← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

عوائق التوبة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن نعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم العظيمة: فتح أبواب التوبة، وهذه مواسمها العظيمة التي يبسطها الله ويعيدها علينا مرة بعد مرة، وعبادة إثر عبادة؛ حتى تفيء القلوب إلى الله، وتلهج الألسن بالاستغفار لله، وتعاود الجباه السجود لله . واعلم أخي المؤمن أن ثمة عوائق قد تصدك عن التوبة، ولابد أن تدركها وتعرفها، ولابد أن تتجاوزها وتقفز من فوقها؛ لئلا تجعل حاجباً وحاجزاً بينك وبين الله، فلا تتحقق حينئذ بكمال العبودية لله، ومن أعظم هذه العوائق.

стр. 2382

التسويف العائق الأول: التسويف الذي يستخدم سوف والسين، وغداً وبعد غد، وإذا تفرغت لكذا وكذا، أو قضيت نهمتي من شبابي أو نحو ذلك. وما يدريك أن أجلك يمتد إلى أن تبلغ هذا المبلغ فتتوب وتستغفر؟ وما يدريك أنه إذا امتد أجلك سيكون في قلبك إخبات وخضوع وخشوع لله فتتوب وتستغفر؟ ألم تسمع قول الحق جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]؛ فأي ضمان لك أن يضرب على قلبك ويسود بتكاثر الذنوب فيموت ويعمى فلا يعود فيه أثر لإشراقة إيمان، ولا أمل لبارقة توبة؛ ويختم على قلبك كما يختم على قلوب أهل النفاق؛ فتظلم نفسك وروحك فلا يكون عندك انبعاث إلى توبة ولا طاعة؟ نسأل الله السلامة. قال ابن القيم ﵀: مثل المسوف كمثل رجل أراد أن يقتلع شجرة من الأرض، فلما جاء وجدها قوية راسخة في الأرض فتركها، وقال: أرجع إليها بعد عام، فإذا رجع إليها بعد عام كانت قد امتدت جذورها، وعظم رسوخها، وصعب قلعها، وكان هو قد امتد به العمر ووهنت قواه، وكلَّ عن ممارسة هذه العملية المهمة، فليس هناك أحمق من هذا الذي يترك الأمر حتى يعظم، فلئن عجز عنه وهو في مبتدئه فهو عنه في منتهاه أعجز، فلا تجعل التسويف قنطرة يقودك بها الشيطان من ذنب إلى ذنب، ومن واد للشهوات والملذات المحرمة إلى واد آخر، فما تزال تتردى من حفرة إلى حفرة إلى واد سحيق، إلا أن يتداركك الله برحمته.

стр. 2383

التهوين العائق الثاني: التهوين، أي: تهوين بعض المعاصي، وبعض الناس إن قلت له: استغفر الله أو تب إلى الله، قال: ما عملت شيئاً، يظن أنه لا يستغفر إلا إذا ارتكب أكبر الكبائر وأفظع الفظائع، وما يدري أنه ينبغي له أن يستغفر ويتوب من تقصيره في ذكر ربه وتعظيمه لمولاه ، أليس قد غفر الله جل وعلا لرسوله ﵊ ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ وأليس هو القائل ﵊: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة)، وفي روايات أخرى: (مائة مرة)؟ أليس هو ﵊ القائل: (أفلا أكون عبداً شكوراً)؟ وأي ذنب هذا الذي نستهين به ونستصغره ونحن قد وقعنا فيما هو من العظائم والفظائع التي لم ندركها؟ أليس قد قال النبي ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً)؟ كلمة من سخط الله تقولها -وما أكثر ما نقول- لا تلقي لها بالاً، لا تظنها من الأمور التي ينبغي أن يطول ندمك عليها، وأن يعظم استغفارك عنها، تهوي بها في النار سبعين خريفاً. ألم تستمع لفقه أهل الإيمان من صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان؟ ألم تسمع لما صح عن ابن مسعود: (إن المؤمن يرى الذنب كأصل جبل يوشك أن يقع عليه، وإن المنافق يرى الذنب كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا؟) فمن استهان بالذنوب فإنه يشبه المنافقين في عدم تعظيمه وتوقيره لرب العالمين. ألم تستمع لقول أنس في الصحيح: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر -أي: تستهيون بها، وترونها هينة سهلة- كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) لحياة قلوبهم، ولتعظيم ربهم، ولاستعظامهم لما يقع من مخالفة العبد لربه، وارتكابه ما حرمه عليه، وهم من هم ممن كانوا على قدم وساق في الطاعات، وعلى شدة ورع واحتياط من ترك الشبهات فضلاً عن التخلي والبعد عن المحرمات. أليس قد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (إني قد أدركت أقواماً هم أخوف ألا تقبل منهم حسناتهم منكم من أن تحاسبوا على سيئاتكم؟) فمن سلف كانوا يخافون رغم طاعاتهم أن يحرموا القبول، فما يزال خوفهم يملأ قلوبهم، ويجري بالدموع عيونهم، ويذل لله جباههم، ويديم على مدى الزمان ندمهم وكثرة طاعتهم وعبادتهم، وما يزال في قلوبهم الخوف، كما أخبر النبي ﷺ عندما سألته عائشة عن قوله : (﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت: هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه). وهذا بلال بن سعد يقول: (لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت). فهذا هو الذي ينبغي أن تستحضره، وإياك وتهوين الذنوب.

стр. 2384

تعظيم الذنب العائق الثالث: التعظيم: وهو تعظيم الذنب الذي يوقعه الشيطان في نفسك، فيقول: وأنى لك التوبة؟ وكيف تحصل لك المغفرة وأنت قد فعلت؟ كيف وكيف وكيف؟ وقد اقترفت كذا وكذا، وقد تقحمت من المعاصي والذنوب الكبار ما لا يعلمه إلا الله؟ فقل له: اخسأ يا عدو الله! فإن أبواب التوبة مفتوحة، وإن الله لا يتعاظمه ذنب. وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية أنس عن رسول الله ﵊ عن رب العزة والجلال قال: (يا بن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً؛ لقيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي)، لا تستعظمن الذنب فإن استعظام غفران الذنب من الله دليل على عدم معرفة الله، وعلى عدم الصلة الحقيقية الإيمانية بالله، ولذلك ينبغي ألا يصدك الذنب عن التوبة بل ينبغي أن يقودك الذنب إلى التوبة وما حيلة إبليس إلا بث اليأس في نفوس أهل الإيمان، ولا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون. فينبغي أن نتذكر قول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، ومن الذي يمنع رحمة الله أن تصيبك يا أخي المؤمن؟ ومن الذي يمنع قدرة الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أن يغفر ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر؟ أليس قد قال المصطفى ﵊ فيما صح من رواية أنس عمن صلى ثم قال دبر صلاته: (سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وختم تمام المائة بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قال: إلا غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، فالله لا يتعاظمه ذنب؛ فثق بعظمة مغفرة الله ، ولا يصدنك التعظيم إلا الشرك؛ فإن الله قد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فتعرض لمشيئة الله، وانطرح بين يدي الله، ولا يغوينك التاريخ السابق والأعمال السابقة فإن الإسلام يجب ما قبله، وإن التوبة تجب ما قبلها، وإن الصلاة إلى الصلاة مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، وإن الحج يغفر الذنوب جميعاً ويرجعك بإذن الله من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، فلا تكن هذه الفرية وهذه الشبهة صادة لك عن التوبة.

стр. 2385

التردد في التوبة العائق الرابع: التردد الذي يجعل الإنسان يحجم عن التوبة؛ لأنه يقول: ومن يضمن لي ألا أضعف فأعاود المعصية مرة أخرى؟ ونقول: هذه حيلة إبليسية شيطانية، اعزم على ألا تعود، فإن ابتلاك الله وعدت للذنب فجدد له توبة أخرى كما كان للذنب الأول، وبهذا تكون لك عبادة أخرى إن أخلصت لله . وورد في صحيح مسلم: (أن عبداً أذنب ذنباً فاستغفر ربه، فقال الله لملائكته: أعلم عبدي أن له رباً يؤاخذ بالذنب ويغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت له. ثم أذنب الثانية فاستغفر ربه، فقال الله : أعلم عبدي أن له رباً يؤاخذ بالذنب ويغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت له. ثم فعل الثالثة) فتكرر القول والله لا يعجزه شيء لكن لا يكون ذلك على سبيل الاستهتار والتهاون، وإنما يعزم ويصدق، فإذا غلبته غفلة أو استذله شيطان تذكر مرة أخرى وعاد ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١].

стр. 2386

التأثر بالبيئة العائق الخامس: التأثر بالبيئة: فالناس ربما يفعلون أفعالاً لا يتوبون منها ولا يستغفرون؛ لأنهم يرون الآخرين يفعلون فعلهم فيظنون أن الأمر فيه سعة، وهذا مقياس عجيب وافتراء غريب من أهل الإيمان، فمتى كان فعل الناس حجة؟ ومتى كانت أقوال الناس حكماً؟ إن العبد ينظر في فعله وله في ذلك عدة أنظار: الأول: ينظر في فعله؛ فينظر إلى الأمر والنهي، فإذا نظر إلى الأمر والنهي الوارد عن الله وعن رسوله ﵊ علم إن كان وقع في مخالفة أو لا، وليس إلى أعراف الناس أو أقوالهم. الثاني: له نظر آخر بعد تيقنه من وقوعه في الخطأ؛ ينظر إلى الوعد والوعيد فيخاف من الوعيد ويرجو في الوعد أن يوصله إلى التوبة ولا يتأثر بذلك. نسأل الله أن يمن علينا بالتوبة وبدوام الاستغفار، وأن يجعلنا من التائبين المستغفرين، وأن يجعلنا من النادمين على ما سلف منا من التقصير والتجاوز لحدود الله . اللهم مُنَّ علينا بالعفو والعافية، ومغفرة الذنوب يا رب العالمين، اللهم إنا نتوب إليك توبة نصوحاً فتقبل توبتنا يا رب العالمين، اللهم إنا نستغفرك من جميع ذنوبنا فاغفر لنا يا غفور يا رحيم، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين، اللهم تولَّ أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وطرفاً دامعاً، ونفساً مطمئنة، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك، وأفقر الفقراء إليك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة، واغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، ومن عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم زد إيمانهم، وعظم يقينهم، وثبت أقدامهم، ونفس كربهم، وفرج همهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم اصرف عن بلدنا هذا خاصة الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وعن سائر بلاد المسلمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وارزقهم بطانة صالحة تدلهم على الخير وتحثهم عليه، وتنهاهم عن الشر وتمنعهم منه يا سميع الدعاء. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم بالذكر والقدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2387

ترحيب وتذكير الترحيب والفرح بشهر رمضان دليل على حب العبد لعبادة ربه ؛ لأن رمضان شهر عبادة وطاعة؛ وصيامه أحد أركان الإسلام الخمسة، فعلى العبد المسلم أن يفرح بقدوم هذا الشهر الكريم، وأن يشمر عن ساعد الجد والاجتهاد في عبادة ربه وطاعة مولاه في هذا الشهر.

стр. 2388

الترحيب بشهر الصيام الحمد لله خالق البريات، رب الأرض والسماوات، جعل لنا في أيام دهره نفحات، يفيض فيها الخيرات، وينزل فيها البركات، ويضاعف فيها الحسنات، ويمحو فيها السيئات، ويرفع فيها الدرجات، فله الحمد جل وعلا ملء الأرض والسماوات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبيناً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعه واقتفى أثره ونهج نهجه إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! ترحيب وتذكير بهذه المناسبة العظيمة التي يكون فيها غرة شهر رمضان يوم الجمعة، وفي أوله جمعة، وفي آخره جمعة، وفيه زيادة جمعة، فهي خيرات بعضها مع بعض، وبركات بعضها فوق بعض، فجدير بنا أن نرحب بشهرنا، وحري بنا أن نفرح بفريضتنا، وحري بنا أن نفرح بالرحمة التي أظلتنا، والمغفرة التي أحاطتنا، والبركات التي تنزلت علينا، ولا شك أنه -ونحن نبتدئ شهرنا مثل هذا اليوم الأغر الذي نستمع فيه إلى الذكرى والعظة- ينبغي أن يكون أمرنا وحالنا أوجب في أن تكون انطلاقتنا أقوى، ومسيرتنا أقوم، وأخذنا للخير أعظم، وصلتنا بالطاعة أدوم، وذلك ما لعلنا نذكر به أنفسنا في مطلع شهرنا. فمرحباً بشهر القرآن، ومرحباً بشهر الصيام، ومرحباً بشهر الإنفاق، ومرحباً بشهر الصلة والتراحم، ومرحباً بشهر الذكر والدعاء، ومرحباً بكل الخير الذي يسوقه الله لنا في هذه الأيام المباركة، والليالي المنورة، والموسم العظيم، فمرحباً رمضان مقرباً إلى الجنان، ومباعداً عن النيران. وهل عندنا معاشر المسلمين! من غاية أعظم من أن نتعرض لنفحات الله، ونستوجب دخول جنته برحمته؟! وهل هناك هاجس أكبر عند كل مؤمن من أمله في النجاة من النار وبعده عن سخط الجبار، قال : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]؟!

