولا يكون كسحابة صيف عابرة.
ولعلنا قبل أن نلج في مثل هذه الفوائد نقف وقفة مهمة، إذ إن هذه الفريضة فرضت على المسلم مرة في العمر، فكأن أثرها وفضلها وما يبقى للمؤمن في قلبه وفكره وحياته وحاله وسلوكه منها يكفيه الدهر كله إن أداها على الوجه المطلوب، وإن فقهها بالصورة الصحيحة، وإن امتزجت في أدائها مشاعره قلباً ونفساً وروحاً وفكراً وصوتاً وجوارح، فإنه حينئذ يخرج منها بصياغة جديدة في الحياة تجدد إيمانه وتؤكد إسلامه، وتصحح مساره بإذن الله ، ومن لم يحج فإنه لا يعدم الفضل والأجر، كما نعلم من أحاديث النبي ﷺ ، ومنها الحديث المشهور المحفوظ من رواية ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري في صحيحه.
فهل نرى صيغة أبلغ في وصف الفضل وأعظم في بيان الأجر من هذا الذي ذكره النبي ﷺ ؟ فإذن كل هذا الذي يمر بنا، والخير الذي يساق إلينا في كل عام وفي كل موسم من مثل هذا العام كيف يكون لنا منه استفادة حقيقية؟
стр. 251
معالم من شعيرة الحج
لعل وقفاتنا هذه تكون تذكرة لنا جميعاً حتى نأخذ من هذا الموسم على وجه العموم، ومن فريضته وشعيرته على وجه الخصوص ما لعله ينفعنا في سائر أحوالنا وأوقاتنا وأعمالنا بإذن الله .
стр. 252
التذلل لله والالتجاء إليه
إن فضل الله عندما يسوقه إلينا ورحمته عندما يفتح أبوابها ويشرعها بين أيدينا فإن ذلك فضل من الله عظيم يوجب التذلل له، والتضرع إليه، والإنابة إليه، والانكسار بين يديه، والإقرار بفضله، والشكر لنعمه، والاستحضار لعظمته، والتأمل والتدبر فيما ساقه الله جل وعلا لأهل الإيمان والإسلام، وذلك كله من الأمور العظيمة التي نشعر بها في كل موسم من مواسم الفضل والأجر؛ إذ نتذكر فنفيء إلى الله، ونبكي على ما سلف وما مضى من التقصير والتفريط، ونندم على ما ارتكبنا من المحرمات، وما اقترفنا من السيئات، ونشعر بتفريطنا وتقصيرنا ونتذكر واجبنا تجاه خالقنا .
ولعل هذا المعلم المهم ينبغي أن يكون حياً في القلوب في كل وقت؛ لأن فضائل الله جل وعلا وإن كانت في هذه المواسم العظيمة في العام كله فإن فضائله في كل يوم وليلة وفي كل لحظة، أليست فضائل الصلوات الخمس -مما هو معلوم ومعروف- تطهر وتكفر الذنوب مرة بعد مرة؟ أليس الله ينزل كما أخبر المصطفى ﷺ إذا بقي الثلث الأخير من الليل فينادي عباده: (هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه.
وذلك الدهر كله)، أليست هذه الفضائل متجددة في كل وقت وآن؟ أليس حرياً بنا أن نرفع أكف الضراعة في كل وقت، وأن نسكب دموع الندامة في كل ليل، وأن نلهج بذكر الله وشكره والإقرار بفضله ونعمته في كل لحظة وآن؟ ألسنا نستيقظ في كل صباح فنقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا؟ ألسنا ننغمس في نعم الله، ونغرق في فضله في كل لحظة وسكنة، في كل كلمة لسان نستطيع نطقها، وكل نفس تمتد به حياتنا وتسير به أيامنا، وكل خطوة نمضي بها إلى مصالحنا، وكل رزق يفيضه الله علينا لنتدبر أمورنا، ولنكسب معاشنا؟ أليس ذلك كله مما ينبغي أن تستغل فيه هذه المواسم العظيمة لنخرج بالفوائد المستمرة الممتدة الطويلة التي لا تكون عابرة، ثم نعود من بعد الذكر إلى الغفلة، ومن بعد التذلل إلى التكبر، ومن بعد الإنابة إلى الإعراض؟ ينبغي لنا أن نحول هذه المواسم إلى تغييرات حقيقية في واقع حياتنا؛ لأن الله جل وعلا إنما ساقها إلينا لأجل أن تقومنا مرة بعد مرة، ولأن تصبح بعد ذلك مدداً وعوناً على طاعة الله مستمراً وتذكيراً وتوجيهاً دائماً، وتقويماً وتهذيباً لكل خطأ يقع من الإنسان، فما أحرانا أن نستحضر معنى التذلل لله والالتجاء إليه، كما نتذكر ذلك في المشهد العظيم في يوم عرفات، يوم يجتمع الحشد الهائل والجموع الغفيرة على ذلك الصعيد، كلهم متذللون منكسرون خاضعون باكون راجون خائفون طامعون في رحمة الله، ومستعيذون من غضب الله ومن سخط الله.
стр. 253
الاتباع والاقتداء
إن هذه الشعيرة على وجه الخصوص، وهذه الأيام التي قال فيها النبي ﷺ لمن نوى فيها الأضحية: (فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً) عندما قال لنا هذه الفضائل صرنا نحرص على فعل الخيرات، لم؟ لأننا نتبع الرسول ﷺ ونقتدي به، وفي الحج قال: (خذوا عني مناسككم)، ووصف الصحابة حجته في كل حركة وسكنة كأنما نحج اليوم بصحبة محمد ﷺ لا يخفى علينا من أمره شيء، أين وقف، وكيف مشى، وكيف طاف، وماذا قال، وما الذي خطب به، كل أمره جلي واضح كالشمس في رابعة النهار، فهل كان ذلك فقط في هذه الفريضة، أم أنه في كل أحواله ﵊، في معاملته مع زوجه وأبنائه أو أحفاده، ومع أصحابه وأصدقائه، ومع خصومه وأعدائه، وفي كل أحواله؟ فأين نحن من معلم الاقتداء والاهتداء ونحن نراه في هذه الأيام دقيقاً وظاهراً وجلياً عند الحجاج وعند غيرهم من الذين لا يحجون؟ فإنهم يترسمون الهدي النبوي، ويأتون به على ما أشار وأوضح رسول الله ﷺ ، ومن ذلك الأضحية التي يأتي حديثنا عنها إن شاء الله.
إذاً فلم لا نجعل هذا مساراً مهماً وطريقاً واضحاً نسير في إثره كما سار أصحاب النبي ﷺ ؟ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وعندما وصف الله الصحب الكرام وأتباعهم وصفهم بهذا الاتباع الذي كانوا فيه على سنن المصطفى ﷺ ، وهكذا ينبغي لنا أن نأخذ من هذه الفضيلة العظيمة في هذه الأيام الجليلة وهذه الفريضة العظيمة هذا المعلم المهم في حياتنا، ثم نعود إلى ذوات أنفسنا.
стр. 254
التذكر والاهتداء
لئن كان لنا مع الله تذلل والتجاء، ولنا مع رسوله ﷺ اتباع واقتداء فإن لنا مع أنفسنا تذكر واهتداء، تذكر فيه المراجعة والمحاسبة، والتصحيح والتقويم، والعزم والحزم الذي يقود إلى الطاعات، وينجي -بإذن الله ويخلص من المعاصي والسيئات، إلى متى تكبلنا ذنوبنا؟ إلى متى تقيدنا خطايانا؟ وإلى متى تلجم وجوهنا وأفواهنا أمواج الشهوات والشبهات؟ إلى متى ونحن مستسلمون والمواسم تمر فلا تكون الذكرى التي تخرجنا من غفلة إلى ذكر غير منقطع، ومن ضعف إلى عزيمة قوية لا تتضعضع ولا تضعف ولا تتراجع بإذن الله ، لقد كان سيد الخلق ﷺ يعظ الموعظة تتغير بها المسارات، ويقول الأمر والحكم فيتم إنفاذه في الوقت والحال، ويتذكر الناس لأنهم يعلمون أن الخطاب الرباني والهدي النبوي موقعه عند المؤمن عظيم وجليل، ولذلك عندما تحدث النبي مع بعض أصحابه وأخبر عن حل الذهب والحرير للنساء وحرمته على الرجال كان من القوم رجل في يده خاتم من ذهب فخلعه وطرحه من وقته ولحظته، وعندما قام القوم قيل له: خذه فانتفع به.
قال: ما كنت لآخذه وقد طرحته لله ولرسوله ﷺ .
هكذا يكون التذكر مباشرة يؤدي إلى الاهتداء، والعمل الذي يمتثل فيه الإنسان أمر الله وأمر رسوله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، والأمر بطاعة الله ورسوله ﷺ في القرآن كثير يحتاج منا دائماً إلى مثل هذا التذكر والاهتداء، ومرة أخرى في ذوات أنفسنا إلى التفكر والارتقاء، وهي مسألة مهمة، التفكر في حقيقة الدنيا، وصلتنا بها، وانشغالنا بها، وتعلقنا بها، هذه الدنيا هل تساوي فضائل هذه العشر على سبيل المثال؟ هذه الأيام العمل الصالح فيها هو الأحب إلى لله ، فهل تساوي الدنيا يوماً يكفر سنتين؟ هل تساوي فريضة يخرج بها العبد من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟ ما بال الموازين قد اختلت؟ ما بال الأثمان قد أصبحت على غير المقياس الصحيح؟ فكأن الدنيا اليوم في واقع حياة الناس أرجح من الآخرة، وكأن نعيمها وشهواتها ومالها وما فيها من هذه الخيرات أعظم عند كثير من الناس من صلوات وركعات ودعوات، بل أعظم في واقع الأمر من فرائض وشرائع مما هو من شرائع الإسلام ومن فضائله العظام، إذاً هذا أمر جدير بالاعتبار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨].
هذا المقياس والميزان القرآني، كل متاع الدنيا ليس بشيء، وغاية وصفه أنه قليل، أي: دون أن يكون له أثر يذكر، أو مقياس أو مقام أو وزن يمكن أن يقارن بما في الآخرة.
