← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

خطر الموج الإعلامي المفسد للمجتمعات الإسلامية هذه طوائف ومواقف أستعرضها لكم، وأنتم تعرفونها؛ غير أني أريد أن أبين اختراق الناس في الأوقات العصيبة والمحن المزلزلة والفتن الملتبسة؛ ليكون لنا موقف ونهج نستعين فيه بالله جل وعلا أولاً وآخراً، ونلتجئ فيه إلى المنهج المعصوم من كتابه وسنة نبيه ﵊، من هذه المواقف: أولاً: كاتب يصف طائفة بمواقفها، ويتخيل أنه يكتب ذلك بعد خمسين عاماً، وكأنه يروي لابنه ما سيسرده له في زمن قادم، ويصف حال طائفة من واقع الأمة، وعلى الطرف الآخر كان فريق من بني العرب يواصلون الغناء الفج والرقص الرخيص ليلاً ونهاراً، وكانت جثث العرب التي تنهشها الكلاب تملأ الصفحات والقنوات، وكانت نساء العرب تبكي وتنتحب في بغداد والقدس وغيرها فيما يسهر القوم حتى الصباح لمتابعة امرأة، ثم ذكر أسماءً أعف لساني عن أن أذكرها من الغانيات الفاسقات، ثم قال: لقد جاءوا بهن، وجردوهن من معظم ملابسهن، وأطلقوهن علينا صباح مساء، وكأنهم يحتفون بالدم العربي على طريقتهم، كان الأبناء مثلك في هذا الوقت -يعني: هذا الوقت الحاضر- يخرجون للهتاف لزعيم للفضاء، ويعني: الذين فازوا في برامج الفضاء النجومية، وذكر أسماءهم، ثم قال: كان مجرد ظهور راقصة عارية في فلم عربي يثير الاستياء، أما في هذا الزمن الذي أحدثك عنه فالعري بات سمة للمطربين والمطربات، كنا نحاول أن نمسك أو نتمسك بقيمنا العربية الأصيلة لكن الموج كان عالياً، والعدوان عاتياً، والحصار محكماً، وشيئاً فشيئاً تعودنا على الخلاعة، وأصبح كل من يكتب منتقداً هذا المسح أو المسخ الأخلاقي ساذجاً ومتخلفاً مثل أبيك، أي بني! معذور في سخطك علي، ثم ذكر حال طائفة، ذكر ذلك في إيحاءات وإشارات، ولكني أنقل ومضات قليلة من فيض كثير يصور واقعاً عملياً لمثل هذه الفئات، فهذه عاصمة كبرى لدولة عربية عظمى، يزورها مغنٍ أمريكي يأتي بطائرة خاصة، يحرسه أربعمائة شرطي، وألفي رجل أمن خاص، ويرافقه مائة وعشرون من المرافقين! ومعه نحو أربعين طناً من المعدات الصوتية والغنائية! وترافقه خطيبته، وهناك أربعة عشر ألف تذكرة طبعت، قيمة الواحدة منها تتراوح ما بين خمسمائة إلى ألف من عملة تلك البلاد! والعجيب أن هناك تذاكر بمائتين فقط لمن يريد الدخول وقوفاً! وسيشارك في هذا الحفل واحدة من أولئك الساقطات اللائي ذكرهن صاحب المقال السابق.

стр. 2417

فساد أكثر القنوات الفضائية العربية تذكر الصحف نحو مائة قناة تخاطب المشاهد العربي، منها إحدى عشرة قناة غنائية فقط؛ ليس لها على مدى أربع وعشرين ساعة إلا الآهات واستعراض الأجساد العارية والفتن الماجنة، وهكذا نجد قناة عربية في بلد عربي آخر تتولى عقداً من مؤسسة إعلامية أمريكية؛ لتقوم بمهمة إنشاء قناة فضائية عراقية، فكم تبذل من الأموال؟ وكم يُستغل من الأشخاص؟ وكم من الشباب والشابات؟ وكم هو هذا التيار في واقع حياتنا؟ فهناك من ارتضى لنفسه أن يعيش مع الشهوات، وأن يبقى مع المطربين والمطربات، وأن يبقى على الهواتف والاتصالات والتصويت، وهناك أجيال تغرب وتقتل فيها معاني العزة والشرف، ولسان حال أولئك كأنما يعبر عما ذكره الله جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]، وذلك ينبؤنا عن كثير مما يحل بنا من البلاء؛ لأن الفتن إذا عظمت والمفاسد إذا كثرت والمنكرات إذا أقرت فإن ذلك مؤذن بخطر عظيم في انتشار الفساد والشر والضر، وأعظم منه فساد القلوب وكدر النفوس وزيغ الأهواء وضلال العقول، نسأل الله السلامة. ومثل ذلك قد يكون كثيراً، وأختمه بحادثة كتبتها الصحف عن إحدى محافظاتنا أنه: قبض على مواطن وأربع نساء يديرون شبكة دعارة، ومصانع لتصنيع الخمور! وهذا في ظل هذه الظروف التي تسمعون عنها، فالفاسدون والمفسدون هم مسامير تدق في نعش أمتنا، وتكون سبباً فيما يحل بنا من بلاء.

стр. 2418

أحداث الفلوجة لا أريد أن أعلق على كل طائفة وموقف، ولكني أستعرض، وسأنتقل إلى طائفة أخرى ومواقف أخرى، واسمحوا لي أن أكون مبتعداً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فإن هذا هو ما يحكيه واقعنا: في الوقت الذي يسهر أولئك على الطرب والغناء، أنقلكم إلى مدينة فيها سبعمائة ألف من المسلمين العرب السنة، وقد استشهد منهم في خلال أيام قليلة سبعمائة، ووقعت فيها جرائم فظيعة تسجل في سجل الجرائم ضد الإنسانية؛ وهي جرائم غير مسبوقة؛ لأن جيشاً عظيماً هائلاً للقوة العظمى يحاصر الفلوجة نحو أسبوعين، ويقصفها بالطائرات، ويرميها بالمدفعيات، ويهدم المساجد على رءوس من فيها، فيستشهد أكثر من أربعين، ويستخدم القنابل العنقودية المحرمة دولياً كما يقولون، ويواصل الحصار، ويحفر الخنادق حولها، ويضرب مؤسسات الكهرباء والماء، ويمنع الجرحى والمرضى أن يصلوا إلى المستشفيات، حتى وصف مراسل صحيفة محلية استطاع أن يدخل إلى الفلوجة في زمن يسير أثناء توقف القتال فيصف لنا هذه المشاهد فيقول: مدينة تطفوا على بركة من الدم! ظلام دامس! ثم يخبرنا أنه رأى بطولات من مدينة المساجد والمآذن، وما إن تدخل المدينة حتى تسمع من يقول: القتال في الفلوجة يعني: الدخول إلى الجنة، فيأخذك الشعور بالاطمئنان، ولحظة ذاك تدرك الفرق بين الجنة والجحيم على أرض الواقع، ولكن بشكل مخالف جداً للحقيقة، وتبرز أمامك حقائق كثيرة أهمها: إصرار الأهالي على القتال، على الرغم من إدراكهم أنهم يدفعون الثمن باهظاً. ثم يروي كلمات لمحافظ المدينة ويقول: إن الناس هناك مصرون على الثبات، ويروي قصة امرأة أخذت جثة زوجها القتيل، ووضعتها في وسط دارها؛ لأنها لا تستطيع دفنها، ثم ضمدت جراح ابنها، وأخذت بندقيتها وخرجت للثأر من القتلة غير مبالية، ثم يقول: ما يجعلنا متمسكين بقيمنا أن الأهالي مصرون على مواجهة الاحتلال، وعدد من الأهالي كتبوا وصاياهم وسلموها إلى أئمة المساجد، ومعظمها فيها وصية الأبناء والأحفاد بمواصلة الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، وأولئك العزل وأولئك الضعفاء قد أسقطوا عشر طائرات، وقد قتلوا في الحقيقة لا في المعلن أعداداً تزيد على المئات أو تبلغ المئات، ثم مع ذلك تجد ثباتهم ويقينهم وليسوا وحدهم، فإنهم إن كان قد مرت بهم أحداث الاحتلال خلال عام فإنها قد وصلت إلى نحو أكثر من ستين عاماً في أرض فلسطين، وما زال أبطال الأقصى وما زال أشراف بيت المقدس وما زال المؤمنون هناك يرفعون رايات العز ويأبون الذل.

стр. 2419

ومضات من تاريخ مدينة الفلوجة أشير إلى مدينة الفلوجة على وجه الخصوص؛ فإن لها تاريخاً في الإيمان والعزة، وفي الجهاد والفداء والتضحية، وفي دحر المعتدين، فقد كانت شرارة مقاومة عظمى ضد الإنجليز في زمن مضى، وكانت بداية نصر، والعجيب أن هذه المدينة باسمها واشتقاقها في معانيها اللغوية تحمل معانٍ عظيمة! فمن معانيها: الفوز والظفر، ومن معانيها: السكينة والطمأنينة إلى غير ذلك، وقد قال الرصاصي شاعر العراق عنها قبل أكثر من نحو أربعين عاماً، وكأنه يقوله اليوم: أيها الإنجليز لن نتناسى بغيكم في مساكن الفلوجه أدرتم فيها على العزل كأساً من دماء بالغدر كانت مزيده حلها جيشكم يريد انتقاماً وهو مغرٍ بالساكنين علوجه سوف ينأى بخزي وعار عن بلاد تريد منها خروجه ما حياة الإنسان بالذل إلا مرة عند حسوها ممجوجه فثناء للرافدين وشكراً وسلاماً عليك يا فلوجه إنها عين القصة، ونفس الجريمة، وذات الطريقة، ولكنه كذلك -بإذن الله تجدد موقف الإيمان وعزة الجهاد وشموخ المستعلين بدينهم المعتزين بأصالتهم وعراقتهم، الرافضين لكل ما يقال ويذاع ويشاع، ومع ذلك فالدروس عظيمة يضيق المقام عن حصرها. إلى الذين ركعوا وخنعوا وذلوا وباعوا فلتأخذوا من أهل الفلوجة مع قلة عددهم وعددهم عبرة ودرساً؛ فإن المعتدي اليوم هو الذي يلتمس الخروج، وهو الذي يوسط المفاوضين، وهو الذي يريد أن يسلم من نار تلك المقاومة الجهادية، وانظروا كذلك فإنكم واجدون هناك من صور الإيمان والعزة ما يبين حقيقة القوة في المعاني الإيمانية والإسلامية لا في القوى المادية والعسكرية، ولو أردنا أن نذكر هنا شيئاً من المواقف المشرفة ومن الآثار العظيمة لطال مقامنا في ذلك، ولكني أستعرض لكم تلك المواقف والطوائف لتروا وتنظروا، وتفضلوا وتقارنوا، وتختاروا وتتبعوا.

стр. 2420

بيان ضرر وخطأ الذين يفجرون في البلدان الإسلامية أنتقل إلى طائفة ثالثة وهي مفارقة ومخالفة، فحالنا يجمع أموراً عجيبة، وتناقضات غريبة، إنها أحداث قائمة على منهج خاطئ، وتهور مرفوض، وسفك للدماء المعصومة، وإتلاف للأموال المحترمة، وإخلال بالأمن، ذلكم ما جرى ويجري في بلادنا من تلك العمليات والتفجيرات والاغتيالات، وقد أسلفنا القول فيما هو صحيح في ارتباطه أو صلته من قريب أو بعيد بمعاني الجهاد، أو بمعاني الإصلاح والتغيير المطلوب والمرجو منه نفع الإسلام والمسلمين، وليس فيها ما قد يكون شبهة من دليل فضلاً عن أن يكون حجة قاطعة، ثم هناك استنفار وتفجير للطاقات في غير مكانها، وميادين للمعارك في غير ساحاتها، وفرص للأعداء وتمكينهم، وفرص لإضعاف القوى والمجتمعات والدول والشعوب الإسلامية، وإثارة النزاعات والقلاقل والاختلافات، فأي شيء وراء ذلك ونحن نعلم تعظيم حرمة دم المسلم؟ قال : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وكلنا يعلم ما ورد في ذلك من الأحاديث، وقد أسلفت القول مراراً وتكراراً؛ فإن هذه صفحة سوداء مظلمة، وإن هذا مسلك وخيم العواقب، وليس له حجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونهج الصحابة، وليس في سلف الأمة من جنح إلى مثل ذلك، وكلما شذ عن هذا فقد جاءنا فيه بيان واضح شافٍ من سنة النبي ﷺ ، ومن التحذير من تلك المزالق والمأزق، فينبغي لنا أن ندرك ذلك؛ لأنه على خلاف نهج ديننا، ولأنه على تناقض مباشر مع مصالح أمتنا، ولأنه يصب في الجملة في خانة أعدائنا، وتلك صفحة أخرى وطائفة أخرى قل عددها، ونرجو ألا يكون فينا ولا معنا ولا بيننا من قد يلتبس عليه أمرها.