стр. 2389

بعض فضائل شهر رمضان رمضان شهر له بدخول الجنة تعلق عظيم، كما ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة عن رسول الهدى ﵊ أنه قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، وفي رواية أخرى أطول، قال ﵊: (أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم) رواه الإمام أحمد والبيهقي والنسائي. وإذا تأملنا هذا الحديث نجد أنه إعلان عظيم ظاهر بين فيه أن هذا الشهر موسم من مواسم الجنة، تهفو النفوس والأرواح شوقاً إليها، وتخف الأبدان سعياً وعملاً وطاعة وتقرباً وتعرضاً لنفحاتها، ويعظم في القلوب أخذ أسباب النجاة من النار في ألوان وصور مختلفة من العبادات والطاعات، قال الحليمي في مثل هذا الحديث وشرح معناه: إن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره -أي: في غير رمضان- لانشغالهم -أي: لانشغال المسلمين- بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر. وفي رواية لهذا الحديث: (غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر) وهذا من فضل الله . وقال الطيبي في شرح الحديث: فيه فائدة توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق المصدوق ﷺ ما يزيد نشاطه ويتلقاه بأريحية، هذا خبر الصادق المصدوق يخبرنا فيه بهذه الأخبار، وكأن الله جل وعلا يعلن في الملأ الأعلى وبين ملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون: أن هذا موسم عظيم، وأن أهل الإيمان والإسلام فيه يكونون على حال عظيمة تفتح أبواب السماء وأبواب الجنان، ويشعر بذلك ملائكة الرحمن، ويخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ ، فيكون حينئذٍ انبعاث النفوس، واشتياق القلوب، وشحذ العزائم، وقوة الهمم في الطاعة لله . ونحن في مفتتح الشهر وفي بدايته وأوله نستمع لهذا القول، ونردد هذه الآيات، ونكرر تلك الأحاديث؛ حتى يكون ذلك عوناً لنا على طاعته ، ومن جهة أخرى تذكير بالتفريط، وتحذير من التقصير، قال غير الطيبي في شرح هذا الحديث: فيه رفع عذر المكلف، فكأن الله جل وعلا يقول: كفت الشياطين فلا تعتذروا بهم. وكم نسمع من القول: إبليس والشيطان، فالله جل وعلا جعل هذا الموسم بعيدة فيه قدرة الشياطين على تسلطها على المؤمنين، وقد قال أهل العلم: إنه تغل فيه مردة الشياطين كما ورد في الحديث، أو أنهم لا يصلون إلى ما يصلون إليه في غيره، والحال في جملته أن ذلك الأثر الذي يزل الإنسان ويغويه ويغريه ويصرفه عن طاعة الله، ويقعده عن الخيرات أنه منقمع منحسر ذليل، وذلك يفسح المجال واسعاً لكل من يريد الاستزادة من الخير، فإن الطريق ممهدة، وإن العقبات قد أزيحت وأزيلت وخففت، فما على المرء إلا أن يشحذ همته وعزمه، وأن يخلص نيته وقصده، وأن يبدأ عمله وجده في طاعة الله . ونحن نقول ذلك ونحن ندرك صلة الصيام الكبرى والعظمى بالتقريب من الجنان والمباعدة من النيران، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً). وقوله (يوماً) في الحديث مطلق لا يدل على أنه فرض، بل يكون تطوعاً، فكيف بثلاثين يوماً تصومها في سبيل الله، وإخلاصاً لوجه الله، وتنفيذاً لفريضة الله، وابتغاءً لرحمة الله ؟! لاشك أن مباعدتها عن النار عظيمة، فأخلص النية ينلك ثواب الله ، وتدركك رحمته، وينجز لك وعده بإذنه . وكلنا يعلم حديث المصطفى ﷺ عند البخاري في قوله: (الصوم جنة)، وفي رواية النسائي: (الصوم جنة من النار كجنة أحدكم من القتال)، إنه درع حصين يقيك ويصرفك بإذن الله عن العذاب، فإن عذاب جهنم كان غراماً. وكلنا من أعظم أهدافنا وأكثر دعائنا سؤالنا الله جل وعلا أن يباعد بيننا وبين النار، وأن يجعلنا من أهل الجنان، وهذا هو الموسم الأعظم، وتلك هي الفرصة الكبرى، وتلك هي الأبواب المتنوعة التي كلها لها صلة مفردة بأمر الطاعة والتقرب إلى الله ، والتعرض لدخول الجنان. ثم كذلك نعلم جميعاً الاختصاص الرمضاني بالجنة، كما قال ﷺ : (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، خاص بأهل الصيام، ينادى يوم القيامة: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل معهم غيرهم) فأي فضيلة أعظم من هذا؟! وأي تعرض لدخول الجنة في موسم أكبر وأوسع من هذا؟! فما على أحد إلا أن يشد الحزم ويبدأ العمل. وفي رواية النسائي: (للصائمين في الجنة باب يقال له: الريان، لا يدخل فيه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق، ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً).

стр. 2390

أهمية استغلال شهر رمضان وترك الكسل والتخاذل لا شك أننا نعجب من حالنا وغفلتنا وتقصيرنا في موسم عظيم ونحن كسالى، وفي موسم فيه من تنوع الأجر والثواب وتنوع الأعمال ما فيه ونحن ما زلنا في كسل وتراخٍ، عجبت للجنة نام طالبها! وللنار نام هاربها! كيف نريد أن نبلغ الجنان، وأن نبلغ فردوسها الأعلى، وأن نتعرض لرحمة الله ونحن في الليل ساهرون في عبث، وفي النهار نائمون عن طاعة؟! أليس ذلك حال كثير منا أو بعض منا في مثل هذا الشهر من كل عام؟! وقد نسمع هذا الكلام في منتصف الشهر أو في ثلثه الأول أو نحو ذلك، لكن فرصتنا الكبيرة أننا نسمعه ونذكر به في أول يوم، ومع افتتاح أول أيام هذا الشهر الكريم والفريضة العظيمة، فهل من سبيل إلى تغيير حقيقي، وتدارك للتقصير والتفريط، في موسم لا يقبل مثل ذلك، ولا يتصور من عاقل وقوع ذلك؟ ولابد لنا أن نكون متواصين بالحق ومتواصين بالصبر في موسم الخير، ولابد لنا كذلك من مصارحة بل ومقارعة، فإن حالنا هذا متكرر في كل عام، والقول يُعاد، والمواعظ تتكرر، والأحاديث تُروى، والآيات تُتلى، والمحاريب يُتلى فيها القرآن، ومع ذلك نجد كثيراً من تلك السلبيات، وكثيراً من ذلك التقصير والتفريط، وكأنه لا أمل في التغيير، وكأنه لا سماع لهذا القول، ولا تغير له في العزائم، وذلك ما ينبغي أن نبرأ منه، فنحن مؤمنون ومسلمون، ونحن عقلاء وذوو ألباب، فكيف نصنع ما يصنع المفرطون والمقصرون، وما يصنع الحمقى والمغفلون؟! نبرأ إلى الله من ذلك. مرحباً برمضان منقذاً من الغفلة والنسيان، ومفعماً بالذكر وتلاوة القرآن، فكم نحن في حاجة إلى أن نروي ظمأ القلوب بذكر الله وتلاوة آياته، وكم نحن في حاجة إلى أن تخضر نفوسنا التي تصحرت من كثرة غفلتنا ولهونا وعبثنا، ولغو قولنا، وسوء فعلنا، وغرقنا في شهواتنا، فرمضان شهر ينتشلنا من هذه الغفلة، ويستنقذنا من ذلك النسيان، ويغمرنا بذكر الله ، ودعائه وتلاوة آياته، حتى تكاد ألسنتنا لا تفتر من ذكر حتى تبدأ في تلاوة، ولا تنتهي من تلاوة حتى تشرع في دعاء، ولا تنتهي من دعاء حتى تبدأ في قراءة كتاب علم أو نحو ذلك، فما أعظم هذه الذكرى!

стр. 2391

الصلة بين القرآن والصيام في شهر رمضان ما أجل هذا الموسم! تحيا به القلوب، وتزكو به النفوس، وترشد به العقول، وتستقيم به الجوارح على طاعة الله ، وكلنا يدرك ذلك، فكم لهذا الشهر من خصيصة تربطه بالقرآن، كما قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. وكلنا يعلم كيف كان الرسول ﷺ يخبرنا فيقول: (كان جبريل يدارسني القرآن في كل رمضان)، إنه موسم هذا الكتاب العظيم، إنه موسم الآيات القرآنية التي فيها تقويم كل معوج، وسداد كل نقص، وصواب كل رأي، وهداية كل أمر، فكم نحن غافلون عن كتاب ربنا، مبتعدون عن نور آياته، مبتعدون عن أضواء هدايته، غافلون عن الخير الذي ساقه الله لنا فيه! لقد جاءت مرة أخرى فرصة عظيمة ينبغي لكل مؤمن عاقل أن يستثمرها، وأن يستغلها، وأن يدرك عظمة الاختصاص في وجوه كثيرة قد ذكرنا بعضاً منها، وبعضها تحكيه روايات وأحاديث أخرى، ومنها حديث المصطفى ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوات في النهار، ويقول القرآن: أي رب! منعته النوم في الليل، فيشفعان فيه)، فما أعظم هذان الشفيعان الملتقيان في شهر رمضان، فنحن في شهر رمضان صائمون، ونحن في شهر رمضان للقرآن تالون، فنحن نجمع الشفاعتين معاً، ونزجيهما بين يدي الله أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، فإذا تعرضنا للرحمة نفحنا منها، وإذا تعرضنا لمغفرته أصابنا بها، وإذا تعرضنا لرضوانه أكرمنا الله جل وعلا به، فما بالنا مرة أخرى نقصر ونفرط؟ وفي حديث الترمذي من رواية النعمان بن سعد عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقال أعرابي: يا رسول الله! لمن هي؟)، أي: لمن هذه الغرف التي يصفها سيد الخلق ﷺ وصفاً تشرئب إليه الأعناق، وتتوق إليه القلوب، وتتعلق به النفوس المؤمنة؟ (فقال ﷺ : لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام)، وكلها في شهر الصيام، كلها في تفطير الصائمين، كلها في هذه الكلمات الطيبة التي نتحدث بها ونمسك فيها عن قول الباطل، قال ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، فإن سابه امرؤ أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم)، وكل هذه تتحقق في هذا الشهر، فكأنها أيضاً بشارة نبوية مصطفوية لمن يريد بلوغ تلك الغرف العالية التي وصفها المصطفى ﷺ . والأمر أوسع من ذلك، والأبواب مفضية إلى صلة الصيام بالقرآن، وإلى صلته بالجنان أكثر تنوعاً، وأعظم من أن يحيط بها حديث قصير في مثل هذا المقام، ولكننا أيضاً مرة أخرى نقول مذكرين: هل القرآن هو الآيات التي تتلى هذاً كهذ الشعر من غير تدبر ولا تذكر، ولا تأمل في المعاني، ومن غير التزام وامتثال وتطبيق للأوامر، ومن غير اجتناب ومباعدة ومفارقة للنواهي؟ وكيف يكون حالنا؟ وهل نريد أن يكون القرآن حجة علينا أم لنا؟ وما بالنا ونحن نقرأ آيات القرآن ونجد كثيراً من المفارقات بين ما يأمرنا به وبينما نفعله، وبينما ينهانا عنه وبينا نقترفه؟ إنها فرصة كذلك لنجعل المطابقة بينما جاء في الآيات التي تُتلى وبين الواقع الذي نعيشه، والعمل الذي نمارسه، والقول الذي نتلفظ به. ولذلك فإن القرآن العظيم اليوم في واقع أمتنا يحتاج منا إلى قراءة بالقلوب، وتدبر بالعقول، يصطحبان معاً مع تلاوة الألسنة، وكم نحتاج أن نتلو الآيات وأن نختم الأجزاء! ولكن ينبغي أن نجعل لنا حظاً من التلاوة مخصوصاً بالتدبر والتأمل فيما هو حالنا وفيما عليه وما أمرتنا به آيات ربنا، فإنها فرصة تدبر عظيمة، فنحن نقرأ قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ثم لا تتحقق أخوتنا، وتتنافر قلوبنا، وتتقاطع صفوفنا، ونجد من أحوالنا نفرة وفرقة عجيبة لا يصح ولا يقبل أن تكون بين أهل إيمان وإسلام، وأهل صلاة وصيام، وأهل حج وعمرة، وأهل وحدة جامعة، ونحن نرى ما يحل اليوم في هذه الساعات وفي هذه الأوقات، وفي مفتتح هذا الشهر بإخواننا في أرض فلسطين، وإخواننا في أرض العراق! فأين نحن من الآيات التي تذكرنا بالوحدة؟! وأين نحن من الآيات التي توجب علينا النصرة؟! وأين نحن من الآيات التي تذكرنا بأننا أمة واحدة؟! وأين نحن من واجباتنا ليس في دائرة صغيرة ضيقة، بل في الدائرة الرحبة الواسعة مع بداية هذا الشهر، ومع بداية تلاوة القرآن، ومع بداية ختمة وافتتاح ختمة ينبغي أن نشعر وأن نتذكر وأن نتواصى بأن نجعل القرآن منهج حياة في كل صغيرة وكبيرة، فيما هو محيط بنا، وفيما هو بعيد عنا، فيما هو يخصنا كأفراد، وفيما يخصنا كأمة مسلمة كاملة.