وحسبنا حديث المصطفى ﷺ : (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) كل الدنيا لا تعدل جناح بعوضة، ولو عدلت جناح بعوضة لم يسقِ كافراً شربة ماء، هي أدنى من جناح البعوضة، فهل البعوضة عند أحدنا لها قيمة؟ وهل جناحها معروف أو منظور حتى يكون له قيمة؟ لقد ضربها النبي ﷺ أمثلة عظيمة في حقيقة الدنيا، فعندما مر بجدي ميت أسك -أي: مقطوع الأذن- قال: (من يشتري هذا بدرهمين؟ من يشتري هذا بدرهم؟ ثم قال: والله لهوان الدنيا على الله أهون من هذا على أحدكم)، وقال: (ما لي وللدنيا، إنما أنا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم قام وتركها)، وهذه الفريضة أين يقضيها الناس؟ هل يقضونها في الدور والقصور، أم في الخيام والعراء؟ ماذا يأخذون من دنياهم؟ قليل من الملابس، وشيء من الزاد على قدر الأيام، فإذا انتهت أيامهم تركوا كل شيء وراءهم، ورجعوا إلى ديارهم، وانتقلوا إلى دورهم، وارتحلوا إلى المكان الذي هيئوه وإلى الدنيا التي أسسوها، ذلك هو درس الحج الأعظم في حقيقة الدنيا والآخرة، وهذا درس الأيام الفاضلة التي نرى فيها الفضل والأجر أعظم من الدنيا وما فيها.
стр. 255
التوحد والولاء بين المسلمين
أخيراً بالنسبة لأمتنا بعد ذواتنا أمر مهم، وهو التوحد والولاء، التوحد بين أبناء الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ورسول الهدى ﷺ يضرب لذلك أمثلة كثيرة، فنقول: (مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، وعند البخاري في الأدب المفرد: (المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى)، إلى ما هو معلوم من هذه الأحاديث، أمة تجتمع من كل صقع، وبكل لون، ومن كل لغة، على صعيد واحد، بهتاف واحد، ومشاعر واحدة، وخطوات ومسار موحد، ثم بعد ذلك تفترق صفوفها، وتختلف قلوبها، وتتنافر نفوسها، وتتباعد آراؤها، أنى يكون ذلك؟ إن مثل هذه الأيام العظيمة والفريضة الجليلة أعظم ما ينبغي أن نخرج به من فضلها هو هذا التوحد والولاء لأهل الإيمان والإسلام ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ينبغي أن ندرك أن الإيمان والإسلام لا يتحققان فقط بمجرد أداء الصلوات والزكوات فحسب، وإنما بالاصطفاف وراء أمة الإسلام، والنصرة لها، والولاء لأهلها، والبراء من أعدائها، والتخلص والتبرؤ من كل جاهلية وكفر وشرك يخالف أمر الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ذلك هو فضل الله بهذا الإيمان والإسلام، حول المفترقين إلى مؤتلفين، والمختلفين إلى متفقين، والمتناثرين إلى متوحدين، حول أمة في بقاع الأرض وأصقاعها المختلفة إلى أمة واحدة لا تفصلها الحدود، ولا تحول بينها الحواجز، كان قائلها يقول الكلمة فتتجاوب الأمة من أقصاها إلى أقصاها، ويوم صاحت امرأة: (وا معتصماه)، سير الخليفة جيشاً أوله عند العدو وآخره عند المسلمين وانتصر لها، ويوم صاحت امرأة في بني قينقاع وفي سوقهم تنتصر انتصر لها محمد ﷺ والصحب الكرام، وأخرجوا اليهود الذين فعلوا تلك الفعلة النكراء.
وهكذا ينبغي لنا أن ندرك أن حقيقة الانتماء للأمة الإسلامية وللإيمان والإسلام ينبغي أن يكون بالقلب والنفس والفكر مرتبطاً بهذه الأمة، يحزننا ما يحزنها، ويؤلمنا ما يؤلمها، ويفرحنا ما يفرحها، ولا نكتفي بحدود المشاعر، بل نتقدم لتحقيق معنى الولاء بعد المحبة بالنصرة بكل وسيلة ممكنة، وذلك من دروس هذه الوحدة في الفضيلة والفريضة.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعوج أنفسنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يمن علينا في هذه الأيام الفاضلة بتعظيم الأجر، ومحو الوزر، وإدراك الفضل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 256
أحكام الأضحية
إن أيام العشر موسم التقوى، وفريضة الحج زادها التقوى، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].
وهنا مسألة أحب أن أعيد التذكير بها، وهي أن لكل موسم فضل وأجر ينبغي أن لا يمر دون ادكار واعتبار مما يدوم ويستمر، ولا تكن مواسمنا مواسم عمل ثم انقطاع، وذكرى ثم غفلة، وتقدم ثم تأخر؛ فإن ذلك يدل على فقه ضعيف، وعزم كليل، وتأثر يسير لا ينبغي أن يكون مع توالي فضائل الله جل وعلا، ومع دوام واستمرار تلك المواسم.
ومن فضائل هذه الأيام ومن شعائرها الأضحية، وهي عبادة أمر بها النبي ﷺ ، فقال جل وعلا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وفعلها النبي ﷺ ، كما صح أنه (ضحى بكبشين أملحين أقرنين) فذبحهما بيده ﵊، وهذه الأضحية سنة مؤكدة يكره للقادر عليها تركها، وقد قال بعض أهل العلم بوجوبها، والجمهور على أنها سنة مؤكدة من استطاعها فينبغي له أن يبادر إليها، وأن لا يتأخر عنها، وهي ذبح شاة أو التقدم بسبع بدنة أو ناقة.
والذبح مقصود في هذا، وهو أفضل من أن تخرج القيمة أو أكثر من القيمة؛ لأن هذه هي عبادة الوقت، ولأن الفضيلة إنما تكون في فعل النبي ﷺ ، فهو في هذا الوقت ذبح ونحر ﵊، ولم ينفق المال وقد كان ﵊ منفقاً وجواداً كالريح المرسلة، ولكنه في ذلك الوقت وفي تلك الشعيرة واقتداء بقصة إبراهيم الخليل ﵇ ذبح ونحر وضحى ﵊، ولذلك فالتضحية والذبح هو الأفضل، ومن أراد أن يتصدق بمال فليزد من المال بعد أن يقوم بهذه الشعيرة العظيمة، والأضحية للأحياء، وتجوز عن الأموات تبعاً كما تجوز عن الأموات استقلالاً إذا كانت وصية من الوصايا التي أوصى بها الميت وله مال يقضيها، وكذلك يمكن للإنسان أن يضحي عن نفسه، ثم يدعو بالأجر له ولأهله ولمن وراءه، كما فعل المصطفى ﷺ عندما ضحى فقال: (بسم الله! اللهم تقبل من محمد، ومن آل محمد، ومن أمة محمد)، وهكذا ينبغي لنا أن ندرك هذا المعنى، بمعنى أن الأضحية عن الفرد وأجرها بدعائه وبفضل الله يعم.
ولا يصح أن يشترك اثنان في أضحية واحدة، بمعنى أنهما يدفعان قيمتها شراكة، بل إذا دفعا القيمة كانت الأضحية عن أحدهما، ويدعو بعد ذلك له ولصاحبه أو لأهله بما شاء، فالله فضله عظيم، ويعم بالأجر والثواب من دعي له بذلك إن شاء الله تعالى.
ووقت الأضحية بعد أداء صلاة العيد من يوم النحر، كما قال النبي ﷺ : (إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم بعد ذلك ننحر، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك -أي: قبل الصلاة- فإنما هو شيء قدمه لأهله وليس من النسك في شيء).
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من ذبح قبل الصلاة فليعد)، ولذلك فإن موعدها بعد أداء الصلاة، ويمتد إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، فهي مدة واسعة تشتمل على أربع ليال وثلاثة أيام، وهذا فيه مزية وفائدة ليعم النفع والأثر المطلوب لتلك الفريضة والشعيرة، وهكذا نجد المقصود من هذه العبادة أموراً كثيرة يتعلق بعضها بالذي يضحي وبعضها بعموم الأمة ومن ينتفع بمثل هذه الأضاحي.
أما المضحي فإنه يتقرب إلى الله بالأضحية، وذلك تنويع، فأنت تتقرب بصلاة، وبإنفاق مال، وبالذبح الذي هو من أشهر أنواع القربات في فعل الإنسان، فكثيراً ما يذبح للطواغيت أو للأصنام أو لغير ذلك، فجعل هذا تضحية لله ليتقرب العبد لله بمثل هذا، كما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقال بعض أهل التفسير في النسك: هو ما ينسكه الإنسان ويضحي به لله .
وفيه كذلك اقتفاء أثر إبراهيم الخليل ﵇ في استسلامه لأمر الله، وأن الله فداه بذبح عظيم، وفيه بالنسبة لأهل الإسلام إظهار شعائر الإسلام، فاليوم نرى كل هذه البهائم تجمع في كل بلاد الإسلام، وليس في مواطن الحج فقط، بل كل أهل بلد يهيئون أضاحيهم، حتى إذا جاء ذلك اليوم رأيت الذبح والنحر والدماء التي تنهر لله ، وذلك مقصد من إظهار الشعائر وتعبد الأمة وتقربها لله .
ثم من بعد ذلك إفاضة الخير وتعميم الطعام واللحم لمن لا يستطيع أن يحصل عليه وللفقراء والمساكين، ليكون العيد حينئذ -بإذن الله توسعة وفرحاً، كما قال ﷺ عن أيام يوم النحر ويوم التشريق: (أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى)، وهذا فيه إظهار لشعائر الإسلام، وسد لحاجات المسلمين، ومنع للأبواب التي يدخل منها غير المسلمين على فقراء المسلمين في بقاع الأرض فيقدمون لهم طعاماً وشراباً ومعه فتنة وانحراف وزيغ وضلال، ولذلك ينبغي لنا أن نحرص على أداء هذه الشعيرة وهذه السنة الفاضلة، وأن نبادر إليها، وأن نوصلها إلى كل أحد، وقد قال النبي ﷺ في سياق حديثه عنها: (كلوا وأطعموا وادخروا)، وذلك هو الذي يقول به أهل العلم، فيسن للإنسان أن يضحي بيده؛ لأن هذه عبادة وقربة، فإن استطاع أن يفعل بنفسه فذاك، وإلا فلو فعل غيره نيابة عنه فلا حرج، ثم يأكل منها ويهدي ويتصدق، ولو أنه تصدق بها كلها جاز، ولو تصدق بأكثرها وأبقى له جزءاً منها جاز، ولو أكل أكثرها وتصدق بالجزء الأقل منها جاز، ولكن الأجر يقل، وكل هذا واسع، ومن استطاع أن يجمع بين هذا وذاك فهو خير، وهذه من فضائل الله، ومن أعمال هذا الوقت.
نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن ييسر لنا ولإخواننا المسلمين في كل مكان مشاعر ومناسك الحج في أمن وأمان وسلم وسلام وراحة ويسر؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم! اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين، اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم! فيما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين، اللهم! وفقنا للصالحات، واصرف -اللهم- عنا الشرور والسيئات، واغفر -اللهم- لنا ما مضى وما هو آت.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، ووفق -اللهم- ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
стр. 257
ألف باء في مواجهة الأعداء
أعداء الإسلام يكيدون للإسلام منذ أن بزغ فجره، وظهر نوره، ولم يكلوا ولم يملوا، ويستخدمون في ذلك شتى الوسائل والطرق، والمؤسف أن كثيراً من المسلمين في غفلة عن هذا، فتراهم يعلمون بهذه المكايد وهم نائمون، ويرون خبثها وهم غافلون، فأصبح المسلمون لقمة سائغة تنهش منها الكلاب، وتجتمع حولها الفئران والجراد، فيجب على المسلمين قاطبة أن يصحوا من نومهم، وأن يستيقظوا من غفلتهم، كي يواجهوا الأعداء، وعليهم أن يبدءوا بالأهم فالأهم.
стр. 258
فائدة معرفة الخطوات التي يواجه بها الأعداء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فاعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فقد كانت الأحداث القريبة موضع اهتمام وتفاعل وتعلق، ثم عندما انقضى من هذه الأحداث ما هو مباشر في العدوان رأينا أن كثيراً من الناس انصرف تفكيرهم عن مثل هذه القضية، ولم يعد لنفوسهم تأثر أو تعلق، وربما مضوا إلى حياتهم كأن لم يكن شيئاً.
والواجب ألا يكون الغالب على أحوالنا: ردود أفعال مؤقتة، وانفعالات نفسية عارضة، وحيرة وتردد، وهدوء ورجوع بعد كل حدث وبعد كل قضية.
وهذه بعض الخطوات العملية التي لابد أن نأخذ بها، وقبل الشروع في ذكرها أود أن أبين مدى وحدود هذه الخطوات التي نتحدث عنها وفائدتها، فأقول مستعيناً بالله جل وعلا: الأمر الأول: ما نتحدث به يخصنا نحن؛ فهو يتعلق بي وبك وبهذا وذاك، بعيداً عن الدوائر التي لا نملك الآن أن يكون لنا تغيير فاعل فيها، وبعيداً عن الجهات التي عليها مسئوليتها، وعليها واجباتها، وليس من مهمتنا أن نوزع التهم، وأن نجعل التقصير هنا وهناك ثم لا ننظر إلى أنفسنا، ولا نعرف تقصيراتنا، نحن ندرك أن هناك خللاً وقصوراً عند الحكام والأمراء، وأن هناك ضعفاً وقلة في أداء المهمات كما ينبغي عند الدعاة والعلماء، ولكن لا ينبغي أن نقول: هؤلاء قصروا، وهؤلاء فرطوا، ثم نقعد بدون عمل إما بإحباط ويأس، وإما بعدم مبالاة واكتراث، وإما بعدم استشعار للمسئولية ومعرفة للدور.
فمن هنا لابد أن يكون هناك مصارحة ومناصحة واضحة تخصنا مباشرة، وتتوجه إلينا بعيداً عما قد نتعلل بأننا لا نستطيعه أو لا نحسنه.
الأمر الثاني: التنبيه على أن الانتفاع بالأحداث، والاستفادة من المصائب والمشكلات لا ينبغي أن يكون مؤقتاً غير دائم، ولا ينبغي أن يكون ظاهرياً غير راجع إلى الأصول والثوابت والمرتكزات والمنطلقات.
الأمر الثالث: أن كثيراً من الناس ينظر إلى الأمور الكبيرة، ويرى أنه لا قبل له بها، ولا يوجه إلى أمور يستطيع أن يأخذ بها وأن يعملها، فلعلنا بهذا الحديث أن نسد مثل هذه الثغرة بعون الله .
الأمر الرابع: ألف باء، وألف باء كما تعرفون هي حروف الهجاء، والمقصود: أننا نريد أن نبدأ بالأصول، وبالأشياء والقواعد والأركان الأساسية، حتى لا يقول قائل عندما نتحدث الآن: لم تتحدث عن هذا ونحن نعرفه؟ فأقول: إن كنا نعرفه فهل نحن قائمون به؟ وهل نحن مداومون عليه؟ وهل نحن متواصون فيما بيننا بالحفاظ عليه؟ فكثيرة هي الثغرات وأوجه القصور التي نقع فيها، ليس تجاه أمور من النوافل أو التطوعات أو الزيادات بل كثيراً ما تكون في الفرائض والأركان والواجبات.
стр. 259
معرفة الجوانب الفكرية في مواجهة الأعداء
نشرع بعون الله مستعينين به سائلينه التوفيق والسداد في ذكر بعض الجوانب الفكرية في مواجهة الأعداء: أولاً: الجانب الفكري: ونعني به جانب التصور والاعتقاد والمعرفة للحقائق والمبادئ، وصورة ما يحيط بنا في هذه الحياة، وكيف نزن الأمور، وكيف نقوّم الأشخاص، وكيف نتخذ المواقف، وكيف تتضح لنا الرؤية، حتى نأخذ بما هو واجب ولازم ونافع ومفيد في مواجهة ما يحل بنا من الخطوب والأحداث.
فنقول: لابد لنا من أمور كثيرة، منها:
стр. 260
أهمية تصحيح الخلل عند بعض المسلمين
معرفة الخلل وطريقة العمل أساس فكري لابد من توضيحه، فكثيرة هي الأسئلة التي دارت بخواطر الناس: ما الذي يجري بنا؟ ولماذا حل بنا ما حل بنا؟ وما هي الأسباب ونحن أمة الإسلام؟ ولم حل ذلك ونحن أتباع محمد ﷺ ؟! لابد أن نوقن بمعرفة هذه الأمور من خلال آيات القرآن، وتوضيحات سنة وسيرة المصطفى ﷺ ، قال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]، هذا تحليل وتعليل قرآني لابد من التسليم به، ومعرفة أن ما جرى وما يجري إنما هو من أثر فساد الناس وكثرة الذنوب، فلما وقع بالصحابة ما وقع في يوم أحد -وكان ثقيلاً على النفوس، شديداً على القلوب، ومنهم النبي ﷺ ، وفيهم الصفوة المختارة من أصحابه- قالوا مقالتهم كما جاء في قوله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] فرد الله عليهم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
ولو أننا أخذنا هذا المبدأ بكل قوة ووضوح وصراحة ومواجهة لكان لنا من إصلاح أحوالنا أثر كبير وتغيير ظاهر، ويكفينا أن نذكر بعض أقوال علمائنا في بيان الآثار المتولدة عن بعض الذنوب والمعاصي من بعض الأفراد، فكيف إذا تعاظم ذلك وكثر وعمَّ وساد وانتشر وفشى في الأمة إلا من رحم الله؟! قال ابن القيم: من آثار المعاصي والذنوب: قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الحق، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال، يقول: وكل هذه تتولد عن المعصية والغفلة من ذكر الله كما يتولد الزرع من الماء.
فإذا كان هذا في هذا الباب، فكيف بنا لا نلتفت إلى ما نحن فيه من غفلة عظيمة ومن معاصٍ كثيرة؟! يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
ولو رجعنا إلى أسلافنا لرأينا كيف كان الشعور عندهم بأثر المعاصي في دقيق الأمور وجليلها، كما جاء عن ابن مسعود -وهو يروى مرفوعاً وموقوفاً-: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)، كانوا يرجعون كل شيء يحصل من الخلل إلى خللهم فيما نسوا من أمر الله، أو فيما اجترءوا عليه من حدود الله، ومن مقالات السلف: إن أحدنا ليجد أثر الذنب في خلق زوجته ودابته.
وقد علمنا كثيراً من تعليلهم وتحليلهم لأسباب ما يحل بهم، وأنه بأثر ذنوبهم.
стр. 261
الصراع بين المسلمين وأعدائهم مستمر إلى قيام الساعة
ليس هناك جولة واحدة ولا ميدان واحد إذا كُسرنا فيه أو هُزمنا فيه فقد انتهى الأمر، كما رأينا من أحوال بعض الناس وما في نفوسهم من إحباط ويأس، أو فيما لهم من انشغال وانصراف عن مهمات الأمور وعن الانشغال بأحوال المسلمين.
وما أحسن قول القائل في تعبيره عن استمرارية هذه المواجهات، وأنها ليست في مرحلة ولا في ميدان واحد: قطفوا الزهرة.
قالت: من ورائي برعم سوف يثور.
قطفوا البرعم.
قالت: غيره ينبني في رحم الجذور.
قلعوا الجذر من التربة.
قالت: إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور.
كامن ثأري بأعماق الثرى.
وغداً سوف يرى كل الورى: كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور.
تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور.
أي: أنه لابد من اليقين بمواصلة المواجهة بين الحق والباطل، وأنه لابد أن تكون النفوس مهيأة لذلك وعالمة به من خلال وضوح رؤيتها وفق نهجها واعتقادها.
إن اغتصاب الأرض لا يخيفنا.
فالريش قد يسقط من أجنحة النسور.
والعطش الطويل لا يخيفنا.
فالماء يبقى دائماً بباطن الصخور.
هزمت الجيوش إلا أنكم لم تهزموا الشعور.
قطعتم الأشجار من رءوسها وظلت الجذور.
فستظل الجذور إذا بقيت العقائد والمبادئ والتصورات، ومن هنا لابد لنا من إحياء هذه المعاني والتواصي بها.
стр. 262
وضوح الرؤية والبصيرة في الدين من أهم الأمور
وضوح الرؤية وقوة العصمة: ونعني بذلك أن نكون على بصيرة من ديننا، وبينة من أمرنا، وقوة في اعتقادنا، ورسوخ في يقيننا، ولا يكون عندنا شك من أمرنا، ولا حيرة في ثوابتنا، ولا تذبذب في أصولنا، ووراء ذلك كله أن نعرف كل ما يحيط بنا، وكيف نتعامل معه.
يقول الحق في بيان شافٍ وفي آيات متوالية توضح لنا هذه الحقيقة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٤ - ١٠٦]، ثم يأتي النداء من بعد: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس:١٠٨ - ١٠٩].