стр. 2421

التحذير من العرب الموالين لأعداء الإسلام أنتقل إلى طائفة أخرى، وقد تعجبون هل بقيت هناك طوائف؟ ما سأذكره من بقية الطوائف إنما هو بعضها لا كلها: طائفة من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وقد أشرت مراراً إلى بعض أحوالهم، وكثير من فعالهم، وهم يشكلون حربة تطعن الأمة في ظهرها، وتطعنها في خاصرتها، وتجوس خلال ديارها، وتبث عوامل الضعف والانحلال من داخلها، إنهم أولئك الذين يرددون أقوال المعتدين الذين يواجهون الإسلام والمسلمين، ويبشروننا بمقالاتهم، ويؤكدون علينا صدق وعودهم، ويرددون علينا صباح مساء ضرورة التحالف والائتلاف معهم ونحو ذلك، وتراهم يقومون في داخل بلادنا الإسلامية على اختلاف رقعتها بما يريده العدو، بل بما هو أكثر من ذلك، أفلستم تسمعون وترون الصيحات المتتابعة والأعمال المتواصلة لتغيير مناهج التعليم، واجتثاث جذورها الدينية، واقتلاع صلتها الإسلامية، ومحو ارتباطها التاريخي؟! ويقولون لك: إنه لابد من ذلك وإلا فإننا سنكون في نظر العالم متطرفين وإرهابيين وغير ذلك! أفلا تراهم وهم يحدثونك عن العمل الخيري وركن من أركان الإسلام وهو الزكاة ومساعدة المحتاجين وتأكيد وحدة المسلمين، وما يلزم من الوقوف مع الممتحنين والمضطهدين فيقولون: إن ذلك مساندة للإرهاب، وإننا إنما نبدد أموالنا في غير معركة -كما يقولون- ناجحة؟! ثم إنهم يقولون: إن هناك خطراً عظيماً، وإن صورنا الدولية في العالم ينبغي أن تضبط، وأن تحسن، ولابد من التضييق على هذا العمل الخيري، ومن إغلاق مؤسساته، ومن تجفيف منابعه، ومن ومن إلى غير ذلك، ويسعون فيه فعلاً لا قولاً، ثم تراهم وهم يطنطنون على قضية المجتمع، والمرأة وحريتها ومشاركتها وعملها فيما ليس معروفاً ومضبوط بضوابط شريعتنا وبأسس مجتمعاتنا، بل بلسان عدونا، وبمنطق ديمقراطيته، وبمبادئ حريته، وبأسس إباحيته إلى غير ذلك. وهكذا ترى أحدهم وقد كتب عن الفلوجة التي تحدثنا عنها فيقول: إن هذا الفعل من أولئك القوم ومن الذين ينادون بنصرتهم والوقوف معهم، إنما هو خطأ محض، وإنما هو تهور لا داعي له؛ لأنه يفسد الصورة المستقبلية المرجوة من تسليم الحكم لأهل البلاد، ومن شيوع الأمن، وحلول الديمقراطية، وحصول التقدم وغير ذلك من الوعود التي لا يصدقها إلا صاحب هوىً أو صاحب حمق نسأل الله السلامة. الله جل وعلا يخبرنا عن أمثال هؤلاء وغيرهم، ويبين أنهم مع وضوح الرؤية لديهم كأنما يقصدون الحرب لدين الله ، قال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]، وكل صورة من صور العداء للدين أو مواجهته أو التضييق عليه فإنما صاحبها يعرض نفسه لمحاربة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣]، إنها صور من المحاربة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومحاولة لتغيير واقع الأمة بما يتوافق مع الأعداء، وذلك خطر عظيم.

стр. 2422

فضل المصلحين من هذه الأمة أنتقل إلى طائفة أخيرة أشير إليها إشارات؛ لأنها ليست محصورة في صور معينة، وإنما هي واسعة الطيف، منتظمة في كثير من البلاد والبقاع، وتشمل فئات غير قليلة من أهل الإيمان والإسلام والغيرة، إنهم علماء من الأمة يعلمون ويرشدون ويبينون ويوضحون ويقفون المواقف المشرفة، ويقومون بالأعمال العظيمة، دعاة غيورون، يذكرون الناس وينبهونهم ويحذرونهم من المخاطر والمزالق، ويتقدمونهم إلى الإصلاح وتغيير المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة واتباع النبي ﷺ في دعوته، متبعين قول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، إنهم مربون ومربيات من الأساتذة والأستاذات يقومون بتوجيه أبنائهم وتلقينهم مبادئ الإسلام، وتعريفهم بعزته، وتذكيرهم بلزوم اتباعه والاستمساك به، وآخرون من الآباء والأمهات يحسنون تربية أبنائهم، ويجعلون بيوتهم نوراً مشرقاً بآيات القرآن وموطناً لمواطن ذكر رسول الله ﷺ واستعراض سيرته، وينشئون أبناءهم تنشئة على الخير والهدى والتقى والصلاح، وآخرون يلتزمون دين الله في لزوم المساجد والصلوات والدعوات والصدقات وكل الأعمال الصالحات، بل ويقومون بالأعمال والمشروعات الخيرية والدعوية والإصلاحية؛ ليتحقق بذلك بعض سنة الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ويحققوا نداء الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، ويتعرضون ليكونوا من طائفة محمودة في أمة الإسلام قال عنها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وليكونوا كذلك سبباً من أسباب دفع البلاء والنقمة الربانية، وليكونوا سبباً من أسباب تنزل نصر الله ، قال : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال سبحانه: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]. تلك طوائف، وتلك مواقف؛ والحق أبلج بين، فاختر لنفسك؛ فإنك تعلم ما ينفعك في دنياك وما ترجو أجره وثوابه في أخراك. أسأل الله أن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يسلك بنا طريق الصلاح الرشاد والهدى والتقى، وأن يجعلنا لكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه ﷺ متبعين، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2423

واجب المسلمين أمام التحديات التي تحاك لأمتهم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! أوصيكم بتقوى الله؛ فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ولا شك أنكم من الناحية النظرية تعرفون ما تختارون، وأن الاختيار واضح، إلا أنني أحب أن أشير إلى نقاط مهمة: كثيرون في كل مرة وأزمة، وفي كل فتنة ومحنة، وفي كل كارثة وأحداث أليمة محزنة يأتون وملء صدورهم حماسة، وملء قلوبهم غيرة، وهم يسألون: ماذا نفعل؟ وكأن أحدهم يتصور أنه لا يمكن أن ينصر دينه أو أن يعين إخوانه إلا في صورة واحدة أو صور محدودة، فإن تعثرت لم يكن له طريق يقيم فيه دين الله، وينصر فيه دين الله ، ولست هنا سأعطي لكم وصفة أو طريقة، ولكني أنقلكم إلى مشهد مماثل من سيرة النبي ﷺ يوم تحزب الأحزاب، واجتمعوا كما يجتمعون اليوم في أرض العراق، يوم صار الحصار واجتمعت القوى الرهيبة العظيمة، يوم أسلم نعيم بن مسعود في تلك الأزمة، فجاء إلى النبي ﷺ ليقول له: إني قد أسلمت، فمرني -يا رسول الله- ماذا أفعل؟ فقال له رسول الله ﵊: (إنما أنت رجل منا فخذل عنهم ما استطعت)، وهي التي نقولها لكل أحد: إنما أنت من المسلمين فخذل عنهم ما استطعت، ولو باستقامتك وطاعتك، ولو بصلاتك ودعوتك، ولو بزكاتك ونفقتك، ولو بتربيتك ابنك وابنتك، ولو بكل سبيل وطريق، فإن كنت ذا غيرة وإيمان فلن تعدم الوصول إليها، وكما قلت من قبل: من يقول: ليس هناك شيء أفعله فإنه في الغالب لا يريد فعل شيء، وإلا فإن أي عمل يمكن أن تصنعه سيكون مفيداً نافعاً، فمثلاً: الذي يدخن ويحرق ماله وصحته ويقوي أعداءه أفليس حري به في مثل هذه الظروف العصيبة أن ينتصر على نفسه؛ فيقلع عن هذه الصفة الذميمة؟ أفليست هناك جهود تبذل في هذا، وهي من جهود نصر الأمة؟ ونحو ذلك من أمور كثيرة يضيق المقام عن ذكرها.

стр. 2424

أمور مهمة في طريق الإصلاح نحن نحتاج إلى أمرين: الأمر الأول: أن نكون على نهج ومنهج وبينة وبصيرة، لا أن يكون عملنا رد فعل، ولا تحركاً طائشاً، بل على آيات تتلى وأحاديث تروى وسيرة تعرف ومناهج محددة واضحة بينة. الأمر الثاني: الاستمرار، فلسنا نريد عاطفة مؤقتة، أو دمعة عابرة، أو دعوة واحدة مفردة، ثم نعود مرة أخرى، ذلكم ما كنت ولا زلت وسأظل أذكر نفسي به وإياكم، نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأرشد عقولنا، وحسن أقوالنا، وأخلص أعمالنا، وأصلح أحوالنا، وضاعف أجورنا، وارفع منازلنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم وفقنا للصالحات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آتٍ، برحمتك يا رب الأرض والسماوات! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم املأ قلوبنا بحبك، وأنطق ألسنتنا بذكرك، واستخدم جوارحنا في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك ونصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، ورد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم. اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم أذل أعناقهم، وسود وجوههم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وأرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك يا عزيز! يا منتقم! يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا قوي! يا عزيز! يا متين! اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين، وهزيمة الشرك والمشركين والكافرين المعتدين والطغاة الظالمين يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والجرحى والمرضى والمحاصرين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، اللهم أفض إلى قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، اللهم أمدهم بحولك وقوتك ونصرك وعزتك يا رب العالمين! اللهم كثر العدو القاهر، وقلَّ المعين الناصر، وليس لها من دونك كاشفة، اللهم اكشف البلاء عن الأمة، وارفع الضراء والغمة يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل فيما قضيته على إخواننا في العراق وفي فلسطين وفي كل مكان خيراً لهم في دينهم ودنياهم وعاجل أمرهم وآجله يا رب العالمين! اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2425

المخاطر الجسيمة والوعود العقيمة أكبر قضية تشغل بال المسلمين اليوم هي قضية القدس السليبة، مسرى رسول الله ﷺ ، وأرض النبوات، وهي مربط الفرس في العداء بين المسلمين وأهل الكتاب، وما ذاك إلا لأنها بالنسبة للمسلمين شيء عظيم عزيز يفدونه بأرواحهم ودمائهم، ولا يمكن أن يتخلوا عنه أبداً مهما تآمر المتآمرون، وفعل المبطلون، والدفاع عنها باقٍ إلى قيام الساعة.

стр. 2426

العداوة بين أهل الإسلام واليهود الحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، حمداً نلقى به أجراً ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله عنا خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فأيها الإخوة المؤمنون! حديثنا اليوم عن القضية العظمى التي لا أمل من تكرار الحديث عنها لاعتبارات كثيرة؛ لأنها هدف نهائي، وغاية كبيرة عظمى لكل ما يحاك حول أهل الإسلام وأمته، ولكل ما يدبر للمسلمين في شتى بقاع الأرض. إنها قضية فلسطين مسرى رسول الله ﷺ ، المسجد الأقصى، أرض النبوات والأنبياء، الأرض التي فتحها عمر ﵁، وحررها صلاح الدين ﵀، وروتها دماء المسلمين إلى يومنا هذا على أيدي الأبطال الأشاوس المؤمنين من الصغار والشباب الذين بذلوا أرواحهم فداء لدينهم، والذين أزهقوا نفوسهم إعزازاً لأمتهم، والذين تصدوا بصدورهم العارية للقوة الضاربة الضارية؛ ليثبتوا عظمة الإيمان، وقوة الإسلام، وغيرة وحمية المؤمنين الذين لا ترهبهم القوى العظمى، ولا تخيفهم المؤامرات الكبرى، ولا تنطلي عليهم الخدع المتوالية.

стр. 2427

أسباب استمرار العداء في أرض الإسراء مسلسل العداء: مربط فرسه، وقطب رحاه في (أرض فلسطين)؛ لأسباب كثيرة: أولها: أن هذه الأرض بالنسبة للمسلمين أرض مقدسه، فيها آيات تتلى، وأحاديث تروى، ولن تنسخ الآيات مهما فعل المبطلون، ولن تلغى الأحاديث مهما تآمر المتآمرون، ولن ينسلخ المؤمنون من دينهم، ولن ينزع اليقين والتسليم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من قلوبهم، فالقضية باقية ما بقي القرآن، وهو باق إلى قيام الساعة، والقضية باقية ما بقيت سنة رسول الله ﷺ ، وهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، باقية ما بقي مسلم وطائفة مسلمه ثابتة على الحق معتصمة به، وقد قال سيد الخلق ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وفي راوية أحمد قيل: (أين هم يا رسول الله؟! قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس). وقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخبر فيه النبي ﷺ عن ستة أمور تتوالى بعد وفاته ﷺ ، وذكر منها فتح بيت المقدس؛ ليشير النبي الكريم ﷺ إلى أنه امتداد لرسالته ومهمته ونبوته منذ أن أسرى الله به إلى تلك البقاع المقدسة، ومنذ أن صلى إماماً بالرسل والأنبياء، ومنذ أن عرج به إلى السماء. وقد سارت جيوشه ﷺ وجنوده من صحبه الكرام لتتوالى وتتصل من بعد وفاته ﵊. الأمر الثاني: أن الصراع في تلك الأرض المقدسة مع القوم الذين أخبرنا الله عنهم بقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، ولن نكذب كتاب ربنا ونصدق أباطيل الكذبة الفجرة الكفرة، أو المنافقين والمداهمين المجاملين؛ فإن يقيننا بكتاب ربنا راسخ رسوخ الجبال الرواسي لا تزعزعه تلك الرياح الفارغة، ولا تلك الصيحات الكاذبة، وهذه قضية مهمة. والأمر الثالث: أن العداء العالمي الدولي والتحالف الصليبي الصهيوني يتركز كله اليوم في هذه القضية، فتجتمع الدول والمؤسسات والمنظمات العالمية كلها، وتدار المؤتمرات، وتعقد الندوات، وتتوالى المفاوضات، وتوقع المعاهدات، وتأتي الالتزامات، وتقام العقوبات، لأي شيء أيها الإخوة؟ وفي أي موضوع؟! هل هو في قضايا أخرى من قضايا المسلمين -وإن كانت كلها عندنا عظيمة ومهمة-؟ أفترون ذلك كله يدور لأجل الشيشان -وهو جرح نازف- أو لأجل كشمير -وهو دم ينزف- أو لأجل هنا أو هناك؟ إن الصراع محوره وبؤرته وركيزته القدس، وإن سقوط العراق إنما هو طريق لاستقلال تلك القوة والسلطنة والهيمنة؛ لفرض ما تريده وتقصده وتهدف إليه وتنشده الدولة الغاصبة في أرض الإسراء، في مسرى رسول الله ﷺ ، ولعل الأحداث القريبة تجمع حزناً مؤلماً كما تجمع مع ذلك إصراراً قوياً، وعظمة كبيرة، وشموخاً إيمانياً، واستعلاء إسلامياً، وثباتاً منهجياً، لأصحاب الحق الواضح أصحاب الإيمان الصادق أصحاب الإسلام الخالص أصحاب المبدأ النظيف الطاهر الذي لا يتلون مع دنس السياسة ولا يخضع لمعاملات الاقتصاد، واهتزاز الأموال، ولا يرهب من القوى العسكرية والسياسية وغيرها.