стр. 2392

فرصة التخلص من الشهوات والمعاصي في شهر رمضان مرحباً بشهر رمضان صارفاً عن الشهوات، وسائقاً إلى الطاعات، وتلك فرصة عظيمة أيضاً، فإن الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم تضيق مجاريه بهذا الصوم، ولقد أرشد المصطفى ﷺ إلى ذلك، كما جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن شباب لا نقدر على شيء -أي: لا نملك ما نستطيع به أن نتزوج- فقال: يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). إن الصوم علاج للشهوات المستعرة، وللنزوات الآثمة، إنه يقمع تلك الشهوات ويعالجها بعلاج مزدوج نافع، فإنه أولاً بهذا الصوم وترك الطعام والشراب يضعف انبعاث النفس إلى شهواتها، وميلها إلى رغباتها، ومن جهة أخرى فإن الطاعات ذكراً وتلاوة وإنفاقاً تفيض على القلب والنفس زكاة وطهارة تحول بينها وبين تلك المعاصي وحبها، وبين تلك الشهوات والشغف بها، وذلك أيضاً فضل عظيم، وموسم كريم ينبغي أن يُغتنم في ذلك، وأن يُحرص عليه، وألا يكون حالنا كحال كثير من المفرطين والمقصرين، فإنهم يعجزون عن الطاعات، ويتعلقون بالمعاصي والشهوات. ولعلي وأنا أتحدث إليكم الآن يخطر لي خاطر في معركة كل عام يدخلها لا أقول: الآلاف بل مئات الآلاف والملايين من المسلمين ويهزمون فيها، بعضهم يهزم من اليوم الأول، وبعضهم قد يدوم إلى ثلث الشهر أو ثلثيه، ثم يصرع كثير منهم مع نهاية الشهر، والماثل منهم والأمثل من ينتصر في شهره ثم يهزم بعد ذلك، إنها معركة الدخان! فالذين يدخنون في كل شهر يعزمون أن يجعلوا من الصوم فرصة للتخلص من هذه الآفة المدمرة، ومع ذلك يعجب المرء عندما يترك بعض الناس السنة، فلا يفطر على تمرة، وإنما يفطر على سيجارة! كيف نفهم أن هذا الصائم عنده إرادة وصبر؟ وكيف ندرك أن شهواته تنقمع، وأن نزواته تُفطم؟ إننا لا نرى فيه إلا صورة من الضعف، كالمريض الهزيل تضربه ضربة فيسقط، ليس من قوة ضربتك، ولكن من ضعف بنيته، وكم هم الضعفاء المنهزمون المتخاذلون، الصرعى لشهواتهم، الأسرى لعاداتهم، الذين لا يستطيعون في هذا الشهر العظيم أن ينجحوا في مثل هذا الاختبار البسيط! فإنهم قطعاً سيكونون في غيره أكثر فشلاً، وأعظم إخفاقاً، وأكبر هزيمة، فمن يرضى لنفسه ذلك فهو وشأنه، والله مطلع علينا، وعالم بما نحن عليه، فأي عزيمة كانت صادقة، وأي نية كانت خالصة، وأي عزيمة كانت ماضية، فإن وعد الله نافذ، قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فمن فشل فليتهم نيته، وليعرف أنه يوجد بعض الخلل في قصده، وليدرك الخور الموجود في همته وعزيمته، وليعالج نفسه، فإن مرضه بذلك أعظم من مرض بدنه مهما كان شديداً أو قاسياً.

стр. 2393

أهمية الحذر من الإعلام الهابط في رمضان فلنتدارك أنفسنا ونحن في أول شهرنا، وليكن ترحيبنا بهذا الموسم العظيم والفريضة الجليلة ترحيباً من أعماق القلوب والنفوس، يكون فيه من الجد والعزم والقوة ما لا يكون في غيره من صور الضعف والتراخي والانحلال، والكسل والنوم، واللغو واللهو، والسهر والعبث. ونحن نعلم جميعاً أن القنوات والإعلام يكثر من سمومه وفتنه وشروره ولهوه وغيه وصرفه للناس عن الطاعات في هذا الشهر، سواء بالمسلسلات أو الرقاصات أو الأغنيات أو المسابقات، وكأنهم يقولون: دعوا الآيات، واتركوا المحاريب، واجتنبوا الصلوات، وانشغلوا في رمضان بغير ما أراد الله ، وكل منا له عقل يدرك، ويعلم أنه سوف يحاسب بين يدي الله، فاختر لنفسك أخي المؤمن! الطريق الصائب، والنهج القويم، والمسلك الأحمد مع بداية هذا الشهر. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا في هذا الشهر الكريم لصيامه وقيامه، وصالح الأعمال فيه، ونسأله أن يجعلنا من الصائمين القائمين المخلصين المنفقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2394

ذكر بعض مواسم الخير في رمضان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أظلنا موسم التقوى، فاتقوا الله عباد الله! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، هذا الموسم العظيم ليس فيما ذكرت من الأمور فحسب، بل فيما هو أكثر منها، فنحن نرحب برمضان؛ فإنه شهر ترك القطيعة والخصومات، والبدء في الوصل وحسن الصلات. ورمضان شهر ترك البخل والشح، والإقبال على الجود والكرم، وشهر ترك السرف والترف والإقبال على الاقتصاد والعمل الجاد. ورمضان شهر فيه تنوع بين ترك القبائح وأخذ المحامد، وذلك في أبواب وصور شتىً ينبغي أن نحرص عليها. ومرة أخرى أشعر بأننا ونحن في هذا الشهر شهر الدعاء والتضرع لله ، وشهر الإنفاق وتفقد المحرومين، والإحسان إلى الفقراء، وتلمس أحوال المحتاجين، أشعر أننا بحاجة ملحة ونحن في أمن وأمان، وسلامة وإسلام، وسعة رزق ورغد عيش ألا ننسى من أول شهرنا إخواننا الذين يسامون سوء العذاب على يد اليهود عليهم لعائن الله في فلسطين، وعلى يد الأعداء المغتصبين في العراق، وفي كل قطر من أقطار الإسلام. ينبغي ألا نجعل هذه الشهور وهذه المواسم مقتصرة على العبادات القاصرة من صلاتنا وكثرة تسبيحنا ودوام تلاوتنا وختمنا دون أن نشعر بأنها تحقق أخوتنا، وتجسد روح وحدتنا، وتذكرنا بالانتماء إلى أمتنا، وتعلق في رقبتنا واجب نصرة إخواننا، إنها مسائل مهمة، وإنها قضايا كثيرة، ولابد لنا من أن نعلم أن الاستكثار من الخير لا يحده حد، وأن الأخذ بالواجب لا يمكن قضاؤه وبلوغه، وأنه مهما عملنا فإن حق الله أعظم علينا، وأنه مهما عملنا فإن الواجب تجاه أمتنا أكبر، وأنه مهما عملنا فإن رسالة ديننا ودعوتنا أبلغ وأشمل، ونحن في كل أحوالنا وعلى أحسن أحوالنا عندنا تقصير، فكيف ونحن نركن إلى دنيانا، ونكثر من نومنا، ويكون حالنا كحالنا في رمضان الذي قبله؟! إنها فرصة لعزيمة بدء قوية، ونحن في مفتتح هذا الشهر، ونحن في موسم تتضاعف فيه الخيرات وتتنزل الرحمات، فاسألوا الله أن يقوي عزمنا جميعاً لحسن طاعته ومرضاته، والأخذ بما يحبه ويرضاه، ونحن من بعد ومن قبل معكم نفتح الأبواب؛ لكي يكون لنا جميعاً تعاون وأيدٍ ممتدة بالخير، فنحن في هذا الموسم العظيم وفي هذا المسجد المبارك نقدم فرصاً عظيمة؛ لكي ننتهزها جميعاً من أمور الخير والإنفاق في إفطار الصائمين وغيرهم، ومن أمور القرآن في حلقات خاصة للكبار من الرجال والنساء، ومن أمور المسابقات التي تزيدنا طاعة لله ، وهذه أبواب إن قصرت عن فعلها منفرداً فلمَ تقصر في فعلها مع بقية إخوانك؟! وإن لم تستطعها وحدك ولا تعرف كيف تبتدئها فما بالك تحجم عنها، وقد فتحت أبوابها ويسرت أسبابها؟! نسأل الله لأمتنا في هذا الشهر نصراً وعزاً وتمكيناً، ونسأله جل وعلا أن يبدلها من بعد فرقتها وحدة، ومن بعد ضعفها قوة، ومن بعد ذلها عزة، ونسألك اللهم أن تجعل هذا الشهر الكريم شهر أمن وإيمان، وسلامة وإسلام، وخير وبركة، وبر وإحسان. اللهم املأ قلوبنا فيه بالإيمان، واملأ نفوسنا بعزائم الخير يا رب العالمين! اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك، وأنطق ألسنتنا بذكرك، واملأ قلوبنا بحبك، وسير أقدامنا إلى طاعتك، وأخضع جباهنا لعظمتك، وسخر جوارحنا لطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك، واجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واجعلنا اللهم في هذا الشهر الكريم من المغفورة ذنوبهم المرحومين، واجعلنا اللهم فيه من عتقائك من النار يا رب العالمين! اللهم وفقنا فيه للطاعات، واصرف فيه عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا فيه ما مضى وما هو آتٍ، برحمتك يا رب الأرض والسماوات! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى. اللهم أحسن خاتمتنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم فرق كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم في أنفسهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم لا تبلغهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، برحمتك وقوتك وعزتك يا رب العالمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، اللهم وحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا الشهر الكريم عليهم شهر عز ونصر وتمكين، واجعله على أعدائهم شهر ذل وخذلان وهزيمة يا رب العالمين! اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في أرض فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، جائعون فأطعمهم، مشردون فسكنهم، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وابسط أمنهم، ووفر رزقهم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2395

تربية الأبناء مسئولية تربية الأبناء والاعتناء بهم مسئولية عظيمة جداً، وقد بين الله أهميتها في القرآن العظيم، وحذر من التفريط فيها، كما راعاها النبي ﷺ قولاً وعملاً، فعلى المسلم أن يهتم بتربية النشء الذين هم عماد الأمة ومستقبلها الواعد، وتربيتهم التربية الصالحة سبب عظيم لرفعة الأمة وعزتها وقوتها.