وهذه الآيات العظيمة فيها بيان هذه الحقيقة المهمة، يبينها قوله سبحانه: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) فإن شكك الناس في ثوابتنا وعقائدنا وتصوراتنا، وإن كان عند بعضهم حيرة، وإن كان غير المسلمين يعارضون عقائدنا ويخالفونها، وإن كانت الأمم والمجتمعات لا تعرفها ولا تدري ماهيتها، ولا تعتقد بصحتها، فكل ذلك لا يضرني، قال : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وزيادة تثبيت وزيادة توضيح: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، ثم زيادة في هذا التثبيت والتوضيح: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) أي: في كل الأحوال والاضطرابات والمخالفات والمعارضات ابق على نهجك القويم، وتصورك الصحيح، واعتقادك السليم، ويقينك الجازم دون أدنى شيء من التردد، ومن هنا يأتي هذا الوضوح؛ ليكون هو الفيصل الفارق بين المؤمن المعتقد اعتقاد الحق وبين غيره، كما قال سبحانه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢]، وتكون الرؤيا واضحة لنا؛ لأن العاقبة للمتقين، والدائرة على الكافرين ولو بعد حين، لا يتغير ذلك ولا يتبدل بما تتغير به الأحوال والظروف المحيطة، بل نوقن بهذا يقيناً جازماً، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧] فلئن أصيبت الأمة في مرحلة من الزمان بنكبات وهزائم فلا يعني ذلك أن هذا نهاية المطاف، بل نوقن من خلال هذه الرؤية الواضحة والقوة الإيمانية الجازمة أنها إنما هي مراحل وابتلاءات، وأن وراءها بعد ذلك ما يحقق الله به وعده، وينجز لعباده نصره، إذا هم أخذوا بالمهم من اتباع الأوامر واجتناب النواهي وتغيير الأحوال على وفق مراد الله وهدي رسوله ﷺ .
стр. 263
الجوانب العملية في مواجهة الأعداء
ثانياً: الجانب العملي، وكما أشرت في مقدمة الحديث نحن نتحدث في ألف باء، أي: في الأصول والأسس؛ لأن هذه الأصول والأسس قد اعتراها الضعف، وجرى فيها النقص، وعظمت فيها الغفلة، فنحن في حاجة إلى مراجعتها.
والمقصود بالجانب العملي: توجيهات وتذكير بأعمال لابد من الأخذ بها.
стр. 264
الدعاء وأثره في نزول النصر
لابد من استدامة الدعوات، فنحن سمعنا الدعاء يتكرر في المحاريب عند وقوع الكارثة، وعند حلول المصيبة، ثم الآن كأنما الألسن قد عجمت عن الدعاء، وكأنه لا يكون الدعاء إلا إذا كان في الصلاة وإذا كان في القنوت وإذا كان وراء الإمام، فهل نحن ندعو الآن بما ينبغي أن ندعو به من نصر الإسلام والمسلمين، ومن تثبيت إخواننا المسلمين؟! وهل انتهت قضية المسلمين في العراق؟! وهل انتهت من قبل قضيتهم في أفغانستان؟! وهل انتهت من قبل أكثر من نصف قرن في فلسطين وفي كشمير؟ وهل توقفت المواجهات في الشيشان؟ وهل وهل؟! نحن كأنما نشتغل بهذه الأمور المواجهة والمباشرة؛ فإن جاءت تحركنا بقدرها، واستيقظنا بحسبها، ثم عدنا إلى نومنا وغفلتنا وإعراضنا عن تعليق قلوبنا بربنا، ورفع أكفنا إليه، ودوام استمدادنا منه، وعظمة تضرعنا وذلنا وخضوعنا بين يديه .
ولا شك أننا نعلم ونوقن أن السلاح البتار الفتاك عند أهل الإيمان والاعتقاد الجازم هو الدعاء الخالص لله ، ولا ينبغي أن نغفل عن قوة هذا السلاح وأثره، ولقد كان -يوم كان الناس أهل إيمان وأهل صدق وحسن صلة بالله- سلاحاً يظهر أثره مباشرة، وكلنا يعلم أن سعداً كان مجاب الدعوة، فقد جاء رجل وتكلم بين يديه في طلحة والزبير، فنهاه، فلم ينته، فدعا عليه، قال الراوي: فجاء جمل كأنما يشم الناس حتى عمد إلى هذا الرجل فبطش به وقتله! أي: استجاب الله دعوة سعد ﵁.
وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة ادعت عليه امرأة زوراً وبهتاناً وافتراءً أنه أخذ شيئاً من أرضها، فلما ووجه بذلك، قال: كيف يكون هذا، وأنا أعلم حديث النبي ﷺ : (من اقتطع قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة)؟ ثم دعا فقال: (اللهم إن كانت كاذبة وهي تعلم أنها كاذبة، فأعم بصرها، واقتلها في دارها).
فوقع الأمر كما دعا ﵁ وأرضاه.
وكانت في قصص المواجهات والقتال أيضاً أحوال وسير عظيمة، منها: دعاء البراء بن مالك الذي قال له الصحابة في يوم اليمامة بعد أن اشتد وطال الحصار الذي ضربوه على مسيلمة وأصحابه: أنت من قال فيك رسول الله ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره) فادع الله لنا، فدعا وقال: (اللهم امنحنا أكتافهم، وانصرنا عليهم الغداة)، فما انتهى اليوم إلا بنصر عظيم للإسلام وأهله!
стр. 265
التقرب إلى الله بالصيام له أثر في نزول النصر
الصيام من أفضل الطاعات، فزد من الصيام والتقرب إلى الله بذلك؛ فإنه ضرب من العبادة ولون من التربية والتزكية، وسبيل من أسباب القوة في الإرادة والعزيمة، فضلاً عن قوة الطاعة والاستجابة ومغالبة النفس وأهوائها، ونحن نعلم فضائل الصيام وآثاره، وما ينبني عليه من أثر في أجر الدنيا وفي ثواب الآخرة، والأمر في هذا واضح جلي.
стр. 266
فضل الإنفاق في سبيل الله
أيها المسلم! أكثر من الإنفاق في سبيل الله ؛ فإن ذلك من نصرة الدين، ومن تقوية المسلمين، ومن مواجهة المعتدين، وإذا لم تسخ نفوسنا بالإنفاق في سبيل الله لنصرة دين الله فكيف نزعم أنه يمكن أن نجود بأنفسنا؟! الجهاد الأعظم بالنفس لابد أن تكون النفوس مهيأة له بكثير من الأسباب والأحوال، فمن لم يستطع مجاهدة نفسه للقيام بالطاعات وأداء الفرائض، ومن لم يغالب نفسه في شهوتها في هذا المال وتعلقها به، فكيف يجود بنفسه؟! نحن نعرف الآيات الكثيرة التي تقرن جهاد النفس بالمال، بل وتقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه قال: (جاهدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم)، والله يقول: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨].
وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع) وهي سمات نعرف أننا واقعون فيها، فإذا دعينا في الملمات، وعند حصول الكوارث، وعند نزول البلايا تحركنا وأنفقنا شيئاً من أثر العاطفة المتأججة المؤقتة العارضة، ثم بعد ذلك نعود إلى ما نحن فيه! خاطبوا أنفسكم، وحاسبوها اليوم: كم من المال تنفق باستمرار ودوام؟! مواجهتنا مع الأعداء ليست عارضة ولا عابرة، ومقارنة ما ننفقه في مقابل ما ينفقونه -للأسف الشديد- مقارنة محزنة ومؤسفة، فالتنصير -الذي يسمونه التبشير- نعلم من الإحصاءات الموثقة أن هناك نحواً من أربعة آلاف وستمائة قناة وإذاعة أعدت للقيام بنشر النصرانية، وتبث بلغات أكثر من أن تحصر وأن تحصى، ويُطبع من الإنجيل -رغم ما فيه من التحريف- لا أقول: الملايين ولا عشرات الملايين بل مئات وآلاف الملايين، وقد طبع بأكثر من ستمائة لهجة ولغة! وما ينفقونه في كل عام أكثر من أن يحصى، ونحن نوقن بقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، لكن كيف نواجه أعداءنا ونحن لا ننفق مثلهم؟ هذه صورة من صور ضعفنا، وصورة من أسباب هزيمتنا، ومن أسباب بلائنا؛ لأننا لا نصنع كما صنع الصحب رضوان الله عليهم، فقد كانوا في كل ملمة بل وفي غير الملمات ينفقون إنفاقاً عظيماً جداً، كان الإنفاق أمراً فوق الزكاة وفوق الواجب، وكانت صدقاتهم لا تنقطع دائماً وأبداً، حتى كان من لم يجد يكتسب حتى يجد ما يتصدق به، كما ورد في الصحيح عن بعض الصحابة من الفقراء قال: (كان أحدنا لا يجد ما يتصدق به، فكان أحدنا يتحمل الحمالة لا يريد بها إلا أن يجد ما ينفقه في سبيل الله) أي: حتى لا يحرم نفسه من الأجر والثواب، فقد كانوا يتسابقون إلى الإنفاق؛ لأنهم يعلمون أن ذلك من أسباب قوة دين الله .
стр. 267
الطاعة يستنزل بها النصر
لابد من كثرة الطاعات، ونحن نعلم أن استنزال النصر إنما يكون بحسن الصلة بالله، والتقرب إليه، وإعلان البراءة من معاصيه، ومخالفة أمره ، وهذا أمر مهم نحتاج إليه، فننادي بنداء نوجهه إلى أنفسنا جميعاً: حافظوا على أداء الصلوات، وعلى وجه الخصوص فرائض الصلوات، كما قال : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، والنبي ﷺ قال: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله) رواه مسلم، ونحن نعرف هذا، ولكنني أقول: هل كل الناس يؤدي هذا؟ ألسنا نعرف أن النبي ﷺ أخبر أن من آخر ما يُحل من عرى هذا الدين الصلاة؟ ألسنا نعرف أن من شبابنا ومن شيباتنا من يترك الصلاة فلا يؤديها مطلقاً، أو يؤخرها ويجمعها، أو لا يلتفت إليها؛ ويجعلها آخر موضع في اهتماماته؟! وأولئك منا وفينا ومن بيننا، ثم لا ننظر إلى أثر ذلك، ولا نلتفت إلى أن بسببه يقع كثير مما قدره الله من البلاء والفتنة، نسأل الله السلامة! عباد الله! احرصوا على شهود الجماعات؛ فإن المساجد تشكو إلى الله قلة المصلين في كثير من الأوقات والأحوال، بل وفي كثير من البلاد ما هو أعظم وأكثر مما في بيئتنا ومجتمعاتنا، والله يقول: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣١]، ويقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ويقول: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣]، ويقول: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ [الحج:٣٥]، وكل ذلك خطاب بصيغة الجمع.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ الحديث الذي تعرفونه في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، وقال ابن مسعود ﵁ وأرضاه أثراً نحب أن نلفت أنظار الجميع إليه: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا -يعني: صحابة النبي ﷺ وما يتخلف عنها -أي: الجماعة- إلا رجل معلوم النفاق) رواه مسلم.