стр. 2428

أقوال سياسية عربية فيها الانحياز إلى اليهود لا شك أيها الإخوة أننا أمام مخاطر عظيمة تعد فيما أرى الأخطر مما يواجه الأمة المسلمة اليوم، وإن هذه المخاطر ليست مخاطر أرض اتسع حجمها أو صغر، وليست مخاطر فئة أو مجموعة يصفونها بالإرهاب يريدون أن يتوقف شرها كما يزعمون، إنها قضية عقيدة الأمة الإسلامية وهويتها. إن قضية حضارة الأمة الإسلامية ووجودها هي القضية الأساسية، وهي الحربة الموجهة إلى صدر الأمة وقلبها اليوم، ويوشك إذا نشبت في ذلك الصدر أن يحصل ما يأمله الأعداء من ترنح هذه الأمة أو سقوطها، وذلك لم ولن يكون؛ لأن وعد الله القائم لا يخلف. لكن نشير إلى بعض الأمور المؤلمة المحزنة، ونرى كيف تجري تلك المؤامرات، وكيف يحصل الرضوخ للمساومات، وكيف تباع -لا أقول: الأرض ولا القضية- وإنما كيف تباع الديانة والهوية على ما يسمى طاولة المفاوضات؟ هذه كلمات أقولها، ولو كان قولها بغير اللسان العربي المبين لكان أبلغ وأفصح، ولكان أكثر مطابقة مع حقيقة هذه المعاني التي يؤسفنا أن نقولها بهذا اللسان الذي نطقت به، والذي أرادت أن تعبر به عن أهل فلسطين، وعن أمة العرب، وعن المسلمين أجمعين، وإن كانت في واقع الأمر لا تمثل إلا من ينطق بها أو يمثلها في حقيقة تخاذله وتآمره وضعفه، وغير ذلك من الأوصاف. (هدفنا دولتان تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن، وطريقنا طريق التفاوض المباشر، وحل كافة قضايا المرحلة النهائية، وإنهاء الاحتلال الذي بدأ في عام ١٩٦٧م ولا تنسوا التواريخ؛ فإن هذا ينسخ ما قبل ذلك، فلم يكن ثمة احتلال ولا هجوم ولا عدوان قبل ذلك بنحو خمس وعشرين عاماً كما هو معروف من عام ثمانية وأربعين، والأمر جلي واضح. ثم ماذا عانى في ظله الفلسطينيون من شديد المعاناة؟ ثم يقول: وفي ذات الوقت لا نتجاهل معاناة اليهود على مر التاريخ، وقد حان الوقت لإنهاء كل هذه المعاناة). جدير بكم أن تذرفوا الدموع على معاناة اليهود الذين تهدم بيوتهم كل يوم في أرض فلسطين! جدير بكم أن تبكوا على اليهود الذين رأينا أطفالهم في السنة الأولى تخترق أجسامهم القاذفات التي تحدث خروقاً كاملة في أجسادهم! جدير بكم أن تبكوا على اليهود الذين لا يستطيعون أن يكسبوا لقمة عيشهم في أرضهم. جدير بكم أن تشاركوا في هذا الحزن على تلك المعاناة الشديدة الرهيبة، وكأننا لا نرى بأم أعيننا أن ذلك يجري على إخوان لنا في الدين والعقيدة يدافعون عنا وعن وجودنا، ويدافعون قبل ذلك عن قرآننا وسنة نبينا، ويدافعون عن شرفنا وعزنا. الواقفون يوم جثا كل الناس أو معظهم على الركب، الشامخون برءوسهم يوم ذلت الأعناق وكانت الذلة شعاراً عم الجميع إلا من رحم الله، الثابتون في مواجهة القوة يوم فر الجميع إلا أولئك النفر القليل من أهل الإيمان والصدق واليقين. وواصل القول المحزن المؤلم فقال: (ولكني ولكي أكون صريحاً وواضحاً أقول: لا يوجد حل عسكري لصراعنا، ونكرر إدانتنا ورفضنا للإرهاب والعنف ضد الإسرائيليين أينما كانوا. إن هذه الوسائل -واسمعوا إلى من يتحدثوا باسم كتاب الله وسنة رسول الله وأمة الإسلام كلها عبر تاريخها الطويل، ومآثرها المجيدة- لا تنسجم مع تقاليدنا الدينية والأخلاقية، بل تشكل عقبة خطيرة أمام دولتنا المستقلة ذات السيادة). ولقد قلت من قبل سنوات عدة: إن مقتضى مثل هذا الكلام: إما أن نحبس القرآن في أماكن لا يخرج منها، وإما أن ننزع منه صفحات، أو نطمس منه آيات؛ لنصدق مثل هذه المفتريات، وهذا أمر خطير، فليست القضية سياسية، وليست القضية بلاغية أو كلامية، إنها أخطر من ذلك كله! ثم قال: (سنبذل كل الجهود، وسنستخدم كل إمكانياتنا لتنتهي عسكرة الانتفاضة، وسننجح. الانتفاضة المسلحة يجب أن تنتهي، وعلينا أن نستخدم الوسائل السلمية في سعينا لإنهاء الاحتلال، ومعاناة الفلسطينيين والإسرائيليين، هدفنا واضح، وسنطبقه بحزم وبلا هوادة، نهاية كاملة للعنف والإرهاب، وسنكون شركاء كاملين في الحرب الدولية ضد الإرهاب). اهـ. ولا أظنكم تحتاجون إلى أن ننسب هذا القول إلى قائله، ولو كان بلسان عبري مبين لما كان في الأمر أدنى شك، فهو لا يخدم ولا ينطق ولا يعبر عن الإسلام والمسلمين ولا عن فلسطين وعن الفلسطينيين. ولعلي أنتقل بكم أيضاً إلى مقالات أخرى، وأحسب أنها ستختلط عليكم إذ لا يعرف من يقول هذا ويتبناه ومن يؤمن ويعتقده ومن يخالفه ويناقضه. قال بعضهم: (نحن ملتزمون بقوة بضمان أمن إسرائيل كدولة يهودية نابضة بالحياة، إن هذا الرجل يمثل قضية سلام، وقضية دولة للشعب الفلسطيني، إنني أدعم بقوة هذه القضية أيضاً). لقد وعد لبذل أقصى الجهود والموارد لإنهاء الانتفاضة المسلحة، كما وعد بالعمل من دون مساومة من أجل وضع حد نهائي للعنف والإرهاب. ثم قال: (السلام يتطلب أيضاً إنهاء العنف، وإزالة كل أشكال الحقد والأذى والمرارة في كل الأحوال، وفي المناهج الدراسية). ولعلكم لا تحتاجون إلى كثير ذكاء لنقارن ما يطلب اليوم بما هو واقع على الأرض، فلسنا نحن الذين نذكره معاشر المسلمين، بل تذكره وكالات الأنباء وتعيده وتردده، ما الذي يدرس في المناهج اليهودية عن العرب والمسلمين؟ ومن ذا الذي فتح فمه ليقول: غيروا هذه الثقافة العنصرية العنيفة؟ هل سمعتم أحداً يذكر ذلك أم أننا لا نسمع إلا ضرورة تغيير مناهج المسلمين التي فيها منهج الإسلام بكامل عدالته وسماحته وصحته وصلاحيته؟! ثم ماذا؟ لابد من وقف الدعم والإعانة. لمن؟ للذين لا يملكون سلاحاً ولا قوة، لا تعينوا الذين مات آباؤهم، لا تساعدوا الذين دمرت بيوتهم، لا تنجدوا الذين لا يجدون لقمة عيشهم، لا تغيثوهم. ثم ماذا؟ ولتأتي الدول الكبرى والصغرى لتعين دولة مؤججة بالسلاح تعد الرابعة أو السابعة في دول العالم من حيث الأسلحة. ثم ماذا؟ تأتي المنظمات في شرق الأرض وغربها لتدفع ليس فتاتاً من الأموال -كما يقع في دعمنا لإخواننا- بل مئات من الملايين، ويكفي أن تعرفوا أن اليهود يستلمون شهرياً أكثر من ستين مليون دولار لتعويض من يزعمون أنهم تضرروا من الحملة الألمانية على اليهود في عهد هتلر، وفي كل شهر يستلمون هذه المبالغ، فضلاً عن القوى العظمى التي تدعم اليهود بنحو ثلاثة مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن المنظمات والشركات التي تدعم الجمعيات التي تعلن عنصريتها. ويعجب المرء عندما يردد الناس، وتردد محافل السياسة، وتردد كثير من الزعامات هذا، ولا تستطيع أن تنظر إلى ذلك، وهذا يذكرنا بقول أبي هريرة ﵁: (ترى القذاة في عين أخيك ولا ترى الجذع في عين نفسك). أي أمر هذا العجيب؟! وأي انتكاس وارتكاس هذه المغالطات التي تبين لنا حقيقة الأمر؟! ونأتي لمقالة ثالثة: (إن الأمن الدائم يستلزم في نهاية المطاف السلام، ولا يمكن إحلال السلام الدائم إلا عبر الأمن). والمقصود: الأمن اليهودي الذي نزعته الانتفاضة الجهادية المباركة، والطمأنينة التي لم تعد موجودة عند اليهود بفضل أولئك البررة الأطهار من المجاهدين الأخيار الغيورين على دينهم، الذين أبوا أن يذلوا وأن يساموا الخسف، وهم أصحاب الحق، وهم أصحاب الأرض، وهم أصحاب الدين والمعتقد الصحيح. ويعجب الإنسان عندما يسمع ذلك المجرم وهو يقول: (وأن السلام لا يمكن أن يتحقق من دون التخلي عن الإرهاب والعنف والتحريض). من القائل؟ إنه سيد الإرهاب وقائده الذي شهد له بذلك بشهادات عالمية موثقة دخلت إلى أروقة المحاكم! ثم نستمع إلى زعامات في بلاد الإسلام والمسلمين تقول: (إن هذا الرجل قوي، وإن المرحلة لإقرار السلام تحتاج إلى رجل قوي، وإنني أعتقد أنه سيقود المهمة بنجاح). ما الذي بقي لنا من عقولنا حتى نفهم؟! ينبغي أن نسير على رءوسنا بدلاً من أقدامنا إذا أردنا أن نقبل مثل هذه المقالات، فإن هذا زيغ ظاهر، وخلل كبير، وخطر عظيم.

стр. 2429

أثر هذه المقالات على اليهود أقف وقفات يسيرة مع بعض الأصداء التي نتجت عن مثل هذه الكلمات؛ لنرى كيف ينظر القوم إلى ذلك. هذا مسئول من اليهود عليهم لعائن الله يقول مبتهجاً بما وقع: (إن هذا التصريح يعد إنجازاً حقيقاً، بل هو الإنجاز الأبرز؛ لأنه سيحول في المستقبل دون طرح قضية عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى تخوم إسرائيل على أجندة المفاوضات). ويقول كذلك عن تلك المستعمرات التي يسمونها مستوطنات: (عددنا قليل، والغالبية العظمى مستوطنات أقيمت بقرارات اتخذتها حكومات متعاقبة، يقولون: سيزيلون ما هو مخالف للقانون) أي قانون هذا؟ إنه القانون الذي يخبرنا أنه وقع بالأمس -تزامناً مع هذه اللقاءات- تهديم الجيش اليهودي الغاصب لثلاثة منازل فوق رءوس أصحابها، فيها واحد وثلاثون شخصاً من النساء والأطفال، لثلاثة من الأبطال تأسرهم وتعتقلهم القوة الغاصبة في فلسطين، في ذات الوقت تهدم البيوت، وتجرف الأراضي، وتخترق السياجات، وتنتهك حرمة وكرامة وأمن إخواننا، ثم لا نرى لذلك أثراً. ويأتينا أيضاً صدى آخر يقول: (جاءت هذه التصريحات على قدر التوقعات بل فاقتها، عندما أشارت إلى إسرائيل كدولة يهودية). ونحن لا ندقق في الكلمات مع أنها منتقاة مختارة موزونة مضبوطة لتؤدي معانيها في دولة دينية، ولا يسمح ولا يرغب أن يكون في بلد من بلاد الإسلام دولة إسلامية. ليس هناك دولة دينية إسلامية ثم يقال: إن دولة دينية! هذا أمر. الأمر الثاني: أن الذين يعيشون من غير اليهود في هذه الدولة ليس لهم موقع من الإعراب ولا مكان من الأرض، ولا حق في النظام. الأمر الثالث: أن الذين شردوا وهجروا من أرضهم وديارهم من باب أولى ليس لهم مكان ولا موقع، ثم ماذا بعد ذلك؟ ما هو المطلوب في فهم أولئك الساسة بعد مثل هذه التصريحات؟! المطلوب الآن تنفيذ الفلسطينين للخطة الأمنية، والقيام بإجراءات صارمة ضد التنظيمات الإرهابية وفقاً للخطة الموضوعة. ثم يصرح تصريحاً كنت أريد أن أجعله عنواناً لهذا الحديث على زعمهم، لكنه كاذب خاطئ ليس له واقع بإذن الله ، يقول: (إن هذا اللقاء ومراسمه -في نظره هو- مراسم دفن الانتفاضة) اهـ. ونقول: سيخيبون ويخسرون؛ لأننا سمعنا من الأصداء ما يدل على ذلك، فالمعتقلون من الفلسطينيين في سجون اليهود المجرمين الذين يقال: (إننا نصنع ذلك لأجل حريتهم وإنقاذهم وإنهاء معاناة أسرهم)؛ أخرجوا بياناً استنكروا فيه ذلك الذل، ورفضوا فيه ذلك الخذلان، وأكدوا فيه أنهم ليسوا معنيين به، وليس موضع قبول عندهم مهما كان يتصل ببعض من حقوقهم كما يزعم الأفاكون؛ فكانت صفعة قوية، ورداً عملياً. وأما الأبطال فقد قالوا كلمتهم: (ماضون في الدفاع عن حقوقنا، ثابتون على الدفاع عن كرامتنا، ولو تخلى عنا الناس أجمعون)، وهذه قضية مهمة.