стр. 2396

أهمية مسئولية تربية الأبناء ومكانتها وعظمتها الحمد لله جلت قدرته، وظهرت حكمته، واتسعت رحمته، واشتدت نقمته، له الحمد ، ما أوسع علمه! وما أعظم حلمه! وما أجل فضله! وما أكثر كرمه! نحمده على آلائه الجسيمة، ومننه العظيمة حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وهدى به البصائر والأبصار، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الأمانة المضيعة، والثروة المهدرة، تحتاج منا إلى مراجعة ومذاكرة، ومعاتبة ومحاسبة، وإلى إصلاح الخلل وتقويم الاعوجاج. أبناؤنا فلذات أكبادنا، أطفالنا رجال مستقبلنا، شبابنا أمل أمتنا، سلف حديث لنا في الجمعة الماضية عن الوقت الممتد في هذه الإجازة، والإهدار لهذه الأوقات في كثير مما لا يجدي نفعاً، وقد يجلب ضرراً، ولقد وجدت بذلك صدى عند كثير من الإخوة، وقالوا: حدثنا عن مشكلاتنا، وخاطبنا في القضايا التي تحيط بنا، ومن أهمها وأجلها: مسئولية تربية الأبناء، ثروة أجيالنا القادمة، علّنا نستشعر هذه المسئولية، وندرك عظمتها، ونعرف ثقلها، ونعي أثرها ودورها في واقع حياتنا ومستقبل أمتنا. هذا حديث أعلم أنه جليل واسع وعظيم لا يكفيه مثل هذا المقام، وحسبي اليوم أن أجتهد في الوصول إلى هدفين اثنين مهمين، أولهما: توضيح هذه المسئولية وعظمتها ومكانتها وأهميتها. وثانيهما: البيان الإجمالي العام لآثارهما التي نعيشها ونلمسها ونراها بأعيننا.

стр. 2397

مكانة مسئولية تربية الأبناء في القرآن الكريم هذه المسئولية مسئولية عظيمة جليلة، وهي في كتاب الله وفي هدي رسوله ﷺ ، وحسبنا هذه الومضات التي نريد أن نبين فيها اقتران الفرائض والواجبات التي يعرفها كل المسلمين مع هذه المهمة العظيمة في التربية، يقول : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] هذه الآية في هذا الأمر العظيم والمهمة الجليلة، قال السيوطي في الإكليل تعليقاً على هذه الآية: إنه يجب على الإنسان أن يأمر أهله من زوجة وعبد وأمة وسائر عياله بتقوى الله والطاعة، وخصوصاً الصلاة. وقال ابن علان الدمشقي في هذه الآية: أي: يأمر زوجته وأبناءه المميزين الذكور والإناث. إن الأمر الرباني الذي حملنا أمانته كالإيمان والتوحيد وأداء الفرائض والعبادات، حملنا كذلك معه هذه المسئولية الجسيمة والأمانة العظيمة فيمن ولانا الله أمرهم، وجعلنا سبباً لوجودهم، وسخرنا لكي نكون رعاة لهم، نغذوهم ونقوتهم، ونعينهم ونحدب عليهم ونحميهم، ويجب كذلك أن نعلمهم ونؤدبهم ونربيهم، فإن فرطنا فقد أخللنا بهذه الأمانة، وضيعنا هذه المسئولية، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. وهذا النداء الإيماني له عظمة كبيرة قال ابن مسعود: (إذا سمعت قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فارعها سمعك؛ فإنها إما أمر تؤمر به أو نهي تزجر عنه). ومما قاله أهل التفسير في هذا النداء: إنه تلطف من الله بعباده، وتحبب إليهم بندائهم بأحسن أوصافهم وأجل خلالهم وهو إيمانهم به، وفي النداء كذلك أيضاً أمر مهم وهو استدعاء متطلب الإيمان وتبعته، فإن للإيمان أمانة ومسئولية، فكأن النداء يقول: إن مقتضى إيمانكم وحقيقته يترتب عليه التزام أمر الله وشرعه، واقتفاء هدي رسول الله ﷺ ، والقيام بالمهمة والأمانة التي كلفك الله بها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [التحريم:٦]، وليست هذه وحدها مسئوليتكم، بل ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦]. قال ابن عباس ﵄: (اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهلكم بذكر الله، ينجيكم الله من النار). وقال مجاهد ﵀: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله. وتوسع قتادة في بيان المعنى فقال ﵀: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها. وأوجز البغوي ذلك مع ربطه بالعاقبة المهمة في الآخرة فقال: مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم، والنتيجة والثمرة المهمة تقونهم بذلك النار. من يريد أن يكون أبناؤه حطباً لجهنم؟! إذا فرط في تربيتهم وقصر في تعليمهم ولم يجتهد في تأديبهم، كان سبباً مباشراً في انحرافهم والعياذ بالله! وامض مع الآيات فإنك واجد فيها كثيراً من ذلك في الآداب والتربية قبل التكليف، وهي الأساس المهم والقاعدة الرئيسة والركن الركين الذي لا بد من العناية به، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] الذين لم يبلغوا الحلم ليس عليهم تكليف، ما زال القلم مرفوعاً عنهم، ومع ذلك يعلمهم آباؤهم وأمهاتهم تلك الآداب، عند سن التمييز ومنذ نعومة الأظفار؛ لأن الآية بعد ذلك جاءت: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩] عند ذلك صاروا أهل تكليف، وصارت المهمة في أعناقهم، والأمانة في رقابهم، أما قبل ذلك فما زالت الأمانة في رقابكم، والواجب منوطاً بكم، والمهمة معقودة عليكم، والله قد ذكر من ذلك الكثير.

стр. 2398

مكانة مسئولية تربية الأبناء في سنة النبي ﵊ وسيرته نقف وقفات مع سيد الخلق ﷺ ، وأعظم المربين في تاريخ البشرية كلها، ففي سنته الكثير والكثير مما يلفت أنظارنا إلى هذه المهمة الجسيمة، وحسبنا ذلك النداء الشامل الذي فصل فيه النبي ﷺ بعض التفصيل: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، -ثم ختم ﵊ بالتأكيد مرة أخرى- ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ألست تنفق على أبنائك وتأتيهم بالطعام والشراب والكساء؟ هل ترى أن أحداً مسئول عن ذلك غيرك؟ لكنك بعد ذلك تهبهم للشوارع أو للقنوات لتعلمهم وتربيهم، أو لأصحاب الشر والسوء ليفسدوا فطرهم ويسودوا قلوبهم ويحرفوا سلوكهم، هل تخليت عن هذه الأمانة وبقيت للطعام والشراب؟ هل جاء أبناؤك ليكونوا بالنسبة لك كالبهائم تعطيها علفها حتى تمضي وتتحرك دون أن تشعر بالأمانة العظمى وهي التربية على الإيمان، وتقويم السلوك، وتحسين الأخلاق وغير ذلك مما هو معلوم من أسس التربية؟! ورد في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما قوله ﵊: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) والسبع والعشر ليستا سن تكليف ووجوب، ولكنهما سن تمييز وتربية، من الذي يقوم بها؟ أنتم. (مروا) أنتم، ينبغي ألا تنسوا ذلك وألا تغفلوا عنه، ما بالك تخرج إلى المسجد في الغلس لصلاة الفجر، وحولك من الأبناء والبنات من لم يستيقظوا لأداء عبادة الله والقيام بفريضة الله؟! تمضي مسبحاً وترجع محوقلاً وبينهما تكون ذاكراً وقارئاً ومصلياً، والأمانة التي فوق ظهرك قذفت بها وألقيتها، كأن لم يكن عليك من الله فيها أمر ولا تكليف ولا واجب، كأن لم يكن لك فيها من رسول الله ﷺ هدي ولا توجيه ولا تعليم!! وهكذا نمضي مع رسول الله ﷺ ؛ لنرى كيف يراعي الأمور الدقيقة؟! وكيف اعتنى بها ووجه إليها وربى عليها، حتى فيما هو دقيق خفي لا يكاد يعرفه أولئك الصغار من الأطفال؛ لأن صفحات قلوبهم بيضاء، كل كلمة تكتب فيها، كل سلوك ينطبع أثره فيها، فإن كان خيراً أورث الخير، وإن لم يكن في ذلك السن مدركاً وواعياً، لكنها آثار وبصمات ما تزال تترسخ في أعماق نفسه وسويداء قلبه، ما تزال تصبح من أسس فكره ورشد عقله، ثم إذا بها تنعكس على سلوكه وحسن أدبه. فهذا الحسن بن علي ﵁ ريحانة من ريحانات الجنة، حفيد رسول الله ﷺ ، وهو صغير في سن دون التكليف بل ربما حتى لم يكن مميزاً، وقد جاء إلى النبي ﷺ تمر من تمر الصدقة، فإذا بالصغير يمد يده ليأكل، فينهاه نبي الله ﷺ نهياً رفيقاً خفيفاً: (كخ كخ، أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟) أي: أنت من آل البيت والصدقة تحرم عليك، والصغير لا يعرف ذلك، ولا يعرف تلك الأحكام، لكن الكبير المربي ﷺ يريد من البدء في أول الأمر ألا يدخل إلى جوف ذلك الطفل الصغير إلا ما حل، وأن يكون هناك تقويم يرشد إلى التمييز من أول الأمر بين الخير والشر والحلال والحرام، يريد أن يغذي الفطرة النقية بنور التقى والهدى، وأساس الخلق القويم والأدب الجم. وهكذا نراه عندما كان ابن أبي سلمة ربيباً في بيته وهو ابن أم سلمة أم المؤمنين، كان يأكل فتطيش يده في الصحفة، فيقول المربي العظيم: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) حتى هذه الآداب يعلمها النبي ﷺ ؛ ليبين أن المهمة ليست مقتصرة على المهم العظيم من الفرائض كالتوحيد وسائر العبادات، بل للآداب والأخلاق وما هو من المكملات مكانة عظيمة في حديثه ﷺ وسيرته، فقد بين أن الأمانة مربوطة بأعناق الآباء والأمهات حيث قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل: أو يمسلمانه؛ لأن الإسلام مغروس في فطرته، لكن كيف نغذيه؟! كيف ننميه؟! كيف نسقيه؛ لتنبت شجرته يانعة، وتكون ثماره ناضجة بإذن الله ؟! هذه ومضات، ونحن عندنا ما يكفينا لكي نؤسس تربية عظيمة كاملة منهجية قويمة؛ لأن عندنا النهج القويم، والهدى المستقيم في كتاب الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦] عندنا هذا ولا نبذله لأبنائنا، ولا نربيهم عليه، وعندنا من بعد ذلك الصورة المثالية الحية المتحركة في سيرة النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وعندنا بعد ذلك أجيال عظيمة وقمم شامخة وقدوات سامية من أصحاب النبي ﷺ والتابعين والأئمة والعلماء، لنا رصيد عظيم، فما بالنا نتنكر له وننساه، ونبقى مع سقط المتاع وأراذل القوم من شرق وغرب؟! يقول ابن مسعود ﵁: (من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).