فلو طبقنا هذه القاعدة التي كانت سارية المفعول عند الصحابة لصلحت أحوالنا، فكم منا في مجتمعاتنا من يصدق عليه وصف النفاق؟! كم هم المتخلفون عن الصلاة في الجماعات، السائرون في الغي واللهو الشهوات؟! هؤلاء لم يلتفت نظرهم إلى حديث أبي هريرة عند البخاري في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، فآمر رجلاً يؤم الناس، ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم).
وهذه أمور موجودة لا نحتاج إلى إفاضة القول فيها، لا سيما صلاة الفجر، تلك الفريضة التي رحم الله من يؤديها اليوم جماعة، وأصبح من يصليها جماعة يشهد له بأنه أعظم الناس إيماناً، وأكثرهم صلاحاً، وأجلهم فضلاً، وأعظمهم مرتبة، وهي من الفرائض التي لابد لكل مسلم أن يحافظ عليها، ولكن صار الحفاظ عليها فرقاناً بين إسلام والتزام، وبين تفريط وتضييع، والله يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تشهده الملائكة.
وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في الصحيح أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون عند صلاة الفجر والعصر)، وترفع الملائكة شهادتها لمن يشهدون الصلاة، فكم من مسلم لا يحظى بتلك الشهادة، ولا يكتب في تلك الصحائف، ولا يدرج اسمه في تلك التقارير المرفوعة إلى علام الغيوب ؟! ثم نقول بعد ذلك: ما الذي جرى؟ وما الذي حصل؟!
стр. 268
إصلاح النفس
وننتقل في الجانب العملي إلى خطوات ثلاث مهمة: الخطوة الأولى: أصلحوا أنفسكم.
الخطوة الثانية: ربوا أبناءكم.
الخطوة الثالثة: ادعوا مجتمعاتكم.
وفي كل واحدة من هذه الخطوات الثلاث ثلاث نقاط نذكرها بإيجاز؛ حتى نوجه الأمر إلى أنفسنا، ونبدأ بالأخذ بهذه الخطوات العملية، فإنها مقدمة لما بعدها، ومن كان فيها عاجزاً فهو عن سواها أعجز.
الخطوة الأولى: ميدان النفس، لابد أن يعتنى بإصلاحها، وهذا أمر مهم وأساس متين وبداية أساسية.
стр. 269
أهمية العمل في إصلاح النفس
لابد من التحول من الكسل إلى العمل، فكثيرون منا أخلدوا إلى الراحة، وأصبحوا يستثقلون أدنى درجات الحركة والنشاط فيما هو من الفرائض والواجبات، فضلاً عما هو فوق ذلك من السعي في مصالح المسلمين، والعمل على الإصلاح والتغيير، والتنادي إلى البر، والتعاون على البر والتقوى، وهذا -وللأسف الشديد- نادراً ما نجده، بينما نجد كدحاً وجداً وسبقاً وحثاً في مجال حياتنا الدنيوية، وكسبنا المادي، وطلبنا للترقي المعنوي، وغير ذلك مما نرى الناس يبذلون فيه عامة وقتهم، ومعظم جهدهم، وخالص فكرهم، ولا يكون لإسلامهم وإيمانهم وأحوال أمتهم مثل هذا الاعتناء والاعتبار والأخذ بالأسباب المهمة، والله دعانا للعمل بجد وبعزم وبحزم، وجعل العمل هو المناص فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]، وعندما دعينا للعمل دعينا بصيغ عظيمة، قال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، فهذه كلها صيغ تدلنا على أن الكسل والخمول لا موقع له ولا مكان له في صفة المسلم الحق، فكيف إذا كان المسلم في زمن ضعفت فيه الأمة، وذهبت هيبتها، وضاعت قيمتها، وتسلط عليها أعداؤها؟! إن الكسل حينئذٍ يكون جريمة عظمى، ويكون صورة من صور موات القلوب والنفوس، نسأل الله السلامة.
стр. 270
دور العلم في إصلاح النفس
لابد من إصلاح النفس من الجهل إلى العلم، فأمة الإسلام اليوم كثير من أبنائها لا يعرف دينه، ولا يقرأ قرآنه، ولا يطالع حديث وسنة وسيرة نبيه ﷺ ، بل كثير من أبناء الإسلام اليوم يعرف عن سقطة الناس وسفلتهم أكثر مما يعرف من أحداث سيرة المصطفى ﷺ ، ولذلك لا ينبغي أن نستعجب ونستغرب مما يحصل إذا رأينا كيف أصبحت النفوس ضعيفة من كثرة جهلها بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، ذكر شيخ الإسلام أن النفس بطبيعتها يغلبها الهوى، وينبغي لكل أحد -كما قال- أن يعرف أن النفس جاهلة ظالمة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح.
فكيف يكون العلاج؟ قال: لابد من علاج الجهل بالعلم النافع الذي يخرجها عن وصف الجهل، والعمل الصالح الذي يخرجها عن وصف الظلم.
قال الله على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، وكل الأنبياء استعاذوا من الجهل، وليس المقصود بالجهل مجرد عدم العلم، بل هو عدم الالتزام والعمل بهذا العلم كما هو معلوم.
فلنطالب أنفسنا جميعاً بأن نعظم ونزيد ونواصل الصلة بكتاب الله مداومة على تلاوته، وإحساناً لترتيله، وتأملاً وتدبراً في معانيه، واجتهاداً في الأخذ بأحكامه والتحلي بآدابه، وحرصاً على نشره وتعليمه والدعوة إليه، وذلك فيه من الأثر والخير ما فيه.
стр. 271
أهمية الذكر في إصلاح النفس
لابد من الانتقال من الغفلة إلى الذكر، فالنفوس غلب عليها الران، والقلوب اشتدت فيها القسوة، وأظلمت النفوس من كثرة ما تركت من الطاعات والواجبات، ولابد في إصلاح النفس من هذا التذكر؛ فإن أحوالنا اليوم تدعو إلى لفت النظر؛ فإن نفوسنا كأنما هي في نوم بلا يقظة، وتسويف بلا حزم، وابتلاء بلا اعتبار، وكأن القلوب قد عميت، وكأن النفوس قد ركعت، كثير منا في عقول سادرة، وألسن لاغية، وآذان للباطل مصغية، فلا الآيات تُتلى، ولا الأحاديث تُروى، وربما تُتلى وتُروى ولكنها لا تجد آذاناً صاغية، ولا قلوباً واعية، ولا أنفساً متقبلة، ولذا لابد أن ننتبه، قال ابن كثير ﵀ في قوله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]: أي: لا توضع الموعظة في غير أهلها الذين لا يعتبرون ولا يتذكرون بها، والله قد وصف الغافلين وصفاً ينبغي أن نحذر منه، وصفاً يخلع قلب كل مسلم، ويجعله ينتبه ويرتاع حتى لا يكون من أهل هذا الوصف، وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فهل يرضى أحدنا أن يكون كالأنعام، وأن يكون كأنه لا قلب ولا عين ولا أذن له؛ لأنه لم يعتبر؛ ولأنه لم يتذكر؛ ولأنه ما زال غافلاً؛ ولأنه ما زال في الغي سادراً؛ ولأنه ما زال بالشهوات منشغلاً؛ ولأنه ما زال في الملذات منغمساً؟! هذه صورة -للأسف الشديد- تعمنا إلا من رحم الله، وإذا تذكرنا تذكرنا بقدر الحادث الذي مر، وبقدر النكبة التي مرت ثم عدنا من بعد ذلك إلى غفلتنا لنستمر في نومنا وغينا دون أن نجعل من هذه الأحداث محطات تغيير وأسباب تحول حقيقي دائم نحو ما ينبغي أن تكون عليه أحوالنا، وهذه مسألة مهمة لابد أن نعتبر بها.
كان أسلافنا من أصحاب القلوب الحية، والنفوس المطمئنة ذات التأثر العظيم، ولذلك نسمع من أقوالهم، ونعرف من أحوالهم إذا قرأنا سيرهم ما يلفت نظرنا إلى هذا المعنى، رأى بعض الناس الخوف في وجه أحد السلف فسألوه فقال: ذكرت ليلة صبحها يوم القيامة، وكما قال قائلهم: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
فأديموا المحاسبة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، واعتبروا بالأحداث الجارية، قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]، فهذه صفة قد ذم الله بها أولئك القوم من أهل الكتاب الذين انحرفوا عن نهجه ، فما بالنا نجعل ذلك من صفاتنا وخلالنا؟! نسأل الله السلامة.
стр. 272
تربية الأبناء
الخطوة الثانية: ربوا أبناءكم، ونحن نعرف أن الخلل الواقع في شبابنا وشاباتنا إنما هو بتفريط الآباء والأمهات، فمن هم هؤلاء الشباب والشابات الضائعون؟ إنهم أبناء لهذا أو لتلك، إنهم إخوان لأولئك وهؤلاء، إنهم في آخر الأمر لمن فرط في حقهم، ولم يقم بأداء الواجب تجاههم، ذلك الواجب الذي نعرفه من قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، ونعرف ذلك من حديث المصطفى ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)، فهل قمت بواجبك؟ وهل أدبت أبناءك وربيتهم؟ استمع لما ذكر بعض أهل التفسير في هذه الآية: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) قال مجاهد: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله.
وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه.
وقال الضحاك: حق على المسلم أن يعلم أهله وقرابته وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه.
وذلك هو ما ينبغي أن نكون عليه.
стр. 273
وصايا في كيفية تربية الأبناء
نذكر بإيجاز شديد ثلاث وصايا في تربية الأبناء: الأولى: اقتربوا منهم، وكونوا قدوة لهم؛ فإن أعظم فساد الأبناء من فساد قدوات الآباء والأمهات، إذ كيف تريده أن يصلي الفجر وأنت لا تصليها إلا وقد أشرقت الشمس؟! وكيف تريده أن يكون من جيل القرآن وأنت لا تكاد تتلو القرآن، ولا تمس المصحف إلا من عام إلى عام؟! وكيف تريد الأم أن تكون ابنتها محجبة مصونة عفيفة وهي ليست كذلك؟! فكم في أحوالنا ما هو سبب في فساد أبنائنا! أفليس جدير بنا أن نصدق مع الله، وأن نتحمل الأمانة والمسئولية التي جعلها الله في أعناقنا؟ الثانية: علموهم، ورغبوهم في العمل الصالح، ولابد من التعليم، فإن لم تكن أنت فارغاً فهيئ له من يعلمه القرآن، وهيئ له من يذكره ويتلو عليه القرآن، ويسرد عليه السيرة، واجعل لأبنائك من الاهتمام بتعلم الدين أعظم من الاهتمام الذي نراه من الناس في تعليم الأبناء اللغة الإنجليزية والفيزياء والرياضيات؛ حيث يأتون لهم بالمدرس تلو المدرس، وينفقون المال تلو المال، وغير ذلك ليس مهماً عندهم، وليس له موضع اعتبار، وليس موضع مسئولية، وهذه قضية خطيرة! الثالثة: تابعوهم، وقوموهم في المسير، ولابد من هذا حتى تحصل التربية الكاملة.