стр. 2430

مخاطر مؤامرات اليهود وأعوانهم وأقول هاهنا: المخاطر كثيرة، وأولها وأشدها خطراً: أن يكون قتل المسلمين بأيدي المسلمين، ومنع الدفاع عن الحق والعرض والأرض فضلاً عن العقيدة والدين بأيدي منتسبين إلى الإسلام والعروبة. ثانياً: أن كل من ينبض قلبه بالتعاطف والتأييد، فضلاً عمن ينطق لسانه بالمباركة والتمجيد، فضلاً عمن يخرج ماله للدعم والإسناد والتثبيت، كل أولئك إرهابيون متطرفون مخالفون للقوانين الدولية، ومعارضون للسلام والسماحة. وهذه التهمة ليست متعلقة ببعض إخواننا في فلسطين، بل هي تهمة لك أنت، ولي أنا، ولكل واحد منا إلا إذا انسلخنا من ديننا، ونسخنا معاني العزة والكرامة من نفوسنا. وكنت قبل يومين في مناسبة اجتماعية، ودار الحديث عن هذا الخطر الداهم والمؤامرة العظيمة، فقال رجل كبير السن من الحضور ليس في لحيته شعرة سوداء واحدة: (إن المطلوب منك أنت، ومن كل واحد منا: أن يأتي إلى المصحف الذي يقرؤه فيقال له: إنك تقرأ كتاباً إرهابياً ممنوعاً). أي: لا بد أن تتركه، أو أن تغير ما فيه! وقلت معلقاً: قد قيل هذا بحرفه ونصه من قبل زعامات دينية صليبية حاقدة، وهو مكتوب مسطور، ومضاف إليه افتراء على سيد الخلق ﷺ . إن القضية في أساس الدين، وليست في فئة ولا في مجموعة تتبنى دفاعاً عن حقها، وليس في متدينينا الذين عندهم علم بالدين، أو في دعاة ينشدون الإصلاح والخير لأمتهم؛ بل هي لكل مسلم في عقر داره، بل لكل أحد أصبحت له من تمسكه ومن صلاته وأدائه لفرائض ربه سمة الإسلام والمسلمين. نسأل الله السلامة من ذلك، وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم، وأن يجعل الدائرة عليهم، وأن يثبتنا على الحق ويعصمنا به، وأن يجعلنا من المعينين والمساندين لإعزاز الدين ورفع رايته في كل آن وفي كل حال. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2431

دور أهل الإسلام في مواجهة المخاطر المحدقة بأرض الإسراء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين, وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، أما بعد: فأيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن هذه المخاطر الجسيمة والوعود العقيمة لابد أن ننتبه لها، والمقام يضيق عن ذكر الواجب نحوها، وقد أسلفنا شيئاً من ذلك، ولعلي أكرر وأنبه. أولاً: ضرورة الوعي والإدراك لحقائق الأمور وخلفياتها الدينية والسياسية والواقعية، فلسنا أغبياء ولا حمقاء (ولست بالخب، ولا الخب يخدعني). الأمر الثاني: إدراك استهداف الدين والعقيدة والهوية الإسلامية، ومعرفة أن هذا هو المعقل الأخير الذي إن تهوانا فيه كان بمثابة الداء السرطاني الذي يوشك أن يأتي على الجسد كله، فما لم نغر على ديننا، وما لم يكن لدينا حمية وقوة وعزة للكفاح والدفاع عن عقيدتنا، والجهاد في سبيل إعلاء رايتها؛ فلا خير فينا، ولا أمل في نصرتنا وعزتنا، فضلاً عن قدرتنا على مواجهة أعدائنا. الأمر الثالث: أن نكون عمليين في كل ما يقتضي مواجهة هذا العداء السافر، وتلك المؤامرات الخطيرة، بالأساليب الحكيمة، والعمل الدءوب المتواصل؛ فإننا نستهدف -معاشر المسلمين- استهدافاً متوالياً وشاملاً لم يعد قاصراً على قضيتنا العسكرية، ولا على هويتنا الثقافية، ولا على مناهجنا التعليمية، ولا على قدراتنا الاقتصادية، ولا على استقلالاتنا السياسية، إنه يهدف إلى أن يضعف ذلك كله ويقوضه.

стр. 2432

ضرورة العمل في مواجهة الأعداء ولو بالمقاطعة وترك التطبيع أفرد الكلام عن خطر التطبيع مع اليهود الذي أعلن ولي العهد تحذيره منه، ورفضه له؛ لأن فيه من المخاطر ما هو معلوم، ولعلنا ندرك الأمور التي قد جرت فيما سبق، وظهرت آثارها السيئة، فما بالنا لا نعتبر ولا ندكر؟! إننا لا نريد أن نعلن الصراخ والنواح، ولست ممن يجيد فن التأثر والانفعال بالعواطف حتى نستدر الدموع ثم نمضي بعد ذلك لنسلي أنفسنا بأننا قد قمنا بشيء عظيم. إن هذه المشاعر لابد أن تترجم إلى منهجية مبدئية ثابتة، وإلى صورة عملية فاعلة، وكل في عنقه أمانة وعلى كاهله واجب، وكل يدرك ذلك، ويعرف كيف يطبقه، ومن قال غير ذلك فإنما يغالط نفسه. وأخيراً أيها الأحبة! كنت أتحدث فيما مضى عن الغلو ومخاطره ومعالمه؛ فأبدى بعض الإخوة تحفظاً على ذلك، وأرادوا ألا نسترسل في هذا الحديث، وقالوا: ليس في الناس من هو متشدد كما تذكر في مظاهر الغلو! وأقول لأولئك الذين تتابعوا في حديثهم إلي: إن القضية أعظم وأخطر مما تتصورن، وإننا عندما نخاطب الناس لا نخاطبهم لأنهم هم واقعون في ذلك، ولكن ليكون الأمر وقاية لهم، وبياناً لهم؛ لئلا يقعوا فيه، وليكون فرصة لهم ليتزودوا بعلم وثقافة وفهم يغيرون به غيرهم ممن قد يقع في هذا الأمر. ولأن القلة التي تجنح إلى منهج خاطئ له تداعيات عملية خطرها أعظم، وقد أشرت إلى أهم وأعظم خطرين في استحلال الدماء بالتكفير، وفي استحلال نزع الأمن لنزع الشرعية، وما يترتب على ذلك من بلاء عظيم وشر مستطير، فليست القضية سهلة، وليس المقام في هذا المقام إلا مقام التنبيه على الأمور الخطرة، ولا نريد مرة أخرى أن ننساق وراء عواطفنا، بل نكون على منهج الكتاب والسنة، وفيه مراعاة مصالح الأمة. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتاب الله مستمسكين، ولهدي رسوله ﷺ متبعين، ولآثار الصحابة والسلف الصالح مقتفين. اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد! اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وردنا إلى دينك رداً جميلاً، واهدنا واهد بنا، واجعلنا هداةً مهديين! اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبت أقدامهم، وأفرغ على قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، ووحد اللهم كلمتهم وأعلِ رايتهم، وسدد رميتهم، وقوِ شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم عليك بسائر أعداء الدين؛ فإنهم لا يعجزونك! اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً! اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا! اللهم إنهم قد أذلوا عبادك المؤمنين، وانتهكوا حرمات المسلمين، ودنسوا مقدسات المؤمنين! اللهم عليك بهم أجمعين! أنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل الأرض من تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلاف في صفوفهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين، واشف من الأعداء صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه، يا سميع الدعاء!

стр. 2433

الواجبات في الأزمات في كل زمان ومكان تتكرر تهم الباطل والحرب ضد الأولياء والصالحين، فمن وقت موسى ﵇ الذي اتهمه فرعون بالإفساد في الأرض والتفريق بين الناس إلى وقتنا الحاضر تتكرر المقالة، وتتكرر الوجوه الفرعونية المعادية للمؤمنين، والتي تنبزهم بأبشع الألقاب المنفرة كالإرهابيين أو التخريبيين ونحو ذلك، ولكن لا يزال سلاح المؤمنين الذي يتمسكون به دائماً وأبداً هو الصبر والحكمة حتى تفرج الشدائد وتكشف الكروب.

стр. 2434

مفارقات عجيبة في أحوال الأمة وتعامل النظام الدولي معها الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ومعز الموحدين، وجاعل العاقبة للمتقين، وجاعل الدائرة على الكافرين الضالين ولو بعد حين، أحمده جعل لمن يؤمن به من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وجعل بعد العسر يسراً، وجعل بعد الصبر نصراً، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال، وفي كل آن، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بعثه إلى الناس أجمعين، وأرسله رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: "الواجبات في الأزمات" موضوع حديثنا في هذا الزمن الصعب ومفارقاته العجيبة، ولا شك أن الأيام القريبة التي اختلت قد جمعت في طياتها أحداثاً فيها تناقضات ومفارقات، وأكثرها محزن مؤلم قد يحتار معها العقل، وقد يضيق بها الصدر، وقد تحزن بها النفس، غير أن دواء الإيمان الناجع يزيل ذلك كله.

стр. 2435

مفارقات في المواقف تجاه فلسطين وإسرائيل لا شك أيها الإخوة المؤمنون أننا نرى هذه المفارقات في الحادث الذي تحدثنا عنه من قبل، في استشهاد البطل الفريد والشيخ القعيد أحمد ياسين ﵀، وكيف كان من أعداء الله عليهم لعائن الله استهداف ثم إعلان واعتراف، وكيف كان لأعوانهم من دولة البغي والظلم الكبرى في العالم تأييد لهم، واعتراض على نقدهم أو إدانتهم. ثم مع ذلك كله ومع هذا الصلف والاجتراء والعدوان نرى موقفاً آخر من قادة الدول العربية، وهو موقف التجاهل والتغافل سوى كلمات قليلة وبيانات رسمية حفظ الناس لغتها وعرفوا تحفظاتها، ثم في تلك المداولات والمشاورات القريبة لم يرد ذكر الحدث لا من قريب ولا من بعيد؛ خوفاً من أن يسيء ذلك إلى الأوضاع العامة، أو أن يؤثر على الموقف الدولي أو غير ذلك. ثم انظروا إلى صفحة أخرى من المفارقات المؤلمة: فرقة واختلاف انفض به مؤتمر القمة ولم ينعقد حتى يومنا هذا، وإن كان أكثر الناس لم يكونوا معولين شيئاً عظيماً ينتظر منها. وفي الوقت نفسه انظروا إلى الحدث القريب: سبع دول لا تجمع بينها لغة، ولا يربط بينها دين، ولا توحدها جغرافيا قريبة، تأتلف وتنظم إلى دول أخرى ليتسع هذا الاتحاد وتعظم قوته وتكثر دوله، وتكون صفاً واحداً فيما يحقق مصالحها ويواجه أعداءها. وكذلكم تعلمون ما زاد من دول عشر في الاتحاد الأوروبي، ونحن كأوراق شجرة في خريف تتساقط واحدة تلو الأخرى. وأزيدكم من المفارقات القريبة العجيبة في القوة والإعلام الذي يظهره اليهود عليهم لعائن الله في دولة الغصب في أرض فلسطين، وهم يعلنون أسلحتهم النووية، وبرامجهم التي تصنف، ويكتب عنها في البحوث والكتابات الرسمية، ولا يستحيون من ذلك أو يخشون أحداً، ولا تستطيع دولة في الدنيا كلها أن تقول: إن عندهم أسلحة دمار شامل أو غير شامل، وفي مقابل ذلك ضعف وخذلان، وإقرار وتسليم مخزٍ لم يقع في عالم اليوم مثله يكون من دولة عربية مسلمة.