стр. 2399

نعمة الأبناء وفضل تربيتهم إذا أردنا أن نجد الصورة العظيمة في كتاب الله التي تعرفنا بهؤلاء الأبناء من هم؟ فقد ذكر الله في مجمل الآيات صفات عظيمة نوردها إجمالاً، وفي التفصيل في ذلك ما يكون له أثر أكبر وأعظم، هؤلاء هم زينة الحياة، يقول : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]. وهم نعمة الله حتى كان من دعاء عباده المقربين قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤]. وهم كذلك القوة التي منّ الله بها علينا بقوله سبحانه: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ [الإسراء:٦]. وهم من بعد ذلك المثوبة والأجر الممتد كما أخبر الحق في دعاء الرسل والأنبياء، وفي كثير مما جاء في قصص القرآن يقول حاكياً عنهم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]. من يستشعر المسئولية ويرغب في المثوبة والأجر والذكر الممتد بعد وفاته فالطريق إليه هو تربية الأبناء وحسن تأديبهم؛ ليكونوا الأنموذج الذي يذكر بآبائهم وأمهاتهم، وليكونوا العمل الصالح المستمر من بعدهم، والدعاء الخاشع المتواصل لآبائهم وأمهاتهم، والأمر في ذلك يطول كما أخبرنا الله في آياته الكثيرة، ولعلنا ندرك بهذا أهمية الأمر وجسامة المسئولية فننتدب لها، ونهيئ أنفسنا لأدائها، كما نحرص على إيماننا وتوحيدنا، وكما نجتهد على أداء فرائضنا من صلاتنا وزكاتنا وحجنا وصومنا، كما نكون كذلك ينبغي أن نستشعر أن المهمة والأمر والواجب والمسئولية تجاه أولئك الأبناء والبنات، الذين نشكو اليوم من صور انحراف ما بين تفريط وإفراط، ومرد ذلك في كثير من الأحوال والأسباب إلينا نحن معاشر الآباء والأمهات. اللهم إنا نسألك أن تصلح أزواجنا وذرياتنا، وأن تجعلهم صالحين، وأن تجعلنا وإياهم من الطائعين، وأن تحسن ختامنا أجمعين. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2400

الصور المنحرفة في تربية الأبناء وآثارها السيئة

стр. 2401

الصورة الأولى: الإضاعة والإهمال للأبناء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه. إن من حق أبنائنا علينا حسن تربيتهم وتأديبهم، فإن هذه المهمة يقع فيها ثلاث صور من الانحراف: أولها وأعظمها خطراً: الإضاعة والإهمال، فبعض الآباء والأمهات تجد أن مهمة تربية الأبناء والاهتمام بهم، ليست ورادة في قائمة المهمات ولا مدرجة في سلسلة الواجبات لديهما، فالأب مشرق والأم مغربة، والأبناء يهيمون على وجوههم تتلقفهم شياطين الإنس قبل شياطين الجن، وإذا به بعد دهر طويل يشكو عقوق الأبناء، يقول فلا يسمع له، ويأمر فلا يستجاب له، ويزجر فلا يخشى منه، كما ذكر لي بعض الإخوة، يقول: ماذا أصنع؟ إنهم قد تمردوا عليّ، ولم يعد لي قدرة على توجيههم. أقول: قد فرطت في البداية، وها أنت تجني الثمرة المرة في النهاية. جاء رجل إلى الفاروق عمر ﵁ يشكو عقوق ابنه فجاء به عمر وقرع الابن وذكره بحق أبيه ووجوب بره، فأصغى الفتى حتى انتهى عمر ﵁، فقال الابن له: يا أمير المؤمنين! أليس للابن حق على أبيه؟ فقال الفاروق: بلى، عليه أن ينتقي أمه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلمه القرآن، قال: فإن أبي لم يفعل من ذلك شيئاً، فإن أمي زنجية ابنة مجوسي، وقد سماني جعلاً -أي: خنفساء-، ولم يعلمني من القرآن حرفاً، فالتفت الفاروق إلى الأب وقال: يا هذا! قد عققت ابنك قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك. انظر أخي إلى الثمرة المرة تجد أن بذرتها كانت كذلك، فلا تفرط حتى لا تشكو وتندم حين لا ينفع الندم.

стр. 2402

الصورة الثانية: القدوة السيئة يقول ابن القيم ﵀ في الصورة الثانية من التربية التي يكون فيها الآباء والأمهات قدوات في ارتكاب المحرمات، ونماذج في التفريط بالواجبات: أكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوهم كباراً. وقال في سياق هذه المعاني: يا أبتي! إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً. وهذه قضية مهمة؛ ولذلك نجد نوعاً من تربية الدلال والإغراق في موافقة ومسايرة الأبناء على ما يرغبون ويشتهون وهم في سن المراهقة أو الطفولة، وحولهم من البيئة ما يصرفهم عن الخير إلى الشر، وهذا يمد له في الغي مداً، هذا يعطيه ما يشاء في هذه الأبواب دون أن يلتفت إلى المخاطر والعواقب، فإذا به بعد ذلك يجني ابناً مدمناً للمخدرات، أو مقيماً على شرب المسكرات، أو والغاً في ارتكاب الجرائم والمحرمات؛ لأن هذه المقدمات أوصلت إلى تلك النهايات. أما الأم فتجدها لا تلتزم الحجاب ولا تراعي الحياء ولا تعتني بالحشمة، ربما تشكو من بعد ذلك أن ابنتها قد وقعت في فاحشة، أو ألمت بجريمة من تلك الجرائم العظيمة، فتبكي وتصيح على الشرف المثلوم، والعرض المكلوم، والسمعة الضائعة، وما عرفت أنها كانت القائدة، وأنها كانت المرشدة الهادية إلى طريق الزيغ والانحراف، نسأل الله السلامة. وهذه المشكلات التي نراها في أسواقنا، أو نراها في شبابنا وفتياتنا في هذه الجوانب إنما هو غرس أولئك الآباء والأمهات، أو إضاعتهم لهم، فلا تحملوا مسئولية، ولا أدوا أمانة.

стр. 2403

الصورة الثالثة: التربية الغليظة عند تقويم الأبناء وتوجيههم هذه صورة أخرى وهي: التربية العسكرية الغليظة الخشنة، لا يعرف أولئك الآباء أو تلك الأمهات إلا أساليب القهر والعنف والمنع والمصادرة، لا يظهرون من قلوبهم رحمة، ولا يبدون في أسلوبهم حكمة، فحينئذ يمكن أن نرى من الأبناء صوراً من صور الانحراف كالكذب والمخادعة والحيل والألاعيب، وربما نجد كذلك صوراً عظيمة أفظع من هذه وذلك عندما ينحرف الآباء والأمهات ويستقيم الأبناء بفضل من الله، فإذا بالأب يزجر ابنه عن الذهاب إلى المسجد، ويحذره ويتوعده إن التحق بحلق القرآن، وقد يضربه ويحاسبه أشد الحساب إذا انتقى الأخيار من الأصحاب، فأي شيء ينتج عن ذلك؟! إنها ردود الأفعال في غالب الأحوال، وإليكم قول مرب عظيم ورجل من رجالات التاريخ في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إنه الإمام ابن خلدون في كلمات وجيزة يقول: من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين والخدم، غلب عليه القهر، وضاقت نفسه وذهب بنشاطها، وحملها على الكذب والخبث؛ خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليها، وعلم المكر والخديعة لذلك. وبعض صور ما يطلق عليه اليوم بتجاوزات كثيرة وتفريطات عديدة تطرفاً أو غلواً، ربما كان منشؤه استقامة الأبناء واعوجاج الآباء، فرأوا من آبائهم ما ظنوا أنه مخالفة صريحة لكتاب الله وسنة رسول الله، وما يكون في هذه الأسرة قد يكون هو النموذج الموسع في المجتمع، فعندما نعنفهم، وعندما نحاربهم، وعندما نوبخهم، وعندما يكون مسلك الخير معيباً، وعندما يكون نهج الصلاح خطيراً، فأي شيء نرجو من بعد ذلك؟! التربية ينبغي أن يكون أساسها الرحمة، وأساسها التوجيه الحسن القيم، كما قال الحكيم الذي هو مضرب مثل في سياسة الأمم والشعوب فضلاً عن سياسة الأبناء والصغار معاوية بن أبي سفيان ﵁ يصف الأبناء فيقول: هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، فإنهم يمنحونك ودهم، ويحبونك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملوا حياتك، ويتمنوا مماتك. وليس كلامه على إطلاقه، لكنه كان في معرض الرد على من كان لا يعرف رحمة، كما قال النبي ﷺ لذلك الرجل القاسي الشديد الذي رأى النبي ﷺ يحمل ذلك الطفل الصغير ويقبله في رحمة غامرة، والأعرابي الغليظ ينظر متعجباً فقال: (أتقبلون أبناءكم؟! فقال النبي ﷺ : إنها رحمة، فقال الرجل: إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت منهم واحداً قط- وربما نجد بعض الآباء وهم يفتخرون بذلك، ويرونه من أسباب قوتهم وهيبتهم- فقال ﵊: من لا يرحم لا يرحم) وفي حديث هذا الرجل أيضاً قال ﵊: (أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلبك). نسأل الله أن يصلح أزواجنا وذرياتنا، وأن يجعلنا ممن يقومون ويعلمون ويؤدبون أبناءهم على منهج كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ . اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة. اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد. اللهم إنا نسألك أن ترفع كلمة الحق والدين، وأن تنكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمبعدين والمشردين والمعذبين، والجرحى والمرضى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم عجل فرجهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم ذكراً، ذوي المقام العلي والقدر الجلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 2404

التربية والتعليم للتربية في الإسلام منزلة عظيمة ومكانة رفيعة، فهي تعني سلوك الإنسان وأخلاقه وتعامله مع غيره، وأهم مرحلة تغرس التربية في نفس المتربي هي مرحلة الطفولة، فمن الواجب الاعتناء بتربية الأولاد وتعليمهم، والحرص على متابعة تعديل سلوكهم وأخلاقهم، ولا يلقى الحمل على المدرسة وحدها، بل لابد من تعاون بين البيت والمدرسة؛ حتى يحصل المطلوب.

стр. 2405

أهمية التربية قبل التعليم الحمد لله الكبير المتعال ذي العزة والجلال، الموصوف بصفات الكمال، له الحمد في الأولى والآخرة، وإليه المرجع والمآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله للناس كافة، فأرشد به من بعد غواية، وكثّر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! عند بداية العام الدراسي نتحدث عن العلم والتعليم، وحديثنا حقيقةً هو عن التربية والتعليم، وقد أشرت فيما مضى إلى أهمية العلم، واقترانه في منهج القرآن الكريم ودعوة صفوة الخلق أجمعين بالتزكية، وطهارة القلوب، وزكاة النفوس، واستقامة السلوك، ولعلنا هنا نؤكد هذه المعاني، ونوضحها ونجليها، ونحن نوجه حديثنا إلى المعلمين والمعلمات والمسئولين والمسئولات في وزارة التربية والتعليم؛ لأننا ندفع إليهم فلذات أكبادنا، ويقضون في أروقة المدارس والمعاهد في وقت قد يكون أكثر من الوقت الذي يقضونه معنا. ونحن نريد أن يعلموهم العلوم المختلفة، وأن يسلحوهم بسلاح العلم في هذا العصر، لكنني أوقن أننا جميعاً نعنى كذلك بالقدر نفسه بتربيتهم، وبتزكيتهم، وبتقويم سلوكهم، وبحسن أخلاقهم. ونحن نعول على تلك المدارس وعلى أولئك المعلمين والمعلمات أن يساعدونا معاشر الآباء والأمهات في صياغة شخصية أبنائنا، وإخراجهم إلى هذا المجتمع أسوياء، أتقياء، أنقياء، بعيدين عن طرفي التشدد والتسيب، بعيدين عن سلوك منحرف وخلق معوج. ولا شك أننا عندما نجد في المعلم أو في المدرسة عناية بهذا الجانب نفرح به ونسعد، ونهش به ونستعد لأن نكمل دورنا ونقوم به، وإن وجدنا غير ذلك وجدنا المعاناة إذا نحن نقوم ونوجه، وربما لا نجد تعضيداً وتكاملاً من جهة المدرسة أو المعلم والمعلمة. هذا الاسم: التربية والتعليم فيه تقديم التربية لبيان أهميتها، ومكانتها، ومنزلتها، بل وعظمتها وخطورتها، وإن عدم العناية بذلك الجانب لا يؤدي إلى المقاصد العظيمة التي ننشدها جميعاً لأبنائنا الذين هم أبناء اليوم وشباب الغد، ورجال المستقبل، وكلنا يدرك أن ذلك أيضاً لا يحقق الأهداف المنصوص عليها في سياسة التعليم، والتي تؤكد على صياغة الشخصية المؤمنة المسلمة، والتي تبرز أهمية السلوك والأخلاق في حياة الطلاب، ونحن ندرك ذلك، فنحن نعرف أن العلم معلومات ومهارات ووسائل واختبارات، لكن التربية هي نضج الفكر، واستقرار النفس، وحسن السلوك، فلا شك أن هذا له من العظمة ما لا يخفى.