стр. 274
إصلاح المجتمعات
الخطوة الثالثة: إصلاح المجتمعات، ليس في إسلامنا: أنا والطوفان من بعدي، وليس في إسلامنا فهم خاطئ قد حذر منه الصحابة الكرام منذ عهد النبي ﷺ ، فعن أبي بكر ﵁ قال: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، أي: لا تفهموا الآية فهماً خاطئاً، فتظنوا أن قيامكم بأمر أنفسكم وأدائكم لفرائضكم يكفيكم، فلا تأمرون أحداً، ولا تنهون أحداً، بل أردف هذه الآية بحديث النبي ﷺ : (والله! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم)، فينبغي أن ندرك خطورة ترك إصلاح المجتمع، إن المنكرات فاشية وظاهرة، وكأن الألسن قد خرست، والعيون قد عميت، والأيدي قد شلت، وهذه قضية خطيرة! فما بال القلوب لا تتأثر؟ وما بال الوجوه لا تتمعر؟ وما بال الألسن لا تحذر وتنذر؟ وما بالنا وقد أصبح في أحوالنا ما قد بلغ مرتبة خطيرة؟ فقد تحول المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، بل ربما نجد صاحب المعروف يستتر بمعروفه، ولا يكاد يرفع به رأسه، وصاحب المنكر معلن به ومجاهر، والناس يستحيون أن يقولوا له كلمة، أو أن يذكروه بموعظة، أو أن يبينوا خطأه وظلمه وفساده، وهذه قضية خطيرة! والله قد بين مغبتها، وحذر منها، ولابد أن ننتبه إلى العقوبات الناجمة عن ذلك، كما قال جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] وفي قراءة: (لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال ابن تيمية: قراءتان صحيحتان، ومعناهما ليس فيه تعارض؛ فالظالم هو المرتكب للمنكر، وغير المرتكب غير ظالم من وجه، ويمكن أن يكون ظالماً إذا ترك الواجب في الإنكار على المنكر، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥].
فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه سبب لمحق البركة، وسبب لوقوع البلايا والرزايا.
стр. 275
كيفية إصلاح المجتمعات
لابد من التركيز على الجوانب المهمة التي نحتاج إليها في إصلاح مجتمعاتنا، ومنها: أولاً: تغيير الفرقة إلى ألفة، فأعظم بلايا أمتنا فرقة صفوفها، وتباعد آرائها، واختلافها في أمرها، ولم يحل بنا ما حل بنا من تمكن أراذل الناس وشراذمهم من اليهود -عليهم لعائن الله- إلا من هذه الفرقة والنزاع والشقاق التي تسلط بها علينا أعداؤنا، وهذا ميدان جهاد عظيم، قال السعدي ﵀: الجهاد المتعلق بالمسلمين بقيام الألفة واتفاق الكلمة مهم قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣]، ثم قال: فإن من أعظم الجهاد السعي في تحقيق هذا الأصل، وهو تأليف قلوب المسلمين، واجتماعهم على دينهم ومصالحهم الدينية والدنيوية، وفي جمع أفرادهم وشعوبهم، وفي ربط الصداقات والمعاهدات بين حكوماتهم بكل وسيلة، ومن أنفع الأمور أن يتصدى لهذا جميع طبقات المسلمين: من العلماء والأمراء والكبراء وجميع الأفراد، وهذا أمر مهم.
ثانياً: تحويل الفساد إلى إصلاح، فكل فساد ومنكر لابد أن ننهى عنه، وأن نذكر بضرره، والقضية ليست في الأمور المشتبهة، بل نحن نتحدث عن أمور أحكامها صريحة واضحة، يعلمها أكثر المسلمين من الدين بالضرورة، كما قال ﷺ : (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات)، فنحن نريد أن نأمر بالحلال البين، وننهى عن الحرام البين.
أليس الربا حراماً بيناً؟! وهل يحتاج أحد فيه إلى فتوى لهيئة من كبار العلماء أو لمجمع فقهي؟! ألسنا نعرف الوعيد الشديد الذي لم يرد له مثيل في قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]؟! وقد أخبر النبي ﷺ عن الربا أنه سبعون باباً، وأدناه مثل أن يزني الرجل بأمه، والعياذ بالله! وهكذا ما نراه من التبرج والسفور والاختلاط، وحرمتها جلية واضحة دون أن يكون هناك هذا التوجه للتغيير والتذكير، قال الله : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]، فإن بقيت قلة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فالله يحفظ بها كثيراً من الخير، ويديم بها كثيراً من المعروف، وينقل بها الصلاح والخير جيلاً عبر جيل بإذنه .
قال السعدي في هذه الآية: وفي هذا حث للأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس، قائمون بدين الله، يحيون به الموتى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من العمى، والله قد بين ذلك.
ثالثاً: تحويل الإعراض إلى إقبال، فالإعراض عن الله وأوامره لابد أن يتحول إلى الإقبال على طاعة الله، والقيام بفرائضه، والأداء لواجباته، والسعي إلى الاستكثار من هذه الخيرات والتطوعات، ولابد من تذكير؛ فإن الحث والتذكير يحصل به من الاعتبار والتعلق بالأجور المذكورة في النصوص ما يعين على فعلها، ولكننا نغفل عن هذا؟
стр. 276
خطوات مهمة قبل مواجهة الأعداء مباشرة
نختم هذه الخطوات وهذه المسائل بمسألة مهمة، وهي: مواجهة الأعداء مباشرة، ولسنا نعني بذلك القتال والجهاد؛ فإنه ماض إلى يوم القيامة، وحكمه معروف، وليس ذلك إعراضاً عن أهميته، أو عن أثره العظيم، ولكننا نعلم أننا مقصرون فيما هو قبله، فنذكر بالمقدمات فنقول: هاهنا جملة من الأمور والتوصيات المهمة التي لابد لنا منها:
стр. 277
أهمية معرفة الأمور والحذر من العواقب قبل مواجهة الأعداء
ثانياً: معرفة وحذر، لا جهل وخدر، لا يزال بعض الناس اليوم يصدقون مقالات الأعداء، ويروجونها بيننا بألسنة تنطق بلغتنا، ونحن نعرف أن كثيراً من المسلمين ليس عندهم من الوعي والإدراك ما يبين حقيقة وخطورة الأعداء، وبعضهم يظن أن العداء إنما هو في هذه الصورة فحسب، أو أنه في هذا الميدان وحده، أو أنه في تلك البلاد وحدها، ولا يعرف الحقائق القرآنية، والكواشف النبوية التي تبين هذه الصورة الحقيقية للأعداء، قال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢]، وقال سبحانه: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة:١٠] والآيات في هذا كثيرة؛ أخبر الله بها، وبينها جل وعلا في مواقف كثيرة مما جاء سرده ووصفه في كتابه ، وبين الحق كل الصور التي تختلف من قول اللسان وإضمار القلب، وكشف أهل النفاق الذين يرددون مقالات الأعداء، ويجوسون في صفوف الأمة، بما يريدونه منها، وما يسعون إلى النيل منها بواسطة هؤلاء، والله قد بين كيف يكون لأولئك من أثر سلبي، فبين الحق في شأن ووصف المنافقين ما هو ظاهر في قوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]، وما بينه في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]، ثم قال الله في آخر هذه الآيات: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤].
والحذر واجب، والانتباه والالتفات إلى هذه الحقيقة مهم، ولابد لنا منها حتى ندرك هذه المخاطر.
قال القرطبي ﵀: في هذا الحذر وجهان: أحدهما: احذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم.
والثاني: احذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك.
стр. 278
الدعوة عزة وهداية
أولاً: الدعوة عزة وهداية لا ذلة وغواية، ونعني بذلك: أن نحافظ في مواجهة أعدائنا على عزة نفوسنا، وإن كسرنا أو هزمنا في ميدان مادي أو في بلد بعينه أو في زمن بعينه أو نحو ذلك؛ فإن الإنسان المؤمن لا يُهزم في عزته وفي قوة إيمانه وفي عزيمته الماضية، كما حصل من النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم بعد غزوة أحد.
وربعي بن عامر مثل حي قوي في هذا المعنى؛ فإنه دخل إلى أبهة الملك عند الفرس فلم يشغله ذلك، ولم ينبهر به، ولم يوقع في نفسه شيئاً من الضعف أو الاستعظام لأعدائه، بل قال قولته الشهيرة عندما سئل: ما الذي جاء بكم؟ فقال: (لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).
وبهذا الموقف هو يعلن عن بيان قدرته على المواجهة والثبات، ويغزو بذلك عقول القوم وقلوبهم، فإن أولئك الأعداء كانوا مثل الذين نعرفهم اليوم في ضلال وضياع وحيرة وشك، وكثيرٌ منهم على فساد وظلم وفجور وعهر وفسق، وكثير من الشعوب التي تحت هذه القيادات الظالمة الجائرة المجرمة يحتاجون منا أن ندعوهم إلى الله ، ويحتاجون أن نتمثل الإسلام، ونعتز به، والذي لا يعتز بدينه لا يعزونه، والذي لا يحترم مبدأه لا يحترمونه.
اليوم نرى بعض المسلمين قد ذلت نفوسهم وكأنما هم أقزام أمام أعدائهم، وقد انبهروا بهم، بل بعضهم قد يعظمهم تعظيماً يوحي لك أنه يرى أن الحق والخير والصواب والهدى إنما هو عندهم، وهذه قضية خطيرة لابد من الالتفات لها.
ونقف وقفات من سيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة؛ لنعرف أهمية هذا الجانب: في أعقاب أحد، وبعد انجلاء غبار المعركة بقليل جاء أبو سفيان منتشياً مفتخراً، جاء وهو يسأل: هل فيكم محمد ﷺ ؟ هل فيكم أبو بكر؟ هل فيكم عمر؟ فسكتوا عنه، ثم أجاب عمر، فأراد أبو سفيان أن يبين أن انتصاره العسكري أو المادي هو انتصار عقدي مبدئي أخلاقي حضاري، فقال: اعل هبل، فقال ﵊: (أما تجيبونه؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا: الله أعلى وأجل)، ثم قال: العزى لنا ولا عزى لكم، فجاء
الجواب
( الله مولانا ولا مولى لكم)، ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وجاء
الجواب
( لا سواء؛ قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة)، وفي ذلك الوقت كان المسلمون في كسرة وشبه هزيمة في تلك الجولة، وكان منهم من استشهد، وكانت الحيرة قد ضربت في صفوفهم، لكن ذلك لم ينل من عزتهم، ومن شموخهم بدينهم؛ حتى لا يستطيعوا أن يقفوا ويثبتوا، وأن يبينوا ويوضحوا ويغيروا أفكار الآخرين، ويبدلوا آراءهم، بل بقوا أعزة، والناس يتساءلون: كيف هذا ضعيف قد هزم، ولا يزال مستعلياً، ولا يزال مفتخراً؟! إن هذا يلفت الأنظار، ويجعل الآخرين يفكرون أن هناك سراً، وأن هؤلاء الناس عندهم مبدأ قوي أصيل.