стр. 2436

مفارقات في المواقف من الجمعيات الخيرية ثم انظر إلى غير ذلك من توسع وانتشار في الأعمال الخيرية المزعومة، والأعمال الإنسانية الجائرة في كثير من أحوالها في بلاد الغرب والشرق، وتضييق وحصار على الأعمال الخيرية والمؤسسات الإسلامية الإنسانية. كان في أمريكا وحدها قبل نحو عامين مليون ونصف مليون جمعية ومؤسسة خيرية وإنسانية، وبلغ مجموع التبرعات في عام واحد مائة وواحداً وعشرين مليار دولار، ومعدل الجمعيات: جمعية لكل نحو ثلاثمائة وخمسين فرداً. وفي دولة الكيان الصهيوني الغاصب نحواً من ثلاثين ألف جمعية خيرية -على حد قولهم وزعمهم- بمعدل جمعية لكل أقل من مائتين وخمسين فرداً، ثم الواجب المطلوب اليوم في كل بلاد الإسلام أن يضيق على العمل الخيري، وأن يخنق، وأن يحال بينه وبين أن يصل إلى المسلمين المضطهدين والمعذبين في شرق الأرض وغربها، وأن يكون الدرهم أو الدينار الذي يخرج لمساعدة من هدم بيته إرهاباً ينبغي على الجميع محاربته في الداخل والخارج. ثم أيضاً: تحريض وتزوير في مناهج التعليم عند القوم في شرق الأرض وغربها، وصور مشوهة عن الإسلام والمسلمين، وافتراءات كاذبة على التاريخ والواقع والنصوص والشرائع كلها. وأما في ديار المسلمين فالمطلوب هو التهذيب والتغيير في هذه المناهج حتى تصل إلى حذف الآيات من كتاب الله، أو محو الأحاديث من سنن رسول الله ﷺ حتى لا نحزن أحداً من أولئك القوم الذين يفيضون إنسانية ويرتقون في معاني الإنسانية ومراعاة حقوق الإنسان. هل يا ترى نريد من ذكر هذه المفارقات وغيرها أن ندخل اليأس إلى القلوب؟ إننا نريد أن نسأل السؤال المهم: هل لنا في هذا دور؟ هل نحن مسئولون من قريب أو بعيد عن هذا؟ هل يمكن أن يكون لنا إسهام في تغيير الواقع، أم أن موقفنا قد يكون على أحد نوعين لا نريدهما ولا نسعى فيهما في غالب الأحوال: إما صراخ وجؤار وانفعال وحماس وأعمال طائشة واندفاعات غير صائبة، وإما يأس وقنوط ووضع اليد على الخد ننتظر أن لا يكون شيء إلا مزيداً من هذه الأحوال المؤسفة المحزنة. أوضاع أمتنا الإسلامية عموماً والعربية خصوصاً -وخاصة في أحداث قمتها الأخيرة وما يدور حولها من الأحداث- تبرز لنا أن أكثر الدول تقدم المصلحة الذاتية على المصلحة العامة، وأنها في واقعها السياسي والعملي ذات تبعية وليست ذات استقلالية، وما فوق ذلك وبعده ومعه لا ترى حقائق الأمور، بل تمضي مع الأوهام.

стр. 2437

وقفة مع موسى وقومه في مواجهة طغيان فرعون أيها الإخوة المؤمنون: كنت ولا زلت وسأظل أخاطب نفسي أولاً وأخاطبكم ثانياً؛ ليعرف كل منا مسئوليته ويحمل أمانته، ويؤدي واجبه، ولسنا نبحث عن المخرج من هذه الأزمات في شرق أو غرب، أو عند أنظمة دولية أو اتفاقات عالمية، ولا نرى ذلك إلا في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، ومقامنا هذا يضيق عن الإفاضة. ووقفتي كما وقفنا من قبل في شأن الإصلاح مع بضع آيات تقصها علينا آيات القرآن، لصور مرت بأهل الإيمان مع أنبياء الله ، في مواجهة بغي وظلم وعدوان وكفر من أعظم أمثلة التاريخ البشري كلها، فأي أمر وجهه الله إلى أهل الإيمان ليخرجوا من هذه الأزمات؟!

стр. 2438

عاقبة الصبر والثبات للمتقين وتدل الآية على أن العاقبة المحمودة تنال بالتقوى، وهي اتقاء الكبائر والمعاصي: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] هل تريدون عاقبة بلا تقوى؟ هل تريدون أن تخالفوا سنة الله الثابتة في آياته الناطقة الباقية إلى قيام الساعة؟ ثم استمع إلى المراغي في تفسيره وهو يذكر لنا كلام نفيساً ودرراً غالية في هذا المعنى ويقول: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي: العاقبة الحسنى لمن يتقون الله، ويراعون سننه في أسباب إرث الأرض باتحاد الكلمة، والاعتصام بالحق، وإقامة العدل، والصبر على الشدائد، والاستعانة بالله عند المكاره، ونحو ذلك مما هدت إليه التجارب، ودلت عليه الشرائع. والخلاصة: أن الأمر ليس كما قال فرعون، بل القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله، ولمن وعده الله جل وعلا توريث الأرض، ونحن الموعودون بذلك، ولكن بشرط أن نقيم شرعه، ونسير على سننه في خلقه. هل هناك أظهر من هذا البيان القرآني، وكلام العلماء رحمة الله عليهم جميعاً؟ ألسنا نرى هذا المنهج واضح المعالم؟ أين هي الاستعانة بالله التي ذكرنا صوراً منها؟ وأين هو الصبر الحميد؟ وأين هي المغالبة التي سنذكر أمثلة لها في واقعنا وليس في تاريخنا فحسب؟ ماذا كانت في العاقبة في هذه الآيات العظيمة؟ بعد بضع آيات جاءت النتيجة: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. إن سنن الله لا تتخلف، وإن وعد الله لا يخلف: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٣٧] وعده الصادق ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]، كل هذه القوى الظالمة الباغية الضخمة الهائلة لا تساوي شيئاً في ميزان الإيمان بالله والاستعانة به، ما هي قوى الأرض كلها إلى قوة الله ملك الملوك، جبار السماوات والأرض؟ أين نصر الله لقوم لا يفضون بقلوبهم إليه، ولا يلتجئون عند الشدائد إليه، ولا يعتمدون بصدق ولا يتوكلون عليه، ثم يقولون: أين هو نصر الله ؟ أين تقوى الله من بواطن قلوبنا ونفوسنا، وظواهر أحوالنا وأقوالنا وأفعالنا، فلقد عم الفساد إلا ما رحم الله، وساد الخنا والزنا والفسق والفجور تخاطب به الآذان، وتجبه به الأبصار، ويروج له على الصفحات والشاشات، ثم نقول: أين منا نصر الله ؟ وأين أحوال أمتنا العربية الضعيفة الهزيلة وقد كان فيها ومنها ما هو حرب لله ولرسوله ﷺ ؟! كيف نريد نصر الله ونحن نجاهر بذوات أنفسنا وفي أحوال أمتنا بمعصية الله ؟! سنن الله لا تتغير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].

стр. 2439

الاستعانة بالله في الأزمات إننا نتلو آيات من كلام الله ، إننا نتلو قرآناً حقائقه قاطعة يقينية، فإن كنتم في شك من كتاب ربكم ومن كلام خالقكم، ومن سنن بارئكم، فلا أمل ولا خير فيكم. استمعوا إلى قول موسى ﵇: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]. (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ) وليست لفرعون، ولا لأمريكا ولا للشرق ولا للغرب. (يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كلمات واضحات! قد يقول بعض الناس: وماذا في هذا؟ وأي شيء سيغير هذا في الواقع؟ ليس في هذا مواجهة، وليس فيه مصادمة؟ نقول: هو منهج السنة الربانية، ابدأ بنفسك أولاً، حرر إيمانك، أخلص نيتك لله، اصدق في تعلقك بالله ، ما هي القوة التي تعتمد عليها؟ قوة الله! من هو الذي تلجأ إليه في السراء والضراء؟ أهو الله؟! من الذي تفضي إليه بهمك وغمك؛ هل هو الله أم ما زالت تتوزعك الأهواء؟! أم ما زالت أحوال أمتنا ودولنا تبحث عن سند هنا أو هناك، وتبحث عن قوة من هذا أو ذاك؟! (استعينوا بالله) أين هي الاستعانة بالله في واقع حياتنا اليومية البسيطة؟ عندما نمرض هل تتحقق استعانتنا بالله؟! عندما يُضَيَّق في رزقنا ويقتر علينا في عيشنا بقدر الله هل نستعين بالله؟ هل القلوب مملوءة بهذا اليقين: أن الأمر كله لله، وأن الخير والشر والضر والنفع إنما هو بيد الله؟! ألم نستمع لهذه الكلمات التي قالها سيد الخلق ﷺ لغلام صغير كان معه: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)؟ أين اليقين الذي يرسخ في القلوب ليكون قوة لا تستطيع قوى الأرض كلها أن تقف في مواجهتها؟! ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف:١٢٨] قال السعدي في تفسيره: قال موسى لقومه موصياً لهم في هذه الحالة التي لا يقدرون فيها على دفع ولا مقاومة: استعينوا بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية، (استعينوا بالله) أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله أنه سيتم أمركم، (واصبروا) أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم منتظرين الفرج. ونقل القاسمي في تفسيره عن بعضهم كلمات رائعة في الاستنباط في هذه الآية، قال: تدل على أنه عند الخوف من الظلمة يجد الفزع إلى الله ، والاستعانة به، والصبر. ولا مفزع إلا هذين: الانقطاع إلى الله تعالى بطلب المعونة في الدفع، واللطف في الصبر.

стр. 2440

قوى الظلم تتهم المصلحين بالإفساد استمعوا معي إلى هذه الآيات: ﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧]. تأملوا هذه الآية في مطلع مقطع قصير من هذه القصة: (وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) أليس هذا هو واقعنا اليوم؟! أليس أهل الإسلام والإيمان هم الإرهابيون وهم العنصريون، وهم المفسدون في الأرض؟ ومن يقول ذلك؟! يقوله أكابر المجرمين من شذاذ الأرض وأفاكيها من اليهود ومن يعينهم من الصليبيين اليمينيين المتطرفين. (أَتَذَرُ مُوسَى) نبي الله ! كليم الله ، (وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) أي إفساد جاء به موسى ﵇؟ يقول ابن كثير في تفسيره: أتدعهم ليفسدوا في الأرض، أي: ليفسدوا رعيتك، ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك، يقول ابن كثير بهذه العبارات: يا لله العجب! أصار هؤلاء هم المفسدين؟! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون! وقال السعدي: ليفسدوا في الأرض بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد. نعم هذا هو واقع اليوم، هذه الأمور التي انقلبت، والمقاييس التي انتكست، والحقائق التي تبدلت وتغيرت، حتى أصبح الطاهر قذراً، وصاحب الحق مبطلاً، والناطق بالخير مفسداً، لم يقل ذلك أعداء الله فحسب، بل صرنا اليوم نسمعه من بني جلدتنا، ومن الناطقين بلغتنا، بل ربما نرى من يقوم به في واقعنا أكثر ممن يقوم به من أعدائنا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧] وجاء جواب فرعون طاغية الأرض الأعظم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧] حرب على الإرهاب لا هوادة فيها، سنظل نحارب الإرهاب، وسنجمع الدول كلها لمحاربة الإرهاب، وعلى الجميع أن يحاربوا الإرهاب، ذلك الذي نسمعه اليوم هو الذي نقرؤه في آيات الله، ولكن المهم عندنا ما الذي قاله موسى لقومه؟ ما الذي قاله للمؤمنين من أتباعه من بني إسرائيل؟ وماذا كانت نهاية الأمر؟

стр. 2441

موقف المسلم من أمراء السوء استمعوا معي إلى هذا الحديث الذي يرويه الترمذي في سننه من حديث كعب بن عجرة ﵁، استمعوا إليه وهو يحكي صورة من واقعنا، قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يأتون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن لم يغش أبوابهم فلم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ويرد عليّ الحوض. يا كعب بن عجرة! الصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. يا كعب بن عجرة! إنه لا يربو لحم من سحت إلا كانت النار أولى به) قال الترمذي: حسن غريب.

стр. 2442

الصبر على فساد الأمراء روى ابن عباس ﵁ حديث رسول الله ﵊ عندما قال: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة الجاهلية) ذلكم ما وجه به النبي ﷺ مطابقاً للقرآن: (الصبر)، وليس الصبر قعوداً ولا عجزاً، بل الصبر ضبط لئلا يترك الحبل على غاربه، ولئلا تنطلق الحماسة تدمر وتفجر وتفسد وتهلك الحرث والنسل، فلا يعود انضباطاً ولا أمناً ولا أماناً، ولا يعود قدرة على الإصلاح والتغيير. واستمعوا إلى حديث مسلم أيضاً في مسألة سألها الصحابي الجليل مسلم بن يزيد الجعفي ﵁، قال: (يا نبي الله! أرأيت إن كانت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا، فما تأمرني؟ فأعرض عنه الرسول ﷺ ، وأحسب أن هذا السؤال يكرره كثير من الناس وهم في قمة انفعالهم، وشدة حماستهم، فأعاد السؤال ( يا نبي الله! أرأيت إن كانت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا، فما تأمرني يا رسول الله؟ فأعرض عنه، فأعاد عليه الثالثة قال: ما تأمرني يا رسول الله؟ فقال ﷺ : اسمعوا وأطيعوا، فإن عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) أي: ستسألون وحدكم، ستسألون عن واجباتكم، عن فرائضكم، (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة). تلكم ومضة من ومضات القرآن والسنة، كيف نواجه هذه الأزمات؟ استعانة بالله، وصبراً على ما قدر الله، وتحققاً بالتقوى، وانتظاراً لوعد الله، فإن الأمر كله لله. نسأل الله أن يحسن أحوال أمتنا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يرجع بنا إلى سبيل الحق والهدى والرشاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2443

الالتزام بالدين والكفر عن المعاونة على الظلم هذا حديث يحكي واقعنا: (يا كعب بن عجرة! أعيذك بالله من أمراء يأتون من بعدي) أي: لا يكونون على نهجي، قال: (فمن غشي أبوابهم، وصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم)، فنحن شئنا أم أبينا جزء من هذه المسئولية لهذا الفساد الذي عم وطم، نسأل الله السلامة. ثم قال النبي ﷺ في آخر حديثه: (يا كعب بن عجرة! الصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة) لم قال ذلك؟ يا مسلمي اليوم! يا أتباع محمد! التفتوا إلى واجباتكم التي قصرتم فيها، التفتوا إلى الفرائض والطاعات والعبادات التي لم تعودوا تؤدونها، أو لم تعودوا تؤدونها على الوجه المطلوب؟! اعلموا أن طاعتكم واستقامتكم طريق لتغير أحوالكم بإذن الله : (الصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار). ثم أفرد النبي تنبيهاً وتحذيراً: (يا كعب بن عجرة! إنه لا يربو لحم من سحت إلا كانت النار أولى به)، كيف ترجون إجابة الدعاء والطعام حرام والملبس حرام، وقد شاع بين الناس وهان في نفوس كثير منهم أكل الحرام؟ يقول ﷺ : (كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به)، (يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له)، (يا سعد بن أبي وقاص! أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة). لم لفت النبي ﷺ النظر إلى الأفعال المطلوبة، وإلى الأفعال المحذور منها والمنهي عنها؟ ليقول: إنه لا بد لكم من عمل تصلحون به أحوالكم، وتغيرون به نفوسكم، حتى تتهيئوا لرحمة ربكم. ولو أردنا أن نفيض في أحاديث المصطفى ﷺ لوجدنا الكثير من ذلك، ولوجدنا ما يستدعي ويسترعي انتباهنا.