стр. 2406

الترابط بين التربية والتعليم لابد أن ندرك الترابط الوثيق بين التربية والتعليم، والتعليم والتربية، فإن التربية هي غاية التعليم، وإن التعليم هو وسيلة التربية؛ فلن يتربى من لم يتعلم، فكيف يستقيم سلوكه إذا لم يعرف فضل هذا السلوك الحسن، وذم ذلك السلوك السيئ، ونحو ذلك؟! وانتبهوا وتأملوا فيما جاء في كتاب الله في الحظ والحث على العلم، إنه توجيه إلى العلم والمعرفة في الأمور الأساسية الكلية العقدية التصورية التي تغرس في القلب والنفس من المفاهيم والتوجهات ما هو كفيل باستقامة السلوك، وانتظام الأحوال، وربط الإنسان بين دنياه وأخراه، بين ما يعمله على هذه الحياة الدنيا، وما يعمله في تلك الحياة الأخرى، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] أي: اعلموا علم معرفة بمعية الله وتأييده وتسديده لمن يستقيم ويخشاه ويعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، وهذا علم مؤثر في القلب، ومحرك للنفس، وصائغ للسلوك، ومقوم للفكر، إنها معلومات ذات ترجمة عملية، قال : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. وانتبه إلى كثرة الآيات العاضدة لهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: اعلموا حقيقة علمية معرفية أن من صفات الله شدة عقابه، لكنها ليس مرادة لتكون معلومة تحفظ ولا معرفةً تعرف، وإنما لتكون تأثيراً في كل شيء في الإنسان قلباً وروحاً ونفساً وفكراً وسلوكاً ومعاملة، وتلك هي الثمرة الحقيقية. قال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٢٣] تأمل هذا الربط الدائم بين التقوى والعلم! وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] إنها حقيقة كل أهل الإيمان والإسلام يعرفونها، لكن التفاوت بينهم هو في مدى استقرارها في قلوبهم، وفي مدى تأثيرها في سلوكهم، وفي مدى توجيهها لأفكارهم. قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: حتى يكون ذلك حافزاً لعملهم وإقبالهم على ربهم، وانتهاجهم للسبيل والطريق الموصل إلى رضاه، وذلكم هو ما ينبغي أن نتنبه له. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣١]، يجب أن نعلم ذلك؛ ليستقر في قلوبنا اطلاعه علينا، ومراقبتنا له، وحياؤنا منه، وصدق توكلنا عليه، وعظمة إنابتنا إليه، إنها معرفة محركة، إنه علم مربٍ، إنه تغيير حقيقي يتناول الإنسان في أعماق نفسه وقلبه، وفكره وعقله، وسلوكه وعمله، ولو مضينا لوجدنا من ذلك كثيراً، ولقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه في كتاب العلم ترجمةًَ مهمة فقال: باب العلم قبل العمل؛ ترجم بهذا ليدل على أهمية العلم قبل العمل، وليدل على أن غاية العلم إنما هو العمل، واستشهد بقوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]، فقوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، هذا العلم وتلك المعرفة هي بداية الطريق، ثم ينتج عنها السلوك، وينتج عنها العمل: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، وتستقر حقائق الإيمان مؤثرة مغيرة في الواقع: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ). وإذا نظرنا وجدنا ما يقابل ذلك، وجدنا كيف يكون حال العلم إن لم يورث سلوكاً مستقيماً وخلقاً قويماً، فأي شيء ينفع؟ إنه حينئذ يكون حجة على المرء وليس له، ويكون إثماً وليس أجراً؛ لأن العلم حجة على من علم؛ ولأن العلم إذا لم يخلص إلى النفس والقلب ويؤثر فيهما فإنه يكون عوناً لصاحبه -والعياذ بالله- على تسويغ المنكرات، وتحليل المحرمات، وتضليل الناس، والتلبيس عليهم بالشبهات؛ ولذا كانت فتنة العالم غير العامل عظيمةً في واقع الناس، ومن هنا حذر النبي المصطفى ﷺ وبين حين قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا قبض العلماء اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). وتنبه إلى هذا الجانب في النداءات والآيات القرآنية! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] أي: كيف تقع منكم هذه الخيانة، مع علمكم بوحدانية الله، وحسن أسمائه، وكمال صفاته، وعظمته جل وعلا؟! وكيف يكون ذلك منكم وأنتم تؤمنون وتصدقون بنبوة محمد ﷺ ، وتعرفون فضائله وشمائله ﵊، وتعلمون أوامره ونواهيه وهديه ﷺ ؟! وقوله تعالى: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، أي: تعلمون ما كلفكم الله به، وتدركون وتوقنون ما هو الواجب المناط بكم، والأمانة المربوطة في أعناقكم، فكيف تكون حينئذ خيانتكم؟ وكيف يكون انحرافكم بعد علمكم؟ وأي شيء أقبح من هذا؟ وأي أمر تكون فيه الحجة أعظم من مثل هذا الصنيع؟ فهل نريد نحن لأنفسنا فضلاً عن أبنائنا في المعاهد والمدارس أن يعلموا علماً، ويكون سلوكهم مخالفاً له؟ أتدركون ما معنى هذا وما أثره؟ إن معناه: ألا يكون في قلوبهم توقير ولا تعظيم للأوامر والنواهي الربانية والنبوية، ومن باب أولى ألا يكون هناك تعظيم ولا توقير للأوامر والنواهي والتوجيهات الأبوية في البيوت.

стр. 2407

أثر مخالفة السلوك للعلم إن أثر مخالفة السلوك للعلم أن القلوب -والعياذ بالله- قد تصاب بالعمى، ولا يؤثر فيها بعد ذلك وعظ ولا أمر ولا نهي، إن معنى ذلك أن النفس تتطبع على أن تعلم الحق وتجحده، وتعرف الخير وتخالفه، وذلك فيه فساد للفطرة، وزيغ في العقل، ونموذج سيء للسلوك، وكم نعاني نحن من ذلك في واقعنا الشخصي! وفي حال أبنائنا وشبابنا! وهل نريد بعد ذلك أن نقصر دور المدارس على المعارف والعلوم دون الأخلاق والسلوك، ودون التربية والتزكية؟! قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩] أي: أن العلم هو الذي يحثكم ويحرككم، والعلم بالأجر والثواب هو الذي يرغبكم ويقبل بكم، والعلم بأثر المخالفة وما يترتب عليها من الإثم والعقاب هو الذي يحجزكم ويمنعكم، والعلم بعظمة الله والحياء ومنه والمراقبة له هو الذي يقوّم سلوككم، إنها قضايا مترابطة؛ ولذلك كان هذا هو هدي وتوجيه النبي ﷺ . وكلنا يحفظ ذلك الحديث المروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان رديف المصطفى ﷺ فالتفت إليه في كلمات حانية وتوجيهات مربية قائلاً: (يا غلام! إني أعلمك كلمات) إنه لم يرد ﵊ ذلك التعليم الذي ينتهي أمره إلى الحفظ، ومآله إلى الكتابة في الاختبار، ومصيره إلى الكتب التي تلقى في صناديق النفايات، ولكنه أراد أن يحفظها في قلبه، وفي نفسه، وفي سلوكه، وفي كل جوانب حياته وتعاملاته. ونحن نعلم تلك الوصية العظيمة، وذلك التوجيه والتعليم النبوي الإيماني التربوي الذي قاله النبي ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) وذكر الوصايا العظيمة المعروفة.

стр. 2408

أثر العلم في السلوك والتربية تأملوا هذا الحديث الذي يبين لنا فيه النبي ﷺ أثر العلم في السلوك والتربية، وأنها غايته، وأنه وسيلتها في الوقت نفسه، قال ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الطرقات تجأرون إلى الله بالشكوى)، فلو علمنا ما علمه النبي ﷺ من أمر الدنيا والآخرة، ومن أمر عظمة الله ، وما أنعم به على الخلق، وما وعدهم به من الثواب والنعيم وغير ذلك، لكان الحال غير الحال. إذاً: العلم أثره في السلوك عظيم، فكيف نجد من يضحك ملء شدقيه، ويأكل ملء ماضغيه، وينام ملء جفنيه، ويلهو ويلعب، ثم نقول: إنه عالم؟! فأين أثر علمه بأنه إنما يعيش في دار ممر لا مقر؟! وأين أثر علمه بأنه غريب عن هذه الحياة يوشك أن يرتحل؟! وأين أثر علمه بأن مآله إلى موت وقبر وظلمة ووحشة؟! وأين أثر علمه بأن بعد ذلك بعثاً وحشراً ونشوراً وحساباً وثواباً وعقاباً؟! إن العلم الحق هو الذي يستقر في القلب ويوجه الإنسان في كل جوانب حياته، وفي كل مكوناته من عقله وفكره وكلامه وجوارحه، وذلكم هو ما بينه النبي ﷺ ، وذلكم هو ما كان يحذر منه ويدعو بالبعد عنه، كما قال ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها) رواه مسلم في صحيحه. فعلينا أن نتأمل هذا الدعاء من النبي ﷺ وهو يسأل الله الوقاية من كل ما لا يثمر ثمرةً محمودة، ولا يؤدي إلى أثر إيجابي. وقد ضرب الله مثلاً لمن لم يعمل فقال: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥]، وقال: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦]، فمن هو الذي يريد أن يكون في موضع هذا المثل؟ نسأل الله السلامة من ذلك، ونسأل الله لأبنائنا وبناتنا ومعلمينا ومعلماتنا ومسئولينا ومسئولاتنا أن يراعوا ذلك، وأن يتقوا الله في الأمانة التي في أعناقهم، إنها أمانة التربية قبل التعليم، فالتعليم يؤدي إلى تربية، والتربية مصدرها ومبناها هو جزء من أساسياتها في ذلك التعليم، وليس في التعليم الذي هو متعلق بكتاب الله أو بسنة رسول الله ﷺ فحسب، بل كل العلوم قائدة إلى تعميق الإيمان وترسيخ اليقين، وكل العلوم فيها لفتات وتوجيهات وإرشادات ودلالات على عظمة الخالق وعلى عظمة ما جاء به منهجه وتشريعه، ألسنا اليوم نعلم ما هو معلوم من الإعجاز العلمي في كتاب الله وسنة رسوله؟! ألسنا ندرك أن عظمة الخلق التي ندرسها في الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء إنما هي شواهد على عظمة الخالق وعلى دقة خلقه جل وعلا، وعظمة ذلك؟ أليس جديراً بنا أن نلفت نظر أبنائنا وبناتنا إلى ذلك؟ أليس من المطلوب أن نستل من ذلك ما فيه ومضات إيمان وإشراقات أخلاق وإرشادات سريعة عظيمة مؤثرة بليغة؟

стр. 2409

أمور ينبغي توافرها في المعلمين إن التربية في أصل معناها: الملك والسيادة، كقولك: رب الدار، أي: مالكها، ومن معانيها التنمية والزيادة كقولك: ربى المال، إذا نماه وزاده. ومن هنا فإن مهمة معلمينا ومعلماتنا لأبنائنا وبناتنا أن يدركوا ذلك، ولابد لهم من أمور: الأمر الأول: أن يكونوا متفوقين على طلابهم ليس في العلم فحسب، بل في العلم والسلوك والأخلاق؛ لأنه لا يمكن أن يعطوا علماً ما لم يكونوا عالمين، ولا سلوكاً ولا خلقاً ما لم يكونوا مستقيمين. الأمر الثاني: العناية بالزيادة والتنمية للعلم والمهارة والمعرفة. الأمر الثالث: الحماية والوقاية من كل ما يناقض ذلك ويعارضه، فذلكم هو جوهر التربية، وذلكم هو جوهر المنهج القرآني والرباني.