نحن نعرف أن الكافرين يحتاجون إلى دعوة، وبعض المسلمين يقيمون في بلاد الكفر مثل أمريكا وغيرها، وتجد بعضهم -وخاصة مع هذه الأحداث- ربما أصبح يتوارى بدينه، ويريد ألا يظهر إسلامه، وليس هذا من باب المداراة المطلوبة في كثير من الأحوال، ولها صور شرعية، بل بعضهم قد بلغ به الأمر مبلغاً أخطر من ذلك.
ونذكر بما وقع للصحابة رضوان الله عليهم عندما هاجروا إلى الحبشة، وكانوا غرباء بعداء، وجاء عمرو بن العاص ومن معه يريدون أن يؤلبوا النجاشي عليهم، فجاء بهم النجاشي ليسمع منهم، فأي شيء قالوا؟ هل قالوا: نحن قلة قليلة دعونا نعطيهم من القول ما يريدون، وغيروا وكونوا دوبلماسيين، وأعطوا صورة تنم عن الحضارة، واعترفوا -كما يقولون- بالرأي الآخر؟ ماذا قال جعفر ﵁؟ لقد قال كلمات فيها العزة، وفيها الدعوة والهداية، فكان من قوله ﵀: (كنا قوماً أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لنعبد الله وحده ، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، ونهانا عن الفواحش) إلى آخر ما قال.
ثم قال عمرو بن العاص الداهية المحنك في اليوم التالي: لآتينهم بما يبيد خضراءهم، فجاء إلى النجاشي وقال: إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً! وعيسى عند النصارى بعد أن دخل التحريف إلى ديانتهم هو الله أو ابن الله، وعند المسلمين هو نبي، فجيء بهم ليسألهم! ماذا عندهم في هذا؟ وهي قضية فاصلة؛ لأنهم إن قالوا ما يخالفه فقد يكونون عند ذلك هالكين، فأي شيء قالوا؟ عندما سئل جعفر عن ذلك قال: نقول فيه ما قاله نبينا محمد ﷺ : (هو كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه)، فقال النجاشي: (ما عدا ما قلت عودي هذا)، فنخرت البطارقة لموافقة النجاشي للمسلمين، فقال: (وإن نخرتم).
فانظروا إلى هذا الموقف كيف كانت فيه العزة، وكيف كان فيه نشر أنوار الهداية والدعوة، ولو أن المسلمين المعاصرين اعتزوا بإسلامهم لكان ذلك أعظم مواجهة لأعدائهم.
стр. 279
أهمية الإعداد لمواجهة الأعداء
ثالثاً: إعداد ومواجهة، لا إخلال ومداهنة، ولابد من المواجهة بإذنه ، الله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، والإعداد شامل لكل أنواع الإعداد: إعداد النفوس والأجسام، وإعداد العدة والعتاد، وإعداد الأمة توحيداً لصفوفها، وجمعاً لكلمتها، وإصلاحاً لأحوالها، والله قد بين لنا ما ينبغي أن نكون عليه، حتى لا نكون مداهنين لأعدائنا خوفاً منهم أو رغبة فيما عندهم، والناظر اليوم يرى أحوالاً عجيبة، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو المجتمعات أو الدول؛ فإن بعضاً من الدول تعلن أنها لا تعد، وأنها لا تواجه، بل إنها تسعى إلى مداهنة ومجاملة، وإلى شيء مما تظن أنها ترضي به أولئك الأعداء، ولم تفقه -رغم كل ما جرى ويجري- أنه لا يرضي أولئك إلا انسلاخ تام من الدين، وانقطاع كامل عن الأمة، وانبتات تام عن تاريخها؛ إنهم يريدون أن يهيمنوا ويسيطروا بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وكل ما تشمله الهيمنة؛ في اقتصاد أو سياسة أو غير ذلك، ونحن نقول: لابد للأمة أن تأخذ بأسباب هذا الإعداد.
وربما يقول الناس: إنها كلمة مطلقة، ونحن نقول: نعم، هي واسعة المدى، فما الذي فعلته فيما تملكه بيدك لتتوقى الأضرار والمفاسد والمخاطر التي يقدمونها لنا؟ لماذا ينتجون الأفلام المفسدة الفاسدة ونحن نشتريها بأموالنا، ونشاهدها، ونعرضها في قنواتنا على أبنائنا؟ أليس بإمكاننا أن نقطع هذا ونمنعه؟ لماذا يصنعون ونشتري دون أن نجتهد في أن نصنع ونكتفي بذواتنا؟! إن هذه القضايا الأولية مبدئية من جهة، وهي بداية لمثل هذا الإعداد؛ فإن كان أحدنا لا يريد أن يتخلى عن نوع بعينه من شراب أو طعام دون أن يستشعر أن ماله يعود لأولئك الصهاينة أو لأولئك الصليبيين أو لأمثالهم؛ فكيف يقول بعد ذلك: إنه يريد أن يكون مواجهاً لأعداء الله؟! لابد للأمة أن تأخذ بكل أسباب الاكتفاء الاقتصادي والاستقلال السياسي، ومما يعين على هذا التكامل فيما بين الأمة عموماً، ونحن نستطيع أن نحقق تكاملاً جزئياً فيما بيننا.
ولا شك أن من هذه الصور في الإعداد ترك الترف والسرف واللهو والعبث؛ لأن هذا ليس من الإعداد.
إن الأمة اليوم ينبغي أن تكون أمة جد واجتهاد، وأمة حزم وعزم، وأمة قوة وشدة؛ إذ لا مجال للرخاء والارتخاء، ولا مجال لكثرة الملهيات والمغريات، فما زلنا إلى اليوم نرى أنه قد عادت كل وسائل الإعلام إلى ما كانت عليه وربما أشد، وما زلنا نرى الرقص والغناء والطرب والكرة المستديرة هي الشاغل الأكبر والمقصود الأعظم، وكأنما ليس للأمة من اهتمام أو فائدة أو شيء تنشغل به إلا مثل هذه الأمور، فكيف يمكن أن تكون أمة الإسلام في مواجهة عدو أو في مرحلة مواجهة، وهي تنشغل بهذه المساحات العريضة الواسعة الذي نراه في شتى الميادين، وكأنما قد اختصر المجد والتقدم في رنة نغم، وركلة قدم، وجرة قلم، دون أن تكون هناك صور البناء والجد الحقيقية؟! لماذا تغيرت بعض هذه الأحوال قليلاً ثم عادت وكأن شيئاً لم يكن؟! إن الأمة لم تستيقظ رغم كل هذه الكوارث والنكبات التي ما زالت قائمة، بل هي متوالية، بل ربما هي كل يوم مشتدة أكثر فأكثر، والناظر في الأحوال يعلم ذلك، وما يجري في فلسطين، وما يجري في غير فلسطين كالعراق واضح بين، والناظر يرى كيف تفرض الأمور! وكيف تغير! وكيف تدار الرحى على الإسلام والمسلمين، وعلى الثابتين على الدين القائمين على مواجهة أعدائهم، ومع كل هذا ما زلنا نقول: إننا في مراحل، وكأنما قد انتهت مخاطرها، أو خفت حدتها، أو أصبحت نوعاً من الأمور المعتادة التي لا نحتاج فيها إلى تذكر وانتباه.
حين نذكر بمجمل هذه القضايا لأننا نجد أنفسنا ملزمين بها، ونجدها أمانة في أعناقنا، وواجباً على كواهلنا، فإن نحن قصرنا فيها كنا من أسباب ضعف الأمة، وكنا من أسباب حلول البلاء، وكنا من أسباب ارتفاع الرحمة، وكنا من أسباب ابتعاد النصر، فإن كل ذلك مربوط بسنة الله ، وسنته لا تحابي أحداً، ولذلك ينبغي أن نجتهد في كل هذه المعاني التي ذكرناها، ويذكر كل الناس وكل أفراد الأمة -من العلماء، والأمراء، وأصحاب الأمر والنهي- بواجباتهم، فإن لم يقوموا بذلك فليس ذلك عذراً لك، فإن الحجة قائمة عليك، وإن المسئولية بين يدي الله فردية، وإن الله سائلك عن كل ما استرعاك من رعية، وكل ما أعطاك من إمكانية، وكل ما رزقك من العمر، وكل ما أعطاك من الطاقات والإمكانات، ونحن نعرف حديث النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه: ما عمل به، وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه)، فلن يسألك الله عن حاكم وإن قصر إلا في دائرة ما تستطيع به من الإصلاح، ولا عن عالم وإن غفل إلا فيما تستطيع به أن تقوم بواجبك، لكن السؤال الأعظم لك ولي هو فيما هو تحت يدك، في الفريضة التي تركتها، وفي الواجبات التي قصرت فيها، وفي الملهيات التي انشغلت بها، وفي المنكرات التي ارتكبتها، وفي الأمانات التي ضيعتها، وفي المسئوليات التي لم تقم بها، وهذا هو المبدأ، وهذه هي البداية، وهذا هو ألف وباء حتى نصل إلى الياء، فلا تقفزوا في المراحل؛ فإن كثيراً منها بعضه مترتب على بعض، ومن وراء ذلك وقبله وبعده ومعه لن يغير أحد شرعاً من شرع الله، ولا حكماً من أحكام الله، ولن يبطل أحد كائناً من كان شريعة الجهاد الماضية بحديث النبي ﵊ إلى يوم القيامة، ولكننا نقول: سيروا على الطريق من أوله إلى آخره، وخذوا بالأسباب من جميع جوانبها، واحرصوا على التعرض الصحيح لنصر الله ؛ حتى يأذن الله جل وعلا بصلاح قلوبنا، وتغير أحوالنا، ووحدة صفوفنا، وقدرتنا على مواجهة أعدائنا، وهزيمتهم بإذنه عاجلاً غير آجل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 280
الأسئلة
стр. 281
نصر الإسلام مسئولية على الجميع
السؤال
هل يأثم الفرد على هزيمة الإسلام والمسلمين؟ وما دور الفرد في النصر؟
الجواب
هذا هو موضوع حديثنا الذي تحدثنا به، وكان كله منصباً في هذا الباب، وأؤكد مرة أخرى أننا نريد أن نواجه أنفسنا بكل وضوح وصراحة.