стр. 2444

أهمية الاستعانة بالله والصبر عند الأزمات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن ما ذكرناه من ومضات هذه الآيات، وأنوار هذه الأحاديث، حري بنا أن نلتفت إليه ونعتني به، وأنا أعلم أن طبائع النفوس تريد الحديث العام الذي يوزع التهم والمسئوليات بعيداً عنها، فهذه مسئولية الأمراء، وتلك مسئولية العلماء، وكأنه ليس لنا في الأمر شأن، لكننا أيها الأحبة الكرام نريد أن نواجه أنفسنا، نريد أن نقول: ما الذي فعلناه نحن أولاً لنكون سبباً من أسباب هذه الأوضاع المزرية؟ وما الذي فعلناه أو الذي سنفعله لنكون سبباً من أسباب الإصلاح والتغيير بإذن الله ؟ ولعلي أنتقل بكم في ومضة سريعة لصورة مشرقة وضيئة؛ لنرى آثار تطبيق هذا. إخواننا المرابطون المجاهدون في أرض الإسراء، لا نفتأ نذكرهم، ونفخر بهم، ونرى في مسيرتهم وسيرتهم أنموذجاً إيمانياً يحتذى، (استعينوا بالله)، فهل يستعينون بنا نحن معاشر العرب والمسلمين الذين تخلينا عنهم وبخلنا بأموالنا، وربما نسيناهم في دعواتنا؟! ما هي استعانتهم في وجه ذلك الظلم والعدوان والبطش والإرهاب الذي ليس له في دنيا الناس اليوم مثيل؟! إن استعانتهم بالله، ألم تسمعوا إلى الشيخ القعيد وهو يخاطبكم فيما أسلفت في الجمعة الماضية، ألا تسمعوه وهو يقول: نحن طلاب شهادة، نحن لا نريد هذه الدنيا الفانية، نحن رغبتنا وأملنا أن يقبلنا الله في الشهداء. ألستم ترون أنهم يواجهون قوة عظمى بكل المقاييس المادية، ومن ورائها القوة العظمى كما يسمونها، ثم ليس لهم إلا الاستعانة بالله، ثم صبر فريد عجيب، نسأل الله أن يزيدهم منه وأن يعينهم. ثم بعد ذلك صورة التقوى المشرقة في المساجد الممتلئة، والأيدي المتوضئة، والجباه الساجدة، والأرواح المستشهدة، ألسنا نرى صورة من ذلك؟ ألسنا نستمع إلى حديث النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك) وفي رواية أحمد في المسند: (أين هم يا رسول الله؟ قال: في الشام وفي أكناف بيت المقدس) ألسنا نرى أن المنهج يتجدد في كل مكان؟ يلتزم أهل الإيمان أمر الله ، ويلتجئون إليه، ويصبرون على ما قدر عليهم، ويتحلون بالتقوى، فتكون العاقبة قريباً لا بعيداً: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. كم هي المواقف في تاريخ أمتنا من سيرة النبي ﷺ وإلى الأزمنة المتأخرة! كيف فتح محمد الفاتح القسطنطينية التي أعيت المسلمين ثمانية قرون وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره، ارجعوا وقلبوا صفحات التاريخ، وانظروا إلى كل من فتح الله عليه وأعز به دينه، فسترون استعانة بالله، وصبراً وتقوى، وسترون تغيراً وتغييراً وإصلاحاً قبل أن يأتي النصر الذي يظهر في صورته المادية. ما الذي فعله صلاح الدين وقد أسلفنا القول عنه؟ أليس قد منع الفساد والفسق والفجور وأغلق الخمارات؟ أليس قد أحيا العلم وأشاعه بإحياء المدارس وإنشائها في كل مكان؟ أليس قد عمل على الوحدة فضم بلاد اليمن إلى بلاد الحجاز إلى مصر لتكون دولة إسلامية واحدة في ذلك الوقت والزمان؟ أليس قبل ذلك كله كان عابداً تقياً، كان داعياً مخبتاً مخلصاً لله ؟ ألم يكن يجعل من يدعون الله من أهل الجيش في كل كتيبة حتى جاء النصر من بعد؟! وأمتنا منصورة بإذن الله، وذلك وعد الله، ولكن الشرط لا بد أن يتحقق، نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً. اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم استخدمنا في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك، واجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين. اللهم أنطق ألسنتنا بذكرك، وولع قلوبنا بحبك، واجعل أيدينا منفقة في سبيلك، وأقدامنا سائرة لطاعتك، وجباهنا ساجدة لعظمتك. اللهم اجعلنا لك عابدين، اللهم واجعلنا عليك متوكلين، اللهم واجعلنا بك واثقين برحمتك وعزتك وقوتك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم يا رب العالمين! يا ناصر المستضعفين! يا كاشف الضر! يا فارج الهم! نسألك اللهم أن تفرج همومنا وغمومنا، وأن تكشف عن أمتنا أحوال ضرها وشرها يا رب العالمين. اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وذهاب قوتنا، وهواننا على الناس، إلى من تكلنا، إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا! اللهم إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ورحمتك وعافيتك أوسع لنا يا رب العالمين. اللهم أيدنا بتأييدك، وانصرنا بقوتك وعزتك يا رب العالمين. اللهم إنه لا حول ولا قوة لنا إلا بك، فأمدنا اللهم بحولك وقوتك يا رب العالمين. اللهم لا نخيب وأنت رجاؤنا، ولا نضل وأنت هادينا، ولا نهزم وأنت ناصرنا يا رب العالمين يا أرحم الراحمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنهم قد طغوا وتجبروا وتكبروا، اللهم إنهم قد أذلوا عبادك المؤمنين، وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، واجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا قوي يا عزيز يا متين، يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2445

حرب على الإسلام يكن أعداء الإسلام كل الحقد والعداء والخبث لهذا الدين وأهله، ولهذا يسعون جاهدين في قتل وتشريد المسلمين، ويستغلون مآسي المسلمين للدعوة إلى أديانهم الباطلة، بل ويصطنعون المآسي لأجل ذلك، وللأسف الشديد نجد المسلمين لا يلتفتون إلى إخوانهم، ولا يساعدونهم في مآسيهم، إلا من رحم الله، فيجب على المسلمين أن يتكاتفوا ويتراحموا فيما بينهم، كما يدعوهم إلى ذلك دينهم، علهم أن ينجو في الدنيا من العذاب، وفي الآخرة من سوء العقاب.

стр. 2446

أحوال المسلمين اليوم في ظل الصمت العالمي الحمد لله الذي أحيا القلوب بالإيمان، وشرح الصدور بالإسلام، ونور البصائر بالقرآن، نحمدك اللهم حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائك ونعمك التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً كما تحب وترضى، نحمدك اللهم على كل حال وفي كل آنٍ، لا يُحمد على مكروه سواك، أنت أهل الحمد والثناء، فلك الحمد في الأولى والآخرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق الإنسان، وعلمه البيان، وأرشده إلى طريق الطاعة والإيمان، وكره له الكفر والفسوق والعصيان، ووعده عند الطاعة بالجنان، وتوعده عند المخالفة بعذاب النيران. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا لأن يكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، وسار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا اليوم هو عن الحرب على الإسلام، تلك التي تدور رحاها في كل مكان، والتي تمتد عبر التاريخ والزمان منذ قرون خلت. وفي معركة بين الإسلام والكفر صاح القائد المسلم عندما اشتد كيد الأعداء مردداً: واإسلاماه!! يحيي بها قلبه، ويقوي بها قلبه، ويحمس بها جنده، وينظم بها صفه، ويدحر بها عدوه، وكانت هذه الصيحة تنبعث من أعماق القلب فتجد صداها في قلوب المؤمنين الذين تجري في دمائهم عزة الإسلام واستعلاء الإيمان والالتزام بهذا الدين العظيم. فتحركت مع أصداء هذه الصيحة قوة الإيمان، ووحدة الإسلام، والغيرة على دين الله، والشدة على أعداء الله ، فكانت الجولة للإسلام والمسلمين، وكان النصر والعزة والغلبة والتمكين. واليوم تتردد هذه الكلمة، واليوم تُعاد وتكرر هذه الكلمة، وتملأ أجواء الفضاء، وتشق عنان السماء؛ يصرخ بها الأطفال الأبرياء، والفتية الأشداء، والرجال الأقوياء، والنساء، والضعفاء، تنطلق من إفريقيا السوداء، ومن قلب أوروبا البيضاء، ومن فلسطين السليبة، ومن كشمير الحزينة: أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه هذه الصيحات والصرخات تصم الآذان، وتنادي الإيمان، وتخاطب الوجدان، وتناشد الإنسان، ولكن لا ملبٍ ولا مجيب، إنها صيحة في واد ونفخة في رماد، فما تزال جراحات المسلمين تتوالى، وليس الحديث مقصوراً على المآسي، وإنما هو لبيان أن كل هذه المآسي إنما هي صورة واحدة متعددة الأشكال للهجمة الشرسة والحرب الضروس التي تمارس ضد الإسلام، ليست في ديار الكفر بل حتى في ديار الإسلام والمسلمين: قلبي يفيض أسىً وعيني تدمع والجسم من فرط الضنى متضعضع نار تمور بها الحشى مثالم يسري نياط القلب فهي تقطع حر يسام أذىً ويهتك عرضه قهراً فيالله كم ذا مفزع وفتاة طهر بالحجاب تلفعت عنها حجاب الطهر قسراً يُنزع وشباب حق بالهدى مستمسك يلقى عذاب الهون كيما يركع هذه هي الصورة التي تلامس الأسماع، وتواجه الأبصار في كل لحظة وآنٍ، وفي كل موطن وميدان، ولنا وقفات لكل واحدة منها تدمي القلوب، وكل واحدة منها تستثير الهمم، وتوقظ الغافلين.

стр. 2447

صور من مآسي المسلمين في الصومال عندما أردت أن أجمع صوراً متفرقة لأخلص منها إلى أن هناك حرباً مقصودة هادفة مبرمجة ضد الإسلام والمسلمين؛ فإنني وجدت نفسي محاصراً بآلاف وآلاف من الوقائع والأحداث وبتقارير كثيرة، فآثرت أن أختصر وأقتصر، وأن أتيح المجال لقضية لم يسبق الحديث عنها بتفصيل، ولم نذكر فيها المآسي والصور التي لا تخطر على البال، ولا يتصورها العقل، ولا يمكن أن يرضى بها من في قلبه ذرة إنسانية، أو بقية فطرة، فضلاً عن أن يكون صاحب إسلام أو أن يدعي أنه صاحب إيمان. تلكم هي المآسي الدامية في أرض الصومال المسلمة، لعل مما دفعني أن أسهب في هذا الجانب أنه وصلني بالأمس تقريران خطيران ميدانيان عن صور مفزعة لما يجري هناك، وعن طبيعة الاستثمار التنصيري لمآسي المسلمين؛ مما يدل على أن كل موقع تقع فيه مأساة فإن المأساة الإنسانية تهون أمام المأساة الإسلامية الدينية، ولذلك أوجز لكم الحديث في بعض الأرقام، ثم أذكر بعض المشاهد، ثم أجتزئ جزءاً من الوقت لأقرأ لكم بعض هذه التقارير، كما كتبها من شاهدوا بأم أعينهم، والذين ما يزالون في تلك المواقع ينبئوننا عن الأحوال، يستثيرون الهمم، ويحركون المشاعر. في كينيا ثلاثمائة وخمسون ألفاً من اللاجئين الذين فروا من ويلات الحرب ومن شدة وضراوة القتال، ومن بؤس وقسوة الجفاف! وفي أثيوبيا منهم أيضاً مئات آلاف أخرى، وفي اليمن منهم عشرات الآلاف، ولك أن تتصور بماذا خرج هؤلاء؛ خرجوا بغير شيء إلا ثيابهم التي تستر عوراتهم، وتخلوا عن هذه الثياب في رحلة العناء، فإذا بهم عراة لا يجدون حتى ما يكفنون به موتاهم! وقد نفقت وهلكت نحو (٩٢%) من المواشي أبقاراً وإبلاً وأغناماً، وهي التي تُعد المصدر الأول في غذاء أولئك القوم في تلك البلد المسلمة التي نسبة المسلمين فيها (١٠٠%) من بين سائر الدول الأفريقية! ثم في هذه الرحلة المريرة، وتحت الحرب القاسية يموت نحو خمسة آلاف طفل يومياً! خمسة آلاف طفل بريء مسلم يموتون من عضة الجوع ومن قنص الرصاص ومن شدة العطش والمعاناة القاسية الرهيبة! وأيضاً: حين تجد المعسكرات التي أعدت للاجئين فإنك ترى فيها عجباً! وترى فيها أمراً غريباً! إذ بعشرات الآلاف يحشرون في الأماكن الضيقة، وليس عندهم من قوت، ولا مأوى ولا سكن، فإن مساكن هؤلاء المغرَّبين والمهجَّرين إنما هي أعواد من الخشب وبعض القش! ويقول التقرير أيضاً: والغني أو السعيد منهم من يكون عنده بعض قطع من الكرتون يسد بها الشقوق والثقوب! فعلى سبيل المثال: في منطقة يسكنها (١٢٦٠٠٠)، ونزح إليهم (٧٠٠٠٠) آخرين، هؤلاء يعيشون على (١٨) بئراً ارتوازياً لهذا العدد كله بعد أن فقدوا مصادر الرزق والقوت بهلاك أنعامهم ودوابهم! ثم أنتقل إلى بعض الصور المحددة والتي تروي بعض هذه المآسي: هذه أم تخرج بأطفالها تهاجر وتغترب، وفي أثناء هذه الرحلة المريرة يموت طفلها الأول، فتدفنه وتمضي، ثم تموت الأم، ويبقى الأبناء جياعاً ضائعين؛ لا يجدون ما يأكلونه إلا جسد أمهم، فأكلوا منه!! وهذه وقائع مكتوبة من شهود العيان الذين يرسلون التقارير، ويستنجدون ويستصرخون الإيمان في أمة ماتت فيها الهمم، ونُزعت منها الغيرة، وانشغلت بلهوها، وسارت وراء أهوائها، وعبثت بها المجون والأهواء في كل ناحية وفي كل مكان. ولعلي أطيل في ذكر هذه الصور؛ لأننا لا نصدقها؛ ولأننا نستبعد وقوعها في زمن الحضارة التي تنفق ليس عشرات ولا مئات بل آلاف الملايين من الدولارات لأجل إطعام الكلاب والقطط في شرق الأرض وغربها! وليس ذلك في ديار الكفر فقط، بل في ديار المسلمين أيضاً! وتنفق أيضاً مئات وآلافاً من هذه الملايين على اللهو والعبث والفن الماجن والخمور والدعارة والسياحة! والمسلمون يموتون ولا من ملب ولا مجيب. وهذه قصة أخرى: امرأة جاءت إلى هؤلاء الإخوة الذين ذهبوا للزيارة والإغاثة، وإذا بها ليس عليها حجاب، أرادوا أن ينكروا عليها فبادر زوجها وقال: لقد كفنت ابني بحجاب أمه، وليس عندها ولا عندي ما تستر به عورتها أو تغطي شعرها!! إنها حقائق ليست خيالات، فليس عند القوم ما يكفنون به موتاهم. ولقد ذكر لي بعض الإخوة الذين قدموا من هناك: أنه استقبلهم هؤلاء اللاجئون وقالوا: لا نريد منكم طعاماً ولا شراباً، نريد أكفاناً نكرم بها موتانا، فإننا ننتظر الموت في كل لحظة وآنٍ!! ومن أفظع التقارير: أنه لكثرة الموتى ولعدم قدرة الآخرين لضعفهم وهزالهم على دفنهم يدفن الميت في حفرة لا يزيد عمقها عن ثلاثين سنتيمتراً، فإذا جاءت الرياح ظهرت الجثث، وتعفنت الأجواء، وكثرت الأمراض والأوبئة!! وقصة ثالثة: امرأة كانت تملك مائتين من البقر ومثلها من الغنم، وجدوها تسكن بين أعواد الشجر مع ثلاثة من أولادها لم تذق منذ يومين إلا قليلاً من الماء، وتقول: إنني مستعدة لأكل الجلد، ولأكل أي شيء من أجل أن أعيش!! ولعل هذا الذي ذكرته لا يُعد شيئاً مما سأتلو عليكم من بعض هذه التقارير التي وصلت بالأمس كما أشرت إليكم.

стр. 2448

بعض التقارير التي تبين حجم المأساة في الصومال أثناء الحرب يقول التقرير الأول: في منطقة علوان -وهي المنطقة التي فيها أكبر تجمع لهؤلاء على الحدود الصومالية الكينية- مخيم فيه (٢٥٠٠٠) لاجئاً، ولا يوجد فيه أي مركز من مراكز الإغاثة، وإنما قدم فيه الصليب الأحمر وجبة واحدة فقط، وكثير منهم لم يحصل على شيء، ومنهم عائلة من ستة أشخاص لم تحصل على شيء لمدة عشرة أيام، ولما وصل بعض الإخوة من السعودية يوم الخميس الماضي إليهم إذا بجميع هذه العائلة جثث هامدة قضى عليها الجوع وهي تشتكي إلى الله!! ووجدوا خيمة فيها خمسة أطفال، واحد منهم عنده جرح من إثر دمل في الصومال، ونقل من هناك بوسائل مختلفة، منها: المشي والحمل على ظهر البعير، وعلى أكتاف العائلة، حتى اتسع هذا الجرح الصغير فأصبح طوله أكثر من خمسة عشر سنتيمتراً! ووصل إلى العظم، وهو يحتضر الآن لعدم إمكانية علاجه! ويقول كاتب التقرير ويضع هذه العبارة بين قوسين: (إذا كنت لا تصدق احضر وانظر بنفسك!). ثم يقول: هل رأيت شخصاً لم يغتسل بالماء منذ ولدته أمه؟! تعال معنا إلى اللاجئين في عليوان لترى العجب! ثم يذكر أيضاً قصة أخرى ويقول: طفل أصيب بالملاريا، ولم يستطع شراء الدواء، (وقيمة هذا الدواء خمسة وعشرين هللة للعلاج كله)، وامتدت الملاريا إلى المخ، وأصيب بإغماء وفقدان الشعور لمدة أربع وعشرين ساعة، وأصيب بصرع نتيجة الملاريا يحتاج إلى إبرة للعلاج كلفتها ستين هللة، وبالطبع كان وضعهم لا يسمح بشرائها، وجدناه وهو بين الموت والحياة، ونقلناه إلى المستشفى، ولا ندري أكتبت له الحياة أم لا! وسوف نخبركم بما يحدث له لاحقاً. هذا طفل استطعنا نقله، وأمثاله آلاف لم يستطيعوا الانتقال إلى المستشفى أو شراء العلاج، والكل ينادي: واإسلاماه!! هل من بضع هللات تكون هي الفرق بين الموت والحياة نشتري بها الدواء؟! والكل يناشد: أين الأطباء المسلمون ينذرون شهراً من حياتهم زكاة عن أعمارهم لإخوانهم المحتاجين؟! والتقرير الآخر كتبه أحد الأئمة والخطباء ممن زاروا هذه المنطقة في الفترة القريبة الماضية، يقول: رأيت طفلاً في العاشرة من عمره لا يستطيع أن يقوم من شدة الجوع، بل لا يستطيع أن يمضغ الطعام؛ لأن عملية مضغ الطعام تحتاج إلى قوة هو من أفقر الناس إليها! ورأيت بعض الأمهات يرضعن أولادهن وهن أكثر جوعاً وأهزل جسماً من أطفالهن! ورأيت بعض النساء يعملن من الصباح حتى المساء راتبها اليومي وجبة واحدة من الطعام لها ولصبيتها الصغار، فتذكرت رواتبنا الشهرية التي أنعم الله بها علينا، والتي لا يؤدي الكثير منا حق الله فيها! ووجدنا بعض النساء قد انكشف شيء من صدورهن أحياناً، فاندفعنا متحمسين لإنكار ذلك فقيل لنا: إنهن لا يملكن ما يوارين به ما انكشف من أجسادهن! بل هناك بعض النسوة قلن: أعطونا ملابس نستر بها أجسادنا العارية، ولكم علينا عهد ألا نلبس ملابسكم إلا في الصلاة إن أردتم ذلك! فتذكرت الملابس التي عندنا والتي احتار كثير من الناس ماذا يفعل بها، وتذكرت مراكز تخفيف الوزن التي يعلن عنها في صفوفنا، وتذكرت الحفلات التي تهدر فيها الأموال بغير حساب، وتذكرت القمامة التي نرمي فيها البراميل الخضراء وما فيها من الأرز واللحم وأصناف الطعام المختلفة، فقلت في نفسي: يا رب! ما أحلمك علينا! وما أرحمك بنا! ويقول: اتجهنا إلى الحدود الكينية الصومالية، وزرنا قرية مجير وعليوان، وقد رأينا صوراً بئيسة أدمت القلوب، وأبكت العيون، وقفنا عند تجمع للنازحين، فسألناهم عن حالهم، فقال لنا شيخ كبير: نحن نعاني من الجوع، وهيئة الأمم تعطي كل أسرة كيلو واحد من الذرة كل خمسة عشر يوماً! ولك أن تتصور قلب الأم وهي ترى طفلها يتلمظ بين يديها ثم يموت، ليس به شيء إلا الجوع! ثم قال: ونحن نعاني أيضاً من البرد، والبرد عندنا قارس، وليس لهم إلا التراب ينامون عليه، وأغصان الشوك يلتحفون بها، ونعاني من لدغ العقارب والحيات، ولا دواء، ونحن كما ترى ننام في العراء، والأرض التي نحن فيها تكثر فيها الهوام، ونحن ندفن كل يوم خمسة عشر نفساً ما بين شيخ كبير، وطفل رضيع، لا نجد ما نكفنهم به!! ثم رأينا بعض الأسر النازحة، ولقد رأينا عجباً ما رأيناها تحمل معها قدوراً، ولا رأيناها تحمل معها زاداً ولا طعاماً ولا فرشاً، ولكننا رأيناها تحمل فيما تحمل لوحاً من الخشب، تعتز به، وتحمله معها أينما حلت؛ إنه لوح كتبت عليه بعض سور القرآن الكريم! حقاً إنهم قوم يعتزون بإسلامهم، ويموتون على إيمانهم، وهذه الصور المفزعة غيض من فيض، وهذا تقرير لأفراد معدودين ممن رأوا هذه الصور على مناطق الحدود، فكيف بما هو في داخل الجحيم، وفي أتون النار، وفي معمعة القتال، وفي نار الرصاص؟!!

стр. 2449

استغلال المنصرين مآسي المسلمين في دعوتهم إلى النصرانية ولك أن تتصور بعد ذلك ما هي النتيجة المتوقعة؟ وما هي النصرة المنتظرة؟ وما هو العمل الذي بدأ يلامس أولئك القوم؟ إنه التنصير الذي يفرح بمثل هذه المآسي، بل ربما يخطط لها، بل ربما يستزيد أمدها ويطيل زمنها؛ ليقطف الثمار في ظل هذه المآسي تنصيراً للمسلمين، وسرقة لأبنائهم، وإنك لترى -كما يذكر إخواننا في تقاريرهم- أعداداً من هؤلاء المساكين يقفون على أبواب السفارات الأوروبية في نيروبي عاصمة كينيا؛ لينتقلوا إليها، ثم تحتضنهم هناك الجمعيات التنصيرية، ثم يُسلب منهم أبناؤهم، وبعد فترة يُعاد الآباء ويبقى الأبناء؛ ليتغذوا بغذاء الصليب، وليرضعوا لبان المسيحية، وليعودوا حربات تطعن في قلب الأمة المسلمة! والذي يقوم بالإغاثة والعمل هناك: أولاً: منظمات تنصير: الكنيسة الأفريقية الداخلية، وهي منظمة أمريكية بروتستانتية. ثانياً: الكنيسة الكاثوليكية. ثالثاً: منظمة (جي سي دت) الألمانية. رابعاً: منظمة أطباء بلا حدود البلجيكية. خامساً: منظمة العون الأمريكية. سادساً: منظمة الرؤيا العالمية. سابعاً: منظمة أكسفام للإغاثة الإنجليزية. ثامناً: منظمة الصليب الأحمر السويدية. وكلها هناك تضطهد وتقدم الغذاء بيد والإنجيل باليد الأخرى! بل لا تعطي الغذاء حتى يأخذ الإنجيل، وحتى يكفر بالإيمان، وحتى يخرج من الإسلام!! وفي هذه التقارير أيضاً عجب عجاب من هذه الصور التي تلبس وتشوش علينا؛ تبين لنا حقيقة الواقع لهذه المنظمات التي تسمى إنسانية، فهذا التقرير يقول: لقد عشعش الصليب هناك وفرخ، والقساوسة والمنصرون ركزوا جهودهم ونشاطهم في الأماكن التي يكثر فيها المسلمون، واستغلوا الكثير من المؤسسات ذات الصبغة الرسمية في نشر دعوتهم، ومن هذه المؤسسات: هيئة الأمم المتحدة؛ لقد وضعت جميع إمكاناتها وأموالها تحت تصرف القساوسة والمنصرين! ووجدنا مراكز تنصيرية على شكل بعثات تمثل الدول الأوروبية النصرانية، وقد زودت بكافة الإمكانيات الضخمة والأموال الطائلة، وقد زرت مركز البعثة التنصيرية لإحدى الدول الأوروبية فوجدت الأطباء والدواء والغذاء والماء والسيارات والخيام، ووجدت المركز يعج بالمسلمين الذين أرغمتهم الحاجة والمرض والجوع إلى مثل هذه المراكز!!

стр. 2450

دور المسلمين الغائب عن مآسي إخوانهم والسؤال الذي تردد في ذهني وأنا أرى هذه المراكز: من هذه الدول النصرانية: أين مراكز الدول الإسلامية، أهان عليهم المسلمون وهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين؟! حيث تحث هذه الجمعيات الأسر الصومالية على ترحيل الأبناء إلى بلاد الغرب تمهيداً لتنصيرهم، وإضافة لذلك؛ فإن هذه المنظمات ليست إنسانية، وإنما هي منظمات كنسية دينية لا تبذل إلا بقدر ما تأخذ من عقائد المسلمين، وبقدر ما تفتن منهم عن دينهم وتصدهم عن إسلامهم! فهذه الصورة المفزعة المرعبة لا يهم فيها الموت والجوع بقدر ما يهم هذه المؤامرات التي تمول أحياناً من أموال المسلمين، ومن المنظمات الدولية كما تُسمى، ومن المنظمات الإنسانية كما يُطلق عليها، ثم تستخدم في إخراج المسلمين من دينهم بقوة هي قوة الإغراء، وبقوة هي قوة إيجاد الفقر والجوع والمرض، ثم استغلاله بعد ذلك للتنصير وللحرب ضد الإسلام والمسلمين.

стр. 2451

واجب المسلمين تجاه إخوانهم إنني في هذا المقام أذكر أن هناك منظمتين إسلاميتين تقومان بجهد جيد مشكور، وهما منظمة لجنة مسلمي إفريقيا وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، ولكنها لا تنافس ذلك القدر الهائل من المنظمات، وتلك الأموال الطائلة والإمكانيات الضخمة، إضافة إلى ذلك فإنني أناشد هاتين المنظمتين أن تبعثا بتقاريرها وبما يواصلها به مندوبوها إلى كل إمام وخطيب وإلى كل رئيس هيئة تحرير بل إلى كل مسلم، وإلى كل صناديق البريد؛ ليعلم الناس؛ فإن هذه الهيئات لا يصل خبرها إلى المسلمين، ولا يعرف تقاريرها أبناء الإسلام، ولا ينشر كثير مما ترى، ولا تكتب في الصحف أو في الإذاعات أو على شاشات التلفزة، فينبغي أن تعالج هذا الأمر؛ لأن وصول الأنباء ومعرفة الأخبار وإشاعة التقارير لها أثر كبير محمود. والله نسأل أن يدفع عن المسلمين السوء والضر، وأن يرزقنا أن نؤدي شكر النعم، وأن يدفع عنا أسباب الهلاك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2452

صور من مآسي المسلمين في الهند الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى نصرة المسلم، والله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال رسولنا ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، وكلهم مظلومون بهذه المؤامرات والمؤتمرات والكيد والحروب. وكذلك يخبرنا النبي ﷺ عن واجب المسلمين، ويصفهم بأنهم (تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، فلا بد أن يستشعر المسلم وحدته مع إخوانه، والقضية ليست قضية إنسانية فحسب، بل هي قضية إسلامية، ولذا أواصل استكمال الصورة ليس في الصومال، وإنما في مناطق أخرى بإيجاز شديد؛ لأبين أن القضية هنا وهناك في آسيا وفي أوروبا وفي أفريقيا وفي أماكن أخرى إنما هي قوة ومؤامرة بصورة أو بأخرى، هدفها: القضاء على الإسلام، والقضاء على المسلمين، وإخراج المسلمين من دينهم. وإليكم هذا الخبر الذي يقض مضاجع المؤمنين فيما وقع على إخواننا المسلمين في الهند: نشرت التقارير في أوائل هذا الشهر الميلادي نقلاً عن صحيفة هندية شهيرة تتبع للهندوس ذكرت فيها: أنه خلال نحو عامين تم ارتداد خمسين ألف مسلم، ودخلوا في الديانة الهندوسية. وأشارت تقارير الجماعة الإسلامية في باكستان أن هذا العدد ليس صحيحاً، وأن العدد الصحيح يتراوح ما بين مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف من الذين تركوا الإسلام ودخلوا في الهندوسية، فهل كان ذلك باختيارهم؟! كان ذلك بالعنف والإجبار والإكراه وبالقوة والسلاح، وكان ذلك بالتضييق والتجويع، وكان ذلك بإحراق المنازل ومحاصرة التعليم، وكان ذلك بكل ضروب العسف والقهر والعدوان، وكان ذلك على فئة من المسلمين، حيث قالوا: ينبغي أن يرجعوا إلى الهندوسية؛ لأن أجدادهم كانوا من الهندوس، وبعض أولئك دخلوا في الإسلام في أوائل الثمانينات، ثم أجبروا في هذه الولايات قهراً وقسراً على أن يتركوا دينهم، وأن يدخلوا في الهندوسية! وتقول مجلة الإصلاح التي نشرت الخبر مفصلاً: المهم أن الخطر ليس على المسلمين بالاسم، بل هي بداية وانطلاقة لمأساة هدفها القضاء على إسلام المسلمين الهنود الذين يشكلون أكبر عدد من المسلمين في دولة واحدة بعد أندونيسيا، ومعلوم أن عدد المسلمين في الهند يبلغ عشرين ومائة مليون مسلم، يعادلون عدد المسلمين في الدول العربية جمعاء، ومع ذلك يمارس ضدهم هذا الاضطهاد، ويلجئون إلى الارتداد، وليس هناك من ملب ولا مجيب.

стр. 2453

صور من مآسي المسلمين في البوسنة والهرسك، وبيان حقد الغرب على المسلمين وإذا انتقلنا إلى الحدث الساخن الثالث وما يجري في أوروبا المتحضرة ذات الحضارة المدنية الباهرة، وذات الإعلانات الحضارية الزائفة التي تدَّعي حماية حقوق الإنسان، والتي تدّعي رفع شعار العدالة الدولية، والتي تدّعي أنها تنصر الحق في أي مكان، وأنها تنجد الإنسانية في أي ميدان، وإذا بنا نرى على مدى شهور طويلة هذه المؤامرة البغيضة الحاقدة على إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك، وليس من ذنب ولا من خطأ ولا جريمة إلا أن القوم مسلمون، وإن كان بعضهم ربما لا يعرفون من الإسلام إلا أقل القليل؛ ولذلك كلما مر زمن كلما اتضحت أبعاد المؤامرة. فإذا بنا نسمع عن معسكرات الاعتقال التي تضم أكثر من (٢٦٠٠٠٠)، وإذا بنا نسمع عن قتل أكثر من (١٧٠٠٠) في داخل هذه المعتقلات، وأن (٥٠٠٠٠) من هؤلاء يضطهدون ويعذبون حتى الموت، وأن هناك ما يسمى بحملات التطهير العرقي، وهي في الحقيقة حملات التطهير الديني!! فلماذا يقتلون الأطفال؟! ولماذا يبقرون البطون ويقتلون الأجنة التي لم تر النور؟! إنهم يقتلون الإسلام الذي يثأرون منه كما يقولون، إنهم يقتلون الإسلام الذي لا يريدون له أن ينبعث في القارة الأوروبية النصرانية المسيحية التي لا تقبل وجوداً للإسلام والمسلمين، ولذا غضت الطرف وسكنت وسكتت، فلما ظهرت الصور الفظيعة تحركت بالإغاثة لا لأجل ألا يموتوا ويقتلوا، ولكن ليكن موتهم وهم شباع البطون بدلاً من أن يموتوا وهم جياع، فقد تم الاتفاق على أنهم يموتون ويقتلون ويهجرون، ولكن يمكن أن يموتوا بعد تزييف لهذه المساعدات الإنسانية. وكذلك عندما جاء الكلام على التدخل العسكري، وعلى معاقبة المعتدي، فإن الأقوال تشعبت وتعددت، وإن التبريرات تكاثرت وتعددت، وكل ذلك ينبئ أن القوم ماضون في المؤامرة، ومؤخراً اتضحت الأبعاد، وتبادل الصرب والكروات الأسرى، وبدءوا ينسقون فيما بينهم، ويوزعون أراضي البوسنة والهرسك: ثلثين للصرب وثلثاً للكروات، ويحددون مواطن كل دولة تنضم إلى التي تريد، إما إلى دولة صربيا العظمى أو الكبرى كما يسمونها، أو إلى دولة الكروات. وهذه المؤامرات تؤكد أن القضية دينية إسلامية، وأن المؤامرة صليبية مسيحية، ولعلكم تسمعون الفظائع التي تبين لنا أن القوم بنصرانيتهم وأن القوم بحضارتهم أنهم ليسوا من الإنسانية ولا من الآدمية بسبب ولا بنسب، ولذلك قتلوا الأطفال، واختطفوا النساء، والحقائق والوثائق والتقارير التي نطلع على جزء يسير منها يشيب لهولها الولدان. ومن ذلك أنهم قتلوا (٥٠٠) من المسلمين بطريقة عجيبة فظيعة لا يصدقها العقل، سحبت منهم الدماء لأجل إنقاذ جرحى الصرب، فكان الواحد منهم يموت وهو يقطر دماً قطرة قطرة، حيث يسحب دمه حتى يلفظ أنفاسه!! وفي موقع آخر حشر (٥٧) من المسلمين في بدروم لعمارة، ثم جاء واحد من الصرب وألقى عليهم قنبلة يدوية، ولما تعالت الصرخات من هؤلاء تعالت الضحكات من ذلك الوغد الحقير، وكل هذه الصور تتناقلها وسائل الإعلام!! والأمر أيضاً مرة أخرى تنصير، ومؤامرة على الإسلام في الأطفال الذين يستوعبون في البلاد الأوروبية شرقاً وغرباً، ليضعوا لبان النصرانية، ولذلك قال أحد كتابنا في مجلة اليمامة: إني أحس بألم شديد أن يتحول هؤلاء الأطفال إلى ديانة غير الإسلام؛ لأن إخوانهم المسلمين تخلوا عنهم في لحظة هم في أمس الحاجة إلى أن تمتد إليهم أيدي إخوانهم المسلمين لتنتشلهم، ثم يقول: المهم ألا نفرط بهذه البراعم التي أنقذها الله من براثن الشيوعية ثم ابتلاها ببراثن التعصب الأعمى الذي اجتثها من الأرض. ويقول كاتب آخر: لقد اتضح أن القيادات الغربية في أمريكا وأوروبا لن تتخذ أي مبادرة بهذا الخصوص لنجدة المسلمين. لماذا ينجدون المسلمين؟! لماذا يفنون أموالهم أو يبيدون رجالهم لأية مصلحة؟! إن مصلحتهم في عكس ذلك، ويقول: لم تتخذ أية مبادرة بهذا الخصوص، والأمم المتحدة قدمت كلما لديها، ووجدنا أنه حل سقيم، ولكنني أعتقد أن الغرب إذا شعر بأن الدعم الإسلامي للبوسنة يجسد تيارات قوية رسمية وشعبية في العالم الإسلامي فقد يفكر في تغيير موقفه في البوسنة، وإذا أدرك الغرب أو اعتقد أن موقفه تجاه قضية البوسنة سيضر ببعض مصالحه في العالم الإسلامي فقد يتجه نحو صد العدوان الصربي على البوسنة.

стр. 2454

قضية المسلمين واحدة في كل مكان، والدفاع عنها مسئولية الجميع إنه منطق القوة لا يجدي غيره، ولو أن أمم الإسلام حاربت بجيوشها، أو حاربت بمقاطعتها لهذه البلاد ومنعت البترول، ومنعت عن المناصرين الذين يؤيدون هؤلاء المدد وكل ألوان التعامل؛ لكان هناك شأن آخر، هذا إذا كان هذا في دول أوروبية، فكيف الحال إذا كان في الهند؟! قال الشاعر: غض المفاوض صوته فتكلم بلسان نار يا كتائب أو دم لم يسمع المحتل من خطبائنا فلتفهموا المحتل ما لم يفهم لا بد أن ندرك أن القضية حرب على الإسلام وإن اختلفت الصور وإن تعددت الأماكن، والصرخة ما تزال تدوي في الفضاء: واإسلاماه! لتبين الأمر للغافلين الذين يعيشون في وهم الشرعية الدولية، ويعيشون في وهم النظام الدولي الجديد ويعيشون في وهم تسامح الأديان، والإخاء الديني والنظرة الحضارية والنظرة الإنسانية: بني الإسلام هذي حرب كفر لها في كل ناحية لهيب يحركها اليهود مع النصارى فقولوا لي: متى يصحو اللبيب؟ أراكم تنظرون وأي جدوى بنظرتكم إذا غفت القلوب؟ ستطحنكم مؤامرة الأعادي إذا لم يفطن لها الرجل الأريب وليس هناك من ذنب إلا أن هؤلاء الذين يضطهدون في كل مكان مسلمون، كما قال الشاعر الآخر: لأنك مسلم سترى العذابا وسوف تواجه العجب العجابا لأنك مسلم ستموت غماً وهماً واضطهاداً واضطرابا ستسأل كل أهل الأرض عدلاً وتنتظر الجواب ولا جوابا يسوءك أن ترى الطاغوت يعلو ويحني المسلمون له الرقابا لأنك مسلم ستزور سجناً وتنهبك السياط به نهابا إذا قرعت به يمناك باباً سمعت الفحش يسرع والسبابا وسوف تعض من ألم بناناً وسوف تسف من جوع ترابا فإما أن تكون كما أرادوا وإما ينزلون بك العقابا هذه هي الحقيقة، وهذه هي الصورة والمؤامرة، وليس لها من دون الله كاشفة، وليس لها بعد الله إلا المؤمنون الغيورون، وليس لها بعد الله إلا المسلمون الصادقون، وليس لها بعد الله إلا أن تتحرك القلوب، وأن تلهج الألسن بالدعاء، وأن تمتد الأيدي بالعطاء، وأن يبادر كل قادر على ما يستطيع، وإن التقارير التي سأذكر بعضاً منها بعد الخطبة تبين لنا أن الأمر الذي يحتاجون إليه لا يكلفنا الكثير، بل هو يكلف أقل القليل مما نزهد فيه، بل مما نتخلى عنه في أمور تافهة، ولذلك ينبغي لنا أن نتوجه إلى الله بقلوب مخلصة وبدعوات حارة خالصة. اللهم إنك العالم بالسرائر المطلع على الضمائر، اللهم قلَّ الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع الحاكم، اللهم بك نعتز عليهم، وإليك نهرب من بين يديهم، حاكمناهم إليك، وتوكلنا في إنصافنا منهم عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا وبين أعدائنا بالحق وأنت خير الحاكمين. اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، إلى من تكلنا: إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ولكن عافيتك ورحمتك هي أوسع لنا، اللهم فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2455

ومضات إصلاحية من الآيات القرآنية الإصلاح قضية مهمة في حياة المجتمعات والأفراد، وهي قضية لا تقوم إلا على أسس راسخة، وقواعد ثابتة، وقد كان أنبياء الله هم قادة الإصلاح في جميع المجالات، وقد طرح الشيخ في هذه المادة أسس الإصلاح التي انطلق منها نبي الله شعيب ﵇ حتى تكون منهاجاً لكل من يريد الإصلاح.
следующие страницы →