стр. 2410

صعوبة مهمة التربية مهمة التربية ليست سهلة، فمهمة التعليم أو التعريف قد يكون فيها سهولة، فجدول الضرب قد يُحفظ، ومعادلة الفيزياء قد تُشرح، لكن تهذيب النفس وتقويم السلوك وتوجيه الفكر ليس أمراً سهلاً، إنها مهمة صعبة، لا نقول ذلك لنصد عنها، بل لندعو إلى الاستعداد التام لها، والتأهل اللازم لها، فكما نؤهل المعلمين والمعلمات في تخصصاتهم الدقيقة، ومعارفهم وعلومهم، فنحن نعلم جميعاً أن كليات المعلمين وكليات التربية تدرِّس إلى جانب الفيزيا والكيمياء التربية، وتدرِّس نفسية الطفل، وتدرِّس أساليب التقويم؛ لأن هذا جزء مهم. فلماذا ندرسهم ذلك ثم نقول لهم: لا تتكلموا إلا في الفيزياء، ولا تتحدثوا إلا عن الكيمياء؟ فهم لا يدرسون في جامعاتهم هذه المواد إلا ليكون لها انعكاس وأثر في حسن معاملتهم لطلابهم.

стр. 2411

صفة النفس البشرية إن النفس أمرها عجيب! فالنفس البشرية من أعظم المخلوقات التي جعلها الله في كفة، والمخلوقات كلها في كفة أخرى؛ لبيان عظمتها، وعظمة خلق الله لها، قال : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣]، ففي كل الآفاق آيات، وفي النفس البشرية وحدها آيات كأنما تعدل تلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقال : ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فبعد أن ذكر الله السماوات والأرض ذكر النفس البشرية العجيبة في تقلباتها وتغيراتها العجيبة عندما تتهذب وتتطهر كيف تقود إلى السمو الأخلاقي والمعاني الإنسانية، وإذا كانت على غير ذلك كيف تقود إلى كل سوء من الشحناء والبغضاء والظلم والاعتداء وغير ذلك. وهنا صورة يرسمها بعض العلماء في مقالة طويلة أذكر بعض ومضات منها، يقول ابن القيم في صفة هذه النفس، واحتمالها لما أشارت إليه دلالات الآيات القرآنية للخير والشر، قال في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]: (في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وحيل أصحاب السبت) ثم يذكر صوراً كثيرة يضيق المقام عن ذكرها، ثم شبه النفس ببعض صفات موجودة في البهائم، فقال: (وفيها من البهائم: حرص الغراب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وحقد الجمل، ومكر الثعلب) إلى غير ذلك مما أورده، ثم قال: (فمن استرسل مع طبعه فإنه من هذا الجند، ولا تصلح سلعته لعقد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]. فما اشترى الله إلا نفساً هذبها الإيمان، وخرجت إلى بلد العابدين والتائبين، وذلك أمر مهم، كما ذكر ذلك ابن القيم أيضاً فقال: كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه؟ وولد لا يعذره؟ وصاحب لا ينصحه؟ وعدو لا ينصفه؟ وجار لا يأمنه؟ وشريك لا ينصفه؟ وعدو لا ينام عن عداوته؟ ونفس أمارة بالسوء؟ ودنيا متزينة؟ وهوىً مرد؟ وشهوة غالبة له؟ وغضب قاهر؟ وضعف مستول عليه؟). وكل هذا موجود: النفس والهوى والشيطان، ثم نحن اليوم قد ابتلينا ببلايا عظيمة جاءتنا من هذه القنوات الفضائية والمقالات الإباحية والسلوكيات الانحرافية والضلالات العالمية التي أصبحت تغزو الناس في عقر بيوتهم، وبعد ذلك كله نقول: إن أمر التربية هين! وإن أمر العناية بها ليس في الدرجة الأولى! أو يقول بعض الناس: إنه ينبغي ألا نخوض فيها وألا نتعرض لها! إن الأمر جد خطير، نسأل أن يزكي نفوسنا، وأن يطهر قلوبنا، وأن يرشد عقولنا، وأن يهذب سلوكنا، وأن يصلح أعمالنا. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2412

أهمية التواصل بين البيت والمدرسة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن أمر التربية والتعليم لأمر مهم يخصنا جميعاً، ويعنينا جميعاً؛ ولذا لابد أن نعتني به، ولابد أن نذهب إلى مدارس أبنائنا؛ لنحدث المعلمين والمدراء، ونطلب منهم أن يُعنوا بهذا الجانب تأكيداً وتعاوناً واشتراكاً بين المدرسة والبيت، فإن ثمرة ذلك استقامة الشباب والتضييق على الانحراف والشذوذ والخلل الذي قد يتسرب إلى عقولهم وأفكارهم، ثم يظهر في سلوكهم وأحوالهم، فلا بد أن نُعنى بذلك، وأن نخاطب به من يباشر هذه المهام، وأن نكتب عن ذلك، وأن نتحدث عنه؛ لأنه يمثل محوراً أساسياً جوهرياً.

стр. 2413

أثر التعليم في الأمم والمجتمعات كلنا يعلم أن التعليم له الأثر البالغ في كل أمة ومجتمع؛ ولذلك كان فيما مضى وإلى اليوم والناس كلهم كل معتدل وعادٍ يعلمون أن التغيير يبدأ بالتعليم، الشيوعية الهالكة كان أول عنايتها إذا دخلت بلاد محتلة مغتصبة، أو جاءت عبر أتباع لها ممن يتبنون أفكارها، فإن أول ما يعملونه هو تغيير مناهج التعليم؛ لأنهم يريدون أن ينشئوا الجيل الجديد على ما لديهم من الفكر والسلوك والتصور؛ لأن هذا هو الذي يغرس في الصغار ابتداءً، وفي الكبار ترسيخاً، وفي واقع الحياة ممارسة؛ ولذلك شنت الحملة على هذه المملكة في الزمن القريب وفيما يأتي وإلى يوم الناس هذا؛ لأن سياستها التعليمية سياسة مبنية على إيمان وإسلام وخلق وتقويم؛ ولأنها تدرك أن إخراج الإنسان المؤمن المسلم الذي يمثل إسلامه في فكره توسطاً واعتدلاً، وفي سلوكه خلقاً وسمواً، وفي معاملته حسناً وإحساناً هو الهدف الأسمى لذلك التعليم؛ ولأن مناهج العلوم الإسلامية، بل وحتى العلوم العصرية ليست خالية من اللمسات الإيمانية، والتذكير بعظمة الخالق ، ولذا فإن الهجوم عليها إنما هو لذلك، فما أحرانا أن نواجه هذا الهجوم على أقل تقدير بأن نحافظ على ذلك، وأن نحرص عليه؛ لأنه ما هاجمه أعداؤنا إلا لأنه من أسرار قوتنا، وإلا لأنه من أسباب تماسكنا؛ ولذلك نحن ندرك أن عدونا إنما يريد مضرتنا، فعلينا أن ندرك هذا، وأما ما نحتاج إليه مما يزيد في علم أبنائنا، ويطور في طرائق تعليمنا، ويحسن في وسائل أدائنا فذلك من البدهي الذي لا يحتاج إلى تذكير ولا إلى تطويل في القول. ومن هنا فإننا نأمل من كل أحد من خلال وسائل الإعلام، ومن خلال مناهج التعليم، ومن خلال أدوار المدراء والمعلمين، ومن خلال دور معاشر أولياء الأمور من الآباء والأمهات، ومن خلال كل هذا المجتمع أن نؤكد على أهمية التعليم، وأهمية التزود به واتخاذه سلاحاً من أسلحة القوة ومن أسلحة العصر، وقبل ذلك ومعه وبعده التركيز على أهمية التربية والتزكية والتقويم السلوكي والفكري والنفسي الذي له ثماره الحميدة. نسأل الله أن يمن علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والهداية والاستقامة. اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأرشد عقولنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وأخلص نياتنا، وارفع درجاتنا، وضاعف أجورنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وارفع درجاتنا برحمتك يا أرحم الرحمين! اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وألهمنا رشدنا، وأعذنا من شرور أنفسنا، ووفقنا لطاعتك ومرضاتك يا رب العالمين! اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه. اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، وأحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم -يا رب- عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، وزلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وخالف كلمتهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي! يا عزيز! يا متين! اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين في كل مكان يا رب العالمين! واجعل الدائرة على البغاة الظلمة المعتدين يا قوي! يا عزيز! يا متين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم سكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم، اللهم منّ علينا وعليهم بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! وانصر اللهم عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا عن الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2414

طوائف ومواقف المواجهات والتحديات والهجمات على هذه الأمة كثيرة جداً، وبأشكال مختلفة، ولذلك فقد أصبحت الأمة لقمة سائغة لأعداء الإسلام، فأرضها تغتصب، وأموالها تنتهب، وأعراضها تنتهك، ومقدساتها تدنس، وعقولها وأفكارها تغرب، فيجب على كل مسلم أن يبذل ما بوسعه لصد هذا الغزو، ودحر أعداء هذه الأمة.

стр. 2415

وجوب معرفة الحق واتباعه الحمد لله لا إله غيره، ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من استعطاه، له الحمد جل وعلا، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، له الخلق والأمر، وبيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، أسمع الله به آذاناً غلفاً، وأحيا به قلوباً ميتة، وزادنا فيه وبه وببعثته هدى من بعد ضلالة، ورشداً من بعد غي، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! طوائف ومواقف شتى نراها من أهل الإسلام في مختلف البقاع، وكذلكم مواقف وطوائف من أهل الكفر والعدوان ومن أهل النفاق والممالأة، والله جل وعلا بين الحق من الباطل والخير من الشر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، والمصطفى ﷺ يقول: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات)، ثم بين ﵊ المسلك الذي يختاره كل أحد لنفسه، فمن منتهك للحرمات ومرتكب للمحرمات، ومن ملابس للشبهات وواقع في دوائرها، ومن مستبرئ لدينه متقٍ لربه. وفي هذه الأزمان التي تختلط فيها الأمور حيرة في العقول واضطراباً في الأفكار وميلاً في الأهواء وزيغاً في المواقف ينبغي للمؤمن أن يمحص الأمر، فيعرف الحق ليتبعه ويستمسك به ولو كان مراً، ويعرف الباطل ليعتزله وينأى عنه ولو كان حلواً؛ لأن رسول الله ﷺ كان من دعائه: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه)، ومن نعمة الله علينا أن جعل لنا من كتاب ربنا وهدي رسولنا ﷺ ما نكشف به كل زيف، وما ندحض به كل شبهة، وما ننير به كل ظلمة، وما نعرف به كل ملتبس من الأمور، ولكنها أهواء النفوس، ولكنه ضعف الهمم والعزائم، ولكنه الركون إلى الدنيا وزينتها، ولكنه الخوف من قوى الأرض ومن طغاتها وجباريها، ولكنه ولكنه ولكنه أسباب كثيرة مختلفة. أيها المسلم! لك قلب مؤمن ونفس مسلمة، ولك عقل راجح وفكر متزن، ولك يقين بأن وراء هذه الحياة حياة أخرى، فاختر لنفسك ما فيه فلاح دنياك ونجاة أخراك، واعلم أن كلما يزين لك، وكلما تشجع عليه، وكلما قد تلجئك الأحداث إليه ما لم يكن عليه بينة من كتاب وسنة، وما لم يكن هو النهج الذي تمسك به أصحاب محمد ﷺ ، واعتصم به سلف الأمة، وجدده المؤمنون الأبطال الأشراف عبر تاريخ الأمة إلى يومنا هذا؛ فلا تركن إليه، ولا تمل إليه، ولا تستعذب عاجلاً يكون وراءه آجل عظيم الخطر، شديد الضرر.

стр. 2416

خطر الموج الإعلامي المفسد للمجتمعات الإسلامية هذه طوائف ومواقف أستعرضها لكم، وأنتم تعرفونها؛ غير أني أريد أن أبين اختراق الناس في الأوقات العصيبة والمحن المزلزلة والفتن الملتبسة؛ ليكون لنا موقف ونهج نستعين فيه بالله جل وعلا أولاً وآخراً، ونلتجئ فيه إلى المنهج المعصوم من كتابه وسنة نبيه ﵊، من هذه المواقف: أولاً: كاتب يصف طائفة بمواقفها، ويتخيل أنه يكتب ذلك بعد خمسين عاماً، وكأنه يروي لابنه ما سيسرده له في زمن قادم، ويصف حال طائفة من واقع الأمة، وعلى الطرف الآخر كان فريق من بني العرب يواصلون الغناء الفج والرقص الرخيص ليلاً ونهاراً، وكانت جثث العرب التي تنهشها الكلاب تملأ الصفحات والقنوات، وكانت نساء العرب تبكي وتنتحب في بغداد والقدس وغيرها فيما يسهر القوم حتى الصباح لمتابعة امرأة، ثم ذكر أسماءً أعف لساني عن أن أذكرها من الغانيات الفاسقات، ثم قال: لقد جاءوا بهن، وجردوهن من معظم ملابسهن، وأطلقوهن علينا صباح مساء، وكأنهم يحتفون بالدم العربي على طريقتهم، كان الأبناء مثلك في هذا الوقت -يعني: هذا الوقت الحاضر- يخرجون للهتاف لزعيم للفضاء، ويعني: الذين فازوا في برامج الفضاء النجومية، وذكر أسماءهم، ثم قال: كان مجرد ظهور راقصة عارية في فلم عربي يثير الاستياء، أما في هذا الزمن الذي أحدثك عنه فالعري بات سمة للمطربين والمطربات، كنا نحاول أن نمسك أو نتمسك بقيمنا العربية الأصيلة لكن الموج كان عالياً، والعدوان عاتياً، والحصار محكماً، وشيئاً فشيئاً تعودنا على الخلاعة، وأصبح كل من يكتب منتقداً هذا المسح أو المسخ الأخلاقي ساذجاً ومتخلفاً مثل أبيك، أي بني! معذور في سخطك علي، ثم ذكر حال طائفة، ذكر ذلك في إيحاءات وإشارات، ولكني أنقل ومضات قليلة من فيض كثير يصور واقعاً عملياً لمثل هذه الفئات، فهذه عاصمة كبرى لدولة عربية عظمى، يزورها مغنٍ أمريكي يأتي بطائرة خاصة، يحرسه أربعمائة شرطي، وألفي رجل أمن خاص، ويرافقه مائة وعشرون من المرافقين! ومعه نحو أربعين طناً من المعدات الصوتية والغنائية! وترافقه خطيبته، وهناك أربعة عشر ألف تذكرة طبعت، قيمة الواحدة منها تتراوح ما بين خمسمائة إلى ألف من عملة تلك البلاد! والعجيب أن هناك تذاكر بمائتين فقط لمن يريد الدخول وقوفاً! وسيشارك في هذا الحفل واحدة من أولئك الساقطات اللائي ذكرهن صاحب المقال السابق.

стр. 2417

فساد أكثر القنوات الفضائية العربية تذكر الصحف نحو مائة قناة تخاطب المشاهد العربي، منها إحدى عشرة قناة غنائية فقط؛ ليس لها على مدى أربع وعشرين ساعة إلا الآهات واستعراض الأجساد العارية والفتن الماجنة، وهكذا نجد قناة عربية في بلد عربي آخر تتولى عقداً من مؤسسة إعلامية أمريكية؛ لتقوم بمهمة إنشاء قناة فضائية عراقية، فكم تبذل من الأموال؟ وكم يُستغل من الأشخاص؟ وكم من الشباب والشابات؟ وكم هو هذا التيار في واقع حياتنا؟ فهناك من ارتضى لنفسه أن يعيش مع الشهوات، وأن يبقى مع المطربين والمطربات، وأن يبقى على الهواتف والاتصالات والتصويت، وهناك أجيال تغرب وتقتل فيها معاني العزة والشرف، ولسان حال أولئك كأنما يعبر عما ذكره الله جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]، وذلك ينبؤنا عن كثير مما يحل بنا من البلاء؛ لأن الفتن إذا عظمت والمفاسد إذا كثرت والمنكرات إذا أقرت فإن ذلك مؤذن بخطر عظيم في انتشار الفساد والشر والضر، وأعظم منه فساد القلوب وكدر النفوس وزيغ الأهواء وضلال العقول، نسأل الله السلامة. ومثل ذلك قد يكون كثيراً، وأختمه بحادثة كتبتها الصحف عن إحدى محافظاتنا أنه: قبض على مواطن وأربع نساء يديرون شبكة دعارة، ومصانع لتصنيع الخمور! وهذا في ظل هذه الظروف التي تسمعون عنها، فالفاسدون والمفسدون هم مسامير تدق في نعش أمتنا، وتكون سبباً فيما يحل بنا من بلاء.

стр. 2418

أحداث الفلوجة لا أريد أن أعلق على كل طائفة وموقف، ولكني أستعرض، وسأنتقل إلى طائفة أخرى ومواقف أخرى، واسمحوا لي أن أكون مبتعداً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فإن هذا هو ما يحكيه واقعنا: في الوقت الذي يسهر أولئك على الطرب والغناء، أنقلكم إلى مدينة فيها سبعمائة ألف من المسلمين العرب السنة، وقد استشهد منهم في خلال أيام قليلة سبعمائة، ووقعت فيها جرائم فظيعة تسجل في سجل الجرائم ضد الإنسانية؛ وهي جرائم غير مسبوقة؛ لأن جيشاً عظيماً هائلاً للقوة العظمى يحاصر الفلوجة نحو أسبوعين، ويقصفها بالطائرات، ويرميها بالمدفعيات، ويهدم المساجد على رءوس من فيها، فيستشهد أكثر من أربعين، ويستخدم القنابل العنقودية المحرمة دولياً كما يقولون، ويواصل الحصار، ويحفر الخنادق حولها، ويضرب مؤسسات الكهرباء والماء، ويمنع الجرحى والمرضى أن يصلوا إلى المستشفيات، حتى وصف مراسل صحيفة محلية استطاع أن يدخل إلى الفلوجة في زمن يسير أثناء توقف القتال فيصف لنا هذه المشاهد فيقول: مدينة تطفوا على بركة من الدم! ظلام دامس! ثم يخبرنا أنه رأى بطولات من مدينة المساجد والمآذن، وما إن تدخل المدينة حتى تسمع من يقول: القتال في الفلوجة يعني: الدخول إلى الجنة، فيأخذك الشعور بالاطمئنان، ولحظة ذاك تدرك الفرق بين الجنة والجحيم على أرض الواقع، ولكن بشكل مخالف جداً للحقيقة، وتبرز أمامك حقائق كثيرة أهمها: إصرار الأهالي على القتال، على الرغم من إدراكهم أنهم يدفعون الثمن باهظاً. ثم يروي كلمات لمحافظ المدينة ويقول: إن الناس هناك مصرون على الثبات، ويروي قصة امرأة أخذت جثة زوجها القتيل، ووضعتها في وسط دارها؛ لأنها لا تستطيع دفنها، ثم ضمدت جراح ابنها، وأخذت بندقيتها وخرجت للثأر من القتلة غير مبالية، ثم يقول: ما يجعلنا متمسكين بقيمنا أن الأهالي مصرون على مواجهة الاحتلال، وعدد من الأهالي كتبوا وصاياهم وسلموها إلى أئمة المساجد، ومعظمها فيها وصية الأبناء والأحفاد بمواصلة الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، وأولئك العزل وأولئك الضعفاء قد أسقطوا عشر طائرات، وقد قتلوا في الحقيقة لا في المعلن أعداداً تزيد على المئات أو تبلغ المئات، ثم مع ذلك تجد ثباتهم ويقينهم وليسوا وحدهم، فإنهم إن كان قد مرت بهم أحداث الاحتلال خلال عام فإنها قد وصلت إلى نحو أكثر من ستين عاماً في أرض فلسطين، وما زال أبطال الأقصى وما زال أشراف بيت المقدس وما زال المؤمنون هناك يرفعون رايات العز ويأبون الذل.

стр. 2419

ومضات من تاريخ مدينة الفلوجة أشير إلى مدينة الفلوجة على وجه الخصوص؛ فإن لها تاريخاً في الإيمان والعزة، وفي الجهاد والفداء والتضحية، وفي دحر المعتدين، فقد كانت شرارة مقاومة عظمى ضد الإنجليز في زمن مضى، وكانت بداية نصر، والعجيب أن هذه المدينة باسمها واشتقاقها في معانيها اللغوية تحمل معانٍ عظيمة! فمن معانيها: الفوز والظفر، ومن معانيها: السكينة والطمأنينة إلى غير ذلك، وقد قال الرصاصي شاعر العراق عنها قبل أكثر من نحو أربعين عاماً، وكأنه يقوله اليوم: أيها الإنجليز لن نتناسى بغيكم في مساكن الفلوجه أدرتم فيها على العزل كأساً من دماء بالغدر كانت مزيده حلها جيشكم يريد انتقاماً وهو مغرٍ بالساكنين علوجه سوف ينأى بخزي وعار عن بلاد تريد منها خروجه ما حياة الإنسان بالذل إلا مرة عند حسوها ممجوجه فثناء للرافدين وشكراً وسلاماً عليك يا فلوجه إنها عين القصة، ونفس الجريمة، وذات الطريقة، ولكنه كذلك -بإذن الله تجدد موقف الإيمان وعزة الجهاد وشموخ المستعلين بدينهم المعتزين بأصالتهم وعراقتهم، الرافضين لكل ما يقال ويذاع ويشاع، ومع ذلك فالدروس عظيمة يضيق المقام عن حصرها. إلى الذين ركعوا وخنعوا وذلوا وباعوا فلتأخذوا من أهل الفلوجة مع قلة عددهم وعددهم عبرة ودرساً؛ فإن المعتدي اليوم هو الذي يلتمس الخروج، وهو الذي يوسط المفاوضين، وهو الذي يريد أن يسلم من نار تلك المقاومة الجهادية، وانظروا كذلك فإنكم واجدون هناك من صور الإيمان والعزة ما يبين حقيقة القوة في المعاني الإيمانية والإسلامية لا في القوى المادية والعسكرية، ولو أردنا أن نذكر هنا شيئاً من المواقف المشرفة ومن الآثار العظيمة لطال مقامنا في ذلك، ولكني أستعرض لكم تلك المواقف والطوائف لتروا وتنظروا، وتفضلوا وتقارنوا، وتختاروا وتتبعوا.

стр. 2420

بيان ضرر وخطأ الذين يفجرون في البلدان الإسلامية أنتقل إلى طائفة ثالثة وهي مفارقة ومخالفة، فحالنا يجمع أموراً عجيبة، وتناقضات غريبة، إنها أحداث قائمة على منهج خاطئ، وتهور مرفوض، وسفك للدماء المعصومة، وإتلاف للأموال المحترمة، وإخلال بالأمن، ذلكم ما جرى ويجري في بلادنا من تلك العمليات والتفجيرات والاغتيالات، وقد أسلفنا القول فيما هو صحيح في ارتباطه أو صلته من قريب أو بعيد بمعاني الجهاد، أو بمعاني الإصلاح والتغيير المطلوب والمرجو منه نفع الإسلام والمسلمين، وليس فيها ما قد يكون شبهة من دليل فضلاً عن أن يكون حجة قاطعة، ثم هناك استنفار وتفجير للطاقات في غير مكانها، وميادين للمعارك في غير ساحاتها، وفرص للأعداء وتمكينهم، وفرص لإضعاف القوى والمجتمعات والدول والشعوب الإسلامية، وإثارة النزاعات والقلاقل والاختلافات، فأي شيء وراء ذلك ونحن نعلم تعظيم حرمة دم المسلم؟ قال : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وكلنا يعلم ما ورد في ذلك من الأحاديث، وقد أسلفت القول مراراً وتكراراً؛ فإن هذه صفحة سوداء مظلمة، وإن هذا مسلك وخيم العواقب، وليس له حجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونهج الصحابة، وليس في سلف الأمة من جنح إلى مثل ذلك، وكلما شذ عن هذا فقد جاءنا فيه بيان واضح شافٍ من سنة النبي ﷺ ، ومن التحذير من تلك المزالق والمأزق، فينبغي لنا أن ندرك ذلك؛ لأنه على خلاف نهج ديننا، ولأنه على تناقض مباشر مع مصالح أمتنا، ولأنه يصب في الجملة في خانة أعدائنا، وتلك صفحة أخرى وطائفة أخرى قل عددها، ونرجو ألا يكون فينا ولا معنا ولا بيننا من قد يلتبس عليه أمرها.
следующие страницы →