стр. 282
سبب ضرب الأمثلة بشباب الصحابة ﵃
السؤال
ضربت الأمثلة بشباب الصحابة، فلماذا لم تضرب لنا أمثلة في زماننا هذا؟
الجواب
نقول: الأمثلة كثيرة، والخير في أمة محمد باق، لكن تلك الأمثلة تتميز بعدة مزايا: أولاً: أنها أمثلة قد جمعت من أسباب وصور الكمال أكثرها.
ثانياً: أنها أمثلة قد احتف بها ووضح فيها ارتباطها بأصالة المنهج في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ثالثاً: الأمثلة هي الأمثلة، وليس بالضرورة أن يكون المثال هنا أو هناك، ولماذا نقول: إنه إذا ضربنا الأمثلة بالصحابة فنحن نتكلم عن تاريخ مضى لا يمكن تكراره، ولا تمكن إعادته؟ هذا ليس بصحيح؛ فكل مثال قديماً كان أو حديثاً له أثره، ونحن إذا أردنا أن نسرد الأمثلة فالتاريخ كله -عبر مراحله المختلفة- لم يخل من رجال كانوا رجال صدق وإيمان، وإسلام وقوة وعزة في كلما مر بهم من الخطوب والأحوال، وهذا أمره واضح بين.
стр. 283
مواجهة الأعداء مسئولية الجميع
السؤال
المواجهة مع العدو ستجر حتماً إلى المواجهة مع الأنظمة والحكومات، ألا تعتقد بأن أقل ضرر أن يترك الأمر على أولياء الأمر وعليهم الوزر والخطيئة؟
الجواب
نحن معاشر المسلمين والشعوب في كثير من الأحوال مع كثرة هذه المشكلات أصبحنا ننفس عن أنفسنا بالنقد الدائم على الحكومات والدول والمسئولين، ولا يعني ذلك أن هؤلاء براء، وأنهم ليسوا مفرطين ومقصرين، لكننا لا نقول ذلك حتى نبرئ أنفسنا من المسئولية، بل كلٌ في رقبته وعنقه مسئولية وأمانة لا تبرأ بمثل هذا.
وعندما نقول ذلك على سبيل الإصلاح والدعوة ينبغي أن يكون بوسيلته الصحيحة، وليس هكذا كلاماً وجعجعة في الهواء وصراخاً في وسائل الإعلام لا على هدي ولا على منهجية ولا بطريقة ولا بآلية يصل بها الأمر إلى ما قد يرجى به الخير والإصلاح.
ونقول كذلك: هل يمكن أن يصلح الحكام والأمراء وتبقى الرعية فاسدة فيكتمل الأمر؟ لا، بل هي حلقات لابد من اكتمالها، فإن لم تكمل ما بيدك وما هو تحت أمرك، وما هو في طاقتك وقدرتك؛ فكيف تكمل غيره؟! ولكننا نقول أيها الإخوة: ينبغي ألا نكون عاطفيين ومندفعين، وينبغي أيضاً ألا نكون بعيدين عن الوعي والإدارات، وعن معرفة الحقائق والمخاطر، وعن معرفة الأسباب والمسببات، ولكن كل ذلك يحتاج إلى بصيرة ووعي وحكمة، والأمور العظيمة الكبيرة لا ينبغي أن ينفرد بها آحاد الناس ليقرروا فيها، ولينفذوا فيها ما رأوه من القرار دون أن يعرفوا كثيراً من الجوانب المحتفة بها، والأمور اللازمة لها، ودون أن يتشاوروا مع غيرهم؛ لأن هذا الأمر لا يخصك وحدك، بل يخص الأمة؛ فإذا صنعت صنيعاً كنت فيه مخطئاً ربما جررت على غيرك وعلى أهل الإسلام ما يكون أعظم وأكثر ضرراً مما أردته من الإصلاح، فهذه مسألة مهمة.
ثم أيها الإخوة! نحن أيضاً علينا واجب، وندرك أن كل الحكام والأمراء والمسئولين هم من بني البشر، وهم في أصلهم على إسلام وإيمان، فلم لا يكون لنا أمل في أن تكون هذه الأحداث كما أيقظتنا نحن من غفلة أن توقظهم، وأن يكون هناك أسبابٌ تؤخذ حتى يتكامل الإصلاح من جوانبه كلها؟ نحن نعرف أن أعداءنا يريدون أن يلعبوا على الحبلين، وأن يشقوا الصفوف؛ لأن الفرقة -حتى ولو كانت لها بعض الأسباب الصحيحة- لو شاعت وكثرت في المجتمعات بالمهاترات والمخاصمات والمعارضات والاعتراضات؛ شغلت بها الأمة، وكان بأسها بينها، وصارت أحوالها متعارضة داخل صفوفها، ولا مصلحة في هذا، ولا خير في هذا إلا لأعدائنا، فينبغي أن نكون أصحاب فطنة وتفويت للفرص على أعدائنا، ونتقي ونترك شيئاً من الشر لأننا لا نريد أن يكون ما هو أعظم منه، وهذه مسألة مهمة.
فهل ترون هذه الأزمات التي تمر بالأمة بداية للخلافة الإسلامية التي بشر بها النبي ﵊؟ أقول: إن نحن أخذنا بما تذاكرنا به الآن، وبدأنا بالتغيير الصحيح فإن الله وعد وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، لكننا إن بقينا على ما نحن عليه فذلك هو الخطأ.
وأقول متفائلاً ومستبشراً: لابد أن نشيع في أنفسنا الأمل بإذن الله ، فالخير في أمة الإسلام، واليوم تيقظت كثير من العقول، وحيت كثير من النفوس، وارتفعت كثير من العزائم، وسمت كثير من الهمم، وتنادى الناس إلى الخير، وتواصوا به، ونحن نريد أن نجعل هذا دائماً ومستمراً وزائداً ونامياً حتى يكون فيه -بإذن الله بشارات، ونحن اليوم في خير كثير لم يكن ليحصل لولا ما قدر الله من هذا الأمر وهذه الأحداث، فهل أحد يشك اليوم في عداء الأعداء؟ وهل أصبحت هناك غشاوات ما زالت تعمي العيون أم أنها قد أصبحت عارية مكشوفة واضحة؟ أنى لنا ذلك؟ وكيف حصل ذلك؟ وكيف يمكن أن يصل إلى هذا؟ قبل ذلك كنت تقول: هؤلاء الكفار يفعلون أو هؤلاء خطيرون، ويقول لك القائل: يا أخي! أنت مبالغ، وأنت لا تعرف، وأنت تتكلم كثيراً، واليوم بحمد الله قد تغير كثير من ذلك، وفي هذا خير، وما يجري به قدر الله لابد أن نوقن أن فيه الخير، فنلتفت إلى هذا القدر ليكون لنا فيه نفع، كما قال ﵊: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).
стр. 284
الدعاء مطلوب في كل وقت
السؤال
لماذا الدعاء في القنوت كان جائزاً عند الحرب والآن ليس جائزاً؟
الجواب
نقول: ليست هذه هي المسائل، ولا تعرض بهذه الطريقة، ونحن نعلم أن أمتنا في جملتها في بلاء، ليس اليوم بل من قبل خمسين عاماً وستين عاماً وهي في بلايا، وفيها نوازل، فهل يكون الدعاء دائماً؟ لكن إذا تجددت نازلة جاء الدعاء، وإذا خفت نازلة لا يعني أنه إذا لم ندع في القنوت في كل يوم فإننا لا ندعو ولا نقنت، بل ربما نقنت في الفريضة، وإذا لم يقنت الإمام فهل يعني ذلك أن الدعاء توقف؟! هذه قضية مهمة، وقد ذكرتها، وأقول: نحن لا ندعو دعاءً دائماً متواصلاً بما ندعو به في أحوال الكرب والشدة من لجوئنا إلى الله، ومن استنصارنا على أعدائنا به .
فلابد أن نديم الدعاء، سواء في صلواتنا أو في خلواتنا أو في جلواتنا أو في مجالسنا، ولابد أن نجعله دائماً وأبداً؛ حتى يكون ارتباطنا بالله وطيداً وقوياً ودائماً، وليس مؤقتاً وعارضاً بحسب ما يحصل؛ لأن الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].
وقال النبي ﵊ في توجيهه لـ ابن عباس: (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، ونحن لا ندعو إلا إذا اشتدت الأمور وعظمت الخطوب، وإذا جاءت أوقات فيها شيء من الهدوء والسكينة نسينا الدعاء، ونسينا التعلق بالله ، وهذا من الخطأ.
стр. 285
قضية المسلمين واحدة في كل مكان
السؤال
هل ضاع العراق من أيدينا؟ وهل سلبت بغداد منا؟
الجواب
لم الآن نركز على هذا السؤال؟ ألا ينطبق هذا السؤال على فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى؟ ألا ينطبق هذا على أفغانستان؟ ألا يسري هذا على كل المواقع حتى البوسنة والهرسك؟ عندما هدأت الأحداث في البوسنة نسيناها، فهل انتهت قضيتها؟ وهل تحسنت أحوال المسلمين فيها؟ وهل انتهت مشكلاتهم؟ كلا! ولكننا نحن في فترات ماضية كنا دائماً نُضرب -كما يقولون- على أقفيتنا، ثم بعد ذهاب حرارة تلك الضربة ننتبه، ونرفع رءوسنا، ونمشي وكأن شيئاً لم يكن، فأقول: الأحداث اليوم قد جاءت عظيمة ضخمة سافرة كاشفة عن أنيابها، واضحة في مقاصدها، ولعلها تكون داهية أصبحت اليقضة بعدها أوسع وأقوى، ولئن قال هذا السائل مثل هذا السؤال، فنقول: إذا دامت الغفلة، ولم يحصل الإصلاح والتغيير والجد والنشاط والعزم والحزم ربما يأتي سؤال بعد فترة من الزمان تطول أو تقصر ويكون السؤال عن بلد غير البلد، وعن مدينة غير المدينة، وإذا لم نغير أحوالنا قد يصل الحال إلى مثل هذا الذي يقوله السائل وأكثر منه.
نسأل الله أن يبرم لأمتنا أمر رشد؛ يعز فيها أهل طاعته، ويذل فيها أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
ونسأله لأمتنا وحدة من بعد فرقة، وعزة من بعد ذلة، وقوة من بعد ضعف.
ونسأله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا معتصمين بكتابه، متبعين لسنة رسوله ﷺ ، مقتفين لآثار أسلافنا رضوان الله عليهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →